التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول
تأليف
السيد العلامة محمد صديق حسن خان القنوجي البخاري
المولود سنة ١٢٤٨ هـ والمتوفى سنة ١٣٠٨ هـ - رحمه الله تعالى -
إصدارات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
حُقُوق الطَّبْع مَحفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة إدارة الشؤون الإسلامية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
عودًا على بدء
نواصلُ المسيرةَ في ظل قيادة حكيمة، ترى تراث الأمة أمانة، وجديرة بالعناية والرعاية، كانت هذه المجموعة من
مطبوعات الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني ﵀
حيث طبعت متلاحقة على نفقته الخاصة، كسائر مطبوعاته التي أتحف بها العالم الإسلامي كله، وها نحن نقدمها متوافقة، تجديدًا للصلة، في مساراتها الأربعة:
الأول: "الدين الخالص".
معالم التوحيد، مؤسسةٌ على النصوص الخالدة من الكتاب والسنة، إنه الدين في صورته الحقيقية.
الثاني: "التاج المكلل من مآثر الطراز الآخر والأول".
تراجم جملة من علماء الإسلام الأعلام الهداة الأئمة، مآثر واضحة، فضائل لائحة، مناقب سائرة.
الثالث: "الموعظة الحسنة بما يُخطب في شهور السنة".
نماذج فاعلة بكلماتها الجميلة للخُطب كافة، بدايةً من خُطبة الجمعة،
стр. 5
والعيدين، والاستسقاء، والكسوف والخسوف، حيث المناسبة، مع ذكر الأحكام الشرعية المتعلقة، فجاء الكتاب حافلًا مهمًا في بابه.
الرابع: "رحلة الصديق إلى البلد العتيق".
صورة شائقة لهذه الرحلة المباركة، من الهند على ظهر سفينة، وصولًا إلى جدة، ومن ثم إلى مكة المكرمة، مع ذكر الأحكام الخاصة بالحج والعمرة والزيارة، وأحكام وفضائل مكة والمدينة، جامعة بين المتعة بذكر جملة مما وقع له من حوادث أثناء الرحلة، وتلك الروح العلمية. لهذا كله وقع الاختيار عليها بعد نصف قرنٍ من نشرتها الأولى.
حيثُ عهدت إدارة الشؤون الإسلامية إلى دار النوادر لصاحبها نور الدين طالب للعمل عليها لإخراجها في حلتها الجديدة، وفق خطة علمية، تلخصت في الآتي:
١ - إعادةُ تنضيد الكتب على أفضل وأرقى البرامج الطباعة الحالية.
٢ - تصحيح الكتب بما ورد فيها من أخطاء مطبعية سابقة، وقد بلغت مئات الأخطاء.
٣ - كتابةُ الآيات القرآنية بالرسم العثماني، منقولة من المصحف الشريف، إضافة إلى عزوها عقب الآية بين معكوفتين.
٤ - ضبطُ النصوص المهمة والمشكلة بالشكل الضروري، كالأحاديث النبوية الشريفة، وأبيات الشعر، وغريب اللغة.
٥ - إعادةُ تقسيم الكتاب، وتفصيل فقراته، بما يتناسب مع سهولة تناوله وقراءته.
٦ - وضعُ علامات الترقيم المناسبة للنص، حتى يخرج نصًا صحيحًا من حيث اللغة والإعراب.
وإنا لنرجو الله تعالى أن يكون في عملنا هذا الإفادةَ لطلبة العلم وأهله.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
إدارة الشؤون الإسلامية
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على سوابغ نعمائه، وضوافي آلائه، حمدًا يملأ مكان الإمكان، وأركان الأمكنة، ويعطر شذاه خياشيم العصور والأزمنة.
والصلاة والسلام على عبده ورسوله، محمدٍ أكرمِ رسله، وأفضل أنبيائه صلاة تبلغ قائلَها والآتي بها مَأْمَنَه؛ وسلامًا يحله بشفاعته في جنة الفردوس الأعلى وأسكنه.
وعلى آله وصحبه سادة نجبائه، وأهل الحديث قدوة علمائه، وحفاظ هديه قادة أصفيائه، الذين استمعوا القول فاتبعوا أصوبه وأحسنه، ودعوا إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ونستغفره سبحانه من حصائد الألسنة.
وبعد: فهذا تذكارُ عصابة مباركة من أهل العلم بالحديث الشريف النبوي، وذوي العمل بالأثر المصطفوي، ومآثرهم الجليلة التي يحتاج إليها طلبة العلم في معرفة ما كان عليه سلف هذه الأمة وخلفُها الأئمةُ من العمل بالدليل، وطرح التقليد ورفض القال والقيل، وتحريرُ بعض فوائدهم الجميلة التي لا مندوحة عنها لمريد سلوك سبيلهم السوي الجليل؛ من كتب طبقات المحدِّثين الحفاظ المجتهدين، وصحائف زبر العلماء المتقدمين والمتأخرين، على غير ترتيب لذكر ذوي الباقيات الصالحات، وتبويب لسنين مواليدهم والوفيات، كما هو صنيع بعض أهل العلم والأدب؛ كالعلامة ابن رجب؛ لأني لم أرد استيعاب جميع ذلك، ولا جمع جملة ما هنالك؛ فإن الدواوين المبسوطة المؤلفة في هذا الشأن تغني عن الإطناب والإطالة، وطولُ الكلام يفضي بالناظر الناقد البصير إلى السآمة والملالة.
стр. 7
وقد قال رسول الله ﷺ فيما روينا عنه: "ما قَلَّ وكفى خيرٌ مما كثير وألهى"، فهم - وإن كانوا في هذا الكتاب قليلين في العدد -؛ فإنهم كثيرون بسبب أنهم ذريعة للمَدَد في كل المُدَد.
وقد يقال: إن أعداد الكبار الشم الأنوف ربما عدلت عشراتها بالمئين، ومئوها بالألوف، وأضفت إليهم: أخبار بعض الملوك والشعراء والزهاد، من أعيان الأعيان وأمجاد الأمجاد.
ولما كان الشروع ملزمًا، وإتمام ما شرعت فيه متحتمًا، لم أر بدًا من إلحام ما أسديتُه، وإصماء ما أنميته، فتذكرت من الكلام أوائلَه، وألحقت بكل منه ما شاكَلَه، وما أقدمني على هذا الشأن إلا تخلُّفُ أبناء الزمان، عن إحراز فضيلة السبق في هذا الميدان.
وليس غرضي إلا أداءَ بعض حقهم المفترض، وأبرأ إلى الله من تهمة الغرض، وإني وإن قصرت في مواضع من تراجمهم، فما قصرت وإن طولت في مجال، فما تطولت، وغاية النصفة في هذا المقام هو الاعتراف بقصوره، والإقرار بعدم شعوره؛ فإن المرء ولو بلغ جهده، فالإحاطةُ بهذا الشان وتراجم أهله لله وحده.
ولا أعتقد أني وفيتُ بالمقصود، أو أتيت بالمراد على الوجه الموعود، بل كل ما آمل من هذا الصنيع هو نيل ثواب في المبدأ ونجاة في اليوم المشهود.
فقد ذكر غير واحد من العلماء؛ كابن فهد المكي وغيره، أن الاشتغال بنشر أخبار الأخيار، من أهل العلم والآثار، من علامات سعادة الدنيا وسيادة الآخرة؛ إذ هم شهود الله في أرضه، ولهم المراتب الفاخرة.
والذين ذكرتهم في هذا المختصر - إنما هم بالنسبة إلى من تركتُ ذكرهم من الحفاظ العالمين بالكتاب والسنة، العاملين بهما من بين الأمة، كحركات العوامل، أو عدد الأنامل.
فهاك - أيها المتفضل عليّ - كتابًا لطيفًا يحاكي في حسنه وجماله غصنَ البان، وفنن الجِنان، ويرد ورودَ ماء عذب بارد فراتٍ على الظمآن، ودونك أيها
стр. 8
المحسن إليّ - خطابًا شريفًا يرد ما شاع على ألسنة جماعة من الرعاع؛ من اختصاص سلفِ هذه الأمة بإحراز فضيلة البلوغ إلى ذروة الاجتهاد والتجديد، وتعذُّر وجودِ المجتهدين بعد المئة السادسة أو السابعة على التعيين والتحديد، وكانت هذه المقالة بمكان من الجهالة، لا تخفى على مَنْ له أدنى حظ من علم، وأنزرُ نصيب من عرفان، وخصر حصة من فهم وجلالة؛ لأنها كما قال العلامة الرباني، مجتهدُ القطر اليماني، مجددُ المئة الثالثة عشرة في إحياء الأمر الإيماني، شيخُنا وبركتنا قاضي القضاة شيخُ الإسلام، وحسنةُ الليالي والأيام، محمدُ بنُ علي بن محمدٍ الشوكاني ﵁: قصرٌ للفضل الإلهي والفيض الرباني على بعض العباد دون البعض، وعلى أهل عصر دون عصر، وعلى أبناء دهر دون دهر، بدون برهان ولا قرآن، على أن هذه المقالة المخذولة، والحكاية المرذولة، تستلزم خلو هذه الأعصار المتأخرة عن قائم بحجج الله، ومترجم عن كتابه العزيز، وسنة رسوله المطهرة، ومبين لما شرعه الله لعباده.
وذلك هو ضياع الشريعة الحقة بلا مِرْية، وذهاب الدين المتين بلا شك، وهو تعالى قد تكفل بحفظ دينه القويم، وليس المراد به حفظه في بطون الصحف والدفاتر، بل إيجاد من يبينه للناس في كل وقت وعند كل حاجة، فليعلم صاحب تلك المقالة: أن الله تعالى - وله المنة - قد تفضل على الخلف كما تفضل على السلف، بل ربما كان في العصور المتأخرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلمية، والمدارك الشرعية، على اختلاف أنواعها، من يقل نظيرُه من أهل العصور المتقدمة، انتهى.
وسوق هذا الكلام منه - أعلى الله منزلته في دار السلام - فيمن يعرف الكتاب والسنة وعلومهما، دون من لم يرفع رأسه إليهما، بل أضاع عمره في الفروع سرمدًا، فإنه لا يكون مجتهدًا ولا مجددًا للدين أبدًا.
وسيقف على ذلك من أمعن النظر في هذا "الكتاب"، وحل من عنقه عرا التقليد والارتياب، والمذكورون في هذا "المختصر" هم صميم الكرام، الذين
стр. 9
هم صميم الكرام من العلماء وأكابر الزمان، من أهل القرون الأولى ومَنْ بعدهم إلى الآن، مع ذكر فوائد نافعة غريبة، وبيان عوائد نفيسة عجيبة.
ومن أمعن النظر في مطالعة كتب القوم: ١ - كتاريخ الإسلام، ٢ - وتذكرة الحفاظ، ٣ - والنبلاء، ٤ - وكامل ابن الأثير، ٥ - وتاريخ القاضي ابن خلكان، ٦ - وفوات الوفيات، ٧ - وتاريخ ابن الوردي، ٨ - وطبقات ابن رجب، ٩ - ونفح الطيب للمَقَّري، ١٠ - والدرر الكامنة، ١١ - والنور المسافر، ١٢ - وخلاصة الأثر، ١٣ - والضوء اللامع، ١٤ - والبدر الطالع، ونحو ذلك، علم أن الفيض الإلهي لم ينقطع، وأن اللطف الرباني لم يتم، وأن الرحمة العامة لم تنصرم، وأن التفضل الرحماني لم يختم، وأن الجود المهيمني لم يبخل، وسميت هذا المختصر:
التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول
وما أنا فيما أوردت فيه من التراجم والأخبار بمعتقد كمالي، ولا معتصم من إخلالي، على أني بجسارة أقول: إنه حوى صفوة أقوال الرواة العدول، ونخبة أحوال الأعلام الفحول، دون عدول يجيء به تعصب ديني، أو ميل غرضي.
ولقد سلكت في هذا الكتاب مسلك أبناء العصر، ومهيع أولاد الدهر؛ فإن الناس بزمانهم، أشبهُ منهم بآبائهم.
ولو أخذت فيه أخذ الأدباء، وألبسته من براعة الكلام وبلاغة المعاني الإزار والرداء، فأبرزت فيه من المعاني الجزلة كلَّ بديع، في قوالب مبان فحلة ولفظ رفيع، لما عرف أحد قدره، ولا التفت إليه، ولا عوّل لقصور الأفهام والهمم عليه.
ولما كانت المجازات خيرًا من الحقائق، والغلط المستعمَل أولى من الصواب في الدقائق، حررته في عبارات يسيرة، وإشارات رقيقة غير عسيرة، ولنعم ما قيل شعرًا:
إذا أحسستَ في لفظي قُصورًا ... وحظي والبراعةِ والبيانِ
стр. 10
فلا ترتَبْ لفهمي إنَّ رقصي ... على مقدار إيقاعِ الزمانِ
وقد انقلب الآن بأهله الزمان، فصار حاملُ الأدب والفضل من رهطه، والمنسلك من العلم في نظمه وسمطه، وصار فيه باقلٌ جريرًا، وجريرٌ جاهلًا كبيرًا، وليتني كنت في هذا وذاك كفافا، ومن خير الزمان وشره معافى. وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، من الحسنات والسيئات.
وقد جعلت هذا الكتاب خدمة لأحبابي، ونصيحة لأخلافي - الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويحبون العمل بالكتاب والسنة، والإتيان بالموعظة الحسنة، ملتمسًا من ذوي الانتقاد أن يُقيلوا العِثار، ويقبلوا الأعذار، فيشدوا أسره، ويجبروا كسره، ويرقعوا خلَلَه، ويحققوا أملَه، متوسلًا إليه أن ينفع به قارئه من الفحول، فإنه أكرم مسؤول، وخير مأمول، حرسنا الله تعالى من التمادي في مهاوي الغواية، وجعل لنا من العرفان بأقدارنا أمنعَ وقاية، وسلك بنا مسلك أهدى هداية، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد عبده ورسوله وآله وصحبه - ما ذَرَّ شارِق، ولمع بارِق.
***
стр. 11
١ - الإمام أَبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل ابن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني، المروزي الأصل .
هذا هو الصحيح في نسبه، وقيل: إنه من بني مازن بن ذهل بن شيبان، وذهل بن ثعلبة المذكور: هو عم ذهل بن شيبان، فليعلم ذلك، والله أعلم.
خرجت أمه من مرو وهي حاملٌ به، فولدته في بغداد، في شهر ربيع الأول سنة ١٦٤، وقيل: إنه ولد بمرو، وحُمل إلى بغداد وهو رضيع.
وكان إمام المحدثين، صنف كتابه "المسند"، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي وخواصه، ولم يزل مصاحبَه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، وقال في حقه: خرجتُ من بغداد، وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل.
وادعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب، فضُرب وحُبس وهو مصرٌّ على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ٢٢٠ عشرين ومئتين، وكان حسن الوجه، ربعة، يخضِب بالحناء خضبًا ليس بالقاني، في لحيته شعيرات سود.
أخذ عنه الحديث جماعةٌ من الأماثل، منهم: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع.
توفي ضحوة نهار الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقين من الشهر المذكور، وقيل: من ربيع الآخر سنة ٢٤١ ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب. وباب حرب: منسوب إلى حرب بن عبد الله أحدِ أصحاب أبي جعفر المنصور، وإلى حرب هذا، تُنسب المحلة المعروفة بـ "الحربية".
стр. 12
وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يزار - رحمه الله تعالى - وحُرز من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمئة ألف ٨٠٠٠٠٠، ومن النساء - ستين ألفًا ٦٠٠٠٠.
وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفًا من النصارى واليهود والمجوس. وذكر أَبو الفرج بن الجوزي في كتابه الذي صنفه في أخبار بشر بن الحارث الحافي ﵁ في الباب السادس والأربعين ما صورته: حدث إبراهيم الحربي، قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام؛ كأنه خارج من باب مسجد الرصافة، وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وأكرمني، فقلت: ما هذا الذي في كمك؟ قال: قدم علينا البارحةَ روح أحمد بن حنبل فنثر عليه الدرر والياقوت، فهذا مما التقطتُ، قلت: فما فعل يحيى بن معين وأحمد بن حنبل؟ قال: تركتهما وقد زارا ربَّ العالمين، ووضعت لهما الموائد، قلت: فلمَ لم تأكل أنت؟ قال: قد عرف هوانَ الطعام عليَّ، فأباحني النظر إلى وجهه الكريم.
وفي أجداده: حيان - بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون -، وبقية الأجداد لا حاجة إلى ضبط أسمائهم لشهرتها وكثرتها، ولولا خوف الإطالة لقيدتها، ورأيت: في نسبه اختلافًا، وهذا أصح الطرق التي وجدتها.
وكان له ولدان عالمان، وهما: صالح، وعبد الله، فأما صالح: فتقدمت وفاته في شهر رمضان سنة ٢٦٦، وكان قاضي أصبهان، فمات بها، ومولده في سنة ٢٠٣.
وأما عبد الله، فإنه بقي إلى سنة تسعين ومئتين، وتوفي يوم الأحد لثمان بقين من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة، وله سبع وسبعون سنة، وكنيته: أَبو عبد الرحمن، وبه كان يكنى الإمام أحمد ﵏ أجمعين -، انتهى ما في "وفيات الأعيان".
وذكر ابن رجب في "طبقاته" في جملة ترجمة الحافظ يحيى المعروف بابن
стр. 13
مَنْدَهْ ما لفظه: صنف "مناقبَ" الإمام أحمد ﵁ في مجلد كبير، وفيه فوائد حسنة، وقال في أوله: ومن أعظم جهالاتهم - يعني: المبتدعة -، وغلوهم في مقالاتهم، وقوعُهم في الإمام المرضي، إمام الأئمة، وكهف الأمة، ناصر الإسلام والسنة، من لم تر عين مثله علمًا وزهدًا وديانة وأمانة، إمامِ أهلِ الحديث: أحمدَ بن محمد بن حنبل الشيباني - قدس الله سره، وبرد عليه ضريحه -، الإمامِ الذي لا يُجارى، والبحر الذي لا يُبارى، ومن أجمع أئمةُ الدين في زمانه، على تقدمه في شأنه ونبله وعلو مكانه، والذي له من المناقب ما لا يعد ولا يحصى، قام لله تعالى مقامًا، لولاه لتجهم الناس، ولمشوا على أعقابهم القهقرى، ولضعف الإسلام واندرس العلم.
ولقد صدق الإمام أَبو رجا، قتيبةُ بن سعيد البغلاني حيث قال: إن أحمد في زمانه بمنزلة أبي بكر وعمر في زمانهما، وأحسنَ من قال: لو كان أحمد في بني إسرائيل، لكان آية، أعاشنا الله تعالى على عقيدته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته -.
وحين وقفت على سرائر هؤلاء، وخبثِ اعتقادهم في هذا الإمام، قصدت لمجموع نبهت فيه على بعض فضائله، ونبذة من مناقبه؛ وذكرت طرفًا مما منحه الله تعالى من المنزلة الرفيعة، والرتبة العلية في الإسلام والسنة، مع أني لست أرى لنفسي أهلية لذلك، وأن المشايخ الماضين قد عنوا بجمعه فشفوا؛ لكني أردت أن يبقى لي بجمع مناقبه ذكر، وأن أكون متشرفًا فيما بين أهل العلم من أهل السنة بانتسابي إليه، وتحلي مذهبه وطريقته.
قال فوران: ماتت امرأة لبعض أهل العلم، فجاء يحيى بنُ معين والدَّورقي، قال: فلم يجدوا امرأة تغسلها إلا امرأة حائضًا، فجاء أحمد وهم جلوس، فقال: ما شأنكم؟ فقال أهل المرأة: ليس نجد غاسلة إلا امرأة حائضًا، فقال أحمد: أليس تروون عن النبي ﷺ : "يا عائشة! ناوليني الخمرة"، قالت: إني حائض، فقال: "إنّ حيضتك ليست في يدك"، يجوز أن تغسلها، قال: فحجلوا. ومن أقواله ﵀: الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فمن لم يعمل هنا، ندم هناك.
стр. 14
وسئل عن الفتوة؟ فقال: تركُ ما تهوى لما تخشى. وكان يقول: إن القلنسوة لتقع من السماء على رأس مَنْ لا يحبها. وقال ابنه عبد الله: قلت لأبي: يقولون إنك تتوضأ مما مست النار، قال: ما فعلته قط، ولم يثبت عندي في ذا خبر.
ولقد ذكر له رجل من أهل العلم: كانت له زلة، وأنه تاب من زلته، فقال: لا يقبل ذلك منه حتى يظهر التوبة والرجوع عن مقالته، ليعلنْ أنه قال مقالته كيت وكيت، وأنه قد تاب إلى الله تعالى عن مقالته، ورجع عنها، فإذا ظهر ذلك منه، فحينئذ تقبل، ثم تلا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، وروى عنه أنه قال: طلب إسناد العلوم من السنة، وقال أيضًا: كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء، فلما أظهروه، لم نجد بدًا من مخالفتهم.
وقيل له: إن ها هنا رجلًا يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية بن أبي سفيان، فقال أحمد: لا تجالسه، ولا تؤاكلْه ولا تشاربه، وإذا مرض فلا تعدْه. وكان يقول: سبحانك ما أغفلَ هذا الخلقَ عما أمامهم، الخائف منهم مقصر، والراجي منهم متوانٍ. وسئل عن رجلٍ عليه تحريرُ رقبة مؤمنة، فكان عبدٌ يقول بخلق القرآن، فقال: لا يجزي عنه عتقُه؛ لأن الله ﵎ أمره بتحرير رقبة مؤمنة، وليس هذا بمؤمن، هذا كافر.
وقال عبد الله: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى ﵇ لم يتكلم بصوت، فقال: بل تكلم بصوت، هذه الأحاديث نمرها كما جاءت - يعني: حديث ابن مسعود: إذا تكلم الله ، سمع له صوت كممر السلسلة على الصفوان، قال: وهذه الجهمية تنكره، قال: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يتكلم، فهو كافر، إنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت.
وقال أحمد: أصولُ الإيمان ثلاثة: دالٌّ، ودليلٌ، ومستدلٌّ، فالدالُّ: الله تعالى، والدليل: القرآن، والمستدل: المؤمن، من طعن على حرف من القرآن؛ فقد طعن على الله ، وعلى كتابه، وعلى رسوله.
стр. 15
وقال: ثلاثة كتب ليس لها أُصول: ١ - المغازي، ٢ - والملاحم، ٣ - والتفسير.
وقال: من لم يجمع علم الحديث وكثرَة طرقها واختلافها، لا يحل له الحكم على الحديث، ولا الفتيا به.
وقال: إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام، والسنن والأحكام، تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عنه ﷺ في فضائل الأعمال، وما لا يضيع حكمًا، ولا يرفع، تساهلنا في الأسانيد. وسئل عن هذه الكتابة متى العمل بها؟ قال: أخذها العمل بها. وقال: ما الناسُ إلا من يقول حدثنا وأخبرنا، وسائر الناس لا خير فيهم.
قال أَبو رجا، قتيبة: أحمد إمام، ومن لا يرضى بإمامته، فهو مبتدعٌ ضال.
قال يحيى بن منده: نقول وبالله التوفيق: إن أحمد بن حنبل إمام المسلمين، وسيد المؤمنين، وبه نحيا، وبه نموت، وبه نبعث إن شاء الله تعالى، فمن قال غير هذا، فهو عندنا من الجاهلين.
وحدث شيخ من أهل سجستان بمكة ذُكر عنه فضل ودين، قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله! من تركت لنا في عصرنا هذا من أمتك نقتدي به في ديننا؟ قال: "أحمد بن حنبل" قال: من فما قال رسول الله ﷺ في نومه ويقظته، فهو حق، وقد ندب ﷺ إلى الاقتداء به، فلزمنا جميعًا امتثالُ مرسومه، واقتفاء مأموره، انتهى كلامه - رحمه الله تعالى -.
٢ - أَبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى، البيهقي، الخُسْرَوْجِردي .
الفقيه الشافعي، الحافظ الكبير المشهور، واحدُ زمانه، وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله بنِ البَيِّع في الحديث، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم.
أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصرِ بنِ محمد العمري المروزي، غلب عليه الحديث، واشتهر به، ورحل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز، وسمع
стр. 16
بخراسان من علماء عصره، وكذلك ببقية البلاد التي انتهى إليها.
وشرع في التصنيف، فصنف فيه كثيرًا، حتى قيل: تبلغ تصانيفه ألف جزء، وهو أول من جمع نصوص الإمام الشافعي ﵁ في عشر مجلدات، ومن مشهور مصنفاته "السنن الكبير" (١)، "والسنن الصغير"، و"دلائل النبوة"، و"السنن والآثار"، و"شعب الإيمان"، و"مناقب الشافعي المطلبي"، و"مناقب أحمد بن حنبل"، وغير ذلك.
وكان قانعًا من الدنيا بالقليل، وقال إمام الحرمين في حقه: ما من شافعي المذهب، إلا وللشافعيِّ عليه مِنَّة إلا أحمد البيهقي، فإن له على الشافعي منة، وكان من أكثر الناس نصرًا لمذهب الشافعي، وطلب إلى نيسابور لنشر العلم، فأجاب، وانتقل إليها.
وكان على سيرة السلف، وأخذ عنه الحديث جماعةٌ من الأعيان، منهم: زاهر الشحامي، ومحمد الفراوي، وعبد المنعم القشيري، وغيرهم.
وكان مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاث مئة ٣٨٤، وتوفي في العاشر من جمادى الأولى سنة ٤٥٨ بنيسابور، ونقل إلى بيهق - رحمه الله تعالى -، ونسبته إلى بيهق - بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحته وبعد الهاء المفتوحة قاف -، وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخًا منها، وخُسْرَوْجِرد، من قراها، وهي - بضم الخاء المعجمة وسكون السين وفتح الراء المهملتين وسكون الواو، وكسر الجيم ثم راء ودال مهملتين -، هكذا في "تقويم البلدان" نقلًا عن "اللباب".
٣ - أَبو عبد الرحمن، أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي الحافظ .
كان إمام عصره في الحديث، وله كتاب "السنن"، وسكن بمصر، وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس.
стр. 17
قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية، وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسًا برأس حتى يفضل؟! وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا: لا أشبع الله بطنك، وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، وفي رواية أخرى: يدفعون في خصيته وداسوه، ثم حُمل إلى الرملة، فمات بها.
وقال الحافظ أَبو الحسن الدارقطني: لما امتُحن النسائي بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة.
وكانت وفاته في شعبان من سنة ٣٠٣.
وقال الحافظ أَبو نعيم الأصفهاني: لما داسوه بدمشق، مات بسبب ذلك الدوس، وهو منقول، قال: وكان قد صنف كتاب "الخصائص" في فضل علي بن أبي طالب ﵁ وأهلِ البيت، وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -، فقيل له: ألا تصنف كتابًا في فضائل الصحابة ﵃؟ فقال: دخلت دمشق والمنحرفُ عن علي ﵁ كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان موصوفًا بكثرة الجماع.
قال الحافظ أَبو القاسم المعروف بابن عساكر الدمشقي: كان له أربع زوجات يقسم لهنَّ، وسراري.
وقال الدارقطني: امتحن بدمشق، فأدرك الشهادة، وتوفي يوم الاثنين لثلاثَ عشرةَ ليلة خلت من صفر سنة ٣٠٣ بمكة - حرسها الله تعالى -، وقيل: بالرملة من أرض فلسطين.
وقال أَبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب "تاريخ مصر" في تاريخه: إن أبا عبد الرحمن النسائي قدم مصر قديمًا، وكان إمامًا في الحديث، ثقة حافظًا ثبتًا، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة ٣٠٢.
стр. 18
قال ابن خلكان: ورأيت بخطي في مسوداتي أن مولده: بنَساء، في سنة ٢١٥، وقيل: سنة ٢١٤، والله تعالى أعلم. ونسبته إلى نَساء - بفتح النون وفتح السين وبعدها همزة -، وهي مدينة بخراسان، خرج منها جماعة من الأعيان.
٤ - الحافظ أَبو نعيم أحمدُ بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، الحافظ المشهور، صاحب كتاب "حلية الأولياء ".
كان من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ، أخذ عن الأفاضل، وأخذوا عنه، وانتفعوا به، وكتابه "الحلية" من أحسن الكتب، وله كتاب "تاريخ أصبهان"، نقلتُ منه في ترجمة والده عبد الله نسبتَه على هذه الصورة.
وذكر أن جده مهران أسلم إشارة إلى أنه أولُ من أسلم من أجداده، وأنه مولى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁، وذكر أن والده توفي في رجب سنة ٣٦٥، ودفن عند جده من قبل أمه.
ولد في رجب سنة ٣٣٦، وقيل: سنة ٣٣٤، وتوفي في صفر، وقيل: يوم الاثنين الحادي والعشرين من المحرم سنة ٤٣٠ بأصبهان، وأصبهان: - بكسر الهمزة وفتحها، وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة، ويقال: - بالفاء أيضًا، وفتح الهاء بعد الألف نون -، وهي من أشهر بلاد الجبال، وإنما قيل لها هذا الاسم؛ لأنها تسمى بالعجمية: سباهان، وسباه: العسكر، وهان: الجمع، وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة في هذا الموضع؛ مثل عسكر فارس، وكرمان، والأهواز، وغيرها، فعرِّب، فقيل: أصبهان، وبناها: إسكندر ذو القرنين، هكذا ذكره السمعاني هكذا في "وفيات الأعيان" تاريخ ابن خلكان.
٥ - الحافظ أَبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي بن ثابت البغدادي، المعروف بـ "الخطيب"، صاحب "تاريخ بغداد" وغيره من المصنفات .
كان من الحفاظ المتقنين، والعلماء المتبحِّرين، ولو لم يكن له سوى التاريخ، لكفاه؛ فإنه يدل على اطلاع عظيم، وصنف قريبًا من مئة مصنف،
стр. 19
وفضله أشهر من من أن يوصف، وأخذ الفقه عن أبي الحسن المحاملي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وغيرهما، وكان فقيهًا، فغلب عليه الحديث والتاريخ. ولد في جمادى الآخرة سنة ٣٩٢ يوم الخميس لست بقين من الشهر، وتوفي يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ٤٦٣ ببغداد.
وقال السمعاني: توفي في شوال، وسمعت أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي كان من جملة من حمل نعشه؛ لأنه انتفع به كثيرًا، وكان يراجعه في تصانيفه، والعجب أنه كان في وقته حافظ المشرق، وأبو عمرو يوسفُ بنُ عبد البر صاحبُ كتاب "الاستيعاب" حافظُ المغرب، وماتا في سنة واحدة كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
وذكر محب الدين بن النجار في "تاريخ بغداد": أن أبا البركات إسماعيل بن سعد الصوفي، قال: إن الشيخ أبا بكر بن زهراء الصوفي، كان قد أعد لنفسه قبرًا إلى جانب قبر بِشْر الحافي، وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة، وينام فيه، ويقرأ فيه القرآن كله، فلما مات أَبو بكر الخطيب، وكان قد أوصى أن يدفن إلى جانب قبر بشر الحافي، فجاء أصحاب الحديث إلى أبي بكر بن زهراء، وسألوه: أن يدفن الخطيب في القبر الذي كان قد أعده لنفسه، وأن يؤثره به، فامتنع من ذلك امتناعًا شديدًا، وقال: موضع قد أعددته لنفسي منذ سنين، يؤخذ مني!.
فلما رأوا ذلك، جاؤوا إلى والدي الشيخ أبي سعد، وذكروا له ذلك، فأحضر الشيخ أبا بكر بن زهراء، وقال له: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول لك: لو أن بشرًا الحافي في الأحياء، وأنت إلى جانبه، فجاء أَبو بكر الخطيب يقعد دونك، أكان يحسن بك أن تقعد أعلى منه؟ قال: لا، بل كنت أقوم وأُجلسه مكاني، قال: فهكذا ينبغي أن يكون الساعة، قال: فطاب قلب الشيخ أبي بكر، وأذن لهم في دفنه، فدفنوه إلى جانبه بباب حرب، وقد كان تصدق بجميع ماله، وهو مئتا دينار فرقها على أرباب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى أن يتصدق عنه بجميع ما عليه من الثياب، ووقف جميع كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقب.
стр. 20
وصنف أكثر من ستين كتابًا، وكان الشيخ أَبو إسحق الشيرازي أحدَ من حمل جنازته، وقيل: إنه ولد سنة ٣٩١، والله أعلم. ورُئيت له منامات صالحة بعد موته، وكان قد انتهى إليه علمُ الحديث، وحفظه في وقته، هذا آخر ما نقلته من كتاب ابن النجار - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -، ذكره ابن خلكان.
٦ - أَبو عبيد، أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي المؤدب الهروي الفاشاني، صاحب كتاب "الغريبين"، هذا هو المنقول في نسبه .
قال ابن خلكان: ورأيت على ظهر كتابه "الغريبين": أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، والله أعلم. كان من العلماء الأكابر، وما قصر في كتابه المذكور، ولم أقف على شيء من أخباره لأذكره، سوى أنه كان يصحب أبا منصور الأزهريَّ اللغويَّ، وعليه اشتغل، وبه انتفع وتخرّج، وكتابه المذكور جمع فيه: بين تفسير غريب القرآن الكريم، والحديث النبوي، وسار في الآفاق، وهو من الكتب النافعة.
وقيل: إنه كان يحب البذلة، ويتناول ... في الخلوة، ويعاشر أهل الأدب في مجالس اللذة والطرب، عفا الله عنه وعنا، أشار الباخرزي في ترجمة بعض أدباء خراسان إلى شيء من ذلك، والله أعلم.
وكانت وفاته في رجب سنة ٤٠١ ﵀.
والهروي - بفتح الهاء والراء - نسبة إلى هراة، وهي إحدى مدن خراسان الكبار، فتحها الأحنف بن قيس صلحًا من قبل عبد الله بن عامر.
والفاشاني - بفتح الفاء وبعد الألف شين معجمة وبعد الألف الثانية نون - نسبة إلى فاشان، وهي قرية من قرى هراة، ويقال لها: باشان - بالباء الموحدة أيضًا -، ذكره السمعاني.
٧ - الحافظ أَبو طاهر، أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني، أحد الحفاظ المكثرين .
رحل في طلب الحديث، ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعي المذهب، ورد
стр. 21
بغداد، واشتغل بها على الكيا أبي الحسن علي الهرَّاسي في الفقه، وعلى الخطيب أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي باللغة، وروى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل، وجاب البلاد، وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية سنة ٥١١ في ذي القعدة، وكان قدومه إليه في البحر من مدينة صور، وأقام به، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه، وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره مثله.
وبنى له العادل أَبو الحسن، عليُّ بن السلار وزيرُ الظافر العبيدي صاحبِ مصر في سنة ٥٤٦ مدرسةً بالثغر المذكور، وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن.
قال ابن خلكان: وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم، وأجازوني، وأماليه وتعاليقه كثيرة؛ والاختصار بالمختصر أولى.
وكانت ولادته سنة ٤٧٢ تقريبًا بأصبهان، وتوفي ضحوة نهار الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ٥٧٦ بثغر الإسكندرية، ودفن في وعلة، وهي مقبرة داخل السور عندا الباب الأخضر، فيها جماعة من الصالحين؛ كالطرطوشي، وغيره.
قلت: وجدت العلماء المحدِّثين بالديار المصرية، من جملتهم الحافظُ زكي الدين أَبو محمد، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري محدثُ مصرَ في زمانه يقولون في مولد الحافظ السلفي هذه المقالة، ثم وجدت في كتاب "زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض" تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم، عبدِ الرحمن بن أبي الفضل، عبد المجيد بن إسماعيل بن حفص الصفراوي الاسكندري: أن الحافظ أبا طاهر السلفيَّ المذكور، وهو شيخه، كان يقول: مولدي بالتخمين - لا باليقين - سنة ٤٧٨، فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانيا وتسعين سنة. هذا آخر ما قاله الصفراوي المذكور.
ورأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمد بن محمود، المعروف بابن
стр. 22
النجار البغدادي، ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي، وهو تلميذه، مع أننا ما علمنا أن أحدًا منذ ثلاث مئة سنة إلى الآن بلغ المئة، فضلًا عن أنه زاد عليها، سوى القاضي أبي الطيب، طاهرِ بنِ عبد الله الطبري؛ فإنه عاش مئة سنة وسنتين، ونسبته إلى جده إبراهيم.
سِلَفَةَ - بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء -، وهو لفظ عجمي، ومعناه بالعربي: ثلاث شفاه؛ لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية، والأصل فيه سلبه - بالباء -، فابدلت بالفاء.
٨ - أَبو بكر، أزهر بن سعد السمان، الباهلي بالولاء، البصري - رحمه الله تعالى -.
روى الحديث عن حُميد الطويل، وروى عنه أهل العراق، كان يصحب أبا جعفر المنصور قبل أن يلي الخلافة، فلما وليها، جاءه أزهر مهنئًا، فحجبه المنصور، فترصد له يومَ جلوسه العام، وسلم عليه، قال له المنصور: ما جاء بك؟ فقال: جئت مهنئًا بالأمر، فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولوا له: قد قضيتَ وظيفة الهناء، فلا تعد إلي، فمضى وعاد في قابل، فحجبه، فدخل عليه في مثل ذلك المجلس، وسلم عليه، فقال له: ما جاء بك؟ فقال: سمعت أنك مرضت، فجئتك عائدًا، فقال: أعطوه ألف دينار، وقولوا له: قد قضيتَ وظيفة العيادة، فلا تعدْ إليَّ؛ فإني قليل الأمراض، فمضى وعاد في قابل، فقال له في مثل ذلك المجلس: ما جاء بك؟ فقال: سمعت منك دعاء مستجابًا، فجئت لأتعلمه منك، فقال له: يا هذا! إنه غيرُ مستجاب، إني في كل سنة أدعو الله به ألا تأتيني، وأنت تأتي. وله وقائع وحكايات مشهورة.
كانت ولادته سنة ١١١، وتوفي سنة ٢٠٣، وقيل سبع ومئتين، وأزهرُ اسمُ علم، والسمان: - بتشديد الميم -، هذه النسبة إلى بيع السمن، وحملِه، والبصري: هذه النسبة إلى بصرة، وهي من أشهر مدن العراق، وهي إسلامية، بناها عمر بن الخطاب ﵁ في سنة ١٤ للهجرة على يد عتبة بن غزوان.
стр. 23
قال ابن قتيبة في كتاب "أدب الكاتب" في باب: ما تغير من أسماء البلاد: البصرة: الحجارة الرخوة، فإن حذفوا الهاء، قالوا: البِصْر - بكسر الباء -، وإنما أجازوا في النسب بِصْري؛ لذلك، والبصر: أيضًا الحجارة الرخوة، قاله في "الصحاح"، انتهى ملخصًا.
٩ - أَبو يعقوب، إسحاق بن أبي الحسن، إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله ابن مطر بن عبيد الله بن غالب بن عبد الوارث بن عبيد الله بن عطية بن كعب بن مرة بن كعب بن همام بن أسد بن مرة بن عمرو بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه .
جمع بين الحديث والفقه والورع، وكان أحد أئمة الإسلام، ذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي ﵁، وعده البيهقي في أصحاب الشافعي، وكان قد ناظر الشافعي في مسألة: جواز بيع دور مكة، وقد استوفى الشيخ فخر الدين الرازي صورة ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه الذي سماه: "مناقب الإمام الشافعي"، فلما عرف فضله، نسخ كتبه، وجمع مصنفاته بمصر.
قال أحمد بن حنبل ﵁: إسحق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وما عبر الجسر أفقهُ من إسحق، وقال إسحق: أحفظ سبعين ألف حديث، وأذاكر بمئة ألف حديث، وما سمعت شيئًا قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا قط فنسيته، وله مسند مشهور.
وكان قد رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة ومَنْ في طبقته، وسمع منه: البخاري، ومسلم، والترمذي.
وكانت ولادته سنة ١٦١، وقيل: سنة ١٦٣ - وقيل سنة ١٦٦، وسكن في آخر عمره نيسابور، وتوفي بها ليلة الخميس النصف من شعبان، وقيل: الأحد، وقيل: السبت سنة ٢٣٨، وقيل: سبع وثلاثين ومئتين، وقيل: سنة ٢٣٠.
ورَاهْوَيْهْ - بفتح الراء وبعد الألف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة -: لُقب أبيه أبي الحسن إبراهيم، وإنما لقب بذلك؛ لأنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية: رَاهْ، ووَيْه معناه: وُجد،
стр. 24
فكأنه: وجد في الطريق، وقيل فيه أيضًا: راهوُيَه - بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء -.
وقال إسحاق المذكور: قال لي عبد الله بن طاهر أميرُ خراسان: لم قيل لك: ابن راهويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك هذا؟ قلت: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في الطريق، فقالت المراوزة: راهويه؛ لأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا، فلست أكره ذلك، ومَخْلَد - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها دال مهملة، والحنظلي - بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وبعدها لام -، هذه النسبة إلى حنظلة بن مالك -، ينسب إليه بطن من تميم.
١٠ - أَبو الطاهر، بركات بن الشيخ أبي إسحاق، إبراهيم بن الشيخ أبي الفضل، طاهر بن بركات بن إبراهيم بن علي بن محمد بن أحمد بن العباس بن هاشم الخشوعي الدمشقي الجبروتي الفرشي الرفاء الأنماطي .
كان له سماعات عالية، وإجازات تفرد بها، وألحق الأصاغر بالأكابر؛ فإنه انفرد في آخر عمره بالسماع والإجازة من أبي محمد، هبة الله بن أحمد بن الأكفاني، وانفرد بالإجازة من أبي محمد القاسم الحريري البصري صاحب "المقامات" أجازه في سنة ٥١٢ من البصرة، وهو من بيت الحديث، حدث هو وأبوه وجده، وسئل أبوه: لِمَ سموا الخُشوعيين؟ فقال: كان جدنا الأعلى يؤم بالناس، فتوفي في المحراب، فسمي: الخشوعي، نسبة إلى الخُشوع.
وكان مولد أبي الطاهر المذكور بدمشق في رجب سنة ٥١٠، وتوفي ليلة السابع والعشرين من صفر سنة ٥٩٨ بدمشق، ودفن من الغد بباب الفراديس عند والده ﵀، وهو آخر من روى بالإجازة عن الحريري.
والفُرْشي - بضم الفاء وسكون الراء -: نسبة إلى بيع الفُرش، والأنماطي: الذي يبيع الفرش أيضًا، والرفاء معروف، قال ابن خلكان: واجتمعت بجماعة من أصحاب أبي الطاهر المذكور، وسمعت عليهم، وأجازوني، ولقيت ولده
стр. 25
بالديار المصرية، وكان يتردد إليّ في كثير من الأوقات، وأجازني جميع مسموعاته، وإجازاته من أبيه.
١١ - أبو محمد، جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج، المعروف بالقاري البغدادي .
كان حافظ عصره، وعلامة زمانه، وله التصانيف العجيبة، منها: كتاب "مصارع العشاق"، وغيره، حدَّث عن أبي علي بن شاذان، وأبي القاسم بن شاهين، والخلال والبرمكي، والقزويني، وابن غيلان، وغيرهم، وأخذ عنه خلق كثير، وروى عنه خلق كثير، وروى عنه الحافظ أَبو طاهر السلفي، وكان يفتخر بروايته، مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان، وأخذ عنهم، وله شعر حسن، فمنه:
بانَ الخليطُ فأَدْمُعي ... وَجْدًا عليهم تَسْتَهِلُّ
وحَدا بهم حادي الفِرا ... قِ عن المنازلِ فاستقلُّوا
قلْ للذين ترحَّلوا ... عن ناظري والقلبَ حَلُّوا
ودَمي بلا جُرم أتيتُ ... غَداةَ بَيْنِهِمُ استحلُّوا
ما ضَرَّهُم لو أَنْهَلُوا ... من ماءِ وصلِهم وعَلُّوا
وله غير ذلك نظم جيد. وكانت ولادته إما في أواخر سنة ٤١٨، أو أوائل سنة ٤١٨.
وذكر الشريف أَبو المعمر المبارك بنُ أحمد بنِ عبد العزيز الأنصاريُّ في كتاب "وفيات الشيوخ": أن مولده سنة ست عشرة ببغداد، وتوفي بها ليلة الأحد الحادي والعشرين من صفر سنة خمس مئة، ودفن بباب أبزر.
١٢ - أبو عبد الله، حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي الزميلي المصري، صاحب الإمام الشافعي .
كان أكثر أصحابه اختلافًا إليه، واقتباسًا منه، وكان حافظًا للحديث، وصنف "المبسوط"، و"المختصر"، وروى عنه: مسلم بن الحجاج، فأكثرَ في "صحيحه" من ذكره.
стр. 26
ومولده في سنة ١٦٦، وتوفي ليلة الخميس لتسع بقين من شوال سنة ٢٤٣ بمصر، وقيل: أربع وأربعين، والتُّجيبي: هذه النسبة إلى تُجيب، وهو اسم امرأة، فنسب إليها أولادُها، والزميلي - نسبة إلى زميل: وهو بطن من تُجيب، توفي حرملة بن عمران جدُّ حرملةَ المذكورِ في صفر سنة ستين ومئة، ومولده سنة ثمانين للهجرة - رحمه الله تعالى -.
١٣ - أَبو علي، الحسن بن محمد بن الصباح، الزعفراني، صاحب الإمام الشافعي ﵄ -.
برع في الفقه والحديث، وصنف فيهما كتبًا، وسار ذكره في الآفاق، ولزم الإمام الشافعي حتى تبحر، وكان يقول: أصحابُ الحديث كانوا رقودًا حتى أيقظهم الشافعي، وما حمل أحد محبرة إلا وللشافعيِّ عليه مِنَّة، وكان يتولى قراءة كتب الشافعي عليه.
وسمع من سفيان بن عيينة، ومن في طبقته؛ مثل: وكيع بن الجراح، وعمرو بن الهيثم، ويزيد بن هارون، وغيرهم، وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي ﵁.
ورواتها أربعة: هو، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، والكرابيسي.
ورواة الأقوال الجديدة ستة: المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، والبويطي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى.
وروى عنه: البخاري في "صحيحه"، وأبو داود السجستاني، والترمذي، وغيرهم.
توفي في سلخ شعبان، وقال ابن قانع: في شهر رمضان سنة ٢٦٠، وذكر السمعاني في "كتاب الأنساب" أنه توفي في شهر ربيع الآخر سنة ٢٤٩ ﵀.
والزَعفراني - بفتح الزاي وسكون العين المهملة وفتح الفاء والراء وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى الزعفرانية، وهي قرية بقرب بغداد، والمحلة التي
стр. 27
ببغداد تسمى: درب الزعفراني منسوبةٌ إلى هذا الإمام؛ لأنه أقام بها.
وقال الشيخ أَبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء": وفيه مسجد الشافعي، وهو المسجد الذي كنت أدرس فيه بدرب الزعفراني، ولله الحمد والمنة.
١٤ - أَبو علي، الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي .
صاحب الإمام الشافعي ﵄، وأشهرهم بانتياب مجلسه، وأحفظهم لمذهبه.
وله تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، وكان متكلمًا عارفًا بالحديث، وصنف أيضًا في الجرح والتعديل وغيره، وأخذ عنه الفقه خلقٌ كثير.
وتوفي سنة خمس، وقيل: ثمان وأربعين ومئتين، وهو أشبه بالصواب.
والكرابيسي: نسبة إلى الكرابيس، وهي الثياب الغليظة، واحدها كِرْباس- بكسر الكاف -، وهو لفظ فارسي عُرِّب، وكان يبيعها، فنسب إليها.
١٥ - أَبو محمد، حسين بن مسعود بن محمد، المعروف بالفراء، البغوي .
الفقيه الشافعي المحدِّث المفسِّر، كان بحرًا في العلوم، وأخذ الفقه عن القاضي حسين بن محمد.
وصنف في تفسير كلام الله تعالى، وأوضح المشكلات من قول النبي ﷺ ، وروى الحديث ودرّس، وكان لا يلقي الدرس إلا على الطهارة.
وصنف كتبًا كثيرة، منها كتاب "التهذيب" في الفقه، وكتاب "شرح السنة" في الحديث، و"معالم التنزيل" في تفسير القرآن الكريم، وكتاب "المصابيح" (أي: مشكاة المصابيح)، و"الجمع بين الصحيحين"، وغير ذلك.
وتوفي في شوال سنة ٥١٠ بمروروذ، ودفن عند شيخه القاضي حسين بمقبرة الطالقاني، وقبره مشهور هنالك.
ورأيت في كتاب "الفوائد السفرية" التي جمعها الشيخ الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري: إنه توفي في سنة ست عشرة وخمس مئة، ومن خطه نقلت
стр. 28
هذا، والله أعلم، ونقل عنه أيضًا: أنه ماتت له زوجة، فلم يأخذ من ميراثها شيئًا، وأنه كان يأكل الخبز البحت، فعذل في ذلك، فصار يأكل الخبز مع الزيت.
والفراء: نسبة إلى عمل الفِراء وبيعِها، والبَغَوي: نسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهراة يقال لها: بغ، وبَغْشُور - بفتح الباء وضم الشين -، وهذه النسبة شاذة على خلاف الأصل، قاله السمعاني في "كتاب الأنساب".
١٦ - أَبو عبد الله، الحسين بن الحسين بن محمد بن حليم الفقيه الشافعي، المعروف بالحليمي الجرجاني .
ولد بجرجان سنة ٣٣٨، وحمل إلى بخارى.
وكتب الحديث: عن أبي بكر، محمدِ بن أحمد بن حبيب وغيره، وتفقه على أبي بكر الأودني، وأبي بكر القفال، ثم صار إمامًا معظمًا مرجوعًا إليه بما وراء النهر، وله في المذاهب وجوه حسنة، وحدَّث بنيسابور، وروى عنه الحافظ الحاكمُ وغيره.
وتوفي في جمادى الأولى، وقيل: في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربع مئة ﵀، ونسبته إلى جده حليم المذكور.
١٧ - أَبو علي، الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني الأندلسي، المحدث .
كان إماماً في الحديث والأدب، وله كتاب مفيد سماه: "تقييد المهمل"، ضبط فيه كل لفظ يقع فيه اللَّبْس من رجال "الصحيحين"، وما قصر فيه، وهو في جزأين، وكان من جهابذة المحدثين، وكبار العلماء المفيدين، وكان حسن الخط، جيد الضبط، وكان له معرفة بالغريب والشعر والأنساب.
وكان يجلس في جامع قرطبة، ويسمع منه أعيانها، قال ابن خلكان: ولم أقف على شيء من أخباره حتى أذكر طرفًا منها.
وكانت ولادته في المحرم سنة ٤٢٧، وطلب الحديث سنة ٤٤٤، وتوفي ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ٤٩٨.
стр. 29
والجَيَّاني - بفتح الجيم -: نسبة إلى جَيَّان، وهي مدينة كبيرة بالأندلس، وبأعمال الري قرية يقال لها: جَيَّان أيضًا.
١٨ - أَبو سليمان، حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، الخطابي البستي .
كان فقيهًا أَديبًا محدثًا، له التصانيف البديعة، منها: "غريب الحديث"، و"معالم السنن في شرح سنن أبي داود"، و"أعلام السنن في شرح البخاري"، و"كتاب الشجاج"، وكتاب "شأن الدعاء"، وكتاب "إصلاح غلط المحدثين"، وغير ذلك.
سمع بالعراق أبا علي الصفار، وأبا جعفر الرزاز، وغيرهما، وروى عنه الحاكم أَبو عبد الله بن البَيِّع النيسابوريُّ، وعبد الغفار بن محمد الفارسي، وأبو القاسم، عبد الوهاب بن أبي سهل الخطابي، وغيرهم، وذكره صاحب "يتيمة الدهر"، وأنشد له:
وما غُربةُ الإنسانِ في شُقَّةِ النوى ... ولكنَّها واللهِ في عَدَمِ الشَّكْلِ
وإنِّي غريبٌ بينَ "بُسْتَ" وأهلِها ... وإن كانَ فيها أسرتي وبها أَهلي
وأنشد له أيضًا:
شرُّ السباعِ العوادي دونه وَزَرٌ ... والناسُ شَرّهم ما دونَه وَزَرُ
كَمْ معشرٍ سَلِموا لم يؤذِهم سَبُعٌ ... وما ترى بَشَرًا لم يؤذِهِ بَشَرُ
وأنشد له أيضًا - عفا الله عنه -:
فسامِحْ ولا تستوفِ حقَّك كلَّه ... وأَبقِ فلِم يَسْتقص قَطُّ كريمُ
ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمرِ واقتصدْ ... كِلا طَرَفَيْ قصدِ الأمورِ ذميمُ
وذكر له أشياء غير ذلك، وكان يشبَّه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علمًا وأدبًا، وورعًا وزهدًا، وتدريسًا وتأليفًا.
وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ٣٨٨ بمدينة "بُست" رح.
والخَطَّابي - بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة -: نسبة إلى جده
стр. 30
الخطاب المذكور، وقيل: إنه من ذرية زيد بن الخطاب، فنسب إليه، والله أعلم. والبُسْتي - بالضم -: نسبة إلى "بُسْت"، وهي مدينة من بلاد كابل بين هراة وغزنة، كثيرة الأشجار والأنهار، وقد سُمع في اسم أبي سليمان: أحمد أيضًا، بإثبات الهمزة، والصحيح الأول.
قال الحاكم أَبو عبد الله، محمدُ بنُ البَيِّع: سألتُ أبا القاسم المظفرَ بنَ طاهر بنِ محمد البستي الفقيه، عن اسم أبي سليمان الخطابي: أحمد، أو حمد؛ فإن بعض الناس يقول: أحمد، فقال: سمعته يقول اسمي الذي سميت به: حمد، ولكن الناس كتبوا: أحمد، فتركته عليه، وقال أَبو القاسم: أنشدنا أَبو سليمان لنفسه:
ما دُمْتَ حَيًّا فدارِ الناسَ كلَّهم ... فإنما أنتَ في دارِ المُداراةِ
من يَدْرِ دارَى ومن لم يدرِ سوف يُرى ... عَمَّا قليل نديمًا للنَّداماتِ
١٩ - أَبو القاسم، خلفُ بن عبد الملك بن مسعود ابن بشكوال بن يوسف، الخزرجيُّ، الأنصاريُّ، القرطبيُّ .
كان من علماء الأندلس، وله التصانيف المفيدة، منها: كتاب "الصلة" الذي جعله ذيلًا على "تاريخ علماء الأندلس"، تصنيف القاضي أبي الوليد، عبد الله، المعروف بابن الفرضي، وقد جمع فيه خلقًا كثيرًا، وله تاريخ صغير في أحوال الأندلس، وما أقصر فيه، وكتاب "الغوامض والمبهمات" ذكر فيه من جاء ذكره في الحديث مبهمًا، فعينه ونسج فيه على منوال الخطيب البغدادي، في كتابه الذي وضعه على هذا الأسلوب، وجزء لطيف ذكر فيه من روى "الموطأ" عن مالك بن أنس، ورتب أسماءهم على حروف المعجم، فبلغت عدتهم ثلاثة وسبعين رجلًا، ومجلد لطيف سماه كتاب "المستغيثين بالله تعالى عند المهمات والحاجات والمتضرعين إليه سبحانه بالرغبات والدعوات، وما يسر الله الكريم لهم من الإجابات والكرامات"، وله غير ذلك من المصنفات.
وكان مولده يوم الإثنين ثالث، وقيل: ثامن ذي الحجة سنة ٤٩٤، وتوفي ليلة الأربعاء لثمان خلون من شهر رمضان سنة ٥٧٨ بقرطبة، ودفن يوم الأربعاء
стр. 31
بعد صلوة الظهر، بمقبرة ابن عباس - بالقرب من قبر يحيى بن يحيى - رحمه الله تعالى -.
٢٠ - أَبو عمرو، خليفة بن خياط بن أبي هبيرة، خليفة بن خياط الشيباني العصفري البصري، المعروف بشباب صاحب "الطبقات ".
كان حافظًا عارفًا بالتواريخ وأيام الناس، غزير الفضل.
روى عنه: محمد بن إسماعيل البخاري في "صحيحه"، و"تاريخه"، وعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي، والحسن بن سفيان النسري في آخرين، وروى هو: عن سفيان بن عيينة، وأبي داود الطيالسي، ودرست بن حمزة، وتلك الطبقة.
توفي في شهر رمضان سنة ٢٣٠، وقال الحافظ ابن عساكر - في "معجم مشايخ الأئمة الستة": إنه توفي سنة ٢٤٠، وقيل: سنة ٢٤٦ ﵀ والعُصْفُري - بالضم -: نسبة إلى العُصفر الذي يُصبغ به الثياب حمرًا، وشباب: اختلفوا في تلقيبه بذلك لأي معنى هو.
٢١ - أَبو سليمان، داود بن علي بن خلف الأصبهاني، الإمام المشهور المعروف بالظاهري .
كان زاهدًا متقللًا، كثيرَ الورع.
أخذ العلم عن إسحق بن راهويه، وأبي ثور، وغيرهما، وكان من أكثر الناس تعصبًا للإمام الشافعي، وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقل، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية، وكان ولده أَبو بكر محمدٌ على مذهبه، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وهو إمام أصحاب الظاهر.
قال أَبو عبد الله المحاملي: صليت صلاة عيد الفطر في جامع المدينة، وقلت: أدخل على داودَ بن عليٍّ فأهنئه، فجئته، وإذا بين يديه طبق فيه أوراق هندبا، وعصارة فيها نخالة، وهو يأكل - فهنأته، وعجبت من حاله، ورأيتُ أن جميع ما في الدنيا ليس بشيء، فخرجتُ من عنده، ودخلت على رجل من محبي
стр. 32
الصَّنيعة، يقال له: الجرجاني، فخرج إليَّ حاسر الرأس حافيَ القدمين، وقال لي: ما عنى القاضي؟ قلت: مهم، قال: ما هو؟ قال: في جوارك داود بن علي، ومكانه من العلم ما تعلمه، وأنت كثيرُ الصلة والرغبة في الخير تغفل عنه، وحدثته بما رأيت، فقال: داودُ شرسُ الخلق، وجهتُ إليه البارحة بألف درهم ليستعين بها، فردها عليّ، وقال للغلام: قل له: بأي عين رأيتني؟ وما الذي بلغك من حاجتي وخُلَّتي حتى بعثت إليّ بهذا؟ فعجبتُ، وقلتُ له: هات الدراهم، فإني أحملها إليه، فدفعها إليّ، وقال للغلام: ائتني بكيس آخر، فوزن ألفًا أخرى، وقال: تلك لنا، وهذه لعناية القاضي، فأخذت له الألفين وجئت إليه، فقرعت الباب، ودخلتُ، وجلستُ ساعة، ثم أخرجت الدراهم، وجعلتها بين يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره، أنا بأمانة العلم، أدخلتك إليّ، ارجع فلا حاجة لي فيما معك، قال المحاملي: فرجعتُ وقد صَغُرَتِ الدنيا في عيني، وأخبرت الجُرجَاني، فقال: إني قد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى، فلا ترجع في مالي، فليتولَّ القاضي إخراجَها في أهل البِرِّ والعفاف.
قيل إنه كان يحضر مجلسه كل يوم: أربعُ مئة صاحب طيلسان أخضر.
قال داود: حضر مجلسي يومًا أَبو يعقوب الشريطي، وكان من أهل البصرة، وعليه خرقتان، فتصدَّر لنفسه من غير أن يرفعه أحد، وجلس إلى جانبي، وقال لي: سلْ يا فتى عمَّا بدا لك، فكأني غضبتُ منه، فقلتُ له مستهزئًا: أسألك عن الحجامة؟ فبرك أَبو يعقوب، ثم روى طريق: "أفطر الحاجم والمحجوم"، ومن أرسلَه ومن أسندَه، ومن وقفه، ومن ذهب إليه من الفقهاء، وروى اختلاف طريق احتجام رسول الله ﷺ ، وإعطاء الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه، ثم روى طرق: "أن النبي ﷺ احتجم بقرن"، وذكر أحاديث صحيحة في الحجامة، ثم ذكر الأحاديث المتوسطة، مثل "ما مررت بملأ من الملائكة"، ومثل: "شفاء أمتي في ثلاث"، - وما أشبه ذلك، وذكر الأحاديث الضعيفة، مثل: قوله ﵇: "لا تحتجموا يوم كذا، ولا ساعة كذا"، ثم ذكر ما ذهب إليه أهلُ الطبِّ من الحجامة في كل زمان، وما ذكروه فيها، ثم ختم كلامه - بأن قال: وأول ما خرجتِ الحجامةُ من أصبهان، فقلت له: واللهِ! لا حقرتُ بعدَك أحدًا أبدًا.
стр. 33
وكان داود من عقلاء الناس، قال أَبو العباس ثعلب في حقه: كان عقلُ داود أكثر من علمه، وكان يقول: خيرُ الكلام ما دخل الأذنَ بغير إذن.
وكان مولده بالكوفة سنة اثنتين ومئتين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: ستة ومئتين، ونشأ ببغداد، وتوفي بها سنة سبعين ومئتين في ذي القعدة، وقيل: في شهر رمضان، ودفن بالشوينزية، وقيل في منزله.
وقال ولده أَبو بكر محمد: رأيت أبي داودَ في المنام، فقلتُ له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وسامحني، فقلت: غفر لك، فبم سامحك؟ فقال: يا بني! الأمر عظيم، والويل كل الويل لمن لم يُسَامَح.
﵀، وأصله من أصبهان، والله أعلم.
٢٢ - أَبو محمد، الربيع بنُ سليمان بن داود بن الأعرج الأزديُّ بالولاء، لمصريُّ "الجيزي ".
صاحبُ الإمام الشافعي، لكنه قليل الرواية عنه، وإنما روى عن عبد الله بن الحكم كثيرًا، وكان ثقة، روى عنه أَبو داود، والنسائي. قيل: إنه اجتاز يومًا بمصر، فطُرحت عليه إجّانة رماد، فنزل عن دابته، وجعل ينفضه عن ثيابه، ولم يقل شيئًا، فقيل له: ألا تزجرُهم؟ فقال: من استحق النار، وصولح بالرماد، فقد ربح.
توفي في ذي الحجة سنة ٢٥٦ بالجيزة، وقبره بها، كذا قاله القضاعي في "الخطط"، والجيزة: بليدة في قبالة مصر - رحمه الله تعالى -.
٢٣ - أَبو عبد الله الزبير بن بكار، وكنيته: أَبو بكر، من آل الزبير بن العوام القرشي، الأسدي .
كان من أعيان العلماء، وتولى القضاء بمكة - حرسها الله تعالى -.
وصنف الكتب النافعة، منها كتاب "أنساب قريش"، وقد جمع فيه شيئًا كثيرًا، وعليه اعتمادُ الناس في معرفة نسب القرشيين، وله غيرُه مصنفات دلت
стр. 34
على اطلاعه وفضله، روى عن: ابن عيينة ومَنْ في طبقته، وروى عنه: ابن ماجه القزويني، وابن أبي الدنيا، وغيرهما.
توفي بمكة وهو قاض عليها ليلة السبع، وقيل: لتسع ليال بقين من ذي القعدة سنة ٢٥٦، وعمره أربع وثمانون سنة - رحمه الله تعالى -.
٢٤ - أَبو محمد، زيادُ بن عبد الله بن طفيل بن عامر، القيسيُّ، العامريُّ، من بني عامر بن صعصعة، ثم من بني البكاء .
روى سيرة رسول الله ﷺ عن محمد بن إسحق، ورواها عنه: عبد الملك بن هشام الذي رتبها، ونُسبت إليه، والبكائي المذكور كوفيٌّ.
وكان صدوقًا ثقة، خرَّج عنه البخاري: في كتاب: الجهاد، ومسلم في مواضع من كتابه، وذكر البخاري في "تاريخه" عن وكيع: أنه قال: زياد أشرفُ من أن يكذب في الحديث، ووهم الترمذي، فقال في كتابه: عن البخاري، قال، قال وكيع: زيادُ بنُ عبد الله على شرفه يكذب في الحديث، وهذا وهم، ولم يقل وكيع فيه إلا ما ذكره البخاري في "تاريخه"، ولو رماه وكيع بالكذب، ما خرَّج البخاري عنه حديثًا واحدًا، ولا مسلمٌ، كما لم يخرجا عن الحارث الأعور لما رماه الشعبي بالكذب، ولا عن أبان بن عباس لما رماه شعبة بالكذب، وروى زياد عن: الأعمش، وروى عنه: أحمد بن حنبل، وغيره ﵃.
وكانت وفاة أبي محمد المذكور في سنة ١٨٣ بالكوفة.
والبكَّائي - بفتح الموحدة وتشديد الكاف -: نسبة إلى البكَّاء، واسمه: ربيعةُ بنُ عامر بن صعصة، وسمي البكا بخبر يسمج ذكره.
٢٥ - أم المؤيد، زينب، وتدعى: حرة أيضًا، بنت أبي القاسم، عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبدوس الجرجانيُّ الأصل، النيسابوريُّ الدار، الصوفي، المعروف بالشعري .
كانت عالمة، وأدركت جماعة من أعيان العلماء، وأخذت عنهم رواية وإجازة.
стр. 35
سمعَتْ من أبي محمد إسمعيل بن أبي القاسم بن أبي بكر النيسابوري القاري، وأبي القاسم، زاهر، وأبي بكر، وجيه ابني طاهر الشحاميين، وأبي المظفر، عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري، وأبي الفتوح، عبد الوهاب بن شاه الشاذياخي، وغيرهم، وأجاز لها الحافظُ أَبو الحسن، عبدُ الغافر بنُ إسمعيل بن عبد الغافر الفارسي، والعلامة أَبو القاسم، محمودُ بنُ عمرَ الزمخشريُّ صاحب "الكشاف"، وغيرُهما من السادات الحفاظ.
قال ابن خلكان: ولنا منها إجازةٌ كتبتها في بعض شهور سنة عشر وست مئة، ومولدي يوم الخميس بعد صلوة العصر حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستمئة بمدينة أربل، بمدرسة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين ﵀.
ومولد زينب المذكورة، سنة أربع وعشرين وخمس مئة بنيسابور، وتوفيت سنة خمس عشرة وست مئة في جمادى الآخرة بمدينة نيسابور - رحمها الله تعالى -.
٢٦ - أَبو بكر، سالم بن عياش بن سالم، الخياط، الأسديُّ، الكوفيُّ .
كان من أرباب الحديث، والعلماء المشاهير، وهو أحد راوي القراءات عن عاصم، وهو مولى واصل بن حيان الأحدب، ذكر أَبو العباس المبرِّدُ في "الكامل"، قال: قال أَبو بكر بن عياش: أصابتني مصيبة آلمتني، فذكرت قولَ ذي الرُّمَّة:
لَعَلَّ انحدارَ الدمع يُعْقِبُ راحةً ... من الوَجْدِ، أو يَشفي نَجِيَّ البِلابلِ
فخلوت بنفسي، وبكيت، فاسترحت، وله أخبار وحكايات كثيرة.
وقيل: اسمه كنيته، وقيل: شعبة، والله أعلم، وروي عنه: أنه قال: لما كنت شاباً، وأصابتني مصيبة، تجلدت لها، ودفعت البكاء بالصبر، فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابيًا بالكناسة، وهو واقف على نجيب له ينشد شعرًا:
خليليَّ عُوجا من صُدورِ الرواحل ... بمهجورِ حَزْوَى فابْكِيا في المنازِلِ
لعلَّ انحدارَ الدمعِ يُعقبُ راحةً ... من الوجدِ، أو يشفي نَجِىَّ البلابِلِ
стр. 36
فسألتُ عنه، فقيل لي: ذو الرمة، فأصابني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكي، فأجد لذلك راحة، فقلت: قاتل الله الأعرابيَّ ما كان أبصرَه!
وكانت وفاته بالكوفة في سنة ١٩٣ بعد الرشيد بثمانية عشر يومًا، وعمره ثمان وتسعون سنة. وعياش - بالفتح وتشديد الياء -.
٢٧ - أَبو زيد، سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد، الأنصاري، اللغويُّ، البصريُّ .
كان من أئمة الأدب، وغلبت عليه اللغة والنوادر والغرائب، وكان يرى رأي القَدَر، وكان ثقة في روايته، وله في الأدب مصنفات مفيدة، وحكى بعضهم: أنه كان في حلقة شعبة بن الحجاج، فضجر من إملاء الحديث، فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس، فقال: يا أبا زيد! شعر:
استَعْجَمتْ دارُ ميٍّ ما تُكَلِّمُنا ... والدارُ لو كَلَّمَتْنا ذاتُ أَخبارِ
إليّ يا أبا زيد! فجاءه، فجعلا يتحدثان ويتناشدان الأشعار، فقال له بعض أصحاب الحديث: يا أبا بسطام! نقطع إليك ظهورَ الإبل لنسمعَ منك حديثَ النبيِّ ﷺ ، فتدعنا وتُقبل على الأشعار! قال: فغضب شعبةُ غضبًا شديدًا، ثم قال: يا هؤلاء! أنا أعلمُ بالأصلح لي، أنا والله الذي لا إله إلا هو! في هذا أسلمُ مني في ذاك.
وكانت وفاته بالبصرة في سنة ٢١٥، وقيل: سنة ٢١٤، وقيل: سنة ٢١٦، وعُمِّر عمرًا طويلًا حتى قارب المئة، وقيل: عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وقيل: خمسًا وتسعين، وقيل: ستًا وتسعين ﵀.
٢٨ - أَبو عبد الله، سفيان بنُ سعيد بنِ مسروق بنِ حبيب رافع الثوريُّ الكوفيُّ .
كان إمامًا في علم الحديث وغيره من العلوم.
وأجمع الناس على دينه، وورعه، وزهده، وثقته، وهو أحد الأئمة
стр. 37
المجتهدين، ويقال: إن الشيخ أبا القاسم الجنيد كان على مذهبه على اختلاف فيه.
قال سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلًا أعلمَ بالحلال والحرام من سفيانَ الثوريِّ.
سمعَ الحديث من أبي إسحقَ السَّبيعيِّ، والأعمش، ومَنْ في طبقتهما، وسمع منه الأوزاعيُّ، وابن جريج، ومحمد بن إسحق، ومالك، وتلك الطبقة.
قال المسعودي: في "مروج الذهب": قال المهدي: اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على ألا يعترض عليه في حكم، فكتب عهده، ودفع إليه، فأخذه وخرج، فرمى به في دجلة، وهرب، فطُلب في كل بلد فلم يوجد، ولما امتنع من قضاء الكوفة، وتولاه شريك بن عبد الله النخعي، قال الشاعر:
تَحَرَّزَ سفيانٌ وَفَرَّ بدينِهِ ... وأَمْسى شريكٌ مَرْصَدًا للدَّراهِمِ
وحكي عن أبي صالح شعيب بن حرب المدائني، وكان أحد السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين: أنه قال: إنني لأحسب يجاء بسفيان الثوري في القيامة حجةً من الله على الخلق، يُقال لهم: لم تدركوا نبيكم - عليه أفضل الصلاة والسلام -، فلقد رأيتم سفيان الثوري، ألا اقتديتم به؟
مولده في سنة ٩٥، وقيل: ست، وقيل: سبع وتسعين للهجرة، وتوفي بالبصرة سنة ١٦١ متواريًا من السلطان، ودفن عشاء، ولم يُعقّب، والثوريُّ: نسبة إلى ثورِ بن عبد مناة، وثمَّ ثوريٌّ آخرُ من بني تميم، وثوريٌّ آخر بطن من همدان.
٢٩ - أَبو محمد، سفيان بن عيينة" بن أبي عمران ميمون الهلاليُّ، مولى امرأة من بني هلال بن عامر، رهطِ ميمونة زوجِ النبيِّ ﷺ ، وقيل: مولى بني هاشم، وقيل غير ذلك .
كان إمامًا عالمًا ثبتًا زاهدًا ورعًا، مجمعًا على صحة حديثه وروايته، حج سبعين حجة، روى عن: الزهري، وأبي إسحق السَّبيعي، وعمرو بن دينار،
стр. 38
ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، وعاصم، والأعمش، وغير هؤلاء من أعيان العلماء.
وروى عنه: الإمام الشافعيُّ، وشعبةُ بن الحجاج، ومحمدُ بن إسحق، وابنُ جريج، والزبيرُ بن بكار، وعمُّه مصعَب، وعبد الرزاق، وخلق كثير.
قال الشافعي: ما رأيت أحدًا فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أكفَّ منه عن الفتيا. قال سفيان: دخلت الكوفة، ولم يتم لي عشرون سنة، فقال أَبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار، قال: فجاء الناس يسألوني عن عمرو بن دينار، فأول من صيرني محدِّثًا: أَبو حنيفة، فذاكرته، فقال لي: يا بني! ما سمعت من عمرو إلا ثلاثة أحاديث - يضطرب في حفظ تلك الأحاديث.
ومولد سفيان بالكوفة في منتصف شعبان سنة ١٠٧، وتوفي يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة، وقيل أول يوم من رجب سنة ١٩٨ بمكة، ودُفن بالحَجون.
٣٠ - أَبو محمد، سليمان بنُ مِهرانَ مولى بني كاهلٍ، من ولد أسدٍ، المعروفُ بالأعمش الكوفيُّ .
الإمام المشهور، كان ثقة عالمًا فاضلًا، وكان أبوه من دنباوند، وقدم الكوفة، وامرأته حاملٌ بالأعمش، فولدته بها.
قال السمعاني: وهو لا يعرف بهذه النسبة، بل يعرف بالكوفي، وكان يقارن بالزهري في الحجاز، ورأى أنسَ بنَ مالك، وكلمه، لكن لم يرزق السماع عليه، وما يرويه عن أنس فهو إرسال أخذه عن أصحاب أنس.
وروى عن: عبد الله بن أبي أوفى حديثًا واحدًا، ولقي كبار التابعين، وروى عنه: سفيانُ الثوري، وشعبةُ بنُ الحجاج، وحفصُ بن غياث، وخلق كثيرٌ من جلة العلماء.
وكان لطيف الخلق، مزَّاحًا، جاءه أصحاب الحديث يومًا ليسمعوا عليه،
стр. 39
فخرج إليهم، وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغضُ إليَّ منكم، ما خرجتُ إليكم. وقال له داود بن عمر الحائك: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء، فقال له: ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال: تقبل مع عدلين.
ويقال: إن الإمام أبا حنيفة ﵀ عاده يومًا في مرضه، فطوَّل القعودَ عنده، فلما عزم على القيام، قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك، فقال: والله! إنك لثقيلٌ عليّ وأنت في بيتك. وعاده أيضًا جماعة، فأطالوا الجلوس عنده، فضجر منهم، فأخذ وسادته وقام، وقال: شفى الله مريضَكم بالعافية. وقيل عنده يومًا: قال ﷺ : "من نام عن قيام الليل، بال الشيطان في أذنه"، فقال: ما عمشت عيني إلا من بول الشيطان في أذني. وكانت له نوادر كثيرة.
وقال أَبو معاوية الضرير: بعث هشامُ بنُ عبد الملك إلى الأعمش أن: اكتبْ لي مناقبَ عثمان، ومساوىء علي بن أبي طالب، فأخذ الأعمشُ القرطاس في فم شاة، فلاكَتْها، وقال لرسوله: قل له: هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آتِه بجوابك، وتحمل عليه بإخوانه، فقالوا له: يا أبا محمد! نَجِّه من القتل، فلما ألحوا عليه، كتب له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد: يا أمير المؤمنين! فلو كانت لعثمان مناقبُ أهل الأرض، ما نفعتك، ولو كانت لعلي ﵁ مساوىء أهل الأرض، ما ضرتك، فعليك بخوَيِّصة نفسك، والسلام.
مولده سنة ٦٠ للهجرة، وتوفي سنة ١٤٨ في شهر ربيع الأول، قال زائدة بن قدامة: تبعتُ الأعمشَ يومًا، فأتى المقابرَ، فدخل في قبر محفورٍ، فاضطجعَ فيه، ثم خرج منه وهو ينفضُ التراب عن رأسه، ويقول: واضيقَ مسكناه!
٣١ - أَبو داود، سليمانُ بنُ الأشعث بن إسحق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران، الأزديُّ السجستانيُّ .
أحدُ حفاظ الحديثِ وعلمِه وعللِه، وكان في الدرجة العالية من النسك والصلاح، طوَّف البلاد، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين،
стр. 40
والمصريين، والجزريين، وجمعَ كتاب "السنن" قديمًا، وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل رح، فاستجاده، واستحسنه، وعدَّه الشيخ أَبو إسحق الشيرازيُّ في "طبقات الفقهاء" من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل.
وقال إبراهيم الحربي لما صنف أَبو داود كتابَ "السنن": أُلين لأبي داودَ الحديثُ كما أُلين لداود الحديد، وكان يقول: كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمس مئة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمَّنته هذا الكتابَ؛ يعني: "السنن"، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانَ مئة حديث، ذكرت الصحيحَ وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسانَ لدينه من ذلك أربعةُ أحاديث.
١ - أحدها: قولُه ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات".
٢ - والثاني: قوله "من حُسْنِ إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه".
٣ - الثالث: قوله: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".
٤ - والرابع: قولُه: "الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بينٌ، وبينَ ذلك أمورٌ مشتبهات" الحديث بكماله.
وجاء سهلُ بنُ عبدِ الله التُّسْتَريُّ، فقيل له: يا أبا داود! هذا سهلُ بنُ عبد الله قد جاءك زائرًا، قال، فرحَّبَ به وأجلَسَه، فقال له: يا أبا داود! لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: حتى تقولَ: قضيتُها مع الإمكان، قال: قد قضيتُها مع الإمكان، قال: أخرج لسانَك الذي حدَّثْتَ به عن رسول الله ﷺ حتى أُقبله، قال: فأخرج لسانه، فقبله.
وكانت ولادته في سنة ٢٠٢، وقدم بغداد مرارًا، ثم نزل إلى البصرة، وسكنها، وتوفي بها يوم الجمعة منتصفَ شوال سنة ٢٧٥ ﵀.
وكان ولده أَبو بكر، عبدُ الله بنُ أبي داود سليمان من أكابرِ الحفاظ ببغداد، عالمًا متفَقًا عليه إمامٌ بنُ إمام، وله كتاب "المصابيح"، وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام، وسمع ببغداد، وخراسان، وأصبهان، وسجستان، وشيراز.