ـ[نزهة الألباب في قول الترمذي «وفي الباب»]ـ
المؤلف: حسن بن محمد بن حيدر الوائلي
تقريظ: عبد الله بن محمد الحاشدي
الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ
عدد الأجزاء: ٦ (في ترقيم مسلسل واحد)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
* قال أبو الفرج ابن هندو:
لا يؤيسنَّك من مجدٍ تباعدُه ... فإن للمجد تدريجًا وترتيبا
إن القناة التي شاهدت رفعتها ... تنمو وتنبت أنبوبًا فأنبوبا
* * *
* قال ابن هشام:
ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ... ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل
ومن لا يذل النفس في طلب العلى ... يسيرًا يعش دهرًا طويلًا أخا ذل
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإنّه لا يخفى على أهل العلم وطلابه مكانة كتاب "الجامع" للإمام الحافظ أبي عيسى محمّد بْن عيسى بْن سورة التّرمذيّ -رحمه الله تعالى- الّذي هو أحد الكتب الستة الأمهات، والذي قد جعله بعض العلّماء "ثالث الأمهات الست" (١) تاليًا لصحيح مسلم مُقَدَّمًا على بقية السنن، وقد نقل أبو علي منصور بن عبد الله الخالدي عن الإمام الترمذي أنه قال: "صنف هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم" (٢). اهـ.
* وقال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي ﵀ في شروط الأئمة الخمسة:
"سمعت الإمام أبا إسماعيل: عبد الله بن محمّد الأنصاري بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كِتَابَي البخاريّ ومسلم؛ لأن كتَابَي البخاريّ ومسلم لا يقف على الفائدةُ منهما إِلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كلّ أحد من الناس" (٣). اهـ.
* وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": "كتابه الصحيح أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتَبِيْينِ أنواع
стр. 5
الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرحٌ وتعديلٌ، وفي آخره كتاب العلل، قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرُها على من وقف عليها". اهـ.
* قال الشّيخ إبراهيم الباجوري في شرحه على "الشمائل" للترمذي (ص ٥):
"وناهيك بجامعه الصحيح الجامع للفوائد الحديثية والفقهية، والمذاهب السلفية والخلفية، فهو كافٍ للمجتهد، مُغْنٍ لِلْمُقَلِّد". اهـ.
وهذا الجامع العظيم يمتاز بميزاتٍ لا توجد في بقية الأمهات، فبالإضافة إلى ما ذكره ابن الأثير من ذكر الإمام التّرمذيّ لمذاهبِ فقهاءِ الأمصارِ وأقوالهم في المسائل الفقهية، وذكره لدلائلهم وما يذكره أيضًا من تصحيح وتحسينٍ وتضعيفٍ وتعليلٍ وجرحٍ وتعديلٍ، فإنّه يمتاز أيضًا بالإشارة إلى الأحاديث التي رُويت في الباب، فبعد أن يَرْوِيَ حديثَ البابِ بسنده يذكر أسماء الصحابة الذين رُويت عنهم أحاديثُ تُنَاسِبُ وتُلائِمُ ذلك الباب، مثالُ ذلك قوله ﵀ في باب ما جاء في السِّواك -من أبواب الطهارة- بعد أن ذكر بسنده حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، "وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وعلي، وعائشة، وابن عباس، وحذيفة، وزيد بن خالد، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وأم حبيبة، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وتمام بن عباس، وعبد الله بن حنظلة، وأم سلمة، وواثلة بن الأسقع، وأبي موسى". اهـ.
فقد أشار الإمام الترمذي ﵀ هنا إلى سبعة عشر حديثًا عن سبعة عشر صحابيًّا ومعرفة هذه الأحاديث المشار إليها والوقوف على أسانيدها ومتونها من أصعب الأمور، كما يعرف ذلك المشتغلون بهذا الفن الشريف.
* قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في مقدمة شرحه للترمذي:
"وهذا أصعب ما جاء في الكتاب على من يريد شرحه، وخاصة في هذه العصور، وقد عَدِمَت بلادُ الإسلام نبوغَ حفاظِ الحديث الذين كانوا مفاخَر العصورِ السَّالفةِ، فمن حاول استيفاء هذا وتخريج كلّ حديث أشار إليه الترمذي أعجزه، وفاته شيءٌ كثيرٌ، وقد حاول الشيخ المباركفوري ﵀ ذلك في شرحه، فلم يمكنه تخريج كل الأحاديث، وقد فكرت في أن أتبعه فيما صنع، ثم وجدته سيكون عملًا ناقصًا، ووجدتُني سأنسب أحاديث إلى كتبٍ لم أرها فيها بنفسي، وسأكون فيها مقلدًا غيري، فأبيتُ". اهـ.
* في وقال معلقًا في الهامش: "رأيت في ترجمة الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى
стр. 6
سنة (٨٥٢) أنه ألف كتابًا سماه: "الباب في شرح قول الترمذي وفي الباب"، ولم أره ولا أعلمه موجودًا في مكتبة من المكاتب، ولو وجد هذا الكتاب أغنى عن كثير من العناء، وأفاد أكبر الفائدةِ لِحْفظِ مؤلفه وسَعِة اطلاعه والثقةِ بنقله". انتهى.
* قُلْتُ: اسم كتاب ابن حجر: "العجاب في تخريج ما يقول فيه الترمذي وفي الباب" ولم يُتِمَّه كما ذكر تلميذه الحافظ السخاوي، حيث قال في كتابه "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر" جـ ٢ ص ٦٦٦، في سياق سرد مؤلفات الحافظ ابن حجر:
"تخريج ما يقول فيه الترمذي وفي الباب، كتب من أوله قَدْرَ سِتَّةِ كراريس، لو كَمُلَ لجاء في مجلد ضخم، سماه: "العجاب في تخريج ما يقول فيه الترمذي وفي الباب"". انتهى كلام السخاوي.
لذلك كله ولمكانة جامع الترمذي، ومكانة مؤلفه، وأهمية موضوع ما يقول فيه الترمذي: "وفي الباب" وكثرة ذلك، قام أخونا العزيز، فضيلة الشيخ/ حسن بن محمد بن حيدر الوائلي، حفظه الله ورعاه، بهذا العمل الجليل: "تخريج ما يقول فيه الترمذي: "وفي الباب"".
والشيخ حسن يحفظ جامع الترمذي كاملًا بالأسانيد (وهذا مما يندر في هذا الزمان)، وله عناية خاصة بجامع الترمذي، فمنذ عرفته مما يقرب من ربع قرن من الزمان وهو لا يكاد يفارق جامع الترمذي، ومن ذلك الوقت وهو يجمع مادة هذا العمل، فكان عملًا عظيمًا، وخدمةً جليلةً لجامع الترمذي خصوصًا، وللحديث النبوي عمومًا.
وقد بذل فضيلة الشّيخ حسن جهدًا جبارًا في ذلك، فخرج كل ما قال فيه الترمذي: "وفي الباب" من مصادره الأصلّية الّتي تروي الحديث بسنده، وبيّن الطرق، وذكر وجوه الاختلاف في الأسانيد وعللها، ولم يفته من تخريج ما ذكره الترمذي إِلَّا أقل من عشرة أحاديث.
هذا، وإنه لا يعلم مقدار الجهد الذي بذله الشيخ حسن في هذا العمل إِلَّا من عرف هذا الفن، واشتغل به.
ولينظر القارئ الكريم مثالًا لذلك ما ذكرتُه أولًا مما قاله الترمذي، في باب، ما جاء في السواك، فقد خرج الشيخ حسن كُلَّ تلك الأحاديث التي أشار إليها الإمام الترمذي عن
стр. 7
أولئك السبعة عشر من الصحابة، وبين طرقها عن كل صحابي، وما وقع في بعضها من الاختلاف، والعلل، وقد وقع مجموع الأحاديث في الكتاب كله حوالي أربعة آلاف حديث.
أسأل الله تعالى أن يجزي أخانا الشيخ حسنًا خير الجزاء على ما قدم، وأن ينفع بعمله هذا الإسلام والمسلمين، وأن يزيدنا وإياه علمًا وتوفيقًا، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا، إنّه ولي ذلك والقادر عليه، آمين اللَّهُمَّ آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
كتبه الفقير إلى عفو الله وغفرانه
عبد الله بن محمد الحاشدي
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الإيمان،
ومركز الدعوة العلمي بصنعاء
بتاريخ العاشر من شهر ذي القعدة عام ١٤٢٥ هـ
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إنّ الحمد لله نحمده ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إِله الله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ وأدى ونصح وأوجب ذلك على من بعده إذ قال: "بلغوا عنى" الحديث.
وقد امتثلت أمته ﵊ ذلك تمام الامتثال، فليس ثم أمة من الأمم الأوّل أودعت لأجيالها كهذه الأمة وكان منشأ ذلك أمرين:
الأوّل: وضع الأسانيد:
وكان ذلك من القرن الأول امتثالًا لقوله ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم" الحديث وذلك نصف العلم كما قاله ابن المدينى والمعلوم أن الألفاظ النبوية لا يجوز أن تنمى إليه ﷺ : بدون ذلك ولا يجوز أن يطلق عليها ذلك إِلَّا بذلك فإذا كان ذلك كذلك فيجب على بعض هذه الأمة الحفاظ على ذلك وإلا وقعوا في غير ذلك فلذا لا تجد فئة تسامى أهل الحديث وهم الذين عناهم سيدهم ﷺ : بقوله: "لا تزال طائفة" الحديث وقد قضى بذلك ابن المدينى كما في شرف أصحاب الحديث للخطيب ص ١٠ والإمام أحمد كما في المعرفة للحاكم ص ٢ والإمام البخاري كما في جامعه ١٣/ ٢٩٣.
وقال ابن حبّان: إنهم أحق الناس بقوله ﷺ : "أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على صلاة" وانظر جامع الترمذي ٢/ ٣٥٤.
ويفهم من قوله ﷺ : "من كذب على متعمدًا" الحديث أن من يذب عنه ذلك أنه يتبوأ منزلًا خلاف المنزل الذى تبوأه الكاذب.
وسر ذلك أنهم لا يخافون في الله لومة لائم إذ نجد المحدث منهم يتكلم في أعز الناس لديه.
فهذا ابن المدينى يضعف أباه ففي التهذيب ٥/ ١٧٥ وقال الحاكم: حدثونا عن قتيبة
стр. 9
قال: دخلت بغداد واجتمع الناس وفيهم أحمد وعلى فقلت حدثنا عبد الله بن جعفر فقام حدث من المجلس فقال: يا أبا رجاء ابنه عليه ساخط حتى يرضى عليه". اهـ. وقد جزم بهذه القصة ابن حبان في الضعفاء وذكر عن ابن المدينى قصة أخرى مثل هذه وانظر الضعفاء له ٢/ ١٥ وقال العباس بن محمّد الدورى: دخل وكيع بن الجراح البصرة فاجتمع الناس عليه وقالوا: حدثنا، فحدثهم حتى قال: حدثنى أبى وسفيان: فصاح الناس من كل جانب، وقالوا: لا نريد أباك، حدثنا عن الثورى فقال: حدثنا أبى وسفيان، فقالوا: لا نريد أباك حدثنا عن الثورى، فأطرق مليًّا ثم رفع رأسه فقال: "يا أصحاب الحديث من بلى بكم فليصبر" هامش تهذيب المزى ٤/ ٥٣٠ فما حدث وكيع عن أبيه منفردًا بل ضم إليه أمير المؤمنين في الحديث ومع ذلك كانت العاقبة منهم ما قاله وكيع وهذا ابن أبى أنيسة زيد يكذب أخاه يحيى كما في مقدمة مسلم وهذا أبو داود يكذب ولده أبا بكر مع أنه لا يسلم له وقصة ابن معين مع بعض أهل الحديث ذكرها السخاوى في الإعلان بالتوبيخ وخلاصتها أن صديقًا له من أهل الحديث أضافه وأحسن ضيافته مع نفر من أهل الحديث فلما خرج من عنده سئل عنه فأجاب بأنه أحسن ضيافته إِلا أنه ضعيف.
فلما كان الشأن فيهم ما سبق مكنهم المولى في أرضه فلا يرفع إِلَّا من رفعوه ولا يوضع إِلا من وضعوه، ومن تكلم منهم في راوٍ ما بغير حق ردوا عليه قوله فلا محاباة عندهم لأحد ما، إذ ذلك القول عندهم شأنه كما قال: أبو زرعة الرازى في كتاب الضعفاء ٢/ ٣٢٩ "كل من لم يتكلم في هذا الشأن على الديانة، فإنما يعطب نفسه، كل من كان بينه وبين إنسان حقد أو بلاء يجوز أن يذكره كان مالك والثورى يتكلمون في الشيوخ على الدين، فنفذ قولهم، ومن لم يتكلم فيهم على الديانة يرجع الأمر عليه". اهـ.
وفى مسند على بن الجعد ص ١٦٥ بسنده إلى يحيى بن أبى كثير أنه قال: في قتادة: "لا يزال أهل البصرة بشر ما أبقى الله فيهم قتادة، وكان قتادة يقول: متى كان العلم في السماكين؟ قال: أبو سلمة: يعرض بيحيى بن أبى كثير يعنى كان أهل بيته سماكين". اهـ. فيصدق على قولهما ما سبق عن أبى زرعة.
وقد صبروا في الدفاع عن الأسانيد صبرًا لم تصبره أي فئة أخرى والحديث عن ذلك يطول جدًّا أكفى من ذلك بما ذكره ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الحسن بن سفيان
стр. 10
وذلك أنه ساق بسنده إلى أبى الحسن الصفار قال: كنا عند الشيخ الإمام الزاهد الحسن بن سفيان النسفى، وقد اجتمع لديه طائفة من أهل الفضل ارتحلوا إليه، من أطباق الأرض والبلاد البعيدة مختلفين إلى مجلسه لاقتباس العلم وكتبة الحديث. فخرج يومًا إلى مجلسه الذى كان يملى فيه الحديث وقال: اسمعوا ما أقول لكم قبل أن نشرع في الإملاء، قد علمنا أنكم طائفة من أبناء النعم وأهل الفضل، هجرتم أوطانكم وفارقتم دياركم وأصحابكم في طلب العلم واستفادة الحديث، فلا يخطرن ببالكم أنكم قضيتم بهذا التجشم للعلم حقًّا، وأديتم بما تحملتم من الكلف والمشاق من فروضه فرضًا، فإنى أحدثكم ببعض ما تحملته في طلب العلم من المشقة والجهد، وما كشف الله عنى وعن أصحابى ببركة العلم وصفوة العقيدة من الضيق والضنك"
اعلموا أنى كنت في عنفوان شبابى ارتحلت من وطنى لطلب العلم واستملاء الحديث، فاتفق حصولى بأقصى المغرب وحلولى بمصر في تسعة نفر من أصحابى طلبة العلم وسامعى الحديث، وكنا نختلف إلى شيخ كان أرفع أهل عصره في العلم منزلة" وأدراهم للحديث وأعلاهم إسنادًا، وأصحهم رواية، وكان يملى علينا كل يوم مقدارًا يسيرًا من الحديث، حتى طالت المدة وخفت النفقة ودفعتنا الضرورة إلى بيع ما صحبنا من ثوب وخرقة إلى أن لم يبق لنا ما كنا نرجو حصول قوت يوم منه، وطوينا ثلاثة أيام بلياليها جوعًا وسوء حال ولم يذق أحد منا فيها شيئًا، وأصبحنا بكرة اليوم الرابع بحيث لا حراك بأحد من جملتنا من الجوع وضعف الأطراف، وأحوجت الضرورة إلى كشف قناع الحشمة، وبذل الوجه للسؤال فلم تسمح أنفسنا بذلك، ولم تطب قلوبنا به، وأنف كل واحد منا على ذلك، والضرورة تحوج على كل حال فوقع اختيار الجماعة على كتبة رقاع بأسامى كل واحد منا وإرسالها قرعة فمن ارتفع اسمه عن الرقاع كان هو القائم بالسؤال واستماحة القوت لنفسه ولجميع أصحابه، فارتفعت الرقعة التى اشتملت على اسمى فتحيرت ودهشت ولم تسامحنى نفسى بالمسألة واحتمال المذلة فعدلت إلى زاوية من المسجد أصلى ركعتين طويلتين قد اقترن الاعتقاد فيهما بالإخلاص، أدعو الله سبحانه بأسمائه العظام وكلماته الرفيعة لكشف الضر وسياقة الفرج، فلم أفرغ بعد عن إتمام الصلاة حتى دخل المسجد شاب حسن الوجه نظيف الثياب طيب الرائحة يتبعه خادم في يده منديل فقال: من منكم الحسن بن سفيان؟ فرفعت رأسى من السجدة، فقلت: أنا الحسن بن
стр. 11
سفيان فما الحاجة؟ فقال: إن الأمير ابن طولون صاحبى يقرئكم السلام والتحية، ويعتذر إليكم في الفضلة عن تفقد أحوالكم، والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم. وقد بعث بما يكفى نفقة الوقت، وهو زائركم غدًا بنفسه ويعتذر بلفظه إليكم، ووضع بين يدى كل واحد منَّا صرةً فيها مائة دينار.
فتعجبنا من ذلك، وقلنا للشاب: ما القصة في هذا؟ فقال: أنا أحد خدم الأمير ابن طولون المختصين به، والمتصلين بإقرائه وخواص أصحابه، دخلت عليه بكرة يومى هذا مسلمًا في جملة أصحابى فقال لى وللقوم: أنا أحب أن أخلو يومى هذا، فانصرفوا أنتم إلى منازلكم فانصرفت أنا والقوم فلما عدت إلى منزلى لم ينسق قعودى حتى أتانى رسول الأمير مسرعًا مستعجلًا يطلبنى حثيثًا، فأجبته مسرعًا فوجلله منفردًا في بيت، واضعًا يمينه على خاصرته لوجع ممض اعتراه في داخل جسده فقال: لى: أتعرف الحسن بن سفيان وأصحابه؟ فقلت: لا، قال: اقصد المحلة الفلانية، والمسجد الفلانى، واحمل هذه الصرر وسلمها في العين إليه وإلى أصحابه، فإنهم منذ ثلاثة أيام جياع بحالة صعبة، ومهد عذرى لديهم، وعرفهم أنى صبيحة الغد زائرهم، ومعتذر شفاهًا إليهم.
فقال الشاب: سألته عن السبب الذى دعاه إلى هذا فقال: دخلت هذا البيت منفردًا على أن أستريح ساعة. فلما هدأت عينى رأيت في المنام فارسًا في الهواء متمكنًا تَمَكُّنَ من يمشى على بساط الأرض، وبيده رمح فقضيت العجب من ذلك، وكنت أنظر إليه متعجبًا حتى نزل إلى باب هذا البيت، ووضع سافلة رمحه على خاصرتى فقال: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه، قم وأدركهم، قم وأدركهم قم وأدركهم فإنهم منذ ثلاثة جياع في المسجد الفلانى فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا رضوان صاحب الجنة، ومنذ أصاب سافلة رمحه خاصرتى أصابنى وجع شديد لا حراك بى له، فعجل إيصال هذا المال ليزول هذا الوجع عنى.
فقال الحسن: فتعجبنا من ذلك وشكرنا الله وأصلحنا أمورنا ولم تطب أنفسنا بالمقام، حتى لا يزورنا الأمير ولا يطلع الناس على أسرارنا، فيكون ذلك سبب ارتفاع اسم وانبساط جاه، ويتصل ذلك بنوع من الرياء والسمعة، وخرجنا تلك الليلة من مصر وأصبح كل واحد منا واحد عصره وفريد دهره في العلم والفضل، فلما أصبح الأمير
стр. 12
ابن طولون أتى المسجد لزيارتنا وطلبنا وأحس بخروجنا، أمر بابتياع تلك المحلة بأسرها ووقفها على ذلك المسجد وعلى من ينزل به من الغرباء وأهل الفضل وطلبة العلم نفقة لهم حتى لا تختل أمورهم، ولا يصيبهم من الخلل ما أصابنا، وذلك كله بقوة الدين وصفوة الاعتقاد. والله سبحانه ولى التوفيق.". اهـ. وفى ذلك من العبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ما لا يخفى.
وقد رمى الإمام أحمد من ينتقص هذه الفئة بالزندقة ففي المعرفة للحاكم ص ٤ ما نصه: "سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد الحنظلى ببغداد يقول: سمعت أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي يقول: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، فقال: له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبى فتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه فقال: زنديق زنديق زنديق ودخل البيت". اهـ.
الأمر الثانى: اهتمامهم بالتدوين والتصنيف:
فقد دونوا كل ما أتى عنه ﷺ : وعن أصحابه في دواوين غير مخفية، وتم ذلك في نهاية القرن الرابع فمن أتى بحديث غير موجود في تلك الكتب فمرفوض على من أتى به ونحو هذا قاله البيهقي كما في التدريب للسيوطى في نهاية النوع الثالث والعشرين وكل ذلك مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ الآية.
وقد اعتنى أئمتنا المتأخرون بكتب التخريج لبعض المصنفات المتقدمة كما لا يخفى ومن ذلك أن الحافظ ابن حجر صنف في هذا الفن عدة مصنفات من ذلك فيما نحن فيه إِلا أنى سألت بعض من له اعتناء بالمخطوطات فكان الجواب عدم العلم بالعثور عليه أصلًا.
وقد اعتنى المباركفورى بذلك إِلا أن عليه استدراكات تكثر مع أنه يصدق عليه قول من تقدم:
وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائى الجميلا
وسلكت في التخريج ما يلى:
١ - البحث عن الحديث من أمهاته المصنفة فيه بالأسانيد مستقصيًا ذلك حسب الطاقة إلا في أحاديث يسيرة متى ما كانت عند الشيخين.
стр. 13
٢ - بعد ذكر اسم الصحابي الذى ذكره الترمذي في الباب أجمع ما وصلت إلى من مرويات التابعين غالبًا الذين رووا عنه ذلك المتن ثمّ أفرد لكل تابعى عنه تخريجًا مستقلًّا وقد أدع بعضًا لكثرة الطول.
٣ - عند حصول اختلاف في الإسناد ممّن بعد ذلك التابعى على ذلك التابعى في أي طبقة ما من السند فإنى لا أعيد ذلك التخريج عن قرين التابعى الأول بل أكتفى بمن غبر ولربما أدى ذلك إلى أن أدمج ذلك في ذكر المصادر.
فمثلًا لو روى يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة حديثًا ما ووقع اختلاف فيه على يحيى، وكان ذلك الخلاف في الرفع والوقف أو في الوصل والإرسال، واقتصرت بعض المصادر على البعض، واقتصرت بعضها على البعض الآخر أو كان الخلاف فيه من أي مسند ما فإنى أحيانًا أدمج بعض المصادر في بعض؛ لأن ذلك التخريج أصلًا كائن على ذلك الخلاف الذى وقع عن ذلك الراوى.
٤ - أحرص على ذكر ما لو وقع في الإسناد اختلاف سواء كان ذلك ممّا يؤدى إلى علة قادحة أو غير قادحة وأكبر ما استفدته من علل الإمام الدارقطني ثم ابن أبى حاتم والتاريخ لمحمد بن إسماعيل البخاري وعلل الترمذي الكبير ثم مما من وعلَّم سبحانه على هيئة هؤلاء الأئمة. وكم يكون ذلك قبل الاطلاع على كلامهم ثم يوافق ذلك ذكرت هذا في موطنه.
٥ - أذكر ما يستحقه ذلك المتن بعد ما سبق من صحة وضعف.
٦ - قد يرد المتن عن ذلك الصحابي لفظًا ومعنى فأكتفى في التخريج بالصريح ولا أضطر إلى الثانى إلا عند عدم وجدانى الأول ولا أعنى بالمعنى الذى منشؤه حصول الاختلاف بين الرواة في سياق الألفاظ فإن ذلك منشؤه جواز الرِّواية بالمعنى من عدمها.
٧ - بعد ذكر المصادر للحديث أذكر بعض الإسناد وذلك من عند اتحادها على ذلك الراوى من تلك المصادر الذى ذكرته فإن عسر اتحادها جمعت بين أولئك الرواة وقلت مثلًا. كلهم من طريق فلان وفلان وفلان وهذا لفظ فلان كلهم عن فلان، والذى اضطرنى إلى ذلك وجدان الخلاف الإسنادى عنهم.
стр. 14
٨ - بعد الفراغ من سياق اللفظ أعقب ذلك بقولى: والسياق لفلان فاختار سياق أحد المصادر السابقة تنبيهًا منى أن تلك المصادر لم تتحد في السياق المتنى.
٩ - من المعلوم أن ثم اختلاف في النسخ للجامع فبعض النسخ قد تذكر في الباب ما لم تذكره النسخة الأخرى إلا أن هذا الخلاف جله حسب ما ظهر استقراء كائن في كتابى الطهارة والصلاة وما سواهما عزيز الوجود.
وعلى كلٍّ فالفيصل الأصلى لذلك مستخرج الطوسى فقد ذكر الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح أنه يذكر في مستخرجه كل ما نقوله الترمذي وفى الباب والمعلوم أن مستخرج الطوسى لم يطرأ عليه من الخلاف في النسخ ما طرأ على الجامع لقلة تداوله. وأقدم نسخة من الجامع على ذلك النسخة الكائنة للطوسى وما بعد قسم العبادات نسخة المباركفورى إذ هي أصح من النسخة المصرية، وأحيانًا يذكر الطوسى أو المباركفورى ما ليس في الجامع فربما أسقط ما في الجامع وأخرج ما لم يذكره في الجامع بناءً على ما تقدم.
١٠ - يقول المصنف أحيانًا "باب" ثم يعقب ذلك بقوله وفى الباب عن فلان وفلان" إلخ فأضطر إلى أن أذكر لذلك الباب عنوانًا يوافق تلك الأحاديث وأجعل ذلك بين قوسين وعامة ذلك يرد من بعد النصف الثانى للجامع.
١١ - لم يفتنى من تخريج ما ذكره الترمذي وفى الباب إلا أقل من عشرة أحاديث وذلك أنى اعتنيت بالجامع منذ ربع قرن فقرأت قبل ذلك أكثر من مائتى مجلد وجزءٍ وذلك بخلاف الكتب المشهورة كالأمهات والمسند. فأى حديث له تعلق بأى باب من الجامع أرجع إلى موطنه من الجامع ثم أذكر ذلك المصدر في الجامع لكى أرجع إلى ذلك المصدر عند الوصول إليه حال التأليف وحين كنت في التخريج في كتاب الأحكام في باب الرشوة إذا أنا أمر على بعض تلك الأحاديث وأجد تخريج ذلك من المطالب العالية مع كون الحافظ ابن حجر اعتذر عن عزوها إلى مواطنها في التلخيص وقال: لينظر من خرجها والمعلوم أنه قد ذكر البعض فيما سبق ذكره ولم أخرج حديثا قط من الأستاذ الأكبر لمن يشتغل بالتخريج أعنى "الجهاز الآلى" فإنه وإن كان سريع المأخذ إلا أنه كما قيل في بعض الناس:
стр. 15
خليفة في قفص ... بين وصيف وبغا
ويقول ما قالا له ... كما تقول الببغا
١٢ - في نهاية الحديث أذكر بعض ما وقع من أخطاء علمية أو فنية وقعت في بعض تلك المصادر تحت قولى تنبيه وحينًا أذكر ذلك من غير ذكر التنبيه
١٣ - قد يستنكف بعض الناس على بعض ما يقف عليه من التنبيه على بعض ما يرد عن بعض الأئمة وهذا الاستنكاف كسراب بقيعة ولا يخرج الشىء عما ورد إلا حجة دامغة فإن وجدت فذاك الفيصل والا فلا تكن كما قال الأول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت لكان ترشد غزية أرشد
وهذا الفن لا أوسع منه إطلاقًا وانظر ما قاله ابن القطان وتبعه الذهبى في مالك بن خير من كتابى هذا في كتاب الأشربة وما وجلله من التوثيق له علمًا بأن علمنا إلى علمهم إلا ما قاله أبو عمرو ابن العلاء "ما نحن فيمن مضى إلا كبقلة أنبتت في أصول نخل طوال" وما كان لله بقى فإذا كان هذا الفن واسع الخطو فالواجب التروى فيه وعدم الإقدام فيه إلا لمن أفنى دهرًا فيه حسب ما أرشد إليه الأئمة في باب آداب طالب الحديث ومما يؤسفنا في هذا القرن ظهور من يتأكل به إذ غايته من ذلك حصول عائدات فتراه يخرج ما هب ودب ويخرج في الشهرين أو الثلاثة مصنفًا ولست أدرى أأجتازُ علمَ ابن جرير الطبرى أم الحافظ ابن حجر، حتى إنهم يترجمون لمن هو أوضح من الشمس ولم يدعوا من ذلك إلا الله ورسوله، وليعلم من يصنف أنه إنما عرض عقله في طبق يقدمه إلى الناس كما قاله الخطيب.
فخير الناس من عدت هفواته، وأسميت كتابى هذا
"نزهة الألباب في قول الترمذي وفى الباب"
تيمنًا بالحافظ
تأليف/ حسن بن محمد بن حيدر الوائلي
стр. 16
كتاب الطهارة
стр. 17
قوله باب (١) ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور
قال وفى الباب عن أبى المليح عن أبيه وأبى هريرة.
١ - أما حديث أبى المليح عن أبيه:
فرواه أبو داود ١/ ٤٨ والنسائي ١/ ٧٥ وابن ماجة ١/ ١٠٠ وأبو عبيد في الطهور ص ١٤٧ وأبو عوانة في مستخرجه ١/ ١٣٥ وأحمد ٥/ ٧٥ و ٧٦ والطيالسى كما في المنحة ١/ ٤٩ وعلى بن الجعد ص ١٥١ في مسانيدهم والدارمي ١/ ١٤٠ وابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٥ وابن حبان في صحيحه ٣/ ١٠٤ و ١٠٥ والبيهقي ١/ ٤٢:
من طريق شعبة وسعيد بن أبى عروبة وهشام وأبى عوانة أربعتهم عن قتادة به ولفظه: "إن الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" والسياق لأبى عوانة.
والسند صحيح إلى من أبرز من رجاله وقتادة صرح بالسماع وأيضًا لو لم يصرح لما احتيج إلى ذلك إذ هو من رواية شعبة عنه وقد قال: عليه الرحمة: كان همتى من الدنيا شفتى قتادة فإذا قال: سمعت كتبت وإذا قال: قال: تركت وأنه حدثنى بهذا الحديث عن أنس بن مالك يعنى حديث النبي ﷺ : "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة" فلم أسأله أسمعته مخافة أن يفسده على. اهـ. خرج ذلك أبو عوانة في مستخرجه ٢/ ٤٢، وكان شعبة معجبًا بهذا الحديث فلذا سكت عن سؤاله لقتادة كما في معجم ابن الأعرابى ١/ ٦٨ وفى أسئلة أبى داود لأحمد ص ٣٤٩ عن شعبة قوله "تجوزت عن أربعة أحاديث لقتادة". اهـ. ثم ذكر حديث الباب فإن قيل قد ورد عنه في حديث الباب ما يدل على كونه قد رواه عن قتادة بواسطة بينه وبين قتادة وذلك ما ذكره المزى في التحفة ١/ ٦٤ بقوله: "رواه محمد بن محمد بن سليمان الباغندى عن محمد بن عبد الله الجهبذ عن شبابة عن شعبة عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة". اهـ.
قلنا: ذلك ليس من شعبة وذلك أن عامة الرواة عنه رووه بدون ذلك منهم محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد القطان ومسلم بن إبراهيم ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل وحجاج وشبابة بن سوار في المشهور عنه وغيرهم كما تقدم والأصل أن المقدم في شعبة القطان وغندر إن حدث من كتابه هذا لو كان الخلاف من أصحاب شعبة عنه أنها وممن رواه عن شعبة موافقًا لرواية هؤلاء ويروى عنه خلافه نذلك يحمّل الخطأ ممن هو دونه إما الباغندى
стр. 18
أو شيخه الجهبذ وفى ترجمة الباغندى من تاريخ بغداد ٣/ ٢١١ من طريق السهمى قال: سألت أبا الحسن على بن عمر عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندى فحكى عن الوزير: أبى الفضل بن خنزابة حكاية، ثم دخلت مصر وسألت الوزير أبا الفضل جعفر بن الفضل عن الباغندى هذا وحكيت له ما كنت سمعت من الدارقطني قال الوزير: لحقت الباغندى محمد بن محمد بن سليمان وأنا بن خمس سنين ولم كن سمعت منه شيئًا وكان للوزير الماضى يعنى أباه حجرتان إحداهما للباغندى يجيئه يومًا ويقرأ له والأخرى لليزيدى قال: أبو الفضل: سمعت أبى يقول: كنت يومًا مع الباغندى في الحجرة يقرأ لى كتب أبى بكر بن أبى شيبة فإذا على ظهره مكتوب مربع والباقى محكوك فرجع الباغندى ورأى الجزء في يدى فتغير وجهه وسألته فقال: إيشٍ مربع فغير ذلك ولم أفطن له لأنى أول ما كنت دخلت في كتب الحديث ثم سألت عنه فإذا الكتاب لمحمد بن إبراهيم مربع سمع من أبى بكر بن أبى شيبة فحك محمد بن إبراهيم وبقى مربع فبرد على قلبى ولم أخرج عنه شيئًا قال: حمزة: وسألت أبا بكر بن عبدان عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندى هل يدخل في الصحيح فقال: لو خرجت الصحيح لم أدخله فيه قيل له: لم؟ قال: لأنه كان يخلط ويدلس. اهـ.
والكلام فيه يطول ويخشى أن تكون الزيادة المتقدمة الذكر منه إذ كان يحب الإغراب والله الموفق.
٢ - وأما حديث أبى هريرة:
فرواه عنه همام وأبو سلمة.
* أما رواية همام عنه:
فرواها البخاري ١/ ٢٣٤ ومسلم ٤/ ٢٠١ وغيرهما وهو من الصحيفة الصادقة ولفظه: مرفوعًا:
"لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" قال: رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط والسياق للبخاري.
* تنبيه:
في نسخة أحمد شاكر زيادة في الباب وهى قوله عن أنس. ولم يشر إلى أن ثم
стр. 19
اختلاف في النسخ الخطية لديه كما هي عادته إلا أنى وجدته مثبتًا في نسخة الشارح صاحب التحفة وكذا في العارضة لابن العربى والأصل في هذا الباب فيما يقع من النسخ من التخالف في الزيادة أو النقص أن الاعتماد على مستخرج الطوسى إذ هو أصح شىء في هذا الموضوع لأنه ينقل كلام الترمذي من حيث الحكم على الحديث والأقوال الفقهية وقوله وفى الباب.
وحديث أنس رواه ابن ماجة ١/ ١٠٠ وأبو عوانة في مستخرجه ١/ ٢٣٥ من طريق يزيد ابن أبى حبيب عن سنان بن سعد ويقال سعد بن سنان عنه ولفظه: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" قال البوصيرى في الزوائد ١/ ٨٧: "هذا إسناد ضعيف لضعف التابعى وقد تفرد يزيد بالرواية عنه فهو مجهول" إلخ.
وما قاله فيه من الجهالة غير سديد فقد وثقه ابن معين وتكلم فيه آخرون فمن كان بمثل هذا لا يقال فيه ذلك وإن كان الراوى عنه واحدًا فإن الجهالة عند المتقدمين غير منحصرة في الرواة عن الراوى فبالاستقراء نجد أن الراوى ليس له إلا راو واحد ويوثق ونجد الراوى له أكثر من ذلك ويحكم عليه بالجهالة والله الموفق.
وأما رواية أبى سلمة عنه: ففي الكامل لابن عدى ٦/ ٩ من طريق غسان بن عبيد عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" وغسان الأكثر على ضعفه وعكرمة ضعيف في يحيى.
قوله باب (٢) ما جاء في فضل الطهور
قال وفى الباب عن عثمان بن عفان وثوبان والصنابحى وعمرو بن عبسة وسلمان وعبد الله بن عمرو
٣ - أما حديث عثمان:
فرواه البخاري ١/ ٢٥٩ ومسلم ١/ ٢٠٥ وغيرهما:
من طريق الزهري أن عطاء بن يزيد أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما ثم أدخل يمينه الإناء
стр. 20
فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ نحو وضوئى هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما ففسه كفر له ما تقدم من ذنبه".
* فائدة:
ذكر الحافظ ابن حجر في معرفة الخصال المكفرة ص ٣٨ أن ابن أبى شيبة في مصنفيه المسند والمصنف خرج الحديث وكذا البزار في مسنده وأبو بكر المروزى في مسند عثمان كلهم من طريق خالد بن مخلد قال: ثنا إسحاق بن حازم قال: سمعت محمد بن كعب يقول: حدثنى حمران بن أبان مولى عثمان قال: دعا عثمان فذكر الحديث وفيه زيادة "وما تأخر، وذكر قول البزار "لا نعلم أسند محمد بن كعب القرظى عن حمران إلا هذا الحديث". اهـ. ثم قال الحافظ ما ملخصه: "محمد بن كعب حديثه عند الشيخين من غير روايته عن حمران وسماعه منه ممكن لأنه تابعى أدرك من هو أكبر منه من الصحابة وغيرهم ثم وثق من بعده إلى أن قال: "وقد تتبعها أبو أحمد بن عدى في الكامل وليس فيها هذا الحديث". اهـ. يعنى ما انفرد به خالد بن مخلد.
وفى كلام الحافظ مباحث:
الأول: كان يغنيه عن قوله: "وسماعه منه ممكن" كما نقله في نفس الموضوع حيث صرح محمد بالتحديث من شيخه ولا يعلم من نفى ذلك وليس الراوى مدلسًا فلا تنكر هذه الصيغة إلا إن صدرت من مدلس وكان ذلك على سبيل الندور وكان المنكر إمامًا كما أنكروا رواية أبى إسحاق عن علي بن ربيعة وتصريحه بالسماع منه في حديث الدعاء عند الركوب على الدابة وغير ذلك كما أن هذه الصيغة تنفى أيضًا الإرسال الخفى.
فإن قيل: إنّما احترز الحافظ بهذا عملًا باختياره لشرط البخاري وموافقيه على شرط ثبوت اللقاء قلنا: ما قاله هنا لا يتأتى موافقًا لذلك فقد جعل الإسناد متصلًا بالإمكان وذلك لا يصح علمًا بأن شرط البخاري كائن في العنعنة أنها في التصريح فلا وانظر ما كتبه الحافظ في النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٢٨٨ و ٢٨٩.
الثانى: ما قاله عن ابن عدى في خالد إذ لا يلزم عدم ذكره لهذا الحديث صحته عنده لاحتمال نسيانه في عده فيها أو لا يلزم من تصحيحه عند ابن عدى أن يصح عند غيره.
стр. 21
الثالث: يفهم من كلام الحافظ أن هذه الزيادة لم ترد إلا في هذا الإسناد إذ لو كان لها عنده إسناد آخر لذكره وليس ذلك كذلك فقد خرجه لإسناد آخر ابن أبى عاصم في كتاب الصحابة له ١/ ١.
قال: حدثنا كامل بن طلحة نا الليث بن سعد حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن عبد الله بن أبى سلمة ونافع بن جبير بن مطعم عن معاذ بن عبد الرحمن التميمى عن حمران مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه عن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
معاذ يقال له صحبة فهو من رواية الصحابة عن التابعين، ومن دونه مشهورون بالعدالة وشيخ ابن أبى عاصم صدوق فثبت الحديث بإسناد آخر لم يطلع عليه الحافظ وصح الحديث فكم ترك الأول للآخر علمًا بأن ما نسبة علمنا إليهم إلا ما ساقه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٥ إلى أبى عمرو بن العلاء قوله:
"ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال" وذكر في المصدر السابق ص ٦ عن الأحنف قوله: "الكامل من عدت سقطاته".
تنبيهات:
الأول:
إذا بأن ما تقدم من صحة الحديث فقد تجاسر بعض من يطلق عليه محدث الديار فزعم أنه لم يرد في هذا الباب شىء صحيح وأعلم أن مقالته تلك عارية عن البحث في هذا الباب.
الثانى:
يظهر مما تقدم خطأ زعم محقق كتاب الصحابة لابن أبى عاصم في كلامه على هذه الزيادة وهى قوله: "لفظ (ما تأخر) لم أجد من خرجها وأظنها زيادة من الناسخ والله أعلم" فليته أطلق العلم في هذا الباب ولم يسنده إلى ظنه.
الثالث:
حديث عثمان أسقطه الطوسى في مستخرجه وخرج في الباب حديث عثمان وذكر في
стр. 22
قوله: "وفى الباب" حديث أبى هريرة عكس ما وقع في الجامع.
وهذا الحديث أحد الأحاديث التى هي من رواية الصحابة عن التابعين وقد فات العراقى أن يذكره في الأحاديث التى ذكرها في نكته على سبيل الحصر منه فبان بهذا عدم حصره لما ذكر وقد استدل بذلك على أنه لم يرو صحابي عن تابعى متكلم فيه إلا أن القاعدة لم تزل باقية وهى عدم وجدان رواية صحابي عن تابعى ضعيف.
٤ - وأما حديث ثوبان:
فرواه عنه سالم بن أبى الجعد وأبو كبشة السلولى وعبد الرحمن بن ميسرة.
* أما رواية سالم عنه:
ففي ابن ماجة ١/ ١٠١ وأحمد ٥/ ٢٧٦ و ٢٧٧ و ٢٨٠ و ٢٨٢ والرويانى في مسنده ١/ ٤٠٥ وابن أبى شيبة ١/ ١٦ والدارمي ١/ ١٣٣ والحاكم في المستدرك ١/ ١٣٠ والبيهقي في الكبرى ١/ ٨٢ والشعب ٣/ ٤ والخطيب في التاريخ ١/ ٢٩١ والطبراني في الأوسط ٧/ ١١٦ والمروزى في الصلاة ١/ ٢٠٤:
ولفظه: قال ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" والسياق لابن ماجة والسند صحيح إلى سالم وسالم لا سماع له من ثوبان كما قال الإمام أحمد وابن معين وغيرهما قال أحمد: بينهما معدان.
وأما رواية أبى كبشة عنه:
ففي الدارمي ١/ ١٣٣ وأحمد ٥/ ٢٨٢ وابن حبان في صحيحه ٣/ ١٨٧ والطبراني في الكبير ٢/ ١٠١ وفى مسند الشاميين له ١/ ١٣٦ وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال ص ١٠٢ وأبى عبيد في الطهور ص ١١٣ والمروزى في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٢٠٢:
من طريق الوليد بن مسلم ثنا ابن ثوبان حدثنى حسان بن عطية أن أبا كبشة السلولى حدثه أنه سمع ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول: قال رسول الله في: "سددوا وقاربوا وخير أعمالكم الصلاة ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" والسياق للدارمى والرواة ثقات وقد صرح الوليد في جميع السند فالحديث من هذه الطريق صحيح وقد صححه المنذرى.
стр. 23
* تنبيه:
وقع عند الدارمي "ثنا أبو ثوبان حدثنى حسان عن عطية أن كبشة" والصواب ما أثبته.
وأما رواية ابن ميسرة عنه:
ففي مسند أحمد ٥/ ٢٨٠ وتمام في فوائده كما في ترتيبه ١/ ٢١٥:
من طريق حريز بن عثمان عنه ولفظه: كرواية سالم بن أبى الجعد والسند صحيح إلى حريز وشيخه جهله ابن المدينى وقال أبو داود: مشايخ حريز كلهم ثقات والصواب قول ابن المدينى إذ هو أخص.
وأصح طريق للحديث الثانية.
وقد اختلف في إسناده على حريز فقال: عنه عصام بن خالد وعلى بن عياش ما تقدم خالفهم محمد بن أحمد بن رزقان المصيصى إذ قال: عنه عن سليمان بن ميسرة عنه والقول الأول أولى.
* تنبيه:
تمام خرج الحديث من طريق حريز عن سليمان بن سمير به وأما رواية عبد الرحمن بن ميسرة عنه ففي مسند أحمد فحسب والذى حملنى على الجمع بين المصدرين حصول الاختلاف في إسناده وهكذا عملى في مثل ذلك مما يأتى.
٥ - وأما حديث الصنابحى:
فرواه النسائي ١/ ٦٣ في المجتبى وفى الكبرى ١/ ٨٦ وابن ماجة ١/ ١٠٣ ومالك في الموطأ ١/ ٥٢ وأحمد ٤/ ٣٤٨ و ٣٤٩ والحاكم ١/ ١٢٩ والبيهقي في الكبرى ١/ ٨١ والشعب ٣/ ١٣ والمصنف في العلل الكبير ص ٢١ والبخاري في تاريخه الأوسط ١/ ٢٩٨ كلهم من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحى عن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه وأنفه فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت خطاياه من يديه فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" والسياق لابن ماجة.
стр. 24
وقد اختلف في عبد الله هذا قال: أبو حاتم: هم ثلاثة، الذى يروى عنه عطاء بن يسار وهو عبد الله الصنابحى لم تصح صحبته، والذى يروى عنه أبو الخير فهو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحى يروى عن أبى بكر الصديق وبلال ويقول: قدمت المدينة وقد قبض النبي ﷺ قبل بخمس ليال ليست له صحبة والصنابح بن الأعسرى له صحبة روى عنه قيس بن أبى حازم ومن قال: في هذا الصنابحى فقد وهم ونقل الترمذي عن البخاري قوله: "مالك مِن أنس وَهِمَ في هذا الحديث فقال عبد الله الصنابحى وهو أبو عبد الله الصنابحى واسمه عبد الرّحمن بن عسيلة ولم يسمع من النبي ﷺ وهذا الحديث مرسل وعبد الرحمن هو الذى روى عن أبى بكر الصديق". اهـ.
وفى التهذيب ٦/ ٢٢٩ أيضًا عن يعقوب بن شيبة قوله: "هؤلاء الصناجيون الذين يروى عنهم في العدد ستة وإنما هما اثنان فقط: الصنابحى الأحمسى والصنابح الأحمسى هذان واحد من قال: فيه الصنابحى فقد أخطأ وهو الذى يروى عنه الكوفيون والثانى عبد الرحمن بن عسيلة كنيته أبو عبد الله لم يدرك النبي ﷺ بل أرسل عنه وروى عن أبى بكر وغيره فمن قال: عنه عبد الرحمن الصنابحى فقد أصاب اسمه ومن قال: عن أبى عبد الرحمن فقد أخطأ قلب اسمه فجعله كنيته ومن قال: عن عبد الله الصنابحى فقد أخطأ قلب كنيته فجعلها اسمه". اهـ. ورجح هذا المزى ونقله عن ابن المدينى أيضًا وفى اجتماع البخاري وابن المدينى وأبى حاتم على أن راوى حديث الباب تابعى ما يدل على ضعفه والله الموفق.
٦ - وأما حديث عمرو بن عبسة:
فرواه عنه أبو أمامة وعبد الرّحمن بن البيلمانى وأبو ظبية الكلاعى الحمصي وأبو قلابة.
* أما رواية أبى أمامة عنه:
ففي مسلم ١/ ٥٦٩ وأبى عوانة في مستخرجه ١/ ٢٤٥ وعبد بن حميد ص ١٢٣ والنسائي ١/ ٧٧ وغيرهم:
من عدة طرق إلى أبى أمامة منها التى في مسلم من طريق النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبى كثير عن أبى أمامة قال:
стр. 25
عكرمة ولقى شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنسًا إلى الشام وأثنى عليه فضلًا وخيرًا عن أبى أمامة قال: قال: عمرو السلمى: كنت في الجاهلية. . واقتص الحديث وهو طويل يشمل على هيئة إسلامه وغير ذلك وفيه: فقلت: يا نبى الله فالوضوء حدثنى عنه قال: "ما منكم رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته الماء ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء" الحديث وأخطأ محقق مسند عبد بن حميد حيث خرجه المصنف من طريق بشر بن نمير عن القاسم عن أبى أمامة به فقال المحقق: إسناده ضعيف، بشر بن نمير قال الدارقطني: متروك. اهـ. ولم يعلم أن له عدة أسانيد منها ما تقدم فكان حقه أن يقيد الحكم ولا يطلق علمًا بأن العامل فيه ليس بأهل أن يتصدى لهذا إلا في التقييد.
* وأما رواية ابن البيلمانى عنه:
ففي سنن ابن ماجة ١/ ١٠٤ وأحمد ٤/ ١١٣ وابن أبى شيبة ١/ ١٧ وأبى عبيد في الطهور له ص ١٠٦:
من طريق شعبة عن يعلى بن عطاء عن يزيد بن طلق عنه ولفظه: كالرواية السابقة ويزيد وشيخه ضعيفان.
* وأما رواية أبى ظبية الكلاعى عنه:
ففي اليوم والليلة للنسائي ص ٤٧٠ والطبراني في الأوسط ٢/ ١٤٠ والطهور لأبى عبيد ص ١٥٥ والمصنف في الدعوات ٥/ ٥٤٠:
من طريق شهر بن حوشب عن أبى أمامة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ فأحسن الوضوء ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه" قال أبو ظبية الحمصي: وأنا سمعت عمرو بن عبسة يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ قال: وسمعته يقول: قال رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث.
وشهر سيئ الحفظ فالحديث بهذا الإسناد ضعيف.
стр. 26
* وأما رواية أبى قلابة عنه:
ففي مصنف عبد الرزاق ١/ ٥٢ ومن طريقه عبد بن حميد في مسنده ص ١٢٥ والطهور لأبى عبيد ص ٩٦ وذكر السند أحمد ٤/ ١١٤ والحاكم ١/ ١٣١:
ولفظه: كرواية أبى أمامة عن عمرو والسند صحيح إلى أبى قلابة ويحتاج إلى نظر في سماعه من عمرو فإنه يرسل كثيرًا ولا يعلم له سماع إلا ممن تأخرت وفاته من الصحابة ومما يقوى ذلك -أنه دلس ولا سماع له هنا- ما في الحاكم قال: قال: شرحبيل بن حسنة: منْ رجل يحدثنا عن رسول الله ﷺ : فقال: عمرو بن عبسة الحديث. فأبان أن بينه وبين عمرو واسطة هو شرحبيل مع أن "قال" هنا لا تؤكد حصر الواسطة بينه وبين عمرو وإنما تؤكد عدم اتصال السند السابق.
٧ - وأما حديث سلمان:
فرواه عنه أبو عثمان وقرثع.
* أما رواية أبى عثمان عنه:
فرواها أحمد ٥/ ٤٣٧ و ٤٣٨ والطيالسى في مسنده ص ٩٠ والدارمي ١/ ١٤٨ وأبو عبيد في الطهور ص ١٠٤ وابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٨ وابن جرير ١٢/ ٨١ في التفسير له والطبراني في الكبير ٦/ ٢٥٧ والأوسط كما في مجمع البحرين رقم ٤٩ وغيرهم:
من طريق حماد بن سلمة أنا على بن زيد عن أبى عثمان قال: كنت مع سلمان الفارسى تحت شجرة وأخذ منها غصنًا يابسًا فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: يا أبا عثمان ألا تسألنى لم أفعل هذا قلت: ولم تفعله فقال: هكذا فعل به رسول الله ﷺ : وأنا معه تحت شجرة فأخذ منها غصنًا يابسًا فهزه حتى تحات ورقه فقال: "يا سلمان ألا تسألنى لم أفعل هذا" قلت: ولم تفعله قال: "إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق" وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ والسياق لأحمد.
وعلى بن زيد ضعيف كان سيئ الحفظ قال: شعبة: حدثنى على بن زيد وكان رفاعًا ومعنى ذلك كان يرفع الموقوف وذلك كما تقدم إلا أنه توبع تابعه ثابت البنانى وداود بن أبى هند.
стр. 27
أما متابعة ثابت ففي الكبير للطبراني ٦/ ٢٥٣ بلفظ مغاير لما سبق ولفظه: "من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زاير الله وحق على المزور أن يكرم الزاير". اهـ. إلا أن الطريق إليه لا تصح فيها سعيد بن زربي ضعيف.
وأما متابعة داود فهي من طريق سعيد بن يحيى الأموى عن عمه عنه وعمه هو عبد الله بن سعيد وهما ثقتان وشيخ الطبراني هو محمد بن الحسين بن مكرم قال السهمى في أسئلته للدارقطني ص ٨٢ وسألته "يعنى الدارقطني" عن محمد بن الحسين بن مكرم أبى بكر البغدادى بالبصرة فقال: ثقة وذكره الخطيب في تاريخه ٢/ ٢٣٣ ونقل قول إبراهيم بن فهد فيه "ما قدم علينا من بغداد أعلم بحديث رسول الله ﷺ : من أبى بكر بن مكرم بحديث البصرة خاصة ولا أعرف منه". اهـ. فهذا أصح سند لحديث سلمان ولفظه: كاللفظ الثانى المسوق من طريق ثابت.
تنبيه وقع تصحيف في هذا الإسناد الأخير عند الطبراني إذ فيه: "حدثنا محمد بن الحسن بن مكرم البغدادى ثنا سعيد بن يحيى بن شعبة الأموى حدثنا عمي" والصواب ابن الحسين وكذا الصواب سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى.
* وأما رواية قرثع عنه:
فيأتى ذكرها في الجمعة.
٨ - وأما حديث عبد الله بن عمرو:
فرواه ابن ماجة ١/ ١٠٢ وابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٦ والبيهقي في الشعب ٣/ ٥ من طريق ليث بن أبى سليم عن مجاهد عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" والسياق لابن ماجة وليث ضعيف سيئ الحفظ يخلط.
تنبيه:
وقع خلاف قديم في هذا الحديث فمنهم من عده من مسند عبد الله بن عمر حكى ذلك المزى عن أبى القاسم بن عساكر كما في التحفة ٦/ ٣٧٨ ووهم هذا وقال: إنه اعتمد على ما وقع في بعض نسخ ابن ماجة المتأخرة وصوب كونه من مسند عبد الله بن عمرو وعزى ذلك إلى عدة نسخ لسنن ابن ماجة.
стр. 28
أقول: وهو كذلك في النسخ الموجودة بأيدينا وكذلك وقع في زوائد البوصيرى على ابن ماجة.
تنبيه ثان:
وقع في مصنف ابن أبى شيبة "ابن عمر" بدون واو وهو خطأ محض فقد عزاه الحافظ ابن حجر في النكت الظراف ٦/ ٣٧٨ إلى ابن أبى شيبة في مصنفه بالواو وعزاه البوصيرى في الكتاب المذكور إلى مسنده كذلك.
تنبيه ثالث:
ذكر محقق الشعب للبيهقي هذا الاختلاف في النسخ الخطية للكتاب لكنه لم يرجح.
قوله باب (٣) ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور
قال وفى الباب عن جابر وأبى سعيد
٩ - أما حديث جابر:
فرواه المصنِّف في الجامع ١/ ١٠ وأحمد ٣/ ٣٤٠ والطيالسى ص ٢٤٧ في مسنديهما ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٢٠٦ وابن عدى في الكامل ٣/ ٢٥٧ والعقيلى في الضعفاء ٢/ ١٣٧ وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ١٧٦ والبيهقي في الشعب ٣/ ٤ والطبراني في الأوسط ٤/ ٣٣٦:
من طريق سليمان بن قرم وسيلمان بن معاذ عن أبى يحيى القتات عن مجاهد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الجنة الصلاة ومفتاح الصلاة الوضوء".
وسليمان بن قرم وابن معاذ متروكان وأبو يحيى القتات اختلف في اسمه فقيل دينار وقيل: عبد الله بن دينار وقيل: لا يعرف إلا بكنيته ضعفه ابن معين في رواية الدورى عنه ووثقه في رواية عثمان بن سعيد الدارمي وقال النسائي: ليس بالقوى وكذا قال: إبراهيم بن المهاجر. وقد ضعف الحديث العقيلى.
تنبيه: بعد أن خرج الحديث ابن عدى قال: "ولا أعلم يرويه عن أبى يحيى القتات غير سليمان بن قرم. اهـ. وقد علمت من تابع سليمان بن قرم.
стр. 29
١٠ - وأما حديث أبى سعيد:
فرواه الترمذي ٢/ ٣ وابن ماجة ١/ ١٠١ وابن أبى شيبة في المصنف ١/ ٢٦٠ وأبو يعلى ٢/ ٢٦ والعقيلى في الضعفاء ٢/ ٢٢٩ وابن عدى في الكامل ٢/ ٣٧٥ والطبراني في الأوسط ٣/ ٣٦ والدارقطني في العلل ١١/ ٣٢٣ والبيهقي في جزء القراءة ص ١٦ والحاكم ١/ ١٣٢ والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق في ترجمة أبى سفيان طريف السعدى وابن حبان في المجروحين ١/ ٣٨١:
من طريق أبى سفيان وسعيد بن مسروق كلاهما عن أبى نضرة عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سعيد إلا حسان تفرد به أبو عمر". اهـ.
وكلا الطريقين لا تصحان إلى أبى نضرة أما الأولى فأبو سفيان طريف بن شهاب ضعفه ابن معين وقال أحمد: ليس بشىء، وقال البخاري: ليس بالقوى وقال النسائي: متروك كذا في الميزان ٢/ ٣٣٦.
وأما الرواية الثانية فسعيد بن مسروق والد سفيان ثقة ولكن النقد على من بعده فرواه عنه حسان بن إبراهيم كما في الأوسط للطبراني واختلف الرواة عن حسان فيه فعلى الوجه السابق رواه عنه أبو عمر الحوضى وقد ذكر الطبراني عنه ما تقدم ذكره ورواه عنه عبيد الله العيشى فقال: عن أبى سفيان عن أبى نضرة إلا أن الأئمة اختلفوا ممن هذا الوهم في قوله عن سعيد بن مسروق فمنهم من وجهه إلى حسان بن إبراهيم ومنهم من وجهه إلى من روى عنه ذلك فممن قال: بالأول ابن حبان وابن عدى وممن قال: بالثانى الدارقطني وابن صاعد.
قال ابن حبّان: "وَهِمَ حسان بن إبراهيم الكرمانى في هذا الخبر" إلى قوله: "وهذا وهم فاحش ما روى هذا الخبر عن أبى نضرة إلا أبو سفيان السعدى فتوهم حسان لما رأى أبا سفيان أنه والد الثورى فحدث عن سعيد بن مسروق ولم يضبطه وليس لهذا الخبر إلا طريقان: أبو سفيان عن أبى نضرة عن أبى سعيد، وابن عقيل عن ابن الحنفية عن علي، وابن عقيل قد تبرأنا من عهدته فيما بعد". اهـ.
وقال ابن صاعد: "وهذا الإسناد وهم إنما حدثه حسان أبى سفيان وهو طريف
стр. 30
السعدى فتوهم أنه أبو سفيان الثورى فقال: برأيه عن سعيد بن مسروق الثورى". اهـ.
ورد ذلك ابن عدى بقوله: وهذا الذى قاله ابن صاعد وهم فيه لأن ابن صاعد ظن أن هذا الذى قيل في هذا الإسناد عن سعيد بن مسروق أنه من أبي عمر الحوضى. حيث قال: إنما حدثه حسان وهذا الوهم من حسان بن إبراهيم فكأن حسان حدثه مرتين. مرة على الصواب فقال: عن أبى سفيان ومرة قال: حدثنا سعيد بن مسروق، كما رواه الحوضى وقد رواه حبان بن هلال أيضًا فقال: عن سعيد بن مسروق". اهـ.
أتول: يتم كلام أبى أحمد بن عدى إذا أثبت تعدد مجالس التحديث وهذا يحتاج إلى بيان إذ الاحتمال قائم أن يتحد المجلس لأبى عمر وحبان فلا يتجه توجيه كلامه وقال الدارقطني: في العلل:
"وروى حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق عن أبى نضرة قاله أبو عمر الحوضى. وسعيد بن مسروق لا يحدث عن أبى نضرة ولعل حسان حدثهم عن أبى سفيان فتوهم من سمعه منه أنه أبو سفيان الثورى سعيد بن مسروق". اهـ.
واستدل على عدم وهم حسان بما تقدم عن العيشى ثم ختم ذلك بقوله "وهذا هو الصحيح" وابن صاعد والدارقطني أعلى انتقادًا من ابن حبان وابن عدى.
تنبيهان:
الأول:
تقدم زعم الطبراني أن أبا عمر الحوضى تفرد بالرواية لهذا الحديث عن حسان وليس الأمر كما زعم فقد تابعه على ذلك حبان بن هلال كما سبق.
الثانى:
وقع تحريف في المجروحين لابن حبان حيث فيه "والد شورى" والصواب: "والد الثوري".
стр. 31
قوله باب (٤) ما يقول إذا دخل الخلاء
قال وفى الباب عن علي وزيد بن أرقم وجابر وابن مسعود
١١ - أما حديث على:
فرواه المصنِّف في الجامع ٤/ ٥٠٢ وابن ماجة ٩/ ١٠١ والبزار ٢/ ١٢٧ والطبراني في الأوسط ٦/ ٢٠٦ والدارقطني في العلل ٣/ ١٢٨ وغيرهم:
كلهم من طريق خلاد الصفار عن الحكم النصرى عن أبى إسحاق عن أبى جحيفة عن على قال: كلمتان حفظتهما من رسول الله ﷺ : وأنا أحب أن تحفظوهما "ما عاقب الله على ذنب في الدنيا فالله أعدل من أن يثنى عقوبته وما عفا الله عن ذنب في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في شىء عفا عنه وستر بينكم وبين الجن: بسم الله" والسياق للطبراني إذ هو أتم إذ من سواه منهم من يقتصر على الكلمة الأولى كما فعل الدارقطني والترمذي في كتاب الإيمان ومنهم من يذكر الكلمة الثانية كما فعل البزار والمصنف في الموضع المعزو إليه لذا البزار ساقه بلفظٍ أتم: "عن علي قال: كلمتان حفظتهما عن النبي ﷺ وأنا أحب أن تحفظوهما عنى" ولم يسق إلا ما نحن فيه لهذا الباب فدل على أن ما ورد كما فعل الدارقطني في العلل هو اختصار للحديث.
والحديث اختلف في صحته وضعفه فبعد أن حكى الدارقطني الخلاف في رفعه ووقفه قال: "ورفعه صحيح" وهذا منه يؤدى على أنه لا يثبت فيه أي قدح إذ لو أثبت ذلك لما أطلق هذا الحكم وذكر مصنف الإرواء ١/ ٨٨ ما يفيد صحته عن مغلطاى والسيوطى والمناوى ورد ذلك بأنه لا صحيح ولا حسن وذكر له ثلاث علل: عنعنة أبى إسحاق وجهالة النصرى والطعن في شيخ الترمذي وابن ماجة فيقال له ما تقدم عن الدارقطني في العلتين الأوليين. وأما ذكره للعلة الثالثة فلا شك في خطئه فيها والذى حمله على ذلك عدم تتبع طرق الحديث فإن البزار والطبراني خرجاه من غير شيخ الترمذي وابن ماجة -محمد بن حميد الرزي- إذ خرجه البزار من طريق يوسف بن موسى والطبراني من طريق محمد بن مهران فبرأ من عهدته الرازى وبعد ذكره لتلك العلل قال: "فتبين من ذلك أن هذا الإسناد واهٍ ثم الحديث صحيح بمجموع طرقه الآتية". اهـ. ثم ذكر حديث أنس وغيره والقاعدة أن السند إذا كان كما وصفه فإنه من قسم المتروك كما ذكر ذلك العراقى في ألفيته
стр. 32
والمتروك لا يرتقى إلى الحسن فضلًا عما ذكره فأين التقيد بأصول الحديث علمًا بأنه انفرد به على زعمه من وصف بالترك.
١٢ - وأما حديث زيد بن أرقم:
فرواه أبو داود ١/ ١٦ والنسائي في الكبرى ١/ ٢٣ و ٢٤ والمصنف في علله الكبير ص ٢٢ وابن ماجة ١/ ١٠٨ وأحمد ٤/ ٣٦٩ والطيالسى كما في المنحة ١/ ٤٥ وابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١١ وابن خزيمة ١/ ٣٨ وابن حبان ٢/ ٣٤٢ والطبراني في الكبير ٥/ ٢٠٨ والدعاء له ٢/ ٩٦٣ ومسند الشاميين له أيضًا ٤/ ٤٧ والحاكم ١/ ١٨٧ والبيهقي ١/ ٩٦ والخطيب في التاريخ ١٣/ ٣٠١.
ولفظه: عنه أنه قال: قال رسول الله: "إن هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم إلخ الخلاء فليقل اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث".
وقد رواه عنه القاسم بن عوف والنضر بن أنس والراوى عنهما قتادة فمن أجل ذلك قيل في الحديث إنه مضطرب وزد على ذلك أن بعضهم لم يجعل بين قتادة وزيدٍ أحدًا وهل هذا الاختلاف من قتادة أو ممن دونه.
نسبه أبو زرعة والنسائي إلى من دونه فممن رواه عن قتادة شعبة وهشام الدستوائى وسعيد بن أبى عروبة وسعيد بن بشير ومعمر بن راشد وعدى بن أبى عمارة.
ورواية هؤلاء على أوجه ثلاثة عن قتادة: فمنهم من قال: عن النضر، ومنهم من قال: عن القاسم، ومنهم من جعله من مسند أنس، ومنهم من اختلف الرواة عنه وهذا وجه رابع، فممن وقع الخلاف عنه شعبة وسعيد بن أبى عروبة.
أما الخلاف الكائن على شعبة فرواه عنه غندر وابن مهدى وخالد بن الحارث وابن أبى عدى وحجاج وبهز وعمرو بن مرزوق فقالوا: عنه عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم، وخالفهم عيسى بن يونس فقال: عن القاسم عن زيد بن أرقم.
وعيسى إمام حافظ زاهد إلا أن المقدم في شعبة غندر سيما وقد وافقه أئمة مثل ابن مهدى فالرواية الأولى هي الراجحة عن شعبة.
وأما الخلاف فيه عن سعيد فرواه عنه عبدة بن سليمان الكلابى وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ويزيد بن زريع وعلى بن عاصم وعبد الوهاب بن عطاء وأسباط. فقالوا: عنه
стр. 33
عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم. خالفهم إسماعيل بن إبراهيم الذى يقال له ابن علية فرواه عنه عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد ويظهر من صنيع النسائي في السنن تقديم الرواية الأولى وذلك كذلك سيما وفيهم عبدة والمعلوم من الاستقراء أنه عند المخالفة في مثل هذه أن يقضى له فكيف وقد تابعه من هو مثله كيزيد بن زريع. إذا بان لك هذا عن سعيد فقد اختلف الأئمة في هذا فأبو حاتم نسب الخلاف إلى سعيد، والنسائي إلى الرواة عنه، والحق مع النسائي كما علمت فإن قيل يمكن أن يكون سعيد حدث مرة كذا ومرة كذا قلنا: يصعب أن يكون هذا التعدد، لم يرثه عنه إلا إسماعيل مع شهرته وكثرة الرواة عنه.
* وأما رواية هشام:
فذكر الترمذي في الجامع أنه خالف جميع الرواة عن شعبة وقتادة المتفقِين والمختلفِين فأسقط الواسطة بين قتادة وزيد وذكر في العلل أنه يوافق سعيد بن أبى عروبة في المشهور عنه كما تقدم.
* وأما رواية سعيد بن بشير:
فهي كرواية سعيد بن أبى عروبة في المشهور عنه إلا اْنه في نفسه ضعيف جدًّا فلا عبرة بها لما يأتى.
* وأما رواية معمر:
فقد خالف جميع من مضى حيث جعل الحديث من مسند أنس فسلك الجادة وأيضًا فقد تكلم في روايته عن قتادة وضعف فيه فكيف وقد خالف من هو أقوى منه في قتادة قال الدارقطني: "معمر سيئ الحفظ لحديث قتادة والأعمش" وقال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير فلم أحفظ عنه الأسانيد وانظر شرح علل المصنف لابن رجب ٢/ ٦٩٨ ومما يقوى عدم حفظه لهذا الحديث أنه قد رواه عن قتادة أيضًا فقال: عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم كذا في علل المصنف وقد تابعه على ذلك عدى بن أبى عمارة.
كما في الأوسط للطبراني ٣/ ١٦١ إلا أن ذلك لا يغنيه شيئًا في مقاومة الأئمة الثلاثة كما تابعه صالح بن أبى الأخضر متابعة قاصرة فقال: عن الزهري عن أنس وهذه لا تغنيه إذ صالح ضعيف فكيف في مثل هذا الموطن وانظر الأوسط للطبراني ٧/ ١٠ ووجه
стр. 34
الاضطراب الذى حكاه الترمذي أن أوثق أصحاب قتادة: هشام وسعيد وشعبة قد حصل منهم الاختلاف السابق لكن هل يمكن ترجيحه؟ ذلك ممكن لدى من يقدم بعضهم على بعض حين يقع منهم مثل ما وقع هنا قال ابن معين: سعيد بن أبى عروبة أثبت الناس في قتادة وقال إسحاق بن هاني: سألت أبا عبد الله قلت: أيما أحب إليك في حديث قتادة؟ سعيد بن أبى عروبة أو شعبة أو الدستوائى؟ فسمعته يقول: قال عبد الرحمن بن مهدى: سعيد عندى في الصدق مثل قتادة وشعبة ثبت ثم همام. اهـ. فهذا صريح في تقديم سعيد على شعبة وقال البرديجى: شعبة وهشام الدستوائى وسعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس صحيح فإذا ورد عليك حديث لسعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعًا وخالفه هشام وشعبة حكم لشعبة وهشام على سعيد. اهـ. مختصرًا.
وهنا لم يكن الخلاف إلا بين شعبة وسعيد وقال أحمد أيضًا: "أصحاب قتادة شعبة وسعيد وهشام إلا أن شعبة لم يبلغ علم هؤلاء، وكان سعيد يكتب كل شىء" وانظر شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٦٩٦.
فهذا صريح في تقديم سعيد على شعبة وقد وقع هنا كذلك أما هشام فلم يرجح عنه أي الروايتين لضيق مخرج الرواية عنه فإذا كان الأمر هكذا فلا اضطراب لإمكان الترجيح وقد حكى الترمذي عن إمام الصنعة البخاريّ احتمال صحة الروايتين لاحتمال. كون قتادة سمعه من القاسم والنضر.
ومال أبو زرعة إلى صحة حديث أنس في الباب وكأنه يضعف حديث زيد ففي العلل رقم ١٣ عنه: "حديث زيد بن أرقم عن النبي ﷺ في دخول الخلاء قد اختلفوا فيه فأما سعيد بن أبى عروبة فإنه يقول عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد عن النبي ﷺ وحديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس عندى أشبه". اهـ.
١٣ - وأما حديث جابر فلم أجده:
إلا أن له حديثًا في باب برقم ١٦ مطولًا ذكر فيه أحكامًا لدخول الخلاء ولم يذكر فيه القول عند الدخول فيمكن أن يكون ورد فيه ذلك في بعض الطرق.
١٤ - وأما حديث ابن مسعود:
فرواه عنه أبو الأحوص وأبو وائل.
стр. 35
* أما رواية أبى الأحوص عنه:
فرواها أبو بكر الإسماعيلى في معجمه ٢/ ٦٨٢ والخطيب في التاريخ ٥/ ٦٠ من طريق أحمد بن عبد الجبار السكونى قال: حدثنا أبى يوسف القاضى عن أبى إسحاق الشيبانى عن أبى الأحوص عن عبد الله أن النبي ﷺ كان إذا دخل الغائط قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث".
وذكر الخطيب أن الدارقطني قال: "غريب من حديث أبى الأحوص عن عبد الله وهو غريب من حديث أبى إسحاق الشيبانى عنه تفرد به أحمد بن محمد السكونى". اهـ.
ونقل أيضًا عن الدارقطني اْنه قال: في السكونى: متروك.
* وأما رواية أبى وائل عنه:
ففي فوائد أبى بكر بن النقور "ج ١/ ١٥٥ - ١٥٦" عن محمد بن حفص بن عمر الضرير ثنا محمد بن معاذ ثنا يحيى بن سعيد ثنا الأعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة عنه كذا في الإرواء ١/ ٩٠
وذكر أن بعض رواته لا يعرفهم.
قوله باب (٦) في النهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول
قال وفى الباب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى ومعقل بن أبى الهيثم ويقال معقل بن أبى معقل وأبى أمامة وأبى هريرة وسهل بن حنيف
١٥ - أما حديث عبد الله بن الحارث بن جزء:
فرواه عنه يزيد بن أبى حبيب وسليمان بن زياد.
* أما رواية يزيد بن أبى حبيب عنه:
ففي ابن ماجة ١/ ١١٤ وابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٧٧ وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٩ وأحمد في المسند ٤/ ١٩٠ وابن أبى عاصم في الصحابة ٤/ ٤٣٢ وأبى نعيم في الحلية ٧/ ٣٢٦ والطبراني في الأوسط ٦/ ٣١٣ وعبد بن حميد في مسنده ص ١٧٦ والحازمي في الاعتبار ص ١٣٣ وابن شاهين في الناسخ ص ٨٢:
من طريق الليث وغيره عن يزيد به ولفظه: سمعته يقول: أنا أول من سمع النبي ﷺ -
стр. 36
يقول: "لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة) وأنا أول من حدث الناس بذلك".
قال البوصيرى: "هذا إسناد صحيح وقد حكم بصحته ابن حبان والحاكم وأبو ذر الهروى وغيرهم ولا أعرف له علة" الزوائد ١/ ٩٤
ونقل العينى في شرح البخاري ٢/ ٢٧٧ عن ابن يونس أنه قال: إنه معل ولم يذكر بيان علته مع نظافة الاسناد والمعلوم أن أصح أسانيد المصريين هذا فالحديث كما قال البوصيرى حتى تتضح علته، وذكر ابن رجب في شرح العلل ١/ ٤٢٣ و ٤٢٤ خلاف ما ذكره العينى وذلك أن ابن لهيعة غير لفظه: فقال: "رأيت رسول الله ﷺ : يبول مستقبل القبلة" قال ابن رجب: "وهذا اللفظ خطأ تفرد به ابن لهيعة وخالف رواية الناس". اهـ. والظاهر أن مراد ابن يونس هذا فإن كان مراده نقد هذا اللفظ فلا يحسن رد العينى عليه لما لا يخفى.
* وأما روية سليمان بن زياد عنه:
ففي مسند أحمد ٤/ ١٩٠ ويعقوب بن سفيان الفسوى في تاريخه ٢/ ٤٩٦ وابن حبان ٢/ ٣٤٦ وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٩ والطبراني في الأوسط ٥/ ١٥٩:
من طريق ابن لهيعة وغوث بن سليمان كلاهما عن سليمان بن زياد قال: دخلنا على عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى في يوم جمعة فدعا بطست فقال: استرنى بينى وبين القوم فبال فيها وتوضأ، ثم قال: إنى لم أجد منتحى إلا منتحًا إلى القبلة وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبولن أحدكم وهو مستقبل القبلة" وابن لهيعة ضعيف وغوث لا أعلم حاله.
١٦ - وأما حديث معقل بن أبى معقل ويقال ابن أبى الهيثم:
فخرجه أبو داود ١/ ٢٠ وابن ماجة ١/ ١١٥ و ١١٦ وأحمد في المسند ٤/ ٢١٠ وابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٧٦ و ٦/ ١٠٦ والبخاري في التاريخ ٧/ ٣٩٢ وابن أبى عاصم في الصحابة ٢/ ٢٩٥ وابن أبى خيثمة في التاريخ ٢/ ٢٧٩ والطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٣٤ والحازمي في الاعتبار ص ١٣٣:
من عدة طرق إلى عمرو بن يحيى عن أبى زيد معقل بن أبى معقل الأسدى قال: "نهى رسول الله ﷺ : أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط" والسياق لأبى داود، وأبو زيد مجهول
стр. 37
عين لا يعلم له راوٍ - إلا عمرو بن يحيى وقال ابن المدينى فيه: ليس بالمعروف وفى تاريخ ابن أبى خيثمة عن ابن معين أنه ضعيف.
١٧ - وأما حديث أبى أمامة فلم أجده.
١٨ - وأما حديث أبى هريرة:
فرواه مسلم ١/ ٢٢٤ وأبو عوانة في مستخرجه ١/ ٢٠٠ وأبو داود ١/ ١٨ والنسائي ١/ ٣٥ و ٣٦ وابن ماجة ٤/ ١١١ وأحمد ٢/ ٢٤٧ و ٢٥٠ والدارمي ١/ ١٣٨ والحميدي ٢/ ٤٣٥ وابن خزيمة ١/ ٤٣ وابن عدى ٦/ ٤٦٥ وابن حبان كما في الموارد ٣٥ و ٣٦ والبيهقي ١/ ٩١ والحازمي في الاعتبار ص ١٣٢ وابن شاهين في الناسخ ص ٨٣:
من طريق عمر بن عبد الوهاب حدثنا يزيد بن زريع ثنا روح عن سهيل عن القعقاع عن أبى صالح عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" والسياق لمسلم.
وقد ذكر المزى في التحفة ٩/ ٤٤١ أن قوله عن سهيل من أوهام ابن عبد الوهاب على يزيد والصواب رواية أمية بن بسطام وهو من أوثق شيوخه حيث قال: عن روح عن محمد بن عجلان به، قال المزى: "وهو محفوظ من رواية ابن عجلان عن القعقاع رواه عنه جماعة جمة منهم عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن رجاء والمغيرة بن عبد الرحمن". اهـ.
١٩ - وأما حديث سهل بن حنيف:
فرواه عبد الرزاق في المصنف ٨/ ٤٦٦ وأحمد في المسند ٣/ ٣٨٧ والدارمي في السنن ١/ ١٣٠ والبخاري في التاريخ ١/ ٢١١ والحارث بن أبى أسامة في مسنده كما في البغية ص ٣٨ والحاكم في المستدرك ٣/ ٤١٢:
من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عن الوليد بن مالك بن عبد القيس عن محمد بن قيس مولى سهل بن حنيف عن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: له: "أنت رسولى إلى أهل مكة فقل إن رسول الله ﷺ : يقرأ عليكم السلام ويأمركم بثلاث، لا تحلفوا بغير الله، وإذا تخليتم فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولا تستنجوا بعظم ولا ببعرة".
والسياق لعبد الرزاق وعبد الكريم بن أبى المخارق مشهور بالضعف بل متروك.
стр. 38
تنبيه:
وقع في زوائد الحارث بدل ابن جريج "بن جزع" وهو واضح الخطأ.
قوله: باب ٧ ما جاء في الرخصة في ذلك
قال: وفى الباب عن أبى قتادة وعائشة وعمار
٢٠ - أما حديث أبى قتادة:
فرواه الترمذي في الباب ١/ ١٥ وأحمد في المسند ٥/ ٣٠٠ والدارقطني في العلل ٦/ ١٦٦ والطبراني في الأوسط ١/ ٦١ والكبير ٣/ ٢٧١:
من حديث ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر عن أبى قتادة أنه رأى النبي ﷺ "يبول مستقبل القبلة".
خالف ابن لهيعة ابن إسحاق فرواه عن أبان بن صالح عن مجاهد وجعله من مسند جابر، وابن إسحاق أقوى من ابن لهيعة سيما وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث مع أن ابن لهيعة انفرد بروايته ولم يتابع على جعله الحديث من مسند أبى قتادة قال الطبراني في الأوسط: "لا يروى عن أبى قتادة إلا بهذا الاسناد تفرد به ابن لهيعة". اهـ. وقال الدارقطني: بعد سياقه له من طريقه: "وليس بمحفوظ والحديث مشهور عن جابر". اهـ. فالحديث من مسند أبى قتادة يعتبر منكرًا تفرد مع ضعفٍ.
٢١ - وأما حديث عائشة:
فرواه المصنف في العلل ص ٢٤ وابن ماجة ١/ ١١٧ وأحمد في المسند ٦/ ١٣٧ و ١٨٣ و ١٨٤ و ٢٢٧ و ٢١٩ و ٢٣٩ والطيالسى كما في المنحة ٦/ ٤١ وإسحاق في مسنده ٢/ ٥٠٧ و ٥٠٨ وابن المنذر في الأوسط ١/ ٣٢٦ والبخاري في التاريخ ٣/ ١٥٥ و ١٥٦ والدارقطني في السنن ١/ ٦٠ وابن شاهين في الناسخ ص ٨٤ والحازمي في الاعتبار ص ١٣٦ وابن أبى حاتم في العلل ١/ ٢٩:
من طريق خالد الحذاء عن خالد بن أبى الصلت عن عراك بن مالك عنها قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ : قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال: "أراهم قد فعلوها استقبلوا بمقعدتى القبلة" والسياق لابن ماجة.
стр. 39
وقد اختلف أهل العلم في ثبوته وعدمه فممن أثبته النووى في شرح مسلم والمجموع إذ قال: إسناده حسن وقال البوصيرى في الزوائد ١/ ٩٦ بعد ذكره تعليل البخاري: "وهذا الذى علل به البخاري ليس بقادح فالإسناد الأول حسن رجاله ثقات معروفون وقد أخطأ من زعم أن خالد بن الصلت" كذا وقع والصواب ابن أبى الصلت "مجهول وأقوى ما علل به هذا الخبر أن عراكًا لم يسمع من عائشة نقلوه عن الإمام أحمد وثبت سماعه منها عند مسلم رواه الدارقطني في سننه من هذا الوجه". اهـ. وفيه نظر يأتى ما فيه.
وأما من حكم عليه بالضعف فالبخاري وأبو حاتم وغيرهما وصححا وقفه قال: أبو حاتم بعد أن ساق الطريق السابقة: "لم أزل أقفو أثر هذا الحديث حتى كتبت بمصر عن إسحاق بن بكر بن مضر أو غيره عن بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة موقوف وهذا أشبه". اهـ. وقال المصنف في علله الكبير ص ٢٤ "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عن عائشة قولها".اهـ.
وبان لى أن في حديث عائشة أربع علل:
الاضطراب على خالد الحذاء، وجهالة شيخه، والاختلاف في الرفع والوقف، والانقطاع.
أما العلة الأولى:
فممن رواه عن خالد على الوجه المسوق قبل، حماد بن سلمة وعلى بن عاصم وهشيم. وقال عبد الوهاب عن خالد الحذاء عن رجل عن عراك عن عائشة خالفهم أبو عوانة والقاسم بن مطيب ويحيى بن مطر فرووه عن خالد الحذاء مرفوعًا بإسقاط خالد بن أبى الصلت خرج ذلك إسحاق والدارقطني وقال وهيب مثل عبد الوهاب إلا أنه زاد عمرة بين عراك وعائشة وعند من لم يقل بالاضطراب يرجح هذه الرواية إلا أما معلة كما يأتى.
وأما العلة الثانية:
فهي ما قيل في خالد بن أبى الصلت غاية الحجة عند من عرفه أنه احتج بما ذكره صاحب تاريخ واسط أنه كان عينًا لعمر بن عبد العزيز وقال ابن مفوز: "هو مشهور بالرواية معروف بحمل العلم". اهـ. وكل هذا لا يغنى في التعديل أما من حكم عليه بما تقدم
стр. 40
فالإمام أحمد حيث قال ليس معروفًا وتبعه ابن حزم وأنكر الإمام أحمد ما ورد عنه كما تقدم عن البوصيري قال: إبراهيم بن الحارث أنكر أحمد قول من قال: عن عراك سمعت عائشة وقال عراك من أين سمع من عائشة وقال أبو طالب عن أحمد إنما هو عراك عن عروة عن عائشة ولم يسمع عراك منها. اهـ. وانظر التهذيب ٣/ ٩٨.
فبان بهذا أن جميع الروايات السابقة عن خالد الحذاء غير موصولة من وجهين:
السقط بين ابن أبى الصلت عن عراك وهذه العلة جاءت من جميع الوجوه.
والوجه الثانى السقط بين عراك وعائشة وهذه سلمت منها رواية وهيب ولا يقال إن رواية وهيب لزيادته عمرة من المزيد في متصل الأسانيد إذ أن عراكًا قد ورد عنه التصريح في سماعه من عائشة كما سبق عن الإمام أحمد.
أما العلة الثالثة:
فهي مخالفة ابن أبى الصلت الكائنة من جعفر بن ربيعة كما تقدمت حكاية أبى حاتم وقال: كذلك البخاري في التاريخ مع أن جعفرًا ثقة وخالفه من سبق وتقدم ما قيل فيه فهي مخالفة بين ضعيف وثقة وهذا من باب المنكر فالرواية المرفوعة على هذا منكرة. فإن قيل إن رواية أبى عوانة ومن تابعه الخالية من ابن أبى الصلت خارجة عن هذا مع كون أبى عوانة معلوم المقدار قلنا: قال العلائى في جامع التحصيل ص ٢٠٧ ما نصه: "وروى عن خالد الحذاء عن عراك بن مالك حديث: "حولى مقعدتى نحو القبة" وكأنه وهم من بعض الرواة عنه بينهما خالد بن الصلت". اهـ. كذا وقع والصواب زيادة "أبى".
فرواية أبى عوانة أشد ضعفًا من غيرها إذ اجتمع السقط في ثلاثة مواضع.
العلة الرابعة:
الانقطاع، يظهر لك ذلك من خلال ما سبق إلا أنه بقى ها هنا شىء وهو رد كلام البوصيرى حتى ولو سلم له في رواية عراك عن عائشة فأى شىء يقول فيما ذكره البخاري من عدم سماع خالد من شيخه عراك وكذا المخالفة الكائنة بين خالد وجعفر والله الموفق.
ثم رأيت أن الإمام الذهبى سبقنى وإن حكم في الميزان ١/ ٦٣٢ على الحديث بالنكارة.