← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17354

نوازل الزكاة

الغفيلي، عبد الله بن منصور

Полный текст (552 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٢ - أن الزكاة عبادة مالية محضة، فيجوز للمالِك أن يوكِّل غيره فى إخراجها، كما يجوز له أن يوكل في قضاء ما عليه من الدَّيْن والنذر والكفارة (١). ٣ - أن الحاجة قد تدعو إلى الوكالة لتعذر قيام المالك بإخراج الزكاة في بعض الأحوال (٢). إذا تقرر هذا فإن التوكيل يكون لأصناف منها الجمعيات الخيرية في بلاد المسلمين، ولها حالان: الحال الأولى: أن تكون نائبة عن المزكي، وذلك هو الغالب في الجهات الخيرية التي لم تكلف من قِبَلِ الدولة بجمع الزكاة وتوزيعها؛ ولم يؤذن لها بذلك (٣) ويتحقق التوكيل بدفع المزكي الزكاة للجمعية لتوزيعها على الفقراء، أو بأن يدفع لها المبلغ النقدي لتقوم هي بشراء زكاة الفطر وتوزيعها، فيكون المزكي في تلك الحالة مُعَيَّنا، بخلاف الفقير؛ فهو غير معين، مما يمتنع معه التوكيل منه (٤).

стр. 457

الحال الثانية: أن تكون نائبة عن المزكي والفقير معا، وذلك إذا كانت جهة الزكاة حكومية أو مكلفة من الدولة بجمع الزكاة وتوزيعها، أو مأذونًا لها بذلك (١) فتكون وكيلة عن الغني لكونه دفع الزكاة لها، وطلب منها توزيعها على المستحقين، وتكون نائبة عن الفقير لكونها مكلفة من الإمام وهو نائب عن الفقراء (٢). لا سيما إن كان الفقراء معينين لدى تلك الجمعيات. وبناء على مما تقدم فإنه يجوز في الحال الأولى تقديم زكاة الفطر قبل العيد ولو بمدة طويلة من المزكي إلى الجمعية الخيرية المأذون لها بجمع الزكاة وتوزيعها؛ لأنه ليس إخراجا، وإنما الإخراج هو بإقباض الجمعية للفقير. وأما تأخير إخراجها من الجمعية عن يوم العيد فإنه لا يجوز في الحال الأولى التي تكون فيها الجمعية نائبة عن المزكي، فأما الحال الثانية فيجوز تأخيرها لها لنيابتها عن الفقير، ويتقوى هذا بتعيين الفقراء.

стр. 458

وأما المراكز الإسلامية في البلاد غير الإسلامية فيظهر لي إلحاقها بالحال الثانية فتكون نائبة عن الإمام في القيام بجمع الزكاة وتفريقها على مستحقيها؛ لعدم وجود إمام للمسلمين في بلاد الكفار، والإمام نائب عن الفقراء، مع كونها نائبة عن المزكي أيضا كما تقدم (١). * * *

стр. 459

المبحث الثاني إخراج القيمة في زكاة الفطر اتفق الفقهاء على مشروعية إخراج زكاة الفطر من الأنواع المنصوصة (١) كما في حديث ابن عمر ﵁: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير (٢)، وفي حديث أبي سعيد ﵁: كنا تخرج زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب (٣) وأما إخراج قيمتها للفقير، سواء كان ذلك بغير سبب، أو بسبب؛ كحاجة الفقير للنقود، أو تعذر شراء المزكي لزكاة الفطر، أو لكون إخراجها نقدًا هو الأيسر جمعًا وحفظًا ونقلًا وتوزيعًا لجهات الجمع كالجمعيات ونحوها (٤)، فقد اختلف فيه الفقهاء في حكم إخراج القيمة في زكاة الفطر على قولين:

стр. 460

القول الأول: عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهبُ الجمهور من المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣). القول الثاني: جواز إخراج القيمة في في كاة الفطر مُطْلَقًا، وهو مذهب الحنفية (٤). الأدلة (٥): أدلة القول الأول: ١ - قول ابن عمر ﵁: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر وصاعًا من شعير. . (٦). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فرض الصدقة من تلك الأنواع، فمَنْ عدل إلى القيمة فقد ترك المفروض (٧).

стр. 461

ونوقش: بأن ذِكْرَ هذه الأنواع ليس للحصر، وإنما هو للتيسير ورفع الحرج، فإخراج تلك الأنواع المنصوصة أيسرُ من إخراج غيرها من الأموال، فقد عين النبي ﷺ الطعام في زكاة الفطر لندرته بالأسواق في تلك الأزمان، وشدة احتياج الفقراء إليه لا إلى المال، فإن غالب المتصدقين في عصر النبي ﷺ ما كانوا يتصدقون إلا بالطعام (١). ويجاب: بأننا إن سلمنا بأن ذكر تلك الأصناف ليس للحصر، فهي مقدمة على غيرها ما لم تظهر مصلحة إخراج القيمة، ولا يُسَلَّمُ القول بتسويتها بغيرها، وأن ذِكْرها لكونها هي المتيسرة، لا سيما وأن قيمة زكاة الفطر يسيرة لا تشق على أكثر الناس، فلما لم تذكر القيمة مطلقا دل على تقديم إخراجها طعاما. ٢ - عن أبي سعيد ﵁ قال: كنا نُخْرجها على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من طعام، وكان طعامنا التمر والشعير والزبيب والأقط (٢). وجه الدلالة: أن الصحابة ﵁ لم يكونوا يخرجونها من غير الطعام، وتتابعهم على ذلك دليل على أن المشروع إخراجُها طعامًا (٣). ٣ - أن ابن عباس ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ الفطر طُهْرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعْمةً للمساكين (٤).

стр. 462

وجه الدلالة: أن الطُّعمة تكون بما يُطْعِم، ولا تكون بالدراهم التي تُقْضَى بها الحاجات، مما يدل على أن إخراج زكاة الفطر طعاما مقصود للشارع (١). ٤ - أن زكاة الفطر عبادة مفروضة من جنسٍ معين، فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس المعين، كما لو أخرجها في غير وقتها المعين (٢). ٥ - أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرًا لنعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به (٣). ٦ - ولأن مُخْرِجَ القيمة قد عَدَلَ عن المنصوص، فلم يُجزئه، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد (٤). ونوقش: بأنه إنما عدل عنه لكون ذلك هو الأصلح للفقير والأدفع لحاجته، مع عدم وجود الدليل المانع من ذلك (٥). ٧ - أن إخراج زكاة الفطر من الشعائر، فاستبدال المنصوص بالقيمة يؤدي إلى إخفائها وعدم ظهورها (٦).

стр. 463

٨ - أن النبي ﷺ فرضها من أصناف متعددة مختلفة القيمة، فدل على إرادة الأعيان، ولو كانت القيمة معتبرةً لفَرَضَها من جنس واحد، أو ما يعادله قيمة من الأجناس الأخرى (١). ونوقش: أولًا: بأن ذلك من قياس الحاضر على الغائب المجهول، فإنهم قاسوا عصرهم على عصر النبي ﷺ ، وظنوا أن هذه الأشياء لما كانت مختلفةَ القيم في عصرهم، كانت كذلك في عصر النبي ﷺ ، وهذا أمر يحتاج إلى نقل صريح في إثباته، وإلا فالأزمنة تختلف في الأسعار، ومساواة الأشياء وتفاضلها. ثانيًا: أن هذه دعوى غير مسلمة، فإن النبي ﷺ غاير بين هذه الأشياء ولم يسو بينها (٢). أدلة القول الثاني (٣): ١ - أن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير لقوله ﷺ : "أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم" (٤)، والإغناء يحصل بالقيمة؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة (٥). ويناقش: بأن الحديث ضعيف، وأن الإغناء كما يكون بالمال يكون بالطعام أيضًا.

стр. 464

٢ - أن الأصل في الصدقة المال، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ (١)، والمال في الأصل ما يملك من الذهب أو الفضة، وبيان الرسول للمنصوص عليه إنما هو للتيسير ورفع الحرج، لا لحصر الواجب (٢). ويناقش: بعدم التسليم بهذا الأصل، فالمال يطلق على كل ما يتمول، ومن ذلك بهيمة الأنعام والحبوب، والأنواع المنصوصة في زكاة الفطر، فالأصل في زكاة كل نوع ما ورد فيه. ٣ - إذا ثبت جواز أخذ القيمة في الزكاة المفروضة في الأعيان، فجوازها في الزكاة المفروضة على الرقاب -زكاة الفطر- أولى؛ لأن الشرع أوجب الزكاة في عين الحب، والتمر والماشية، والنقدين، كما في حديث معاذ الذي قاله له النبي ﷺ فيه لما بعثه إلى اليمن: "خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر" (٣) ولما كان الحال كذلك اقتضت حكمة الشرع البالغة أمر الناس في عهد النبوة بإخراج الطعام ليتمكن جميعهم من أداء ما فرض عليهم، ولا يحصل لهم فيه عسر، ولا مشقة؛ وذلك لأن النقود كانت نادرة الوجود في تلك الأزمان ببلاد العرب ولا سيما البوادي منها، وخصوصًا الفقراء، فلو أمر بإعطاء النقود في الزكاة

стр. 465

المفروضة على الرؤوس لتعذر إخراجها على الفقراء بالكلية، ولتعسر على كثير من الأغنياء الذين كان غناهم بالمواشي والرقيق، والطعام، أما الطعام فإنه متيسر للجميع، ولا يخلو منه منزل إلا من بلغ به الفقر منتهاه، فكان من أعظم المصالح، وأبلغ الحكم العدول عن المال النادر، العسر إخراجه إلى الطعام المتيسر وجوده، وإخراجه لكل الناس. ويناقش: بعدم التسليم بإطلاق هذا التعليل، إذ التشريع لكل زمان ومكان، كما أن قيمة زكاة الفطر يسيرة، والدراهم والدنانير كانت شائعة في زمنهم، ولا تشق على كثير منهم، مع كون الزكاة فيها معنى التعبد الذي يتحقق يقينًا بإخراج الطعام في زكاة الفطر. ٤ - أن النبي ﷺ غاير بين القدر الواجب من الأعيان المنصوص عليها، مع تساويها في كفاية الحاجة، وسد الخلة فأوجب من التمر والشعير صاعًا، ومن البر نصف صاع (١)، وذلك لكونه أعلى ثمنًا لقلته بالمدينة في عصره، فدل على أنه اعتبر

стр. 466

القيمة، ولم يعتبر الأعيان، إذ لو اعتبرها لسوى بينها في المقدار (١). ويناقش: بأن اعتبار القيمة هنا لا يلغي اعتبار النوع، فهما جميعًا معتبران. ٥ - أن النبي ﷺ قال للنساء يوم عيد الفطر: "تصدقن ولو من حليكن" (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يستثن صدقة الفرض من غيرها (٣). ويناقش: بأنه لو كان المقصود زكاة الفطر لما أمرهن بها فى الخطبة بعد الصلاة، وقد أمر المسلمين أن يؤدوها قبل الصلاة (٤). ٦ - أن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ (٥). وجه الدلالة: أن المال هو المحبوب، فإن كثيرًا من الناس يهون عليه إطعام الطعام، ويصعب عليه دفع ثمن ذلك للفقراء، بخلاف الحال في عصر النبي ﷺ ، ولذا كان إخراج الطعام في حقهم أفضل لأنه أحب، وإخراج المال في عصرنا أفضل، لأنه إلينا أحب (٦).

стр. 467

ويناقش: بأن هذا التفريق بين العصرين في ذلك لا دليل عليه، ثم إنه لو سلم فيحمل على صدقة التطوع، أما الفرض فيتبع فيه المشروع، ويكون هو الأفضل. ٧ - أنه ﷺ قال: "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم" (١) وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قيد الإغناء بيوم العيد ليعم السرور جميع المؤمنين، ويستوي فيه الغني والفقير، وهذا المعنى لا يحصل اليوم بإخراج الحب الذي ليس هو طعام الفقراء والناس كافة، ولا في إمكانهم الانتفاع به ذلك اليوم حتى لو أرادوا اقتياته على خلاف العادة (٢). ويناقش: بما تقدم من تضعيف الحديث (٣). ٨ - أن مراعاة المصالح من أعظم أصول الشريعة، وحيثما دارت تدور معها، فالشريعة كلها مبنية على المصالح ودرء المفاسد (٤).

стр. 468

ويناقش: أن ذلك مسلم فيما إذا كانت المصلحة الظاهرة في إخراج القيمة، أما إذا كان ثم مصلحة معتبرة في إخراج الطعام فهو مقدم لكونه ورد النص به. الترجيح: يترجح القول بمنع إخراج القيمة في زكاة الفطر، فإن عدم انتفاع الفقير بها لاستغنائه عن الطعام فإن القول بجواز إخراج القيمة عندئذ متجه، وفي مثل ذلك يقول شيخ الإسلام في إخراج القيمة في زكاة المال: "وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك -إلى قوله- والأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، ولهذا قدر النبي ﷺ الجبران بشاتين أو عشرين درهما، ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلى أنواع ردئية، وقد يقع في التقويم ضرر؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل، فلا بأس به مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه ولا يكلّف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء كما نقل عن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يقول لأهل اليمن: ائتوني بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من

стр. 469

المهاجرين والأنصار (١)؛ وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة، وقيل في الجزية (٢). ويمكن أن يستفاد من ذلك منعه إخراج القيمة في زكاة الفطر أيضًا إلا عند الحاجة أو المصلحة؛ لانتفاء الفارق المؤثر في مثل هذا الحكم بين زكاة الفطر وزكاة المال، وهو ما يفهم أيضا من قوله في بداية الفتوى: "أما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك". ومنه يتبين ترجح ذلك لما يلي: ١ - أن فيه جمعًا بين أدلة القولين في الجملة مع المحافظة على الأصل، وهو إخراج الأنواع المنصوصة. ٢ - أن النصوص حددت إخراج زكاة الفطر من الأنواع المذكورة، وما في

стр. 470

حكمها من الأطعمة، فهي مقدمة في الإخراج على المال، لا سيما وأن في الزكاة شائبة التعبد، إلا أن ذلك لا يلغي اشتمالها على معنى مناسب ينبغي مراعاته عند الاقتضاء. ٣ - أنه شرع إخراج القيمة في زكاة الفطر عند وجود المصلحة لعدم وجود المانع المطلق من إخراج قيمة زكاة الفطر، فليس دفع القيمة ضد البدل المنصوص بل هو عوض عنه، وبذلك يمكن الجمع بين الأدلة في المسألة.

стр. 471

المبحث الثالث حكم نقل زكاة الفطر للبلدان البعيدة إن مما لا يخفى كثرةَ المسلمين وانتشارهم في أصقاع الأرض، إلا أن ذلك لم ينفك عن زيادة الفقر فيهم والعوز، مع تفاوتٍ في ذلك بينهم، حيث وصل الأمر في بعض البلدان إلى الموت جوعا وفقرًا، بينما الفقر في البلدان الغنية لا يصل إلى ذلك ولا يدانيه؛ لذا فقد اتجه بعض الأفراد والجهات إلى نقل الزكاة سواء كان منها زكاة المال أو الفِطر إلى بلدان أشد فقرًا، مما يدفع بإعادة بحث المسألة، وإبرازها، مع كونها قد بحثها الفقهاء قديمًا، سواء منها زكاة المال أو الفطر، فحكمهما في النقل لدى الفقهاء واحد، وإنما الاختلاف بينهما في الموطن الزكوي (١)، فموطن زكاة

стр. 472

المال التي يشرع إخراجها فيه هو مكان وجود المال؛ لتعلق الزكاة به (١)، وأما في زكاة الفطر فهي متعلقة بالمخرج نفسه لا بماله، فيكون المشروع إخراجها حيث هو (٢). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن أهل كل بلد أولى بصدقتهم من غيرهم (٣).

стр. 473

كما اتفقوا على مشروعية نقل الزكاة من موضعها إذا استغنى أهل ذلك الموضع عن الزكاة كلها أو بعضها (١). واختلفوا في حكم نقلها إذا كان في البلد مستحق لها على أقوال: القول الأول: لا يجوز نقل الزكاة عن البلد الذي وجبت فيه، وهو قول الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يكره نقل الزكاة عن البلد الذي وجبت فيه لغير قريب وأحوج، وهو قول الحنفية (٥). أَدلة القولين: أدلة القول الأول: ١ - عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا ﵁ إلى أهل اليمن، قال له: "فَأَعْلِمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أكنيائهم وتُرَدُّ في فقرائهم" (٦).

стр. 474

وجه الدلالة: أنه ﷺ بَيَّن أن الزكاة تؤخذ من أغنياء البلد فترد في فقرائه كما يفيده الضمير في قوله: "فقرائهم". وهذا يعم زكاة المال والفطر (١). ونوقش: بأن الضمير في "فقرائهم" يعود على المسلمين جميعًا (٢). وأجيب: بأن معاذًا أمر بأخذ الصدقة من أهل اليمن وردها فيهم، ولم يؤمر بأخذها من عموم المسلمين، فالضمير لمعهودٍ، وهو أهل البلد المذكور (٣). ٢ - أن عمر بن الخطاب ﵁ أنكر على معاذ لما بعث إليه بثلث صدقة الناس، وقال له: لم أبعثك جابيًا، ولا آخِذَ جزيةٍ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدًا يأخذه مني. . . (٤). ٣ - ما رُوِيَ عن معاذ بن جبل ﵁ أنه كتب: من خرج من مخلاف (٥) إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته (٦).

стр. 475

وجه الدلالة: أن معاذًا ﵁ جعل مكان الصدقة هو مكان الأهل والمال، ولم يجعل لمن خرج عنهما نقل زكاة ماله حيث خرج (١). ٤ - أن فقراء البلد قد اطلعوا على أموال الأغنياء، وتعلقت بها أطماعهم، والنقل يوحشهم، فكان الصرف إليهم أولى (٢). أدلة القول الثاني: ١ - استدلوا بأدلة القول الأول، وحملوا الكراهة على التنزيه، لأن المصرف هو مطلق الفقراء، وهو يصدق على أهل البلد وغيرهم (٣). ٢ - رعاية حق الجوار في دفعها لأهل البلد دون نقلها لغيرهم من الأبعدين (٤). الترجيح: يظهر مما تقدم أن الأصل توزيع الزكاة في بلدِ جَمْعِهَا؛ لقوة أدلة القول الأول، ولما في ذلك من تحقيق التكافل الاجتماعي، ودفع الضغينة بين الفقراء والأغنياء، ولما فيه من تحقيق الاكتفاء الذاتي من كل إقليم وناحية، فلا يحتاجون إلى غيرهم، مما يدفع عنهم مشقة استتباع الغير والركون إليهم. إلا أن ذلك لا يمنع من نقل الزكاة والخروج عن الأصل إذا رأى أهل الاجتهاد

стр. 476

تقرير ذلك، قال ابن زنجويه (١): السُّنّة عندنا أن الإمام يبعث على صدقات كل قوم من يأخذها من أغنيائهم ويفرقها في فقرائهم، غير أن الإمام ناظر للإسلام وأهله، والمؤمنون إخوة، فإن رأى أن يصرف من صدقات قوم لغناهم عنها إلى فقراء قوم لحاجتهم إليها فعل ذلك على التحري والاجتهاد (٢). وقد أفتى بنحو ذلك شيخ الإسلام، حيث نص على جواز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية (٣). ومن صور تلك المصلحة التي يجوز نقل الزكاة لأجلها: ١ - أن يكون فقراء البلد الآخر أشد حاجة، وقد نص على ذلك الحنفية (٤) والمالكية (٥)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٦). فيجوز نقل الزكاة إليهم؛ لأن المقصود من الزكاة سدُّ خَلَّةِ الفقير، فمن كان أحْوَجَ كان أولى، ويؤيد ذلك عموم قوله ﷺ : "مَثَلُ المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد" (٧).

стр. 477

٢ - أن يكون المنقول إليه قريبا محتاجا، وقد نص عليه الحنفية (١) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وقد استدلوا لذلك بما جاء في فضل الصدقة على القريب المحتاج، ومن ذلك ما جاء في حديث زينب امرأة ابن مسعود (٣) أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "تصدقن يا معشر النساء ولو من حليِّكن". قالت: فرجعتُ إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيفُ ذاتِ اليد (٤)، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فَأْتِه فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال لي عبد الله: بل ائتيه أنتِ. قالت: فانطلقتُ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ ، حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد أُلْقِيَتْ عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتامٍ في حجورهما؟ ولا تخبره مَنْ نحن، قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله، فقال له رسول الله ﷺ : "من هما؟ " فقال: امرأة من الأنصار، وزينب. فقال رسول الله ﷺ : "أي الزيانب؟ " قال: امرأة عبد الله، فقال له رسول الله ﷺ : "لهما أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة" (٥).

стр. 478

٣ - أن تنقل الزكاة من بلدها إلى مَنْ هو أنفع للمسلمين من الفقراء، كأهل العلم وطلبته، فقد نص الحنفية (١) والمالكية (٢) على مشروعية نقل الزكاة لهم لفضلهم ونفعهم للمسلمين. فيتبين مما تقدم مشروعية توزيع الزكاة في البلد الذي جُمِعَتْ فيه، ويجوز نقلها إلى بلد آخرَ وَفْقَ الضوابط التالية: ١ - وجود مسوغ شرعي يقدره أهل الاجتهاد، كما تقدمت الإشارة لبعض صوره. ٢ - عدم نقل الزكاة كلها من البلد ما دام فيها مستحق، وإنما ينقل جزء منها؛ لأحقية أهل البلد بها، مع جواز نقل المالك لجميع زكاته عند وجود المقتضي؛ لأنها جزء من زكاة البلد. ٣ - كون الطريق مأمونا؛ لأن الزكاة مستحقة للغير، فلا يجوز المخاطرة في تضييعها، فإنْ خَاطَرَ بذلك وضاعت أو تلفت ضمنها (٣). * * *

стр. 479

المبحث الرابع صرف المؤسسة الزكوية لزكاة الفطر بالمبالغ المتوقعة قبل استلامها لها تعمد بعض المؤسسات الخيرية إلى تقدير مبلغ معين لشراء زكاة الفطر، وذلك في أول أو أوسط شهر رمضان، ثم دفعه عن أناس غير معينين، يدفعون الزكاة بلا إنابة منهم في إخراج تلك الزكاة، وسبب اللجوء لذلك هو تهيئة الوقت الكافي للقيام بتوزيع تلك الزكوات علَى المستحقين، حيث يتعذر ذلك قبل العيد بيوم أو يومين مع كثرة المستحقين وتفرقهم، فيتبين مما تقدم أنه لا بد من بيان مسألتين قبل معرفة حكم صنيع تلك المؤسسات. المسألة الأولى: حكم اشتراط النية في أداء الزكاة ذهب عامة الفقهاء إلى أن النية شرط في أداء الزكاة (١)

стр. 480

واستدلوا بعموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١) (٢). ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل، فافتقرت إلى النية كالصلاة (٣). وحُكِيَ عن الأوزاعي (٤) مخالفته للفقهاء فلم يوجب النية عند أداء الزكاة (٥). واستدل لذلك: بأنها دَيْنٌ، فلا تجب لها النية، كسائر الديون، ولهذا يخرجها ولي اليتيم، ويأخذها السلطان من الممتنع (٦).

стр. 481

وأجيب بمفارقتها قضاء الدين؛ فإنه ليس بعبادة، ولهذا يسقط بإسقاط مستحقه، وولي الصبي والسلطان ينوبان عند الحاجة، وإنما سقطت النية عنهما لتعذرها منهما (١). فيتقرر مما تقدم أنه لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية من المزكي، وذلك إنَّما يكون بفعله، أو بعلمه وإذنه بإخراجها. أما إذا أذن الناس للمؤسسة الزكوية أو كان هناك عرف بإخراج صدقة الفطر عنهم ولو قبل دفعهم إياها، فإن الظاهر من نصوص الحنفية والمالكية جواز ذلك، فقد قال في الهداية: "لو أدى عنهم -أي زكاة الفطر- أو عن زوجته بغير أمرهم أجزأه استحسانًا لثبوت الإذن عادة" (٢). قال الشارح في العناية: "قوله: (ولو أدى عنهم) ظاهر، وهو استحسان، والقياس ألا يصح كما إذا أدى الزكاة بغير إذنها. وجه الاستحسان أن الصدقة فيها معنى المؤنة فيجوز أن تسقط بأداء الغير وإن لم يوجد الإذن صريحًا، وفي العادة أن الزوج هو الذي يؤدي عنها، فكان الإذن ثابتًا عادة" (٣). وقال في شرح مختصر خليل: "وإن أداها عنه أهله أجزأه، وإليه أشار بقوله: (وجاز إخراج أهله عنه) إذا ترك عندهم ما يخرج منه، ووثق بهم وأوصاهم، زاد في التوضيح: أو كانت عادتهم" (٤). قال في الذخيرة: "فإذا أخرج أهله وكان ذلك عادتهم، أو أمرهم أجزأه، وإلا

стр. 482

تخرج على الخلاف فيمن أعتق عن غيره بغير إذنه وعلمه، والإجزاء أحسن" (١). المسألة الثانية: حكم إخراج زكاة الفطر من أول شهر رمضان أو أوسطه اختلف الفقهاء في حكم إخراج زكاة الفطر من أول شهر رمضان أو أوسطه على أقوال: القول الأول: جواز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز تعجيلها أكثر من ذلك، وهو مذهب المالكية (٢) والحنابلة (٣). القول الثاني: جواز إخراجها من منتصف شهر رمضان، وهو قول عند الحنابلة (٤). القول الثالث: جواز إخراجها من أول الشهر، وهو قول عند الحنفية (٥) والمذهب عند الشافعية (٦)، وقول عند الحنابلة (٧).

стр. 483

القول الرابع: جواز تعجيلها مطلقًا، ولو قبل رمضان، وهو مذهب الحنفية (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: ١ - أن ابن عمر ﵁ قال: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين. (٢). وجه الدلالة: أن ابن عمر نقل فعل الصحابة ﵃ بضمير الجمع الدال على الاتفاق، ولا يتفق الصحابة إلا على الحق، لصدورهم عن الرسول ﷺ (٣). ٢ - ولأن التقديم يومًا أو يومين لا يخل بحكمة التشريع، وهو إغناء الفقير عن المسألة في يوم العيد، وأما تقديمها أكثر من ذلك فقد يتسبب في فنائها منه قبل يوم العيد، فلا يحصل به الإغناء المقصود (٤). دليل القول الثاني: القياس على تعجيل أذان الفجر، والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل. ويناقش: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن تعجيل أذان الفجر لا يُقصد به دخول وقتها، وأما الدفع من مزدلفة فإنما أُجِيز بعد منتصف الليل بغروب القمر، لورود الترخيص الشرعي في ذلك، مع تحقق المكث أكثر الليل، وهذا ليس موجودا هنا، بل الترخيص اقتصر على اليومين فيلتزم؛ لموافقته حكمة زكاة الفطر، وهي إغناء الفقير في يوم العيد.

стр. 484

دليل القول الثالث: ١ - أن سبب الصدقة هو الصوم والفطر منه، فإذا وُجِدَ أحد السببين، جاز تعجيلها كزكاة المال بعد ملك النصاب (١). ونوقش: بأن سبب وجوبها هو الفطر بدليل إضافتها إليه، أما زكاة المال فسببها ملك النصاب، فالقياس مع الفارق (٢). ٢ - أن التقديم بيوم أو يومين جائز باتفاق المخالف، فألحق الباقي به قياسا بجامع إخراجها في جزء منه (٣). ويناقش: بأن القياس مع الفارق؛ لأن التقديم بيوم أو يومين منقول كالإجماع من الصحابة، وهو لا يؤثر على الحكمة التشريعية في إغناء الزكاة للفقير يوم العيد لقرب الزمن، بخلاف التقديم الكثير فهو مخالف لذلك. دليل القول الرابع: أنه وُجِدَ سبب الوجوب، وهو رأسٌ يمونه ويلي عليه، والتعجيل بعد وجودِ السبب جائزٌ كتعجمِل الزكاة (٤). ويناقش: بما تقدم، من أن سبب الوجوب هو الفطر، وأن الحكمة فيما يظهر من هذه الزكاة هو إغناء الفقير في يوم العيد، وقياسها على زكاة المال قياسٌ مع الفارق؛ لثبوت السبب فيها، ووقوع التعجيل بعده، بخلاف زكاة الفطر. الترجيح: يترجح لي القول الأول، وهو عدم جواز تعجيل الزكاة قبل العيد بأكثر من

стр. 485

يومين؛ لوروده عن الصحابة ﵃، ولكونه المناسبَ لحكمة التشريع، حيث يتمكن الفقير في اليومين من تهيئة الزكاة ليوم العيد، وقبل ذلك تذهب منه. فإذا تقرر القول باشتراط النية في زكاة الفطر من المزكي، وعدم جواز تعجيلها قبل العيد بأكثر من يومين، فإنه يتبين عندئذ أنه لا يجوز للمؤسسات الزكوية ولا غيرها إخراجُ الزكاة من أول شهر رمضان أو وسطه بالمبالغ المتوقعة، لا سيما وأن تلك عبادة يجب فيها الاقتصار على الوارد، مع كونه هو الموافق في الظاهر لمقاصد التشريع من تلك العبادة (١). وإن كان ذلك لا يمنع من دفع الزكاة قبل اليومين للوكيل سواء كان شخصًا أو جهة. وأما ما يُذكر من أن ضيق الوقت قد يحول دون شرائها ثم توزيعها، فإن ذلك قد يمكن تلافيه بإخراج القيمة في زكاة الفطر، لكونها أسهل في الجمع والتوزيع، وقد تقرر جواز ذلك إذا اقتضته المصلحة الشرعية، كما هو الحال هنا، والله أعلم. * * *

стр. 486

الخاتمة

стр. 487

الخاتمة الحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، ذي الفضل والإنعام، الذي يسر وأعان على التمام، فها هو البحث قد كملت مسائله، وتذللت مصاعبه، فكان لا بد من بيان أبرز النتائج والتوصيات التي توصلتُ إليها في هذا البحث، فأقول مستعينا بالله متوكلًا عليه: ١ - النوازل في الزكاة هي الحوادث الجديدة التي تحتاج لحكم شرعي. ٢ - لا يخلو تأثير الديون الاستثمارية في بلوغ النصاب الزكوي من أقسام: أ - إذا كانت الديون لتمويل أصول ثابتة بقصد الاستثمار وزيادة الأرباح، وكانت زائدة عن الحاجات الأصلية للمدين، فإن هذه الديون تجعل في مقابل تلك الأصول، ولا تُنقص من الأموال التي في يده والغلة المستفادة له. ب - إذا كانت الديون لتمويل أصول ثابتة ضرورية لا تزيد عن حاجة المدين الأصلية، فيُنقص الدين الحال، وهو القسط السنوي، من وعاء المدين الزكوي، ولا يُنقص الدين المؤجل لما تقدم. وبذلك يتبين أثر هذه الديون على نصاب ما بيد المدين من أموالٍ زكوية، وأنَّ الديون تُنقص من تلك الأموال، ثم ينظر ما بقي، فإن كان نصابًا زُكّي، وإلا فلا. جـ - إذا كانت الديون لتمويل عمل تجاري، فيُنقص القسط السنوي عندئذٍ

стр. 488

من قيمة العروض والأموال التي في يده، ويزكي ما تبقى، أما المؤجل من الأقساط فلا ينقص كما تقدم. ٣ - إن تأثير الديون الإسكانية في بلوغ النصاب الزكوي لا يخلو من أحوال: الأول: أن تكون الديون الإسكانية لبناء بيت يسكنه المستدين بلا إسراف، ويكون الدين مقسطًا، فيُنقص القسط السنوي من الأموال الزكوية التي في يده، ويزكي ما بقي إن بلغ نصابًا، وبذلك يتبين أن لهذه الديون أثرًا في النصاب، فقد يستغرق الدين الحال النصاب أو ينقص المال الزكوي عن بلوغ النصاب فتسقط الزكاة عنه. الثاني: أن تكون الديون الإسكانية المؤجلة، لبناء بيت يزيد عن حاجته أو فيه إسراف وتبذير، فإنَّ هذا الدَّين يجعل في مقابل القسم الزائد عن حاجته من العقار، فإن استغرق الدين ما زاد من العقار السكني، ولم يفضل الدين على العقار فإنه يزكي ما بيده من أموال زكوية ولا يتأثر نصابها بالدين، وإن فَضَلَ الدين على العقار، فينقص القسط الحال في سنة الدين من أمواله الزكوية، ويزكي ما بقي إن بلغ ماله نصابًا. الثالث: أن تكون الديون الإسكانية المؤجلة لغرض استثماري، فإنَّ الدَّين الإسكاني في هذه الحالة استثماري فينطبق عليه ما تقدم في القسم الثالث من المسألة السابقة، فينقص قسط الدين الحال من قيمة الوحدات السكنية، ولا ينقص مما بيده من أموال زكوية إلا إذا استغرق الأصول الثابتة (الوحدات السكنية)، أما الأقساط المؤجلة من الدين فلا تؤثر في نصاب المال الزكوي.

стр. 489

٤ - لا أثر للتضخم النقدي، في المقدرات بالنص الشرعي من الأموال الزكوية، كالنقدين وسائمة الأنعام والحبوب والثمار، وكذا لا تأثير له في نصاب الأوراق النقدية إلا من جهة انخفاض قيمتها التبادلية وقوتها الشرائية، فيرتفع مقدار نصابها؛ لتغير قيمة النصاب الذي تعتبر به، وهو نصاب الذهب والفضة، فقد يصبح نصاب الأوراق النقدية الذي أوجبنا الزكاة عند بلوغه قبل التضخم مما لا تجب الزكاة فيه؛ لانخفاض قيمة الأوراق النقدية بسبب التضخم. ٥ - الأصل هو احتساب الزكاة وَفْق التاريخ الهجري، ولا ينبغي الاعتداد بالتاريخ الميلادي في ذلك إلا عند وجود المشقة المعتبرة بناء على جواز تأخير إخراج الزكاة للحاجة، مع وجوب احتساب الفرق بين التاريخ الهجري والميلادي، فتُصبح نهاية الحول الميلادي زمنًا للإخراج وليست وقتًا للوجوب. ٦ - أن مقدار نصاب الزروع والثمار وهو خمسة أوسق يساوي بالمقاييس الحديثة بوحدة قياس الحجم ستمائة وعشرة كيلوات وخمسمائة جرام، ويساوي بوحدة قياس الثقل سبعمائة وتسعة وعشرين لترًا. ٧ - لا تأثير لنفقات الري بالوسائل الحديثة على القدر الواجب إخراجه زكاة لا زيادةً ولا نقصًا، كما أنه لا تأثير لزيادة الأرباح باستخدام تلك الوسائل في زيادة القدر المخرج زكاة ورفعه عن نصف العشر. ٨ - حكم الثمار المعدة للتجارة لا يخلو من حالين: أ - أن يكون مالكها يزرعها ثم يبيعها، فيترجح زكاتها زكاة العين بإخراج العشر أو نصفه من الزروع والثمار، والمتعيّن غالبًا في هذه الأزمان هو نصف العشر، لوجود الكلفة في الزراعة والتخزين ونحوها من متطلبات الزراعة الحديثة.

стр. 490

ب - أن يكون مالكها يشتري المحصول بعد حصاده ليبيعه، فتجب فيها زكاة التجارة؛ لأنها عروض تجارة. ٩ - لا تخلو الحيوانات المتخذة للاتّجار بنتاجها كالألبان ونحوها من قسمين: الأول: أن تكون مما تجب الزكاة في عينه، كسائمة بهيمة الأنعام فلا يخلو الأمر من حالين: أ - أن تكون تلك الحيوانات سائمة -وهذا نادر في واقع الحال- فالأقرب هو القول الثاني، وهو إيجاب الزكاة فيها إذا بلغت نصابًا وحال حولها، ويعتبر إنتاجها من الألبان ونحوها مالًا آخر تجب الزكاة فيه إذا اتخذ للتجارة، وحال الحول عليه، وبلغ نصابًا، فيزكى زكاة التجارة، فإن بيع فيزكى ثمنه وأرباحه بعد حَوَلان الحول على إنتاجه وبلوغه النصاب، فإن تعسر ذلك فيمكن تحديد يوم في السنة لتزكية جميع ما لدى المزكي من النصاب. ب - ألا يتحقق فيها وصف السَّوْم -وهو الغالب- فالراجح هو القول الثالث وهو تزكية غلتها بعد حولان حول عليها. القسم الثاني: أن تكون الحيوانات المنتجة مما لا تجب الزكاة في عينه كالغزلان والطيور والوحوش، فالراجح عدم إيجاب الزكاة في الأصل وهو الحيوان؛ لأنه مما لا تجب الزكاة في عينه، كما أنه ليس عرض تجارة يقلب في البيع والشراء، وإنما هو مال يستفاد من غلته لبيعها لغرض التجارة، فيترجح القول بزكاة الغلة زكاة عروض تجارة من عينها أو ثمنها عند حولان الحول على استفادتها وبلوغها النصاب. ١٠ - أن زكاة المصانع تكون بتزكية صافي غلالها بعد حولان الحول على بداية إنتاج المصنع.

стр. 491

١١ - ما تم تصنيعه من بضائعَ معدةٍ للبيع يجب تزكيتها زكاة التجارة، باحتساب قيمتها السوقية إذا استكملت حولًا ونصابًا. ١٢ - وجوب الزكاة في المواد الخام المملوكة بنية التجارة إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول، فتقوّم عندئذ وتخرج منها زكاة التجارة. ١٣ - ما لا يدخل في تركيب المصنوع مما يحتاج إليه في التصنيع كمواد التشغيل، والصيانة كالوقود والزيوت ونحوها لا تقوّم ولا تجب زكاتها. ١٤ - إنَّ نصاب الأوراق النقدية يكون ببلوغها أدنى نصابي الذهب أو الفضة. ١٥ - الأقرب تكييف المال المودع في الحساب الجاري بأنه قرض من مُودِع المال للمصرف، وهو في حكم المليء الباذل، فيكون الحكم في زكاته كالحكم في زكاة الدين إذا كان على مليء باذل، وهو وجوب الزكاة على المقترض (الدائن) كلما حال على المال حول ولو لم يقبضه، فإن تعسّر ضبط هذا لكثرة حركة المال في الحساب الجاري على مدى العام، فإنَّ المزكي يعيِّن يومًا في السنة ويزكي فيه المال المودع في الحساب الجاري. ١٦ - لا تخلو زكاة الأسهم من حالين: الأولى: أن يكون المزكِّي هو المساهم -وهذا هو الأصل الواجب شرعًا- فإن الزكاة تكون بحسب نوع الشركة ونية المساهم مع ملاحظة ما يلي: أ - بلوغ أسهم المزكي نصابًا بنفسها أو بضمها لأمواله الزكوية إذا كان له حكمها، ويراعى في ذلك حسم قيمة الأصول الثابتة والمصاريف الإدارية، والديون المستحقة الحالة على الشركة، وكذا على المساهم.

стр. 492

ب - تطبيق زكاة النقود على الفوائض النقدية، وزكاة التجارة على البضائع التجارية الموجودة في الشركات الزراعية والصناعية. جـ - في حال عدم تمكن المساهم من العلم بموجودات الشركة الزكوية لاحتساب زكاتها فإنه يخرج ربع عشر قيمة السهم الدفترية. الثانية: أن يكون المزكي هو الشركة المساهمة، كما لو نص في نظام الشركة الأساسي، أو صدر به قرار الجمعية العمومية للشركة، أو ألزم بذلك قانون الدولة، أو فوض المساهم الشركة بإخراج زكاة أسهمه، فإن حكم الزكاة عندئذ يكون باعتبار أموال المساهمين كمال الشخص الواحد، من جهة نوع المال وحوله ونصابه مع ملاحظة ما يلي: أ - عدم أخذ الزكاة على أموال غير المسلمين لفقدهم أهم شروط الزكاة وهو الإسلام. ب - بالنسبة للمضارب بالأسهم، فإنه لا يكتفي بزكاة الشركة، بل يجب عليه إخراج الفرق بين زكاة الشركة بالقيمة الحقيقية للسهم وبين زكاته بالقيمة السوقية، كما أن الشركات الصناعية لا تزكي إلا ريع السهم الصافي، بينما يجب عليه أن يزكي كامل قيمته، مع حسم ما أخرجته الشركة إذا علم بمقداره، فإن شق معرفة ذلك على المضارب فإنه يخرج الزكاة بالنظر لقيمة الأسهم السوقية. ١٧ - تجب الزكاة في أصل السند الربوي مع عدم مشروعية زكاة الفوائد الربوية، بل يجب التخلص منها في مصارف خيرية مشروعة، وتكون زكاة مبلغ الدين كاملا، وذلك بحسب قيمته الحقيقية. ١٨ - لا يخلو حكم الزكاة في الصناديق الاستثمارية من حالين:

стр. 493

أ - أن تكون استثماراتها في نشاط معين مثل النشاط الصناعي أو الزراعي، فلها حكم زكاة هذا النشاط كما تقدم بيانه وتفصيله في زكاة الأسهم. ب - أن تكون استثماراتها في النشاط التجاري بتقليب المال بيعا وشراء، وهو الغالب، فلا يخلو ذلك من أحد حالين: الحال الأولى: أن تكون حقيقة العلاقة بين الطرفين المتعاقدين هي المضاربة التجارية، فلا تجب الزكاة على العامل -وهو الجهة الاستثمارية المديرة للصندوق- إلا بعد استحقاقه لنصيبه، ويكون ذلك بعد ثبوت الربح له بالقسمة، وحولان حول عليه إن كان نصابا، أما رب المال فتجب الزكاة فيه عليه بعد حولان حول على نصابه، فيحتسب ماله وأرباحه، وتخرج زكاته للربح. الحال الثانية: أن تكون حقيقة العلاقة بينهما هي الوكالة بأجر، فتكون زكاة الصندوق الاستثماري، بالنسبة لرب المال هي زكاة مال التجارة، فيحتسب رأس ماله وربحه، ويزكيه بإخراج ربع عشره، إن بلغ ماله نصابا، وحال حول زكاته. وأما زكاة أجرة العامل في هذه الصورة، فحكمها كحكم زكاة المال المستفاد، إذا كان من جنس نصاب عنده، وليس من نمائه، فيشترط لإيجاب الزكاة فيه حَوَلان الحول عليه بعد استفادته إن كان نصابًا. فيحسب العامل -وهو إدارة الصندوق الاستثماري- ما له، فإن كان نصابًا ابتدأ حوله من حين استحقاقه للمال. ١٩ - لا تجب الزكاة في المال العام، سواء كان مستثمرا أم غير مستثمر، ومن ذلك الشركات المملوكة للدولة، أو نصيب الدولة التي تملكه في بعض الشركات. ٢٠ - وجوب زكاة قسط أو دفعة التأمين على المؤمن، وتكون صفة زكاة التأمين

стр. 494

بالنسبة لشركات التأمين التجارية بأن تحسب الشركة رأس مالها وأرباحها، مع الديون المرجوة لها عند الغير، وتخصم الديون التي عليها، وقيمة أصول الشركة من الوعاء الزكوي، وتخرج قدر زكاة التجارة (ربع العشر) من المال المتبقي بعد ذلك. ٢١ - لا زكاة في أقساط التّأمين التعاوني أو دفعاته التأمينية على المؤمن والمؤمن له، إلا في حالة انقضاء السنة المالية وزيادة مبالغ التأمين التعاوني بعد تغطيتها للأخطار المؤمن ضدها، فإن للمؤمّنين الحقَّ في استعادة الفائض المالي بالنسبة بين جميع الشركاء، ما لم يتفق على خلاف ذلك، كأن يكون هذا الفائض من نصيب شركة التأمين التعاوني لقاء إدارتها لأموال التّأمين، فإنه والحالة هذه يجب تزكية المال الفائض وما نشأ عنه من أرباح بعد حول من تحققه لشركة التّأمين؛ لكونها لم يستقر ملكها إياه قبل ذلك. ٢٢ - عدم وجوب زكاة الراتب التقاعدي ومكافأة التقاعد على الموظف، لعدم تمام الملك، وأما الدولة فلا تجب زكاتها عليها كذلك؛ لأنها جهة عامة لا تملك. ٢٣ - لا تجب الزكاة في مكافاة نهاية الخدمة قبل استحقاقها بنهاية الخدمة، وصدور قرار صرفها للموظف العامل، وتزكى بعد حَوَلان حول من قبضها من مستحقها. ٢٤ - يزكى الراتب الشهري زكاة المال المستفاد، فيحسب حول لكل راتب من حين تملكه، ويزكيه إن بلغ نصابًا، إلا أنه لمّا كان ضبط ذلك شاقًّا، فإنّه يشرع للمكلف تحديد يوم في السنة لزكاة رواتب السنة كلها، فينظر ما لديه من نصاب ويزكيه، فما كان منه قد حال عليه الحول فقد وجبت زكاته، وما لم يَحُلْ حوله فإن زكاته تكون زكاة معجلة.

стр. 495

٢٥ - عدم وجوب الزكاة في حقوق التأليف والابتكار، ووجوبها في الاسم التجاري والترخيصِ والعلامة التجارية إذا تحققت فيها شروط زكاة عروض التجارة، لا سيما وأنَّ بيع تلك الحقوق قد يكون بمعزل عن آثارها، ويتضح ذلك في الحقوق التي ليس لها آثار، كالترخيص التجاري قبل استحداث المنشأة التجارية ونحو ذلك، فإنه متى أعد المال للتجارة حقًّا كان أو عَيْنًا وجبت زكاته بعد استيفاء شروط وجوبها. ٢٦ - حكم زكاة العين المؤجرة إيجارًا منتهيًا بالتّمليك يتخرج على حكم زكاة المستغلات، فتجب الزكاة فيما غل منها بعد حولان الحول على الغلة، لا في كامل قيمة العين. فيجب على مالك العين المؤجرة -وهو المؤجر- زكاة أقساط الأجرة التي يستلمها إذا حال عليها الحول بعد قبضها، فإن شق ضبط حول كل قسط لها فيمكنه تحديد وقت معين يزكي فيه ما اجتمع له من مال زكوي من تلك الأقساط. ٢٧ - وجوب زكاة الثمن على المستصنع ما لم يقبضه الصانع، أو يستحقه، كما يجب على الصانع زكاة المصنوع ما لم يقبضه المستصنع أو يستحقه، وذلك لتحقق ملك المستصنع لثمن المصنوع، وتحقق ملك الصانع لعين المصنوع ومواده التي يتركب منها، مع عدم تحقق ملك الصانع للثمن ما لم يقبضه أو يستحقه، فإن قبضه فقد تملكه، وإن استحقه ولم يقبضه فتنطبق عليه أحكام زكاة الدَّيْن، وهي إنما تجب إن كان الدين على مليء باذل، كما أن ملك المستصنع للمصنوع لا يتحقق ما لم يقبضه أو يستحقه، فإن استحقه ولم يقبضه فتجري عليه أحكام زكاة الديون كما تقدم، إلا أن إيجاب الزكاة في المصنوع أو ثمنه، إنَّما يكون في حال وجودهما لدى مالكهما، وإعدادهما للتجارة. ٢٨ - الغنى المانع من أخذ الزكاة هو ما تحصل به الكفاية، فمن وجد من المال ما يكفيه ويكفي مَن يمونه، فهو غني لا تحل له الزكاة، ومن لم يجد ذلك حلتْ له
следующие страницы →