← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

المسجد إلا في المسجد» (١)، وأضا: فإه لم يأمره بالاطمئنان حال صلاته كما تقدم. فإن قلت: فعل الأعرابي بمجرده لا يوصف بالحرمة عليه؛ لكونه غير عالم بالحكم، فلا يكون التقرير تقريرا على محرم. قلت: الجاهل كالعامد، على الصحيح، لا سيما في العبادات الواجبة المشهورة المتكررة، التي يلزم تعلمها كل من وجبت عليه، وأيضا فإن هذا فعل فاسد عند موجبها، والتقرير يدل على عدم فساده، وإلا، لما كان التقرير في موضع دليل على الصحة. فإن قلت: لم لم يعلمه ﵊ من أول مرة؛ كي لا يقع التكرير لفعل فاسد ثلاثا؟ قلت: لا بد في وجوب التعليم من انتفاء الموانع، وزيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد لتكرار (٢) فعله، وحضور نفسه (٣)، واستجماع ذهنه، لا سيما مع عدم خوف الفوات، إما بناء على ظاهر الحال، أو بوحي خاص. وقوله ﵊: «ثم ارفع حتى تعتدل قائما»: ظاهره يدل على وجوب الرفع والاعتدال، وقد تقدم ذكر الخلاف في

стр. 982

ذلك عندنا. ومذهب الشافعي وجوبهما (١). ووجه من لم يوجب الاعتدال: أن المقصود من الرفع الفصل، وهو حاصل بدون الاعتدال، وفيه نظر؛ فإن لقائل أن يقول: لا نسلم أن الفصل مقصود، أو لا نسلم أنه كل المقصود، وصيغة الأمر دلت على أن الاعتدال مقصود مع الفصل، فلا يلغى (٢). والكلام على قوله: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» كالكلام على قوله: «ثم اركع» إلى آخره، وكذلك في قوله: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا»، وقوله ﵊: «وافعل ذلك في صلاتك تكلها» يقتضي وجوب القراءة في كل ركعة، وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله- في موضعه قريبا. السادس: الرجل الذي قال له ﵊: «ارجع فصل؛ فإنك لم تصل»، قيل: اسمه خلاد (٣). * * *

стр. 983

باب القراءة في الصَّلاةِ الحديث الأول ٩٣ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (١).

стр. 984

* التعريف: عبادة بن الصامت ﵁ بن قيس بن أصرَم -بالصاد المهملة- بن فهر -بكسر الفاء- بن ثعلبة بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف، الأنصاري الخزرجي. وعبادة هذا: أحد النقباء ليلة العقبة، شهد البعقبة الأولى، والثانية، وشهد بدرا، وأحدا، وبيعة الرضوان، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وشهد فتح مصر، وأخوه أوس بن الصامت شهد بدرا. وأمه: قرة العين بنت عبادة بن نضلة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- بن مالك بن عجلان. كنيته: أبو الوليد، وهو عَقَبي بدري أحدي شَجَري، استعمله النبي ﷺ على بعض الصدقات، وكان يعلم أهل الصفة القرآن. ويقال: وجهه عمر بن الخطاب ﵁ في نفر لما كثر أهل الشام، فخرجوا يعلمون الناس القرآنت، ويفقهونهم في الدين، فاختار عبادة المقام بحمص، واختار أبو الدرداء دمشق، واختار معاذ بن جبل فلسطين، فلما مات معاذ عام طاعون عَمواس، صار عبادة إلى فلسطين، وأقام أبو الدرداء بدمشق حتى مات بها. وتوفي عبادة بن الصامت ببيت المقدس، وقيل: بالرملة، وقيل: بفلسطين، سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث (١) وأحدٌ وثمانون حديثا، اتفقا

стр. 985

منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين. روى عنه من الصحابة ﵃: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة الباهلي، وشرحبيل بن حسنة، والمقدام بن معديكرب، وعبد الله بن عمر، ومحمود بن الربيع، ورفاعة بن رافع الزرقي، وأوس بن عد الله الثقفي. وروى عنه من أولاده: الوليد، ومحخمد، وعبد الله. وروى عنه: أبو إدريس، وأبو مسلم الخولانيان، وجبير بن نفير، وعبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، وكثيرة بن مرة، وعبد الرحمن بن غنم، وأبو الأشعث الصنعاني، ويعلى بن شداد، وحطان بن عبد الله الرقاشي، بتخفيف القاف. وقال الأوزاعي: أول من ولي قضاء فلسطين عبادة بن الصامت. روى له الجماعة ﵁ (١).

стр. 986

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: ظاهر الحديث يدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، إلا أن أهل الأصول اختلفوا في مثل هذا اللفظ إذا ورد في الشرع. فقال بعضهم: هو من المجملات، أو قالوا: ملحق (١) بالمجملات؛ لأن نصه يقتضي نفي الذات، وملوم ثبوتها حسا، فقد صار المراد مجهولا. قال الإمام المازري: وهذا الذي قالوا خطأ؛ لأن الملوم من عادة العرب أنها لا تضع هذا النفي للذات، وإنما تورده مبالغة، فتذكر الذات ليحصل لها (٢) ما أرادت من المبالغة. وقال آخرون: لم تقصد العرب قط نفي الذات، ولكن نفي أحكامها، ومن أحكامها الكمال والإجزاء في هذا الحديث، فيحمل اللفظ على الهموم فيهما (٣). قال الإمام: وأنكر هذا المخققون؛ لأن العموم لا تصح دعواه فيما يتنافى، لا شك أن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء، فإذا قدر الإجزاء منتفيا بحق العموم، قدر ثابتا بحق إشعار نفي الكمال بثبوته، وهذا تناقض (٤)، وما يتناقض لا يحمل الكلام عليه، وصار المحققون

стр. 987

إلى التوقف بين نفي الإجزاء، ونفي الكمال، وادعوا الإجمال من هذه الجهة، لا مما قال الأولون، فعلى هذه المذاهب يخرج قوله ﵊: «لا صلاة» الحديث (١). الثاني: ونذكر فيه اختلاف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فنقول: مذهبنا: أن الفاتحة في الصلاةمتعينة، لا تصح صلاة القادر عليها إلا بها، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وخوات بن جبير، والزهري، وابن عون، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه الشافعية عن الثوري، وداود، والشافعي. قال ابن عبد البر: وقال ابن خويز منداد (٢) المالكي: وهي عندنا متعينة في كل ركعة، قال: ولم يختلف قول مالك: إنه من نسي في ركعة من صلاة ركعتين: أن صلاته تبطل إن لم يأت بركعة يصلها بالركعة التي قرأها (٣) فيها، ولا تجزئه. واهتلف قوله فيمن نسيها في ركعة من صلاة ثلاثية، أو رباعية، فقال مرة: لا يعتد بتلك الركعة، ويأتي بركعة يضيفها إلى الثلاث التي

стр. 988

قرأ فيها بفاتحة الكتاب، ويسجد بعد السلام؛ كالذي نسي سجدة، ويذكرها قبل السلام سواء، فإن لم يفعل، وسلم، أو تكلم، أو طال ذلك، أعاد الصلاة، ولا تجزئه، وهو قول ابن القاسم، وروايته، واختياره من قول مالك، وقال في قول مالك الآخر: إنه ليس عنده بالبين. وقال مالك مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو، ويجزئه، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه. قال ابن عبد الحكم: وقد قيل: إنه يعتد بتلك الركعة، ويسجد للسهو بعد السلام. وقالب مرة: يسجد سجدتي السهو (١) قبل السلام، ثم يعيد تلك الصلاة. وقال الشافعي، وأحمد بن حنبل: لا تجزئه صلاته حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، وهو قول جابر بن عبد الله. وقال أبو حنيفة، والأوزاعي: إن تركها عامدا في صلاته كلها، وقرأ غيرها، أجزأه، على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك. وعن أبي حنيفة أيضا رواية: أنها تجب، ولا تشترط. قال ابن عبد البر: وقال الطبري: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها، لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها.

стр. 989

وقال أبو حنيفة: لا بد في الأوليين من قراءة، أقل ذلك في كل ركعة منها آية. وقال أبو يوسف، ومحمد: أقله ثلاث آيات، أو آية طويلة؛ كآية الدين. وقال مالك: إذا لم يقرأ أم القرآن في الأوليين، أعاد، لم يختلف قوله في ذلك، إلا ما روي عنه: في ركعتين، لم يخص الأوليين (١) من غيرهما، ومذهبه: القراءة بها في الصلاة كلها، فإن نسيها في ركعة ورعتين، فجوابه ما تقدم ذكره. قال ابن عبد البر: وقال الشافعي: أقل ما يجزئ المصلي من القراءة أن يقرأ فاتحة الكتاب إن أحسنها، وإن (٢) لم يحسنها، وو يحسن غيرها من القرآن، قرأ بعددها (٣) سبع آيات، لا يجزئه دون ذلك، فإن لم يحسن شيئا من القرآن، حمد الله تعالى، وكبر مكان القراءة، لا يجزئه غيره حتى يتعلمها. قال: ومن أحسن فاتحة الكتاب، فإن ترك منها حرفا واحدا، وـ (٤) خرج من الصلاة، أعاد الصلاة. قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على إيجاب القراءة في الركعتين

стр. 990

الأوليين من صلاة أربع (١)، على حسب ما ذكرنا من اختلافهم في فاتحة الكتاب من غيرها. قلت: في هذا الإجماع نظر، بل الظاهر أنه وهم؛ لأن ابن عباس يقول: لا قراءة في الظهر، ولا في العصر، فقيل له: إن ناسا يقرؤون فيهما (٢)؟ فقال: لو كان لي عليهم سلطان، لقطعت ألسنتهم، قرأ (٣) رسول الله ﷺ ، فقراءته لنا قراءة، وسكت، فسكوت لنا سكوت. هكذا هو في مسند عبد بن حميد (٤)، فليعرف (٥) ذلك. قال: واختلفوا في الركععتين الأخيرتين (٦): فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود: أن القراءة فيهما بفاتحة الكتاب واجبة على الإمام والمنتفرد، ومن أبى منهما أن يقرأ بفاتحة الكتاب، فلا صلاة له، وعليه إعادتها، إلا أن مالكا اختلف قولهفي الناس لقراءتها (٧) في ركعة، على ما ذكرنا عنه. وقال الطبري: القراءة فيهما واجبة، ولم يعين أم البقرآن من غيرها.

стр. 991

قال: وقد ذكرنا في «التمهيد» حديث أبي قتادة: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الآخرتين بأم القرآن، وكان يسمعنا الآية أحيانا (١). وذكرنا هناك أيضا: حديث ابن عمر: أنه جاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن! هل في الظهر والعصر قراءة؟ فقال: هل تكون صلاة بغير قراءة (٢)؟ قال أبو عمر: معلوم أن الركعة الواحدة صلاة، فلا تجوز إلا بقراءة. وقال أبو حنيفة: القراءة في الآخرتين لا تجب؛ وكذلك قال الثوري، والأوزاعي. قال الثوري: يسبح في الأخريين أحب إلي من أن بيقرأ؛ وهو قول جماعة الكوفيين، وسلف أهل العراق. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: يقرأ في الركعتين الأوليين، وأما في الآخرتين، فإن شاء، سبح، وإن شاء، قرأ، وإن لم يقرأ ولم يسبح، جازت صلاته؛ وهو قول (٣) إبراهيم النخعي، رواه أهل الكوفة عن علي، وروى عنه أهل المدينة خلاف ذلك. قال أبو عمر: روي عن (٤) علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله،

стр. 992

والحسن، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن جبير: القراءة في الرعتين الأخيرتين (١) من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب في كل ركعة منهما، وثبت ذلك عن النبي ﷺ ، فلا وجه لما خالفه، وبالله التوفيق. واختلفوا فيمن ترك القراءة في ركعة: فأما مالك، فقد ذكرنا مذهبه، واختلاىف الرواية عنه في ذلك. وقال الأوزاعي: من قرأ في نصف صلاته، مضت صلاته، وإن قرأ في ركعة واحدة من المغرب، أو الظهر، أو العصر، أو العشاء، ونسي أن يقرأ فيما بقي من صلاته، أعاد صلاته. وقال إسحابق بن راهويه: إذا قرأ في ثلاث ركعات، إماما كان أو منفردا، فصلاته جائزة، لما اجتمع الناس عليه: أن من أدرك الركوع، أدرك الركعة. قال أبو عمر: قاس إسحاق الإمام والمنفرد في الركعة على المأموم، فأخطأ القياس، والمنفرد لا يحنمل عنه غيره شيئا من صلاته، ولا يغلب عليه أحد رتبة صلاته، ولا يصليها هو، فتجزئ عنه. وقال الثوري: إن قرأ في ركعة من الصبح، ولم يقرأ في الأخرى، أعاد الصلاة، وإن قرأ في ركعة من الظهر، أو العصر، أو العشاء، ولم يقرأ في الثلاث، أعاد. وروي عن الحسن البصري: أنه قال: إذا قرأت في ركعة من الصلاة، أجزأك، وقال به أكثر فقهاء أهل البصرة.

стр. 993

وقال المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني: إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة، أجزأه، ولم تكن عليه إعادة؛ لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم القرآن، فهي تمام ليست بخداج. وقال أبو عمر (١): وقد روي عن مالك قول شاذ لا يعرفه أصحابه، وينكره أهل العلم به: أن الصلاة تجزئ بغير قراءة، على ما روي عن عمر، وهي رواية منكرة عن مالك، والصحيح عنه خلافها وإنكارها (٢). قلت: وكان ينبغي، أو (٣) يتعين أن لا يجوز نقلها، ولا تسويد الورق بذكرها؛ إذ لا فائدة في ذلك، بل قد يغتر الجاهل أو (٤) المتساهل بها، ولكن العلماء قد يذكرون بعض هذه المناكير؛ تحذيرا منها، وتنبيها على عدم اعتبارها، فحذار حذار من نقلها لغير عالم، أو متدين ورع. فإن قلت: فما تصنع بما رواه أبو سلمة، ومحمد بن علي: أن عمر ﵁ صلى المغرب فلم يقرأ، فقيل له، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنا، قال: فلا بأس. رواه الشافعي في «الأم»، وغيره (٥)؟

стр. 994

قلت: أجيب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضعيف؛ لأن أبا سلمة ومحمد بن علي لم يدركا عمر (١). والثاني: أنه محمول على أنه أسر بالقارءة. والثالث: أن البيهقي رواه من طريقين موصولين عن عمر: أنه صلى المغرب، فلم يقرأ، فأعاد. قال البيهقي: وهو الرواية موصولة، وهي موافقة للسنة في وجوب القراءة، وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان (٢). فإن قلت: فقد روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: القراءة سنة. رواه البيهقي (٣). قلت: قال البيهقي وغيره: مراده: أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف، فلا تجوز مخالفته، وإن كان على غير (٤) مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة؛ أي: طريق تتبع ولا تغير (٥).

стр. 995

فإن قلت: فقد روى الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رجلا سأله، فقال: إني صليت ولم أقرأ، قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: تمت صلاتك. رواه الشافعي (١). قلت: هذا الأثر ضعفوه أيضا؛ لأن الحارث الأعور متفق على ضعفه، هكذا ذكره ح (٢). ثم قال ابن عبد البر: وقال الشافعي: عليه أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، لا تجزئ الركعة إلا بها، قال: وكما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى، فكذلك (٣) لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها؛ وهو ظاهر قول جابر، وبه قال عبد الله بن عون، وأيوب السختياني، وأبو ثور، وداود، وروي مثله عن الأوزاعي. قال أبو عمر: وقد أوضحنا الحجة في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من طريق الأثر والنظر في كتاب «التمهيد»، وأما من أجاز القراءة بغيرها، فمحجوج مخصوم بحديث هذا الباب، وبقوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، ولا معنى لقول

стр. 996

من قال: يأتي بعدد حروفها وآياتها؛ لأن التعيين لها، والنص عليها قد خصها بهذا الحكمم دون غيرها، ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه، فتركها (١) وهو قادر عليها، وإنما عليه أن يجيء بها، ويعود إليها؛ كسائر المفروضات المعينات في العبادات. انتهى (٢). قلت: وظاهر هذا الحديث يدل على وجوبها في كل ركعة، ووجه الدليل منه: أن كل ركعة تسمى صلاة، وهو قد قال ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» (٣). ق: وقد يستدل به من يرى وجوبها في ركعة واحدة بناء على أنه يقتضي حصول اسم الصلاة عند قراءة الفاتحة، فإذا حصل مسمى قراءة الفاتحة، وجبت أن تحصل الصلاة، والمسمى يحصل بقرا ءة الفاتحة مرة واحدة، فوجب القول بحصول ممى الصلاة، ويدل على أن الأمر كما ندعيه: أن إطلاق اسم الكل على الجزء مجاز، ويؤيده قوله ﵊: «خمس صلوات اكتبهن الله على العباد» (٤)؛ فإنه يقتضي أن اسم الصلاة حقيقة لمجموع الأفعال،

стр. 997

لا لكل ركعة؛ لأنه لو كان حقيقةفي كل ركعة، لكان المكتوب على العباد سبع عشرة صلاةٍ. وجواب هذا: أن غاية ما فيه دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في (١) ركعة، فإذا دل دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة، كان مقدما عليه. قلت: قد دل دليل من خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة، وهو قوله ﵊: «كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِداج» روي من طرق كثيرة، وإن كان قد اختلف في رفعه، ووقفه على جابر ﵁ (٢)، هذا من الحيث الأثر. وأما من حيث النظر: فقوله ﵊-ت للأعرابي: «وافعل ذلك في صلاتك كلها»، فإنه يقتضي إعادة الفاتحة في كل ركعة؛ كما يعيد الركوع والسجود، وأيضا: فإن القفيام فرض في الثانية وما بعدها، والقيام لا يراد لنفسه، وإنكما محل لغيره، وليت شعري ما يقول من لم يوجبهافي كل ركعة في صلاة من خص قراءتها بالرابعة مثلا، أو الثالثة، فإن أجازها، فليس في الحديث ما يدل على جوازها، وإن أبطلها، فكذلك.

стр. 998

ق: وقد يستدل بالحديث على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم؛ لأن صلاة المأموم صلاة، فتنتفي عند انتفاء قراءة الفاتحة، فإن (١) وجد دليل يقتضي تخصيص صة المأموم من هذا العموم، قدم على هذا، وإلا، فالأصل العمل به (٢). قلت: الدليل الذي يخصص هذا العموم: ما رواه مالك في «موطئه» عن ابن شهاب، عن ابن أُكَيمة الليثي، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟»، فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : «إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟»، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (٣). قال القاضي أبو الوليد الباجي: وهذا الخديث أصل مالك ﵀ في

стр. 999

ترك المأموم القراءة خلف الإمام في حال الجهر؛ لأنه لما علق حكم الامتناع من القراءة على الجهر، كان الظاهر أن الجهر علة ذلك الحكم. قال: وذهب الشافعي إلى أن القراءة واجبة على المأموم على كل حال. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وهذا يقتضي منع القراءة جملة، وجميع الكلام، ووجوب الإنصات عند قراءة كل قارئ، إلا ما خصه (١) الدليل. ودليلنا من جهة السنة: ما رواه أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر، فكبروا، وإذا (٢) قرأ، فأنصتوا» (٣)، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. قلت: ولعل هذا متمسك من لم يستحب عندنا القراءة للمأموم في الصلاة السرية أيضا، لأن الإمام قارئ فيها، وغن لم يسمع؛ فإن الإنصات لم يعلق على السماع، وإنما علق على القراءة، وإن كان الصحيح المشههور عندنا: استحباب القراءة للمأموم في السرية.

стр. 1000

ثم قال الباجي: ودليلنا من جهة القياس: أن هذه (١) حال الائتمام، فوجب أن تسقط معه القراءة عن المأموم، أصله: إذا أدركه راكعا. انتهى كلام الباجي (٢). مسألة: لو كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير سكتة، ففي «المجموعة» من رواية ابن نافع، عن مالك: يقرأ من خلفه في سكتته أم القرآن، وإن كان قبل قراءته. قال الباجي: ووجه ذلك: أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس وحديث النفس إذا لم يقرأ الإمام قراءة ينصت لها، ويشتغل بتدبرها وتأملها. مسألة أخرى: فإذا (٣) قرأ المأموم خلف الإمام حال جهره للقراءة، فبئس ما صنع، ولا تبطل صلاته. ورأى (٤) قوم أن صلاته باطلة؛ وقد روي ذلك عن الشافعي، والدليل على صحة قولنا: أنها قراءة قرآن، فلم تبطل الصلاة، أصل ذلك: حال الإسرار (٥)

стр. 1001

فائدة: ح: لفاتحة الكتاب عشرة أسماء حكاها الإمام أبو إسحاق الثعلبي وغيره: أحدها: فاتحة الكتاب، وجاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ بتسميتها بذلك، قالوا: سميت به، لأنه يفتتح بها المصحف، والتعليم، والقراءة في الصلاة. وهي سورة الحمد؛ لأن فيها الحمد. الثالث والرابع: أم القرآ، وأم الكتاب؛ لأنها مقدمة في المصحف، كما سمي الدماغ: أم الرأس؛ لأنه مجمع الحواس والمنافع. وقال ابن دريد: (الأم) في كلام العرب: الراية ينصبها الأمير للعسكر يفزعون إليها، فسميت الفاتحة أم القرآن؛ لأن مفزهع أهل الإيمان والقرآن إليها، والعرب تسمي الأرض أما؛ لأن مهعاد الخلق إليها (١) في حياتهنم وموتهم (٢). وقال الحسن (٣) بن الفضل: سميت بذلك؛ لأنها [إمام لجميع

стр. 1002

القرآن، يقرأ في كل ركعة، ويقدم على كل سورة؛ كأم القرى] (١) الإسلام، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها أعظم سورة في القرآن، ثبت في «صحيح البخاري»، عن أبي سعيد بن المعلى ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد»، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: «لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟» قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته» (٢). الخامس: الصلاة؛ للحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، فإذا قال (٣): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البفاتحة: ٢]، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قالب: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قال: مجدني عبدي -وقال مرة: فوض إلي عبدي-، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عبدي، فإذا قال (٤): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

стр. 1003

غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل»، رواه مسلم (١). السادس: السبع المثاني؛ للحديث الصحيح الذي ذكرناه قريبا، سميت بذلك؛ لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة. السابع: الوافية -بالفاء-؛ لأنها لا تتبعض، فلا يقرأ بعضها في ركعة، وبعضها في أخرى؛ بخلاف غيرها. الثامن: الكافية؛ لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي عنها غيرها (٢). التاسع: الأساس، روي عن ابن عباس. العاشر: الشفاء، فيه حديث مرفوع. قال الماوردي في «تفسيره»: اختلف (٣) في جواز تسميتها أم الكتاب؛ فجوزه الأكثرون، ومنعه الحسن، وابن سيرين، وزعما أن هذا اسم للوح المحفوظ، فلا يسمى به غيره. قلت: وهذا غلط، ففي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، قال: «من قرأ بأم الكتاب، أجزأت عنه» (٤)، وفي «سنن أبي داود» عن أبي هريرة،

стр. 1004

قال: قال رسول الله ﷺ : «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] أم الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني» (١)، انتهى (٢). قلت: وزاد الزمخشري: سورة الكنز (٣)، فتكون أسماؤها أحد عشر، وبالله التوفيق. * * *

стр. 1005

الحديث الثاني ٩٤ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ؛ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ؛ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى , وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ , وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَاناً، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى , وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ/ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ بِأُمِّ الْكِتَابِ (١).

стр. 1006

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: «يقرأ في الأوليين» هي أفصح من الأَوَّلَة والأوَّلَتَيْن -بالتاء-، وكذلك الأخرى والأخريان أفصح من الآخرة والآخِرتين (١). الثاني: السورة في أصل اللغة: كل منزل من البناء. قال الجوهري: ومنه سورة القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأولى، والجمع سور، بفتح الواو. قال الشاعر: [البسيط] سُودُ الْمَحَجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ (٢)

стр. 1007

ويجوز أن تجمع على سورات، وسوَرات -بتسكين الواو وفتحها-، وأما قول النابغة: [الطويل] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ فإنه يريد: شرفا ومنزلة. وأما سورى بوزن بشرى، فموضع بالعراق من أرض بابل، ونهو بعد بلد السُّريانيين (١). وقال غيره: معنى السورة في كلام العرب: الإبانة لها من سورة أخرى، وانفصالها عنها، سميت بذلك؛ لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة. وقيل: سميت بذلك؛ لشرفها، وارتفاعها؛ كما يقال لما ارتفع من الأرض: سُور. وقيل: سميت بذلك؛ لأن قارئها يشرف على ما لم يكن عنده؛ كسور البناء كله -بغير همز-. وقيل: سميت بذلك؛ لأنها قطعة من القرآن على حدة، من قول العرب للبقية: سُؤْر، وجاء: في أسآر الناس؛ أي: بقاياهم، فعلى هذا يكون الأصل سؤرة -بالهمز-، ثم خففت، فأبدلت (٢) واوا لانضمام ما قبلها.

стр. 1008

وقيل: سميت بذلك؛ لتمامها وكمالها، من قول العرب للناقة التامة: سورة، والله أعلم (١). الثالث: الحديث يدل على قراءة سورة مع الفاتحة، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في وجوبها وعدمه. وللعلماء في زيادة قرآن مع الفاتحة ثلاثة أقوال: القول الأول: الوجوب: يحكى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وغيرهما، وحده عمر وعثمان ﵄ بثلاث آيات، وقال غيرهما: ما تيسر (٢)، ووجهه: التمسك بفعل الرسول ﷺ ، وما رواه أبو هريرة، قال: أمرني رسول الله ﷺ بذلك، ويعارضه قةله ﵊: «لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب» (٣)، وما رواه محمول على الندب. والقول الثاني: أن ذلك سنة. قال في «المدونة»: إن ترك ذلك سهوا، سجد قبل السلام. قال ابن القاسم في «العتبية»: فإن نسي السجود حتى طال، فلا شيء عليه، ودليلنا على عدم الوجوب الحديث المذكور آنفا، وقوله

стр. 1009

-﵊: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، فلم (١) يزد عليها، والاستدلال بالحديث الأول أصرح من هذا الثاني. والقول الثالث: عندنا: أن ذلك فضيلة، قال مالك في «مختصر ما ليس في المختصر»: ليس على ناسيها إعادة ولا سجود، وقاله أشهب. قال اللخمي: واختلف في تاركها عمدا، أو جهلا، فقال ابن القاسم: يستغفر الله، ولا شيء عليه. وقال عيسى: إن تركها عمدا، أو جهلا، أعاد أبدا. قال اللخمي: فجعلها واجبة. قال الإمام المازري: ما أظن اللخمي خرج الوجوب إلا من قوله: من تركها جهلا؛ لأن القول بالإعادة مع العمد يجري على طريقة القائلين بأن تارك السنة متعمدا يعيد أبدا، وفي تخريجه هذا نظر؛ لأن المذهب اختلف، هل الجاهل كالعامد، أو لا؟ فعلعل عيسى رآه كالعامد. قال صاحب «البيان والتقريب»: ومنشأ الخلاف في أنها سنة أو فضيلة: النظر في تأكد الأمر وعدم تأكده، انتهى. هذا كله في الفرائض، أما السنن والتطوعات، فزيادة قرآن على الفاتحة فيها سنة، ما عدا ركعتي الفجر؛ فإن المشهور عندنا فيها الاقتصار على الفاتحة.

стр. 1010

وفي «مختصر ابن شعبان»: يقرأ فيهما بأم القرآن، وسورة من قصار المفصل،. ودليلنا في استحبابها في سائر التطوعات: استمرار العمل على ذلك، وسيأتي الكلام على ركعتي الفجر في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد اختلف في قراءة سورة مع أم القرآن في الثالثة والرابعة، فالمشهور: لا يفعل، وإن فعل، فلا شيء عليه. وفي «التفريع» (١) عن أشهب: أنه يسجد بعد السلام. وقال محمد بن عبد الحكم: من فعل، فقد أحسن. وقال الشافعي في أحد قوليه: يقرأ بها في الأربع. قال اللخمي: والأحسن أن يقرأ بها فيهما؛ لأنها زيادة (٢) فضل، فقد أجاز (٣) مالك في «مختصر ابن عبد الحكم» أن يقرأ في كل ركعة من الركعتين (٤) الأوليين بالسورتين والثلاث، وإذا جاز أن يزيد على سورة في الأوليين، جاز أن يقرأ السورة (٥) في الأخريين. قال صاحب «البيان والتقريب»: وهذا ضعيف؛ فإنه لا يلزم إذا

стр. 1011

جاز في الموضع الذي ثبت فيه شرعية القراءة أن يقرأ بسورتين وثلاث أن يجز ذلك حيث لم يثبت شرعية ذلك. قلت: ودليلنا في ذلك: هذا الحديث، وقول الراوي: كان ييفعل ذلك، يدل على استمراره ﵊ على ذلك؛ كما تقدم غير مرة. قال بعض المتأخرين من أصحايبنا: ووجه قول ابن عبد الحكم، والشافعي: ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الظهر في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين نصف ذلك (١)، والنصف من ذلك يزيد على قدر الفاتحة، وما روي: أن أبا بكر الصديق ﵁ قرأ في الآخرة من المغرب بأم القرآن، وـ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] (٢). والجواب عن ذلك: أنه ليس عليه العمل؛ كما ذكره مالك في «المدونة» (٣).

стр. 1012

مسألة: اختلف عندنا في الاقتصار على بعض سورة، فيل: مكروه؛ لأنه خلاف ما مضى به العمل، وقيل: جائز؛ لأن الرسول ﵊ قد قرأ ببعض سورة في الصبح. قال صاحب «البيان والتقريب»: إنما فعل ذلك في الصبح؛ لأنه ﵊ أخذته سعلة، فركع (١)، فلا حجة فيه للجواز. مسألة: الأحسن عندنا: الاقتصار على سورة واحدة، وقيل بجواز (٢) الزيادة عليها، ووجه الأول: أنه عمل السلف، ووجه الثاني: قول (٣) ابن مسعود ﵁ في «الصحيحين»: لقد عرفت النظائر التي كان ﵊ يقرن بينهن، وذلك عشرين سورة، سورتين في كل ركعة (٤). وأجيب عن هذا: بأن ذلك محمول على النوافل. مسألة: مشهور مذهبنا: أنه لا يقسم سورة في ركعتين، فإن فعل، أجزأه.

стр. 1013

وقال مالك في «المجموعة»: لا بأس به، وما هو الشأن؛ أي: إنه (١) لم ينقل عن السلف، ولو كان، لنقل. وقوله: وما هو الشأن يشير إلى أنه ليس عليه العمل. مسألة: المستحب أن تكون السورة الثانية أقصر من الأولى، كما هو ظاهر الحديث على ما سيأتي، وأن تكون مرتبتين (٢) على ترتيب المصحف؛ لأنه المروي في الأخبار والآثار، ويجوز غيره، ووجه الجواز: أن المصحف إنما جمع في زمن أبي بكر ﵁، فلم يكن في زمن النبي ﷺ ترتيب في السور، والله أعلم. الرابع: قوله: «يطول في الأولى، ويقصر في الثانية»، أي: يطول القراءة في الأولى، ويقصرها في الثانية، هذا هو المتبادر إلى الذهن؛ كما تقدم آنفا، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون تطويل الأولى بمجموع منه القراءة، ويقوي الأول: أن المذكور هنا القراءة، والسياق لها، فينبغي أن يكون التطويل والتقصير راجعين (٣) إليها، لا بأمر زائد عليها، وعند الشافعية في ذلك خلاف، والله أعلم. وانظر: إذا أدرك المسبوق الثانية، وفاتته الأولى، هل يطولها؛ كما قال أصحابنا، يقرأ فيها -أعني: الأولى- حين يقضيها بالسورتين

стр. 1014

التي قرأها (١) إمامه، وهي أطول من الثانية على ما تقرر، أو يقصرها؛ لأنها ثانية من حيث الجملة؟ في هذا النظر. الخامس: قوله: «وفي الركعتين الأخرين (٢)، بأم الكتاب»: قد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك، وأن المشهور ما هو نص الحديث: أنه لا يزيد في الأخريين على أم الكتاب. السادس: فيه: جواز الجهر بالآيات اليسيرة في الصلاة السرية، ولذلك لا يسجد عندنا من فعل ذلك، ولا أعلم فيه خلافا لغيرنا. السابع: فيه: ابلاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار دون التوقف على اليقين؛ إذ لا يكمن تيقن قراءة سورة إلا بسماع جميعها، وقد قال: «وكان يسمع القراءة أحيانا»، فأخذ من سماع بعضها قراءة جميعها؛ اعتمادا على هذه القرينة، ويبعد أن يكون تيقن ذلك بإخباره ﵊ عند فراغ الصلاة بعدا شديدا، مع ما في لفظة (كان) من الإشعار بالأكثرية والمداومة، والله أعلم. فإن قلت: لم جهر ﵊ في بعض الأحيان، والسنة في الصلاة السرية وعدم الجهر؟ قلت: قيل: إن هذا محمول على أنه أراد بيان الجواز، وأن الإسرار ليس بشرط، بل هو سنة.

стр. 1015

ح: ويحتمل أن الجهر بالقراءة كان يحصل لسبق اللسان؛ للاستغراق في التدبر، والله أعلم (١). * * *

стр. 1016

الحديث الثالث ٩٥ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ (١).

стр. 1017

* التعريف: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، النوفلي، القرشي، المدني. يكنى: أبا محمد، وقيل: أبا عدي. أمه أم جميل بنت سعيد من بني عامر بن لؤي. قال مصعب الزبيري (١): كان جبير بن مطعم من حكماء قريش، وسادتهم، وكان يؤخذ عنه النسب، وكان أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: أنا (٢) أخذت النسب عن أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر ﵁ من أنسب العرب. أسلم جبير بن مطعم -فيما قيل- يوم الفتح، وقيل: عام خيبر، وكان قد أتى النبي ﷺ في فدى أسارى بدر كافرا. وروى ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ لأكلمه في أسارى بدر، فوافقته (٣) وهو يصلي بأصحابه المغرب، أو العشاء، فسمعته وهو يقرأ، وقد خرج صوته منت المسجد: ﴿١٠٤ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ». إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]، قال: فكأنما صدع قلبي (٤).

стр. 1018

وبعض أصحاب الزهري يقول عنه في هذا الخبر: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٣٥]، فكاد قلبي يطير، فلما فرغ من صلاته، كلمته في أسارى بدر، فقال: «لو كان الشيخ أبوك حيا، فأتانا فيهم، شفعناه» (١). وروي: «لو أن المطعم بن عدي كان حيا، فكلمني في هؤلاء النتنى، لأطلقتهم له» (٢). وكانت له عند رسول الله ﷺ يد، وكان من أشرف قريش، وإنما كان هذا القول من رسول الله ﷺ في المطعم بن عدي الذي كان أجار رسول الله ﷺ حين قدم من الطائف من دعاء ثقيف. وكانت وفاة المطعم بن عدي في صفر سنة ثلاث من الهجرة قبل بدر بنحو سبعة أشهر. ومات جبير بن مطعم بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: تسع وخمسين، في خلافة معاوية، وذكر بعض الحفاظ أنه توفي سنة أربع وخمسين، وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم، وفيمن حسن إسلامه

стр. 1019

منهم، وقيل: أول من لبس طيلسانا بالمدينة جبير بن مطعم. روي له عن رسول الله ﷺ ستون حديثا، اتفقا منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بواحد. روى عنه: ابناه: محمد، ونافع، وسليمان بن صرد، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أُذَيْنَة، ومحمد بن طلحة بن زيد بن رُكَانة، وغيرهم. روى له الجماعة، ﵁ (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ وهو مذهب الفارسي في «الإيضاح»، قال: إلا أن (سمعت) يتعدى إلى مفعولين، ولا بد أن يكون الثاني مما يسمع؛ كقولك: سمعت زيدا يقول كذا، ولو قلت: سمعت زيدا يضرب أخاك، لم يجز. والصحيح: أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل (٢) الواقع

стр. 1020

بعد المفعول في موضع الحال، فقوله: سمعت النبي ﷺ يقرأ، (يقرأ): في موضع الحال؛ أي: سمعته في حال قراءته, وهذا (١) مقرر في كتب العربية (٢). فيه: عدم التحرج بنقل أسماء السور على لفظها ولا بد; فإنه لو حكاها، لقال: بـ: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١]، وقد جاء لذلك نظائر كثيرة. وفيه: جواز قول سورة كذا؛ خلافا لمن قال: لا يقال إلا السورة التي تذكر فيها البقرة مثلا; لأن قوله: «بالطور»، تقديره: بسورة الطور. وفي هذا الحديث غرابة من حيث إن جبير بن مطعم سمعه من النبي ﷺ قبل إسلامه، ثم أداه بعد إسلامه, ومثل هذا يعز وجوده, ونظيره: شهادة الصبي، والكافر، والعبد, وأداؤها بعد تغير أحوالهم، والله أعلم. الثاني): الطور: الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى وهو بِمَدْيَنَ. الثالث): المراد من هذا الحديث: معرفة قدر القراءة في الصلاة, وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة مختلفة بالنسبة إلى الطول والقصر, حتى صُنف فيها كتاب مفرد. قال العلماء: واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كانت بحسب
следующие страницы →