قال الباجي (١): وهو الأكثرُ من مذاهب الخاصة والعامة، واحتج يقول اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] , وبقوله ﵊: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ".
وذكر في (٢) رواية ابن وهب عن مالك في صفة السلام على القبر، يقول: السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ اللَّه.
ع (٣): وعندي: أنه يدعو للنبي ﷺ بلفظ الصلاة، وعلى أبي بكر (٤) وعمر؛ كما تقدم من الخلاف فيه.
ووجدت لابن وهب عن مالك: أنه يدن فيسلم، ولا يمس القبرَ بيده (٥).
قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهذا الذي حكاه الباجي هو رواية ابن وهب في "المختصر الكبير"، قال: سُئل مالكُ من أين يقف من أراد التسليم على النبي ﷺ من القبر؟ قال: عند الزاوية التي تلي القبلة، مما يلي المنبر، يستقبل القبلة، ولا أحبُّ أن يمسَّ القبرَ بيده (٦).
стр. 1122
واختلف قوله: هل يدعو عند القبر، أو لا؟
فقال في "المبسوط": لا أرى أن يقف عنده يدعو، ولكن يسلم، ويمضي.
قال الباجي: وروى عنه ابن وهب: أنه يدعو مستقبلَ القبر، ولا يدعو وظهرُه إلى القبر (١).
الرابع: إذا دخل المسجد في وقتِ نَهْي عن التنفُّل؛ كما بعد الصبح، وبعد العصر، لم يركع، فهذا قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: يركع.
ومنشأ الخلاف: تعارضُ هذا الحديث -أعني: حديث تحية المسجد، - مع حديث: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ" (٢).
ووجه التعارض: أن حديث تحية المسجد مطلَق، لا تخصيص (٣) فيه بوقت دون وقت، وحديث: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ" لا تخصيصَ فيه، لا لمن يدخل المسجد، ولا لغيره، فكلُّ حديث عامٌّ من وجه، خاصٌّ من وجه.
فرأى الشافعي رحمه اللَّه تعالى تخصيصَ النهي بعد الصلاتين بما إذا لم يوجد سببٌ خاص للركوع، وشبه ما له سببٌ من النوافل بالفرائض، ولا خلافَ أن الفرائض المنسيةَ تُصَلَّى في الوقتين المذكورين،
стр. 1123
ولكنه عندنا تشبيهٌ ضعيف؛ لبعدِ ما بين النوافل والفرائض؛ إذ الضرورةُ تلجىء إلى إيقاعِ الفرائضِ، وَلا ضَرورةَ في النوافل.
ورأى مالك، وأبو حنيفة تخصيصَ الأمر بتحية المسجد بما عدا الوقتين المذكورين، وهو الصحيح؛ لأنه قد فُهمت علة النهي، وهو التشبيه بمن يصلِّي للشمس عندَ طلوعها، وعندَ غروبها، وإذا ثبتت هذه الكراهة، فقد تعارض في التنفل بتحية المسجد في هذين الوقتين كراهةٌ وندبٌ، وإذا لزم من فعل مندوب فعلُ مكروه، كان تركُ المندوب أولى، وكان الندبُ المذكور مختصا بما إذا لم يلزم منه فعلُ مكروه، وكان حالة الكراهة لا ندب، فيه واللَّه أعلم.
الخامس: إذا ركع الفجرَ في بيته، ثم دخل المسجدَ قبل صلاة الصبح، فهل يركع، أو لا؟
روى أشهب عن مالك: أنه يركع.
وروى عنه ابن القاسم: أنه لا يركع.
قال صاحب "البيان والتقريب": والذي رواه ابن القاسم هو الجاري على الفقه؛ لأن التنفل بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح بغير ركعتي الفجر، مكروهٌ، ووجهُ (١) رواية أشهب: أن كراهة التنفل في هذا الوقت أخفُّ، وأنها معللة بخوف تأخيرِ صلاة الصبح عن أول الوقت، وفي مسألتنا لزم التأخيرُ لغيبة الإِمام مثلًا، أو لغير ذلك، فلا وجه لترك تحية المسجد، مع أن الصبح لابدَّ من تأخيرها، ويعتضد هذا: بأنه قد
стр. 1124
أُبيح التنفل بعدَ الفجر، وقبلَ الصبح لمن فاته حزبُه من الليل.
السادس: إذا صلى الداخل تحيةَ المسجد، ثم طرأت له حاجة، فخرج إليها، ثم رجع، فإن قرب ذلك، فلا ركوعَ عليه.
وفي "التبصرة" لأبي مصعب -فيمن أكثر اختلافه لحوائجه-: أنه يجزئه ركوعُه الأول، وهو في تفريع ابن الجلَّاب، وهذا يشبه المختلفين إلى مكة بالفواكه وغيرها؛ فإنه يجوز لهم دخولُ مكة بغير إحرام، ويشبه من دخلَ المسجدَ يوم الجمعة، وقد اغتسلَ لها، ثم خرج لحاجة، فقد قال مالك: إن كان قريبًا، لم يُعِدْ غسلَه، وإن تطاول، أعادَ.
السابع: لا فرق بين مسجد الجمعة والخطبة، وغيره من المساجد في الأمر بتحية المسجد؛ لاشتراك المساجد كلِّها في الحرمة؛ كما مُنع الجنبُ من جميع المساجد، فإن (١) كان الإِمام على المنبر يومَ الجمعة، لم يصل هذا الداخلُ حينئذ تحيةَ المسجد، هذا المشهور من (٢) مذهبنا؛ خلافًا للشافعي، ومَنْ يقول بقوله.
الثامن: مذهبُ العلماء قاطبةً: عدمُ وجوب هاتين الركعتين، إلا ما حُكي (٣) عن داود وأصحابه من وجوبهما؛ تمسكًا بورود هذا الحديث، وصيغةِ النهي عن الجلوس قبل الركوع، وورودهِ في الرواية الأخرى بصيغة الأمر، وظاهرُ الأمر الوجوب، وظاهرُ النهي التحريم،
стр. 1125
فلا يخرجان عن مدلولهما إلا بدليل.
واستدل القاضي أبو الوليد الباجي من أصحابنا بحديث الأعرابي المشهور، الذي قال فيه: هل عليَّ غيرها, لما ذكره من الصلوات الخمس، قال؛ "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" (١).
قال صاحب "البيان والتقريب": ويدل عليه -أيضًا- حديثُ عبادةَ ابن الصامت ﵁، وهو قوله: ﵊: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ" (٢)؛ فقد فهم منه عُبادة ﵁ أنْ ليس من الصلوات واجبٌ غيرُها، وكذلك قولُه: كذب من زعم أن الوتر واجب، واستدل بالحديث.
قلت: ولم يعارض هذا الدليل سوى صلاة الجنازة؛ فإنها واجبة، وإن كان وجوبها على الكفاية، وليست من الصلوات الخمس، فيحتمل أن يكون للمخالف في تحية المسجد متمسَّكٌ بذلك، واللَّه أعلم.
التاسع: لو صلَّى فريضة، أو ركعتي الفجر، ونحوَ ذلك، ناب ذلك عن تحية المسجد، إذ المعنى في التحية إنما هو الميزُ بين المساجد والبيوت، وهو أن يفتتح دخول المسجد بصلاة ما؛ سنة
стр. 1126
كانت، أو فريضة، واللَّه أعلم.
العاشر: قال صاحب "البيان والتقريب": يجوز الاجتيازُ بالمسجد وبخرقه من غير حاجة له في المسجد، وقد كان مالكٌ يفعلهُ، قال: وكذلك الجامعُ بمصرَ عندنا يعسرُ على الإنسان أن يدور من خلفه، فيدخل من باب، ويخرج من آخر، ويكون ذلك تخفيفًا على الناس، كما جاز أن يبيت الغريبُ في مساجد القرى، وقد كانوا يبيتون في مسجد الرسول ﵊، وينامون فيه بالنهار؛ كما ذكرنا عن ابن عمر، وقد روى البخاري عن سهل بن سعد: أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ اضطجع في المسجد، وجاءه النبي ﷺ ، فجعل يمسح التراب عنه، ويقول: "قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ" (١).
قلت: وظاهر الحديث -أعني: حديث تحية المسجد، لا يتناول من مَرَّ مجتازًا؛ إذ النهي إنما يتناولُ جلوسًا قبل الركوع، والمجتازُ لم يجلس، وكذلك الأمرُ إنما توجَّه بركوع قبل جلوس، فإذا انتفيا معًا، لم يخالف الأمر.
ولذلك -واللَّه أعلم- خففه مالك، وذكر عن زيد بن ثابت، وسالم ابن عبد اللَّه: أنهما كانا يخرقان المسجد لحاجتهما, ولا يركعان.
قال مالك: وبلغني أن زيدًا كره أن يمر فيه ولا يركع.
стр. 1127
وقال مالك: أرى ذلك واسعًا.
قال ابن القاسم: ورأيته (١) لا يُعجبه ما ذكره زيدٌ من ذلك، ورأيتُ مالكًا يفعلُ ذلِكَ، يخرقه مجتازًا، ولا يركع (٢).
وهذا كله ما لم يكن المجتاز جُنبًا، فإن كان جنبًا، ففي المذهب فيه خلاف يأتي، واللَّه أعلم.
* * *
* التعريف:
زَيْدُ بنُ أَرقمَ بنِ النعمانِ بنِ مالكٍ الأَغَرِّ (١) -بالغين المعجمة والراء المهملة- بنِ ثعلبةَ بنِ كعبِ بنِ الخزرج، الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، من بني الحارث بن الخزرج.
اختُلف في كنيته، فقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو أُنيسة، بضم الهمزة وفتح النون.
كان يتيمًا في حجر عبدِ اللَّهِ بنِ رواحة.
وهو الذي رفع إلى رسول اللَّه ﷺ عن عبد اللَّه بنِ أُبَيِّ ابنِ سلولَ قوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فأكذَبه عبدُ اللَّه بنُ أبي، وحلف، فأنزل اللَّه -تعالى- تصديقَ زيد بن أرقمَ، فبادر أبو بكر وعمر إلى زيدٍ ليبشراه، فسبق أبو بكر، فأقسمَ عمرُ لا يبادرُه بعدها إلى شيء، وجاء النبيُّ ﷺ ، فأخذ (٢) بأذنِ زيد، وقال: "وَفَتْ أُذُنُكَ يَا غُلَامُ" (٣).
стр. 1130
قيل: كان ذلك في غزوة بني المصطلق، وقيل: في تبوك.
رُوي عن زيد بن أرقم: أنه قال: غزوتُ مع رسول اللَّه ﷺ سبعَ عشرةَ غزوةً، روي ذلك عنه من طرق عديدة، وقال في بعضها: وفاتني معه غَزاتان (١).
نزل الكوفة، وسكنها، وبنى بها دارًا في كِنْدَةَ، وهو معدود في الكوفيين، وشهد مع عليٍّ صِفِّينَ، وهو معدود في خاصة أصحابه.
وتوفي بالكوفة سنة ثمان وستين، وتوفي معه في هذه السنة عبدُ اللَّه ابنُ عمرِو بنِ العاص، وزيدُ بنُ خالدٍ الجهنيُّ، ﵃ أجمعين (٢).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: هذا الحديث مصرِّحٌ بنسخ الكلام في الصلاة، وقد وردت في ذلك أحاديثُ، منها: حديثُ ابن مسعود، قال: كنت أُسَلِّم على النبيِّ ﷺ وهو يصلِّي، فأسلِّمُ عليه، فيردُّ عليَّ السلام، فأتيته بعد
стр. 1131
ذلك فسلمتُ عليه، فلم يردَّ عليَّ، فما صلَّى صلاةً كان أعظمَ عليَّ منها، فلما سلَّم، أشار بيده إلى القوم، فقال: "إِنَّ اللَّه أَحْدَثَ في الصَّلَاةِ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِيهَا (١) إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ"، رُوي من طرق، وفي بعضها: كنا نسلِّم على النبي ﷺ ، فيرد علينا السلام، حتى قدمنا من أرض الحبشة، فسلَّمْتُ عليه، فلم يردَّ عليَّ، فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فجلستُ حتى قضى الصلاة، قال: "إِنَّ اللَّه يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لا تَتَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ" (٢).
الثاني: روينا عن الإِمام أبي بكر الحازمي في كتابه المسمى بـ "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" وهو من أَجَلِّ ما صُنِّفَ فيه، قال: الكلامُ في هذا الباب يجري في فصلين:
أحدهما: المنعُ من الكلام؛ سهوِه، وعمدِه.
والثاني: اختصاصُ المنع بالعمدِ دونَ السهو.
أما الفصل الأول: فقد اتفق أهل العلم قاطبةً على أن مَنْ تكلم عامدًا، وهو لا يريد تعليمَ أحد، ولا إصلاحَ شيء: أن صلاته باطلة، وذهبوا إلى (٣) الأحاديث التي ذكرناها آنفًا.
وأما الفصل الثاني: فقد اختلف أهل العلم في المصلي يسلِّم (٤)
стр. 1132
في صلاته ساهيًا، قبل أن يتم صلاته، فذهبت طائفة: إلى أنه إذا تكلم ساهيًا، استأنف صلاته، وإليه ذهب قَتادةُ من البصريين، وإبراهيمُ النخعيُّ، وحمادُ بنُ سليمان، وأبو حنيفة، وأهلُ الكوفة، وتمسَّكوا بظاهر حديث ابن مسعود؛ لأنه مطلق، فتناولَ حالتي العَمْد والسَّهْو.
وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: يبني على صلاته، ولا إعادةَ عليه، وروي ذلك عن عبد اللَّه بن مسعود، وبه قال عروةُ بنُ الزبير، وعطاءٌ، والحسنُ البصريُّ، وعمرُو بنُ دينار، والثوريُّ، ونفرٌ من أهل الكوفة، والشافعيُّ وأصحابُه، وأحمدُ، وإسحاق، وأكثرُ أهل الحجاز والشام، وذهبوا في ذلك إلى حديث أبي هريرة، يعني: حديثَ ذي اليدين، ورأوه ناسخًا للسهو، وفي حديث ابن مسعود: دونَ العمد؛ لأنه آخرُ الحديثين، وذكر حديث ذي اليدين من طريقين:
أحدهما: عن أبي هريرة.
والآخر: عن عمران بن حصين: أنه سلم في ثلاث ركعات من العصر، ثم ذكر بعد ذلك، بسنده للشافعي، قال: إنما نهى رسولُ اللَّه ﷺ عن الكلام في الصلاة في العَمْد، وهذا الحديث بمكة؛ يعني: حديث ابن مسعود، وحديث ذي اليدين بالمدينة، فهو ناسخ (١).
قلت: وهذا مذهبنا -أيضًا-: أنه إذا تكلم ساهيًا، بني على
стр. 1133
صلاته، وسجد لسهوه؛ كما تقدم في باب السهو.
ق: هذا اللفظ أحدُ ما يُستدل به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي لتقدم أحد الحكمين على الآخر، وهذا لا شك فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ، من غير بيان التاريخ (١)؛ فإن ذلك قد ذكروا فيه: أنه لا يكون دليلًا؛ لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن (٢) طريق اجتهادي، واللَّه أعلم (٣).
الثاني: قال الإِمام أبو بكر السجستاني ثم العُزَيري (٤): قانتون: مطيعون، وقيل: مُقِرُّون بالعبودية، والقنوت على وجوه: الطاعة، والقيام في الصلاة، والدعاء، والصمت (٥).
ع: وقيل: أصلُه الدوام على الشيء، وإذا كان هذا أصله، فمديمُ الطاعة قانتٌ، وكذلك الداعي، والقائمُ في الصلاة، والمخلصُ فيها، والساكتُ فيها، كلُّهم فاعلون القنوت (٦).
стр. 1134
وهذه إشارة لما ذكرناه من استعماله لمعنى مشترك (١)، وهذه طريقة المتأخرين من أهل العصر، وما قاربه، يقصدون به: دفع الاشتراك والمجاز عن موضع اللفظ، فلا (٢) بأس بها، إن لم يدل دليل على أن اللفظ (٣) حقيقة في معنى معين، فيستعمل حيثُ لا يقوم دليل على ذلك.
قال: ولفظُ الراوي يُشعر بأن المراد بالقنوت في الآية: السكوت؛ كما دل عليه لفظ (حتى) التي للغاية، و (الفاء) التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها.
وقد قيل: إن القنوت في الآية: الطاعة، وفي كلام بعضهم ما يُشعر بحمله على الدعاء المعروف، حتى جعل (٤) ذلك دليلًا على أن الصلاة الوسطى هي الصبح من حيث قرنها بالقنوت.
والأرجحُ من هذا كلِّه: حملُه على ما أشعرَ به كلامُ الراوي؛ فإن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمون سبب (٥) النزول، والقرائنَ المحتفَّةَ به؛ مما يرشدهم إلى تعيين المحتمَلات، وبيانِ المجمَلات، فهم في ذلك كالناقلين للفط يدل على التعليل والسبب، وقد قالوا: إن قول الصحابي في الآية: نزلت في كذا، يتنزل منزلةَ المسند (٦).
стр. 1135
الثالث: قوله: "فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام": انظر ما فائدة قوله: "ونُهينا عن الكلام"، بعد قوله: "فأُمرنا بالسكوت"، فإنه كافٍ في تحريم التلفُّظ في الصلاة بغير قراءتها وأذكارها؛ أعني: قوله: "فأمرنا بالسكوت"، وقوله: "ونُهينا عن الكلام" لا يَقتضي تحريمَ التلفظ بما لا يصدق عليه كلامٌ من المفردات الإسمية، والأفعال المجردة عن الضمائر، والحروف والأصوات، وإنما تقتضي تحريمَ ما يصدُقُ عليه كلامٌ خاصة.
وقد اختلف الفقهاء في أشياءَ هل تُبطل الصلاةَ أو لا؛ كالنفخ، والتنحنحِ لغير علَّة، وحاجة، وكالبكاء؟
ق: والذي يقتضيه القياس: أن ما يسمى كلامًا، فهو منهيٌّ عنه، وما لا يسمى كلامًا، فمن أراد إلحاقَه به، كان ذلك بطريق القياس، فليراعِ شرطَه في مساواة الفرعِ الأصلَ (١).
قلت: وقولُ أصحابنا: إن النفخ في الصلاة كالكلام، فيه نظر، فإنه قد صحَّ عن النبي ﷺ : أنه نفخَ في صلاة الكسوف (٢)، ولا قائلَ بالفرق بينَ الكسوف وغيرِها في الإبطال بالكلام، واللَّه أعلم.
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: ظاهرُ قول مالك، أو (١) نصُّه: أن الإبراد: تأخيرُ الظهر إلى أن يكون الفيءُ ذراعًا، وسَوَّى في ذلك بين الصيف والشتاء، فقال: أحبُّ إليَّ أن تُصلَّى الظهرُ في الصيف والشتاء، والفيء ذراعٌ (٢).
وعزاق للمالكية: أن الإبراد: أن تؤخَّر الظهرُ في الحرِّ إلى أن يصير الفيء أكثرَ من ذراع، وهذا مخالف لقول مالك في شيئين: الأكثرية، وتخصيص الحرِّ دون الشتاء، فلينظر ذلك.
ونقل عن بعض مصنفي الشافعية: أن الإبراد: أن تؤخَّر الصلاةُ عن أول الوقت مقدارَ ما يظهر للحيطان ظِلٌّ، ولا يُحتاج إلى المشي في الشمس (٣) انتهى كلامه.
تنبيه: مفهومُ الحديث يقتضي اختصاصَ الإبراد بشدة الحر، فلا
стр. 1138
يكون الإبرادُ في العصر؛ خلافًا لأشهب من أصحاب مالك، بل يختص بالظهر، وبذلك قال عامة العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-، بل أقول: إن مفهوم الحديث: عدمُ الإبراد في الشتاء، والأيام غيرِ الشديدةِ الحرِّ مطلقًا، ظهرًا كان، أو عصرًا.
واختلف في الجمعة، هل هي كالظهر في الإبراد، أم لا؟ والمشهور عندنا: عدمُ الإبراد.
قال ابن حبيب من أصحابنا: سنتها أن تصلَّى في الصيف والشتاء أولَ الوقت؛ حين تزول الشمس، أو بعد أن تزول بقليل، قال: وكذلك قال مالك (١).
وعند الشافعية -أيضًا- وجهان.
ق: وقد يؤخذ من الحديث: الإبرادُ بها من وجهين:
أحدهما: لفظة الصلاة، فإنها تنطلق على الظهر، والجمعة (٢).
والثاني: التعليل؛ فإنه مُسْتَمِرٌّ فيها.
قلت: وهذا صحيح.
ثم قال: وقد وجه القول بأنه لا يبرد بها: بأن التبكير سنةٌ فيها، وجواب هذا ما تقدَّم، وبأنه قد يحصل التأذي بِحَرِّ المسجد عند انتظار الإمام (٣).
стр. 1139
الثاني: قد تقدم الكلام على الجمع بين هذا الحديث وحديث جابر بن عبد اللَّه الذي فيه: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي الظهرَ بالهاجرة، بما يغني عن الإعادة، فلينظره هناك من أراده، بعد أن يعلم أن الصحيح: استحبابُ الإبراد، وبه قال جمهور العلماء، وهو مذهبنا، كما تقدم.
ح: وهو المنصوص للشافعي، وبه قال جمهور أصحابه (١)؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه المشتملة على فعلِه، والأمرِ به في مواطنَ كثيرة، ومن جهة جماعةٍ من الصحابة ﵃ (٢).
الثالث: قوله ﵊: "فأبردوا عن الصلاة"، وفي الرواية الأخرى: "فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ" (٣)، هما بمعنى واحد؛ لأن (الباء) و (عن) تُستعمل إحداهما مكان الأخرى. قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]؛ أي: عنه خبيرًا (٤)، ويقال: رميتُ عن القوس؛ أي: بها.
الرابع: "فَيْح جهنم": سُطوع حرها، وانتشارها، وغليانها -أعاذنا اللَّه منها بمنِّه وكرمه-، ويقال: فَيْح، وفَوْح، كما يقال في الفعل: فاحَتْ ريحُ المِسْكِ، تَفوحُ، وتَفيح، ويقال -أيضًا-: فَوْحًا، وفَوَحانًا، وفَيَحانًا.
стр. 1140
قال الجوهري: يقال: فاحَ الطيبُ: إذا تَضَوَّعَ، ولا يقال: فاحَتْ ريحٌ خبيثةٌ (١).
فانظر: هل في الحديث ما يردُّ قولَه، أم لا؟
الخامس: جَهَنَّمُ مأخوذ من قول العرب: بئرٌ جهنَّام: إذا كانت بعيدةَ القَعْر، وهذا الاسم أصلُه للطبقة (٢) العليا، ويُستعمل في غيرها.
وفي الحديث ما يدلُّ على أن النار مخلوقةٌ الآن، وهو مذهب أهل السنة.
وفي الحديث الآخر الصحيح: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنٍ؛ نَفَسٍ في الشِّتاءِ، وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ" (٣) ما يدل على ذلك أيضًا.
وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال بعضهم:
هو على ظاهره، واشتكتْ حقيقةٌ، وشدةُ الحرِّ من وهجها وفَيْحِها، وجعل اللَّه فيها إدراكًا وتمييزًا بحيث تكلمتْ بهذا.
وقيل: ليس على ظاهره، ولكنه على وجه التشبيه والاستعارة
стр. 1141
والتقريب، تقديره: إن شدة الحر تشُبه حرَّ نار جهنم، فاحذَروه، واجتنبوا ضررَه.
والأولُ أظهر، وهو ظاهرُ الحديث، ولا مانعَ من حمله على حقيقته، فوجب الحكمُ بأنه على ظاهره، واللَّه أعلم (١).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: النسيان -بكسر النون-: خلاف الذِّكْر والحِفْظ، ورجلٌ نَسيان -بفتح النون-: كثيرُ النِّسيان للشيء، والنِّسْيان -أيضًا-: التَّرْكُ، قال اللَّه تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] (١).
الثاني: فيه: وجوبُ قضاء ما فاتَ وقتُه من الصلوات المفروضة بنسيان أو توهُّم (٢)، هذا منطوق الحديث (٣) إجماعًا، إلا أنه يجب قضاءُ ما فات وقتُه بغير عذر؛ كالعَمْد من باب أَوْلى، وكأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا وجب قضاءُ ما ترك لعذر، فلأَنْ يجبَ ما تُرك عمدًا أَوْلى وأَحْرى.
وقد شذَّ بعضُ أهل الظاهر، وقال: لا يجبُ قضاءُ الفائتة بغير
стр. 1144
عذر، وزعمَ أنها أعظمُ من أن يخرج من وَبال معصيتِها بالقضاء.
ح: وهذا خطأ وجهالة من قائله (١).
قلت: وليتأمل الفرق بين هذه المسألة، ومسألة اليمين الغموس؛ فإنهم قالوا: لا كفارةَ فيها، وإثْمُها أعظمُ من أن تُكَفَّر، وكذلك مَنْ تركَ سنةً من الصلاة متعمِّدًا على القول بعد (٢) السجود.
الثالث: ق: اللفظ يقتضي تَوَجُّهَ الأمر بقضائها عندَ ذكرها؛ لأنه جعلَ الذكرَ ظرفًا للمأمور به (٣)، فيتعلَّق الأمرُ بالفعل فيه.
وقد قسم الأمرُ فيه عند بعض الفقهاء بينَ ما ترك عمدًا، فيجب القضاء فيه على الفور، وقطعَ به بعضُ مصنفي الشافعية.
وبينَ ما تُرك بنومٍ أو نسيان؛ فيستحب قضاؤه على الفور، ولا يجب.
واستدل على عدم وجوبه على الفور في هذه الحالة: بأن النبي ﷺ لما استيقظ بعدَ فواتِ الصلاة بالنوم، أَخَّر قضاءها، واقتادوا رواحِلَهم حتى خرجوا من الوادي، وذلك دليل على جواز التأخير، وهذا يتوقف على أن لا يكون ثمَّ مانعٌ من المبادرة، وقد قيل: إن المانع أن الشمس كانت طالعة (٤)، فأخَّر القضاء حتى ترتفع، بناء على مذهب (٥) مَنْ يمنع
стр. 1145
القضاء في هذا الوقت.
وردَّ ذلك بأنها كانت صبح ذلك اليوم، وأبو حنيفة يجيزها في هذا الوقت (١)، وبأنه جاء في الحديث: "فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ" (٢)، وذلك بالارتفاع.
وقد يعتقد مانع آخر، وهو ما دل عليه الحديث من أن الوادي به شيطان، وأخَّر ذلك للخروج عنه، ولا شك أن هذا علةٌ للتأخير والخروج كما دل عليه الحديث، ولكن هل يكون ذلك مانعًا على تقدير أن يكون الواجبُ المبادرةَ؟
في هذا نظر، ولا يمتنع أن يكون مانعًا على تقدير جواز التأخير (٣).
الرابع: اختُلف فيمن ذكر صلاة منسية في وقتية يجب ترتيبُها معها، هل تفسد الوقتيةُ بذلك، أم لا؟
قولان لأصحابنا، وظاهر هذا الحديث قد يدل لقول من قالَ بالقطع، وهو قوله: "فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَهَا"، ووجهُ الدليل منه: أنه يقتضي الأمر (٤) بالقضاء عندَ الذكر، ومن صورة (٥) ذلك قطعُ ما هو فيه، ومن أرادَ خروج شيء من ذلك، فعليه أن يبين مانعًا من إعمال
стр. 1146
اللفظ في الصورة التي يريد أن يخرجها.
وإن كان منشأ الخلاف عندنا: هل الترتيبُ شرطٌ أم لا؟
قالوا: وهو مأمور على المذهبين بأن يقطع، ويبتدىء الفائتة، ثم يشتغل بالمؤداة إن كان منفردًا، وَلم يعقد ركعة، وقيل: يتمها ركعتين نافلةً؛ كما لو عقدَ الركعةَ. وإن كان إمامًا، أمر أن يقطع.
وهل يسري ذلك لصلاة المأمومين؟
روى ابن القاسم أنه يسري، فلا يستخلف.
وروى أشهب: أنه لا يسري، فيستخلف من يُتِمُّ بهم، وتصحُّ صلاتهم.
وسبب الخلاف: مراعاة الخلاف، وإن كان مأمومًا، تمادى مع إمامه، ولم يقطع.
ثم اختُلف في وجوب الإعادة عليه، ولو كان في الجمعة.
فقال أشهب: إن علم أنه يدرك ركعةً من الجمعة بعدَ قضاء المنسية، فأحبُّ إليَّ أن يقطعَ، ويقضيَ، ثم يعود إلى الجمعة، وإن لم يعلم ذلك، تمادى، فإذا أكملَ الجمعةَ، صلَّى المنسيةَ خاصة، ولا إعادة عليه في الجمعة إلا احتياطًا؛ لأنها قد فاتت.
وقال الشيخ أبو الحسن: مذهبُ مالك: اتباعُ الإمام، فإذا فرغَ، صلَّى التي نسيَ، وأعاد الجمعة ظهرًا.
قال ابن القاسم: وإن لم يذكر التي نسي حتى فرغَ من الجمعة،
стр. 1147
لم تكن عليه إعادتُها.
قال سحنون: آخرُ قوله: أنه يعيدها في الوقت، وعليه أكثر الرواة، ولو ذكرها بعد الصلاة الوقتية، صلى المنسيةَ، ثم أعاد الوقتيةَ ما لم يذهب وقتُها (١).
وهل الاختياري أو الضروري؟ فيه قولان، سببهما: الموازنة (٢) بين فضيلة الترتيب، وكراهية إيقاع الصلاة بعد الاصفرار، فعلى هذه (٣) التفاصيل لا يستمر الاستدلال بهذا الحديث مطلقًا لنا. واللَّه أعلم.
وقد تقدم خلافُ الأصوليين في أن القضاء هل هو (٤) بأمرٍ جديد، أو بالخطاب المتقدم؟ مستوفًى باب الحيض بما يغني عن الإعادة.
الخامس: قوله ﵊: "لا كفارة لها إلا ذلك".
ق: يحتمل أن يراد به: نفيُ الكفارة المالية كما وقع في أُمور أُخَر، وأنه لا يكتفى فيها إلا بالإتيان بها.
ويحتمل أن يراد (٥) به: أنه لا بدلَ لقضائها؛ كما يقع الإبدال في بعض الكفارات.
стр. 1148
ويحتمل أن يراد: لا يكفي فيها مجردُ التوبة والاستغفار، ولا بدَّ من الاتيان بها (١).
السادس: تسميتُها كفارةً لا يلزم منه حصولُ الإثم؛ فإنه قد وردت الكفارات مع عدم الإثم إجماعًا، وذلك ككفارة القتل (٢) الخطأ، وكفارةِ اليمينِ بالله تعالى، مع استحباب الحِنْث في بعض المواضع، وجوازِ اليمينِ ابتداء.
السابع: قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
قال ابن عطية: يحتمل أن يريد: لتذكُرَني فيها، أو يريد: لأذكرَكَ في عِلِّيِّين بها، فالمصدرُ على هذا يحتمل الإضافةَ إلى الفاعل، أو إلى المفعول، واللام لام السبب.
وقالت فرقة: معنى قوله: ﴿لِذِكْرِي﴾؛ أي: عند ذكري، أي: إذا ذكرتني، وأمري لك بها، فاللام على هذا بمنزلتها في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقرأت فرقة: (للذِّكْرَى)، وقرأت فرقة: (لِذِكْرَى) -بغير تعريف-، وقرأت فرقة: (للذِّكْر) (٣).
وقال الزمخشري: ﴿لِذِكْرِي﴾: لتذكرني؛ فإن ذكري: أن (٤)
стр. 1149
أُعبد ويصلَّى لي.
أو لتذكرني فيها؛ لاشتمال الصلاة على الأذكار، عن مجاهد.
أو لأني ذكرتُها في الكتب، وأمرتُ بها.
أو لأن أذكرَكَ بالحمد والثناء، وأجعلَ لك لسانَ صدق.
أو لذكري خاصةً، لا تشوبه بذكر غيري.
أو لإخلاص ذكري، وطلبِ وجهي، لا تُرائي بها، ولا تطلبُ بها عوضًا آخر، ولتكون لي ذاكرًا غيرَ ناس فعلَ المخلصين في (١) جعلِهم ذكرَ ربهم على بال منهم، وتوكيد هممهم وأفكارهم به؛ كما قال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].
أو لأوقاتِ ذكري، وهي مواقيت الصلاة؛ لقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
واللام مثلها في قولك: جئتك (٢) لوقت كذا، وكان ذلك لستِّ ليالٍ خَلَوْنَ (٣).
قلت: ولا يكادُ شيء من هذه التفاسير ينطبق على معنى الحديث؛ فإنه إنما أتى في سياق الاستدلال؛ أي: إذا ذكرتَ الصلاةَ بعدَ نومٍ أو نسيان، فصلِّها عندَ ذكرها، فليتأمل ذلك، وباللَّه التوفيق.
ظاهرُ هذا الحديث يدل على جواز صلاة المفترِض خلفَ المتنفِّل، وصِحَّةِ ائتمامه به، وقد افترق العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأول: وهو أوسعُها: جوازُ ائتمامِ المفترِض بالمتنفل، وعكسُه، وائتمام المؤدِّي بالقاضي، وعكسه، اتفقت الصلاتان، أو اختلفتا، ما لم تختلف الأفعال الظاهرة، وهو مذهب الشافعي رحمه اللَّه تعالى.
والثاني: وهو أضيقُها، وهو أنه لا يجوز ائتمامُ المفترض بالمتنفل، ولا العكسُ.
والثالث: وهو أوسطها وأعدَلُها، وهو أنه يجوز ائتمام المتنفل بالمفترض دونَ العكس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، ومَنْ نقلَ عن (١) مالك مثلَ المذهب الثاني، فليس بجيد، فليعلمْ ذلك (٢).
قلت: وهذا شيء لم أره في مذهبنا أصلًا، ولا سمعتُه من أحد
стр. 1152
من أصحابنا، ولا غيرهم البتةَ، فهو وهم -واللَّه أعلم- إن صحَّ نقله.
وقد اعتذر المانعون بوجوه:
أحدها: لعله ﵊ لم يعلم بالواقعة، ولو عَلِمَها، لأنكرَها.
وأجيب عن ذلك: بأنه يبعدُ أو يمتنع في العادة عدمُ علمه ﵊ بذلك من عادة معاذ.
واستدَلَّ أيضًا بعضُ المانعين برواية عمرو بن يحيى المازني، عن معاذِ بنِ رفاعةَ الزرقيِّ: أن رجلًا من بني سلمة، يقال له: سليم، أتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إنا نظلُّ في أعمالنا، فنأتي حين نمسي فنصلي، فيأتي معاذُ بنُ جبلٍ فينادي بالصلاة، فنأتيه، فيطوِّلُ علينا، فقال له النبي ﷺ : "يَا مُعَاذُ! لَا تَكُنْ، أَوْ لَا تَكُونَنَّ فَتَّانًا، إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَنْ قَوْمِكَ" (١)، قال: فقولُ النبي ﷺ لمعاذ يدل على أنه كان عندَ رسول اللَّه ﷺ (٢) يفعل أحدَ الأمرين؛ إما الصلاة معه، أو بقومه، وأنه لم يكن يجمعهما؛ لأنه قال: "إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي"؛ أي: ولا تصلِّي بقومك، "وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ"؟ أي: ولا تصلِّي معي.
واعتذر أيضًا: بأن النية أمرٌ باطن لا يُعلم إلا من جهة الناوي، ولم يعلم من حال معاذ ﵁ أنه قصد بصلاته مع النبي ﷺ الفرضَ أو
стр. 1153
النفلَ، ولعله قصدَ النفلَ.
ق: وأُجيب عن هذا بوجوه:
- الأول: أنه قد جاء في الحديث روايةٌ ذكرها الدارقطنى، فيها: "فَهِيَ لَهُمْ فَرِيضَةٌ، وَلَهُ تَطَوُّعٌ" (١).
- الثاني: أنه لا يُظن بمعاذ أنه يترك فضيلةَ فرضِه خلفَ (٢) النبي ﷺ ، ويأتي بها مع قومه.
- الثالث: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ" (٣)، فكيف يَظُن معاذ مع سماع هذا، أن يصلِّي النافلةَ مع قيامِ المكتوبة؟
اعترض بعض المالكية على الوجه الأول بوجهين:
أحدهما: لا يساوي أن يذكر؛ لشدة ضعفه.
والثاني: أن هذا الكلام؛ أعني: قوله: "وَهِيَ لَهُمْ فَرِيضَةٌ، وَلَهُ تَطَوُّعٌ" ليس من كلام النبي ﷺ ، فيحتمل أن يكون من كلام الراوي بناء على ظن أو اجتهاد، لا يجزم به.
وذكر معنى هذا -أيضًا- بعضُ الحنفية ممن له شِرْب في الحديث،
стр. 1154
وقال ما حاصله: إن ابن عُيينةَ روى هذا الحديث، ولم يذكر هذه اللفظةَ، والذي ذكرها هو ابنُ جُريج، فيحتمل أن يكون من قوله، أو قول مَنْ روى عنه، أو قول جابر.
وأما الجواب الثاني: ففيه نوعُ ترجيح، ولعل خصومهم يقولون فيه: إن هذا إنما يكون (١) عند اعتقاد الجواز كذلك، فلم قلتم: إنه كان يعتقده؟!
وأما الجواب الثالث: فيمكن أن يقال فيه: إن المفهوم أن لا تصلَّى نافلةٌ غير الصلاة التي تُقام؛ لأن المحذور وقوعُ الخلاف على الأئمة، وهذا الخلاف منتفٍ مع الاتفاق في الصلاة المقامة، ويؤيد هذا: الاتفاقُ من الجمهور على صلاة المتنفِّل خلف المفترِض، ولو تناوله النهي، لما جاز جوازًا مطلقًا.
وقد ادُّعي النسخُ، وذلك من وجهين؛ يعني: نسخ (٢) حديث معاذ ﵁:
أحدهما: أنه يحتمل أن يكون ذلك حين كانت الفريضة تُقام في اليوم مرتين حتى نُهي عنه، وهذا الوجه منقول المعنى عن الطحاوي، وعليه اعتراضٌ من وجهين:
أحدهما: طلبُ الدليل على كون ذلك واقعًا -أعني: وقوع
стр. 1155
الفريضة في اليوم مرتين-، فلابد من نقل فيه.
والثاني: أنه إثبات النسخ بالاحتمال.
الثاني (١): مما يدل على النسخ ما أشار إليه بعضُهم دون تقريرٍ حسنٍ له، وتقريره: أن إسلام مُعاذ متقدِّم، وقد صلى النبيُّ ﷺ بعد سنتين من الهجرة صلاةَ الخوف غيرَ مرة، على وجه وقع (٢) فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة في غير حالة الخوف، فيقال: لو جاز للمفترض الصلاةُ خلف المتنفل، لأمكنَ إيقاعُ الصلاة مرتين على وجهٍ لا تقع فيه المنافاة والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث صليت على هذا الوجه، مع إمكان دفع المفسدات -على تقدير جواز صلاة المفترض خلف المتنفل-، دل على أنه لا يجوز ذلك.
وبعد ثبوت هذه الملازمة يبقى النظر في التاريخ، وقد أشير بتقدُّم (٣) إسلامِ معاذ إلى ذلك، وفيه ما تقدمت الإشارة إليه.
- الوجه الرابع من الاعتذارات عن الحديث: ما أشار إليه بعضُهم من أن الضرورة دعت إلى ذلك، لقلة القُراء في ذلك الوقت، ولم يكن لهم غِنًى عن معاذ، ولم يكن لمعاذٍ غِنًى عن صلاته مع النبي ﷺ ، وهذا يحتمل أن يريد به قائلُه معنى النسخ، فيكون كما تقدم.
стр. 1156
ويحتمل أن يريد: أنه مما أُبيح بحالة مخصوصة، فيرتفع الحكمُ بزوالها، ولا يكون نسخًا، وعلى كل حال، فهو ضعيف؛ لعدم قيام الدليل على ما ذكره هذا القائل علةً لهذا الفعل؛ ولأن القدر المجزىء من القراءة في الصلاة ليس حَافِظُه بقليل (١)، وما زاد على الحاجة من زيادة القراءة فلا يصح أن يكون سببًا لارتكاب ممنوع شرعًا؛ كما يقوله هذا المانع.
فهذا جامعُ ما حضرَ من كلام الفريقين، مع تقريرٍ لبعضه فيما يتعلق بهذا الحديث، وما زاد على ذلك من الكلام على أحاديثَ أُخر، والنظر في الأقيسة، فليس من شرط هذا الكتاب، واللَّه أعلم. انتهى كلامه (٢).
وقد تقدم ما ينبغي أن يذكر على هذا الحديث من مسائل صلاة الجماعة، وأحكام الإعادة، وغير ذلك بما يغني عن الإعادة. واللَّه الموفق.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: ظاهرُه: تقديم (١) الظهر في أول وقتها، وهو في معنى حديث جابر بن عبد اللَّه الذي فيه: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يصلِّي الظهرَ بالهاجرة، الحديث، وقد تقدم الكلامُ على الجمع بينه وبين حديث الإبراد.
ويحتمل أن لا يكون حديثُ أنس هذا معارضًا لحديث الإبراد؛ لأن الغالب بقاء حرارة الأرض، وإن ذهبت الشمسُ عنها، فيُحتاج (٢) من أجل ذلك إلى بسط الثوب عليها، واللَّه أعلم.
الثاني: فيه: دليل على أن الأصل مباشرةُ الأرض بالجبهة (٣) واليدين؛ لتعليقه بسطَ الثوب على عدم استطاعة مباشرة الأرض لشدة الحر، وقد كره أصحابنا السجودَ على الطنافس (٤)، وثياب الصوف، والكتان، والقطن، وأحلاس الدوابِّ؛ وهي أكسية رقيقة تكون تحت
стр. 1159
البردعة، واحدها حِلْس وحَلَس؛ مثل: شِبْه وشَبَه، ومِثْل ومَثَل، وكذلك الأَدَم، واللبود، وبُسط الشَّعر، إلا أنه لا يكره أن يقوم عليها ويجلس، ويسجدَ على الأرض إذا لم يضع كفيه عليها.
ولا يكره السجود على الخُمْرَة، وهي سجادةٌ صغيرة تُعمل من سَعَف النخل، وتُرمل بالخيوط، وكذلك الحُصُر، وما تُنبت الأرضُ، ولكن الصلاة على التراب والجص أحبُّ إلى مالك رحمه اللَّه تعالى.
قال ابن حبيب: وهذا أقربُ إلى التقوى، ولولا ما مضى عليه الأمر من تَحْصيبِ المسجدينِ وغيرِهما، لفرشَهما أهلُ الطَّوْل بأفضلَ من ذلك (١).
وبالجملة: فالمصلي مأمورٌ بالتواضع للَّه في صلاته بقلبه وجسده، وتعمُّدُ بَسْطِ الثياب التي لها قدرٌ والطنافسِ والسجاداتِ، ولا سيما المتَّخَذَةِ من الخرقِ الرفيعة؛ مما يضادُّ قصدَ التواضع، ويؤدي ذلك بالمصلي إلى مضاهاةِ أهلِ الكِبْر والترفُّه، وذلك مكروه في الصلاة، ولو لم يقصد المصلي بذلك الكبر والترفُّه، إلا أنَّا نكرهُه لأجل أنه في صورة المتكبرين.
وقريبٌ من هذا ما سمعتهُ من شيخنا محي الدين المازوني ﵀، وقد رأى بعضَ أعوانِ أصحاب الشُّرَط، فقال: هؤلاء يأثمون، وإن لم يقصدوا؛ لأن هيئتهم هيئةُ المُرْجِفين.
стр. 1160
قال اللخمي: يُستحب للمصلي أن يقوم على الأرض من غير حائل، وأن يباشر (١) بجبهته الأرضَ؛ لقوله ﵊: "يَا رَبَاحُ! عَفِّرْ وَجْهَكَ في الأَرْضِ" (٢)، ولأن ذلك هو المعمولُ به في الحرمين، والصلاةُ فيهما على الحصباء والتراب، ولم تُتخذ فيهما حصر، فإن صلى على حائل، فيستحب أن يكون مما تُنبت الأرض؛ كالحصر، وما أشبهَ ذلك.
قال صاحب "البيان والتقريب": يعني: مما لا ترفُّهَ فيه ولا داعيةَ في فَرْشه إلى كِبْر.
واختُلف في ثياب القطن والكتان، فكرهه مالكٌ (٣) في "المدونة"، وأجازه ابن مسلمة.
والأولُ أحسن؛ لما فيهما من الترفُّه، وموضعُ الصلاة التواضعُ والخضوعُ والتذلل.
وكره الصلاة على الحصر السامان مما عظم ثمنه، والتواضعُ للَّه تعالى أفضلُ.