← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17360

فصول في الثقافة والأدب

علي الطنطاوي

Полный текст (307 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

النار، ولكن النار كانت أسرع منهم، إذ كان خشب السقف قديماً جافاً وعليه من الأصبغة والأدهان طبقات، فما شمّ رائحةَ النار حتى التهب كله دفعة واحدة، كأنما قد صُبَّ عليه البنزين! وكانت الرياح في ذلك اليوم غربية شديدة، فما مرت نصف ساعة حتى صار السقف كله شعلة واحدة، وجعلت قطع النيران تتساقط من كل مكان، فالتهب المسجد كله ولم يعد يستطيع أحد أن يقترب منه، فوقفوا ينظرون وكأن النار التي تأكل مسجدهم تأكل قلوبهم، ولكن العجز أمسكهم وقيّدهم. وكانت عَمَد المسجد قديمة، أكثرها مكسور ومربوط بأطواق الحديد، فتشققت من النار، ثم هوى البناء كله وزلزلت الأرض وكانت ساعة من ساعات الهول! وامتدت النار تسوقها الرياح الغربية إلى سوق القباقبية وزقاق الحمراوي. ثم انجلى الدخان عن الخراب الشامل؛ لم يبقَ من الأموي إلا المشهدان عند باب البريد ورُواق الصحن، عدا الرواق الممتدّ بين باب النوفرة إلى مشهد الحسين فقد ناله الحريق فتضعضع، وأصاب الحريق المنارة الغربية. ذهب المسجد كله في ساعتين ونصف ساعة. المسجد الذي أُنفقت فيه الأموال والأعمار وعملت في بنائه الأيدي والأفكار ألفاً وثلاثمئة سنة، ذهب كله في مئة وخمسين دقيقة فقط، ذهب في سبيل نارجيلة! ذلك أن عاملاً من العمال كان يصلح رصاص السقف في الجهة الغربية، فأعجبه المنظر وهاج في نفسه الشوق إلى نَفَس دخان، فجاء بنارجيلة وأوقد ناراً ليشعلها، فأشعل النار

стр. 37

في الأموي! (١) ثم انصرف الناس إلى تنظيف الجامع، وكان ما اجتمع من الأنقاض المتراكمة كأنه تل عظيم. وتناوبوا على تنظيفه، يشتغل أهل كل محلة يوماً، يجيئون جميعاً؛ كهولهم وشبابهم، أغنياؤهم وفقراؤهم، يعملون بأيديهم إيماناً واحتساباً، ينقلون التراب والحجارة، ويتسابق الأغنياء إلى إطعامهم، فيتكفّل أغنياء الحي بإعداد الطعام للعاملين فيتغدّون في المسجد، فكان ذلك مظهراً رائعاً للأخوّة والبذل، وغدا الناس كأنهم أسرة واحدة، يعملون جميعاً في بيت الله وينزلون ضيوفاً عليه. وكان الكشف، وقُدِّرت نفقات البناء بسبعين ألف ليرة ذهبية. ولو أنّا نظرنا إلى القوّة الشرائية لكل ليرة وجعلنا الخبز مقياساً فحسبنا سعره يومئذ وسعره اليوم لرأينا المبلغ يعادل عشرين مليون ليرة من نقد هذه الأيام. قدّمها الدمشقيون من أموالهم، وبنوا البناء القائم اليوم بأيديهم من غير أن يشرف عليه مهندس يحمل شهادة من أوربا، فكان المسجد الأموي العظيم أثراً دمشقياً لعهد يقولون إنه كان عهد تأخّر وظلام! * * *

стр. 38

طرائف من التاريخ نشرت سنة ١٩٦٨ [سآتيكم اليوم بشيء جديد، ليس كما عرفتم في مقالاتي الماضية؛ فلن أعرض لموضوع أجمع أطرافه وأضمّ جوانبه، بل أسرد عليكم طرائف مرّت بي وأنا أقرأ، فيها فوائد وليس لها موضوع واحد، وربما كان فيها مع الفائدة متعة ومع الطرافة جمال.] من ذلك أن المنجِّمين أجمعوا في سنة ٥٨٢ للهجرة على أن هذه الحياة الدنيا تنتهي في نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخرة وسيموت الأحياء جميعاً. أما السبب فهو أن الكواكب الستة تجتمع هذه الليلة في الميزان، فينشأ عن اجتماعها رياح شديدة مسمومة تُهلك كل ذي حياة. وعمّ الذعر، وانتشر الخبر وانتقل من بلد إلى بلد، فترك الناس بيوتهم وأموالهم وهربوا مع أولادهم ونسائهم إلى مغارات الجبال وسراديب الأرض، وسدّوها على أنفسهم لئلا تدخلها هاتيك الرياح، ووضعوا فيها الزاد والماء، وخلت المدن واختفى السكان.

стр. 39

وجاءت الليلة الموعودة، فكان من تكذيب الله لهؤلاء المنجّمين أنها لم تهبّ تلكَ الليلة نسمة، وأن الشموع -كما يقول السيوطي- لم يتحرك لهيبها، فسخر منهم الشعراء ونال منهم الناس. * * * وفي سنة ٣٥٢هـ بعث بطرك الأرمن إلى ناصر الدولة (ابن حمدان) برجلين ملتصقين، وهما توأمان وعمرهما خمس وعشرون سنة، والالتصاق في الجنب، ولهما بطنان وسرّتان ومعدتان، ويختلف وقت جوعهما وعطشهما. ثم مات أحدهما وأنتن، وجمع ناصر الدولة الأطباء ليفصلوا الحي عن الميت، فلم يستطيعوا فمات الآخر. وفي سنة ٦٠١هـ ولدت امرأة ولداً برأسين وأربعة أيدي وأربعة أرجل، ولكنه لم يعش! هذا ما رواه المؤرخون، فما رأي الأطباء؟ * * * وفي سنة ٣٠٤ أُهدي إلى المقتدر العباسي طائر أسود يتكلم الفارسية والهندية، أفصح من الببغاء. وبمناسبة الكلام عن هذا الطائر: وقعت لي واقعة أحلف لكم بالله أني أرويها كما وقعت، لا أتزيّد فيها ولا أبالغ. هي أني لما كنت في لَكْنَو في الهند سنة ١٩٥٤ مللت في الفندق، فاستعرت من مكتبة ندوة العلماء كتباً منها «تاريخ الخلفاء» للسيوطي، وأنا

стр. 40

مولع بهذا الكتاب وقد قرأته مرات كثيرة، فجعلت أطالع فيه، فوقفت على هذا الخبر الذي رويته. وبينما كنت أقرأ هذا الخبر سمعت حواراً بين رجل كبير إنكليزي خشن الصوت وفتاة، يتخلل ذلك بُغام طفل صغير. وتكرر هذا الحوار بذاته لا تتبدل فيه كلمة من جملة ولا رنّة من لهجة، فعجبت، وخرجت فلم أجد أحداً، فدخلت فسمعت الحوار نفسه، فخرجت فلم أجد أحداً. ولحظ ذلك نادل الفندق، وهو هندي، فضحك ودلّني بإصبعه على قفص فيه طائر أسود (كالذي روى خبره السيوطي) يشبه الشُّحْرور المعروف في الشام وليس به، وإذا هو الذي يخرج هذه الأصوات. فكان عجبي من هذه المصادفة بالغاً! * * * وفي سنة ٣٦٦هـ كان الفيضان العظيم في دجلة، فارتفعت مياهها ثلاثين ذراعاً وغمرت بغداد كلها، وهلك الناس والدواب وذهبت الأموال، وصلى الناس الجمعة مرتين في طيّار كبير (عوامة) على وجه الماء. وفي سنة ٥٩٦هـ قلّ ماء النيل في مصر حتى قصر عن خمسة عشر ذراعاً، وكان قحط عظيم أكل معه الناس كل ما وجدوا من الحيوان، حتى صاروا يأكلون جثث الأموات، وكان الماشي لا يقع بصره إلا على ميت أو مَن هو في سياق الموت، وكان المسافر يمر بالقرية من القرى فيرى الأبواب مفتَّحة وأهل الدور موتى وما في القرية نافخ نار.

стр. 41

وقصّ الذهبي في تاريخه عن هذا القحط قصصاً يقشَعرّ البدن من سماعها، واستمر ذلك إلى سنة ٥٩٨. * * * وكان العرف القضائي في تاريخنا أنه كلما ولي قاض جديد اختار جماعة من العُدول الثقاة وأعلن أسماءهم ليُشهّدهم الناس على معاملاتهم. ولكن لم يكن لهم نظام جامع ولا مكان معروف، وأول من نظم أمر العُدول وجعل لهم مركزاً ثابتاً ونظاماً جامعاً هو شمس الدين أحمد الجوني، قاضي دمشق سنة ٦٣٥هـ. فكان نظام كتّاب العدل المعروف اليوم من ابتكار هذا القاضي. أما كلمة «كاتب العدل» (وهي ترجمة لمصطلح فرنسي) فقد وضعها سنة ١٩١٩ الأستاذ مصباح محرّم، رئيس محكمة التمييز في دمشق على عهد الحكومة العربية التي قامت إثر خروج الأتراك منها (١). * * * ومن طرائف العادات أن العمامة لم تكن معروفة للعلماء في الأندلس، وكان أكثرهم يمشي حاسراً لا يغطي رأسَه شيء،

стр. 42

وكانت العمائم خاصة بالقُضاة، فإذا قالوا: فلان وضع العمامة، عرفوا أنه صار قاضياً. ففُهِم من ذلك أن ما عليه أكثر الرجال اليوم من كشف الرأس له أصل في الأندلس، أما في غير الأندلس فلم يكن معروفاً، بل كان منكراً، وكانوا يعدّون فعله قادحاً بالعدالة. * * * ومن طرائف أخبار الأندلس أن كل دار فيها فيها مكتبة، ولعل هذه العادة التي نراها اليوم في بلاد الإنكليز جاءتها من الأندلس. ولقد احتاج عالم من العلماء (نسيت اسمه) إلى كتاب ففتش عنه، وأطال التفتيش فلم يصل إليه، ثم وجده معروضاً للبيع بيد الدلاّل في سوق قرطبة، فزاد في ثمنه ليأخذه، فزاحمه رجل يبدو عليه الثراء، وكلما زاد في الثمن درهماً زاد الرجل خمسة، حتى عجز العالم وأخذ الرجل الكتاب. فلما صار في يده جاءه العالم منكسراً فقال له: بارك الله لك فيه، ولكني محتاج إليه، فهل تعيرني إياه ليلة أقرؤه فيها وأرده إليك. فقال الرجل: والله ما لي به حاجة ولا أدري ماذا فيه، ولكن أعجبني شكله، وفي مكتبة بيتي فراغ لكتاب بمثل حجمه، لذلك أخذته، فإذا كنت محتاجاً إليه هذه الحاجة فخذه هدية مني إليك. * * *

стр. 43

ومن غرائب الحظوظ أن أسرة بني بُوَيه كانت من أشهر الأسر التي سيطرت على الخلافة العباسية، وصبغتها بالصبغة الشيعية، وأسست ملكاً دام زمناً، وأفسدت الأمر فيمن أفسده من التُّرك والعَجَم والمغول. وكان بُوَيه هذا، مؤسس هذه الأسرة، صعلوكاً يصيد السمك، فرأى في منامه كأنه خرج منه عَمود نار ثم تشعب حتى ملأ الدنيا، فأوّلوه له بأنه يخرج من ولده من يملك الأرض. ومضت السنون، ودخل الجيش فصار قائد فصيل من الجند لابن زياد الدَّيلمي، وقلّ ما بيده من المال، فاستلقى على ظهره مفكراً مهموماً، فرأى حية في السقف، فلحقها ليقتلها فدخلت في شق في الجدار، فبحث عنها فوجد مخبأ فيه عشرة صناديق مملوءة ذهباً. وطلب يوماً خياطاً يَخيط له ثوباً، وكان الخياط أصم، فخاف لمّا دعاه وجزع وقال: والله العظيم ما عندي إلا اثنا عشر صندوقاً، أدفعها إليك فلا تقتلني، فإني لست أعلم ما فيها. فأحضرها، فوجد فيها مالاً عظيماً من أموال الملوك الماضين. وكان يوماً يسير في طريق في شيراز، فساخت قوائم فرسه في حفرة، فنظر فإذا هي مدخل سرداب، فكشفه فإذا هو يوصل إلى بيت تحت الأرض فيه آثار قديمة لا تقدَّر بثمن. * * *

стр. 44

وفي أخبار الظاهر العباسي أن أباه الناصر، وهو -على تأخر أيامه- من أشد الخلفاء هيبة وسطوة، قد طالت مدة حكمه سبعاً وأربعين سنة، فلما جاءت الخلافة الظاهر كانت سنه اثنتين وخمسين سنة، فأبطل المُكوس وفرّق الأموال، وأزال المظالم وأظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سيرة العُمَرين (كما قال السيوطي). فقيل له: ألا حفظت الأموال وملأت الخزائن واستمتعت كما استمتع من كان قبلك؟ فقال لهم: لقد فتحت الدكان بعد العصر (يعني أن الولاية جاءته وهو كبير السن)، فمَن فتح بعد العصر إيش يكسب؟ فاتركوني أسارع بفعل الخير، فكم بقيت أعيش بعد هذا؟ (١) * * *

стр. 45

وفي دمشق جامع مشهور اسمه «جامع التوبة» في حي العُقَيبة، وهو اليوم من أحياء دمشق القديمة، ولكنه كان قديماً قرية خارج البلد. وكان فيها خان يدعى خان الزّنجاري، قد جمع - كما قال ابن خَلّكان- أسباب اللذائذ ويجري فيه من ألوان الفسوق والمعاصي ما لا يوصف. وبلغ ذلك الملك الأشرف، وقيل له: إن هذا لا يجوز أن

стр. 46

يكون في بلاد المسلمين. فأمر بهدمه وإزالته، وأنشأ في موضعه مسجداً جامعاً أنفق عليه جملة من الأموال، فدعاه الناس «جامع التوبة». ومن المصادفات أن أول خطيب عُيِّن له هو جمال الدين البستي، وكان في صباه يتبع الملاهي ثم صلح وصار من الأخيار. فلما مات تولى مكانه العماد الواسطي، وكان كذلك متَّهماً بالشراب، ثم تاب. * * * ومن طرائف الحوادث ما رواه ابن الأثير في «الكامل» في حوادث سنة ٤٥٦هـ؛ أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيّدون، فزعموا أنهم رأوا في برّية العراق خِيَماً سوداً، وسمعوا منها لطماً شديداً وعويلاً كثيراً وقائلاً يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم أهله عليه ويعملوا له العزاء قلع أصله وهلك أهله. وشاع الخبر، فخرج كثير من النساء الجاهلات إلى المقابر يلطمن وينحن، وخرج كثير من سَفَلة الرجال يفعلون مثل ذلك. قال: وكان ذلك ضحكة عظيمة! ثم قال: ولقد جرى في أيامنا نحن (أي أيام ابن الأثير) في الموصل وما والاها من البلاد مثل ذلك، ذلك أن الناس سنة ٦٠٠هـ أصابهم وجع كثير في حلوقهم مات فيه كثير من الناس، فشاع أن امرأة من الجن يقال لها «أم عنقود» مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل له مأتماً أصابه هذا المرض! فأقيمت المآتم،

стр. 47

وصار الناس يقولون: يا أمَّ عنقودٍ، اعذُرينا ... قد مات عنقودٌ ما درينا قال: وكل هذا فعل الأوباش (١). * * * هذا وعندي من أمثال هذه الطرائف ما يملأ كتاباً كبيراً، لأني كلما قرأت كتاباً علّقت عليه بياناً بما فيه من فوائد وغرائب وأخبار، فإذا أعجبت القراء عاودتهم بمثلها من حين إلى حين، والله المعين. * * *

стр. 48

طاقة أخبار نشرت سنة ١٩٦٨ يقيّدني أخي الأستاذ العامودي (١) من لطفه المَشوب بالحزم بقيد من حرير، ناعم الملمس ولكنه قوي الشدّ لا أستطيع أن أفلت منه، وقد ماطلته بالمقالة أياماً، ثم أكدت له الوعد أن أدفعها إليه اليوم. وجاء اليوم، وجاءني معه صداع أخذ يشق رأسي، حتى لقد أحسست في صدغي ووراء أذني بمثل المطارق، ولم أعد أقدر على صفحة أسوّدها أو سطور أخطّها، وشُغلت بنفسي عن القرّاء وعن المجلة. وخفت الأستاذ أن أعود إلى الاعتذار، فنظرت في أوراقي، فوجدت أخباراً كنا جمعناها أنا وأخي ناجي (٢) لنعمل منها كتاباً، ثم صرفَتنا عنه الصّوارف. فقلت: أختار منها طاقة (٣)، طاقة أخبار لا طاقة أزهار، أشغل بها القراء وأدفع عني بها غضب الأستاذ.

стр. 49

فهاكموها، والفضل لكم إن قبلتموها. * * * محاكمة عند شُرَيح القاضي لما توجّه علي بن أبي طالب إلى صِفّين افتقد درعاً له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع في يد يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي لم أبِعْ ولم أَهَبْ. فقال اليهودي: درعي وفي يدي. فقال: نصير إلى القاضي. فتقدم عليّ فجلس إلى جنب شُريح وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَصْغروهم من حيث أصغَرَهم الله». فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين. فقال: نعم، هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي، لم أبِعْ ولم أهَبْ. فقال شريح: إيش تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي. فقال شريح: ألك بيّنة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قَنْبَر والحسن يشهدان أن الدرع درعي، ما عندي غيرهما. فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب. حكمت لليهودي.

стр. 50

فقال اليهودي: أميرُ المؤمنين قدّمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه! أشهد أن هذا هو دين الحق. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأن الدرع درعك. (تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص ٧) * * * من أجل الأعرابي عن أبي عبيدة أن المهدي كان يصلي بهم الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لمّا قَدِمها، فأقيمت الصلاة يوماً فقال أعرابي: لست على طهر، وقد رغبت في الصلاة خلفك فَمُرْ هؤلاء بانتظاري! فقال المهدي: انتظروه. ودخل المحراب فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبّر. فعجب الناس من سماحة أخلاقه. (تاريخ الخلفاء، ص ١٠٨) * * * الخليفة المهتدي في مجلس القضاء عن عبد الله الإسكافي قال: حضرت مجلس المهتدي وقد جلس للمظالم، فادّعى رجل على ابن المهتدي، فأمر بإحضاره، فأُحضر. وأقامه إلى جنب الرجل فسأله عمّا ادّعاه عليه، فأقرّ به، فأمره بالخروج له من حقه. فكتب له بذلك كتاباً، فلما فرغ قال له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قال الشاعر:

стр. 51

حكّمتموهُ فقضى بينكم ... أبْلَجُ مثلُ القمر الزّاهرِ لا يقبل الرِّشْوةَ في حُكمه ... ولا يُبالي غَبَنَ الخاسر فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت في المصحف: ﴿وَنَضَعُ المَوَازينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئاً، وإنْ كانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِها، وَكَفى بنا حَاسبين﴾. قال: فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم. (تاريخ بغداد، ٣/ ٣٤٩) * * * من صفات الرشيد كان هارون الرشيد أبيض طويلاً مَليحاً فصيحاً، له نظر في العلم والأدب، وكان يصلّي في خلافته في كل يوم مئة ركعة إلى أن مات، لا يتركها إلا لعلة، ويتصدق من صُلب ماله كل يوم بألف درهم. وكان يحب العلم وأهله ويعظّم حرمات الإسلام، ويبغض المِراء في الدين والكلام في معارضة النص، وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، لا سيّما إذا وُعظ. دخل عليه مرة ابن السمّاك الواعظ، فبالغ في احترامه، فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه.

стр. 52

وقال أبو معاوية الضرير: أكلت مع الرشيد يوماً، ثم صبّ على يدي رجل لا أعرفه، ثم قال الرشيد: تدري من يصب عليك؟ قلت: لا. قال: أنا، إجلالاً للعلم. وكانت أيام الرشيد كلُّها خيرٌ كأنها -من حسنها- أعراس. (تاريخ الخلفاء، ص١١١) * * * القاضي يردّه إلى الحق كتب المنصور إلى سِوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر، فادفعها إلى القائد. فكتب إليه سِوار: إن البيّنة قد قامت عندي أنها للتاجر، فلست أخرجها من يده إلا ببيّنة. فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنّها إلى القائد. فرد عليه: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتُها من يد التاجر إلا بحق! فما جاء الكتاب قال المنصور: ملأتها والله عدلاً، وصار قضاتي يردّونني إلى الحق. (تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص١٠٣) * * *

стр. 53

لو احتجت إلى مالك ما وعظتك قام بعض الزهّاد بين يدَي المنصور فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشترِ نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر وكأنك لم تَبِتْ قبلها ليلة، واذكر ليلة تمَخّض عن يوم لا ليلة بعده. فأمر له المنصور بمال فقال: لو احتجت إلى مالك ما وعظتك! (تاريخ الخلفاء، ص١٠٣) * * * عزة العلم قال الجاحظ: لقد دخلت على إسحاق بن سليمان في إمرته فرأيت السِّماطَين (١) والرجال مثولاً كأن على رؤوسهم الطير، ورأيت فرشته وبِزّته. ثم دخلت عليه وهو معزول، وإذا هو في بيت كتبه (أي في مكتبته) وحواليه الأسفاط والرقوق والقماطير والدفاتر والمساطر والمحابر، فما رأيته قط أفخم ولا أنبل ولا أَهْيَب ولا أجزل منه في ذلك اليوم، لأنه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع السؤدد الحكمة. (الحيوان للجاحظ، ص٥٠) * * *

стр. 54

هكذا يُطلَب العلم عن حمدان الأصبهاني قال: كنت عند شَريك فأتاه ابن الخليفة المهدي، فاستند إلى الحائط وسأل عن حديث، فلم يلتفت إليه شريك، ثم أعاد عليه السؤال فعاد إلى الإعراض عنه. فقال له: كأنك تستخفّ بأولاد الخلفاء؟ قال: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيّعوه. فجثا على ركبتيه ثم سأل، فقال شريك: هكذا يُطلَب العلم! (تاريخ الخلفاء ص١٠٨) * * * النية الصالحة حُمل إلى الإمام البخاري بضاعة له، فاجتمع بعض التجار إليه بالعشية فطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة. فجاءه من الغد تجّار آخرون فطلبوا منه تلك البضاعة بربح عشرة آلاف درهم، فردّهم وقال: إني نويت البارحة أن أدفع إلى الذين طلبوا أمس بما طلبوا أول مرة. فدفعها إلى الأوّلين بما طلبوا بربح خمسة آلاف درهم، وقال: لا أحب أن أنقض نيّتي. (تاريخ بغداد ٣/ ١١) * * *

стр. 55

ذكاء الشَّعبي روي أن عبد الملك بن مروان خرج يوماً، فلقيته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين. قال: ما شأنك؟ قالت: توفي أخي وترك ستمئة دينار، فدُفع إليّ من ميراثه دينار واحد وقيل: هذا حقك! فعمي الأمر فيها على عبد الملك، فأرسل إلى الشعبي فسأله. فقال: نعم، هذا توفي فترك ابنتين فلهما الثلثان أربعمئة، وأُمّاً فلها السدس مئة، وزوجة فلها الثمن، خمسة وسبعون، واثني عشر أخاً فلهم أربعة وعشرون، وبقي لهذه دينار. (تاريخ الخلفاء ص٨٦) * * * دخول بلا كلام عن محمد بن يزداد قال: كنت بباب المأمون، فجاء محمد ابن أبي محمد اليزيدي فاستأذن، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أخذ دواء وأمرني أن أحجب الناس عنه. قال: فأمَرَك أن لا تُدخل إليه رقعة؟ قال: لا. فدعا بدواة كانت مع غلامه وقرطاس وكتب إليه:

стр. 56

هديّتيَ التحيّةُ للإمامِ ... إمامِ العَدْل والمَلِكِ الهُمامِ لأنّي لو بذلتُ له حياتي ... وما أحوي لَقَلاّ للإمام أراكَ من الدّواءِ اللهُ نفعاً ... وعافيةً تكون إلى تَمام أتأذنُ في الدخول بلا كلام ... سوى تقبيل كفّك والسلام؟ قال: فأدخل الرقعة، وخرج مسرعاً وأَذِن لي. فدخلت مسرعاً وخرجت، وأتبعني بألف دينار. (تاريخ بغداد ٣/ ٤١٢) * * * وصف بيمارستان (مستشفى) بنى عبد المؤمن في مرّاكش بيمارستاناً ما أظن أن في الدنيا مثله، وذلك أنه تخيّر ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البنّائين بإتقانه على أحسن الوجوه، فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخارف المحكمة ما زاد على الاقتراح. وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المَشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهاً كثيرة تدور على جميع البيوت زيادة على أربع برك، في وسط إحداها رخام أبيض. ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف ويأتي فوق النعت، وأجرى له مبلغاً من المال في كل يوم برسم الطعام، وما ينفق عليه خاصة، خارجاً عما جُلب إليه من الأدوية. وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال، وأعد فيه للمرضى ثياباً للّيل وللنهار، ومن جهاز الصيف والشتاء، فإذا نَقَه المريض فإن كان فقيراً أمر له عند خروجه بمال يعيش

стр. 57

به ريثما يستقل، وإن كان غنياً دفع إليه ماله وتركته وسببه. ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء، بل كل من مرض بمرّاكش من غريب حُمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت، وكان يركب إليه في كل جمعة بعد صلاته ويدخله ويعود المرضى ويسألهم عن أحوالهم. (المُغرَب ص١٩٠) * * *

стр. 58

حادثة من التاريخ أذيعت سنة ١٩٧٢ [كان عمر بن الخطاب يقول: لا يزال الناس بخير ما عرفوا أمر جاهليتهم؛ لأن الذي اغتنى لا يدرك نعمة الغنى إلا إذا ذكر أيام الفقر، ومن شبع لا يعرف قدر نعمة الشّبَع إلا إنْ تَصوَّر حالة الجوع. ونحن الذين نستمتع اليوم -في هذه البلد- بالعزة والكرامة وعلوّ المنزلة بين الدول، ينبغي لنحمد الله على هذه النعمة أن نعرف كيف كنّا. وهذا قصة من الماضي القريب تصوّر لكم كيف كنا، أعرضها عليكم لتحمدوا الله على ما أنتم فيه.] هذه حادثة وقعت في جدة في السادس من ذي القعدة سنة ١٢٧٤هـ، منذ مئة وثماني عشرة سنة، ترون فيها ما كنا فيه من الخضوع لدول الغرب ومن تسلط دول الغرب علينا، لتَعجبوا مما كنا فيه مع كبر الدولة العثمانية وسعة ملكها، ولتحمدوا الله على ما صرنا إليه من العزة والكرامة. وخلاصة الحادثة أن تاجراً من تجار جدة اسمه صالح جوهر، كان له مركب في البحر قد رفع عليه لسبب من الأسباب الراية الإنكليزية، فخطر له يوماً فأنزلها ورفع مكانها الراية

стр. 59

العثمانية، فسمع بذلك قنصل الإنكليز، فمنعه فلم يمتنع، وراجع التاجرُ الوالي نامق باشا، فأذن له برفع الراية العثمانية وكتب له بذلك منشوراً. فطلع قنصل الإنكليز وأنزل الراية العثمانية ووطئها برجله، وتكلم (كما تقول الرواية) بكلام غير لائق، وأعاد الراية الإنكليزية. وشاع ذلك بين الناس فغضبوا وهاجوا، وخرجت جماهيرهم صاخبة فأحاطت بدار القنصل ورمتها بالحجارة، فخرج إليهم القنصل وقابلهم بالشدة والعنف ووجّه إليهم الشتائم، فألقى بذلك الزيت على نار غضبهم، وكانت النتيجة أن قُتل القنصل، وجرّهم الغضب إلى مهاجمة القنصليات الأجنبية الأخرى. وأرادوا العدوان على النصارى ونهب أموالهم، لا سيما كبيرهم التاجر فرج بيه، وهو شريك قنصل الإنكليز وكانت له يد فيما كان من القنصل، فمنعهم من ذلك وكيل شريف مكة، السيد عبد الله نصيف، وجيه جدة يومئذ (وكان شريف مكة هو محمد ابن عون). وكان نامق باشا قد سافر إلى المدينة، فلما سمع بهذه الحادثة عاد مسرعاً إلى جدة، وعمل على تسكين الفتنة، وقبض على من تولّى كبرها وأثارها ووضعهم في السجن، وكتب إلى إسطنبول يخبر السلطان بما كان، وطلع إلى مكة لأداء الحج. فلما كان اليوم الثالث من أيام التشريق، والناس في منى، جاء الخبر من جدة بأن سفينة حربية إنكليزية وقفت حيال جدة ورمتها بالقنابل خمس ساعات متتاليات، بلا إنذار ولا إعلان

стр. 60

حرب. ولم يكن في المدينة إلا الضعاف والنساء والأولاد والقليل من الرجال، لأن أكثر الناس في الحج، فذُعروا وخرجوا هائمين على وجوههم تاركين بيوتهم وأموالهم. فنزل نامق باشا إلى مكة، وعقد مجلساً عاماً أحضر فيه وجوه جدة ومكة وشيوخ القبائل وكبار المواطنين، وعرض عليهم الأمر وسألهم الرأي. فقال أكثرهم: إن الإسلام ولله الحمد قوي وأهله كثيرون. وذكروا له عدد قبائل الحجاز، مثل هُذَيل وثَقيف وحَرْب وغامِد وزَهْران، وقالوا له: لو تركتهم ينفرون نفيراً عاماً لاجتمع منهم خمسون ألفاً، ولدفعوا عدوان الإنكليز وردّوهم على أعقابهم وأذاقوهم وبال أمرهم. فقال لهم نامق باشا: هذا العدد الذي ذكرتموه صحيح، وربما كان في قبائل العرب أضعاف ما ذكرتم، ولكن إذا اجتمعت هذه القبائل فإن غاية ما يقدرون عليه أنهم يصلون إلى جدة ويدفعون هذا المركب، فيجيء غيره من مراكب الإنكليز وغيرهم من الدول فيعتدي على بقية المرافئ، وتكون حرب على الدولة العثمانية لا تملكون نيل النصر فيها، لأنكم لا تملكون سفناً حربية ولا تقدرون على خوض المعارك الحربية، ثم إن جمع هذه القبائل يحتاج إلى مدة طويلة والأمر أعجل من ذلك. فقال أحد التجار: إن من البحّارة في جدة من يستطيع الغوص والدخول تحت هذا المركب البحري، فيغرقه بالبرّامات التي تثقب فيه ثقوباً. قال الباشا: وما النفع من إغراقه، وإن نحن أغرقناه جاءنا

стр. 61

بدل المركب عشرة، وإن أغرقنا العشرة جاءتنا مئة؟ قالوا: فماذا ترى؟ قال: نتدارك الأمر باللطف وحسن السياسة، بأن نتوجه إلى جدة أنا وبعض أعيانكم، ونجتمع بقبطان هذا المركب ونعقد معه أمراً يندفع به الضرر. فاستحسنوا رأيه وتوجهوا معه إلى جدة، فقابل القبطان، وتم الاتفاق على أن يجري التحقيق في هذه القضية ويُرفَع الأمر إلى السلطان ويُعمَل بما يجيب به. ولكن السلطنة -مع الأسف- خيّبت الأمل فيها ووقفت موقفاً هو الغاية في المذلة والهوان؛ فبدلاً من أن تدفع العدوان بمثله أو أن تحتجّ عليه وترفض القبول، وهذا أقل الإيمان، أرسلت في أواخر المحرم من سنة ١٢٧٥ لجنة تحقيق مختلطة، مؤلفة من أعضاء عثمانيين وأعضاء إنكليز وفرنسيين. وكان العثمانيون قلة في اللجنة فسيطر عليها الأجانب، وراحت اللجنة تقبض على كل من تتوهم أن له صلة بمقتل القنصل على اعتبار أن هذه هي الجريمة الكبرى، أما ضرب البلد الآمن بالقنابل وإزهاق المئات من أرواح الأبرياء، وإضاعة الأموال وتخريب البيوت وترويع الآمنين، فهذا كله مشروع. وقبضوا على المئات من الوجوه والأعيان. فلما لم يستطيعوا معرفة الفاعل الحقيقي لجؤوا إلى قرار غريب؛ هو اتهام الباشا ووكلائه ووجوه البلد بأنهم أحدثوا هذه الفتنة. وكان أغرب من ذلك أن خنعت الدولة العليّة العثمانية، فقبلت بنفي نامق باشا

стр. 62

وقتل الوجيه الأنبل كبير الحضارم السيد سعيد العامودي، فقُتل علناً في جدة، كما قُتل عبد الله المحتسب واثنا عشر من وجوه الناس. ونفوا عشرات من كرام الناس، فمنهم من مات في منفاه كالسيد عبد الله باهارون، شيخ السادة من الحضارمة، ومنهم من رجع إلى جدة بعد أمد طويل كالشيخ عبد القادر قاضي جدة، والشيخ عمر بادرب، والشيخ سعيد باغلف. وحضر بعد انتهاء الأمر الشريف عبد الله الذي ولي إمارة مكة، فقال له أعضاء اللجنة من الإنكليز والفرنسيين: لقد سرّنا قدومك إلى جدة قبل أن نسافر، لأننا نريد الوصول إلى مكة لنراها وخشينا أن يمنعنا أهل مكة من دخولها، فلما حضرت أنت وثقنا من دخولها، لأنه لا يستطيع أحد أن يمنعنا وأنت الأمير المُطاع النافذ الأمر. فبلغ منه الضعف وبلغ من هيبتهم في نفسه أنه لم يستطع أن يردهم، واسمعوه يقول بلسانه (كما نقل ذلك زيني دَحلان) قال: "إنهم لما طلبوا مني ذلك تحيرت، وعلمت أني إن أجبتهم بأن ذلك محرَّم في ديننا لم يقبلوا مني الجواب وأن المسلمين لا يقبلون بدخولهم مكة، فألهمني الله جواباً عقلياً إقناعياً، فقلت لهم: أنتم رأيتم صورة مكة في الخرائط والجغرافيات، ليس فيها بساتين ولا أنهار ولا شيء من الزخارف، وإنما هي واد غير ذي زرع بين الجبال، وذهابكم إليها تعب بلا فائدة. فقنعوا بهذا الجواب وتركوا الذهاب". * * *

стр. 63

هذه هي الحادثة التي كانت -كما يقول دحلان- من أعظم المصائب على الإسلام، سردتها عليكم لتَعجبوا مما كنا فيه من الضعف أمام دول الغرب، ولتحمدوا الله على أنّا صرنا أعزّ وأكرم، وأن مثل هذا الحادث لا يمكن أن يُعاد. * * *

стр. 64

من نصوص «الحِسْبَة» حديث أذيع سنة ١٩٦٥ اسمحوا لي أولاً أن أقرأ عليكم هذا النص، ثم أقول لكم ما هو موضوع الحديث. هذا النص تعليمات وأوامر للخبّازين وأصحاب الأفران، قال: "يجب رفع سقف الفرن وأن يُجعَل فيه مَنْفَس واسع للدخان، ويجب كنس بيت النار قبل كل تَعْميرة، وغسل البرميل وتبديل مائه كل يوم، وغسل المَعاجِن وتنظيفها. ويجب على من يعجن العجين أن يلبس ثوباً أبيض ضيّق الكمين لئلا يسقط شيء من عَرَقه في العجين، وأن يكون ملثَّماً لأنه ربما عطس أو تكلم فقطر شيء من فمه في العجين، ويشدّ على جبينه عصابة بيضاء لئلا يعرق فيقطر من عرقه شيء في العجين، ويحلق شعر ذراعيه لئلا يسقط من شعره في العجين، وإذا عجن في النهار فليكن عنده إنسان في يده مِذَبّة فيطرد الذباب عن العجين. ولا يجوز أن يُستعمَل الكُرْكُم والزَّعْفَران في توريد وجه الرغيف حتى يُظَنّ أنه ناضج، ولا أن يُغَشّ الدقيق بدقيق الحمص والفول، ولا أن يُخبَز العجين قبل أن يختمر، فإن الفَطير يثقل في الميزان وفي المعدة". * * *

стр. 65

ربما ظننتم -يا أيها الإخوان المستمعون- أن هذه التعليمات صادرة عن إحدى البلديات أو إحدى دوائر الصحة في عصرنا هذا. لا يا سادة؛ إنها تعليمات المحتسب قبل سبعمئة سنة، في القرون التي نسميها «القرون الوسطى» تقليداً منا للغربيين ومجاراةً لهم في اصطلاحاتهم. لقد كانت القرون الوسطى عهودَ تأخر وانحطاط في أوربا، أما في بلادنا فقد كانت عهود ازدهار وحضارة، وهذا النص الذي أنقله لكم شاهد واحد من آلاف الشواهد على ما أقول. النص من كتاب «الحِسْبَة»، ترون منه كيف أُلزِم العَجّان بأن يلبس مثل ثياب الجرّاحين في المستشفيات في أيامنا، صِدارة بيضاء ضيّقة الكُمَّين، ولثام يغطي الأنف والفم، وعصابة بيضاء تُشَدّ على الجبين، وأعجب من هذه إلزام العجّان بأن يحلق شعر ذراعيه لئلا تسقط منه شعرة في العجين. كما أوجبوا على كل خبّاز أن يتخذ له خاتماً فيه شارة خاصة يطبع به على كل رغيف يخرج من فرنه، ليكون مسؤولاً عنه إذا كان في دقيقه غش. وفي «نفح الطبيب» أن الحاكم في الأندلس كان يسعّر الأشياء الضرورية، لا سيّما الخبز واللحم، ويأمر البيّاعين بأن يضعوا عليها أوراقاً بسعرها، ثم يبعث المحتسبُ الولدَ الصغير أو الخادم لاختبار البيّاع، فإن باعه بأكثر من السعر الرسمي استدعاه وعاقبه، فإن عاد أغلق دكّانه. وفي كتاب «الحسبة» أيضاً نص عن الأطباء، لا يكاد يصدّق القارئ أنه مكتوب في القرن الثاني عشر الميلادي، أيام كانت

стр. 66

أوربا لا تعرف من الطب إلا ما تعرفه أشد القبائل الاستوائية في إفريقيا بعداً عن الحضارة وعن العلم؛ كانوا يداوون بالسحر والشعوذة وبتر الأعضاء بلا داع، وخنق المريض بأنواع من الأعشاب المؤدّية لطرد الشياطين! واقرؤوا ما كتبه أسامة بن منقذ. هل تعرفون أسامة بن منقذ؟ إنه البطل الأديب، أحد فرسان الحروب الصليبية وأحد المؤلفين البارعين، وكتابه «الاعتبار» الذي دَوّنَ فيه مشاهداته من الكتب العالمية، وقد تُرجم إلى أكثر اللغات الحية. في هذا الكتاب قصة طبيب مسلم أرسله ليداوي أحد ملوك الإفرنج في أيام هدنة كانت بين المسلمين والصليبيين، فاقرؤوها تروا كيف تركوا أدوية الطبيب وعمدوا إلى مداواة المريض بالنار والدخان والسحر لطرد الشياطين، ثم ضربوا رجله بالفأس فقطعوها، ومات المريض! في تلك الأيام تُنشَر هذه التعليمات التي أتلوها عليكم. قال صاحب كتاب «الحسبة»: "وينبغي إذا أُدخِل الطبيب على المريض أن يسأله عن سبب مرضه وعمّا يجده من الألم، ثم يرتب له قانوناً من الأشربة وغيرها من العقاقير، ويكتب نسخة منه لأولياء المريض ويُشهد عليها مَن حضر معه عند المريض، فإذا كان من الغد حضر ونظر إلى دائه ونظر إلى قارورته (أي فحص بوله) وسأل المريض: هل تناقص به المرض أم لا؟ ثم يرتب له ما ينبغي حسب مقتضى الحال. وهكذا إلى أن يبرأ أو يموت. فإن برئ من مرضه أخذ

стр. 67

الطبيب أجرته وكرامته، وإن مات حضر أولياؤه عند الطبيب الذي كان قد نصبه السلطان رئيساً للأطباء وعرضوا عليه النسخ التي كتبها لهم الطبيب، فإن رآها على مقتضى الحكمة وصناعة الطب، من غير تفريط ولا تقصير من الطبيب، قال لهم: إن مريضكم مات بانتهاء أجله. وإن رأى أن الطبيب قد أخطأ أو قصّر قال لهم: خذوا دية صاحبكم من الطبيب، فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه". أرأيتم يا سادة؟ إن هذه المسؤولية -التي قررها المجتمع الإسلامي من قرون طويلة- لم تقرَّر إلى اليوم في أكثر البلاد المتحضرة. وفي هذا الكتاب، مع أنه كتاب في الحسبة لا في الطب، بيان كثير من آدابه؛ فعلى الطبيب أن يحلف اليمين التي سنّها أبقراط، وعليه أن لا يعطي أحداً دواء مضراً، وأن يمتنع عن مساعدة النساء على الإجهاض وإسقاط الولد، ولا يعطي الرجال الدواء الذي يقطع النسل، وليغض بصره عن العورات عند دخوله على المرضى، ولا يفشي سرّ مريضه. * * * هذه قطرة من بحر مما كنا عليه في القرون التي ندعوها «القرون الوسطى»، والتي كانت أوربا تعيش فيها وراء ثلاثة حجب من الهمجية والتعصب والجهل. * * *

стр. 68

من طرائف الأخبار حديث أذيع نحو سنة ١٩٦٩ السبب في أن عنوان هذه السلسلة «بلا عنوان» هو أني وجدت المدرّس إذا التزم الجِدّ الحصةَ كلها ولم ينفّس عن الطلاب بنكتة أو نادرة مَلّوا درسه، وأن المائدة إذا كانت كلها لحماً وشحماً وسمناً لم يكن فيها أبازير ومشهّيات انصرفت النفوس عنها. فأحببت أن تكون هذه السلسلة «بلا عنوان» لأحدّث مرة في الموضوع الأصلي وألتزم طريق الجِدّ، وأقف مرة لأستريح وأريح القراء وأخفف عنهم ثقل الجِدّ بنكتة أو نادرة. ولقد كان رسول الله ﷺ يمزح ولكن لا يقول إلا حقاً. جاءته امرأة عجوز من الأنصار فقالت له: ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال لها: إن الجنة لا تدخلها عجوز. فولّت وهي تبكي، فقال لها: أما قرأت قوله تعالى: ﴿إنّا أنْشَانَاهُنَّ إنْشاءً، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً، عُرُباً أَتْرَاباً﴾؛ أي أنها تعود في الجنة شابة. وجاءه مرة بدوي يطلب منه أن يحمله على جمله، فقال له رسول الله ﷺ : «لا أحملك إلا على ولد الناقة»، قال الرجل: إنه لا يطيقني! فقال له الناس: ويحك، وهل الجمل إلا ولد الناقة؟ وكان أصحاب محمد ﷺ يتمازحون حتى إنهم يتبادحون

стр. 69

بالبطيخ؛ أي يرمي كل منهم قطعة البطيخ على صاحبه، فإذا جاء الجِد كانوا هم الرجال. وسُئل الشَّعبي: أكان أصحاب محمد يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم مثل الجبال. وكان من أصحاب رسول الله ﷺ رجل اسمه نُعَيمان كثير المزاح، ومن مزحه أنه رأى مَخْرمَة بن نوفل (وكان ضريراً، ولا يعرفه)، فقال له: دلّني على مكان أبول فيه، فجاء به إلى مؤخرة المسجد. فلما قصر ليبول صاح به الناس: إنك في المسجد! قال: من قادني؟ قالوا: نُعيمان. قال: لله عليّ إن وصلت إليه لأضربنه بعصاي. ومرت أيام، فجاءه نعيمان فقال: أتحب أن أدلّك على نعيمان؟ قال: نعم. قال: ها هو ذا. وقاده حتى أوصله إلى عثمان ابن عفان وهو قائم يصلي. فرفع عصاه فضربه، فصاح به الناس: ويلك، تضرب أمير المؤمنين! قال: من قادني؟ قالوا: نعيمان. قال: والله لا تعرضت له أبداً. وهذا مزاح ثقيل وربما كان يجاوز كل حدود المزاح المألوف، ومع ذلك قبله الصحابة لأنه مزاح، ولو أخذوه على أنه جِدّ لكان نصيب نعيمان العقوبة الشديدة الرادعة. ومن شاء أن يطّلع على مزاح رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين والأئمة، فلينظر كتاب «المِراح في المِزاح» للغَزّي. * * * فأنا جعلت أحاديث هذه السلسلة بلا عنوان لأحدّث تارة حديث التسلية والفكاهة، وتارات حديث الجِدّ والفائدة. ولقد أدركنا من مشايخنا من كان يحدثنا عن نفسه بما لو حدث به اليوم

стр. 70

مدرّس لَعُدّ من الغرائب. شيخنا عبد القادر المبارك ﵀، الذي كان راوية العصر وكان من أيسر محفوظاته «القاموس المحيط»، حدّثنا مرة في الفصل أن إخوانه كانوا يعيبون عليه أنه -لاشتغال فكره بمسائل اللغة والأدب- يسلّمون عليه في الطريق فلا يردّ السلام، فعزم يوماً على أن يكون متنبهاً، فسمع وهو خارج من بيته وطء خطوات جاره على بلاط الزقاق، فلما اقترب منه قال له بصوته الجهوري العجيب: "وعليكم السلام"، ثم التفت ليراه فإذا هو بغل الطاحون، أرسله صاحبه إلى البِرْكة ليشرب! وكنت يوماً من أيام الدراسة في مصر، فركبت الترام مع أستاذ جليل من مشايخ الأزهر، وكان معروفاً بثقل الجسم وخفة الروح، وكان الترام مزدحماً، فقعد أمامنا رجل رومي (خواجة) ووضع رجلاً على رجل، فأصاب بطرف حذائه جبة الشيخ السوداء، فنبّهه ليُنزل رجله، فقال له: أنا خُرّ (يعني حر). فهممت به، فوكزني الشيخ بيده أن أتركه، فتركته وأنا مغتاظ، وإذا بالشيخ يمد رجليه الاثنتين بالحذاء فيضعهما في حضن الخواجة! فقال الخواجة: إيه ده يا حضرة الشيخ؟ فقال له الشيخ: أنت خر، أنا خُرّين. وارتجّ الترام من الضحك، وهرب الخواجة. وكان في الشام رجل صالح زاهد حقيقة اسمه الشيخ أحمد الحارون، ﵀، وكان الناس يعتقدون أنه من أهل الكرامات، وهو لا يدّعي شيئاً من ذلك. قصّ علينا بلسانه أنه جاءه مرة رجل في اليوم الثامن من ذي الحجة يسأله أن يرسله إلى الحج، أيام كان السفر إلى الحج يستغرق في البر أو البحر أسبوعاً على الأقل.

стр. 71

فقال له: كيف آخذك إلى الحج والوقفة غداً؟ قال: إنك من أهل الكرامات، وقد خبّروني أنك تستطيع أن توصلني إلى مكة. فقال له: يا أخي، إن الذي خبّرك قد سخر منك. أنا لا أستطيع أن أوصل نفسي الآن إلى مكة، فضلاً عن أوصلك. فقال: بل تستطيع، أنت من أهل الكرامات، قد خبّروني بذلك. ولازمه لا يفارقه، فقال له: هل تكتم كل ما أصنعه معك ولا تخبر به أحداً؟ قال: نعم. قال: وتقسم على ذلك؟ فأقسم له، وزاد على القسم طلاق امرأته ثلاثاً إذا خبّر أحداً. قال له: امشِ معي. فأخذه إلى مسجد التكية السليمانية في الشام، وفيها بركة ماء مربَّعة طول كل ضلع من أضلاعها عشرة أذرع، ولكن عمقها قليل. وكان المسجد خالياً في تلك الساعة من النهار، فقال له: قف على حافة البركة، فوقف. قال: أغمض عينيك. فأغمض عينيه، فدفعه الشيخ إلى البركة وهرب! فصاح وتخبط، فاجتمع نفر من المارة سمعوه فأخرجوه والماء يقطر منه. قالوا: كيف سقطت؟ من رماك؟ قال: لا أستطيع أن أقول! * * * عندي من أمثال هذه الأخبار الكثير، ولكن الوقت انتهى، ولعلي أعود إلى مثلها في وقت آخر. والسلام عليكم ورحمة الله. * * *

стр. 72

وقفة على الفسطاط نشرت سنة ١٩٤٧ قرأت في مذكرات صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي التي طُبعت في مصر هذه السنة أنه كان يتولى رياسة لجنة حفظ الآثار العربية، فقررت اللجنة سنة ١٣٢٩هـ "إصلاح جامع عمرو وتجديده، اهتماماً به من جهة أنه أول مسجد أسس في الإسلام بمصر، وأنه مَشرق أنوار العلوم الإسلامية بمصر منذ القدم، ولئلا نعاب بقلة الاكتراث بمفاخرنا التاريخية". واهتم بذلك الأجانب، وكتب إليه أساتذة كبار محبّذين ومشجّعين، وكاد يتم الأمر لولا أن أكثر الأعضاء المسلمين في اللجنة غابوا عن الجلسة التي عُيِّنت لإتمام المشروع، فصارت الأغلبية للأجانب. قال الأمير: "فلما بدأت في تبادل الآراء مع الأعضاء في مسألة إصلاح الجامع قام هرتس باشا، مهندس الأوقاف إذ ذاك، وسألني: ماذا تعملون في حيطان سور الجامع؟ فقلت: حيث إن السور متهدم متخرب، وإنه جُدِّد مراراً ولم يبقَ له منظر جذاب، نريد أن نعمل سوراً جيداً فخماً يتناسب واسم الجامع. فأظهر أسفه

стр. 73

لهذا العمل وقال: إننا إذن سنكسر ما فيه من طوب أحمر أثري، وإن هذا خسارة لا تعوض لأنها آثار قديمة ستتلف بهذا العمل. وبعد ذلك سأل السيد ديمول، الممثل الألماني لصندوق الدَّيْن قائلاً: ماذا تعملون في البواكي؟ ثم سأل المستشرق السويسري بورك هارت: ماذا تعملون في عمدان الجامع؟ وبعد ذلك قام السيد فارنال، الممثل الإنكليزي لصندوق الدين، وسأل: ماذا تعلمون في البوابة الكبيرة؟ ". وذكر الأمير جوابه لكل منهم، وهو جواب مقنع، ولكن القوم لم يقتنعوا. قال: "ثم زاد امتعاضي وقلت لجميع الجالسين: أما يَندى جبينكم خجلاً من هذا الوضع أيها الجماعة؟ إن الدين الإسلامي لا يسمح لغير المسلم أن يتدخل في أمور مساجد الله، والحكومة المصرية سمحت وتساهلت إلى حد أن تتدخلوا في شؤون نحو مئتين وخمسين مسجداً في مصر دون حق شرعي، والمسلمون لمّا أرادوا تعظيم شأن جامع مَن أدخل الدين الإسلامي في بلادنا تُحجمون وتوقفون عملنا؟ وعلى هذا فإني متنازل عن رياسة هذه اللجنة". وتنازل الأمير، ووقف العمل. * * * قرأت هذا فأحببت أن أزور الجامع، ولم أكن زرته، وهو قريب من «الرَّوضة» حيث أقيم. فسألت فوجدت أنه لا يصل إليه ترام ولا سيارة، مع أن كل مكان في مصر -إلاّ هو- تمشي إليه سيارة أو ترام! فذهبت أخوض في التراب في طرق مهملة ومسالك

стр. 74

معطلة، حتى وصلت إلى الجامع، وهو قائم كالشيخ المريض المُدنِف وسط العِشَش والفواخير والجيّارات والجبّانات! قلت: أهذا هو جامع عمرو؟ قالوا: نعم. قلت: وهذه هي الفسطاط؟ قالوا: نعم. الفسطاط، أول بلدة للمسلمين في مصر، يهملها المسلمون حتى تعود مقابر للنصارى؟ الفسطاط، منزل الفاتحين الذين نشروا في مصر حضارة الإسلام، يُمحى منها كل مظهر للحضارة فلا يكون فيها إلا الفواخير والجيّارات، وتذهب منها معالم الحياة فلا تكون إلا داراً للموتى! هل يدري هؤلاء الذين يروحون ويغدون على هذه البقعة المتروكة، وهل يدري أولئك الذين لم يزوروها ولم يروها، أنه من هنا سطع النور الذي أضاء مصر بضوء الإسلام، ومن هنا انبجس المَعين الذي روّى العِطاش من أبناء مصر وإفريقيا، ومن هنا مشت الراية الإسلامية حتى رفرفت على نصف دنيا الماضي من البحر الأحمر إلى ما وراء البيرنيه، ومن هنا خرج الصوت الذي ألغى نظام الطبقات وساوى بين الناس في مصر وأعطاهم الحرية في دينهم ودنياهم، وأنها هنا وُلدت مصر زعيمة العروبة ومثابة الإسلام؟ فمن الذي كاد لهذه البقعة الطاهرة حتى صارت أوحش

стр. 75

بقعة في مصر وأحطَّها وأبعدها عن الحضارة والنظافة والبهاء؟ ما الذي صرف الناس عنها، فلا يؤمّها مصري ليذكر مشرق شمس الهداية منها على بلاده، ولا يستطيع أن يصل إليها سائح ليرى فيها آثار أمجد ذكرى في تاريخ مصر؟ أيتخرب المسجد ويُهمَل الحصن، ولا تشفع لهما روعة البطولة ولا خشعة الإيمان ولا عظمة العلم؟ أما والله الذي لا إله إلا هو، لو كانت هذه المآثر لغيرنا، لأمة تحس وتشعر وتقدّر أمجادها، لجعلت بِقاعها كلها كَعبات يُحَجّ إليها ومنابر تتلو على الناس سُوَر البطولة فيصغي إليها الناس، ولخلّدَت كل مكان مرّ منه عمرو وكل طريق سلكه وكل قلعة افتتحها، من العَريش إلى الفرما إلى أم دُنَين (قرب حديقة الأزبكية)، إلى ساحة المعركة في عين شمس، إلى ميدان الوقعة الكبرى التي كان فيها النصر عند حصن بابليون (قصر الشمع) عند جامع عمرو. ولَعَبّدت هذا الطريق، طريق الفتح، وظلّلَته بأشجار الغار وكنَّفَته بالورد والفلّ، ولجعلت في كل قرية وكل بلدة مدرسة باسم عمرو، تعرّف الناس بعمرو وبالدين الذي جاء به عمرو. * * * إن فتوح المسلمين أعجوبة التاريخ ومعجزة الدهر، ولكن ليس فيها ما هو أعجب من فتح مصر، فقد حيّر من الوجهة الحربية العسكريين وأدهش بنتائجه المؤرخين. لقد كان جيش عمرو يوم صدم مصر أربعة آلاف. وما
следующие страницы →