← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17360

فصول في الثقافة والأدب

علي الطنطاوي

Полный текст (307 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

علي الطنطاوي فصول في الثقافة والأدب جمع وترتيب حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنارة للنشر والتوزيع

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الأولى ٢٠٠٧ دار المنارة للنشر والتوزيع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 3

مقدّمة كاد هذا الكتابُ يصل إلى أيدي القرّاء قبل اليوم بشهور، لولا أن الله أراد له التأخير، وفيما يقضي الله خير. وهذا ما حصل: قرأتم في مقدمة كتاب «نور وهداية» أني قد اشتغلت أسابيع في مراجعة أوراق جدي ﵀ حتى اكتملَت بين يديّ مقالاتٌ وأحاديثُ كاملاتٌ أو شبهُ كاملات، ثم أنفقت أسابيع أُخَر في فرز تلك الأحاديث والمقالات. وقد اعتبرت ذلك العمل فرزاً نهائياً لكل ما كان بين يديّ من أوراق، وبفراغي منه صارت الخطة واضحة أخيراً؛ فقد جمعت المؤتلِفَ من الكتابات الكثيرة التي تراكمَت بين يدَيّ وضمَمتُ بعضَه إلى بعض، فتكوّنت منه أصولٌ متعدّدة لكتب من ذوات الموضوع الواحد، وبقي عليّ مراجعةُ هذه الأصول -بعد صَفّها- وتصحيحُها ودفعها إلى المطبعة. وكان من ثمرة هذا العمل كتاب «نور وهداية» الذي وفق الله إلى إصداره في العام الماضي، وكذلك كان منها هذا الكتاب، «فصول في الثقافة والأدب». غيرَ أني لمّا بدأت بتصحيح مادته وجدت نقصاً في أصول بعض المقالات، وقرأت إشارات -في سواها- إلى مقالات لم أجد لها أصولاً عندي، فعزمت عندئذ على حل هذه المعضلات جميعاً. وفكرت فاهتديت إلى حل؛

стр. 4

تذكرت أيامي الجميلة في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، وقد مضى عليها اليومَ ربعُ قرن أو يزيد، وكنت أُمضي في مكتبتها الساعات الطوال، ولطالما أمضيت فيها اليوم إلى آخره وسط الكتب والمراجع، حتى تغلق أبوابها ويضطروني إلى الانصراف. فذهبت إلى المكتبة المركزية في الجامعة، وعهدي بقسم الدوريات فيها أن فيه طائفة طيّبة من الدَّوْريات القديمة. وظهر أني كنت في ظني على صواب ووجدت فيها ما كنت أملت، فانتدبت نفسي لمراجعة هذا القسم، ودأبت على زيارة المكتبة في الأسبوع ثلاث مرات، أمضي فيها في كل مرة أربعَ ساعات أو خمساً، وصرّمت في ذلك أشهر الصيف، كلّها أو جلّها، وغربلت عشرات من المجلّدات، فظفرت بمقالات كثيرة لم تكن في يدي من قبل أصولٌ لها، وبذلك ازداد العمل الذي بدأت به اتساعاً واكتمالاً، وباتت «مشروعات» الكتب المُعَدَّة للنشر واضحةً خطّتُها مجتمِعةً مادّتُها. * * * أما هذا الكتاب ففيه تنوّعٌ في الموضوع وتنوّعٌ في الزمان؛ فقد صدرت المقالات التي تؤلفه في الثلاثينيّات والأربعينيّات والخمسينيّات، ومنها مقالات وأحاديث من الستينيّات والسبعينيّات، والأقل من مقالاته صدر في الثمانينيّات، في السنوات الأخيرة التي نشر فيها جدي ﵀ سلسلة مقالات «صور وخواطر» في جريدة «الشرق الأوسط»، بعد الفراغ من نشر ذكرياته فيها. ومنها ما كان أحاديثَ عثرتُ على مُسوَّداتها، ومنها مقالات نُشِرت في صحف ومجلات قديمة متنوعة، وقليلٌ منها مخطوطات لم تُنشَر

стр. 5

من قبل ولا أذيعت قط. وهي تتنوع في موضوعاتها وتتباين، وفيها فوائد وفيها عِبَر، وفيها نثر وفيها شعر، وفيها جِدّ وفيها طرائف. وقد رتبتها في الكتاب في نسق، فجمعت ما تآلف منها معاً، وبدأت بالأخفّ منها وانتهيت بالأدسم. ولقد كان يمكن أن يصدر هذا الكتاب ويصدر معه الكتاب الآخر الذي أعلنت عنه في بعض حواشي «الذكريات» (في طبعتها الجديدة التي صدرت في السنة الماضية بفضل الله)، وهو كتاب «فصول في الدعوة والإصلاح»؛ فقد عزمت على إصدار الاثنين معاً وفرّغت لهما ما قدّرته لازماً من الوقت، لكن العمل في هذا الكتاب استطال حتى سطا على وقت الآخر، وعطّلني إصدارُ الطبعة الجديدة من كتاب «دمشق» أيضاً، فتأجل إصدار الكتاب الآخر إلى حين. وامتدّ عملي في هذا الكتاب لأن فيه نصوصاً كثيرة من النثر والشعر تحتاج إلى مراجعة وضبط، فجدّي ﵀ لم يضبط بالشكل إلا أقل القليل من الكلمات في كل ما يكتب، وأنا أحرص -حين أُعِدّ كُتُبَه للنشر- على أن أضبط كل غريب من اللفظ، وكذلك أسماء الأعلام والأماكن، وأتكبّد في ذلك عناء غير قليل، لكني أحتسبُه لأن الظن يغلب عليّ (حتى يقارب اليقين) أن كثيرين يعجزون عن قراءة الكلمات الصعبة وأسماء الرجال المجهولين والأماكن غير المألوفة، إلا أنْ يُضبَط ذلك كله بالشَّكْل. رحم الله الشيخ، فقد كان يكتب لزمان غير هذا الزمان، أو أنه يظن أن عامة القرّاء (وأنا منهم) مثله في العلم فهم يستغنون عن التشكيل في أمثال هذه المواطن.

стр. 6

والشعر خاصة لا يَحسن نشره بغير تشكيل، فهو يفقد وزنه إذا اختلّت قراءته، والألفاظ الغريبة فيه أكثر منها في سواه من النصوص الأدبية. ومن أجل ذلك فقد أنفقت وقتاً طويلاً في مراجعة وضبط الشعر في هذا الكتاب، وهو غير قليل، واضطرني هذا إلى الغوص في الدواوين وكتب الأدب. ثم ألجأتني مباحثُ ومسائل أخرى إلى كتب التاريخ والأعلام وسواها، فما انتهيت من تصحيح الكتاب وإعداده للنشر إلا وقد مررت بعشرات من المجلدات في شتى العلوم والفنون. * * * وبعد، فالحمد لله الذي أمدَّني بالهمّة والوقت لإخراج هذا الكتاب، وجزى الله خيراً كلَّ من ألهمه الله فدعا لي بالبركة في وقتي فأعان على صدوره، وبارك الله في كل من يدعو بالأجر لزوج خالتي، نادر حتاحت، الذي ينشره اليوم، ولي لقاء عملي فيه وفي سواه، وقبل ذلك لجدّي الذي خَطّه أول مرة، ﵀ وغفر له وأكرم مثواه. مجاهد مأمون ديرانية جدة: رمضان ١٤٢٨

стр. 7

وقفة عند رِيع اللصوص نشرت سنة ١٩٨٦ عادتي حين أنزل بلداً لا أعرف فيه أحداً أن أركب الترام (إن كان فيه ترام) أو سيارة النقل الجماعي، فلا أنزل منها حتى ترجع بي إلى المكان الذي بدأت منه؛ فأرى البلد وأنا آمنٌ أن أضلّ الطريق أو أتعرض لمكروه. فلما وصلت مكة للإقامة فيها سنة ١٣٨٤ ما كان فيها إلا سيارات الأجرة الصغيرة (التاكسي) و «خطوط البلدة»، وهي سيّارات ليست بالصغيرة ولا بالكبيرة، لا هي بالجيدة التي لا تُعاب ولا الرديئة التي لا تُركب، يدعونها «الأَنيسة». فأنِست باسمها لمّا سمعته، ومر على ذهني ما أحفظ من الشعر الذي فيه ذكر الأوانس، من آنسة عنترة بن معاوية بن شداد التي يقول عن دارها: دارٌ لآنِسةٍ غَضيضٍ طَرْفُها ... طَوْعِ العِناقِ لذيذةِ المُتَبَسَّمِ ولا أكتمكم طربي لكلمة «لذيذة»، فلو أنه قال «حلوة» أو قال «جميلة» لما بلغ عُشر ما تبلغ كلمة لذيذة. إنها تشعرك كأن ابتسامتها شيء يُذاق! ولكن لا تحسبوا أنها طَوع العناق لكل قادم عليها مائل إليها، إنها تكون إذن بغيّاً، وما كانت نساء العرب

стр. 8

بغايا، وإن دون الوصول إليهن وعناقهن شفرات السيوف وخوض الدم، ولكنها طوع العناق لزوجها. وذكرتُ آنسات البحتري عند بركة المتوكل: يا مَن رأى البِرْكَةَ الحَسناءَ رُؤيَتَها ... والآنِساتِ إذا لاحَتْ مَغانيها أنا رأيت بركة المتوكل ولكنها كانت جافة بلا ماء، وشاهدت آثار هذه المغاني ولكن خالية بلا آنسات، رأيتها بعدما أبلى الزمان جِدّتَها وأذهب بهجتها. هذه البركة -التي كنت أحسب البحتري مبالغاً في وصف سعتها- قسناها لمّا زرناها فوجدنا قطرها يزيد على ثلاثمئة خطوة، لذلك غارت دجلة منها: ما بالُ دِجْلَةَ (١) كَالغَيرى تُنافِسُها ... في الحُسنِ طَوْراً وأَطواراً تُباهيها؟ بيد أن البحتري ما قاسها بالخطى ولا الأمتار، تلك مقاييس جامدة يقيس بها أمثالنا، أما الشاعر فمقاييسه فيها حياة؛ إنه يقيس بالسّمَك: لا يبلغُ السّمَكُ المَحصورُ غايتَها ... لِبُعْدِ ما بينَ قاصيها ودانيها (٢) * * *

стр. 9

أدَعُ «الأوانس» وأعود إلى «الأنيسة»، إلى السيارة التي ركبتها يومئذ فما أنست بها ولا استرحت إليها، فقد ضاق بي مقعدها حتى يبست رجلاي وتصلّب ظهري وآذى الازدحام جنبي، ولكن كيف الخروج منها؟ يقولون في مصر: «دخول الحمّام ليس كخروجه»! وهذه الأنيسة تشبه الحمّام في حَرّها، يغتسل فيها راكبها من غير أن ينزع ثيابه، لا يغتسل بالماء الذي يُصَبّ عليه بل بالعرق الذي ينصَبّ منه! وكانت تلك هي المرة الأولى التي أركبها فيها، وكانت هي المرة الأخيرة، فلم أعد بعد ذلك إليها. جعلت السيارة تدور بنا، وكلما بلغنا موقفاً سمّاه السائق لينزل فيه من يشاء النزول، فوقفنا في موقف فقال: «رِيع اللصوص». فتنبهت كأنْ قد قرصتني نحلة، وشككت في صحة سمعي، فأعاد القول: «ريع اللصوص»! فعجبت، لأن كلمة «الريع» معروفة وإن تركها الناس، فهي عربية قرآنية (١). ولكن ما بال اللصوص؟ وهل للّصوص حي

стр. 10

يجتمعون فيه؟ وتمنيت لو أن اللصوص والمفسدين في الأرض اجتمعوا في مكان محصور، إذن لهان الوصول إليهم وإصلاحهم أو القضاء عليهم. ولو اجتمع البعوض كله في موضع واحد لقُضي على البعوض، لأن نجاته في تفرّقه واختفائه، وأنه يضرب ويهرب ويضرّ ويفرّ فلا يوصَل إليه. وشرٌّ من الحشرات والبعوض وجراثيم الأمراض قومُ بيغن وشامير، واجتماعُهم في فلسطين من بشائر القضاء عليهم وأن نرى تأويل قوله تعالى فيهم (وقولُه الحق): ﴿وَقَضَيْنا إلى بَني إسْرَائيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوَّاً كَبيراً. فإذا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنا أُولي بَاسٍ شَديدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيارِ، وكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾. الأولى التي بعث الله عليهم عبادَه المؤمنين به المُخلصين له هي التي كانت على عهد رسول الله ﵊ وصحابته، الذين جاسوا خلال الديار التي حسبوها يوماً ديارهم (في المدينة)، ثم أُجْلُوا عنها وعن جزيرة العرب فلن يعودوا بعون الله إليها. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأمْدَدْناكُمْ بأَمْوالٍ وبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أكثَرَ نَفيراً﴾؛ وهذا ما نراه الآن، حين اجتمع في أيدي اليهود -على قلّتهم- أمضى السلاح، وناصرهم أقوى الدول، وجعلهم الله أكثر نَفيراً في الحرب. ولكن الله يمهّد بذلك للمسلمين -إن عادوا إلى دينهم- لِيَسوؤوا وجوههم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة.

стр. 11

وسنرى تأويل (١) هذا عياناً ونرى تحقيق ما خبّر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهودي من وراء الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم، هذا يهودي خلفي فاقتله» (٢)؛ أي أننا سنقف أمامهم في المعركة التي يكون الظفر فيها لنا عليهم، فكيف نظفر بهم وهم متفرقون في البلدان مندَسّون بين الشعوب؟ وهل يكون القتال إلا بين جماعتين ظاهرتين؟ فاجتماعهم في فلسطين وقيام دولتهم فيها تصديق لوعد الله ورسوله لنا. ولا تعجبوا من نطق الشجر والحجر. ألم يعلّمنا الله كيف نُنطق الأسطوانةَ وشريطَ التسجيل والرائي (التلفزيون)؟ ألم يُنطق لنا الجمادَ؟ فلماذا تعجبون ولا تكادون تصدّقون إن سمعتم أن الشجر والحجر ينطقان؟

стр. 12

وهذا وعد من الله لنا إن عدنا إلى ديننا وجعلنا معركة فلسطين معركة إسلامية، لا معركة استرداد الأرض فقط، فكل شعب تُسلَب أرضُه يحارب لاسترداد أرضه، ولا معركة قومية عربية، لأن لغيرنا قوميات، فإن اعتمدنا على القومية وحدها صرنا نحن وهم سواء ووكلَنا الله -كما وَكَلَهم- إلى أنفسنا، وإن تخلى الله عنا ووكلَنا إلى أنفسنا ضعنا. إن معهم وعد بلفور، وهذا وعد من ربّ بلفور الذي خلقهم وخلق بلفور. وسيقفون بين يدي رب العالمين يوم لا ينفع المال ولا السلاح، يوم تبرز الجحيم لمن يرى، فمَن ينقذهم يومئذ منها؟ هذا، ولا تقولوا لي: قد خرجتَ عن الموضوع؛ فإن موضوعي اليوم هو الكلام عن اللصوص، أثاره في نفسي وقوفي في المكان الذي كان يُسمّى يومئذ «ريع اللصوص». وأكبر لصوص العصر وأعظمهم جرماً وأشدهم إثماً اليهود الذين هم اليوم في فلسطين. وإذا كان من يسرق متاعاً من الدار يكون من المجرمين الفجّار، فكيف بمَن يسرق الدار كلها؟ وكيف بالذي يعينه على جريمته ويكون معه على صاحب البيت؟ ألا يكون مجرماً مثله؟ فكيف بمن يسرق قطراً كاملاً، يأخذه من أهله، يحتله بسلاح البغي والعدوان، ثم إذا قام مِن أصحابه مَن يطالب بحقه فيه أحالوه إلى المحكمة بتهمة مقاومة الاحتلال؟ أرأيتم أجرأ على الحق من هذا؟ أرأيتم من هو أصفق وجهاً وأوقح نفساً من اللص الذي ينكر عليك أن تطالب بحقك؟

стр. 13

وإذا جاء مَن يزعج المحتل بكى وشكا وقال إنه يريد أن يكون آمناً، وهذا يُذهب أمنه ويفسد عليه حياته! * * * ولو أنني حصرت ذهني لجمعت مما عرفت من أخبار اللصوص كتاباً صغيراً، ولو أن أحد المؤلفين يضع كتاباً في طبقاتهم وأخبارهم لجاء منه أثر أدبي تاريخي. ولا تعجبوا، فإن أجدادنا ألّفوا في سِيَر العلماء والدعاة والمصلحين والعقلاء والمجانين واللصوص والمجرمين، ونحن نزعم أننا نعيش في عصر النور فلا نفعل عُشر ما فعلوا. ولعل أدنى طبقاتهم وأيسرَها (لو أن في السرقة يسيراً!) هو الذي يسرق عن حاجة، يسرق ليعيش. وشرٌّ منه الذي يسرق طمعاً واستكثاراً من المال بالحرام، والذي يسرق متستّراً بجاهه أو منزلته أو ثقة الناس به، والمحتال والمزوّر، والذي يأكل مال الأرملة واليتيم وينسى أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً. والذي يستهين بسرقة أموال الدولة، ابتداء من صحيفة الورق الصقيل يكتب في وسطها رقم هاتف أو عنوان صديق، ومن استعمال سيارة الدولة في خاصة شأنه وشأن أسرته، وانتهاء بالذي يسرق أموال المناقصات والتعهدات. وهذا كله من «الغُلول» الذي توعّد الله فاعلَه وقال عنه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأتِ بِما غَلَّ يَومَ القِيامَة﴾، فمن أين له يوم القيامة مثل ما غلّه وسرقه ليأتي به؟ والذي يسرق وقت العمل؛ يكلَّف بأن يجيء الساعة الثامنة فيجيء التاسعة، وأن يخرج في الثانية فيخرج في الواحدة،

стр. 14

ويمضي باسمه على دفتر الدوام ثم ينسلّ فيغيب ساعة أو بعض ساعة. والذي يسرق أوقات المراجعين وكرامتهم، فتكون القضية محتاجة إلى خمس دقائق فيقول لصاحبها تعال غداً، يحسب أنه إن قعد وراء المكتب والمراجِع واقف أمامه أن ذلك سيدوم له، ثم يدّعي أنه مؤمن، والرسول ﵊ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه». والتلميذ الذي يسرق الجواب في الامتحان. إنه حين يسرق بعينه من ورقة جاره أكبرُ ذنباً من الذي يسرق بيده من جيبه (١)، لأن سرقة المال يزول أثرها بردّ المال، ومن سرق الجواب ونال الدرجة زوراً، ثم أخذ بعدها الشهادة زوراً، ثم نال المنصب زوراً، يستمر أثر جريمته دهراً، وربما صار بشهادته معلّماً وهو غير عالم، فنشأ على يديه الآثمتين جماعة من الجهلاء، فيكون كحامل جرثومة المرض يعدي من يتصل به، ومَن أعداه ذهب فأعدى سواه، فسرى المرض في جسد الأمة. أما السرقات الأدبية فلها حديث قديم جداً طويل جداً، كتبت فيه في غير هذا الموضع، وقد ظهر الآن لون منها ما عرفه الأوّلون هو سرقة المطبوعات. وقد تجرّعت منه المُرَّ وذقت منه الصَّابَ والعلقم. آخُذُ كتابي المطبوع بإذني وعلمي والكتابَ المسروق، فلا أميّز أنا واحداً من واحد، لأن الورق هو الورق والحرف هو الحرف والحبر هو الحبر! لكني إن لم أستطع أن أميز فإن في الوجود من يميز الصالح من الفاسد ومن يكافئ على

стр. 15

الحسن ويعاقب على السيئ، هو الله الذي سيقف بين يديه الظالم والمظلوم. وربما أحسن إليّ هذا الذي سرق كتبي، لأنني آخذ منه حقي يوم يُلغى التعامل بالريال وبالدولار وبالينّ وبالمارك، ولا يبقى إلا التعامل بالحسنات، فمن كان له حق أخذ من حسنات مَن عليه الحق أو ألقى عليه من سيئاته. ومن السرقات ما لا يعوَّض. كان في متحف دمشق مجموعة من الدنانير الأموية بقيت بعد هذا الزمان الطويل وقلّ أمثالها، سرقها مرة لصٌّ فأذابها وجعلها سبيكة فأضاع قيمتها التاريخية وإن حفظ كتلتها الذهبية؛ كالذي سرق دفتري في رحلة الحجاز، وقد حدّثتكم خبره (١)، ودفتراً آخر ضخماً كتبت فيه بخطّي مباحث علم النفس والفلسفة لمّا كنا ندرسها سنة ١٩٢٩ (١٣٤٨هـ)، وكان عزيزاً عليّ لأن فيه فصلاً من تاريخ حياتي ولأن فيه قطعة من نفسي، لست أدري من سرقه من بيتي. وما سرقه لص محترف تسلق الجدار أو كسر الأقفال، ولكن سرقه واحد ممّن أدخلته أنا داري لا يعلم إلا الله وحده من هو.

стр. 16

ومن اللصوص الذين يستعيرون الكتب ولا يردّونها، لذلك قررت قراراً لا رجعة فيه أن لا أعير أحداً كتاباً مهما كان السبب: ألا يا مُستعيرَ الكُتْبِ دَعْني ... فإنّ إعارَتي للكُتْبِ عارُ فمَحبوبي من الدُّنيا كتابي ... وهل أبصرتَ مَحبوباً يُعارُ؟ ومن اللصوص الذين لا يؤبَه لهم الذين يسرقون وقتك؛ فيأتي مَن يزورك على غير ميعاد، يهبط عليك كما تهبط المصيبة وينزل بك كموت الفجأة. ولطالما عطّل عليّ مثلُ هؤلاء مقالةً كنت أعدّها أو درساً كنت أحضّره. لذلك لا أستقبل الآن أحداً أبداً بلا موعد، لا كِبْراً مني ولكن حفاظاً على وقتي. وإذا كانت سرقة المال ذنباً، فسرقة الوقت الذي يأتي بالمال أكبر؛ الوقت الذي تنال به المال والعلم ويكون سبباً في دخولك الجنة أو في دخولك النار. على أن هذا كله يُعَدّ في مجتمعاتنا من الشواذّ، والأصل في الناس الاستقامة والخير. ولكن بعض هذه الأفلام وهذه المسلسلات، المصرية خاصة منها والشكوى إلى الله، كلها أو جلها فيها الاحتيال والتزوير والسرقة وأن يكون المرء ذا وجهين. أهذه صورة شعب مصر؟ إني أغار على مصر، ومصر بلدي منها أصلي، وأبرّئ مصر، وأقول: لا والله ما هذه صورة شعب مصر، وإنه لأعَفّ وأنظف وأشرف مما تصوره به المسلسلات. فليتَّقِ الله فينا صانعوها (١). * * *

стр. 17

وبعد، فإني سأورد عليكم طرفتين من طُرَف اللصوص فيهما إن شاء الله متعة: في دمشق مسجد كبير اسمه «جامع التوبة»، وهو جامع مبارك فيه أُنس وجمال، سُمّي بجامع التوبة لأنه كان خاناً تُرتكَب فيه أنواع المعاصي، فاشتراه أحد الملوك في القرن السابع الهجري وهدمه وبناه مسجداً (١). وكان فيه من نحو سبعين سنة شيخ مُرَبٍّ عالم عامل اسمه الشيخ سليم المُسوتي، وكان أهل الحي يثقون به ويرجعون إليه في أمور دينهم وأمور دنياهم. وكان عند هذا الشيخ تلميذ صالح، وكان مضرب المثل في فقره وفي إبائه وعزة نفسه، وكان يسكن في غرفة في المسجد. مرّ عليه يومان لم يأكل فيهما شيئاً، وليس عنده ما يَطعَمه ولا ما يشتري به طعاماً، فلما جاء اليوم الثالث أحس كأنه مشرف على الموت، وفكر ماذا يصنع، فرأى أنه بلغ حد الاضطرار الذي يجوّز له أكل الميتة أو السرقة بمقدار الحاجة، فآثر أن يسرق ما يقيم صلبه. وهذه القصة واقعة أعرف أشخاصها وأعرف تفصيلها وأروي ما فعل الرجل، لا أحكم على فعله بأنه خير أو شر أو أنه جائز أو ممنوع. وكان المسجد في حي من الأحياء القديمة، والبيوت فيها متلاصقة والسطوح متصلة، يستطيع المرء أن ينتقل من أول الحي إلى آخره مشياً على السطوح. فصعد إلى سطح المسجد

стр. 18

وانتقل منه إلى الدار التي تليه، فلمح فيها نساء فغضّ من بصره وابتعد، ونظر فرأى إلى جنبها داراً خالية، وشم رائحة الطبخ تصعد منها، فأحس من جوعه لمّا شمّها كأنها مغناطيس يجذبه إليها. وكانت الدور من طبقة واحدة، فقفز قفزتين من السطح إلى الشرفة فصار في الدار، وأسرع إلى المطبخ فكشف غطاء القِدر، فرأى فيها باذنجاناً محشوّاً، فأخذ واحدة ولم يُبالِ من شدة جوعه بسخونتها، وعضّ منها عضة، فما كاد يبتلعها حتى ارتدّ إليه عقله ودينه، وقال لنفسه: أعوذ بالله، أنا طالب علم مقيم في المسجد، ثم أقتحم المنازل وأسرق ما فيها؟ وكبر عليه ما فعل، فندم واستغفر ورَدّ الباذنجانة، وعاد من حيث جاء فنزل إلى المسجد وقعد في حلقة الشيخ وهو لا يكاد -من شدة الجوع- يفهم ما يسمع. فلما انقضى الدرس وانصرف الناس (وأؤكد لكم أن القصة واقعة) جاءت امرأة مستترة (ولم يكن في تلك الأيام امرأة غير مستترة) فكلمت الشيخ بكلام لم يسمعه، فتلفّت الشيخ حوله فلم يَرَ غيره، فدعاه وقال له: هل أنت متزوج؟ قال: لا. قال: هل تريد الزواج؟ فسكت، فقال له الشيخ: قل، هل تريد الزواج؟ قال: يا سيدي، ما عندي ثمن رغيف آكله فبماذا أتزوج؟ قال الشيخ: إن هذه المرأة خبّرتني أن زوجها توفي وأنها غريبة عن هذا البلد، ليس لها فيه ولا في الدنيا إلا عم عجوز فقير، وقد جاءت به معها (وأشار إليه قاعداً في ركن الحلقة) وقد ورثَت دار زوجها ومعاشه، وهي تحب أن تجد رجلاً يتزوجها على سنة الله ورسوله لئلا تبقى منفردة فيطمع فيها الأشرار وأولاد

стр. 19

الحرام، فهل تريد أن تتزوج بها؟ قال: نعم. وسألها الشيخ: هل تقبلين به زوجاً؟ قالت: نعم. فدعا بعمها ودعا بشاهدين وعقد العقد، ودفع المهر عن التلميذ، وقال له: خذ بيد زوجتك. فأخذ بيدها، أو أخذت هي بيده فقادته إلى بيتها، فلما دخلته كشفت عن وجهها فرأى شباباً وجمالاً، ورأى البيت هو البيت الذي نزله. وسألته: هل تأكل؟ قال: نعم. فكشفت غطاء القِدْر فرأت الباذنجانة، فقالت: عجباً! من دخل الدار فعضّها؟ فبكى الرجل وقصّ عليها الخبر، فقالت له: هذه ثمرة الأمانة، عففت عن الباذنجانة الحرام فأعطاك الله الدار كلَّها وصاحبتَها بالحلال. * * * أما القصة الأخرى فلعل الطرافة فيها أكثر من المنفعة منها، وهي واقعة أعرف أشخاصها وظروفها، هي أن شاباً فيه تُقى وفيه غفلة طلب العلم، حتى إذا أصاب منه حظاً قال الشيخ له ولرفقائه: لا تكونوا عالة على الناس، فإن العالم الذي يمدّ يده إلى أبناء الدنيا لا يكون فيه خير، فليذهب كل واحد منكم وليشتغل بالصنعة التي كان أبوه يشتغل بها، وليتّقِ الله فيها. وذهب الشاب إلى أمه فقال لها: ما هي الصنعة التي كان أبي

стр. 20

يشتغل بها؟ فاضطربت المرأة وقالت: أبوك قد ذهب إلى رحمة الله، فما لك وللصنعة التي كان يشتغل بها؟ فألحّ عليها وهي تتملّص منه، حتى إذا اضطرّها إلى الكلام أخبرته وهي كارهة أن أباه كان لصاً. فقال لها: إن الشيخ أمرنا أن يشتغل كلٌّ بصنعة أبيه ويتقي الله فيها. قالت الأم: ويحك! وهل في السرقة تقوى؟ وكان في الولد كما قلت غفلة، فقال لها: هكذا قال الشيخ. ثم ذهب فسأل وتسقّط الأخبار حتى عرف كيف يسرق اللصوص، فأعدّ عُدّة السرقة، وصلى العشاء، وانتظر حتى نام الناس، وخرج ليشتغل بصنعة أبيه كما قال الشيخ. فبدأ بدار جاره، ثم ذكر أن الشيخ قد أوصاه بالتقوى، وليس من التقوى إيذاء الجار، فتخطى هذه الدار. ومرّ بأخرى فقال لنفسه: هذه دار أيتام، والله حذر من أكل مال اليتيم. وما زال يمشي حتى وصل إلى دار تاجر غني ليس له إلا بنت واحدة، ويعلم الناس أن عنده الأموال التي تزيد عن حاجته. فقال: ها هنا. وعالج الباب بالمفاتيح التي أعدّها ففتح ودخل، فوجد داراً واسعة وغرفاً كثيرة، فجال فيها حتى اهتدى إلى مكان المال، وفتح الصندوق فوجد من الذهب والفضة والنقد شيئاً كثيراً، فهمّ بأخذه، ثم قال: لا، لقد أمرنا الشيخ بالتقوى، ولعلّ هذا التاجر لم يؤدِّ زكاة أمواله، لنُخرج الزكاةَ أولاً. وأخذ الدفاتر وأشعل فانوساً صغيراً جاء به معه، وراح

стр. 21

يراجع الدفاتر ويحسب، وكان ماهراً في الحساب خبيراً بإمساك الدفاتر، فأحصى الأموال وحسب زكاتها فنحّى مقدار الزكاة جانباً، واستغرق في الحساب حتى مضت ساعات، فنظر فإذا هو الفجر. فقال: تقوى الله تقضي بالصلاة أولاً. وخرج إلى صحن الدار، فتوضأ من البِرْكة وأقام الصلاة، فسمع رب البيت فنظر فرأى عجباً، فانوساً مضيئاً، ورأى صندوق أمواله مفتوحاً ورجلاً يقيم الصلاة. فقالت له امرأته: ما هذا؟ قال: والله لا أدري! ونزل إليه فقال: ويلك من أنت وما هذا؟ قال اللص: الصلاة أولاً ثم الكلام، فتوضّأ ثم تقدّمْ فصَلِّ بنا، فإن الإمامة لصاحب الدار. فخاف صاحب الدار أن يكون معه سلاح ففعل ما أمره به، والله أعلم كيف صلى، فلما قُضيت الصلاة قال له: خبّرني ما أنت وما شأنك؟ قال: لص. قال: وماذا تصنع بدفاتري؟ قال: أحسب الزكاة التي لم تُخرجها من ستّ سنين، وقد حسبتها وفرزتها لتضعها في مصارفها. فكاد الرجل يُجَنّ من العجب، وقال له: ويلك، ما خبرك؟ هل أنت مجنون؟ فخبّره خبره كله. فلما سمعه التاجر ورأى جمال صورته وضبط حسابه ذهب إلى امرأته فكلمها، ثم رجع إليه فقال له: ما رأيك لو زوّجتك بنتي وجعلتك كاتباً وحاسباً عندي، وأسكنتك أنت وأمك في داري، ثم جعلتك شريكي؟ قال: أقبل. وأصبح الصباح فدُعي بالمأذون وبالشهود وعُقِد العقد! وهذه قصة واقعة. * * *

стр. 22

أما السرقات الأدبية فقد قلت لكم إنني لا أعرض لها الآن، إلا لواحدة لها صلة بالعلم والعلماء، وهي سرّ لم يُرفَع عنه الستار إلى الآن. ذلك أن عندنا كتابين متماثلين تماماً في موضوع جديد، لم يؤلَّف فيه قبلَهما ولم يؤلَّف فيه بعدهما إلا القليل، هما كتاب «الأحكام السلطانية» للماوَرْديّ وكتاب «الأحكام السلطانية» للقاضي أبي يَعْلَى. والكتابان متشابهان متطابقان لأن أحدهما منسوخ عن الآخر، فمَن هو صاحب الكتاب الأول؟ الماوردي من أفقه فقهاء الشافعية وكان يلقَّب بأقضى القضاة، وأبو يعلى من أفقه فقهاء الحنابلة، وإذا قيل «القاضي» انصرف اللقب إليه. والاختلاف بينهما أن الماوردي حين يسرد الأحكام يسردها على المذهب الشافعي وأبو يعلى على مذهب الإمام أحمد. وكانا في عصر واحد، وبلد واحد، وأظنهما كانا قاضيَين في محكمة واحدة! فلعل أحد الأساتذة أو الطلاب الذين يُعِدّون رسائل الشهادات العالية يدرس هذا الموضوع ويُثبت بالأدلة مَن منهما المؤلف الأول. أما أنا فأميل إلى أنه الماوردي، لأن للماوردي كتاباً آخر قريباً في أسلوبه ونهجه وطريقته من هذا الكتاب، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 23

لعبة شِطرنج حديث أذيع سنة ١٩٦٠ أحدّثكم اليومَ عن واقعة غريبة من وقائع التاريخ. وفي وقائع التاريخ وفي حوادث الحياة عجائب أغرب من أفانين الخيال. واقعة موضوعها «لعبة شِطرنج» (١). والشطرنج لعبة معروفة، وهو أعلى أنواع اللعب وأدقّها، عُنيت به الأمم قديماً وحديثاً، وكان العرب من أشدّ الأمم عناية به وبراعة فيه، حتى إن منهم من كان يلاعب وهو مُسْتدبِر الرقعة لا ينظر إليها، ومن كانا يلعبان وهما مسافران على ظهور الإبل، ليس أمامهما رقعة ولا حجارة، وإنما يتخيلان الرقعة وحركات الحجارة تخيّلاً. وبرع فيها جماعة منهم أبو القاسم التّوزي الشطرنجي، الذي وصفه ابن الرومي في قصيدة طويلة منها قوله: غَلِطَ الناسُ، ليسَ تلعبُ بالشِّطْرنج، لكنْ بأنْفُسِ اللُّعَباءِ لك مَكرٌ يَدِبُّ في القوم أَخْفَى من دبيب الفَناء في الأعضاء تقتلُ الشّاهَ حيث شئتَ من الرقعة طَبّاً بالقِتْلَةِ النَّكراء

стр. 24

غيرَما ناظرٍ بعينِك في الدَّسْتِ ولا مُقبلٍ على الرُّسَلاء بل تراها وأنت مُستدبِرُ الظَّهرِ بقلبٍ مُصوَّرٍ من ذكاء ونُظمت فيه مقطَّعات وقصائد وكان له أدب. ولقد شبّه شوقي الحرب برقعة الشطرنج في قصيدته عن نابليون وكلامه عن موقعة إسترلتز، فقال: عند أُسْتَرْلِتْزَ كان المُلتقى ... واصطدامُ النَّسْرُ بالمُسْتَنْسِرينْ وُضِعَ الشِّطرَنْجُ فاستقبلتَه ... ببَنانٍ عابثٍ باللاعِبينْ صِدْتَ شاهَ الرّوسِ والنّمسا معاً ... مَنْ رأى شَاهَيْنِ صِيدا في كَمين؟ * * * والشطرنج والنرد أشهر اللعَب القديمة، وإن كان الحكم الشرعي أن النرد (الطاولة) وأمثاله من اللُّعَب التي يكون الغَلَب فيها بالحظ والمصادفة (بالزهر) حرام بالاتفاق، واللعَب التي يكون الغلب فيها بالبراعة والذكاء ولا دخل للحظ فيها فهي جائزة في بعض المذاهب الأربعة. ولعل من الحكمة في ذلك أن على المسلم أن يعتمد على نفسه بعد اعتماده على ربه، وأن لا يمشي إلا في الطريق الواضح، ولا يضع قدمه إلا على الأرض الثابتة المستقرة، ولا يجعل اعتماده على المصادفات والحظوظ. وللشطرنج اليوم طريقتان للعب: الطريقة العربية؛ ويُشترَط فيها التنبيه قبل ضرب أي حَجَر، ويُحظر فيها التَّبْييت (١) إلا في

стр. 25

أول اللعب، ويمشي فيها الجندي (البَيْدق) بيتاً بيتاً. والطريقة الإفرنجية؛ ولا يُشترَط فيها التنبيه، ويكون التبييت في كل وقت، ويمشي البيدق أولاً بيتين. وكل طريقة تدل على أخلاق أهلها، فالعرب شرفاء لا يأخذون شيئاً إلا بعد الإنذار، يأخذونه قوة واقتداراً لا سرقةً وخطفاً، ويمشون خطوة خطوة لا يَثِبون للغنيمة وثباً. والشطرنج يعلّم صاحبه الفكر والتدبير، ولكنه إن زاد في الاشتغال به صار مُوسوِساً ودخله الهوَس؛ لذلك اشترط الفقهاء الذين قالوا بجوازه ألاّ يشغل عن واجب ولا يؤدي إلى محظور، ولا يُبالَغ فيه حتى يكون همّ اللاعب الأول وشغله الشاغل. * * * أما الواقعة التي جئت أحدثكم حديثها فقد وقعت في الأندلس، حين انقسمت الدولة الواحدة دولاً، وترك المسلمون دينهم فتسلط الكفرة عليهم، وصار الإسبان يغزونهم ويقتطعون من ديارهم بعد أن غزوا هم الإسبان وفتحوا بلادهم. كانت هذه الواقعة أيام ملوك الطوائف (الذين كان يسميهم علماؤنا «الدول المُنقطعة»)، إذ سيّرَ الأذْفونش (ألفونس) ملك

стр. 26

الإسبان جيشاً ضخماً يريد أن يهاجم به مملكة الملك الشاعر ابن عبّاد، وكان وزيره هو الوزير الشاعر ابن عمّار (الذي حدثتكم السنة الماضية طرفاً من حديثه (١) فوجّهه إلى قتاله. ولم يكن لمملكة ابن عمار طاقة بالإسبان، فاعتمد ابن عمار على الحيلة. وكان لاعباً بالشطرنج، لا نظير له ولا يقوم له في اللعبة أحد، فصنع رقعة نادرة المثال وتأنق فيها، وجعل قطع اللعب من الأبنوس والصّنْدل والعود الرطب، وحلاّها بالذهب والجواهر، ووضع فيها من عبقرية الفن ما جعلها تحفة. وكان ملك الإسبان ممن يلعب الشطرنج، فوجّه إليه ابن عمار رسولاً من قِبَل الملك المعتمد للمفاوضة، وحمل معه هذه الرقعة وهذه القطع. وكانت لابن عمار منزلة أدبية ومكانة اجتماعية حملت ملك الإسبان على أن يستقبله ويبالغ في إكرامه ويأمر وجوه دولته بالتردد على خبائه، وتلطف ابن عمار حتى أراه الرقعة والقطع، فلما رآها دُهش لها وجُنّ بها وسأله أن يهبها له، فأبى إلاّ بشرط. قال: وما هو؟ قال: ألعب معك عليها، فإن غلبتني كانت لك، وإن غلبتك كان لي حكمي. ومثل هذا الشرط لا يجوز بين المسلمين، ولكنه مع كافر، والحرب خدعة. ورشا ابن عمار وزراء الملك الإسباني ووزّع عليهم المال الجمّ والهدايا الثمينة ليساعدوه عند الملك، فما زالوا بالملك يهوّنون عليه الأمر ويقولون: إن غلبته كانت لك رقعة

стр. 27

لا نظير لها، وإن غلبك فما عساه يطلب؟ حتى قبل الملك. فقال ابن عمار: اكتب ما اتفقنا عليه واجعل بيني وبينك شهوداً. فكتب الاتفاق وأشْهَدَ عليه. ولعبا، وكان ابن عمار -كما قلنا- طبقة وحده في الأندلس، لا يقوم له أحد في هذه اللعبة، فغلب الملك غلبةً ظاهرة ليس عليها مطعن. فقال له: ماذا تطلب؟ قال: أطلب أن تأمر جيوشك بالرجوع. فغضب الملك وقال: هذا ما لا يكون أبداً. فأقبل وزراؤه الذين رشاهم ابن عمار يكلمونه ويقولون: إنه لا يَجمُل -وأنت ملك الإسبان- أن تنقض عهداً كتبته وأشهدت عليه. وما زالوا به حتى قبل، وردّ الله كيده عن المسلمين بلعبة شطرنج. وهكذا صرنا نحارب برقعة شطرنج، بعدما كنا أبطال الدنيا وسادة الأرض! * * *

стр. 28

أخبار من التاريخ حديث أذيع سنة ١٩٦٥ [حديث اليوم ليس كالأحاديث الماضيات، لا أتكلم فيه عن عَلَم من أعلام التاريخ ولا عن واقعة من وقائعه، ولكني أسرد فيه أطرافاً من تاريخ الحرمين، وجدتها متفرقة خلال مطالعاتي فجمعتها، يستمتع بها من شاء الاستمتاع، ويجد فيها النفع من أحبّ من السامعين أن يزداد معرفة بتاريخ هذا البلد الكريم.] إنكم تذهبون كل يوم إلى جدة وتعودون منها، وتركبون منها البحر وتمتطون منها الجو، فهل تعرفون مَن الذي أسّس هذه المدينة ومن جعلها مرفأ مكة؟ كان مرفأ مكة في الجاهلية في مكان قريب من جدة اسمه «الشُّعَيْبة»، فكلم عثمان بن عفان سنة ٢٦ للهجرة أهلَ مكة في تحويله، فوافقوه، فخرج بالناس إلى موضع جدة وعاين المكان، وأمر بتحويل المرفأ إليه. ثم دخل البحر فاغتسل فيه، وقال لمن معه: ادخلوا البحر للاغتسال، ولا يغتسل أحد إلا بمئزر. ثم خرج على طريق عُسْفان إلى المدينة، وترك الناس ساحلَ الشُّعَيْبة من ذلك الزمان.

стр. 29

ذكر ذلك صاحب كتاب «الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» (١) نقلاً عن تاريخ الحافظ عمر بن فهد. ويظهر أن مرفأ الشعيبة بقي مستعمَلاً، لأن ساحله عميق تستطيع السفن أن تدنو منه، ليس كساحل جدة الذي تضطر السفن إلى الوقوف بعيدة عنه؛ فقد ذكر المؤرخون أن المهدي لمّا شرع بعمارة الحرم أمر بنقل الأساطين من مصر، فكانت السفن تقف على الشعبية لسهولة نقل الأساطين منها إلى البر. * * * يا أيها المستمعون، قلت لكم إن هذا الحديث أخبار التقطتها من زوايا التاريخ، أسردها كيفما جاءت، لا أبتغي فيها الترتيب الزمني ولا التسلسل التاريخي. من ذلك أن الكعبة كانت تقوم وحدها في الوادي، وكان الناس يبنون بيوتهم في الحِلّ خارج الحرم، يحرّمون على أنفسهم أن يبنوا بيوتهم مع بيت الله، فكانوا يأتون مكة نهاراً، فإذا كان الليل خرجوا إلى بيوتهم في الحِلّ. فلما ولي قُصَي أمرَ الكعبة وأخرج خُزاعة من مكة قال لقُريش: إنكم إن سكنتم الحرم حول البيت هابتكم العرب ولم تستحلّ قتالكم. قالوا: أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك. فأذن لهم بالبناء، وبنى هو «دار الندوة» لتكون لهم كالمجلس

стр. 30

النيابي للناس في أيامنا، فكانوا يجتمعون فيها كلما دهمهم أمر أو عرض لهم ما يحتاج إلى المشاورة، وكانوا يعقدون فيها العقود، فلا يتزوج أحد إلا فيها. وكان موضع دار الندوة مكان سُدّة المؤذّنين التي كانت من طرف المَطاف من جهة الشمال. فبنوا البيوت حول الكعبة من جهاتها الأربع، وتركوا حولها رَحْبة للطواف تقدَّر بمقدار المَطاف القديم قبل توسعته، وجعلوا أبواب بيوتهم من جهة الكعبة، وجعلوا بين كل بيتين طريقاً ينفذون منه إلى البيت الحرام. وبقي كذلك حتى جاء عمر، فجعل هذه الساحة مسجداً وجعل لها سوراً بمقدار قامة الإنسان. فتبيّن من ذلك أن الذي أسّس مدينة مكة هو قُصَي. * * * ومن الطرائف التي وجدتها وأنا أنظر في الكتب أن باب إبراهيم المعروف الآن، وهو بقرب باب الحَزْوَرَة، ليس منسوباً إلى سيدنا إبراهيم كما يظن الناس، بل هو منسوب إلى خياط معمَّر كبير السن اسمه إبراهيم، كان يجلس عند هذا الباب فنُسب إليه وخلد اسمه واشتهر. فليست الشهرة مقياساً للعظمة، بل ربما اشتهر من لا يستحق الشهرة وربما نُسي من كان مستحقاً لخلود الذكر. * * * وروى السيوطي نقلاً عن أبي شامة أن أهل المدينة المنوَّرة أحسّوا ليلة الأربعاء ٣ جمادى الآخرة سنة ٦٥٤هـ بزلزلة عظيمة

стр. 31

ارتجّت منها الأرض وتصدّعت بعض البيوت، ثم تكررت بعد ساعة، وتعاقبت الزلازل واستمرت يومين، ثم انفجر -كما يبدو- بركان في الحَرَّة (وهي منطقة بركانية) وصفوه بأنه نار عظيمة، أبصرها الناس من دورهم في المدينة فأضاءت لهم الدور حتى صار الليل من الضياء كالنهار. قال الراوي: وطلعنا نبصرها فوجدنا الجبال تنبع ناراً ثم تسيل النار كما يسيل السيل! واجتمع الناس في المسجد تائبين مستغفرين، واستمرت النار والزلازل قريباً من شهر. قال الذهبي: أمر هذه النار متواتر، وهي ممّا أخبر به النبي ﵊ حيث قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل في بُصرى». * * * وكانت الكعبة تُكسى الديباج الأبيض، حتى جاء الخليفة العباسي الناصر فكساها الديباج الأسود سنة ٥٢١هـ، واستمر ذلك إلى الآن. * * * وما دام الحديث عن الأوّليّات، فإن أول من أحدث بدعة الجهر بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان هو محتسب مصر، نجم الدين، سنة ٧٩٢هـ. وأول من أحدث الحاشية الخضراء على عمائم المنسوبين إلى السيدة فاطمة هو المتوكل الثاني ابن المعتضد سنة ٧٧٣هـ.

стр. 32

ومن الغريب أن العمائم البيض كانت في عهد من العهود شعار النصارى، وقد تركوها مدة، فأراد وزير الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧١٦هـ إعادتهم إليها وزيادة الجزية المفروضة عليهم، فقام بالدفاع عنهم شيخ الإسلام ابن تيميّة، وبذل جهداً عظيماً حتى أبطل ذلك كله. وأول من أحدث بدعة النِّياحة واللطم في عاشوراء هو معزّ الدولة (١) سنة ٣٥٢هـ، وأجبر الناس على غلق الأسواق ومنع الطباخين من الطّبيخ، ونصبوا القِباب في الطرق وعلقوا عليها المُسوح، وأخرجوا النساء منتشرات الشعور يلطمنَ في الشوارع يُقمنَ المأتم على الحسين. واستمرت هذه البدعة المنكَرة عشر سنين ثم أُبطلت. * * * وفي جمادى الأول سنة ٨٠٢ هجرية، أي منذ خمسمئة وثلاث وثمانين سنة، هطلت في مكة أمطار شديدة نزلت كأفواه القِرَب، وسال السَّيْل دَفّاعاً متلاطماً، فدخل الحرم حتى بلغ الماء القناديل، ثم دخل الكعبة من شِقّ الباب، وهدم من الرُّواق الذي عند الباب الذي يسمّى اليوم «باب الباسطية» عدة أساطين، وضرب منازل كثيرة، ومات في السيل عشرات. وحزن الناس لما أصاب المسجد من الهدم وسقوط الأساطين، ولم يعلموا أن سقوط هذه الأساطين سيكون سبباً في

стр. 33

سلامة المسجد، وأن الله يقدّر ويلطف، وأنه عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. ذلك أنه بعد هذا السيل بخمسة أشهر، في ليلة السبت ٢٨ شوال سنة ٨٠٢، كان أحد المرابطين في تكية رامشت عند باب الحَزْوَرَة (ورامشت هو لقب الشيخ الذي بنى هذه التكية، واسمه إبراهيم بن الحسين) كان قد أشعل سراجاً في خَلوته، وتركه مشتعلاً وخرج، فجاءت فأرة فسحبت فتيل السراج فألقته على الأرض، فاحترقت الخلوة ووصلت النار إلى سقفها، ثم خرجت من شبّاكها المطلّ على الحرم فاشتعل جدار الحرم، حتى وصلت النار إلى سقف المسجد الحرام فالتهب. وعجز الناس عن إطفائه لعُلُوّه، ولأن النار كانت أسرع منهم في إحضار السلالم، فمشت في السقف والتهمت الجانب الغربي من المسجد كله، وصار شعلة واحدة إلى أن وصل الحريق إلى الجانب الشامي، واستمرّ يأكل من السقف ويسير حتى وصل إلى باب العجلة (الذي يسمى اليوم باب الباسطية) حيث هدم السيل العمودين والقوس فوقفت النار، ولولا ذلك لأكلت المسجد كله! وبقيت النار مشتعلة والناس لا يقدرون على إطفائها (ولم يكن لديهم مصلحة للإطفاء كما هي اليوم) حتى انطفأت من نفسها، وصار الجانب الغربي ونصف الجانب الشمالي مثل التلّ الكبير من أنقاض الحريق، وصار الواقف وراءه لا يستطيع أن يرى الكعبة. وكانت مصيبة من المصائب، ولكن الله يسّر عمارة ما احترق

стр. 34

وتهدم على يد أمير الحاجّ، الأمير بيسق، وإعادته إلى أحسن مما كان عليه. * * * وبعد ذلك بأربع وثمانين سنة، أي في سنة ٨٨٦، في الثلث الأخير من ليلة الإثنين ١٣ رمضان، صعد رئيس المؤذنين في المسجد النبوي في المدينة المنورة المنارةَ ليؤذّن أذان السّحَر. وكانت ليلة شاتية متلبّدة الغيوم متوارية النجوم، فارتجّت الدنيا برعد هائل، وسقطت صاعقة أصابت رأس المئذنة، فمات المؤذّن، وانشقّت المئذنة فهوت على سقف المسجد واشتعلت النار فيه. وأحسّ الناس بذلك فنادوا: الحريق، الحريق في المسجد! وحضر الأمير وشيخ المسجد والقاضي وسائر الناس، وصعد أهل النجدة والقوة إلى سطح المسجد بالمياه في القِرَب يسكبونها على النار، ولكن النار ظلت مشتعلة ومشت شمالاً وغرباً، وعجزوا عن إطفائها، واستولت النار على كثير منهم فمات منهم أكثر من عشرة أنفس وهرب من استطاع الهرب. وعظُمت النار جداً وأحاطت بجميع سقف المسجد، وأحرقت ما فيه من المصاحف وخزائن الكتب وما كان في المسجد من النفائس، وصار المسجد شعلة من نار، واحترقت القبّة العليا التي فوق قبة الحجرة الشريفة وذاب ما كان عليها من رصاص، ولكن النار لم تصل -بلطف الله- إلى الحجرة ولم تؤثّر في القبة السفلى التي تعلوها، مع أنه سقط عليها من أنقاض

стр. 35

المنارة وأنقاض القبة العليا أمثال الجبال، وأحرقت النار كل ما عدا الحجرة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، حتى الحجارة احترقت واسوَدّت. ولما انطفأت النار نظر الناس فإذا مكان المسجد جبل من الأنقاض، فعمل أمير المدينة وعلماؤها ووجوهها وعامة أهلها، حتى النساء والصبيان، على إزالة الأنقاض وتنظيف المسجد، وأرسلوا مَن يخبر السلطان المصلح العظيم قايتباي صاحب المآثر العمرانية الباقية، فتوجّه بنفسه وعمل على عمارته من جديد، بأساطينه وأقواسه وقبّته ومآذنه، فكان تحفة عمرانية باقياً له ولمن عمل معه ثوابُها إن شاء الله. * * * أنتقل بكم الآن إلى دمشق، إلى ما قبل أربع وسبعين سنة فقط، ففي ضَحْوة يوم السبت رابع ربيع الثاني سنة ١٣١١ كانت دمشق آمنة مطمئنة، وقد انصرف الناس إلى أعمالهم في الأسواق المُطيفة بالأموي، والنساء في بيوتهن الحافّة بالجامع، فما راعهم إلا صَريخ يصرخ كأنه النذير العُرْيان أنْ لقد احترق الأموي! فترك التجّار مخازنهم مفتوحة ووثبوا ينظرون، وصعدت النساء على السطوح، وتراكض الناس من كل جهة، وإذا الدخان ينبعث من سقف الجامع! ولم يكن في دمشق مصلحة إطفاء (وقد أُنشِئت على إثر الحادث)، وحار الناس ماذا يصنعون، فاستَبَقوا إلى سجّاد المسجد ومصاحفه يُخرجون ما يصلون إليه منها، وعمد بعضهم إلى الماء يصبّونه وإلى المعاول علّهم يحصرون

стр. 36

النار، ولكن النار كانت أسرع منهم، إذ كان خشب السقف قديماً جافاً وعليه من الأصبغة والأدهان طبقات، فما شمّ رائحةَ النار حتى التهب كله دفعة واحدة، كأنما قد صُبَّ عليه البنزين! وكانت الرياح في ذلك اليوم غربية شديدة، فما مرت نصف ساعة حتى صار السقف كله شعلة واحدة، وجعلت قطع النيران تتساقط من كل مكان، فالتهب المسجد كله ولم يعد يستطيع أحد أن يقترب منه، فوقفوا ينظرون وكأن النار التي تأكل مسجدهم تأكل قلوبهم، ولكن العجز أمسكهم وقيّدهم. وكانت عَمَد المسجد قديمة، أكثرها مكسور ومربوط بأطواق الحديد، فتشققت من النار، ثم هوى البناء كله وزلزلت الأرض وكانت ساعة من ساعات الهول! وامتدت النار تسوقها الرياح الغربية إلى سوق القباقبية وزقاق الحمراوي. ثم انجلى الدخان عن الخراب الشامل؛ لم يبقَ من الأموي إلا المشهدان عند باب البريد ورُواق الصحن، عدا الرواق الممتدّ بين باب النوفرة إلى مشهد الحسين فقد ناله الحريق فتضعضع، وأصاب الحريق المنارة الغربية. ذهب المسجد كله في ساعتين ونصف ساعة. المسجد الذي أُنفقت فيه الأموال والأعمار وعملت في بنائه الأيدي والأفكار ألفاً وثلاثمئة سنة، ذهب كله في مئة وخمسين دقيقة فقط، ذهب في سبيل نارجيلة! ذلك أن عاملاً من العمال كان يصلح رصاص السقف في الجهة الغربية، فأعجبه المنظر وهاج في نفسه الشوق إلى نَفَس دخان، فجاء بنارجيلة وأوقد ناراً ليشعلها، فأشعل النار

стр. 37

في الأموي! (١) ثم انصرف الناس إلى تنظيف الجامع، وكان ما اجتمع من الأنقاض المتراكمة كأنه تل عظيم. وتناوبوا على تنظيفه، يشتغل أهل كل محلة يوماً، يجيئون جميعاً؛ كهولهم وشبابهم، أغنياؤهم وفقراؤهم، يعملون بأيديهم إيماناً واحتساباً، ينقلون التراب والحجارة، ويتسابق الأغنياء إلى إطعامهم، فيتكفّل أغنياء الحي بإعداد الطعام للعاملين فيتغدّون في المسجد، فكان ذلك مظهراً رائعاً للأخوّة والبذل، وغدا الناس كأنهم أسرة واحدة، يعملون جميعاً في بيت الله وينزلون ضيوفاً عليه. وكان الكشف، وقُدِّرت نفقات البناء بسبعين ألف ليرة ذهبية. ولو أنّا نظرنا إلى القوّة الشرائية لكل ليرة وجعلنا الخبز مقياساً فحسبنا سعره يومئذ وسعره اليوم لرأينا المبلغ يعادل عشرين مليون ليرة من نقد هذه الأيام. قدّمها الدمشقيون من أموالهم، وبنوا البناء القائم اليوم بأيديهم من غير أن يشرف عليه مهندس يحمل شهادة من أوربا، فكان المسجد الأموي العظيم أثراً دمشقياً لعهد يقولون إنه كان عهد تأخّر وظلام! * * *

стр. 38

طرائف من التاريخ نشرت سنة ١٩٦٨ [سآتيكم اليوم بشيء جديد، ليس كما عرفتم في مقالاتي الماضية؛ فلن أعرض لموضوع أجمع أطرافه وأضمّ جوانبه، بل أسرد عليكم طرائف مرّت بي وأنا أقرأ، فيها فوائد وليس لها موضوع واحد، وربما كان فيها مع الفائدة متعة ومع الطرافة جمال.] من ذلك أن المنجِّمين أجمعوا في سنة ٥٨٢ للهجرة على أن هذه الحياة الدنيا تنتهي في نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخرة وسيموت الأحياء جميعاً. أما السبب فهو أن الكواكب الستة تجتمع هذه الليلة في الميزان، فينشأ عن اجتماعها رياح شديدة مسمومة تُهلك كل ذي حياة. وعمّ الذعر، وانتشر الخبر وانتقل من بلد إلى بلد، فترك الناس بيوتهم وأموالهم وهربوا مع أولادهم ونسائهم إلى مغارات الجبال وسراديب الأرض، وسدّوها على أنفسهم لئلا تدخلها هاتيك الرياح، ووضعوا فيها الزاد والماء، وخلت المدن واختفى السكان.

стр. 39

وجاءت الليلة الموعودة، فكان من تكذيب الله لهؤلاء المنجّمين أنها لم تهبّ تلكَ الليلة نسمة، وأن الشموع -كما يقول السيوطي- لم يتحرك لهيبها، فسخر منهم الشعراء ونال منهم الناس. * * * وفي سنة ٣٥٢هـ بعث بطرك الأرمن إلى ناصر الدولة (ابن حمدان) برجلين ملتصقين، وهما توأمان وعمرهما خمس وعشرون سنة، والالتصاق في الجنب، ولهما بطنان وسرّتان ومعدتان، ويختلف وقت جوعهما وعطشهما. ثم مات أحدهما وأنتن، وجمع ناصر الدولة الأطباء ليفصلوا الحي عن الميت، فلم يستطيعوا فمات الآخر. وفي سنة ٦٠١هـ ولدت امرأة ولداً برأسين وأربعة أيدي وأربعة أرجل، ولكنه لم يعش! هذا ما رواه المؤرخون، فما رأي الأطباء؟ * * * وفي سنة ٣٠٤ أُهدي إلى المقتدر العباسي طائر أسود يتكلم الفارسية والهندية، أفصح من الببغاء. وبمناسبة الكلام عن هذا الطائر: وقعت لي واقعة أحلف لكم بالله أني أرويها كما وقعت، لا أتزيّد فيها ولا أبالغ. هي أني لما كنت في لَكْنَو في الهند سنة ١٩٥٤ مللت في الفندق، فاستعرت من مكتبة ندوة العلماء كتباً منها «تاريخ الخلفاء» للسيوطي، وأنا

стр. 40

مولع بهذا الكتاب وقد قرأته مرات كثيرة، فجعلت أطالع فيه، فوقفت على هذا الخبر الذي رويته. وبينما كنت أقرأ هذا الخبر سمعت حواراً بين رجل كبير إنكليزي خشن الصوت وفتاة، يتخلل ذلك بُغام طفل صغير. وتكرر هذا الحوار بذاته لا تتبدل فيه كلمة من جملة ولا رنّة من لهجة، فعجبت، وخرجت فلم أجد أحداً، فدخلت فسمعت الحوار نفسه، فخرجت فلم أجد أحداً. ولحظ ذلك نادل الفندق، وهو هندي، فضحك ودلّني بإصبعه على قفص فيه طائر أسود (كالذي روى خبره السيوطي) يشبه الشُّحْرور المعروف في الشام وليس به، وإذا هو الذي يخرج هذه الأصوات. فكان عجبي من هذه المصادفة بالغاً! * * * وفي سنة ٣٦٦هـ كان الفيضان العظيم في دجلة، فارتفعت مياهها ثلاثين ذراعاً وغمرت بغداد كلها، وهلك الناس والدواب وذهبت الأموال، وصلى الناس الجمعة مرتين في طيّار كبير (عوامة) على وجه الماء. وفي سنة ٥٩٦هـ قلّ ماء النيل في مصر حتى قصر عن خمسة عشر ذراعاً، وكان قحط عظيم أكل معه الناس كل ما وجدوا من الحيوان، حتى صاروا يأكلون جثث الأموات، وكان الماشي لا يقع بصره إلا على ميت أو مَن هو في سياق الموت، وكان المسافر يمر بالقرية من القرى فيرى الأبواب مفتَّحة وأهل الدور موتى وما في القرية نافخ نار.
следующие страницы →