← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الحديث الثالث ٩٥ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ (١).

стр. 1017

* التعريف: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، النوفلي، القرشي، المدني. يكنى: أبا محمد، وقيل: أبا عدي. أمه أم جميل بنت سعيد من بني عامر بن لؤي. قال مصعب الزبيري (١): كان جبير بن مطعم من حكماء قريش، وسادتهم، وكان يؤخذ عنه النسب، وكان أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: أنا (٢) أخذت النسب عن أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر ﵁ من أنسب العرب. أسلم جبير بن مطعم -فيما قيل- يوم الفتح، وقيل: عام خيبر، وكان قد أتى النبي ﷺ في فدى أسارى بدر كافرا. وروى ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ لأكلمه في أسارى بدر، فوافقته (٣) وهو يصلي بأصحابه المغرب، أو العشاء، فسمعته وهو يقرأ، وقد خرج صوته منت المسجد: ﴿١٠٤ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ». إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]، قال: فكأنما صدع قلبي (٤).

стр. 1018

وبعض أصحاب الزهري يقول عنه في هذا الخبر: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٣٥]، فكاد قلبي يطير، فلما فرغ من صلاته، كلمته في أسارى بدر، فقال: «لو كان الشيخ أبوك حيا، فأتانا فيهم، شفعناه» (١). وروي: «لو أن المطعم بن عدي كان حيا، فكلمني في هؤلاء النتنى، لأطلقتهم له» (٢). وكانت له عند رسول الله ﷺ يد، وكان من أشرف قريش، وإنما كان هذا القول من رسول الله ﷺ في المطعم بن عدي الذي كان أجار رسول الله ﷺ حين قدم من الطائف من دعاء ثقيف. وكانت وفاة المطعم بن عدي في صفر سنة ثلاث من الهجرة قبل بدر بنحو سبعة أشهر. ومات جبير بن مطعم بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: تسع وخمسين، في خلافة معاوية، وذكر بعض الحفاظ أنه توفي سنة أربع وخمسين، وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم، وفيمن حسن إسلامه

стр. 1019

منهم، وقيل: أول من لبس طيلسانا بالمدينة جبير بن مطعم. روي له عن رسول الله ﷺ ستون حديثا، اتفقا منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بواحد. روى عنه: ابناه: محمد، ونافع، وسليمان بن صرد، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أُذَيْنَة، ومحمد بن طلحة بن زيد بن رُكَانة، وغيرهم. روى له الجماعة، ﵁ (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ وهو مذهب الفارسي في «الإيضاح»، قال: إلا أن (سمعت) يتعدى إلى مفعولين، ولا بد أن يكون الثاني مما يسمع؛ كقولك: سمعت زيدا يقول كذا، ولو قلت: سمعت زيدا يضرب أخاك، لم يجز. والصحيح: أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل (٢) الواقع

стр. 1020

بعد المفعول في موضع الحال، فقوله: سمعت النبي ﷺ يقرأ، (يقرأ): في موضع الحال؛ أي: سمعته في حال قراءته, وهذا (١) مقرر في كتب العربية (٢). فيه: عدم التحرج بنقل أسماء السور على لفظها ولا بد; فإنه لو حكاها، لقال: بـ: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١]، وقد جاء لذلك نظائر كثيرة. وفيه: جواز قول سورة كذا؛ خلافا لمن قال: لا يقال إلا السورة التي تذكر فيها البقرة مثلا; لأن قوله: «بالطور»، تقديره: بسورة الطور. وفي هذا الحديث غرابة من حيث إن جبير بن مطعم سمعه من النبي ﷺ قبل إسلامه، ثم أداه بعد إسلامه, ومثل هذا يعز وجوده, ونظيره: شهادة الصبي، والكافر، والعبد, وأداؤها بعد تغير أحوالهم، والله أعلم. الثاني): الطور: الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى وهو بِمَدْيَنَ. الثالث): المراد من هذا الحديث: معرفة قدر القراءة في الصلاة, وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة مختلفة بالنسبة إلى الطول والقصر, حتى صُنف فيها كتاب مفرد. قال العلماء: واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كانت بحسب

стр. 1021

الأحوال، فكان النبي ﷺ يعلم من حال المأمومين في وقت أنهم يؤثرون التطويل, فيطول بهم (١)، وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه, فيخفف, وفي وقت يريد إطالتها، فيسمع (٢) بكاء الصبي, فيخففها؛ كما ثبت في «الصحيحين» (٣). وقد تقدم: أن مذهبنا أن أطول الصلاة (٤) قراءة الصبح والظهر, وأقصرها العصر والمغرب, وأوسطها العشاء الآخرة, وبذلك قال الشافعية، إلا في العصر، فإنهم ألحقوها بالعشاء الآخرة في التوسط, ولا يكاد يختلف في تطويل الصبح وتقصير المغرب, واختلف في الظهر والعشاء. ق: والصحيح عندنا: أن ما صح في ذلك عن النبي ﷺ ؛ مما لم تكثر مواظبته عليه، فهو جائز من غير كراهة ; لحديث جبير بن مطعم في قراءة (الطور) في المغرب, ولحديث قراءة (الأعراف) فيها, وما صحت المواظبة عليه، فهو في (٥) درجة الرجحان في الاستحباب، إلا أن غيره مما قرأه النبي ﷺ مكروه, وقد تقدم الفرق بين كون الشيء

стр. 1022

مستحبا، وبين كون تركه مكروها (١). قلت: قوله: «والصحيح»، يشعر بالخلاف في ذلك، والله اعلم. * * *

стр. 1023

الحديث الرابع ٩٦ - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ, فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ , فَقَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَداً أَحْسَنَ صَوْتاً، أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ (١).

стр. 1024

* الكلام على الحديث (١): من حيث مقدار القراءة في الصلاة؛ كالكلام على الحديث الذي قبله، غير أن فيه زيادة؛ وهو الرد على الأصمعي في إنكاره قول الناس: العشاء الآخرة، وقد استعملها البراء، ولم تنكر عليه، فلولا أنها معلومة الاستعمال في زمانه، لأنكرت عليه، وقد اشستعملها غيره، ولم ينقل إنكارها عن غير الأصمعي، يما علمت. وكأن شبهة الأصمعي -والله أعلم- كونه ليس لنا إلا عشاء واحدة، وإنما يقال: آخرة لو كان لها أولى؛ كما لا يقال: مررت برجل وامرأة أخرى، أو العكس، فإن نقل تسمية المغرب عشاء، فهو وجه قول الجمهور، وإلا، فيكفيهم دليلا (٢) على جواز ذلك قوله ﷺ : «أيما امرأة أصابت بخورا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة»، خرجه مسلم (٣). إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِقُوهَا ... فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء الآخرة، وألفاظهم بهذا مشهورة في أبواب من (كتاب مسلم» (٤).

стр. 1025

وقد قال بعض فقهاء العصر: إنما وصفت بالآخرة، وإن لم تكن لها أولى؛ كما وصفت الجاهلية بالأولى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وإن لم تكن ثم جاهلية أخرى. وهذا قول ساقط؛ لأنه مقول عن غير تدبر، ولا مراجعة كلام أهل التفسير. وقد قال الزمخشري في «كشافه» (١): والجاهلية الأولى (٢) هي القديمة التي يقال لها الجاهلية الجهلاء، وهي (٣) الزمن الذي ولد فيه إبراهيم، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ، فتمشي به وسط الطريق (٤)، تعرض نفسها على الرجال، وقيل: ما بين آدم ونوح، وقيل: ما بين إدريس ونوح، وقيل: زمن داود وسليمان، والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليهم أجمعين-. قال: ويجوز أن تكون الجاهلية الأخرى: الفجور والفسوق في الإسلام، فكأن المعنى: فلا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر، ويعضده ما روي عن رسول الله ﷺ ، قال لأبي الدرداء: «إن فيك

стр. 1026

جاهلية»، قال: جاهلية كفر أو إسلام؟ قال: «بل جاهلية كفر» (١). انتهى (٢). فسقط هذا القول، وثبت ما تقدم. * * *

стр. 1027

الحديث الخامس ٩٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ , فَيَخْتِمُ بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» (١).

стр. 1028

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الرجل الذي بعثه رسول الله ﷺ هو قتادة (١) بن النعمان الظفري، وقيل: هو كلثوم بن زَهْدَم. ذكره محمد بن طاهر المقدسي، عن أبي عبد الله بن منده (٢)، وقال: قاله أبو صالح، عن ابن عباس (٣). الثاني: السرية: القطعة من الجيش، وقد جاء: «خير (٤) السرايا أربع مئة رجل» (٥).

стр. 1029

الثالث: الأصحاب: جمع صَحْب، مثل فرخ، وأفراخ، ومفرد صَحْب: صاحب؛ مثل: راكب ورَكْب، ويجمع صاحب -أيضا- على: صُحْبَة -بالضم-؛ مثل: فارِه وفُرْهَة، وعلى صِحَاب -أيضا-؛ مثل: جائع وجياع. قال الشاعر: [الطويل] وقال صحابي قد شَأَوْنَكَ فاطلب (١) وعلى صُحْبان -أيضا-؛ مثل: شاب وشبان، والصحابة -بالفتح-: الأصحاب، وهي (٢) في الأصل مصدر، وجمع الأصحاب: أصاحيب (٣). الرابع: «هو» ضمير الشأن، و «الله أحد» هو الشأن؛ كقولك: هو زيد منطلق؛ كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أن الله واحد لا ثاني له، فهو مبتدأ، والجملة التي هي «الله أحد» خبره، واستغني عن الراجع من الجملة الخبرية هنا إلى المبتدأ؛ لكونها هي المبتدأ في المعنى، ومثله: قول زيد: الحمد لله، وهِجيرى أبي بكر لا إله إلا الله، في أن المبتدأ هو

стр. 1030

الخبر في المعنى، والخبر جملة، وما كان كذلك لا يفترقر إلى راجع من الخبر يرجع إلى المبتدأ، على ما أُتقِن في كتب النحو. ويجوز أن يكون (هو) مبتدأ، بمعنى المسؤول عنه؛ لأنهم قالوا: أربك من نحاس أم من ذهب؟ فعلى هذا يجوز أن يكون «الله» خبر المبتدأ، وـ «أحد» بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف. ويجوز أن يكون «الله» بدلا من «هو»، وـ (حد» الخبر. وهمزة «أحد» بدل من واو؛ لأنه بمعنى الواحد، وإبدال الواو (١) المفتوحة همزة قليل، جاء منه: امرأة أناة، والأصل وَناة؛ لأنه من الونى، وهو الفتور، وهي البطيئة القيام، وأسماء في وسماء، وأجم في وَجَم (٢)، وهي في المضمومة قياس بلا خلاف، نحو وقِّتت وأقِّتت، واختلف في المكسورة، هل هو سماع، أو قياس؟ نحو: وشاح وإشاح، ووسادة وإسادة، وقيل: الهمزة أصلية؛ كالهمزة في «أحد» المستعمل في العموم، ومن حذف التنويو من «أحد» فللالتقاء الساكنين. الخامس: قوله: «فيختم بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]» يحتمل أمرين: أحدهما: أن يقرأ في ركعة وادة بغير «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (٣)،

стр. 1031

ويضيف إلى ذلك: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (١) آخرا. والثاني: أن يقرأ بـ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» في آخر ركعة يقرأ فيها السورة، فلا يكون فيه دليل على الجمع بين السورتين في ركعة، والله أعلم. السادس: قوله: «إنها صفة الرحمن): ق: يحتمل أن يراد به: أن فيها ذكر صفة الرحمن؛ كما إذا ذكر وُصف، فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن ذلك الذكر نفس الوصف. ويحتمل أن يراد به غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بـ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، ولعلها خصت بذلك؛ لاختصاصها بصفات الرب -تعالى- دون غيرها. وقوله: «أخبروه أن الله يحبه»: يحتمل أن يريد: بمحبته قراءته هذه السورة. ويحتمل أن يكون لما شهد به كلامه من محبته لذكر صفات الرب ن وصحة اعتقاده، انتهى (٢). قال الإمام المازري: الباري ﵎ لا يوصف بالصفة المعهودة فينا؛ لأنه متقدس أن يميل، أو يمال إليه، وليس بذي جنس وطبع فيوصف بالشوق الذي تقتضيه الجنسية أو الطبيعة (٣) البشرية، وأما

стр. 1032

محبته -سبحانه- للخلق: إرادته لثوابهم وتنعيمهم، على رأي بعض أهل العلم، وعلى رأي بعضهم: أن المحبة راجعة إلى نفس الإثابة، والتنعيم، لا الإرادة. قلت: فعلى الأول يكون صفة ذات، وبه قال ابن فورك (١)، وعلى الثاني يكون صفة فعل. قال الإمام: ومعنى محبة المخلوقين له: إرادتهم أن ينعمهم ويحسن إليهم (٢). قلت: وقد تكون محبة المخلوقين له -سبحانه- لما ابتدأهم به من نعمه، وغرَهم من إحسانه، وإليه الإشارة بقوله ﵊: «أحبوا الله لما يغذوكم (٣) من نعمه» (٤)، أو كما قال. ولصرف الآلان ودفع المضار عنهم، وغير ذلك، فلا تنحصر محبتهم فيما قاله الإمام من إرادة التنعيم والإحسان في الاستقبال، وإليه الإشارة بقوله

стр. 1033

-﵊: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها» الحديث (١). ولا إحسان في الحقيقة إلا لله ؛ لأنه خالق المحسنين، وإحسانهم؛ فهو الحقيق بالمحبة دون من سواه. ومن محبته: محبة من أحبه من نبي، وملك وولي، وغير ذلك، ومن محبته -أيضا-: امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واتباع سنة رسول الله ﷺ ، لا تصح حقيقة المحبة إلا بذلك. ولقد أحسن من قال: [الكامل] تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا مُحَالٌ (٢) فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ ولذلك قال سهل بن عبد الله التُّستَري: المحبة معانقة الطاعة، ومباينة المخالفة. وقال أبو علي الرذباري: المحبة الموافقة. وقال يحيى بن معاذ: ليس الصادق من ادعى محبته، ولم يحفظ حدوده.

стр. 1034

وقال الشيخ أبو القاسم بن هوازن القشيري ﵁ في «رسالته»: محبة الحق -سبحانه- للعبد: إرادته لإنعام مخصوص عليه، كما أن رحمته [له]: إرادة (١) الإنعام، فالرحمة أخص من الإرادة، والمحبة أخص من الرحمة، فإرادة الله أن يوصل إلى العبد الثواب والإنعام يسمى رحمة، وإرادته بأن يخصه (٢) بالقربة والأحوال العلية تسمى محبة، وإرادته -سبحانه- صفة واحدة، فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها، فإذا تعلقت بالعقوبة تسمى غضبا (٣)، وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة، وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة. ثم قال بعد كلام: وأما محبة العبد لله، فحالة يجدها من قلبه تلطف عن العبارة، وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم له، وإيثار رضاه، وقلة الصبر عنه، والاهتياج إليه، وعدم القرار (٤) من دونه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره له بقلبه، وليست (٥) محبة العبد له -سبحانه- متضمنة ميلا ولا اختطاطا، كيف؟ وحقيقة الصمدية مقدسة عن اللحوق، والدرك، والإحاطة، والمحب بوصف (٦) الاستهلاك في المحبوب أولى منه بأن يوصف بالاختطاط، ولا توصف المحبة بوصف، ولا تحد بحد

стр. 1035

أوضح ولا أقرب إلى الفهم من المحبة، والاستقصاء في المقال عند حصول الإشكال، فإذا زال الاستعجام والاستبهام، سقطت الحاجة إلى الاستغراق (١) في شرح الكلام، انتهى (٢) * * *

стр. 1036

الحديث السادس ٩٨ - عَنْ جَابِرٍ (١): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: «فَلَوْلا صَلَّيْتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] , ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] , ﴿وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]؛ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ، وَالضَّعِيفُ، وَذُو الْحَاجَةِ» (٢).

стр. 1037

* الشرح: «لولا» هذه أحد حروف التحضيض، وهي أربعة: هلا، وألا، ولولا، ولوما، وهي من الحروف المختصة بالأفعال؛ فإذا وليها المستقبل، كانت تحضيضا، وإذا وليها الماضي، كانت توبيخا. والظاهر -والله أعلم- أن ذلك كان (١) في العشاء الآخرة؛ لأنها هي التي طولها معاذ ﵁ بقومه -على ما تقدم-، فيكون ذلك دليلا على استحباب قراءة هذه السور وما قاربها فيها. ق: كل ما ورد عن النبي ﷺ من هذه القراءة المختلفة ينبغي أن يفعل، ولقد أحسن من قال من العلماء: اعمل بالحديث ولو مرة، تكن من أهله (٢).

стр. 1038

قلت: وفي هذا الكلام نظر، فإنه يقتضي استحباب (١) قراءة الأعراف في المغرب مرة، أو الطور، ونحو ذلك؛ كما جاء في الحديث، مع استمرار العمل على خلاف ذلك (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 1039

باب ترك الجَهرِ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٩٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلاةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ , فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢). وَلِمُسْلِمٍ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ (٣) بِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ , لا يَذْكُرُونَ

стр. 1040

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلا فِي آخِرِهَا (١) (٢). * * * * الكلام على الحديث: يتعلق بالبسملة، وهل هي آية من الفاتة، أو لا؟ وكذلك -أيضا- هل هي آية من كل سورة غير براءة، أو لا؟ وهي من المسائل المهمة في الدين؛ فإنه ينبني عليها صحة لصلاة، وعدم صحتها، وقد أفردت لها جزءأ يشتمل (٣) على نحو من ثلاثين

стр. 1041

ورقة لقبته: بـ «الفوائد المكملة في شرح البسملة»، ولكنا نذكر هنا ما لا بد منه على طريق الاختصار. فنقول: ذهب مالك، وأبو حنيفة، وداود: إلى أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا غيرها، إلا في سورة النمل، فإنها عض آية هناك إجماعا، حتى لو جحدها جاحد، أو حرفا واحدا منها، لكفر إجامعا. واختلفت الرواية عن أحمد بن حنبل، فروي عنه: أنها منها، وروي عنه: أنها ليست بآية منها، لكنها آية منفردة. قال ابن هبيرة: يعني: أنها كلام الله أنزلت للفصل بين السور. ولم يختلف قول الشافعي على ما نقله أهل مذهبه، وإن كان ظاهر «المستصفى» يشعر باختلاف قوله في أنها آية في أول الفاتحة، واختلف قوله في كونها آية في أول كل سورة غير الفاتحة، وبراءة، أو لا، على ثلاثة أقوال: ح في «شرح المهذب»: أصحها وأشهرها، وهو الصواب، أو الأصوب: أنها آية كاملة. والثاني: أنها بعض آية. والثالث: أنها ليست بقرآن في سائر (١) السور غير الفاتحة، انتهى (٢). وأصح هذه المذاهب: مذهب مالك، ومن وافقه في ذلك، ويدل

стр. 1042

عليه أمران: منقول، ومعقول. أما المنقول: فمنه هذا الحديث؛ فإن ظاهره أو (١) نصه ينفي كونها من الفاتحة. ومن ذلك -أيضا- حديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين» الحديث إلى آخره (٢)، قال القاضي عبد الوهاب: فيه دليللان: أحدهما: أنه بين كيفية قسمة السورة، وبدأ بالحمد، فلو كانت البسملة منها، لابتدأ بها. والآخر (٣): أنه بين التسمية بالآيات، وفي إثبات البسملة إبطال لهذا المعنى (٤). قلت: يريد: أن الفاتحة سبع آيات إجماعا، وإن كان قد شذ حسين الجعفي، فقال: هي ست آيات، وعمرو بن عبيد، فقال: هي ثمان آيات، وإذا ثبت أنها سبع آيات، فإثبات البسملة آية (٥) منها يصيرها ثماني آيات، فتبطل القسمة على ما تقرر، وسيأتي الكلام على شيء من ذلك أيضا.

стр. 1043

ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من القرآن سورة ثلاثون آية؛ شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: تبارك الذي بيده الملك» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن، وفي رواية أبي داود: «تشفع» (١)، وقد أجمع القراء على أنها ثلاثون آية غير البسملة، ولا خلاف أن البسملة نزلت قبلها على ما نقله القاضي عبد الوهاب في «شرح الرسالة». ومن ذلك: حديث أبي حين قال له النبي ﷺ : «كيف تقرأ القرآن؟»، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).

стр. 1044

وقد أجمع أهل العد (١) على ترك عدها آية من الفاتحة، واختلفوا في عدها من غير الفاتحة. ونقل أهل المدينة بأسرهم عن آبائهم التابعين، عن الصحابة ﵃: افتتاح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بالفاتحة: ٢]، وروي في حديث عبد الله بن مغفل: أنه سمع ابنه يجهر بـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال: يا بني! إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يكن أحد منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (٢). ولنقتصر من المنقول على هذا. وأما المعقول: فنقول: قد ثبت وتقرر: أنه لا يثبت قرآن إلا ما تواتر، والقطع بأن البسملة لم تتواتر في أوائل السور، لا (٣) في الفاتحة، ولا غيرها قرآنا، فليست بقرآن قطعا إلا في سورة النمل، لتواترها. قال القاضي أبو الوليد الباجي: ولأن أبا بكر، وعمر، وعثمان أقاموا للناس أربعا وعشرين سنة، فاو كانت البسملة من أم

стр. 1045

القرآن، لما جاز إقرارهم على ذلك، وتركهم القراءة (١) بها، وإجماع الصحابة معهم على ذلك، مع أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءة جميع أم لقرآن دليل واضح، وإجماع مستقر على أن بسم الله الرحمن ليست من الفاتحة. ويدل عليه أيضا: أن رسول الله ﷺ قد ألقى القرآن على أمته إلقاء شافيا، شائعا ذائعا، يوجب الحجة، ويقطع العذر، ويثبت العلم الضروري، ويمنع الاختلاف والتشكك، ويوجب تكفير من جحد حرفا منه، وليس هذا طريق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أنها آية من القرآن؛ لأنه أمر قد وقع فيه الاختلاف، ولم يقع لنا به العلم، ولا يوجب جحد ذلك تكفير من جحده، فوجب أن لا يكون قرآنا. دليل آخر: وهو أن القرآن إنما يثبت بالنقل، ولا يخلو إثباتكم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من أن يكون بنقل متواتر، أو آحاد، فلا يجوز أن يكون بنقل متواتر؛ إذ لو كان، لبلغنا كما بلغكم، ولا يجوز أن بخبر اآحاد؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر اآحاد، وإذا بطل الأمران جميعا، بطل أن تكون آية من القرآن (٢). فإن قلت: هل يكفر من أثبتها من القرآن في غير سورة النمل؟ قلت: لا، والسبب في ذلك، قوة الشبهة، فإنها منعت التكفير من الجانبين.

стр. 1046

قالوا: قد كتبت في المصحف بخط المصحف، مع أن الصحابة منعت أن يكون في المصحف غير القرآن؛ كالأشعار، وأسماء السور، وقد قال ابن عباس: سرق الشيطان من الناس آية، وقال ابن المبارك: من تركها، فقد ترك مئة آية وثلاث عشرة آية (١). قلنا: لا يقابل شيء من ذلك القواطع التي ذكرناها، وفي قول ابن عباس، والزهري: سرق الشيطان من الناس آية، دليل على أن غيرهما من الناس ققد تركها. قالوا: قد تواترت في سورة النمل، فقد ثبت أنها من القرآن، ولم يبق إلا تعدد المَحالِّ، ولا يشترط تواتره بعد ثبوت الأصل. قلنا: فليجز إذن أن يثبت (٢) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] في أول الفاتحة بغير تواتر، وذلك محال. ومما يدل -أيضا- على ما نقول: أنه ﷺ كان يكتب: بسمك اللهم، حتى أمر أن يكتب بسم الله، فكتبها، فلما نزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، كتب بسم الله الرحمن (٣)، فلما نزلت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، كتبها (٤)؛ إذ

стр. 1047

لو كانت آية، لما تقطعت هذا التقطيع؛ إذ لا يعهد نزول بعض آية على حياله، والعجب ممن يقول: إنها في سورة النمل بعض آية، ولا خلاف فيه، ثم يقول: إنها في أوائل السور آية كاملة، واللفظ لم يختلف، وهي في سورة النمل خبر (إن)، وفي غيرها إما خبر مبتدأ محذوف عند البصريين؛ تقديره: بسم الله ابتدائي، أو في موضع نصب بـ ابتدأتُ مقدرا عند الكوفيين، فهي جزء جنملة في المذهبين جميعا. وبالجملة: فقد اعترف الشافعية بأن أقوى أدلتهم على أنها من الفاتحة وغيرها؛ كونها مثبتة في المصحف (١)، وقد تقدم إبطال كون ذلك دليلا، وإذا بطل أقوى أدلتهم، فليبطل غيره أولى وأحرى، والله الموفق. وأما بقية الحديث، فيستدل به على (٢) من لا يرى الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والناس في ذلك على مذاهب ثلاثة: أحدها: تركها سرا وجهرا، وهو مذهب مالك. والثاني: قراءتها سرا لا جهرا، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد. والثالث: الجهر بها، وهو مذهب الشافعي، ﵃ أجمعين.- ق: والمتيقن من هذا الحديث ترك الجهر، وأما الترك أصلا، فمحتمل مع ظهور ذلك من بعض الألفاظ، وهو قوله: «لا يذكرون»

стр. 1048

إلى آخره (١). قلت: هو إلى النص (٢) أقرب منه إلى الظهور، والله أعلم. * * *

стр. 1049

باب سجود السَّهو الحديث الأول ١٠٠ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ- ﷺ إحْدَى صَلاتَيِ الْعَشِيِّ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، قَالَ (١): فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ , فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى , وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ , يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَسِيتَ , أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ»، فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ , ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ (٢) مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ , ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ،

стр. 1050

ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ (١).

стр. 1051

* الشرح: السهو: مصدر سها، يسهو، وفسره الجوهري بالغفلة (١) ولتعلعم: أن هذا الحديث وما قاربه أصل في سجود السهو، وهو من المسائل المهمة في الصلاة، وجملة الأحاديث الواردة في ذلك ثلاثة عشر حديثا مشهورة في كتب الحديث، فينبغي أن نقدم بين يدي هذا الحديث مقدمتين. الألى: في نفس السجود. والثانية: في أسبابه. ثم نرجع بعد ذلك إلى تتبع ألفاظ الحديث. أما الألى: فنقول: اختلف الناس في سجود السهو في (٢) أربعة أوجه: الأول: في محله. والثاني: في تكريره بتكرر أسبابه. والثالث: في صفته.

стр. 1052

والرابع: في حكمه. الوجه الأول: في محل السجوود: وقد اختلف فيه؛ لاختلاف الأحاديث الواردة فيه، فذهب علي، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وأنس لبن مالك، وابن عباس، وابن الزبير، إلى أنه كله بعد السلام، وبه قال من الفقهاء: الحسن البصري، وابن صالح، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة. وذهب أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري: إلى أنه كله قبل السلام، وبه قال من الفقهاء: الزهري، وربيعة، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي في الجديد. وذهب مالك: إلى أنه إن كان عوضاً عن نقص، فقبل السلام، أو زيادة، فبعد السلام، وبه قال إسحاق (١)، وأبو ثور، والشافعي في القديم. وذهب ابن حنبل وغيره: إلى اتباع ظواهر الأخبار، وما لم يرد فيه أثر، فالسجود فيه قبل السلام، فالسجود عنده في ترك الجلسة الوطى قبل السلام؛ لحديث ابن بحينة الآتي بعد هذا الحديث، وإذا شك، رجع إلى اليقين، والسجود قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري، قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى، ثلاثا، أم أربعا، فليطرح الشك، ولبن على ما استيقن،

стр. 1053

ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا، شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع، كانتا ترغيما للشيطان» رواه مالك، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن أبي سعيد (١). وإذا شك، وكان ممن يرجع إلى التحري، فالسجود بعد السلام على حديث ابن مسعود، قال: صلينا مع النبي ﷺ ، فإما زاد، أو نقص، قال: قلنا: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «لا»، فقلنا له الذي صنع، فقال: «إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين»، ثم سجد سجدتين، الحديث، رواه مسلم عن عبد الله (٢). وإذا سلم من اثنتين، فالسجود بعد السلام على حديث أبي هريرة هذا الذي نحن فيه.

стр. 1054

وذهب داود إلى اتباع الآثار على حسب ما وردت، ومن أصله نفي القياس، فنفى (١) السجود فيما لم يرد فيه أثر. وأشار بعض العلماء إلى التخيير في محله. وقد قال مالك في «المجموعة»: ما كان الناس يضايقون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلا. قال الإمام المازري - رحمه الله تعالى- في توجيه هذه المذاهب، وفي الاعتذار عن بعض ما ورد في الأخبار: أما داود، فبنى على التعبد، وأخذ بكل حديث فيما وقع فيه، وأنكر ما خرج عن ذلك. وأما ابن حنبل، فعمل في الأحاديث بما عمل به داود، ثم استعمل القياس فيما لم يرد فيه أثر، ورأى السجود في ذلك كله قبل السلام؛ لما سنذكره في حجة القائلين بأن السجود كله قبل السلام. وأما من أشار إلى التخيير، فإنه رأى الأخبار مختلفة، ولا سبيل إلى طرح جميعها، فجمع بينها بالتخيير. وأما من قال: السجود كله قبل السلام، فإنه يتأول ما ورد بالسجود بعد السلام على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقدر أن المراد بالسلام السلام على النبي ﷺ المذكور في التشهد.

стр. 1055

قلت: وهذا عندي في غاية البعد. الثاني: أن يحمل ما وقع من سجوده ﵊ بعد السلام أنه نسي أن يوقعه قبل السلام، فأوقعه بعد السلام. الثالثت: أن يحمله على (١) أنه كان، ثم نسخ، ويعضده بقول ابن شهاب: كان آخر الأمر من فعل الرسول ﷺ السجود قبل السلام. وأما من يقول: السجود كله بعد السلام، فإنه يتأول ما وقع من الأحاديث بأتنه قبل السلام بأحد وجهين: أحدهما: أن المراد: قبل التسليمة الثانية. الثاني: أن المراد به: قبل التسليم من السجود. وذكر بعضهم تأويلا ثالثا، وهو أن المراد بالسجدتين: سجدتا الركعة الآخرة. وهذه التأويلات كلها ضعيفة. ثم تمسك من قال بأن السجود كله قبلُ بأمر فقهي، وهو أن الأصل يقتضي أن يكون سجود السهو عقب سببه، وإنما أخر إلى آخر الصلاة لأمرين: أحدهما: أن يتكرر سهو آخر يقتضي السجود، وقد أجمعنا على أنه لا يتكرر السجود بتكرر السهو، وأخر سجود السهو ليجبر كل ما يطرأ في الصلاة من السهو.
следующие страницы →