الحقيقية (١)، والمجازية, فيكون (أو) للتقسيم, وأضاف ﵊ النسيان إلى نفسه مجازا, ثم أضافه إلى الله -تعالى-, والمعنى: أن الله يُنَسِّي، وهو تأويل ابن نافع, وابن دينار, وله نظائر في الحديث.
وفي طريق آخر: «إني لا أنسى، ولكن (٢) أُنَسى لأسن» وهذا يبين (٣) النسبة الحقيقية, والله أعلم.
العاشر: ويتعلق بأصول الدين, أجمعت الأمة على أن الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- معصومون من الكفر والبدعة، إلا الفُضَيلية من الخوارج , والظاهر عدم الاعتداد بخلافهم.
وأجاز الرافضة على الأنبياء إظهار كلمة الكفر على سبيل التقية.
أما ما يتعلق بتبليغ الشرائع والأحكام الإلهية، فأجمعوا على أن الكذب عليهم في ذلك لا يجوز, وكذلك النسيان قبل التبليغ, وأما بعد التبليغ، فهل يجوز عليهم النسيان فيما بلغوه، أم لا؟ فيه خلاف, والجمهور على امتناعه.
وأما ما يتعلق بالفتوى، فأجمعت الأمة على أنه لا يجوز عليهم
стр. 1087
تعمد الخطأ في ذلك, وهل يجوز وقوعه سهوا، أم لا ? فيه خلاف.
وأما ما يتعلق بأفعالهم وأحوالهم, فالمذاهب في ذلك خمسة:
فقالت الحشوية: يجوز عليهم الإقدام على الصغائر والكبائر مطلقا, وقالوا بوقوعها منهم.
وقالت الروافض: لا تجوز عليهم الصغيرة، ولا الكبيرة مطلقا، لا عمدا، ولا سهوا، ولا تأويلا.
وقال طائفة من المتكلمين: لا تجوز عليهم الكبائر عمدا، وأما الصغائر والكبائر سهوا فجائزة عليهم بشرط عدم الإصرار؛ لأنه كبيرة، وهو قول أكثر المعتزلة.
وقال الجبائي: لا يجوز علريهم تعمد الكبيرة والصغيرة، ولكن يجوز صدور ذلك على سبيل الخطأ في التأويل.
وقال طائفة من العلماء: لا تجوز الكبيرة ولا الصغيرة، لا عمدا، ولا بالتأويل الخطأ، أما على وجه السهو، فجائز (١).
قال ابن بزيزة: وتصحيل مذاهب الأشعرية في ذلك: أن الجمهور منهم قد اتفقوا على جواز وقوع الصغائر منهم، واختلفوا في الكبائر، فجوز القاضي ذلك عقلا، ومنع من الوقوع والإصرار على المعصية، والجمهور من أهل السنة: على أن الكبائر لا تجوز عليهم.
стр. 1088
من المحققين من ذهب إلى عصمتهم من الكبائر، واحتج بقول ابن عباس: إن كل ما عصي الله به فهو كبيرة (١).
واختار بعض المتأخرين جواز وقوع الصغائر منهم سهوا.
واتفق الجمهور على أن تكرار الصغائر، وكثرة وقوعها يلحقها بالكبائر, فهم معصومون منه -أيضا- عصمتهم من الكبائر.
وذكر بعض شيوخنا الإجماع على عصمتهم من الكبائر (٢) , قال: والإجماع في ذلك باطل.
واختلفوا في مواقعتهم المكروه قصدا, فجمهور الفقهاء على أنهم معصومون من ذلك, نص عليه أبو الفرج عن مالك.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: وجمهور الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأكثر أهل العراق على ذلك، وهو قول الأبهري، وابن القصار، وغيرهما من متأخري المالكية.
قال بعض علمائنا: اتفق الأشعرية على أنهم معصومون من الكبائر، واختلفوا في الصغائر، والله أعلم، انتهى كلام ابن بزيزة.
ع: ومنعت طائفة من العلماء والنظار السهو عليه ﵊ في الأفعال البلاغية، والعبادات الشرعية، كما منعوا اتفاقا
стр. 1089
في الأقوال البلاغية، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك باعتذارات، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق.
وشذت الباطنية، وطائفة من أرباب علم القلوب، فقالوا: لا يجوز عليه النسيان جملة، وإنما ينسى قصدا، ويتعمد صورة النسيان؛ ليسن، ونحا إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق، وهو أبو المظفر الإسفراييني في كتابه «الأوسط»، وهذا منحًى غير سديد، وجمع الضد مع ضده مسحيل بعيد.
والقول الأول هو الصحيح؛ فإن السهو في الأفعال غير مناقض للنبوة، ولا موجب (١) للتشكيكات في الرسالة، ولا قادحا في الشريعة، بل هو سبب لتقرير (٢) شرع، وإفادة حكم؛ كما قال ﵊: «إني أنسى وأُنَسَّى لأسن» (٣)، ولذلك اختلفوا فيما ليس (٤) طريقه البلاغ، ولا (٥) بيان الأحكام من أفعاله الشرعية، وما يخص (٦) به من عاداته، وأذكار قلبه، والأكثر على تجويز الغفلة هنا والسهو؛ إذ لم يؤمر بتبليغها.
стр. 1090
وأما طروء ذلك عليه في الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التي لا مستند للأحكام إليها، ولا أخبار المعاد، ولا يضاف إلى وحي، قد جوز قوم السهو والغفلة في هذا الباب؛ إذ ليس من باب التبليغ الذي يتطرق به إلى القدجح في الشريعة.
والحق الذي لا مرية فيه: ترجيح قول من لم يجوز ذلك على الأنبياء في خبر من الأخبار؛ كما لم يجوزوا عليهم العمد، وأنه لا يجوز عليهم خلف في خبر، لا عن قصد، ولا عن (١) سهو، ولا في صحة، ولا مرض، ولا رضا، ولا غضب، وحسبك أن سيره وآثاره وكلامه وأفعاله مجموعة، معتنًى بها على مر الزمان، يتداول نقلها الموافق والمخالف، ويرويه الموقن والمرتاب، فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول، ولا اعتراف بوهم (٢) في كلمة، ولو كان، لنقل كما نقل سهوه في الصلاة، ونومه عنها، واستدراكه رأيه في تلقيح النقل، وفي نزوله بأدنى مياه بدر، وفي مصالحة عيينة بن بدر، وكقوله: «والله إني لا أحلف (٣) على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا فعلبت الذي حلفت عليه، وكفرت عن يميني» (٤)، وغير ذلك.
стр. 1091
وأما جواز السهو عليه في الاعتقادات في أمور الدنيا، فغير نكير، وأما ما يتعلق من ذلك بالعلم بالله، وصفاته، والإيمان به, فلا يصح فيه طروء سهو ولا غلط, ولا ما يضاده عليه ; لأن ضد ذلك كفر، وهو محال في حقه ﵊، بل منعت أهل علم الباطن من ذلك (١) الغفلات، والفَتَرات (٢)، وإحالتها بكل حال، انتهى كلامه (٣).
فهذا ما يتعلق بأصول الدين.
وأما ما يتعلق بأصول الفقه، ففيه: الترجيح بكثرة الرواة؛ لسؤاله ﵊ غير ذي اليدين من المأمومين، وعمله على ما أخبروه به (٤) -على ما تقدم من الخلاف- هل رجع إلى قولهم، أو أنه لم يرجع حتى يقَّنه (٥) الله تعالى؟
الحادي عشر: الحديث نص في أن السجود للزيادة بعد السلام, وهو مذهب مالك، والمذاهب الثلاثة في ذلك مشهورة؛ أعني: أن الشافعي لا سجود عنده (٦) للسهو إلا قبل السلام, وأبو حنيفة عكسه, ومالك يفرق، فيسجد للنقص قبل، وللزيادة بعد، كما تقدم.
стр. 1092
الثاني عشر: الفوائد الظاهرة من هذا الحديث أربع -وإن كان بعض أصحابنا أوصلها (١) إلى مئة وخمسين فائدة , وهو القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب «النيرين» له-:
الفائدة الأولى: أن النسيان لا يعصم منه أحد -على ما تقدم-, قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] إشارة إلى الذهول في أحد التأويلين، وقال ﵊: «نسي آدم، فنسيت ذريته»، الحديث (٢).
الفائدة الثانية: أن اليقين لا يدفعه إلا اليقين؛ بدليل أن ذا اليدين لما كان متيقنا أن فرض الصلاوة أربع ركعات، لم ينته حتى استفهم رسول الله ﷺ : هل قصرت الصلاة، أم لا؟ وذلك للشك العارض عنده، فدفعه باليقين، ورجع إلى ما قطع عنه الشك.
الفائدة الثالثة: أن من ادعى من الجماعة شيئا انفرد به، لم يقبل قوله إلا بعد سؤال جماعة، وموافقتهم له، وجعله العلماء أصلا فيمن ادعى رؤية الهلال في يوم الصحو، وانفرد بذلك دون الناس، وقد قال سحنون: هؤلاء شهود سوء.
стр. 1093
الفائدة الرابعة: أن الكلام في الصلاة لإصلاحها لا يبطلها، وهو موضع خلاف، فالجمهور من الشافعية والمالكية: على أنه لا يفسدها، وقال أبو حنيفة: يفسدها الكلام عمدا، أو سهوا؛ لإصلاحها، وـ (١) لغير إصلاحها، اعتمادا على حديث ابن مسعود، وغيره. والله أعلم (٢).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: فيه دليل على عدم وجوب الجلوس الأول، وتشهده؛ لجبره بالسجود؛ إذ الواجب لا يجبر بالسجود اتفاقا علبى ما سيأتي إن شاء الله.
الثاني: أن النقص يسجد له قبل السلام -على ما مر في الحديث الأول؛ لتركه ﵊ الجلوس الأول وتشهده.
الثالث: فيه دليل على أن السهو -وإن تعدد- أجزأت عنه سجدتان؛ كما تقدم (١)؛ لأنه ﵊ سجد للجلوس والتشهد سجودا واحدا.
стр. 1096
فيه دليل على تأخير السجود إلى آخر الصلاة وحكمته: احتمال سهو آخر، فيسجد للكل سجودا واحدا، وقد تقدم ذلك.
الخامس: فيه دليل على متابعة الإمام عند القيام عن هذا الجلوس، ووجهه: أن متابعة الإمام واجبة، والجلوس سنة، ولا يترك الواجب لفعل السنة (١).
السادس: فيه التعبير بالأكثر عن الجملة؛ فإن قوله: «قضى صلاته» إنما يصدق حقيقة بالتسليم؛ إذ التسليم -وإن كان مخرجا من الصلاة-، فهو من جملتها؛ كالتبير للافتتاح، والله أعلم.
* * *
* التعريف:
أبو جهيم: اسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة -بكسر الصاد المهملة- بن حارثة بن الحارث بن زيد مناة بن حبيب بن حارثة، الأنصاري، الخزرجي.
وقيل: هو عبد الله بن جهم.
قال الحافظ عبد الغني المقدسي: لا أعرف وجه هذا القول، ولا أعرف اختلافا في اسم أبيه، فإن أباه الحارث بن الصمة من مشهوري أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا أعلم في اسمه اختلافا.
اتفقا له على حديثين، روى عنه بسر بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس.
روى له الجماعة، ولم أر أحدا ذكر له توفاة. والله أعلم (١).
стр. 1099
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله ﵊: "المار": مفهومُه: أن القاعدَ، والقائمَ الثابتَ، والنائمَ بخلافه، وأنه لا إثم عليه إذا كان ممن تسوغ الصلاة إليه (١).
الثاني: قوله: "بين يدي المصلي": فيه: التعبير بالبعض عن الكل، عكس ما (٢) تقدم قريبًا في قول الراوي: "فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ"، قيل: وإنما عبر باليدين لما كان (٣) أكثر عمل الإنسان بهما، حتى نُسب الكسبُ إليهما في نحو: (بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) (*) , وأشباهه.
وقوله: "من الإثم": (من) فيه لبيان الجنس.
الثالث: قوله: "لكان أن يقفَ أربعين خيرًا له": يقتضي الوعيدَ الشديدَ في المرور بين يدي المصلي.
وقد رواه أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، عن أبي هريرة، بلفظ آخر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ في أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي
стр. 1100
مُعْتَرِضًا، كَانَ لَهُ أَنْ يَقِفَ مِئَةَ عَامٍ خَيْرًا لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَا" (١).
ولم يختلف أحد من أهل العلم في كراهة المرور بين يدي المصلي.
وروي عن عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص: أنه قال: لأن يكونَ الرجلُ رمادًا يُذْرَى خيرٌ من أن يمر بين يدي رجل يصلِّي (٢).
وذكر (٣) ابنُ عبد البر: أن إثمَ المارّ أشدُّ من إثم الذي يدعُه يمرُّ بين يديه (٤).
وما أحسنَ قولَ الشيخِ أبي عمرِو بنِ الحاجبِ وألخَصَه: ويأثمُ المصَلِّي إِن تعرَّض والمارُّ وله مَنْدوحةٌ، فتجيء أربع صور (٥).
ومعنى هذا الكلام عندَ البسط: أن الإثم تارة يتعلق بالمار وحده، وتارة يتعلق بالمصلي وحدَه، وتارة يتعلق بهما، وتارة لا يتعلق بهما.
فإن تحصَّن المصلِّي عن (٦) المار، فقصد المارُّ المرورَ بين يديه
стр. 1101
لغير ضرورة، فالإثمُ على المار وحده.
وإن قصد المصلِّي الموضعَ المحتاجَ إليه، وتركَ غيره من المواضع التي لا يُحتاج إليها, ولا يمر فيها أحدٌ بين يديه، فالإثمُ على المصلِّي وحدَه.
وإن اشترك الأمر، اشتركَ الإثمُ، وذلك إذا كان المصلّي (١) بحيث لا يأمن المرور، ووجد المارُّ مندوحةَ عن المرور بين يديه، فإن صلَّى بحيث يأمن المرور، ولم يجد المارُّ مندوحة، لم يأثما جميعًا، وهذا التقسيم لا ينبغي أن يُختلف فيه، والله الموفق (٢).
تنبيه: هل هذا النهي عامٌّ في كل مصلٍّ، أو في الإِمام، والمنفرد دون المأموم؟ فيه نظر، وظاهر اللفظ العمومُ، وهو عند بعضهم مخصوصٌ بالإمام، والمنفردِ، وأما (٣) المأمومُ، فلا يضره من يمر بين يديه، على كراهة في ذلك (٤).
قال بعض متأخري أصحابنا: والصحيح: عمومُ حكم الكراهة، والله أعلم.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله ﵊: "إلى شيء يستره": ظاهرُه الإطلاق في الأشياء المستَتَر بها، وإن كان قد كره بعضُ الفقهاء السترَ بآدمي، أو حيوانٍ غيره؛ لأنه يصير في صورة المصلَّى إليه، وكره مالك في المرأة.
الثاني: قوله ﵊: "فليدفَعْه"، وفي رواية أخرى: "فَلْيَدْرَأْهُ" (١)، وهما بمعنى واحد.
ح: وهذا الأمر بالدفع أمرُ ندبٍ، وهو ندبٌ متأكدٌ، ولا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه، قال: بل صرح أصحابُنا وغيرهم بأنه مندوبٌ غيرُ واجب (٢).
الثالث: قوله ﵊: "فإن أبي، فليقاتلْه":
ع: أي: إِن أبي بالإشارة ولطيفِ المنع، فليمانعْه ويدافعْه بيده عن المرور، ويعنِّف عليه في ردِّه.
стр. 1104
قال أبو عمر بن عبد البر: هذا لفظ جاء على وجه التغليظ والمبالغة (١).
وقال الباجي: يحتمل أن يكون بمعنى: فليلْعَنْه، فالمقاتلةُ بمعنى اللعنِ موجودةٌ، قال اللَّه تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] (٢).
قلت: قول الباجي ﵀: يحتمل أن يكون بمعنى فليلعنه إلى آخره ضعيفٌ جدًا؛ لوجوه:
الأول: أن الآية التي استشهد بها غيرُ ما في الحديث؛ لأن معنى قاتلَ غيرُ معنى قُتل قطعًا, ولو كان المعنى على ما ذكر، لقيل: قوتل الخراصون، فلا يلزم من ثبوت قَتَلَ بمعنى لَعَنَ ثبوتُ قاتلَ كذلك.
الوجه الثاني: إنَّا لا نعهد في الشريعة جنايةً رتب عليها اللعن زاجرًا، بل ثبت العكس في قصة مَنْ قيل فيه: لعنه اللَّه! ما أكثرَ ما يؤتَى به! فقال ﷺ : "لَا تَلْعَنْهُ"، الحديث (٣).
الثالث: لو أُمِر المصلِّي بلعن المارِّ، لم يخل أن يلعنه وهو (٤) في الصلاة، أو بعدَ فراغه منها، فلا يجوز الأولُ إجماعًا؛ لأنه متكلِّم في
стр. 1105
وقيل: فإنه يفعل فعلَ الشيطان؛ فإن الشيطان بعيدٌ من الخير والائتمار للسُّنَّة، من قولهم: نَوَى شَطُون؛ أي: بعيدة، ومنه سمي الشيطان؛ لبعده من رحمة اللَّه تعالى، فسماه شيطانًا؛ لاتصافه بوصفه؛ كما يقال: فلان الأسدُ؛ أي: يبطِشُ كبطشه وقُوَّته.
قلت: وقيل: إنه مأخوذ من شاطَ يَشِيطُ: إذا احترق، والأولُ أصح، وينبني عليه الصرفُ وتركُه، فيصرف على شطن؛ لأصالة النون، ولا يصرف على شاط؛ لزيادتها، واللَّه أعلم.
وقيل: المراد بالشيطان هنا: قرين الإنسان اللازم له؛ كما قال في الرواية الأخرى: "فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ" (١)، ويكون هذا في (٢) معنى قوله في الحديث الآخر: "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحُولُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا"، فيكون على هذا منع الإنسان الجوازَ بين يدي المصلي من أجل الشيطان اللازمِ له؛ لكونه خبيثًا نجسًا، ويكون اللَّه -تعالى- يمنعُه من التسلط (٣) على المشي أمام المصليِّ، وقطعِ صلاتِه إذا اجتهد العبدُ في الدنو من قبلته، وامتثلَ ما أمره به، ولم يجعل له سبيلًا إليه، بخلاف ما إذا لم يدنُ من السترة، واللَّه أعلم (٤).
стр. 1106
الخامس: فيه دليلٌ على أن العمل اليسيرَ في الصلاة جائز، إذا كان لإصلاحها، وقد تقرر الكلام على هذا قريبًا، واللَّه أعلم.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الأتان: حمار (١) أنثى، ولا يقال: أتانة، وثلاثُ آتُن مثلُ عَنَاق، وأَعْنُق، وفي الكثير أُتُن وأُتْن، بضم التاء وسكونها.
قال الجوهري: والمأتوناء: الأتن، مثل المعيوراء، واسْتَأْتَنَ الرجلُ: اشترى أتانًا، واتخذها لنفسه، وقولهم: كان حمارًا، فاستأتَنَ؛ أي: صار أتانًا، يضرب لرجل يهونُ بعدَ العِزِّ (٢).
وقوله: أتانٍ: هو بدلٌ من حمارٍ، وتبعُد فيه الوصفية، وفي الرواية الأخرى لمسلم: "على حماري"، ولم يذكر الأتانَ، وفي رواية أخرى:
стр. 1109
"أقبلتُ راكبًا على أتانٍ" (١)، وما ذكره المصنف هو رواية البخاري.
الثاني: قوله: "ناهَزْتُ"؛ أي: قارَبْتُ، ودانَيْتُ، والاحتلامُ معروفٌ، وهو البلوغ.
وقد اختُلف عندنا في حدِّه، فقيل: ثماني عشرةَ سنة، وهو المشهور، وقيل: سبعَ عشرةَ، وقيل: خمسَ عشرةَ، هذا بالسنِّ (٢).
وأما الإنباتُ، فهل يعتبر علامةً للبلوغ، أو (٣) لا؟ ثلاثةُ أقوال، يفرق في الثالث بين الجهاد وغيرِه، فيعتبر في الجهاد، ولا يعتبر في غيره (٤).
الثالث: "مني": مقصورٌ، مذكَّر، يُصرف ولا يُصرف، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجودُ صرفُها، وكتابتها بالألف.
سميت مني؛ لما يُمْنى بها من الدماء، أي: يراق، ومنه قوله تعالى: ﴿يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] , وقد امتنى القومُ: إذا أتوا منًى، عن يونس، وقال ابن الأعرابي: أَمْنى القوم (٥).
стр. 1110
وقد جاء في رواية: "وهو يصلِّي بعرفَةَ" (١)، وهو محمول على (٢) أنهما قضيتان (٣).
الرابع: قوله: "ترتع"؛ أي: ترعى، يقال: رتعَتِ الماشيةُ، تَرْتَعُ، رُتُوعًا؛ أي: أكلَتْ ما شاءت، يقال: خرجْنا نَرْتَعُ ونلعب؛ أي: ننعم، ونلهو، وإِبلٌ رِتاعٌ: جمعُ راتِع؛ مثل نائِم ونيام، وقومٌ راتعون، والموضع: مَرْتَع، وأَرْتَعَ إِبلَه، فرَتَعَتْ، وقومٌ مرتعون، وأَرْتَعَ الغيثُ؛ أي: أنبتَ ما ترتع فيه الإبل، ونَرْتتِع -بكسر التاء-: نفتعل في الرعي (٤).
الخامس: فائدةُ قولِ ابن عباس: قد ناهزتُ الاحتلامَ -واللَّه أعلم- التوكيدُ لهذا الحكم، حتى لا يظن أن عدمَ الإنكار سببُه الصِّغر، وعدمُ التمييز.
السادس: قوله: "لغير جدار": المتبادر إلى الذهن أنه ﵊ صلَّى إلى غير سُترة، ويحتمل أن يكون ثمَّ سترةٌ غيرُ الجدار؛ إذ لا يلزم من عدم الجدار عدمُ السترة؛ لأنه لا يلزم من عدم الأخصِّ عدمُ الأعمِّ، وإن (٥) لم تكن ثمَّ سترة.
стр. 1111
والحديث دليلٌ على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، وإن كان (١) ثم سترة، فالاستدلال لا يتم إلا أن يكون الحمار مرَّ بين السترة والإمام؛ لأن الإِمام سترتُه سترةٌ لمن خلفه، على خلافٍ تقدَّم في ذلك.
وبالجملة: فأكثرُ الفقهاء على أنه لا يقطع الصلاةَ شيءٌ يمر بين يدي المصلي، وإن كان (٢) قد جاءت أحاديثُ بعضُها يدل على قطع الصلاة، بالحمار، والمرأة، والكلب، وبعضُها يدل على قطعها بهؤلاء، واليهودِ، والنصارى، والمجوس، والخنزير، واستُضعف هذا (٣).
قال الإِمام أبو عبد اللَّه المازري: اختلف الناس في مرور هؤلاء بين يدي المصلي:
فقال مالك وأكثر الفقهاء: لا يقطعون الصلاة، فإن قيل: إن كان هذا تعلقًا بظاهر قوله: "إِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ" (٤)، ولم يستثنِ، فهذا مقيدٌ يجب أن يُقضى به على المطلق، قيل: وَرَدَ ما يعارض هذا
стр. 1112
التقييد، وهو حديث عائشة في اعتراضها بين يدي النبيُّ ﷺ (١)، وهذا يعارض استثناء (٢) المرأة في الحديث الأول.
وقال ابن حنبل: يقطع الصلاةَ الكلبُ الأسود، وفي قلبي من الحمارِ والمرأةِ شيءٌ.
ووجهُ قوله هذا: ما وقع في التقييد بالأسود في بعضِ طرق مسلم، ولم يوجد ما يعارض هذا، ووجد (٣) التعارضُ عنده فيما سواه، انتهى (٤).
ع: فيكون معنى يقطع -على قول الكافة- مبالغة في الخوف على فسادها بالشغل بهم؛ كما قال للمادح: "قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ" (٥)؛ أي: فعلتَ به فعلًا يُخاف عليه هلاكُه منه؛ كمن قطعَ عنقه، وعند الآخرين: أنه على وَجْهِه من قَطْعِ اتصالها (٦) وفسادِها, ولذلك يقول من الأول (٧): إنه منسوخ. انتهى (٨).
стр. 1113
فإن قلت: ما وجهُ اختصاص الحمار، والمرأة، والكلب بهذا الحكم؟
قلت: أما الكلب: فقد جاء أن الشياطين كثيرًا ما يتصورون في صورة الكلاب (١)؛ ولأن الملائكة لا تحضر موضعَه، وجاء -أيضًا- أن: "الكلب الأسود شيطان" (٢).
وأما الحمار: فقد جاء -أيضًا- من اختصاص الشيطان بالحمار في قصة السفينة وتعلُّقه به، وأن نهاقه عندَ رؤيته.
وأما المرأة: فقد يقال فيها -أيضًا- هذا المعنى؛ لأنها تُقْبِل في صورة شيطان، وتُدْبِر في صورة شيطان، وأنها من مصائد الشيطان وحبائِلِه، ويؤكد هذا التأويل، ويشهد له قوله (٣): "لَا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإِبِلِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ" (٤)، هذا معنى كلام ع، وأكثرُ لفظه.
قال: وقد يقال: إن هذا كلَّه للخبث (٥) والنجاسةِ المختصةِ بالشيطان، فإنه ﵊ قال: "إِنَّهُ خَبِيثٌ مخبثٌ
стр. 1114
رِجْسٌ" (١)، وشَبَّهه (٢) بالكلب، إما لنجاسته عندَ من رأى ذلك، أو لأنه لا يتوقَّاها، والمرأة لأجل (٣) طريان الحيضِ ونجاستهِ عليها، كذا (٤) جاء في حديث ابن عباس: "والحائِض" (٥) مكان "المرأة"، وهو قوله، وقول عطاء في الحائض، خصوصًا في (٦) النساء، ويختص الحمار على هذا؛ لتحريم لحمه، أو شدة كراهته، ونجاسة بوله ورَوْثه.
وقد أشار الطحاوي إلى أن هذا كلَّه منسوخ بأحاديثِ صلاةِ النبي ﷺ إلى أزواجه في قبلته: عائشةَ، وميمونةَ، وأمِّ سلمةَ، ولقوله ﵊: "لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ" (٧)، وبأمرِه ﵊ بِدَرْءِ المارِّ، ولم يخصَّ، ولأن ذلك على الكراهة
стр. 1115
والتغليظ، لا على الفساد للصلاة.
أو يكون "يقطع الصلاة" بمعنى: يقطع الإقبالَ عليها، والشغلَ بها (١)، والشيطانُ بوسوسته ونزغه، والمرأةُ بفتنتها والنظرِ إليها، والكلبُ والحمارُ، بقبحِ أصواتهما، وكثريها، وعلوِّها، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] , وقال: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] الآيةَ، ولنفور النفس من الكلب -لاسيما الأسود-، وكراهةِ لونه، وخوفِ عاديته، والحمار للجاجته، وقلَّة تأتيه (٢) عند دفعه، ومخالفته، واللَّه أعلم (٣).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قولها: "غمزني": الغَمْزُ: يكون باليد، وبالعين، وإن اختلف معناهما.
فمن الأول: قوله: [الوافر]
وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ ... كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] , ومنه: الغَمْزُ بالناس (١). فغمزُه ﵊ لها بيده، ولهذا اعتذرت عن هذا بعدمِ المصابيح، التي كانت تعلم سجوده من قيامه، فلا يحتاج إلى غمزها.
الثاني: الحديث حجة على ما تقدم من أن المرأة لا تقطع الصلاة، ولا تفسد صلاة من صلى إليها.
ع: وكراهة مالك وغيره من العلماء أن تُجعل المرأةُ سُترةً، ذلك لخوف الفتنة بها، والتذكر في الصلاة بها، والشغل بالنظر إليها، والنبي ﷺ بخلاف هذا في ملك إربه، وقطع شهوته، وأيضًا فإن هذا كان في الليل، وحيثُ لا يرى شخصها (٢).
الثالث: فيه: دليل على أن اللمس لغير لذة، أو من فوق الثوب، غيرُ مؤثِّر في الطهارة؛ أعني: أن الحديث يدل على أحد الحكمين؛
стр. 1118
لأنها ذكرت أن البيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، وربما زال الساتر، فيكون وضعُ اليد -مع عدم العلم بوجود الحائل- فيه تعريضُ الصلاة للبطلان، ولم يكن النبي ﷺ ليعرضها لذلك، فلولا أن الحكم والحالة هذه صحة الصلاة، لم يغمزها ﷺ (١).
مسائل (٢): اعلم: أنه لا أثر لمَحْرَم عندنا في نقض الطهارة، ولا صغيرةٍ لا تُشتهى، فإن وجد اللذة، انتقضت طهارتُه اتفاقًا، قصدَها أو لا، فإن قصدَ ولم يجد، فكذلك على المنصوص، وخرج اللخمي من الرفض عدَم النقض، فإن لم يقصد، ولم يجد، فلا نقض، وأما القُبلةُ في الفم، فالمشهور: النقض؛ للزوم اللذة، والحائلُ الخفيفُ كالعدم، وفي الكثيف قولان، واللذة بالنظر لا تنقض على الأصح، وفي الإنعاظِ الكامل قولان؛ بناءً على لزوم المَذْي، أو لا، واللَّه أعلم.
وهذا كله على مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى (٣).
* * *
стр. 1119
باب جامع
الحديث الأول
١٠٦ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" (١).
стр. 1120
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: المراد بالمسجد هنا: الخاصُّ، لا العامُّ، وأعني بالعام: ما جاء في قوله ﵊: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (١)، وهو أوضحُ من أن يحتج له بدليل، وقد تقدم أن (دخل) هنا يتعدى بنفسه إلى كلِّ ظرفِ مكانٍ مختصٍّ، فالمسجدُ (٢) على هذا مفعولٌ به، لا ظرف، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] الآيةَ.
الثاني: يخرج من هذا العموم: المسجد الحرام؛ فإنه يبدأ فيه بالطواف، لا بالركوع؛ لأن الطواف تحيتُه؛ كما أن تحيةَ غيره من المساجد الركوع، وذلك لأمرين: منقول، ومعقول.
أما المنقول: فلأن النبي ﷺ حين (٣) دخل المسجدَ في حجته، ابتدأ بالطواف، واستمر عليه العمل، وهو أخصُّ من هذا العموم.
стр. 1121
قال الباجي (١): وهو الأكثرُ من مذاهب الخاصة والعامة، واحتج يقول اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] , وبقوله ﵊: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ".
وذكر في (٢) رواية ابن وهب عن مالك في صفة السلام على القبر، يقول: السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ اللَّه.
ع (٣): وعندي: أنه يدعو للنبي ﷺ بلفظ الصلاة، وعلى أبي بكر (٤) وعمر؛ كما تقدم من الخلاف فيه.
ووجدت لابن وهب عن مالك: أنه يدن فيسلم، ولا يمس القبرَ بيده (٥).
قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهذا الذي حكاه الباجي هو رواية ابن وهب في "المختصر الكبير"، قال: سُئل مالكُ من أين يقف من أراد التسليم على النبي ﷺ من القبر؟ قال: عند الزاوية التي تلي القبلة، مما يلي المنبر، يستقبل القبلة، ولا أحبُّ أن يمسَّ القبرَ بيده (٦).
стр. 1122
واختلف قوله: هل يدعو عند القبر، أو لا؟
فقال في "المبسوط": لا أرى أن يقف عنده يدعو، ولكن يسلم، ويمضي.
قال الباجي: وروى عنه ابن وهب: أنه يدعو مستقبلَ القبر، ولا يدعو وظهرُه إلى القبر (١).
الرابع: إذا دخل المسجد في وقتِ نَهْي عن التنفُّل؛ كما بعد الصبح، وبعد العصر، لم يركع، فهذا قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: يركع.
ومنشأ الخلاف: تعارضُ هذا الحديث -أعني: حديث تحية المسجد، - مع حديث: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ" (٢).
ووجه التعارض: أن حديث تحية المسجد مطلَق، لا تخصيص (٣) فيه بوقت دون وقت، وحديث: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ" لا تخصيصَ فيه، لا لمن يدخل المسجد، ولا لغيره، فكلُّ حديث عامٌّ من وجه، خاصٌّ من وجه.
فرأى الشافعي رحمه اللَّه تعالى تخصيصَ النهي بعد الصلاتين بما إذا لم يوجد سببٌ خاص للركوع، وشبه ما له سببٌ من النوافل بالفرائض، ولا خلافَ أن الفرائض المنسيةَ تُصَلَّى في الوقتين المذكورين،
стр. 1123
ولكنه عندنا تشبيهٌ ضعيف؛ لبعدِ ما بين النوافل والفرائض؛ إذ الضرورةُ تلجىء إلى إيقاعِ الفرائضِ، وَلا ضَرورةَ في النوافل.
ورأى مالك، وأبو حنيفة تخصيصَ الأمر بتحية المسجد بما عدا الوقتين المذكورين، وهو الصحيح؛ لأنه قد فُهمت علة النهي، وهو التشبيه بمن يصلِّي للشمس عندَ طلوعها، وعندَ غروبها، وإذا ثبتت هذه الكراهة، فقد تعارض في التنفل بتحية المسجد في هذين الوقتين كراهةٌ وندبٌ، وإذا لزم من فعل مندوب فعلُ مكروه، كان تركُ المندوب أولى، وكان الندبُ المذكور مختصا بما إذا لم يلزم منه فعلُ مكروه، وكان حالة الكراهة لا ندب، فيه واللَّه أعلم.
الخامس: إذا ركع الفجرَ في بيته، ثم دخل المسجدَ قبل صلاة الصبح، فهل يركع، أو لا؟
روى أشهب عن مالك: أنه يركع.
وروى عنه ابن القاسم: أنه لا يركع.
قال صاحب "البيان والتقريب": والذي رواه ابن القاسم هو الجاري على الفقه؛ لأن التنفل بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح بغير ركعتي الفجر، مكروهٌ، ووجهُ (١) رواية أشهب: أن كراهة التنفل في هذا الوقت أخفُّ، وأنها معللة بخوف تأخيرِ صلاة الصبح عن أول الوقت، وفي مسألتنا لزم التأخيرُ لغيبة الإِمام مثلًا، أو لغير ذلك، فلا وجه لترك تحية المسجد، مع أن الصبح لابدَّ من تأخيرها، ويعتضد هذا: بأنه قد
стр. 1124
أُبيح التنفل بعدَ الفجر، وقبلَ الصبح لمن فاته حزبُه من الليل.
السادس: إذا صلى الداخل تحيةَ المسجد، ثم طرأت له حاجة، فخرج إليها، ثم رجع، فإن قرب ذلك، فلا ركوعَ عليه.
وفي "التبصرة" لأبي مصعب -فيمن أكثر اختلافه لحوائجه-: أنه يجزئه ركوعُه الأول، وهو في تفريع ابن الجلَّاب، وهذا يشبه المختلفين إلى مكة بالفواكه وغيرها؛ فإنه يجوز لهم دخولُ مكة بغير إحرام، ويشبه من دخلَ المسجدَ يوم الجمعة، وقد اغتسلَ لها، ثم خرج لحاجة، فقد قال مالك: إن كان قريبًا، لم يُعِدْ غسلَه، وإن تطاول، أعادَ.
السابع: لا فرق بين مسجد الجمعة والخطبة، وغيره من المساجد في الأمر بتحية المسجد؛ لاشتراك المساجد كلِّها في الحرمة؛ كما مُنع الجنبُ من جميع المساجد، فإن (١) كان الإِمام على المنبر يومَ الجمعة، لم يصل هذا الداخلُ حينئذ تحيةَ المسجد، هذا المشهور من (٢) مذهبنا؛ خلافًا للشافعي، ومَنْ يقول بقوله.
الثامن: مذهبُ العلماء قاطبةً: عدمُ وجوب هاتين الركعتين، إلا ما حُكي (٣) عن داود وأصحابه من وجوبهما؛ تمسكًا بورود هذا الحديث، وصيغةِ النهي عن الجلوس قبل الركوع، وورودهِ في الرواية الأخرى بصيغة الأمر، وظاهرُ الأمر الوجوب، وظاهرُ النهي التحريم،
стр. 1125
فلا يخرجان عن مدلولهما إلا بدليل.
واستدل القاضي أبو الوليد الباجي من أصحابنا بحديث الأعرابي المشهور، الذي قال فيه: هل عليَّ غيرها, لما ذكره من الصلوات الخمس، قال؛ "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" (١).
قال صاحب "البيان والتقريب": ويدل عليه -أيضًا- حديثُ عبادةَ ابن الصامت ﵁، وهو قوله: ﵊: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ" (٢)؛ فقد فهم منه عُبادة ﵁ أنْ ليس من الصلوات واجبٌ غيرُها، وكذلك قولُه: كذب من زعم أن الوتر واجب، واستدل بالحديث.
قلت: ولم يعارض هذا الدليل سوى صلاة الجنازة؛ فإنها واجبة، وإن كان وجوبها على الكفاية، وليست من الصلوات الخمس، فيحتمل أن يكون للمخالف في تحية المسجد متمسَّكٌ بذلك، واللَّه أعلم.
التاسع: لو صلَّى فريضة، أو ركعتي الفجر، ونحوَ ذلك، ناب ذلك عن تحية المسجد، إذ المعنى في التحية إنما هو الميزُ بين المساجد والبيوت، وهو أن يفتتح دخول المسجد بصلاة ما؛ سنة