← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17360

فصول في الثقافة والأدب

علي الطنطاوي

Полный текст (307 стр.). Показаны 281–307 · переход к 286.

стр. 281

من نوادر المخطوطات كتاب في البَيْزَرَة نشرت سنة ١٩٣٥ [وصف وتحليل لنسخة فريدة من كتاب مفقود، في علم ضائع، لمؤلف مجهول.] البَيْزَرَة (أو البَزْدَرَة) علم يُبحَث فيه عن "أحوال الجوارح من حيث حفظ صحتها، وإزالة مرضها، ومعرفة العلامات الدالّة على قوّتها في الصيد وضعفها فيه"؛ هذا ما قاله في «كشف الظنون». والكلمة معرَّبة، وهي من قولهم «بَيْزار»، معرَّب «بازْدار» أو «بازيار»، أي حافظ البازي وصاحبه، والجمع «بيازِرة» كما في التاج واللسان. قال الكُمَيْت: كأنّ سوابقَها في الغُبارِ ... صقورٌ تُعارِض بَيْزارَها وقد سمّوه علم البزدَرَة (أو البَيْزَرة) إضافة له إلى أشرف أنواعه وأخفّها، وهي البُزاة. ولخّصه داود الأنطاكي في كتابه «التذكرة» في مقدمة وثلاثة مباحث: فالمقدمة في كيفية اهتداء الناس إلى اتخاذ الطيور، وأول متّخِذ لها، وما هو المعتبَر منها. والمبحث الأول في كيفية الاستدلال على الجيد منها باللون

стр. 282

والصفة وفي ذكر طرق التعليم. والمبحث الثاني في أوقات الإرسال وكيفية الصيد واختلاف حال الطيور. والمبحث الثالث في علامات الصحة والمرض وطبّ الجوارح. وقد كان هذا العلم مزدهراً معروفاً أيام عز العرب وازدهار مدنيّتهم، ثم ضاع فيما ضاع من تراث الأجداد، وفُقدت كتبه كلها ونسيه الناس، فلم يكد يذكره أحد ممن ألّف في تاريخ الثقافة الإسلامية، ولم يبقَ بين أيدينا من المراجع في هذا العلم إلا هذا الفصل الذي كتبه الشيخ داود الأنطاكي في كتابه «تذكرة أولي الألباب» (١) وكلمة في «كشف الظنون» لحاجي خليفة لا تعدو الثلاثة الأسطر. على أن للمتقدمين كتباً كثيرة في هذا العلم، عدّ ابن النديم في «الفهرست» عدداً منها، ككتاب «الجوارح» لمحمد بن عمر البازيار، وكتاب «البزاة واللعب بها» لأبي دُلَف العِجْلي، وسمّاه ابن خلّكان «كتاب البُزاة والصيد». ومن الكتب المؤلَّفة في هذا العلم كتاب «القانون الواضح»، ذكره في كشف الظنون ووصفه بأنه كافٍ في هذا العلم ولم يُسَمِّ مؤلفه. وذكر الشاعر الكبير الأستاذ الشيخ رضا الشَّبيبي، وزير المعارف العراقية اليوم، في مجلة «المقتبس» أن في الخزانة التيمورية كتاباً اسمه «القانون في البيزرة»، ولعله هو. وفي الأدب العربي أدب للصيد قائم برأسه يُسمّى

стр. 283

«الطَّرْدِيّات»، نبغ فيه جماعة منهم أبو نُوَاس، وأبو فراس، وكُشاجِم، والحِلّي، وغيرهم. * * * أما الكتاب الذي أصفه اليوم فقد وقع عليه صديقنا العالم الشيخ حمدي السَّفَرْجَلاني في خزانة قديمة في دمشق فعرف قدره فاشتراه، ثم كانت له قصة انتهت بأن بيع الكتاب إلى أحد المولعين بالكتب القديمة من الإفرنج، وبقيت منه النسخة الفوتوغرافية التي أصفها عند الأستاذ السفرجلاني. وكتابنا، وإن لم يُعرَف مؤلفه، من أقدم الكتب المصنَّفة في هذا العلم وأجلّها؛ فقد وُضع للعزيز بالله العُبَيدي الفاطمي، صاحب مصر والشام المتوفَّى سنة ٣٨٦هـ. وكان مُغرَىً بالصيد، يصيد بالحبل والجارح من الطير ويصيد بالسباع. وكان مؤلف الكتاب -كما يتحدث عن نفسه- من بَيازرة العزيز والمقرَّبين إليه، وكان غالياً في التشيع، لا يذكر العزيز مرة إلا صلى عليه وسلم! فمن قوله: "وقد كان مؤلف هذا الكتاب في جملة البيازرة متقدماً عليهم، لا في جملة واحد منهم لا يحسن شيئاً من البيزرة. ثم أفرده أمير المؤمنين -صلى الله عليه- عنهم وله من العمر إحدى عشرة سنة، ثم خرج في صناعته إلى ما قد شاهده الناس وعرفوه، ورقّى أمير المؤمنين -صلى الله عليه- منزلته إلى أن صار إقطاعه عشرين ألف دينار، وبلغ المنزلة التي لو رآها في النوم لما صدّقها، فلا يَخْفَ عن الناس ما كان فيه وما صار إليه". وفي آخر الكتاب: "تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين

стр. 284

كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على نبيه محمد خاتم النبيين، وعلى الأئمة من عترته الطاهرين الأخيار وسلم تسليماً". والكتاب كله من النمط العالي في إنشائه وأسلوبه، وهو مشحون بالفوائد والأخبار الأدبية والأشعار المستملَحة والقصص اللطيفة، ويقع في ثلاثمئة صفحة مكتوبة بخط قريب من النسخي، قليلة أخطاؤه، مَشكول شكلاً لا يُعتمَد عليه دائماً، فيه إشارات خاصة كانت توضع على الحروف المُهمَلة (١) ثم أُهملت (٢). وليس في أول الكتاب أو آخره ما يدلّ على تاريخ كتابته، ولكني عثرت في وسطه على جملة مكتوبة بخط الناسخ هذا نصها: "وكتب هذا الكتاب تاريخ سنة خمسمئة في شهر شوال"؛ وإذن فيكون عمر النسخة التي نصفها أكثر من ثمانية قرون. * * * وسنعرض على القراء خلاصة أبواب الكتاب ونماذج منه صالحة. بدأ «المقدمة» بقوله: "الحمد لله الذي له في كل لطيف

стр. 285

من خَلقه مُعجز يُتفكَّر فيه، وخفيّ من صنعه يُتنبَّه به عليه، ونِعَم تقتضي مواصلةَ حمده، ومِنَن تحثّ على متابعة شكره، والذي ميّز كلَّ نوع من حيوانٍ خلقه على حِدَته، وأبانه بشكله وصورته، وجعل له من الآلة ما يلائم طبعه، ويسّره للأمر الذي خُلق له ويؤدّيه إلى مصلحته وقوام جسمه. وجعلنا من أشرف ذلك كله نوعاً وأتمّه معرفة، وجمع فينا بالقوة ما فرّقه في تلك الأصناف بالآلة، فليس منها شيء مخصوص بحال له فيها مصلحة إلا ونحن قادرون على مثلها، فإنّا بفضل حيلة العقل نستعمل مثل ذلك إذا احتجنا إليه ونفارقه إذا استغنينا عنه؛ كذوات الحد والشوكة من صدف أو مخلب، فإن لنا مكان ذلك ما نستعمله من السيوف والرماح وسائر الأسلحة؛ وكذوات الحافر والظلف، فإن لنا أمثال ذلك مما ننتعله ونتقي أذى الأرض به ... وجعل لنا خدماً وأعواناً، وزينة وجمالاً، وأكلاً وأقواتاً؛ فبعضٌ نمتطيه، وبعضٌ نقتنيه، وبعضٌ نَغْتذيه. وأحلّ لنا صيد البر والبحر والهواء؛ نقتنص الوحش من كِناسها، ونستنزل الطير من الهواء، ونستخرج الحوت من الماء. لم يَكِلْنا في ذلك إلى مبلغ حيلتنا حتى عَضَدَنا عليه وسهّل السبيل إليه، بأن خلق لنا من تلك الأنواع أشخاصاً أغراها بغيرها من سائر أجناسها، ووصَلها من آلة الخلْقَة وسلاح البُنْيَة، وقبول التأديب والتَّضْرِية والانطباع على الأكفّ والاستجابة، فدلنا على موضع الصنع فيها وموقع الانتفاع بها، كالفهد والكلب وسائر الضواري، والبازي والشاهين وسائر الجوارح، كل ما يحويه من ذلك لنا كاسب وعلينا كادح وبمصلحتنا عائد ... ". ثم يقول: "إن للصيد فوائد جمة، وملاذَّ ممتعة، ومحاسن

стр. 286

بيّنة، فبه يُستفَاد النشاط والأَرْيَحية والمنافع الظاهرة والباطنة والمِران والرياضة ... مع ما فيه من الآداب البارعة والأمثال السائرة، ومسائل الفقه الدقيقة والأخبار المأثورة، ما نحن مجتهدون في شرحه وتلخيصه وتفصيله وتبويبه في هذا الكتاب المترجَم بكتاب «البَيْزَرة»، على مبلغ حفظنا ومنتهى وسعنا، وبحسب ما يحضرنا وينتظم لنا، اتّباعاً فيما لا يجوز الابتداع فيه، وابتداعاً فيما أغفله مَنْ تَقدَّمَنا ممن يدّعيه، ونحن مقدّمون ذكرَ الأبواب التي تشتمل على ذلك ليأتي كل باب في معناه، وبالله الحول والقوة ومنه التوفيق والمعونة". * * * ثم بدأ بأبواب الكتاب باباً باباً، وهذه عناوينها ونبذة عن بعض منها: «باب» من كانت له رغبة في الصيد وعنده شيء من آلته من الأنبياء صلوات الله عليهم، وأصحاب رسول الله ﷺ ومن الأشراف. «باب» تمرين الخيل وجرأة الفارس على ركوبها، باقتحام العِقاب وتسنّم الهِضاب والحدود والأنصاب. «باب» ما قيل في طرد كل صنف من وحش وطير. «باب» فضائل الصيد، وأنه لا يكاد يحبّ الصيدَ ويُؤْثره إلا رجلان متباينان في الحال متقاربان في علوّ الهمة: إما ملك ذو ثروة، أو زاهد ذو قناعة ... فمن هذه الطبقة من يقتات من صيده ما

стр. 287

يكفيه ويتصدّق بما يفضل عنه توقّياً من المعاملة والمبايعة، ومنهم من يبيع ما فضل عن قُوْته ويعود بثمنه في سائر مصلحته". ومن نوادر هذا الباب: "قال أبو العباس السفاح لأبي دُلامة: سَلْ. فقال: كلباً. قال: ويلك، وما تصنع بكلب؟ قال: قلتَ سَلْ، والكلب حاجتي. قال: هو لك. قال: ودابة تكون للصيد. قال: ودابة. قال: وغلام يركبها ويتصيّد عليها. قال: وغلام. قال: وجارية تُصلح لنا صيدَنا وتعالج طعامنا. قال: وجارية. قال أبو دلامة: كلب ودابة وغلام وجارية ... هؤلاء عيال، فلا بد من دار. قال: ودار. قال: ولا بد من غِلّة وضَيْعة (١) لهؤلاء، قال: قد أقطعناك مئة جريب عامرة ومئة جريب غامرة. قال: ما الغامرة؟ قال: التي لا نبات فيها. قال: أنا أُقطعك خمسمئة جريب في فيافي بني أسد! فضحك وقال: قد جعلنا لك المئتين عامرة، بقي لك شيء؟ قال: أقبّل يدك. قال: أما هذه فدعها. قال: ما منعتَ عيالي شيئاً أهون عليهم فَقْداً من هذا (٢). ونادرة أخرى، قال: "أخبرني بعض الأدباء أن رجلاً من الشعراء قصد أحد الكُبَراء، فتعذّر عليه ما أمله عنده وحال بينه وبينه الحُجّاب. وكان ذلك الكبير آلفاً للصيد مُغرىً به، فعمد

стр. 288

الشاعر إلى رِقاع لِطاف فكتب فيها ما قاله من الشعر في مديحه، وصاد عدّة من الظباء والأرانب والثعالب ثم شدّ تلك الرقاع في أذناب بعضها وآذان بعض. وراعى خروج الرجل إلى الصيد، فلما خرج كمن له في مظانّه ثم أطلقها، فلما ظفر بها استبشر، ورأى تلك الرقاع ووقف عليها فزاد في طربه، واستظرف الرجل واستلطفه وأمر بطلبه فأُحضر، ونال منه خيراً كثيراً". ثم قال: "ومن فضل العلم بالصيد ما حكاه لي أبي عن خالد ابن برمك، أنه كان نظر -وهو على سطح قرية مع قَحْطَبة حين فصلوا من خراسان، وبينهم وبين عدوهم مسيرة أيام- إلى أقاطيع ظِباء مقبلة من البرّ حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: نادِ في الناس بالإسراج والإلجام وأخذ الأُهْبة (١)، فتشوّف قحطبة فلم يَرَ شيئاً يَروعه، فقال لخالد: ما هذا الرأي؟ فقال: أما ترى الوحش قد أقبلت؟ إن وراءها لجمعاً يكشفها. فما تمالك الناس أن يتأهبوا حتى رأوا الطليعة، ولولا علم خالد بالصيد لكان ذلك العسكر قد اصْطُلم (٢) ". «باب» من كان مستهتراً بالصيد من الأشراف ... (وهو باب طويل حافل بالأخبار الممتعة والأشعار المستملَحة).

стр. 289

«باب» صفة البواشق وذكر ألوانها وأوزانها وصفة الفارِهِ منها: فالأحمر الأسود الظهر جيّد صَبور على الكد، والأحمر الظهر والبطن رَخْو ما له جلَد، إلخ. «باب» في ضَراءة الباشق وفَراهته وما يصيد من الطرائد المعجزة التي هي من صيد البازي. وذكر علاجات البواشق وعللها وما خلص منها من العلل وأنجب، وذكر القَرْنَصَة (١) وذكر ما يحتاج إليه في القرنصة من الخدمة. بعد ذلك «باب» في تشخيص أمراض البازي، قال: "ويُستدَلّ من الذَّرْق (٢) على كل علة". وبعده عدّة أبواب في علاج الأدواء المتنوعة التي تصيب البازي. ثم «باب» في تفضيل الصقور على الشواهين لما فيها من الفَراهة، وهو السبب الموجِب لتقديمها. وذكر ألوانها وأوزانها، وفيه فصول طويلة كالذي مرّ في باب البواشق وباب البزاة. ثم «باب» في صفة الشواهين وذكر ألوانها وأوزانها، وكذلك العقبان. و «باب» في الصيد بالفهد وما يستحسن منه، وفيه كثير من الأشعار والأخبار الجيدة. و «باب» في صفة الظباء وذكر مواضعها وصيدها وما فيها من

стр. 290

المنافع، وما قيل في ذلك من الشعر. و «باب» في ذكر الكلاب وخصائصها وصيدها وعللها ودوائها، وما قيل فيها من الشعر. و «باب» في صيد طير الماء بالبازي والباشق، وهو آخر أبواب الكتاب. * * * هذا وصفٌ موجَز وبيانٌ لِقيمة هذا الكتاب الجليل، وإنّا لنرجو أن يهيّئ الله له ناشراً يسرع إلى طبعه، ليستفيد منه أهل الأدب وأصحاب هذه الصناعة، ويأخذ مكانه في المكتبة العربية، فإن مكانه لا يزال خالياً ولا يسدّه اليوم في الدنيا كتاب غيره. وإنّا لنرجو أن تُعنى بأمره لجنة التأليف والترجمة والنشر، ويكون لها في نشره مآثر جديدة تُضَمّ إلى مآثرها الجمّة وأياديها الكثيرة على الثقافة والأدب (١). * * *

стр. 291

من نوادر المخطوطات اختراع الخُراع نشرت سنة ١٩٣٥ [أطلعني على هذه الرسالة صديقي الشاعر الأديب السيد أحمد عُبَيد، أحد أصحاب المكتبة العربية العامرة بدمشق، فرأيتها رسالة عجيبة وتحفة أدبية غريبة، ورأيت فيها فناً من فنون الأدب العربي لا يعرفه الناس، ودليلاً على بُعد الغاية التي بلغها أدبنا، فأحببت أن أتحف بها قراء «الرسالة» فتكون لهم أفكوهة وللأدب خدمة، بتسجيل هذا الأثر الجميل من آثاره الضائعة.] هذا الكتاب اسمه «اختراع الخُراع». والخُراع في اللغة شيء يصيب الدابة في ظهرها فتبرك فلا تستطيع القيام. ومؤلفه هو صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ، أحد أئمة القلم والأدب في عصره، مولده سنة ٦٩٦. له نظم جيد وله مؤلَّفات جليلة، وولي في مصر والشام كتابة الإنشاء لملوكها؛ كتب عنه شيخه الذهبي ووصفه بأنه "الإمام العالم الأديب البليغ الأكمل، طلب العلم وشارك في الفضائل

стр. 292

وساد في علم الرسائل، وقرأ الحديث وجمع وصنَّف، والله يمدّه بتوفيقه، سمع مني وسمعت منه، وله تآليف وكتب وبلاغة". وقد نقلت هذه العبارة من كتاب «شذرات الذهب». وأدلّ القراء الذين لا يعرفونه عليه لينتفعوا منه (أي «الشذرات»)، فهو تاريخ مفيد، بدأ من السنة الأولى للهجرة وانتهى إلى سنة ألف، يذكر في كل سنة ما كان فيها من الأحداث ومَن مات فيها من الأعلام. والصفدي هو مؤلف الكتاب الكبير «الوافي بالوَفَيات» الذي يكاد يكون أجمع كتب التراجم (١). ومن مؤلفاته المطبوعة «نَكْت

стр. 293

الهِمْيان في نُكَت العميان» (١) وله شرح لاميّة العَجَم، وكتب كثيرة معروفة. مهر في فن الأدب، وكتب الخط المليح، وقال النظم الرائق، وألف المؤلفات الفائقة، وباشر كتابة الإنشاء بمصر ودمشق، ثم ولي كتابة السر بحلب، ثم وكالة بيت المال بالشام، وتصدى للإفادة بالجامع الأموي، وحدّث بدمشق وحلب

стр. 294

وغيرهما. وتحدث عنه شيخ الإسلام التاج السبكي فقال إنه "برع في الأدب نظماً ونثراً وكتابة وجمعاً، وعُني بالحديث، ولازم الحافظ فتح الدين بن سيد الناس، وبه تمهّر في الأدب، وصنّف الكثير في التاريخ والأدب. قال لي إنه كتب أزيد من ستمئة مجلد تصنيفاً" (١). * * * أما هذه الرسالة التي نتكلم عنها فإنها في شرح بيتين من الشعر، شرحهما المؤلف شرحاً مستفيضاً، حلاّه بالنكات اللغوية والمسائل النحوية والطرائف الأدبية والآراء الفلسفية، وزيّنه بالحِكَم الباهرة والأمثال السائرة، واستشهد على كل مسألة من مسائله بأقوال العرب، ولكنه -وتلك ميّزة هذا الكتاب- تعمّد "أن لا يأتي إلاّ بما هو خطأ محرَّف عن أصله، مَعدول به عن جادّة الصواب، مُمَال به عن سبيل الحق: فلا بيتَ يُنسَب إلى صاحبه، ولا كتابَ يُعزى إلى مؤلّفه، ولا مسألةَ تُوردَ على وجهها، ولا بلدةَ توضع في موضعها ... "، وقد أورد ذلك كله بحذق ومهارة ولباقة وظرف، حتى إن الرجل ليتلوه فيحس -لحلاوة ما يقرأ- أنه لا يقرأ إلا حقاً وصدقاً، وما فيه من الحق والصدق شيء! ولا يقدر على الخطأ الذي لا صوابَ فيه إلا من يقدر على الصواب لا خطأ معه؛ يحتاج كلاهما إلى علم بمواقف الخطأ ووجوه الصواب، وانتباه وفطنة واطّلاع ومعرفة، كيلا يخلط خطأ بصواب أو صواباً بخطأ. والرسالة -على ما فيها من الهَزْل

стр. 295

والتحريف- تدل على طول باع مؤلفها في علوم اللسان وعلوم العقل، ووقوفه على آراء الفلاسفة وآثار الأدباء ومباحث العلماء، ولا تخلو من فوائد. وهي ناقصة من وسطها وآخرها، والموجود منها ثلاث وخمسون صفحة، في كل صفحة أحد عشر سطراً، مكتوبة بخط قريب من النسخي مضبوط قليل الأخطاء يدلّ على علم ناسخه، وليس في الرسالة تاريخ، ولكن ورقها من الورق الذي بَطَلَ استعماله من ثلاثة قرون، فكأنها مكتوبة في القرن التاسع أو العاشر. على الصفحة الأولى منها: كتاب اختراع الخراع تأليف المولى الأجل الفاضل العلامة فريد دهره ووحيد عصره صلاح الدين أبي الصفا خليل بن أيبك الصفدي رحمه الله تعالى للشيخ عبد الجواد: بدا لابنِ أَيَبَكَ في عصره ... كسادُ العُلومِ وخُبْثُ الطِّباعْ وأنّ الأماثِلَ قد أصبحوا ... هَباءً يُطارُ بِهم في الشَّعاعْ وأنّ كثيراً كَمَالاتُهم ... دَعاوَى أحاديثُها في انقطاعْ فجَرَّ بأفعاله رأيَهم ... وأتحفهم باختِراعِ الخُراعْ * * * أول الرسالة: قال أبو خُرافة الهدّ القشيري سامحه الله تعالى: حضرت في بعض أوطان أوطاري وأوطار أبكاري مع جماعة ...

стр. 296

فابتدر أحد ظرفائهم فأنشدنا بيتين هما: لو كنتِ بَكْتوت امرَأَةَ جاريَةِ الفَضْلِ ... وكانَ أكْلُ الشَّعيرِ في البَرْدِ مَلْبَسكو لا بُدَّ مِنَ الطُّلوعِ إلى بِئْركِ في ... الليلِ وظَلامُ النّهارِ متضحٍ اً (١) فأخذ الجماعة في الإعجاب مما اتفق فيهما من اضطراب النظم، واختلال القافية، وعدم الإعراب، ومخالفة أوضاع اللغة، وتناقض المعنى وفساده، والتخبيط في التاريخ ... وقضوا نهارهم بتعاطي كؤوس العُجْب من ذلك؛ فقال أحدهم: إنهما محتاجان إلى شرح ينخرط معهما في سلك الغريب ... فصبّحهم وقد أعمل في الشرح حيلته، فقال: حدثني نصير الدين أبو الهزايم ثابت (٢) قال: حدثني من كتابه أصيل الدين أبو المفاخر لقيط القطربي، وقيل القرطبي، قال: أخبرني إجازة أسد الدين أبو ثور صقر الفنحكردي من أهل دمشق، قال: إن افتخار الدين سبكتكين القُسَهتاني صاحب «زهر الآداب» قال: عارض هذين البيتين الأفوهُ الأَودي أبو علي، على ما ذكره الحريري في «الخطب النباتية» (٣) في قوله:

стр. 297

وإذا نظرتُ إلى الوُجود بعينكم ... فجميع ما في الكائنات مَليحُ وهذا من قصيدته الطَّرْدية في التشبيهات، وأولها: وأنت يا غُصنَ النّقا ... ما أنتَ من ذاك النّمَطْ (١) وزعم مؤيد الدولة أبو خاذل أيدكين الجواليقي، صاحب المديح المأموني، في كتاب الصادح والباغم، في باب المراثي، أنهما من باب قول الثعالبي: لو كنت شاهين جارية الفضـ ... ـل وكان الحريم منزلك وليس بشيء، والصحيح الأول. (٢) قال الشارح عفا الله عنه: نبدأ أولاً بما في البيتين من اللغة، وثانياً بما فيهما من الإعراب، وثالثاً بما فيهما من التاريخ وتقدير المعنى، ورابعاً بما فيهما من البديع، وخامساً بالكلام على ما يتعلق بعَروضهما، وسادساً بما يتعلق بعلم القافية. القول في اللغة قوله «بَكْتوت»: هو عَلَم مُرَكَّب من اللغة العربية والتركية،

стр. 298

فبَكْ بالعربي وتوت بالتركي، ومعناهما «أمير توت»، مثل دمرطاس ومروان وقراحاً وما أشبه ذلك. ومن قال إن معنى ذلك بالعربية «أمير النّيروز» فلا يتأتى له ذلك، إلا إن كان النيروز في شهر توت على ما ذكره السَّخاوي في سمع الكيان (١). قوله «امرأة»: المرأة مشتقة من المرآة، وهي التي يرى الإنسان فيها وجهَه إذا كانت في جيبه، أعني السراويل، وكقول الأخطل: ما أخَذَ المِرآةَ في كَفّهِ ... ينظُرُ فيها للجَمَال المَصونْ إلاّ رأى الشمس وبَدْرَ الدُّجى ... ووجهَهُ في فَلكٍ يَسْبحونْ (٢) قوله «جارية»: فيها قولان، منهم من قال: هي الساقية لأنها تجري من أسفل إلى فوق، واستشهد بقول الحُطَيئة: نديمتي جارِيةٌ ساقِيَهْ ... ونُزهَتي ساقيةٌ جاريَهْ جاريةٌ أَعْيُنُها جَنّةٌ ... وجَنّةٌ أَعْيُنُها جاريَهْ (٣)

стр. 299

ومنهم من قال: هي في مقابلة المملوك، واستشهد بقول العَكَوَّك: أيا بديعَ الجَمالِ رِقَّ لِمَنْ ... سِتْرُ هَواهُ عليك مَهْتوكُ دُموعُهُ في هَواكَ جارِيةٌ ... وقلبُهُ في يدَيْكَ مَمْلوكُ (١) وهذا باطل ببديهة الإنسان. قوله «الفضل»: هو كل شيء ناقص (!) ومنه سُمِّي عبد الرحيم كاتب مروان بالفاضل لأنه كان قصيراً (٢)، وفي أمثال بُزُرْجَمْهِر: «لأمر ما جَدَعَ قصيرٌ أنفَه» (٣). قال التَّلَّعْفَري: ضِعافُ الطَّيرِ أَطْوَلُها جُسوماً ... ولم تَطُلِ البُزاةُ ولا الصُّقورُ (٤) قوله «كان»: معلوم أنها للاستقبال (!)، وسيأتي الكلام عليها في الإعراب. قوله «أكل»: هو الحالة المؤدّية إلى الجوع لمن هو شبعان (!).

стр. 300

قوله «الشعير»: معروف أنه من فواكه الآدميين، ولا يوجد إلا في جَزَرات الهند بالمغرب في الليل دون النهار صيفاً، قال ابن السّاعاتي: جاريةٌ لم تأكُلِ المُرَقَّقا ... ولم تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقَا ومن استشهد في هذا بقول ابن الفارض يصف رجلاً من الأكراد كَوْسَجاً: عَلّقَ اللهُ في عَذَاريكَ مِخلا ... ةً، ولكنّها بغيرِ شَعير (١) فليس من التحقيق في شيء، والمعنى على الأول. إلى أن قال: قوله «من الطلوع إلى بئرك»، «الطلوع»: نعوذ بالله منه، لأنه مرض بلغمي يحدث في الشَّعر لمداومة أكل الزَّنْجبيل والأشياء الحارّة كالبطّيخ والأسماك وغيرها؛ قال ابن الدُّمَيْنَة يرثي شخصاً: فَسّرَ لي عابرٌ مَناماً ... فصّلَ في قوله وأَجْمَلْ وقال لا بُدّ من طُلوعٍ ... فكان ذاك الطُّلوعُ دُمَّلْ (٢) «بئركِ»: لفظ مركب من الأعداد في التركي، كقولك في العربي واحد اثنان، فبير واحد وإكي اثنان، ومجموع هذا العدد سبعة ونصف، لأن إكي ناقصة الياء، ولولا ذلك لكان المجموع

стр. 301

ثمانية. وألفاظ الأتراك لا شاهد عليها من العربية، فلهذا أضربنا عن الاستشهاد لذلك! «في الليل»: الليل معروف، وهو من الزّوال إلى أذان العصر في العُرْف، وفي اللغة من طلوع الشمس إلى غروبها؛ كما قال دُرَيد بن الصِّمَّة في الغزل: أمستوفي قُلَيّوب ... إلى كم هكذا تكذبْ؟ من الصُّبح إلى الظهر ... إلى العَصر إلى المَغربْ وقليوب بلدة صغيرة على شاطئ الفرات من أعمال عدن، وقيل هي إقريطش باليمن (١). * * * إلى آخر ما قاله في اللغة في هذين البيتين، ثم انتقل إلى: القول في الإعراب «لو»: حرف يجرّ الاسم ويكسر الخَبَر، على ما ذكره الرُّمّاني في شرح طبيعي الشِّفا والكِسائي في رموز الكنوز (٢)؛ هذا مذهب الكوفيين، والصحيح أنها من الأفعال الناقصة التي لا عمل لها.

стр. 302

وإنما قلنا إنها فعل ناقص لأنها كانت في الأصل «لوى» فنقصت حرفاً، وإنما قلنا إنها لا عمل لها لأنها متى نقصت ضَعُفت عن العمل، وهذا الذي ذهب إليه إقليدس وأرشميدس في مخارج الحروف وبرهنّاه مستشهدَين على ذلك بقول الشَّمّاخ في رائيّته: أرسَلَ فَرْعاً ولَوَى هاجري ... صِدْغاً فأعيا بهما واصفُهْ (١) * * * وقد سقط من الرسالة أوراق لا أدري كم هي، ثم يبدأ الموجود منها بقوله: قال الشارح رحمه الله تعالى: «أكل»: فعل مضارع، لأن في أوله أحد الزوائد الخمسة وهو الهمزة؛ إنما قلنا بزيادتها لأنه لا يصح تجريدها، تقول: «كل» شيء. قال لَبيد: كلُّ خَطْبٍ ما لم تكونوا غِضاباً ... يا أُهَيْلَ الحِمى عَلَيّ يَسيرُ وقد جاء فعلاً ماضياً في قول الخنساء الأَخْيَلية ترثي زوجها: أَكِلُ الأمرَ إذا ما حلَّ بي ... للّذي قَدَّرَهُ أنْ يَقَعَا (٢) «الشعير»: الألف واللام أصلية، وهو نكرة إن قلنا بأنها أداة التعريف، ومعرفة إن قلنا بأصليَّتها، ذكر ذلك المبرَّد في كتاب

стр. 303

ديسقوريدوس في باب النَّعْت، وهو هنا مرفوع على الحال (١). «في»: اسم، لأنه يحسن دخول حرف الجر عليه: تقول انتقل من الشمس إلى فيء الظل، ودخول الألف واللام: تقول هذه الدراهم مبلغ ألفي درهم، والإضافة تقول: أعجبني حسن فيك، والتنوين أيضاً تقول: هذا المال فيءٌ للمسلمين. وعلى الجملة فما للنحاة في الأسماء كلمة يدخلها سائر خواص الاسم إلا «في»، وهي ممنوعة من الصرف لأنه اجتمع فيها من العلل أكثر مما اجتمع في أذربيجان، وذلك أن الفاء بعشرة والياء بثمانين على ما ذكره الزجّاج في الجُمَل، فصارت تسعين، وعلل الصرف المانعة تسعة. قال شُبْرُمة بن الطُّفَيل في وصف الزَّرافة: رُبَّ بُرْغوثٍ ليلةً بِتُّ منه ... وفؤادي في قَبضةِ التّسعينِ والقَبْض هو المنع من الصرف (٢). فلهذا قال النحاة إن «في» لا تنصرف. «البرد»: منصوب بالألف واللام التي في آخره على أنه خبر متقدِّم تأخر عنه المبتدأ فحُذِف، وهي مسألة مشهورة في باب الاستثناء، ونص عليها سيبويه خلافاً لابن الحاجب لمّا بحث معه في المسألة الزُّنْبورية بين يدي الوليد بن عبد الملك. وتقدُّمُ

стр. 304

الخبرِ دائرٌ في الكلام على ألسنة العرب، قال كُثَيّر عَزّة في محبوبته بُثَينة: والله ما من خَبَرٍ سَرّني ... إلاّ وذِكراكِ له مُبْتَدَا فقدّم الخبر وأخّر المبتدأ (١). * * * إلى آخر ما قاله في اللغة في هذين البيتين، ثم انتقل إلى: القول على المعنى قال: قبل الخوض في الكلام على المعنى نقدّم مقدمة تشتمل على ما يتعلق بهذين البيتين من التاريخ منقولاً من «المجسطي» للأحنف بن قيس في تاريخ بغداد؛ فنقول: بَكتوت هذه كانت بعض حَظايا النُّعمان بن المُنذِر، شراها من نور الدين الشّهيد صاحب القَيْروان، وكانت قبلُ لعَنان بنت النّابغة ابن أبي سُلْمَى زوج سيف الدولة وهو ابن بُوَيه أول ملوك السامانيّة الذين أخذوا خُراسان من الفاطميين، أول ملوكهم السفاح، والسفاح هو أخو العاضد (٢). * * *

стр. 305

هذا مثال من هذه الرسالة العجيبة، نقف عنده لا نجاوزه إلى القول في البديع والعروض والقافية، لأن المقال قد طال ونخشى أن يَمَلّ القرّاء الكرام. * * *

стр. 306

من آثار المؤلف ١ ـ أبو بكر الصديق ١٩٣٥ ٢ ـ قصص من التاريخ ١٩٥٧ ٣ ـ رجال من التاريخ ١٩٥٨ ٤ ـ صور وخواطر ١٩٥٨ ٥ ـ قصص من الحياة ١٩٥٩ ٦ ـ في سبيل الإصلاح ١٩٥٩ ٧ ـ دمشق ١٩٥٩ ٨ ـ أخبار عمر ١٩٥٩ ٩ ـ مقالات في كلمات ١٩٥٩ ١٠ـ من نفحات الحرم ١٩٦٠ ١١ـ سلسلة حكايات من التاريخ (١ ـ ٧) ١٩٦٠ ١٢ـ هتاف المجد ١٩٦٠ ١٣ـ من حديث النفس ١٩٦٠ ١٤ـ الجامع الأموي ١٩٦٠ ١٥ـ في أندونيسيا ١٩٦٠ ١٦ـ فصول إسلامية ١٩٦٠ ١٧ـ صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) ١٩٦٠ ١٨ـ فِكَر ومباحث ١٩٦٠

стр. 307

١٩ـ مع الناس ١٩٦٠ ٢٠ـ بغداد: مشاهدات وذكريات ١٩٦٠ ٢١ـ سلسلة أعلام التاريخ (١ـ ٥) ١٩٦٠ ٢٢ـ تعريف عام بدين الإسلام ١٩٧٠ ٢٣ـ فتاوى علي الطنطاوي ١٩٨٥ ٢٤ـ ذكريات علي الطنطاوي (١ـ ٨) ١٩٨٥ـ ١٩٨٩ ٢٥ـ مقالات في كلمات (الجزء الثاني) ٢٠٠٠ ٢٦ـ فتاوى علي الطنطاوي (الجزء الثاني) ٢٠٠١ ٢٧ـ فصول اجتماعية ٢٠٠٢ ٢٨ـ سيّد رجال التاريخ (محمد ﷺ ٢٠٠٢ ٢٩ـ نور وهداية ٢٠٠٦ ٣٠ـ فصول في الثقافة والأدب ٢٠٠٧ * * *