مما يدل على فورية إخراج الزكاة. قال ابن حجر (١): "قال ابن بَطَّال (٢): فيه أن الخير ينبغي أن يُبَادر به، فإن الآفاتِ تَعْرِض، والموانعَ تمنع، والموت لا يُؤْمن، والتسويف غير محمود.
زاد غيره: وهو أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعدُ عن المَطْل المذموم، وأرضى للرب، وأَمْحى للذنب" (٣).
٣ - أن الزكاة وجبت لحاجة الفقراء، وهي حاجة ناجزة، فيجب أن يكون الوجوب ناجزًا (٤).
٤ - أن الزكاة عبادة تتكرَّر، فلم يَجُزْ تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها، كالصلاة والصوم (٥).
أدلة القول الثاني:
١ - أن مُطْلق الأمر لا يقتضي الفور؛ ولذا يجوز للمكلَّف تأخير إخراج الزكاة، فالمطلوب الأداء، ولم يتعرّض الأمر المطلق للوقت (٦).
ونوقش:
أولًا: بأننا لا نُسَلّم بكون الأمر عند الإطلاق يقتضي التراخي؛ بل هو على
стр. 422
الفور على الراجح أصوليا لما يلي:
١ - أن الله أمر بالمسارعة والمسابقة في الخيرات، كما في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (١).
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] (٢). فهو أَمْر بالمسارعة، وأمره يقتضي الوجوب.
ب - أن مقتضاه عند أهل اللسان الفور؛ فإن السيد لو قال لعبده: اسقني.
فأَخّر، حسن لومه، وتوبيخه وذمه، ولو اعتذر عن تأديبه على ذلك، بأنه خالف أمري وعصاني، لكان عذره مقبولًا.
ج - أنه لا بد من زمان، وأَوْلى الأزمنة عقيب الأمر، ولأنه يكون ممتثلًا يقينًا، وسالمًا من الخطر قطعًا، ولأن الأمر سببٌ للزوم الفعل، فيجب أن يتعقبه حكمه كالبيع والطلاق وسائر الإيقاعات؛ ولذلك يعقبه العزم على الفعل والوجوب (٣).
ثانيًا: لو سلمنا بأن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، فإنه يقتضيه هنا لوجود قرينة تدل عليه، وهي دفع حاجة الفقير المعجلة، فلو لم يكن الأمر على الفور لم يحصل المقصود على التمام (٤).
٢ - أنّ مَن عليه الزكاة إذا هلك نصابه بعد تمام الحول والتمكن من الأداء لا يضمن، ولو كانت واجبة على الفور لَضَمِن، كمن أخَّر صوم شهر رمضان عن وقته، فإنه يجب عليه القضاء (٥).
стр. 423
ونوقش: بأن مسألة عدم الضمان بهلاك النصاب مسألة خلافية مبنية على مسألةِ فوريةِ إخراج الزكاة، فيضمن عند من يقول بالفورية، ولا يضمن عند من لا يقول بها (١).
الترجيح:
يترجح القول الأول لقوة أدلته، وإمكان الإجابة عن أدلة القول الثاني (٢)
стр. 424
المسألة الثانية: حكم استثمار أموال الزكاة من قبلَ المالك
ويتبين مما تقدم أن الراجح عدم جواز استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ المالك، وذلك لما يلي:
١ - أن استثمار أموال الزكاة يحتاج لمدة طويلة مما يؤدي لتأخير إخراج الزكاة، وهذا يضر بالمستحقين، وقد تقدم ترجيح القول بوجوب إخراج الزكاة عند وجوبها على الفور.
٢ - أنه قد ينشأ عن الاستثمار خسارة، فيضمن المالك ذلك، فيعجز عن التعويض، فيضيع حق الفقراء.
٣ - أن مال الزكاة المستثمر قد يَدُرُّ أرباحًا طائلة، تصيب المزكي بالطمع، مما قد يؤدي لعدوله عن إخراج الزكاة، أما إخراجها فورًا فهو أقطع للطمع، وأبعد عن الجشع (١).
المسألة الثالثة: حكم استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ وكيل مالك المال (٢)
اتفق الفقهاء على مشروعية التوكيل في إخراج الزكاة، (٣) فيأخذ الوكيل حكم الأصيل، وهو مالك المال فيما يتعلق به من أحكام، ومن ذلك حكم استثمار مال الزكاة، وقد ترجح في المسألة السابقة عدم جواز ذلك في حق مالك المال، فلا
стр. 425
يجوز أيضا في حق الوكيل أن يستثمر مال الزكاة بعد تعلق حق المستحقين به، ومما تجدر الإشارة إليه أن الوكيل قد يكون شخصًا حقيقيّا، وقد يكون شخصًا حُكْميًّا يتمثل في جهة، كالمؤسسات والمكاتب الخيرية التي لم تُكَلّف من الإمام بجمع الزكاة وتفريقها، فتكون وكيلة عن المالك فقط، فينطبق عليها حكم المالك في استثمار أموال الزكاة كما تقدم تقريره، فإن كُلّفَتْ من الإمام أو أذن لها بالقيام بذلك فهي وكيلة عن المالك والمستحق في وقت واحد، فيكون لاستثمارها لأموال الزكاة بحث آخر سيأتي بيانه - إن شاء الله - في المسألة التالية (١).
...
стр. 426
المطلب الثاني استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو نائبه (١)
اتفق الفقهاء على مشروعية جمع الإمام أو مَنْ يُنِيبه لأموال الزكاة، فتبرأ ذمة المزكي بدفع زكاته إلى الإمام الذي يتولى جمعَ الزكاة لوضعها في مصارفها الشرعية (٢)، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء المعاصرين في حكم استثمار الإمام أو نائبه لتلك الأموال الزكوية بعد جمعها من مالكيها، (٣) وذلك على عدة أقوال ترجع إلى قولين:
стр. 427
القول الأول: عدم جواز استثمار أموال الزكاة، وقد اختار هذا القول المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة (١)، ومجمع الفقه الإسلامي في الهند في ندوته الثالثة عشرة (٢)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (٣).
وذهب إليه بعض العلماء المعاصرين كالشيخ محمد بن عثيمين (٤).
القول الثاني: جواز استثمار أموال الزكاة، واختار ذلك مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثالثة (٥)، والندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة (٦)، وبيت التمويل الكويتي (٧)، والهيئة الشرعية لبيت الزكاة في الكويت (٨).
وقالله به كثير من المعاصرين كالشيخ مصطفى الزرقا (٩)، والدكتور وهبة
стр. 428
الزحيلي (١)، والدكتور يوسف القرضاوي (٢)، بالإضافة إلى غيرهم من المعاصرين (٣).
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠] (٤).
وجه الدلالة: أن مصارف الزكاة محصورة في الأصناف المذكورة، واستثمار الزكاة يخرج بها عن تلك الأصناف، ويخالف مقتضى الحصر (٥).
ونوقش: بأن استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ الإمام أو مَن ينيبه اجتهادٌ في كيفيّة
стр. 429
صرف الأموال للمستحقين، وليس صرفًا لها في غير المصارف المنصوصة، فهو اجتهاد في الصَّرْف لا في المَصْرَف، كما أن ذلك في مصلحة المستحقين وليس خروجًا عليها (١).
٢ - أن استثمار أموال الزكاة يؤدي إلى تأخير صرف الزكاة لمستحقيها، وهو منافٍ للفورية الواجبة في إخراج الزكاة (٢).
ونوقش:
أولًا: بأن خطاب الفورية يتعلق بالمزكي لا بالإمام، فإذا دُفِعَتِ الزكاة للإمام فقد تحققت الفورية بالنسبة للمزكي، فيجوز للإمام حينئذ تأخيرُ قسمتها للمصلحة، فقد كان النبي ﷺ يسم إبل الصدقة (٣) مما يدل على جواز تأخير القسمة؛ إذ لو لم يجز ذلك لما احتاج لِوَسْم إبل الصدقة (٤).
ثانيًا: أنه قد يتعذَّر صرفُ الزكاة فورًا في بعض الأحيان، فبعض مؤسسات الزكاة تأتيها الأموال، ولا تتمكَّن من صرفها حالًا؛ لأن الطلبات المقدّمة من المستحقين بحاجة إلى دراسة متأنية لتوثيقها ومعرفة الأحق منها، وهذه الإجراءات تأخذ وقتًا ليس باليسير، وليس من المصلحة تعطيل الملايين من أموال الزكاة كلَّ هذا
стр. 430
الوقت، بل يمكن أن تُسْتثمر لتزيد، خاصة أن القوة الشرائية للنقود قد تنخفض (١).
٣ - أن استثمار أموال الزكاة يعرضها للخسارة، فتضيع أموال المستحقين (٢).
ونوقش: بأن احتمال الخسارة لا يمنع الاتجار بالأموال؛ لما فيه من تنمية للمال وزيادة، كما أن استثمار الأموال يخضع في هذا الوقت إلى دراسات اقتصادية من قِبَلِ أهل الخبرة والاختصاص، قبل الاستثمار في أي مشروع، مما يضعف احتمال الخسارة في استثمار أموال الزكاة (٣).
علمًا بأن أخبرني ضوابط استثمار أموال الزكاة عند القائلين بجوازه توافرُ الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر، بحيث يتم توظيف الأموال في استثمارات قليلة المخاطر، قائمة على دراسات علمية دقيقة (٤).
٤ - أن استثمار أموال الزكاة من قِبَل الإمام أو نائبه يؤدي إلى عدم تملّك المستحقين للزكاة، وهذا مخالفٌ لما عليه جمهور الفقهاء من اشتراط التّمليك في أداء الزكاة، ولذا لا يجوز استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام أو نائبه (٥).
ونوقش:
أولًا: بأنه قد أجاز كثير من العلماء صرفَ الزكاة بغير تمليك في بعض الصور، كصرفها في شراء العبيد وعتقهم (٦).
стр. 431
ثانيًا: أنه على التسليم باشتراط التّمليك، فهو حاصل في استثمار أموال الزكاة من خلال صور، منها:
- التّمليك الجماعي، بأن يملك المستحقون المشروع الاستثماري، بحيث تُدار الأموال التي يملكونها في هذا المشروع.
- تمليك الإمام أو مَن يُنِيبه من المؤسسات أو الجمعيات، فالدولة أو المؤسسة شخص حكمي ينوب عن المستحقين، وله أن يتملَّك نيابةً عنهم إلى أن يصرف عليهم أموال الزكاة المستثمرة.
- توكيل المستحقين لجهة الزكاة التي تستثمر الأموال، فهذه الجهة وكيل في القبض والتصرُّف لصالح المستحقين، وتمليكها تمليك للمستحقين (١).
ثالثًا: لا يُسَلَّم بمنافاة استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ الإمام أو نائبه لمبدأ التّمليك؛ لأن الأموال المستثمرة مع أرباحها ستئول إلى ملك المستحقين، غاية ما هنالك تأخير صرفها (٢).
٥ - أن استثمار أموال الزكاة يؤدي إلى حرمان الفقراء من حاجاتهم الأصلية من غذاءٍ وكساءٍ ونحو ذلك، وسَدُّ حاجة المستحقين هو من المقاصد الأساسية لفريضة الزكاة، فلا يجوز إهماله من أجل استثمار الأموال، وهي إنما تعالج مشكلة الفقر المُتوقَّع، والأصل في الزكاة معالجة الفقر الواقع لا المتوقع (٣).
стр. 432
ونوقش:
أولًا: أن من شروط جواز استثمار أموال الزكاة عند القائلين به أن يكون الاستثمار بعد تلبية الحاجات المُلِحَّة والفورية للمستحقين، فيجب سَدّ حاجتهم أولًا، ثم التفكير في استثمار الأموال، وليس من المعقول أن يتضوَّر الفقراء جوعًا، بينما تكدِّس مؤسسات الزكاة الأموال للمتاجرة بها!!
ثانيًا: أن السبب في عدم تلبية أموال الزكاة للاحتياجات المتزايدة للمستحقين هو امتناع بعض الأغنياء عن إخراج زكاة أموالهم، ولو أُلْزِم هؤلاء بدفع زكاتهم لتحصَّل من ذلك أموال كثيرة يمكن أن تلبّي حاجاتِ المستحقين، كما يمكن استثمار بعضها لتوفير أرباح دورية لصالح المستحقين.
ثالثًا: أن استثمار أموال الزكاة ينشأ عنه أرباح دورية، يمكن صرفها على المستحقين متى ما عجزت الزكاة المجموعة من الأغنياء عن تلبية حاجات المستحقين، وهكذا فالاستثمار يعالج مشكلة نقص الأموال الزكوية، ولا يؤدي إلى حرمان المستحقين من تلبية احتياجاتهم (١).
أدلة القول الثاني:
١ - أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين كانوا يستثمرون أموال الصدقات من إبل وبقر وغنم، فقد كان لتلك الحيوانات أماكنُ خاصة للحفظ والرعي والدَّرّ والنسل، كما كان لها رعاة يرعونها ويُشرفون عليها، ويؤيد ذلك ما رُوِيَ عن أنس ﵁: أن أناسًا من عُرَيْنَةَ اجتووا المدينة، فرخص لهم الرسول ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فشربوا من ألبانها وأبوالها. . . الحديث (٢).
стр. 433
فدل الحديث على أن النبي ﷺ لم يقسِم إبل الصدقة على المستحقين حال وصولها إليها، وإنما وضع لها راعيًا، واستثمرها بما ينشأ عنها من تناسل ولَبَنٍ يُصْرف للمستحقين (١).
وهكذا خلفاؤه ﷺ ، ومن ذلك ما ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ شرب لبنًا فأعجبه، فسأل عنه، فأخبره الذي سقاه أنه ورد على ماءٍ قد سَمَّاه، فإذا نَعَمٌ مِن نَعَم الصدقة وهم يَسْقُون، قال: فحلبوا في من ألبانها، فجعلتُه في سِقائي، فهو هذا، فأدخل عمر ﵁ يده فاستقاءه (٢).
ونوقش: بأن اعتبار ذلك استثمارًا غيرُ مُسَلَّم، فقد كان لمجرد حفظ الحيوانات لحين توزيعها على المستحقين لا للاستثمار، وما يحصل من توالد وتناسل ودَرّ لبن فهو طبيعي غير مقصود، فلا يدل هذا الدليل على جواز إنشاء مشاريع إنتاجية طويلة الأجل، وإنما يدل على جواز استثمار أموال الزكاة في إحدى المصارف الإسلامية لحين توزيعها أو توصيلها إلى المستحقين، فإن هذا الاستثمار للحفظ وتحقيق النفع للمستحقين من رَيْعها، فلا حرج فيه لقوله ﷺ : "مَن استطاع منكم أن ينفع أخاه فَلْيَفْعَل " (٣)(٤).
стр. 434
٢ - ما ورد أن رجلًا من الأنصار أتى النبيَّ ﷺ يسأله فقال: "أما في بيتك شيء؟ " قال: بلى، حِلْسٌ (١) نلبس بعضَه ونبسط بعضَه، وقَعْبٌ (٢) نشرب فيه من الماء، قال: "ائْتِنِي بِهِما"، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وقال: "من يشتري هذين؟ " قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: "مَن يزيد على درهم؟ " مرتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: "اشتر بأحدهما طعامًا وانْبِذْه إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُومًا فَأتني به"، فأتاه به، فشدَّ فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده، ثم قال له: "اذهب فاحتطب ولا أرينك خمسة عشر يومًا"، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرةَ دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نُكْتَةً في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غُرْم مفظع، أو لذي دم موجع (٣) " (٤).
стр. 435
وجه الدلالة: أنه إذا جاز استثمار مال الفقير المشغول بحاجاته الأصلية جاز للإمام استثمار أموال الزكاة قبل شغلها بحاجاتهم (١).
ونوقش:
أولًا: بأن إسناد هذا الحديث ضعيف، فلا يحتج به.
ثانيًا: وعلى التسليم بصحته فهو عام في الاستثمار والإنتاج، وليس خاصا باستثمار أموال الزكاة (٢).
٣ - أن النبي ﷺ أعطى عروة البارِقِي ﵁ (٣) دينارًا يشتري له به شاةً، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه. الحديث (٤).
وجه الدلالة: أن عروة ﵁ اتَّجَر في مال لم يوكَّل بالاتَّجار به، فيدل ذلك على جواز استثمار مال الغير بغير إذن مالكه؛ لأن النبي ﷺ أقرَّه على ذلك ودعا له بالبركة، وإذا جاز استثمار المال الخاص بغير إذن صاحبه، جاز للإمام أو نائبه استثمار أموال الزكاة بغير إذن المستحقين؛ لأن الإمام له حق النظر والتصرّف بالمال
стр. 436
بما يُحَقِّق المصلحة للمستحقين ويدفع الضرر عنهم (١).
ونوقش: بأن الحديث واقعة عين، فيُحْتمل أن يكون عروة ﵁ وكيلًا في البيع والشراء معًا (٢).
وأجيب: بأن هذا الاحتمال بعيد، بل ظاهر الحديث أنه كان موكَّلًا بالشراء فقط؛ لأن الحاجة من التوكيل كانت داعية إلى الشراء دون البيع (٣).
٤ - أن عبد الله وعبيد الله (٤) ابني عمر بن الخطاب ﵃ خرجا في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري ﵁ وهو أمير البصرة، فرحَّب بهما وسَهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، هاهنا مالٌ من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأُرْبِحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكُلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما. أَدّيا المالَ ورِبْحَه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمنّاه، فقال عمر: أَدّيَاه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين. . . لو
стр. 437
جعلته قِرَاضًا؟ (١) فقال عمر: قد جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال (٢).
وجه الدلالة: أن ابني عمر استثمرا مالًا من أموال الله - كما في الأثر -، فدلَّ ذلك على جواز مثل هذه الصورة (٣)، وأموال الزكاة من أموال الله تعالى، فيجوز استثمارها، وفي الأثر لم يعترض عمر ﵁ على ابنيه لاستثمارهما هذا المال، وإنما اعترض عليهما؛ لأن أبا موسى ﵁ خصهما بالمال لينتفعا من ورائه دون غيرهما، فيدل ذلك على إقرار عمر لهما على الاستثمار.
ونوقش: بأن الأثر ليس فيه نص على أن المال كان من أموال الزكاة؛ وإنما كان لبيت المال، فلا علاقة له بالزكاة (٤).
ويمكن أن يُجاب ذلك بأن المال المُسْتَثمَر وُصِف بأنه (مال الله)، وهذا الوصف ينطبق على الزكاة، وعلى فرض أنه لم يكن زكاةً، فإنه يمكن قياس مال الزكاة عليه بجامع أن كلًّا منهما حق مالي لله تعالى.
стр. 438
ويُلحظ في هذا الأثر أن ابني عمر يضمنان هذا المال، ويمكن استثمار أموال الزكاة بهذه الصورة، وذلك بأن تُدفع الأموال لمن يستثمرها بجزء من الربح على أن يضمنها كما في هذا الأثر؛ لأنها مال الله (١).
٥ - أن بعض الفقهاء والمفسّرين قد توسّعوا في مصرف (في سبيل الله)، فجعلوه شاملًا لكل وجوه الخير من بناء الحصون وعمارة المساجد وبناء المصانع، وغير ذلك ممَّا فيه نفع للمسلمين (٢).
وإذا جاز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير، جاز صرفها في إنشاء المصانع والمشاريع ذات الريع التي تعود بالنفع على المستحقين (٣).
ونوقش: بعدم التسليم بمعنى مصرف (في سبيل الله) المذكور، فلا تؤيده الأدلة، ولم ينقل عن فقيه معروف، بل الفقهاء متفقون على أن المراد بمصرف (في سبيل الله) الجهاد في سبيل الله وما في معناه، كما تقدم تقرير ذلك وترجيحه (٤).
٦ - القياس على استثمار المستحقين للزكاة بعد قبضها ودفعها إليهم بقصد الاستثمار، فإذا جاز دفعها إليهم بقصد استثمارها لتأمين كفايتهم وتحقيق إغنائهم جاز استثمارها وإنشاء مشروعات صناعية أو زراعية، تدر على المستحقين ريعًا دائمًا ينفق في حاجة المستحقين، ويؤمن لهم أعمالًا دائمة تتناسب مع إمكاناتهم وقدراتهم (٥).
стр. 439
ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق، ففي استثمار المستحقين لأموال الزكاة تحقق شرط التّمليك، أي: أنهم استثمروها بعد أن ملكوها، وصارت من جملة أموالهم، وهذا بخلاف استثمار الأموال من قِبَلِ الإمام أو نائبه، حيث لم يتحقَّق شرط التّمليك (١).
وأجيب: بأن هذا مبني على اشتراط التّمليك في دفع الزكاة، وهذا ليس مسلَّمًا بإطلاق، فيمكن القول بأنه يتحقَّق التّمليك الجماعي للمستحقين عند استثمار أموالهم من قِبَلِ الإمام أو مَن ينيبه (٢).
٧ - قياس استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ الإمام أو من يُنِيبُه على استثمار أموال اليتامى من قِبَل الأوصياء؛ لأنه نوعٌ من حفظ ماله من التلف والاستهلاك، وهو مقيَّد بأمان العاقبة، والتصرّف وفق المصلحة لقول الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] (٣).
وإذا جاز استثمار أموال الأيتام، وهي مملوكة لهم حقيقةً، جاز استثمار أموال الزكاة قبل دفعها إلى المستحقين لتحقيق منافع لهم، فهي ليست بأشد حُرمةً من أموال اليتامى (٤).
ونوقش: بعدم التسليم بهذا القياس لما يلي:
أولًا: أن استثمار مال اليتيم خاص بالأموال الزائدة عن حاجاته الأصلية، بدليل وجوب الزكاة فيها، أما أموال الزكاة فالغالب أنها لا تزيد عن حاجات
стр. 440
المستحقين، ولو زادت يمكن نقلها إلى مكان آخر؛ ولذا لا يجوز قياس استثمار أموال الزكاة المشغولة بحاجات المستحقين على استثمار أموال اليتامى الزائدة عن حاجتهم (١).
ثانيًا: أن مال الزكاة واجب الدفع إلى المستحقين على الفور، ولا يُحجر عليهم التصرف فيه، أما مال اليتيم فإنه يُنْتَظر فيه بلوغه الرشدَ وتحقق أهلية التصرف فيه، فلا يجب الدفع إليه فورًا، بل هو على التراخي؛ ولذا يُستفاد من استثماره وتنميته حتى لا ينقص بالإنفاق عليه وبإخراج الزكاة منه (٢).
٨ - قياس استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ الإمام أو من ينيبه على استثمار مال الوقف، بجامعِ أنّ كلًّا منهما مالٌ تعلَّق به استحقاقٌ يُقصَدُ به البر والتقرُّب إلى الله تعالى، فتعلّق حق الفقير بمال الزكاة، وتعلُّق حق الموقوف عليه بالوقف، فكما أنه يجوز تنمية مال الوقف والاستفادة من منفعته، فكذا يجوز هذا في مال الزكاة، وإذا جاز للناظر التصرف في الأوقاف بتنميتها واستثمارها لمصلحة الموقوف عليهم، جاز للإمام التصرف في أموال الزكاة باستثمارها لمصلحة المستحقين (٣).
ونوقش:
بأنه قياس مع الفارق؛ وذلك لما يلي:
أولًا: أن تعريفات الفقهاء مع اختلاف عباراتها متفقة على أن المقصود من الوقف منفعة الموقوف وريعه مع بقاء رقبته وعينه (٤)، ونظرًا لأن الموقوف عليه لا
стр. 441
يملك رقبة الموقوف؛ فإنه لا يتمكن من الانتفاع بها إلا بطلب غلتها وثمرتها، فجاز له استثمارها، أما الزكاة فإن المستحقين لها يملكون رقبة الأموال وما ينشأ عنها من منفعة، فافترقا من هذا الوجه (١).
ثانيًا: أنّ مِن أركان الوقف أن يكون هناك واقف، وفي استثمار أموال الزكاة لا يوجد واقف؛ لأن أموال الزكاة قبل قبضها من قبل المستحقين ليست مملوكةً لهم حقيقةً حتى يقفوها، كما أنها ليست مملوكة للمزكين أو للإمام (٢).
وقد أجيب ذلك بأن هذه الحالة ذات شَبَهٍ بالوقف من بعض الوجوه، وليست مطابقةً له، وما دام الأمر كذلك، فليست بحاجة لتوفُر أركان الوقف وشروطه (٣).
٩ - القياس على تقديم الزكاة قبل الحول لمصلحة المستحقين وسَدِّ حاجتهم، فإذا جاز تقديم الزكاة لصالح المستحقين، جاز تنميتها واستثمارها لصالحهم من باب أولى (٤).
ويناقش: بأن النصوص جاءت بجواز تقديم الزكاة، بخلاف التأخير، فقد ترجح عدم جوازه، مع كون الاستثمار يتعرض للتأخير والخسارة.
١٠ - العمل بالاستحسان (٥) في هذا المسألة خلافًا للقياس، فالأصل عدم جواز تأخير صرف أموال الزكاة لاستثمارها، إلا أن الحاجة ماسَّة إلى ذلك في هذا
стр. 442
العصر، نتيجةً لاختلاف البلاد وأنظمة العيش وأنماط الحياة، ولما يترتب على ذلك من مصلحة المستحقين المتمثِّلة في تأمين موارد مالية ثابتة لسد حاجاتهم المتزايدة (١).
ونوقش: بأن الاستحسان لا بد أن يكون مبنيًّا على دليل أو مسوّغ شرعي (٢).
ويمكن أن يُجاب ذلك بما أُورِدَ من الأدلة الشرعية على جواز استثمار أموال الزكاة، مع الحاجة الكبيرة إلى ذلك (٣).
١١ - أن تَصَرُّف الإمام منوط بالمصلحة، وله صلاحيات في تحقيق المقاصد الشرعية، ومن ذلك ما يتعلق بمراعاة حال المحتاجين في المجتمع، وولي الأمر يملك بمقتضى ولايته تطوير الموارد الاقتصادية لسد حاجة الفقراء وتحقيق العدل الاجتماعي، ولا بد لتحقيق ذلك من زيادة أموال الزكاة بطريق الاستثمار المشروع، وهذا ما تقتضيه المصلحة العامة، فلا ينبغي سد باب اجتهاد الإمام في هذا الجانب (٤).
الترجيح:
يتبين مما تقدم من أدلةٍ أن الواجب المبادرةُ بصرف أموال الزكاة لمستحقيها، سواء كان ذلك من المالك أو من الإمام، إلا أن ذلك لا يتعارض مع جواز استثمار بعض تلك الأموال لصالح مستحقيها إذا رأى الإمام الحاجةَ إلى ذلك بضوابط شرعية تتحقق فيها المصلحة من الاستثمار أو تغلب على المفسدة إن وجدت، وترجح هذا على القول بمنع استثمار أموال الزكاة مطلقا لما يلي:
стр. 443
١ - سلامة بعض أدلة القائلين بجواز الاستثمار، بخلاف القائلين بعدم جواز ذلك، حيث نوقشت أدلته وأجيب عنها.
٢ - أن للإمام التصرف في أموال الزكاة عند الحاجة لذلك بما يحقق مصلحة المستحقين، إذا لم يتعارض ذلك مع النصوص الشرعية، وقد قرر الفقهاء هذا في نصوصهم الفقهية، ومن ذلك قول بعض المالكيَّة: "إذا قلنا بنقل الزكاة إلى البلد المحتاج، واحتاجت إلى كِراء يكون من الفيء. . .، فإن لم يكن فيء، أو كان ولا أمكن نقلها، فإنها تباع في بلد الوجوب، ويُشْترى بثمنها مثلُها في الموضع الذي تُنْقل إليه إن كان خيرًا " (١).
وقال النووي: "إذا وقعت ضرورة، بأن أشرفت بعض الماشية على الهلاك، أو كان في الطريق خطر، أو احتاج إلى رد جُبْران أو إلى مئونة نقل، فحينئذٍ يبيع " (٢).
وقال ابن قدامة: "وإذا أخذ الساعي الصدقة، واحتاج إلى بيعها لمصلحةٍ من كلفةٍ في نقلها أو مرضها، أو نحوهما فله ذلك " (٣).
فيتبين مما تقدم جواز تصرف الإمام أو نائبه، كالساعي وغيره في أموال الزكاة عند الحاجة لذلك، سواء كان ذلك بالبيع أو غيره، مما لا يفوت معه حق الفقراء، ومن ذلك: التصرف باستثمار أموال الزكاة وتنميتها وتكثيرها، فهي حاجة تسوِّغ بيع بعض الأموال والمتاجرة بها لصالح المستحقين، ما لم يترتب عليهم ضرر (٤).
стр. 444
٣ - أن الفقهاء قرروا أحكامًا في الزكاة على خلاف الأصل الذي دلت عليه الأدلة، مراعاة لمصلحة المستحقين، وتحقيقًا للمقاصد الشرعية من الزكاة، كتجويز إخراج القيمة في زكاة عروض التجارة؛ لأنه أرفق بالمزكي والمستحق (١)، فكذا هنا يجوز تأخير صرف الزكاة لتنميتها لصالح المستحقين بالاستثمار المأمون.
٤ - أن استثمار أموال الزكاة يحقق من المصالح ما يرجح على المفسدة المظنونة بالتأخير أو الفوات، وذلك لقلة أموال الزكاة مع كثرة حاجة المصارف الزكوية المتنوعة، فالنقص أو التأخير في دفعها لأهلها عند استحقاقها هو آني مؤقت، لكنه على المدى البعيد نماء ومضاعفة لأموال الزكاة، إلا أن تلك المصالح المترتبة على الاستثمار إنما تكون بعد توفر الضوابط الشرعية لذلك العمل، حتى لا يتجنى المستثمرون للأموال الزكوية على المستحقين في سائر المصارف المنصوصة، ولذا فإنه يحسن بيان تلك الضوابط التي تحقق المصالح الشرعية التي جوّزت مخالفة الأصل القاضي بتعجيل تلك الأموال إلى مصارفها، وعدم التأخر في توزيعها.
وقد صدرت بذلك فتوى الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة وكان نص المقصود منها ما يلي:
يجوز استثمار أموال الزكاة بالضوابط التالية:
١ - ألا تتوافر وجوه صرف عاجلة تقتضي التوزيع الفوري لأموال الزكاة.
٢ - أن يتم استثمار أموال الزكاة - كغيرها - بالطرق المشروعة.
٣ - أن تتخذ الإجراءات الكفيلة ببقاء الأصول المستثمرة على أصل حكم
стр. 445
الزكاة، وكذلك ريع تلك الأصول.
٤ - المبادرة إلى تنضيض (تسييل) الأصول المستثمرة إذا اقتضت حاجة مستحقي الزكاة صرفها عليهم.
٥ - بذل الجهد للتحقق من كون الاستثمارات التي ستوضع فيها أموال الزكاة مجدية ومأمونة، وقابلة للتنضيض عند الحاجة.
٦ - أن يُتَّخَذ قرار استثمار أموال الزكاة ممن عَهِدَ إليهم ولي الأمر بجمع الزكاة وتوزيعها لمراعاة مبدأ النيابة الشرعية، وأن يسند الإشراف على الاستثمار إلى ذوي الكفاية والخبرة والأمانة (١).
...
стр. 446
المبحث الثاني
تكاليف استثمار أموال الزكاة
стр. 447
المبحث الثاني تكاليف استثمار أموال الزكاة
إن أبرز ما يندرج تحت هذا العنوان هو نفقات القائمين على استثمار أموال الزكاة، وإن كان المشروع الاستثماري لا يخلو من مصاريف ونفقات لا تتعلق بالقائمين على الاستثمار، وإنَّما تتصل باستئجار المواقع الاستثمارية أو الأجهزة والخدمات ونحوها، إلا أن تلك التكاليف تُحسم من الأرباح لكونها من متطلبات العمل الاستثماري (١).
أما محل البحث هنا فهو في حكم إعطاء القائمين على استثمار أموال الزكاة رواتب ومكافآت من الزكاة لقاءَ قيامهم باستثمار الأموال الزكوية، ومقدار ذلك إن جاز، وذلك ينبني على تحديد صفة هؤلاء المستثمرين لتلك الأموال، وقد تقدم اعتبارهم من العاملين على الزكاة (٢)، وذلك لما يلي:
стр. 448
١ - أن عموم دلالة لفظ العاملين على الزكاة الذي يشمل كلّ من احتيج إليه فيها يصدق على القائمين بالاستثمار؛ لكونه عملا في مصلحة تنمية مال الزكاة، كما يمكن الاستدلال على أخذهم بقياسهم على المنصوص عليه لدى الفقهاء، كالساعي على الزكاة، بجامع العمل في الزكاة من كل منهما.
٢ - أن منفعة استثمار الزكاة وتنميتها لا تقل عما يذكره الفقهاء من وظائف تندرج تحت وصف العاملين عليها، إذا تحققت فيها الشروط اللازمة من أمن المخاطرة بتلك الأموال، وعدم وجود الحاجة الماسة إليها التي تحول دون استثمارها، بل ربما كان في استثمار أموال الزكاة من المحافظة عليها وتنميتها لإفادة أكبر عدد من المستحقين ما لا يكون في غيرها من وظائف العاملين على الزكاة.
فيتبين مما تقدم مشروعية الصرف من سهم العاملين على الزكاة للقائمين على استثمار أموال الزكاة، وذلك مشروطٌ بِعَدَمِ أخذهم من بيت المال راتبا دوريًّا، وكونهم من المعنيِّين باستثمار أموال الزكاة لا غيرها من الأوقاف أو الصدقات (١).
فإن استحقوا الأخذ فإن مقدار ذلك الأجر يكون بقدر عملهم، كما هو الحال في حق العاملين عليها المنصوص عليهم عند عامة الفقهاء، (٢) فيفرض لهم ولي الأمر
стр. 449
ما يراه أجرًا مناسبًا للعمل الذي قاموا به، مراعيا في ذلك الجهد المبذول، والمبالغ المستثمرة، والمكانة التجارية للمستثمرين ونحو ذلك مما يؤثر إيجابًا في الاستثمار.
وفي تأصيل ذلك يقول الإمام مالك ﵀: "الأمر عندنا في قَسْم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي، فأيُّ الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أُوْثِر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي، وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام، فيؤثر أهل الحاجة والعدد حيث ما كان ذلك، وعلى هذا أدركت من أرضى من أهل العلم، وليس للعامل على الصدقات فريضة مسمَّاة إلا على قدر ما يرى الإمام " (١).
* * *
стр. 450
المبحث الثالث
زكاة مال الزكاة المستثمر
стр. 451
المبحث الثالث زكاة مال الزكاة المستثمر
تقدم بيان مشروعية استثمار مال الزكاة بالضوابط الشرعية المذكورة، إلا أن استثمار هذا المال يتطلب زمنا قد يتجاوز الحول، وهو الوقت الذي تجب فيه الزكاة في المال المستجمع للشروط، وعند النظر في مال الزكاة المستثمر نجد أن ذلك لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: ألا يكون لهذا المال مالك معين، وإنما أخرجه الأغنياء من ملكهم وقبضه الإمام أو نائبه، ولم يصل لمستحقه بعد، هذه هي الحالة الغالبة في مثل تلك الأموال المستثمرة، فالظاهر عدم وجوب الزكاة حينئذ لما يلي:
أولًا: عدم تحقق شرط الملك في المال المستثمر؛ ذلك أنه خرج من ملك المزكي ولم يقبضه المستحق أو يستحق لمعين، وإنما هو في حوزة الإمام أو نائبه، لصرفه في مصارفه الشرعية، وقد تقدم تقرير اشتراط أن يكون المال مملوكًا لمعين لتحقق شرط تمام الملك، (١) وهذا ما لم يتحقق هنا.
ثانيًا: أن الزكاة لو وجبت في أموال الزكاة المُسْتثمرة لوجب في هذه الزكاة زكاةٌ أيضًا إذا عُزِلت ولم يُبادَر بصرفها حتى حال عليها الحول، وهذا يُفضي إلى
стр. 452
التسلسل (١)، وهو باطل، فما أفضى إليه فهو باطل أيضًا.
ثالثًا: أن هذه الأموال الزكوية المستثمرة لها مصارف معينة، ولو أوجبنا الزكاة فيها، فإن مصارف هذه الزكاة الواجبة هي بعينها مصارف الأموال المستثمرة، فلا فائدة من اقتطاع شيء من هذه الأموال باسم الزكاة؛ لأن مصارفهما واحدة (٢).
رابعًا: قياس أموال الزكاة المستثمرة على المال الموقوف على غير معين في عدم وجوب الزكاة (٣) بجامع أن كلا منهما حق مالي واجب لله ليس له مالك معين (٤).
الحال الثانية: أن يكون استثمار أموال الزكاة بعد تعيين المستحقين لها، كما في وقف بعض الأصول الاستثمارية، وجَعْل ريعها زكاة للمستحقين، فإن الظاهر في مثل تلك الحال عدم وجوب الزكاة أيضا في الأصل الموقوف وريعه؛ وذلك لأنه قد تقرر أن المستغلات لا تجب الزكاة في عينها، لا سيما في مثل تلك الحال لعدم تحقق شرط تمام الملك في الأصل الموقوف، وإنما يتحقق ذلك للمستحق في الربح بعد قبضه، كما أن الزكاة لا تجب في الغلة إلا بعد حَوَلَان حولٍ على قبضها من مالك وبلوغها نصابا (٥).
وقد عمد بعض الباحثين إلى تخريج الخلاف والحكم في هذه المسألة على
стр. 453
زكاة المال الموقوف على معين، (١) ولا أرى وجاهة ذلك إلا إذا لم نشترط حولا للغلال الناتجة من هذا الأصل، وهو ما لا نرجحه، لما تقدم تقريره في موضعه، فأما إذا اشترطنا حولان الحول على ما بلغ نصابًا من تلك الغلال فإن مؤدى ذلك عدم وجوب الزكاة فيها عندئذ، وأما النظر في تحقق موجبات الزكاة فيها بعد حولان حولها فهو متحقق في كل الأموال الزكوية.
* * *
стр. 454
الفصل الخامس
نوازل زكاة الفطر
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: توكيل الجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية لإخراجها
المبحث الثاني: إخراج القيمة في زكاة الفطر
المبحث الثالث: حكم نقل زكاة الفطر للبلدان البعيدة
المبحث الرابع: صرف المؤسسة الزكوية لزكاة الفطر بالمبالغ المتوقعة قبل استلامها لها
стр. 455
المبحث الأول توكيل الجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية لإخراجها
تقدم حكاية الاتفاق على مشروعية التوكيل في إخراج الزكاة، (١) وقد استدل الفقهاء على ذلك بأدلة منها:
١ - أن الرسول ﷺ كان يبعث عمَّاله لجباية الزكاة من أصحاب الأموال ثم تفريقها على مستحقيها، كما في حديث معاذ ﵁ عندما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، ومما جاء فيه: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" (٢).
وجه الدلالة:
أن الرسول ﷺ أَمَرَ معاذًا بأن يخبرهم بأن عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم نيابةً عنهم، وهذا يدل على جواز النيابة في تفريق الزكاة، وإذا جازت النيابة بغير طلب من المنوب عنه جازت الوكالة من باب أولى (٣).
стр. 456
٢ - أن الزكاة عبادة مالية محضة، فيجوز للمالِك أن يوكِّل غيره فى إخراجها، كما يجوز له أن يوكل في قضاء ما عليه من الدَّيْن والنذر والكفارة (١).
٣ - أن الحاجة قد تدعو إلى الوكالة لتعذر قيام المالك بإخراج الزكاة في بعض الأحوال (٢).
إذا تقرر هذا فإن التوكيل يكون لأصناف منها الجمعيات الخيرية في بلاد المسلمين، ولها حالان:
الحال الأولى: أن تكون نائبة عن المزكي، وذلك هو الغالب في الجهات الخيرية التي لم تكلف من قِبَلِ الدولة بجمع الزكاة وتوزيعها؛ ولم يؤذن لها بذلك (٣) ويتحقق التوكيل بدفع المزكي الزكاة للجمعية لتوزيعها على الفقراء، أو بأن يدفع لها المبلغ النقدي لتقوم هي بشراء زكاة الفطر وتوزيعها، فيكون المزكي في تلك الحالة مُعَيَّنا، بخلاف الفقير؛ فهو غير معين، مما يمتنع معه التوكيل منه (٤).
стр. 457
الحال الثانية: أن تكون نائبة عن المزكي والفقير معا، وذلك إذا كانت جهة الزكاة حكومية أو مكلفة من الدولة بجمع الزكاة وتوزيعها، أو مأذونًا لها بذلك (١) فتكون وكيلة عن الغني لكونه دفع الزكاة لها، وطلب منها توزيعها على المستحقين، وتكون نائبة عن الفقير لكونها مكلفة من الإمام وهو نائب عن الفقراء (٢). لا سيما إن كان الفقراء معينين لدى تلك الجمعيات.
وبناء على مما تقدم فإنه يجوز في الحال الأولى تقديم زكاة الفطر قبل العيد ولو بمدة طويلة من المزكي إلى الجمعية الخيرية المأذون لها بجمع الزكاة وتوزيعها؛ لأنه ليس إخراجا، وإنما الإخراج هو بإقباض الجمعية للفقير. وأما تأخير إخراجها من الجمعية عن يوم العيد فإنه لا يجوز في الحال الأولى التي تكون فيها الجمعية نائبة عن المزكي، فأما الحال الثانية فيجوز تأخيرها لها لنيابتها عن الفقير، ويتقوى هذا بتعيين الفقراء.
стр. 458
وأما المراكز الإسلامية في البلاد غير الإسلامية فيظهر لي إلحاقها بالحال الثانية فتكون نائبة عن الإمام في القيام بجمع الزكاة وتفريقها على مستحقيها؛ لعدم وجود إمام للمسلمين في بلاد الكفار، والإمام نائب عن الفقراء، مع كونها نائبة عن المزكي أيضا كما تقدم (١).
* * *
стр. 459
المبحث الثاني إخراج القيمة في زكاة الفطر
اتفق الفقهاء على مشروعية إخراج زكاة الفطر من الأنواع المنصوصة (١) كما في حديث ابن عمر ﵁: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير (٢)، وفي حديث أبي سعيد ﵁: كنا تخرج زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب (٣) وأما إخراج قيمتها للفقير، سواء كان ذلك بغير سبب، أو بسبب؛ كحاجة الفقير للنقود، أو تعذر شراء المزكي لزكاة الفطر، أو لكون إخراجها نقدًا هو الأيسر جمعًا وحفظًا ونقلًا وتوزيعًا لجهات الجمع كالجمعيات ونحوها (٤)، فقد اختلف فيه الفقهاء في حكم إخراج القيمة في زكاة الفطر على قولين:
стр. 460
القول الأول: عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهبُ الجمهور من المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣).
القول الثاني: جواز إخراج القيمة في في كاة الفطر مُطْلَقًا، وهو مذهب الحنفية (٤).
الأدلة (٥):
أدلة القول الأول:
١ - قول ابن عمر ﵁: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر وصاعًا من شعير. . (٦).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فرض الصدقة من تلك الأنواع، فمَنْ عدل إلى القيمة فقد ترك المفروض (٧).