← Тараджим

Тараджим · id 17349

التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول

صديق حسن خان

Полный текст (544 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فسألتُ عنه، فقيل لي: ذو الرمة، فأصابني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكي، فأجد لذلك راحة، فقلت: قاتل الله الأعرابيَّ ما كان أبصرَه! وكانت وفاته بالكوفة في سنة ١٩٣ بعد الرشيد بثمانية عشر يومًا، وعمره ثمان وتسعون سنة. وعياش - بالفتح وتشديد الياء -. ٢٧ - أَبو زيد، سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد، الأنصاري، اللغويُّ، البصريُّ . كان من أئمة الأدب، وغلبت عليه اللغة والنوادر والغرائب، وكان يرى رأي القَدَر، وكان ثقة في روايته، وله في الأدب مصنفات مفيدة، وحكى بعضهم: أنه كان في حلقة شعبة بن الحجاج، فضجر من إملاء الحديث، فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس، فقال: يا أبا زيد! شعر: استَعْجَمتْ دارُ ميٍّ ما تُكَلِّمُنا ... والدارُ لو كَلَّمَتْنا ذاتُ أَخبارِ إليّ يا أبا زيد! فجاءه، فجعلا يتحدثان ويتناشدان الأشعار، فقال له بعض أصحاب الحديث: يا أبا بسطام! نقطع إليك ظهورَ الإبل لنسمعَ منك حديثَ النبيِّ ﷺ ، فتدعنا وتُقبل على الأشعار! قال: فغضب شعبةُ غضبًا شديدًا، ثم قال: يا هؤلاء! أنا أعلمُ بالأصلح لي، أنا والله الذي لا إله إلا هو! في هذا أسلمُ مني في ذاك. وكانت وفاته بالبصرة في سنة ٢١٥، وقيل: سنة ٢١٤، وقيل: سنة ٢١٦، وعُمِّر عمرًا طويلًا حتى قارب المئة، وقيل: عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وقيل: خمسًا وتسعين، وقيل: ستًا وتسعين ﵀. ٢٨ - أَبو عبد الله، سفيان بنُ سعيد بنِ مسروق بنِ حبيب رافع الثوريُّ الكوفيُّ . كان إمامًا في علم الحديث وغيره من العلوم. وأجمع الناس على دينه، وورعه، وزهده، وثقته، وهو أحد الأئمة

стр. 37

المجتهدين، ويقال: إن الشيخ أبا القاسم الجنيد كان على مذهبه على اختلاف فيه. قال سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلًا أعلمَ بالحلال والحرام من سفيانَ الثوريِّ. سمعَ الحديث من أبي إسحقَ السَّبيعيِّ، والأعمش، ومَنْ في طبقتهما، وسمع منه الأوزاعيُّ، وابن جريج، ومحمد بن إسحق، ومالك، وتلك الطبقة. قال المسعودي: في "مروج الذهب": قال المهدي: اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على ألا يعترض عليه في حكم، فكتب عهده، ودفع إليه، فأخذه وخرج، فرمى به في دجلة، وهرب، فطُلب في كل بلد فلم يوجد، ولما امتنع من قضاء الكوفة، وتولاه شريك بن عبد الله النخعي، قال الشاعر: تَحَرَّزَ سفيانٌ وَفَرَّ بدينِهِ ... وأَمْسى شريكٌ مَرْصَدًا للدَّراهِمِ وحكي عن أبي صالح شعيب بن حرب المدائني، وكان أحد السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين: أنه قال: إنني لأحسب يجاء بسفيان الثوري في القيامة حجةً من الله على الخلق، يُقال لهم: لم تدركوا نبيكم - عليه أفضل الصلاة والسلام -، فلقد رأيتم سفيان الثوري، ألا اقتديتم به؟ مولده في سنة ٩٥، وقيل: ست، وقيل: سبع وتسعين للهجرة، وتوفي بالبصرة سنة ١٦١ متواريًا من السلطان، ودفن عشاء، ولم يُعقّب، والثوريُّ: نسبة إلى ثورِ بن عبد مناة، وثمَّ ثوريٌّ آخرُ من بني تميم، وثوريٌّ آخر بطن من همدان. ٢٩ - أَبو محمد، سفيان بن عيينة" بن أبي عمران ميمون الهلاليُّ، مولى امرأة من بني هلال بن عامر، رهطِ ميمونة زوجِ النبيِّ ﷺ ، وقيل: مولى بني هاشم، وقيل غير ذلك . كان إمامًا عالمًا ثبتًا زاهدًا ورعًا، مجمعًا على صحة حديثه وروايته، حج سبعين حجة، روى عن: الزهري، وأبي إسحق السَّبيعي، وعمرو بن دينار،

стр. 38

ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، وعاصم، والأعمش، وغير هؤلاء من أعيان العلماء. وروى عنه: الإمام الشافعيُّ، وشعبةُ بن الحجاج، ومحمدُ بن إسحق، وابنُ جريج، والزبيرُ بن بكار، وعمُّه مصعَب، وعبد الرزاق، وخلق كثير. قال الشافعي: ما رأيت أحدًا فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أكفَّ منه عن الفتيا. قال سفيان: دخلت الكوفة، ولم يتم لي عشرون سنة، فقال أَبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار، قال: فجاء الناس يسألوني عن عمرو بن دينار، فأول من صيرني محدِّثًا: أَبو حنيفة، فذاكرته، فقال لي: يا بني! ما سمعت من عمرو إلا ثلاثة أحاديث - يضطرب في حفظ تلك الأحاديث. ومولد سفيان بالكوفة في منتصف شعبان سنة ١٠٧، وتوفي يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة، وقيل أول يوم من رجب سنة ١٩٨ بمكة، ودُفن بالحَجون. ٣٠ - أَبو محمد، سليمان بنُ مِهرانَ مولى بني كاهلٍ، من ولد أسدٍ، المعروفُ بالأعمش الكوفيُّ . الإمام المشهور، كان ثقة عالمًا فاضلًا، وكان أبوه من دنباوند، وقدم الكوفة، وامرأته حاملٌ بالأعمش، فولدته بها. قال السمعاني: وهو لا يعرف بهذه النسبة، بل يعرف بالكوفي، وكان يقارن بالزهري في الحجاز، ورأى أنسَ بنَ مالك، وكلمه، لكن لم يرزق السماع عليه، وما يرويه عن أنس فهو إرسال أخذه عن أصحاب أنس. وروى عن: عبد الله بن أبي أوفى حديثًا واحدًا، ولقي كبار التابعين، وروى عنه: سفيانُ الثوري، وشعبةُ بنُ الحجاج، وحفصُ بن غياث، وخلق كثيرٌ من جلة العلماء. وكان لطيف الخلق، مزَّاحًا، جاءه أصحاب الحديث يومًا ليسمعوا عليه،

стр. 39

فخرج إليهم، وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغضُ إليَّ منكم، ما خرجتُ إليكم. وقال له داود بن عمر الحائك: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء، فقال له: ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال: تقبل مع عدلين. ويقال: إن الإمام أبا حنيفة ﵀ عاده يومًا في مرضه، فطوَّل القعودَ عنده، فلما عزم على القيام، قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك، فقال: والله! إنك لثقيلٌ عليّ وأنت في بيتك. وعاده أيضًا جماعة، فأطالوا الجلوس عنده، فضجر منهم، فأخذ وسادته وقام، وقال: شفى الله مريضَكم بالعافية. وقيل عنده يومًا: قال ﷺ : "من نام عن قيام الليل، بال الشيطان في أذنه"، فقال: ما عمشت عيني إلا من بول الشيطان في أذني. وكانت له نوادر كثيرة. وقال أَبو معاوية الضرير: بعث هشامُ بنُ عبد الملك إلى الأعمش أن: اكتبْ لي مناقبَ عثمان، ومساوىء علي بن أبي طالب، فأخذ الأعمشُ القرطاس في فم شاة، فلاكَتْها، وقال لرسوله: قل له: هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آتِه بجوابك، وتحمل عليه بإخوانه، فقالوا له: يا أبا محمد! نَجِّه من القتل، فلما ألحوا عليه، كتب له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد: يا أمير المؤمنين! فلو كانت لعثمان مناقبُ أهل الأرض، ما نفعتك، ولو كانت لعلي ﵁ مساوىء أهل الأرض، ما ضرتك، فعليك بخوَيِّصة نفسك، والسلام. مولده سنة ٦٠ للهجرة، وتوفي سنة ١٤٨ في شهر ربيع الأول، قال زائدة بن قدامة: تبعتُ الأعمشَ يومًا، فأتى المقابرَ، فدخل في قبر محفورٍ، فاضطجعَ فيه، ثم خرج منه وهو ينفضُ التراب عن رأسه، ويقول: واضيقَ مسكناه! ٣١ - أَبو داود، سليمانُ بنُ الأشعث بن إسحق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران، الأزديُّ السجستانيُّ . أحدُ حفاظ الحديثِ وعلمِه وعللِه، وكان في الدرجة العالية من النسك والصلاح، طوَّف البلاد، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين،

стр. 40

والمصريين، والجزريين، وجمعَ كتاب "السنن" قديمًا، وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل رح، فاستجاده، واستحسنه، وعدَّه الشيخ أَبو إسحق الشيرازيُّ في "طبقات الفقهاء" من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. وقال إبراهيم الحربي لما صنف أَبو داود كتابَ "السنن": أُلين لأبي داودَ الحديثُ كما أُلين لداود الحديد، وكان يقول: كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمس مئة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمَّنته هذا الكتابَ؛ يعني: "السنن"، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانَ مئة حديث، ذكرت الصحيحَ وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسانَ لدينه من ذلك أربعةُ أحاديث. ١ - أحدها: قولُه ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". ٢ - والثاني: قوله "من حُسْنِ إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه". ٣ - الثالث: قوله: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه". ٤ - والرابع: قولُه: "الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بينٌ، وبينَ ذلك أمورٌ مشتبهات" الحديث بكماله. وجاء سهلُ بنُ عبدِ الله التُّسْتَريُّ، فقيل له: يا أبا داود! هذا سهلُ بنُ عبد الله قد جاءك زائرًا، قال، فرحَّبَ به وأجلَسَه، فقال له: يا أبا داود! لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: حتى تقولَ: قضيتُها مع الإمكان، قال: قد قضيتُها مع الإمكان، قال: أخرج لسانَك الذي حدَّثْتَ به عن رسول الله ﷺ حتى أُقبله، قال: فأخرج لسانه، فقبله. وكانت ولادته في سنة ٢٠٢، وقدم بغداد مرارًا، ثم نزل إلى البصرة، وسكنها، وتوفي بها يوم الجمعة منتصفَ شوال سنة ٢٧٥ ﵀. وكان ولده أَبو بكر، عبدُ الله بنُ أبي داود سليمان من أكابرِ الحفاظ ببغداد، عالمًا متفَقًا عليه إمامٌ بنُ إمام، وله كتاب "المصابيح"، وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام، وسمع ببغداد، وخراسان، وأصبهان، وسجستان، وشيراز.

стр. 41

توفي سنة ٣١٦، واحتجَّ به ممن صنف الصحيح، أبو علي الحافظُ النيسابوريُّ، وابن حمزة الأصبهانيُّ. والسجستاني - بكسر السين المهملة والجيم وسكون السين الثانية وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى سجستانَ الإقليمِ المشهور، وقيل: بل نسبته إلى سجستان، أو سجستانة: قرية من قرى البصرة. ٣٢ - أَبو القاسم، سليمانُ بنُ أحمدَ بن أيوبَ بنِ مطيرٍ اللخميُّ الطبرانيُّ . كان حافظَ عصره، رحلَ في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثًا وثلاثين سنة، وسمع الكثير، وعدد شيوخه ألفُ شيخ. وله المصنفاتُ الممتعة النافعة الغريبة، منها: المعاجم الثلاثة: "الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير"، وهي أشهر كتبه، وروى عنه: الحافظ أَبو نعيم، والخلق الكثير. مولده سنة ستين ومئتين بطبرية الشام، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ٣٦٠، وعمره تقديرًا مئة سنة، وقيل: إنه توفي في شوال، والله أعلم، ودفن إلى جانب حمة الدوسي - صاحب رسول الله ﷺ : والطبراني - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة والراء، وبعد الألف نون - هذه النسبة: إلى طبرية، والطبريُّ نسبة إلى طبرستان. واللخميُّ - بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم -، هذه النسبة: إلى لخم، واسمه: مالكُ بنُ عَدِيّ، وهو أخو جذام، ومُطَير: تصغيرُ مَطَر. ٣٣ - أَبو الوليد، سليمانُ بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي الأندلسيُّ الباجيُّ . كان من أكابر علماء الأندلس وحفاظها، سكن شرق الأندلس، ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربع مئة ونحوها، فأقام بمكة مع أبي ذر الهروي

стр. 42

ثلاثة أعوام، وحج فيها أربع حجج، ثم رحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويقرأ الحديث، ولقي بها سادة من العلماء؛ كأبي الطيب الطبري الفقيه الشافعي، والشيخ أبي إسحق الشيرازي صاحب "المهذب"، وأقام بالموصل مع أبي جعفر السمناني عامًا يدرس عليه الفقهَ، وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا، وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى الخطيب أيضًا عنه، قال: أنشدني أَبو الوليد الباجي ﵀ لنفسه: إذا كنتُ أعلمُ علمًا يقينًا ... بأنَّ جميعَ حياتي كساعَه فَلِمْ لا أكونُ ضَنينًا بِها ... وأَجعلُها في صلاحٍ وطاعهْ وصنف كتبًا كثيرة، منها: كتاب "المنتقى"، وكتاب "التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخاري في "الصحيح"، وغير ذلك، وهو أحد أئمة المسلمين، وكان يقول: سمعت أبا ذر عبدَ بنَ أحمد الهروي يقول: لو صحت الإجازة، لبطلت الرحلة. وكان قد رجع إلى الأندلس، وولي القضاء هناك. ومولده يوم الثلاثاء النصف من ذي القعدة سنة ٤٠٣ بمدينة بَطْلَيَوْسَ. وتوفي بالمَرِيَّة ليلة الخميس بين العشاءين تاسع عشر رجب سنة ٤٧٤، ودفن بالرباط على ضفة البحر، وصلَّى عليه ابنه القاسم. وأخذ عنه أَبو عمرو بنُ عبد البَرِّ صاحبُ كتاب "الاستيعاب"، وبينه وبين أبي محمد بن حزم المعروفِ بالظاهري مجالسُ ومناظراتٌ وفصول، يطولُ شرحُها. والباجي: نسبة إلى باجة، وهي مدينة بالأندلس، وثمَّ باجةٌ أخرى، وهي مدينة بأفريقية، وباجةُ أخرى، وهي قرية من قرى أصبهان. وذكر له المَقَّرِيُّ في "نفح الطيب" ترجمةً حافلة جليلة، وقال: ولعمري! إنه لم يوفَّ القاضي الباجيُّ حقَّه الواجبَ المفترض، ووددتُ أنه مُدَّ النفسُ في ترجمته بعبارة يعترف ببراعتها من سلَّم له ومن اعترض، قال: ومن تواليفه:

стр. 43

"المنتقى في شرح الموطأ" ذهب فيه مذهبَ الاجتهاد وإيرادِ الحجج، وهو مما يدلُّ على تَبَحُّره في العلوم والفنون. ٣٤ - فخر النساء شهدة بنتُ أبي نصر أحمدَ بنِ الفرج بنِ عمرَ الابريِّ، الكاتبةُ الدِّينَوَرِيَّةُ الأصل، البغداديةُ المولد والوفاة . كانت من العلماء، وكتبت الخط الجيد، وسمع عليها خلقٌ كثير، وكان لها السماعُ العالي، ألحقت فيها الأصاغرَ بالأكابر، سمعت من أبي الخطاب نصرِ بن أحمدَ، وفخرِ الإسلامِ أبي بكر محمدِ بنِ أحمد الشاشيِّ، واشتُهر ذكرها، وبَعُدَ صيتُها. كانت وفاتها يوم الأحد بعد العصر ثالث عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمس مئة. ٣٥ - أَبو عبد الرحمن، عبد الله بنُ المبارَك بنِ واضحٍ المروزيُّ، مولى بني حنظلةَ . كان قد جمع بين العلم والزهد، وتفقه على سفيان الثوري، ومالك بن أنس ﵄، وروى عنه "الموطأ"، وكان كثيرَ الإنقطاع، محبًا للخلوة، شديدَ التورُّع. ونقل أَبو علي النسائي الجَيَّاني: أن عبد الله بنَ المباركُ سئل: أيُّما أفضلُ معاويةُ بن أبي سفيان، أم عمرُ بنُ عبد العزيز؟ فقال: والله! إن الغبارَ الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ أفضلُ من عمرَ بألفِ مرةٍ، صلَّى معاوية خلفَ رسول الله ﷺ ، فقال: سمعَ الله لمن حمده، فقال معاوية: "ربنا لك الحمدُ"، فما بعد هذا؟ وكان لعبد الله شعرٌ فمن ذلك قوله شعر: قَدْ يفتحُ المرءُ حانوتًا لمَتْجَرِهِ ... وقد فتحتَ لكَ الحانوتَ بالدينِ بينَ الأساطينِ حانوتٌ بلا غلقٍ ... تبتاعُ بالدين أموالَ المساكين صَيَّرْتَ دينكَ شاهينًا تصيدُ به ... وليسَ يُفلح أصحابُ الشواهينِ

стр. 44

ومن كلامه: تعلَّمنا العلم للدنيا، فدلَّنا على ترك الدنيا. توفيِ بِهيت - بالكسر -: مدينة على الفرات فوق الأنبار، من أعمال العراق، سنة ١٨١، وقيل: سنة ١٨٢، وقبره ظاهر بها يُزار. قال ابن خلكان: وقد جمعت أخبارَه في جزأين. ٣٦ - أَبو محمد، عبدُ الله بنُ عبد الحكم بنِ أعين بن ليث بن رافع، الفقيهُ المالكيُّ المصريُّ . كان أعلمَ أصحاب مالك بمختلِف قوله، وأفضَتْ إليه رئاسةُ الطائفة المالكية بعد أشهب، وروى عن مالك "الموطأ" سماعًا، وكان من ذوي الأموال والرباع، له جاه عظيم، وقدر كبير، وكان يزكِّي الشهودَ ويجرحهم، ومع هذا لم يشهد ولا أحد من ولده لدعوة سبقت فيه، ذكر ذلك القضاعيُّ في كتاب "خطط مصر"، قال بشر بن بكر: رأيت مالكَ بن أنس في النوم بعدَ ما ماتَ بأيام، فقال: إن ببلادكم رجلًا يقال له: ابنُ عبدِ الحكم، فخذوا عنه؛ فإنه ثقة. كانت ولادته في سنة ١٥٠، أو سنة ١٥٥، وتوفي في رمضان سنة ٢١٤ بمصر، وقبرُه إلى جانب قبر الإمام الشافعي مما يلي القبلة - رحمه الله تعالى -. ٣٧ - أَبو محمد، عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشيُّ بالولاء . كان أحدَ أئمة عصره، صحبَ الإمام مالكَ بنَ أنس عشرين سنة. وصنف "الموطأ الكبير"، و"الموطأ الصغير"، وقال مالكٌ في حقه: إمامٌ أدرك من أصحاب ابن شهاب الزهري أكثرَ من عشرين رجلًا. مولده في سنة ١٢٥، وقيل: سنة ١٢٤ بمصر، وتوفي بها يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة ١٩٧، وقبره مختلف فيه. وله مصنفات في الفقه معروفة، وكان محدِّثًا، قال يونسُ بنُ عبد الأعلى صاحبُ الشافعي: كتب الخليفة إليه في قضاء مصر، فخبأ نفسه، ولزم بيته، فاطلع عليه أسدُ بن سعد، وهو يتوضأ في صحن داره، فقال له: ألا تخرجُ إلى الناس فتقضي بينهم بكتاب الله وسنة رسوله؟ فرفع إليه رأسه، وقال: إلى هنا

стр. 45

انتهى عقلُك، أما علمت أن العلماء يُحشرون مع الأنبياء، وأن القضاة يُحشرون مع السلاطين؟! وكان عالمًا صالحًا، خائفًا لله تعالى، وسبب موته: أنه قرىء عليه كتاب "الأهوال" من جامعه، فأخذه شيء كالغشي، فحُمل إلى داره، فلم يزل كذلك إلى أن قضى نحبه. ٣٨ - أَبو عبد الرحمن، عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، الغافقيُّ، المصريُّ . كان مكثرًا من الحديث والأخبار والرواية. قال محمد بن سعد في حقه: إنه كان ضعيفًا، ومن سمعَ منه في أول أمره أقربُ حالًا ممَّن سمع منه في آخر عمره، وكان يقرأ عليه ما ليس من حديثه، فيسكت، فقيل له في ذلك، فقال: ما ذنبي؟ إنما يجيئوني بكتاب يقرؤونه عليّ، ويقومون، ولو سألوني، لأخبرتهم أنه ليس من حديثي. توفي بمصر سنة ١٧٤، وعمره إحدى وثمانون سنة - رحمه الله تعالى -. وكان أَبو جعفر المنصور ولاَّه القضاء بمصر، وهو أول قاضٍ ولي بمصر من قبل الخليفة، ثم صُرف عن القضاء، وهو أول قاضٍ حضر لنظر الهلال في شهر رمضان، واستمر القضاة عليه إلى الآن. ٣٩ - أَبو عبد الرحمن، عبدُ الله بنُ مسلمةَ بنِ قعنبٍ الحارثيُّ، المعروفُ بالقعنبي . كان من أهل المدينة، وأخذ العلم والحديث عن الإمام مالك، وهو من جلة أصحابه وفضلائهم وثقاتهم وخيارهم، وهو أحد رواة "الموطأ" عنه، فإن "الموطأ" رواه عن مالك جماعةٌ، وبين الروايات اختلافٌ، وأكملها رواية يحيى بن يحيى كما سيأتي. وكان يسمى: الراهب؛ لعبادته وفضله، قال الهيثم: كنا إذا أتينا عبدَ الله بنَ مسلمة، خرج إلينا كأنه مشرفٌ على جهنم - نعوذ بالله منها -، وكان يسكن البصرة.

стр. 46

وتوفي يوم الجمعة من محرم سنة إحدى وعشرين ومائتين بالبصرة، وقال ابن بشكوال: بمكة. ٤٠ - أَبو محمد، عبد الله بنُ مسلم بن قتيبة الدَّينوريُّ، وقيل: المروزيُّ، صاحبُ كتاب "المعارف ". كان فاضلا ثقة، سكن بغداد، وحدَّث بها عن إسحق بن راهويه، وأبي حاتم السجستاني، وتلك الطبقة، وروى عنه: ابنه أحمد، وابن دُرُستويه. تصانيفه كلها مفيدة، منها: "غريب القرآن"، و"غريب الحديث"، و"مشكل القرآن"، و"مشكل الحديث". توفي سنة سبعين، وقيل: إحدى وسبعين، وقيل: ست وسبعين ومئتين، والأخير أصحُّ الأقوال، وكانت وفاته فجأة، صاح صيحة سُمعت من بعد، ثم أُغمي عليه، فمات. وقُتيبة: واحدةُ الأقتاب، والأقتاب: الأمعاء، وبها سُمي الرجل، والنسبة إليه قُتَبي. والدِّينوري - بالكسر -: نسبة إلى دِينَوَر، وهي بلدةٌ من بلاد الجبل عند قرميسين، خرج منها خلق كثير. ٤١ - أَبو محمد، عبدُ الله بن جعفر بنِ درستويه بنِ المرزبان الفارسيُّ الفسويُّ النَّحْوِيُّ . كان عالمًا فاضلًا، أخذ فنَّ الأدب عن ابن قتيبة المتقدِّم ذكرُه، وعن المُبَرِّدِ، وغيرهما ببغداد، وأخذ عنه جماعة من الأفاضل؛ كالدارُقطنيِّ، وغيره. وكانت ولادته سنة ٢٥٨، وتوفي يوم الإثنين لتسع بقين من صفر، وقيل: لست بقين منه سنة ٣٤٧ ببغداد ﵀، وكان أبوه من كبار المحدِّثين وأعيانِهم. وتصانيفه في غاية الجودة والإتقان، منها كتاب "غريب الحديث". ٤٢ - أَبو محمد، عبد الله بنُ القاسم بنِ المظفرِ بنِ عليٍّ الشهرزوريُّ، المنعوتُ بالمرتضى والدُ القاضي كمال الدين . كان مشهورًا بالفضل، والدين، وكان مليحَ الوعظ، مع الرشاقة والتجنيس.

стр. 47

أقام ببغداد مدة يشتغل بالحديث والفقه، ثم رجع إلى الموصل، وتولى بها القضاء، وروى الحديث، وله شعر رائق. ولادته في شعبان سنة ٤٦٥، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وخمس مئة بالموصل، وقيل: توفي بعد سنة ٥٢٠، قاله السمعاني. ٤٣ - أَبو الوليد، عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسفَ بن نصر، الأزديُّ الأندلسيُّ القرطبيُّ، المعروفُ بـ "ابن الفرضي ". كان فقيهًا عالِمًا في فنون علم الحديث وعلمِ الرجال، والأدبِ البارع، وغير ذلك. وله من التصانيف كتاب حسنٌ في "المختلِف والمؤتلِف"، وفي "مُشتبِه النسبة". ورحل من الأندلس إلى المشرق في سنة ٣٨٢، فحج، وأخذ عن العلماء وسمع منهم، وكتب من أماليهم. ومن شعره: أَسيرُ الخطايا عندَ بابكَ واقفُ ... على وَجَلٍ، ممَّا به أنتَ عارفُ يخافُ ذنوبًا لم يغبْ عنك غيبُها ... ويرجوك فيها فهوَ راجٍ وخائفُ ومَنْ ذا الذي يرجو سواكَ ويَتَّقي ... وما لَكَ في فصلِ القضاءِ مُخالِفُ فيا سيدي! لا تُخْزني في صَحيفتي ... إذا نشُرت يومَ الحسابِ الصحائفُ وكُنْ مونسي في ظلمةِ القبرِ عندَ ما ... يصدُّ ذوو القربى ويجفو الموالِفُ لئنْ ضاقَ عني عفوُك الواسعُ الذي ... أُرجي لإسرافي فإنِّي لتَالِفُ ومن شعره: إنَّ الذي أصبحتُ طوعَ يميِنه ... إن لَمْ يكنْ قمرًا فليسَ بدونِهِ ذُلِّي له في الحبِّ من سلطانِه ... وسقامُ جسمي من سَقامِ جفونِهِ وله شعر كثير. مولده في ذي القعدة سنة ٣٥١، وتولَّى القضاء بمدينة بَلَنْسِيَةَ، وقتلته البربر يوم فتح قرطبة، وهو يوم الإثنين لستٍّ خلونَ من شوال سنة ٤٠٣ ﵀ -

стр. 48

وبقي في داره ثلاثة أيام، ودُفن متغيرًا من غير غسل ولا كفن ولا صلاة. وروي أنه قال: تعلقت بأَستار الكعبة، وسألت الله الشهادة، ثم انحرفتُ وفكرت في هول القتل، فندمتُ، وهممت أن أَرجع فأَستقيلَ اللهَ سبحانه ذلكَ، فاستحييت. وأخبر مَنْ رآه بين القتلى، ودنا منه، فسمعه يقول بصوت ضعيف: "لا يُكْلَم أحدٌ في سبيل الله، واللهُ أعلمُ بمَنْ يُكْلَم في سبيله، إلا جاءَ يومَ القيامة وجُرحُهُ يَثْعَبُ دمًا، اللونُ لونُ الدم، والريحُ ريحُ المسك"، كأنه يعيدُ على نفسه الحديثَ الوارد في ذلك، قال: ثم مضى على أثر ذلك، وهذا الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه". ذكر له المَقَّرِيُّ في "نفح الطيب" ترجمتَه، وأورد له أشعارًا، وساق في كتاب "المطمح" حكاية شهادته. قال: كان حافظًا عالمًا كَلِفًا بالرواية، رحل في طلبها، وتبحَّر في المعارف بسببها مع حظٍّ من الأدب كثيرٍ، واختصاص بنظيمٍ ونَثيرٍ، وقد عرّف به ابن حيان في "المقتبس"، وذكر قصة شهادته ﵀. ٤٤ - أبو محمد، عبدُ الله بنُ عليِّ بنِ عبد الله بنِ خلف بنِ أحمدَ بن عمر اللَّخميُّ، المعروف بالرَّشاطيِّ الأندلسيُّ المريُّ . كانت له عناية كثيرة بالحديث والرجال والرواة والتواريخ، وله كتاب حسن، سماه: كتاب "اقتباس الأنوار، والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار"، أخذه الناس عنه، وأحسن فيه، وجمع وما أقصر، وهو على أسلوب كتاب أبي سعيد السمعاني الحافظ الذي سماه بـ "الأنساب"، وتوفي شهيدًا بالمَرِيَّةِ عند تغلُّب العدو عليها صبيحةَ يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة ٥٤٢. والرشاطي: هذه النسبة ليست إلى قبيلة، ولا إلى بلد، بل ذكر في كتابه المذكور: أن أحد أجداده كانت في جسمه شامة كبيرة، وكانت له خادمة عجمية تحضنه في صغره، فإذا لاعبته، قالت له: رشاطة، وكثر ذلك منها، فقيل له: الرشاطي.

стр. 49

٤٥ - أَبو محمد، عبد الله بنُ أبي الوحش بري بن عبد الجبار المقدسيُّ . الإمام المشهورُ في علم النحو واللغة، والرواية والدراية. كان علامة عصره، وحافظَ وقته، ونادرة دهره، اطلَّع على أكثر كلام العرب، وله كتاب على "كتاب الصحاح" للجوهري، وحواش فائقة، أتى فيها بالغرائب، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة، وهي دالة على سَعَة علمه، وغزارةِ مادته، وعظم اطلاعه، وصحبه خلقٌ كثير اشتغلوا عليه، وانتفعوا به. قال ابن خِلَّكان: ولقيتُ بمصرَ جماعةَ من أصحابه، وأخذت عنهم روايةً وإجازةً، ويحكى أنه كانت فيه غَفلة، ولا يتكلَّف في كلامه، ولا يتقيد بالإعراب، بل يسترسل في حديثه كيف ما اتفق، حتى قال يومًا لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه بالنحو: اشترِ لي قليل هندبا بعروقو، فقال له التلميذ: هندبا بعروقه؟ فعزَّ عليه كلامُه، وقال: لا تأخذه إلا بعروقو، وإن لم يكن بعروقو، فما أُريده، وكانت له ألفاظ من هذا الجنس لا يكترث بما يقوله، ولا يتوقف على إعرابها، وله جزء لطيف في أغاليط الفقهاء. كانت ولادته بمصر سنة تسع وتسعين وأربع مئة، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة. وبَرّي - بالفتح وتشديد الراء -: اسم علم يشبه النسبة. ٤٦ - أَبو عمرو، عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعيُّ، إمام أهل الشام . لم يكن بالشام أعلمُ منه، قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة. وكان يسكن بيروت، سمع من الزهري، وعطاء، وروى عنه الثوري، وأخذ عنه عبد الله بن المبارك وجماعة كثيرة. كانت ولادته ببعلبك سنة ٨٨ للهجرة، وقيل: سنة ٩٣، وكان فوقَ الربعة، خفيفَ اللحية، به سمرة، وكان يخضب بالحناء. توفي سنة ١٥٧ بمدينة بيروت، وأهل القرية لا يعرفونه، ويقولون: ها هنا

стр. 50

رجل صالح ينزل عليه النور، ولا يعرفه إلا الخواص من الناس، ورثاه بعضهم بقوله: جادَ الحَيا بالشام كُلَّ عشيةٍ ... قبرًا تضمَّن لحدُه الأوزاعي قبرٌ تضمَّن فيه طودُ شريعةٍ ... سَقيًا له من عالم نَفَّاعِ عُرضت له الدنيا فأَعرض مُقْلِعًا ... عنها بزُهدٍ أَيَّما إقلاعِ ذكر الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق": أن الأوزاعي دخل الحمام ببيروت، وكان لصاحب الحمام شغل، فاغلق الحمام عليه، وذهب، ثم جاء ففتح الباب، فوجده ميتًا، قد وضع يده اليمنى تحت خده، وهو مستقبل القبلة. وقيل: إن امرأته فعلت ذلك، ولم تكن عامدة لذلك، فأمرها سعيدُ بن عبد العزيز بعتق رقبة. والأوزاع: بطنٌ من ذي الكلاع من اليمن، وقيل: بطن من همدان، وقيل: قرية بدمشق. وبيروت: بليدة بساحل الشام، أخذها الفرنج من المسلمين في سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة. ٤٧ - أبو الفرج، عبدُ الرحمن بنُ أبي الحسن، عليِّ (١) بنِ محمد بن علي بن عبد الله، من بني محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ القرشيُّ التيميُّ البكريُّ البغداديُّ، الفقيه الحنبليُّ الواعظ، الملقبُّ: جمال الدين الحافظ. كان علامة عصره، وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ، صنف في فنون عديدة، وله في الحديث تصانيفٌ كثيرة. وله "الموضوعات" في أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع. وبالجملة: كتبُه أكثرُ من أن تعد، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا، والناس يغالون في ذلك حتى يقولون: إنه جمعت الكراريس التي كتبها، وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة، فكان ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء لا يكاد يقبله العقل، ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث

стр. 51

رسول الله ﷺ ، فحصل منها شيء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك، فكفت، وفضل منها، وله أشعار كثيرة. وكانت له في مجلس الوعظ أجوبة نادرة، فمن أحسن ما يحكى عنه: أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ﵄، فرضي الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاموا شخصًا سأله عن ذلك، وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلُهما من كانت ابنتُه تحتَه، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك. فقال السنية: هو أبو بكر؛ لأن ابنته عائشة تحت رسول الله ﷺ . وقالت الشيعة: هو علي بن أبي طالب؛ لأن فاطمة بنتَ رسول الله تحته. وهذه من لطائف الأجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان النظر، كان في غاية الحسن، فضلًا عن البديهة، وله محاسن كثيرة يطول شرحها. كانت ولادته بطريق التقريب سنة ٥٠٨، أو سنة ٥١٠. وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر رمضان سنة ٥٩٧ ببغداد، ودفن بباب حرب. والجوزي: نسبة إلى فرضة الجوز، وهو موضع مشهور. وفي "طبقات ابن رجب": الحافظُ المفسرُ الفقيهُ الواعظ الأديب، شيخُ وقته وإمام عصره، ابن الجوزي، اختُلف في هذه النسبة، وفي سنة مولده وذكرها، وقال: لما ترعرع حملته أمه إلى مسجد الحافظ ابن ناصر، فاعتنى به، وأُسمع الحديث، وحفظ القرآن، وقرأه على جماعة من أئمة القراء، وسمع بنفسه الكثير، وعني بالطلب. قال ابن الجوزي: كنت ألازم من الشيوخ أعلمَهم، وأوثر من أرباب النقل أفهمَهم، فكانت همتي تجويد العدد، لا تكثير العدد، انتهى. قال ابن رجب: ووعظ وهو صغير جدًا، وأخذ في التصنيف والجمع، ونظر في جميع الفنون، وألف فيها، وكان أكثر علومه يستفيدها من الكتب، وعظم شأنه في ولاية الوزير ابن هبيرة، وكان يتكلم عنده في داره كل جمعة، قال:

стр. 52

فتكلمت، وكان يحزر جمع مجلسي على الدوام بعشرة آلاف، أو خمسة عشر ألفًا، قال: وظهر أقوام يتكلمون بالبدع ويتعصبون، فأعانني الله سبحانه عليهم، وكانت كلمتنا هي العليا. قال ابن رجب: وكان الشيخ يُظهر في مجالسه مدحَ السنة، والإمام أحمد وأصحابه، ويذمُّ من خالفهم، قال يومًا على المنبر: أهلُ البدع تقول: ما في السماء أحد، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، ثلاث عورات لكم. وقيل له مرة: قَلِّلْ من ذكر أهل البدع مخافة الفتن، فأنشد، شعر: أَتوبُ إليك يا رحمنُ مِمَّا ... جنيتُ فقد تعاظَمَتِ الذنوبُ وأما مِنْ هَوى ليلى وتركي ... زيارَتَها فإني لا أتوبُ وقال له قائل: ما فيك عيب إلا أنك حنبلي، فأنشد: وعَيَّرَني الواشونَ أني أُحبُّها ... وتلكَ شكاةٌ ظاهر عنك عارُها ثم قال: هذا عيبي، ولا عيبَ في وجه نقط صفحته بالخال، وأنشد: ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ وكتب إليه رجل في رقعة: والله ما أستطيع أراك، فقال: أعمش وشمس! كيف يراها؟! ثم قال: إذا خلوتُ في البيت، غرستُ الدر في أرض القراطيس، وإذا جلست للناس، دفعت بدرياق العلم سموم الهوى، أحميكم عن طعام البدع، وتأبون إلا التخليط، والطبيب مبغوض. قال: وانتهى تفسيري للقرآن في المجلس على المنبر إلى أن تم، فسجدت على المنبر سجدة الشكر، وقلت: ما عرفت أن واعظًا فسر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن، ثم ابتدأت يومئذ في ختمة، أفسرها على الترتيب، واللَّه قادر على الإنعام والإتمام، والزيادة من فضله. وكانت الخلفاء والسلاطين يحضرون مجالس وعظي، وأما سائر الناس، فلا تسأل عنهم؛ فقد حُزر الجمع بمئة ألف وزيادة، وتاب خلق كثير، قال: وتقدم الخليفة بعمل لوح ينصب على قبر الإمام أحمد، وفي رأسه مكتوب: هذا قبر تاج

стр. 53

السنة، وحيد الأمة، العالي الهمة، العالم العابد، الفقيه الزاهد، الورع المجاهد، العاملِ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . قال: وبنى للشيخ أبي الفتح بن المنِّي دكة في موضع جلوسه في الجامع، فتأثر أهل المذاهب من ذلك، وجعل الناس يقولون لي: هذا بسببك - فإنه ما ارتفع هذا المذهب عند السلطان - حتى مال إلى الحنابلة - إلا بسماع كلامك، فشكرت الله على ذلك. قال: وقد تاب على يدي أكثر من مئة ألف، وصار لي اليوم مئة وخمسون مصنفًا، ولم ير واعظ مثل جمعي، فقد حضر مجلسي: الخليفة، والوزير، وصاحب المخزن، وكبار العلماء، والحمد لله على نعمه. وسمع المستضيء بالله ابنَ الجوزي ينشد تحت داره شعر: ستنقلُك المنايا عن ديارِكْ ... ويُبدِلُك الردى دارًا بدارِكْ وتتركُ ما عُنيت به زمانًا ... وتُنقل من غناك إلى افتقارِكْ فدودُ القبرِ في عينيك يرعى ... وترعى عينُ غيرِك في ديارِك فجعل أمير المؤمنين يمضي في قصره، ويقول: أي والله! "وترعى عين غيرك في ديارك"، ويكررها، ويبكي حتى الليل. وحاصل الأمر: أن مجالسه الوعظية لم يكن لها نظير، ولم يسمع بمثلها، وكانت عظيمة النفع، يتذكر بها الغافلون، ويتعلم منها الجاهلون، ويتوب فيها المذنبون، ويسلم فيها المشركون، ويتسنن فيها المبتدعون. قال ابن الجوزي: ولا يكاد يُذكر لي حديث إلا ويمكنني أن أقول: صحيح، أو حسن، أو محال. قال سبطُه أبو المظفر: أقلُّ ما كان يحضر مجلسه عشرُة آلاف، وربما حضر عنده مئة ألف، وسمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعيَّ هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مئة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني. قال: وكان يختم القرآن في كل سبعة أيام، وما مازح أحدًا قط، ولا لعب مع

стр. 54

صبي، ولا أكل من جهة لا يتبين حلها، وما زال على ذلك الأسلوب حتى توفاه الله تعالى. وقال الإمام ناصح الدين بن الحنبلي: اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره، وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن والإحسان باجتماع طراق بغداد وانضياف الناس، وحسن الكلمات المسجعة، والمعاني المودعة، والألفاظ الرابحة، وقراءة القرآن بالأصوات المرجعة، والنغمات المطربة، وصيحات الواجدين، ودمعات الخاشعين، وإنابة النادمين، وذل التائبين، والإحسان بما يفاض على المستمعين من رحمة أرحم الراحمين. ولا سافر إلا إلى مكة، ولقد كان جمالًا لأهل بغداد خاصة، وللمسلمين عامة، ولمذهب أحمد منه ما لحضرة القدس من القدس. قال ابن الدبيثي في "ذيله على تاريخ ابن السمعاني": إليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه من سقيمه، وله من المسانيد والأبواب والرجال ومعرفة ما يحتج به في أبواب الأحكام والفقه، وما لا يحتج به من الأحاديث الواهية والموضوعة والانقطاع والاتصال، وله في الوعظ العبارة الرائقة، والإشارة الفائقة، والمعاني الدقيقة، والاستعارة الرشيقة، وكان من أحسن الناس كلامًا، وأتمهم نظامًا، وأعذبهم لسانًا، وأجودهم بيانًا، وبورك له في عمره وعلمه، فروى الكثير، وسمع منه الناس أكثر من أربعين سنة، وحدث بمصنفاته مرارًا. وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لطيفَ الصوت، حلوَ الشمائل، رخيمَ النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المفاكهة، يحضر مجلسه مئة ألف أو يزيدون، لا يضيع من زمانه شيئًا، يكتب في اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدًا إلى ستين، وله في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كافٍ، وأما السجع الوعظي، فله فيه ملكة قوية، إن ارتجل أجاد، وإن روى أبدع.

стр. 55

وله في الطب كتاب "اللقط"، وكان يراعي حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة، جل غذاءه الفراريخ والمزاوير، ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، ولباسه أفضل لباس: الأبيض الناعم المطيب. ونشأ يتيمًا على العفاف والصلاح، وله ذهن وَقَّاد، وجوابٌ حاضر، ومجون لطيف، ومداعبات حلوة لا ينفك من جارية حسناء. وذكر غير واحد أنه شرب حب البلادر، فسقطت لحيته، فكانت قصيرة جدًا، وكان يخضبها بالسواد، وصنف في جواز الخضاب بالسواد مجلدًا. وذكره ابن البزوري في "تاريخه"، وأطنب في وصفه، فقال: أصبح في مذهبه إمامًا يشار إليه، ويعقد الخنصر في وقته عليه، بنى لنفسه مدرسة، ووقف عليها كتبه، برع في العلوم، وتفرد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء عصره، وعلا على فضلاء دهره. له التصانيف العديدة، سئل عن عددها، فقال: زيادة على ثلاث مئة وأربعين مصنفًا، منها ما هو عشرون مجلدًا، ومنها ما هو كراس واحد، ولم يترك فنًا من الفنون إلا وله فيه مصنف، كان واحدَ زمانه، وما أظنُّ الزمان يسمح بمثله، وكان إذا وعظ، اختلس القلوب، وشقق النفوس دونَ الجيوب. وذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وابن خلكان، والحموي، وابن النجار، وأبو شامة، وغيرهم، وأثنوا عليه، مع أن اشتهاره بالعلوم والفضائل يغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره، فقد بلغ ذكرُه مبلغَ الليل والنهار، وسارت بتصانيفه الركبانُ إلى أقطار الأرض. وقال ابن النجار: له حظ من الأذواق الصحيحة، ونصيب من شرب حلاوة المناجاة. وقد ذكر ابن القادسي: أنه كان يقوم الليل، ولا يكاد يفتر عن ذكر الله، ورأى ربَّ العزة في منامه ثلاث مرات، ومع هذا، فللناس فيه ﵀ كلام من وجوه: منها: كثرة أغلاطه في تصانيفه، وعذرُه في هذا واضح، وهو أنه مكثر من التصانيف؛ فيصنف الكتاب ولا يعتبره، بل يشتغل بغيره، ولولا ذلك، لم

стр. 56

تجتمع له هذه المصنفات الكثيرة، ومع هذا، فكان تصنيفه في فنون من العلوم بمنزلة الاختصار من كتب في تلك العلوم. ولهذا نقل عنه أنه قال: أنا مرتِّب، ولست بمصنِّف، ومنها: ما يوجد في كلامه من التأوه والترفع والتعاظم وكثرة الدعاوى، ولا ريب أنه كان عنده من ذلك طرف، والله يسامحه، ومنها: ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكيرهم عليه في ذلك. وأثنى عليه الشيخ موفق الدين المقدسي، وقال: كان حافظًا للسنة، إلا أننا لم نرض تصانيفه ولا طريقته. وكان شيخه ابن ناصر يثني عليه كثيرًا، وقال: نفعه الله بعلمه ونفع به، وبلغه لغاية العمر لينفعَ المسلمين، وينصر السنَّة وأهلَها، ويدحض البدع وحزبَها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كان الشيخ أبو الفرج متفننًا كثيرَ التصانيف، له مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف. ورأيت له بعد ذلك ما لم أره، وله من التصانيف في الحديث وفنونه، ما قد انتفع به الناس وهو كائن من أجود فنونه، انتهى. له جزء في "مناقب أصحاب الحديث" مجلد، وفي "موت الخضر" مجلد. ومن لفظ كلامه الحسن في المجالس، قال يومًا - وقد طرب أهل مجلسه -: فَهِمتُهم فَهُمتُم. وقال يومًا: شهوات الدنيا أنموذج، والأنموذج يعرض ولا يقبض. وسأله رجل: أيُّما أفضل! أُسبح أو أستغفر؟ فقال: الثوبُ الوسخ أحوجُ إلى الصابون من البخور. ومن كلامه: من قنع، طاب عيشه، ومن طمع، طال طيشه. وسئل كيف ضرب عمر ﵁ بالدرة الأرض؟ قال: الخائن خائف، والبَري جَري. وقال: الدنيا دار الإله، والمتصرف في الدار بغير أمر صاحبِها لِصّ.

стр. 57

وسأله سائل: هل يجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي؟ فقال: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها، فلا تشغلها بالملاهي بلاهي. وقال في قول فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]، قال: افتخر بنهر ما أجراه، ما أجراه! وسئل يومًا: ما تقول في الغناء؟ فقال: أقسم بالله لهوَ لهوٌ. وقال يومًا: ما عز يوسف إلا بترك ما ذلَّ به ما عِز. وقرىء بين يديه يومًا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فقال: هذا والله! توقيع بخراب البيوت. وقال يومًا في مناجاته: إلهي! لا تعذب لسانًا يُخبر عنك، ولا عينًا تنظر في علوم تدل على مناجاتك، ولا قدمًا تمشي إلى خدمتك، ولا يدًا تكتب حديث رسولك، فبعزتك لا تدخلْني النار، فقد علم أهلُها أني كنت أذبُّ عن دينك، وارحمْ عبرةً تترقرق على ما فاتها منك، وكبدًا تحترق على بعدِها منك، إلهي! علمي بفضلك يطمعني فيك، ويقيني بسطوتك لا يؤيسني منك، كلما رفعت ستر الشوق إليك، مسكه الحياء منك، إلهي! لك أَذِلُّ، وبك أُذِل، وعليك أدل، وأنشد: أَحْيا بذكرك ساعةً وأموتُ ... لولا التعلُّلُ بالمُنى لَفَنيتُ وله أشعار حسنة كثيرة. قال أبو شامة: قيل: إنها عشر مجلدات، قال: وأنشدنا لنفسه: سلامٌ على الدار التي لا تزورُها ... على أن هذا القلبَ فيها أسيرُها إذا ما ذكرنا طِيبَ أيامِنا بها ... تَوقَّدُ في نفس الذكور سعيرُها رحلْنا وفي سرِّ الفؤاد ضمائرٌ ... إذا هبَّ نجديُّ الصَّبا يستثيرُها محتْ بعدكم تلك العيونُ دموعَها ... فهل من عيون بعدَها نستعيرُها أتنسى رياض الروض بعدَ فراقها ... وقد أخذ الميثاقَ منك غديرُها يجعّده مرُّ الشّمال وتارةً ... يُغازله كرُّ الصَّبا ومرورُها ألا هل إلى شَمِّ الخُزامى وعَرْعَرٍ ... وشيح بوادي الأثلِ أرضٌ نزورُها ألا أيّها الركبُ العراقيُّ بَلِّغوا ... رسالةَ محزون حَوَتْه سطورُها

стр. 58

إذا كتبتْ أنفاسُه بعضَ وجدِها ... على صفحةِ الذكرى محاه زفيرُها ترفَّقْ رفيقي هل بدتْ نارُ أرضِهم ... أم الوجدُ يُذْكى نارَه ويثيرُها أَعِدْ ذكرَهم فهو الشفاءُ، وربما ... شفى النفسَ أمرٌ ثم عادَ يضيرُها ألا أين أزمانُ الوصال التي خلتْ ... وحَلّت خَلَت خَلَّت وحالَ مريرُها سقى الله أيامًا مضتْ ولياليًا ... تَضَوَّع رَيَّاها وفاحَ عبيرُها وقرأ عليه جماعة، منهم: طلحة العلثي، وأبو عبد الله بن تيمية خطيبُ حران، وذكر في أول تفسيره أنه قرأ عليه كتابه "زاد المسير في التفسير" قراءة بحث ومراجعة، وسمع الحديث وغيره من تصانيف خلق لا يحصون كثرة من الأئمة والحفاظ والفقهاء. وروى عنه خلق، منهم: ابنه محيي الدين، وسبطه أبو المظفر الواعظ، والشيخ موفق الدين، والحافظ عبد الغني، وابن القطيعي، وابن النجار، وابن عبد الدائم، وعبد اللطيف الحراني، وهو خاتمة أصحابه بالسماع، وروى عنه آخرون بالإجازة، وقد نالته المحنة في آخر عمره، وحديثُها يطول، وأنشد في مجلس: اللَّهَ أسألُ أن يطوِّلَ مدَّتي ... وأنالَ بالإنعام ما في نِيَّتي لي هِمَّةٌ في العلم، ما من مثلِها ... وهي التي جَنَتِ النُّحولَ هي التي خلقت من الفلق العظيم إلى المنى ... دُعيت إلى نَيْل المكارم لبَّتِ كم كان لي من مجلسٍ، لو شبهت ... حالاتُه لتشبهَتْ بالجنةِ أشتاقه لما مضت أيامُه ... عللًا وتعذر ناقةٌ إن جنتِ فهل لِليلات بجَمْعٍ عودةٌ ... أم هل إلى وادي مِنًى من نظرةِ قد كان أحلى من تصاريف الصّبا ... ومن الحَمام مغنِّيًا في الأيكةِ فيها البديهاتُ التي ما نالَها ... خلقٌ بغير مخمر ومبيتِ برجاحةٍ وفصاحةٍ وملاحةٍ ... يقضي لها عدنانُ بالعربيَّةِ وبلاغةٍ وبراعةٍ ويراعةٍ ... ظنَّ النُّباتيْ أَنَّها لم تنبُتِ وإشارةٌ تُبكي الجُنَيْدَ وصحبَه ... في رِقَّةٍ، ما قالَها ذو الرُّمَّةِ

стр. 59

قال أبو شامة: هذه الأبيات أظنها كانَ نظمها في أيام محنته إذ كان محبوسًا بواسِط، فمعانيها دالة على ذلك، واللَّه أعلم. قال أبو المظفر: نزل من المنبر، فمرض خمسة أيام، وتوفي في داره سنة ٥٩٧ ليلة الجمعة، واجتمع أهل بغداد، وغلقت الأسواق، وجاء أهل المحالّ، وشددنا التابوت بالحبال، وسلمناه إليهم، فذهبوا به إلى البرية مكان جلوسه، فصلى عليه ابنه أبو القاسم، علي اتفاقًا؛ لأن الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه، ثم ذهبوا به إلى جامع المنصور، فصلوا عليه، وضاق بالناس، وكان يومًا مشهودًا، لم يصلْ إلى حفرته عندَ قبر أحمد بن حنبل إلا وقت صلاة الجمعة، وما وصل إلى حفرته من الكفن إلا قليل. ونزل في الحفرة والمؤذن يقول: اللَّه أكبر! وحزن الناس عليه حزنًا شديدًا، وبكوا عليه بكاءً كثيرًا، وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات، ورآه تلك الليلة المحدث أحمدُ بنُ سليمان الحربي على منبرٍ من ياقوت مرصَّع بالجوهر، والملائكة حِلَقٌ بين يديه، والحقُّ تعالى حاضر يسمع كلامه. ورثاه القادري العلوي بأبيات، منها: الدهرُ عن طمع يَغُرُّ ويخدَعُ ... وزخارفُ الدنيا الدنيَّةِ تُطْمِعُ وأَعِنَّةُ الآمال يُطلِقها الرَّجا ... طَمَعًا، وأسيافُ المنيَّةِ تقطعُ والموتُ آتٍ والحياةُ مريرةٌ ... والناسُ بعضُهُمُ لبعضٍ يَتبعُ واعلمْ بأنَّكَ عن قليلٍ صائرٌ ... خَبَرًا، فكن خبرًا بخيرٍ يسمعُ إلى تمام القصيدة. قال: وأوصى أن يكتب على قبره: يا كثيرَ العفو عمن ... كثُر الذنب لديه! جاءك المذنبُ يرجو ... الصفحَ عن جرمِ يديهِ أنا ضيفٌ وجزاءُ الضيفِ ... الإحسان إليه فرحمه اللَّه، وغفر له، ورحم سائر علماء المسلمين. وحدث سعد الله البصري - وكان رجلا صالحًا، وكان مرجان حينئذ في

стр. 60

عافية -: قال رأيت مرجان في المنام، ومعه اثنان، كل واحد قد أخذ بيده، فقلت: إلى أين؟ قالا: إلى النار، قلت: لماذا؟ قالا: كان يبغض ابنَ الجوزي هذا. وقد أطنب ابن رجب في ترجمته إلى كراسة وزيادة، وذكر من أسامي كتبه المؤلفة ما يطول ذكرُها، وكتب من أحوال مجالسه الوعظية، ورفعة شأنه وعلو مكانه في العلوم وعند الناس ما لا يأتي عليه الحصر، ولا ريب أنه كان عمودًا من عمد الإسلام، وفخرًا من مفاخر الأنام، وحسنة من حسنات الليالي والأيام، وناصرًا من أنصار السنة المطهرة، ومفسرًا من مفسري الكتاب، ومحدِّثًا جليلًا من محدثي الآثار رادًا على المبتدعين، باغضًا لأصحاب المذاهب من المقلدين، عارفًا بصحيح الحديث من سقيمه، وضعيف الآثار من موضوعها، إمامًا في الجرح والتعديل، أستاذًا للأئمة الكبار بلا مدافعة، واعظًا نبيلًا لم تر عينٌ مثلَه في الوعاظ، بليغًا أديبًا شاعرًا كاملًا لم يخلف مثله في الديار، وفضائله أجل من أن تذكر، ومناقبه أكثر من أن تحصر، جزاه اللَّه عن المسلمين، خيرًا، ورحمه ورحم سائر المتبعين المقتفين لآثار النبي ﷺ ، والناصرين لسنته المطهرة الذابِّين عنها بالألسنة والأسنة. فالناس كثير، والدنيا ملاء منهم، ومدَّعو العلم غزير، والعالم مشحون بهم، ولكن أين مثل هذا الشيخ ونظرائه في العلم والعمل، ومعرفة الحق من الباطل، كَثَّر اللَّه من أمثاله، وحققنا بفعاله وأحواله وأقواله، وما ذلك على اللَّه بعزيز. اللهم! إنك تعلم كوننا في هذه المئة الثالثة عشر التي ذهبت بكل خير، وجاءت إلينا بكل شر، ومذ فتحنا عينًا لم نر إلا شينًا ورينًا، وقعنا في ناس جاهلين، وقوم عن الدين ناكبين، وخُلقنا في زمان ليس علينا فيه سلطان أحد من المسلمين، وإنما نحن كالأسراء في أيدي الفجرة الكفرة الجبابرة الظالمين، لا نقدر على شيء، ولا نعرف سبيلًا إلى خروج، ولا نجد مَنْ نجالسه ونصاحبه، ونستعين به على دفع مكائد الشياطين من الإنس والجن أجمعين، ولا نقف على من يهدينا سبيل الرشاد، ويوصلنا إلى طريق الصدق والسداد، ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] رب تب عليَّ إنك أنت

стр. 61

التواب الرحيم، واهدنا الصراط السوي والطريق القويم، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، آمين. ٤٨ - أبو القاسم، عبد العزيز بن عبد اللَّه بن محمد الداركيُّ الفقيهُ الشافعيُّ . كان أبوه محدث أصبهان في وقته. وكان أبو القاسم من كبار فقهاء الشافعية، نزل نيسابور، ودرس الفقه بها سنين، ثم انتقل إلى بغداد، وسكنها إلى حين وفاته، وانتهى إليه التدريس ببغداد - وانتفع به خلق كثير. وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: ما رأيت أحدًا أفقهَ من الداركيِّ، وأخذ الحديث عن جده لأمه الحسنِ بن محمد الداركيِّ، وكان إذا جاءه مسألة يفكر طويلًا، ثم يفتي فيها، وربما أفتى على خلاف مذهب الإمامين الشافعي وأبي حنيفة ﵄، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم! حدث فلان عن فلان عن رسول اللَّه ﷺ بكذا وكذا، والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الإمامين. توفي ببغداد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وسبعين وثلاث مئة عن نيف وسبعين سنة، - رحمه الله تعالى -، وكان ثقة أمينًا. والداركي: قال السمعاني هذه النسبة إلى دارك، وظني أنها قرية من قرى أصبهان. ٤٩ - أبو القاسم، عبد الكريم بن هوازن القشيري، الفقيه الشافعي . كان علامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول، والأدب والشعر والكتابة، وعلمِ التصوف، جمع بين الشريعة والحقيقة، خرج إلى الحج في رُفقة فيها: الشيخ أبو محمد الجويني والدُ إمام الحرمين، وأحمدُ بن حسين البيهقي، وجماعة من المشاهير، فسمع منهم الحديثَ ببغداد والحجاز، وعقدَ لنفسه مجلسَ الإملاء في الحديث. وذكره الخطيب في "تاريخه"، وقال: قدم علينا - يعني: إلى بغداد في سنة ٤٤٨، وحدَّث ببغداد، وكتبنا عنه، وكان ثقة، حسن

стр. 62

الوعظ، مليح الإشارة. قال أبو الفتح محمد بن محمد الفراوي: كان أبو القاسم القشيري كثيرًا ما ينشد لبعضهم؛ وهذان البيتان لذي القرنين بن حمدان. لو كنتَ ساعةَ بَيْنِنا ما بيننا ... وشهدْتَ كيف نكرِّرُ التَّوديعا أيقنتَ أنَّ من الدموع محدِّثًا ... وعلمت أن من الحديث دموعا ولد في سنة ٣٧٦، وتوفي يوم الأحد قبل طلوع الشمس سادس عشر ربيع الأول سنة ٤٦٥ بمدينة نيسابور، ودفن بالمدرسة تحت قبر شيخه أبي على الدقاق. وكان ولده أبو نصر، عبد الرحيم إمامًا كبيرًا أشبهَ أباه في علومه ومجالسه، ورأيت له في بعض المجاميع هذه الأبيات، وذكرها السمعاني في الذيل أيضًا: القلبُ نحوَكَ نازعُ ... والدَّهرُ فيكَ منازِعُ جرتِ القضيةُ بالنوى ... ما للقضية وازِعُ الله يعلمُ أنني ... لفراقِ وجهِكَ جازعُ توفي سنة ٥١٤ بنيسابور - رحمه الله تعالى - ٥٠ - تاج الاسلام، أبو سعد، ويقال: أبو سعيد، عبد الكريم بن أبي بكر، محمدِ بن أبي المظفر، منصور بن محمد التميميُّ السمعانيُّ المروزيُّ، الفقيه الشافعي الحافظ . ذكره الشيخ عز الدين أبو الحسن عليُّ بن الأثير الجزريُّ، في أول "مختصره"، فقال: كان أبو سعد واسطة عِقد البيت السمعاني، وعينَهم الباصرة، ويدهم الناصرة، وإليه انتهت رئاستهم، وبه كملت سيادتهم. رحل في طلب العلم والحديث إلى شرق الأرض وغربها، وشمالها وجنوبها، وسافر إلى ما وراء النهر، وسائر بلاد خراسان عدةَ دفعات، ولقي العلماء، وأخذ عنهم، وجالسهم، وروى عنهم، واقتدى بأفعالهم الجميلة، وآثارهم الحميدة، وكان عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ، وصنف التصانيف الحسنة الغزيرة الفائدة.

стр. 63

كانت ولادته سنة ٥٠٦، وتوفي بمرو سنة ٥٦٢. وكان أبوه إمامًا فاضلًا، محدثًا حافظًا، فقيهًا شافعيًا، وله "الإملاء" الذي لم يسبق مثله، تكلم على المتون والأسانيد، وأبان مشكلاتها. وكان جده المنصور إمام عصره بلا مدافعة، أقر له بذلك الموافق والمخالف، وكان حنفي المذهب، فحج في سنة ٤٦٢، وظهر له بالحجاز مقتضى انتقاله إلى مذهب الإمام الشافعي، فلما عاد إلى مرو، لقي بسبب انتقاله محنًا وتعصبًا شديدًا، فصبر على ذلك، وصار إمامَ الشافعية بعد ذلك، يدرِّس ويفتي، وجمع في الحديث ألف حديث عن مائة شيخ، وتكلم عليها فأحسن، وله وعظ مشهور بالجودة. توفي سنة ٤٨٩ بمرو، ومولده سنة ٤٢٦. وسمعان: بطن من تميم. وكان لأبي سعد عبد الكريم ولدٌ يقال له أبو المظفر عبدُ الرحيم، بكر به والدُه في سماع الحديث، وطاف في بلاد خراسان وما وراء النهر، وأسمعه الحديث، وحصل له النسخ، وجمع له معجمًا لمشايخه في ثمانية عشر جزءًا، وعوالي في مجلدين ضخمين، وحدَّث بالكثير، ورحل إليه الطلاب، وكان محترمًا في بلاده. مولده سنة سبع وثلاثين وخمس مئة بنيسابور، وتوفي بمرو ما بين سنة أربع عشرة وست مئة - رحمه الله تعالى -. ٥١ - أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، مولى حمير . قال أبو سعد السمعاني: قيل: ما رحل الناس إلى أحد بعدَ رسول اللَّه ﷺ مثلَ ما رحلوا إليه، ويروي عن معمر بن راشد الأسدي مولاهم البصري، والأوزاعي، وابن جريح، وغيرهم. وروى عنه: أئمة الإسلام في زمانه. مثهم: سفيانُ بن عيينة، وهو من شيوخه، وأحمدُ بن حنبل، ويحيى بن مَعين، وغيرهم.

стр. 64

كانت ولادته في سنة ١٢٦، وتوفي سنة ٢١١ باليمن - رحمه الله تعالى -. والصنعاني: نسبة إلى صنعاء، وهي من أشهر مدن اليمن، وقال أبو محمد عبد الله بن الحارث الصنعاني: سمعت عبد الرزاق يقول: من يصحبِ الزمان يرى الهوان. قال: وسمعته ينشد: فذاكَ زمانٌ لَعِبْنا به ... وهذا زمانٌ بِنا يلعبُ ٥٢ - أبو محمد، عبد الغني بن سعيد بن علي، الأزدي، الحافظُ، المصريُّ . كان حافظَ مصر في عصره، وله تواليف نافعة، منها "مشتبه النسبة"، وكتاب "المؤتلف والمختلف" وغير ذلك، وانتفع به خلق كثير. كانت ولادته في سنة ٣٣٢، وتوفي في سنة ٣٠٩ بمصر، ودفن بحضرة مصلَّى العيد، رح. قال عبد الغني المذكور: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان ١ - معاوية بن عبد الكريم الضال: وإنما ضل في طريق مكة. ٢ - وعبد اللَّه بن محمد الضعيف: وإنما كان ضعيفًا في جسمه، لا في حديثه. وقال أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحافظ الصوري: قيل للدارقطني: هل رأيت في الحديث أحدًا يرجى علمه؟ فقال نعم، شابًا بمصر كأنه شعلة نار، يقال له: عبد الغني، فلما خرج الدارقطني من مصر، جاء المودعون، وتحزنوا على مفارقته، وبكوا، فقال: لقد تركت عندكم خلفًا - يعني: عبد الغني -. وقال أيضًا - أعني: الصوري -: لما صنف عبد الغني "المؤتلف والمختلف" عرضوه على الدارقطني، فقال له: اقرأه، فقال: كيف أقرؤه لك، ومعظمُه أخذته عنك؟ فقال: نعم أخذتَه عني متفرقًا؛ والآن قد جمعته. واللَّه أعلم. ٥٣ - أبو الحسن، عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسيُّ، الحافظُ . كان إمامًا في الحديث والعربية، وقراءة القرآن الكريم، ولقن الاعتقاد بالفارسية وهو ابن خمس سنين، وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني،

стр. 65

صاحب "نهاية المطلب في دراية المذهب" ولازمه مدة أربع سنين. وهو سِبط الإمام أبي القاسم عبد الكريم القشيري، وسمع عليه الحديث الكثير، وعلى جدته فاطمة بنتِ أبي علي الدقاق، وعلى خاليه أبي سعد وأبي سعيد ولدي أبي القاسم القشيري، ووالدِه أبي عبد اللَّه إسماعيل بن عبد الغافر، ووالدته أَمَةِ الرحيم بنتِ أبي القاسم، وجماعة كثيرة سواهم، ثم خرج من نيسابور إلى خوارزم، ولقي بها الأفاضل، وعقد له المجلس، ثم خرج إلى غزنة، ومنها إلى الهند، وروى الأحاديث، وقرىء عليه لطائف الإشارات بتلك النواحي. ثم رجع إلى نيسابور، وولي الخطابة بها، وأملى بها في مسجد عقيل أعصار يوم الإثنين سنين، ثم صنف كتبًا عديدة، منها: "المفهم لشرح غريب صحيح مسلم"، وكتاب "مجمع الغرائب" في غريب الحديث، وغير ذلك من الكتب المفيدة. وكانت ولادته في ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وأربع مئة. وتوفي سنة تسع وعشرين وخمس مئة بنيسابور - رحمه الله تعالى -. ٥٤ - أبو الوقت، عبدُ الأول بنُ أبي عبد اللَّه، عيسى بنِ شعيبِ بنِ إسحاق السجزيُّ . كان مِكثارًا من الحديث، عالي الإسناد، طالت مدته، وأَلحقَ الأصاغر بالأكابر، وكان صالحًا يغلب عليه الخير. ولد بهراة سنة ٤٥٨، وتوفي سنة ٥٥٣. وكان قد وصل إلى بغداد، ونزل في رباط فيروز، وبه مات، وصُلِّي عليه فيه، ثم صلوا عليه الصلاة العامة بالجامع، وكان الإمام في الصلاة الشيخ عبد القادر الجيلي، وكان الجمع متوفرًا. وكان سماعه الحديثَ بعد الستين والأربع مئة، وهو آخر من روى في الدنيا عن الداودي. والسجزيُّ: نسبة إلى سجستان، وهي من شواذ النسب.

стр. 66

٥٥ - أبو الفرج، عبد المنعم بنُ أبي الفتح، عبدِ الوهاب بنِ سعد بنِ صدقةَ، الملقب: شمسُ الدين الحرَّانيُّ الأصل، البغداديُّ المولد والدار، الحنبليُّ المذهب . كان تاجرًا، وله في حديث السماعات العالية، وانتهت إليه الرحلة من أقطار الأرض، وألحق الصغار بالكبار، لا يشاركه في شيوخه ومسموعاته أحد. كانت ولادته في سنة ٥٠٥، وتوفي في سنة ٥٩٦، ببغداد - ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله تعالى عنه -. وكان صحيحَ الذهن والحواس إلى أن مات، وتسرى بمئة وثمان وأربعين جارية - رحمه الله تعالى -. ٥٦ - أبو عمرو، عثمان بن عبد الرحمن بنِ عثمانَ بنِ موسى بنِ أبي النصر، النصريُّ الكرديُّ الشهرزوريُّ، المعروف بابن الصلاح الشرخانيّ، الملقب: تقيُّ الدين، الفقيهُ الشافعيُّ . كان أحدَ فضلاء عصره في التفسير، والحديث، والفقه، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، وفقه اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاواه مسدَّدة، قال ابن خلكان: وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم. سافر إلى خراسان، فأقام بها زمانًا، وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام، وتولى التدريس بالمدرسة الناصرية بالقدس، ولما بنى الملك الأشرف بن الملك العادل بن أيوب دارَ الحديث بدمشق، فوض تدريسه إليه، واشتغل الناس عليه بالحديث. وكان من العلم والدين على قدم عظيم، وصنف في "علوم الحديث" كتابًا نافعًا، وكذلك في "مناسك الحج"، جمع فيه أشياء حسنة، يحتاج الناس إليها، وهو مبسوط، ولم يزل أمره جاريًا على السداد والصلاح والاجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصُلِّي عليه بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ٦٤٣ بدمشق. مولده سنة سبع وسبعين وخمس مئة بشرخان، وهي قرية من أعمال أربل

стр. 67

قريبة من شهرزور، قال في آثار الأدهار: وله عدة مصنفات، منها كتاب في علوم الحديث. قال الشيخ برهان الدين الأنباسي في "شذى الفياح من علوم ابن الصلاح": إن كتابه هذا أحسن تصنيف فيه، وقد اعتنى به العلماء في زمانه إلى هذا الزمان، منهم من اختصره ومنهم من اعترض عليه، وله كتاب "أدب المفتي والمستفتي"، وهو مختصر نافع، و"رحلة إلى الشرق" عظيمة النفع في سائر العلوم، وكتاب "مناسك الحج" جمع فيه أشياء سنة يحتاج الناس إليها، انتهى حاصله. ٥٧ - أبو الحسن، عليُّ بن محمدِ بنِ علي الطبري، المعروف بالكياهراسي، الفقيهُ الشافعيُّ . كان من أهل طبرستان، وخرج إلى نيسابور، وتفقه على إمام الحرمين مدة إلى أن برع، وكان حسن الوجه، جهوريَّ الصوت، فصيحَ العبارة حلوَ الكلام. وكان محدثًا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالساته، ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح. وحدث الحافظ أبو الطاهر السِّلَفي، قال: استفتيت شيخنا أبا الحسن المعروف بالكياهراسي ببغداد في سنة خمس وتسعين وأربع مئة لكلام جرى بيني وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: ما يقول الإمام - وفقه الله تعالى - في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل تدخل كتب الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟ فكتب الشيخ تحت السؤال: نعم، وكيف لا، وقد قال النبي ﷺ : "من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها، بعثه الله يوم القيامة فقيهًا عالمًا"؟. وسئل الكياهراسي أيضًا عن يزيد بن معاوية، فقال: إنه لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وأما قول السلف في لعنه، ففيه لأحمد قولان: تلويحٌ وتصريح، ولمالك قولان: تلويح

стр. 68

وتصريح، ولأبي حنيفة قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد: التصريحُ دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك، وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهود، ومدمنُ الخمر، وشعرُه في الخمر معلوم، وكتبَ فصلًا، ثم قلب الورقة، وكتب: لو مددت ببياض، لمددت العنانَ في مخازي هذا الرجل، وكتب فلان بن فلان. نقل ابن خلكان بعد ذلك فتوى أبي حامد الغزالي بعبارتها في المنع عن لعن يزيد بن معاوية. وكانت ولادة "الكياهراسي" في سنة ٤٥٠، وتوفي سنة ٥٠٤ ببغداد. قال ابن خلكان: ولا أعلم لأيِّ معنًى قيل له: الكيا، وهو - بكسر الكاف وفتح التحتية - في اللغة العجمية: هو الكبير القدر، المقدم بين الناس. ٥٨ - أبو الحسن، علي بن الأنجب أبي المكارم، المفضلُ اللخميُّ، المقدسيُّ، المالكيُّ المذهب . كان فقيهًا فاضلًا، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه، وصحب أبا طاهر السِّلَفي، وانتفع به، وصحبه المنذريُّ، ولازم صحبته، وبه انتفع، وعليه تخرج، وذكر عنه فضلًا غزيرًا، وصلاحًا كثيرًا. قال ابن خلكان: وأنشدني له مقاطيعَ عديدة، فمما أنشدني لنفسه، شعر: أَيا نفسُ بالمَأْثور عن خيرِ مرسَلٍ ... وأصحابِه والتابِعينَ تَمَسَّكي عساكِ إذا بالغْتِ في نشر دينِهِ ... بما طابَ من نشرٍ له أن تَمَسَّكي وخافي غدًا يومَ الحساب جهنمًا ... إذا لفحتْ نيرانها أن تَمَسَّكي وأنشدني أيضًا: ثلاثُ باءات بُلينا بها ... البقُّ والبُرغوثُ والبرغَشُ ثلاثٌ أوحشُ ما في الورى ... ولستُ أدري أيها أوحشُ كانت ولادته سنة أربع وأربعين وخمس مئة، وتوفي سنة إحدى عشرة وست مئة بالقاهرة.

стр. 69

٥٩ - أبو الحسن، علي بنُ عمرَ بنِ أحمدَ بنِ مهديٍّ، البغداديُّ، الدارقطنيُّ، الحافظُ المشهور . كان عالمًا مشهورًا فقيهًا على مذهب الإمام الشافعي، وانفرد بالإمامة في علم الحديث في عصره، ولم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وكان عارفًا باختلاف الفقهاء، ويحفظ كثيرًا من دواوين العرب. وروى عنه: الحافظُ أبو نعيم الأصبهاني، صاحبُ "حلية الأولياء"، وجماعة كثيرة، وقبل القاضي ابن معروف شهادته، فندم على ذلك، وقال: كان يقبل قولي على رسول اللَّه ﷺ بانفرادي، فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر! وصنف كتاب "السنن"، و"المختلف والمؤتلف"، وغيرهما، وأقام عند أبي الفضل بمصر مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه، وانفق عليه نفقة واسعة، وأعطاه شيئًا كثيرًا، ولم يزل عنده حتى فرغ المسند، وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني المذكور على تخريج المسند وكتابته إلى أن نجز. وقال الحافظ عبد الغني: أحسنُ الناس كلامًا على حديث رسول اللَّه ﷺ ثلاثة ١ - علي بن المديني، في وقته ٢ - وموسى بن هارون، في وقته ٣ - والدارقطني، في وقته. وسأل الدارقطنيَّ يومًا أحدُ أصحابه، هل رأى الشيخُ مثلَ نفسه؟ فامتنع من جوابه، وقال، قال اللَّه تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، فألح عليه، فقال: إن كان في فن واحد، فقد رأيت من هو أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع فيّ، فلا. وكان متفننًا في علوم كثيرة، إمامًا في علوم القرآن. وكانت ولادته في ذي القعدة سنة ٣٠٦، وتوفي يوم الأربعاء لثمان خلون، وقيل: للثاني من ذي القعدة، وقيل: ذي الحجة سنة ٣٨٥ ببغداد، وصلى عليه الشيخ أبو حامد الإسفراييني الفقيهُ المشهور، ودُفن قريبًا من معروفٍ الكَرْخِيِّ في مقبرة باب حربٍ، ودارُ القطنِ: محلةٌ كبيرةٌ ببغداد، واللَّه أعلم.

стр. 70

٦٠ - الأمير سعدَ الملك، أبو نصر، عليُّ بنُ هبةِ اللَّه بنِ عليِّ بن جعفر، العجليُّ، المعروف بابن ماكولا . أصله من جرباذقان من نواحي أصبهان، ووزر أبوه أبو القاسم هبة اللَّه للإمام القائم بأمر اللَّه، سمع الحديث الكثير، وصنف المصنفات النافعة، وأخذ عن مشايخ العراق وخراسان والشام وغير ذلك. وكان أبو نصر أحدَ الفضلاء المشهورين، تتبع الألفاظ المشتبهة في الأسماء الأعلام وجمع منها شيئًا كثيرًا، وكان الخطيب أبو بكر، صاحب "تاريخ بغداد" أخذ كتاب أبي الحسن الدارقطني المسمى: "المختلف والمؤتلف"، وكتاب الحافظ عبد الغني بن سعيد الذي سماه: "مشتبه النسبة"، وجمع بينهما، وزاد عليهما، وجعله كتابًا مستقلًا سماه: "المؤتنف تكملة المختلف"، وجاء الأمير أبو النصر المذكور، وزاد على هذه التكملة، وضم إليها الأسماء التي وقعت له، وجعله أيضًا كتابًا مستقلًا، وسماه: "الإكمال"، وهو في غاية الإفادة في رفع الالتباس والضبط والتقييد، وعليه اعتماد المحدثين وأرباب هذا الشأن؛ فإنه لم يوضع مثله، ولقد أحسن فيه غاية الإحسان، ثم جاء ابن نقطة، وذيله وما قَصَّر فيه أيضًا، وما يحتاج الأميرُ المذكور مع هذا الكتاب إلى فضيلة أخرى، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه، وضبطه وإتقانه، ومن شعره المنسوب إليه: قَوِّضْ خِيامَك عن أرضٍ تُهانُ بها ... وجانبِ الذلَّ إنَّ الذلَّ يُجتنبُ وارحلْ إذا كان في الأوطان مَنْقَصَةٌ ... فالمَنْدَلُ الرطبُ في أوطانِه حطبُ وكانت ولادته في عكبرا خامس شعبان سنة ٤٢١ الهجرية، وقتله غلمانه بجرجان في سنة نيف وسبعين وأربع مئة. وقال ابن خلكان: لا أعرف معناه، ولا أدري سبب تسميته بالأمير، هل كان أميرًا بنفسه؟ أم لأنه من أولاد أبي دلف العجلي. ٦١ - الحافظ أبو القاسم، علي بنُ أبي محمدِ الحسنِ بنِ هبةِ اللَّه بنِ عبد اللَّه بنِ الحسين، المعروف بابن عساكر، الدمشقيُّ، الملقبُ: ثقةُ الدين . كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه

стр. 71

الحديث، فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، ورحل وطَوَّفَ وجاب البلاد، ولقي المشائخ. وكان رفيقَ الحافظ أبي سعيد، عبدِ الكريم السمعاني في الرحلة، وكان حافظًا دَيِّنًا، جمعَ بين المتون والأسانيد، سمع ببغداد في سنة ٥٢٠ من أصحاب البرمكي، والتنوخي، والجوهري، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان ودخل نيسابور، وهراة، وأصبهان، والجبال، وصنف التصانيف المفيدة، وخرج التخاريج. وكان حسنَ الكلام على الأحاديث، محفوظًا في الجمع والتأليف، صنف "التاريخ الكبير" لدمشق، في ثمانين مجلدًا، أتى فيه بالعجائب، وهو على نسق "تاريخ بغداد"، وله غيره تواليف حسنة، وأجزاء ممتعة، وله شعر لا بأس به، فمن ذلك قوله: ألا! إن الحديثَ أجلُّ علمٍ ... وأشرفُه الأحاديثُ العَوالي وأنفعُ كلِّ نوع منه عندي ... وأحسنُه الفوائدُ والأمالي وإنك لن ترى للعلم شيئًا ... يُحققه كأفواهِ الرجال فكنْ يا صاحِ ذا حرصٍ عليه ... وخذْه عن الرجال بلا مَلالِ ولا تأخذْهُ من صحفٍ فتُرمى ... من التَّصحيفِ بالداء العُضالِ ومن المنسوب إليه: أيا نفسُ ويحكِ جاءَ المشيبُ ... فماذا التصابي وماذا الغَزَلْ تولَّى شبابي كأنْ لم يَكُنْ ... وجاء مشيبي كأن لم يَزَلْ كأني بنفسي على غِرَّةٍ ... وخَطْبُ المَنون بها قد نَزَلْ فيا ليتَ شِعريَ مِمَّنْ أكونُ ... وما قَدَّرَ اللَّهُ لِي بالأزَلْ قال في الآثار: وله كتاب "الاجتهاد في إقامة فرض الجهاد"، وكتاب "تبيين الوهم والتغليط الواقع في حديث الأطيط"، وهو رسالة في جزء ردّ فيه الحديثَ الذي أخرجه أبو داود، وهو: أن أعرابيًا أتى النبيَّ ﷺ ، فاستشفع للمطر، وفيه لفظ: أطيط الرحل بالراكب، ذكره ابن كثير. وله كتاب "تبيين كذب المفتري فيما

стр. 72

نُسب إلى أبي الحسن الأشعري"، قال ابن السبكي: وهو من أجل الكتب فائدة، فيقال: كل سُنِّيٍّ لا يكون عنده ذلك الكتاب، فليس من نفسه على بصيرة، ولا يكون الفقيه شافعيًا على الحقيقة حتى يحصل له ذلك، اختصره الإمام اليافعي، وكتاب "مُبْهمات القرآن"، وغير ذلك، انتهى. وكانت ولادته في أول المحرم سنة ٤٩٩، وتوفي ليلة الاثنين الحادي والعشرين من رجب سنة ٥٧١ بدمشق، وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين ﵀. وكان ولده أبو محمد القاسم الملقبُ: بهاء الدين أيضًا حافظًا، وتوفي أخوه الفقيه المحدِّث الفاضل صائنُ الدين هبة اللَّه بن الحسين سنة ٥٦٣ بدمشق، ودرس في جامع دمشق، وأفتى وحدث. ٦٢ - أبو الحسن، علي بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضي المعروف بالخُلَعيِّ، الموصليُّ الأصل، المصريُّ الدار، الشافعيُّ، صاحبُ "الخلعيات" المنسوبة إليه . سمع أبا الحسن الحوفي، وأبا محمد بن النحاس، وأبا الفتح العداس، وأبا سعيد الماليني، وغيرهم. قال القاضي عياض: سألت أبا علي الصدفيَّ عنه، فقال: فقيه، له تواليف حسنة، ولي القضاء، وقضى يومًا واحدًا، واستعفى، وانزوى بالقرافة الصغرى، وكان مسنِدَ مصر بعد الحَبّال، وذكره أبو بكر بن العربي، فقال: له علو في الرواية، وعنده فوائد، وحدث عنه الحميدي، وكنى عنه بالقرافي. وقال الحافظ أبو طاهر السِّلَفي: كان أبو الحسن الخلعي إذا سمع الحديث، يختم مجالسه بهذا الدعاء: "اللهمَّ ما مننتَ به فتمِّمْه، وما أنعمتَ به فلا تسلبْه، وما سترتَه فلا تهتكه، وما عَلِمْتَه فاغفرْه". وكانت ولادته سنة ٤٠٥ بمصر، وتوفي بها سنة ٤٩٢. والخلعي: نسبة إلى الخلع؛ لأنه كان يبيع بمصر الخلعَ لأملاك مصر، فاشتهر بذلك وعرف به.

стр. 73

٦٣ - أبو الحسن، علي بن محمد بن خلف، المعافريُّ، القرويُّ، المعروف بابن القابسي . كان إمامًا في علم الحديث ومتونه وأسانيده، وجميعِ ما يتعلق به. وكان للناس فيه اعتقاد كثير، وصنف في الحديث كتاب "المخلص" جمعَ فيه ما اتصل إسناده من حديث مالكِ بن أنس ﵁ في كتاب "المؤطأ" رواية أبي عبد اللَّه، عبدِ الرحمن بن القاسم المصري، وهو - على صغر حجمه - جيدٌ في بابه. كانت ولادته سنة ٣٢٤، وحج سنة ٣٥٣، وسمع كتاب البخاري بمكة من أبي زيد، ذكر الحافظ السلفي في "معجم السفر": أن شخصًا قال في مجلس القابسي وهو بالقيروان، ما أقصر المتنبي في معنى قوله: يُراد من القلبِ نسيانُكم ... وتأَبى الطَّباعُ على الناقِلِ فقال له: يا مسكين! أين أنت من قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. توفي في سنة ٤٠٣، وبات عند قبره من الناس خلق كثير، وضُربت الأخبية، وأقبل الشعراء بالمراثي ﵀. وقابس: مدينة بأفريقية بالقرب من المَهْدِيَّة. ٦٤ - أبو محمد، عليُّ بنُ أحمدَ بنِ سعيدِ بنِ حزمِ بنِ غالبِ بنِ صالحِ بنِ خلفٍ (١). وأولُ من أسلم من أجداده يزيدُ مولى يزيدَ بن أبي سفيان، وأصلُه من فارس، وجده خلفٌ أولُ من دخل الأندلس من آبائه. ومولدُه بقرطبةَ من بلاد الأندلس يوم الأربعاء قبل طلوع الشمس، سلخَ

стр. 74

رمضان سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، في الجانب الشرقي منها. وكان حافظًا عالمًا بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة، بعد أن كان شافعيَّ المذهب، فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر. وكان متفننًا في علوم جمَّة، عاملًا بعلمه، زاهدًا في الدنيا بعد الرئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الملك، متواضعًا، ذا فضائل جمة، وتواليف كثيرة، وجمع من الكتب في علوم الحديث والمصنفات والمسندات شيئًا كثيرًا، وسمع سماعًا جمًّا. وألف في فقه الحديث كتابًا سماه: "الإيصال إلى فهم الخصال" الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع. أورد فيه أقوالَ الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من أئمة المسلمين ﵃ أجمعين - في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها، وهو كتاب كبير. وله كتاب "الإحكام لأصول الأحكام" في غاية التقصِّي وإيراد الحجج، وكتاب "في الإجماع ومسائله" على أبواب الفقه. قال ابن بشكوال في حقه: كان أبو محمد أجمعَ أهل الأندلس قاطبةً لعلوم الإسلام، وأوسعَهم معرفةً، مع توسُّعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة والسير والأخبار، أخبرَ ولدُه أبو رافع الفضلُ: أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو أربع مئة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وقال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن فتوح الحميدي: ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، ثم قال: ومن شعره: وَذي عَذَلٍ فيمن سَباني حسنُه ... يُطيلُ مَلامي في الهوى ويقولُ أفي حسنِ وَجْهٍ لاحَ لم ترَ غيرَه ... ولم تدرِ كيفَ الجسمُ أنتَ قتيلُ فقلتُ له أسرفتَ في اللوم ظالمًا ... وعندي ردٌّ لو أردت طويلُ ألم ترَ أنِّي ظاهريٌّ وأنني ... على ما بدا حتى يقومَ دليلُ

стр. 75

وكان كثيرَ الوقوع في العلماء المتقدِّمين، لا يكاد يسلَم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف لفقهاءِ وقته، فتمالؤوا على بغضه، وردُّوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنَّعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوَا عوامَّهم عن الدنوِّ منه، والأخذ عنه، فأقْصَتْه الملوك، وشردته عن بلاده، حتى انتهى إلى بادية لِبلى، فتوفي بها آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ٤٥٦، وقيل: إنه توفي في "منت ليشم"، وهي قرية ابن حزم المذكورة ﵀. وكانت ولادته بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس يوم الأربعاء سلخَ رمضان سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، قاله ابن صاعد. وفيه قال أبو العباس بن العريف: كان لسانُ ابن حزم وسيفُ الحجاج بنِ يوسف الثقفي شقيقينِ، وإنما قال ذلك؛ لكثرة وقوعه في الأئمة. وكانت وفاة والده أبي عمر أحمد في سنة ٤٠٢، وكان وزيرَ الدولة العامرية، وهو من أهل العلم والأدب والبلاغة والخير. وقال ولده أبو محمد المذكورُ: أنشدني والدي الوزيرُ في بعض وصاياه لي - رحمه اللَّه تعالى -: إذا شئتَ أن تَحْيا غنيًا فلا تكنْ ... على حالةٍ، إلا رضيتَ بِدونِها وكان لأبي محمد المذكور ولدٌ نبيهٌ سريٌّ فاضلٌ يقال له: أبو رافع، الفضلُ بنُ أبي محمد، وكان في خدمة المعتمد بن عباد، صاحبِ إِشبيلية وغيرِها من بلاد الأندلس، وقُتل أبو رافع المذكورُ في وقعة الزَّلَّاقة مع مخدومه المعتمِد في سنة ٤٧٩ الهجرية. ولبله: بلدة بالأندلس، ومنت ليشم - بالشين -: قرية من أعمال لبله، كانت ملكَ ابن حزم، وكان يتردد إليها، واللَّه أعلم. قال المقري في "نفح الطيب" في ترجمته الشريفة: قال ابن حيان وغيرُه: كان ابن حزم صاحبَ حديثٍ وفقهٍ وجَدَل، وله كتب كثيرة في المنطق والفلسفة، وكان شافعيَّ المذهب، يناضل الفقهاء عن مذهبه، ثم صار ظاهريًا، فوضع
следующие страницы →