← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17360

فصول في الثقافة والأدب

علي الطنطاوي

Полный текст (307 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

صوت من وراء القرون نشرت سنة ١٩٥٥ [قال لَقيط بن يَعْمَر الإيادي ينذر قومَه غزو كسرى إياهم (وكان كاتباً في ديوانه)، وكأن هذه القصيدة صوت من وراء الغيب، قطع إلينا أكثر من ثلاثة عشر قرناً لينذرنا خطر إسرائيل. (١)] أبلِغْ إياداً وخَلِّلْ في سَراتِهُمُ ... إنّي أرى الرأيَ -إنْ لم أُعْصَ- قد نَصَعا يا لَهْفَ نفسيَ إنْ كانت أمورُكُمُ

стр. 247

شَتّى وأُبرِمَ أمرُ النّاسِ فاجْتَمَعَا ألا تخافون قَوْماً -لا أبَا لَكُمُ- ... أَمْسَوا إليكم كأمثال الدَّبا سِرَعا (١) في كلّ يومٍ يَسُنُّون الحِرابَ لكم ... لا يَهْجَعونَ إذا ما غافلٌ هَجَعا ما لي أراكُمْ نِياماً في بُلَهْنيَة (٢) ... وقد تَرَوْنَ شِهابَ الحَربِ قد سَطَعا فاقنوا جِيادَكُمُ (٣) واحمُوا ذِمارَكُمُ ... واسْتَشْعروا الصبرَ لا تستشعروا الجَزَعا اُذْكوا العيونَ وَراء السَّرْحِ واحترِسوا ... حتى تُرى الخيلُ من تَعْدائها رُجُعا لا تُثمروا المالَ للأعداءِ إنّهُمُ ... إنْ يَظهروا يَحْتووكُمْ والتِّلادَ مَعَا (٤) هيهاتَ لا مالَ مِنْ زَرْع ولا إبل

стр. 248

يُرجَى لغابِركم إنْ أنفُكُمْ جُدِعَا ماذا يَرُدّ عليكم عزَّ أوّلكم ... إنْ ضاعَ آخِرُكم أو ذَلّ واتَّضَعا؟ * * * يا قومُ لا تأمَنوا إن كنتمُ غُيُراً ... على نِسائكُمُ كسرى وما جَمَعا (١) هو الجَلاءُ (٢) الذي تبقى مذلّتُهُ ... إنْ طار طائرُكُمْ يوماً وإنْ وَقَعا هو الفَناءُ الذي يَجْتَثُّ أصْلَكُمُ ... فمَنْ رأى مثلَ ذا رأياً ومَن سَمِعا؟ * * * قومُوا قِياماً على أَمْشاطِ أرْجُلِكُم ... ثمّ افْزَعوا، قد ينالُ الأمنَ مَنْ فَزِعَا وقَلِّدوا أمرَكُمْ -لله دَرُّكُمُ- ... رَحْبَ الذّراعِ بأمرِ الحَرْبِ مُضْطَلِعا لا مُتْرَفاً إنْ رَخَاءُ العَيشِ ساعَدَهُ

стр. 249

ولا إذا عَضَّ مَكروهٌ بِهِ خَشَعا لا يَطْعَمُ النّومَ إلاّ رَيْثَ يَبْعَثُهُ ... هَمٌّ، يكادُ حَشاهُ يقطعُ الضِّلَعا مُسَهَّدُ النومِ تَعنيه أمورُكمُ ... يَرومُ منها إلى الأعداء مُطَّلعا وليس يَشغَلُهُ مالٌ يُثَمِّرُهُ ... عنكم ولا وَلَدٌ يَبغي له الرِّفَعا * * * لقد بذلتُ لكم نُصحي بلا دَخَلٍ ... فاسْتَيقِظوا، إنّ خيرَ العِلْمِ ما نَفَعا هذا كتابي إليكُمْ والنَّذيرُ لكُمْ ... لِمَنْ رَأى رأيَهُ منكُمْ ومَنْ سَمِعا * * *

стр. 250

ثالث الحرمين نشرت سنة ١٩٥٥ [هذه قطعة من قصيدة، ما قال ناظمها بيتاً من الشعر قط قبلَها ولا قاله بعدَها، أعدّها في ساعة واحدة، وألقاها على الملك سعود وغلام محمد حاكم الباكستان في الحفلة الكبرى في فندق بيج في كراتشي، ننشرها لنهزّ بها الشعراء، علّهم يقولون ما لم يستطع ناظمُها أن يقول: (١)] أجَلالةَ المَلكِ العظيم سُعودِ ... صقرَ الجزيرة وابنَ خير جُدودِ يا خادمَ الحَرَمينِ: تَترُكُ ثالثَ ... الحَرَمينِ يَعدو فيهِ كلبُ يَهودِ؟ هوَ حِصنُ حقٍّ غابَ عنهُ حُماتُهُ ... هُوَ قلعةٌ لكنْ بغَيرِ جُنودِ لا العطرُ والنَّدُّ المصفّى طِيبُهُ ... لكنَّ ريّاهُ شذى البارودِ

стр. 251

يُصْلَى المُصلّي النارَ في جَنَباتِهِ ... والمسلمونَ بِنَومةٍ وهُجودِ أينامُ مَنْ تُقري المدافعُ سَمعَهُ ... صوتاً يُزلزلُ قُنّة الجُلمودِ أينامُ مَنْ يمشي اللهيبُ بدارِهِ ... يَشوي حَميمُ لظاهُ رملَ البيدِ قد فَرَّ منه النّاسُ إلاّ فتيةً ... مِن كلّ قَرْم ثابتٍ صِنْديدِ قد أقبَلوا يُورون حرباً أدبرت ... عنها أراهِطُ عِدّةٍ وعَديدِ ولَقُوا بلَحْمِ الصّدْرِ أثقالَ العِدى ... صَبروا على نارٍ لَهُمْ وحديدِ لا حِصنَ يَحْميهِ وإنّ حُصونَهم ... في كل ثَغْرٍ جُثّةٌ لشَهيدِ إنّ النُّحوسَ تعاقبَتْ في أرضهم ... أسُعودُ بَدِّلْ نَحْسَهم بِسُعودِ أسُعودُ، باكستانُ أكبرُ دَوْلةٍ ... ولأَنْتَ أكبرُ سَيّدٍ وعَميدِ أيضيعُ بينَكما مصلّى أحمدٍ ... ويَعودُ هيكلَ معبدٍ ليهودِ؟ المرأةُ الشَّلاّءُ تحمي بيتَها ... أنُبيحُ بيتَ الخالقِ المعبودِ؟ * * *

стр. 252

كتاب مفتوح إلى أخي أبي الحسن النَّدْوي نشرت سنة ١٩٥٨ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لما كنا في لَكْنَو طلبت من الأخ الأستاذ محمد الرابع (١) أن يختار لي قصيدة من عيون شعر إقبال يُفهمني معانيها، ثم أنشئها أنا بالعربية إنشاء، كما صنعت بقصيدة الشاعر الإنكليزي غراي (وهي مرثيته المشهورة (٢)) من أكثر من عشرين سنة بمعونة الأستاذ علي حيدر الركابي، زميلنا في التدريس يومئذ في مدارس العراق. فاختار لي قصيدة «صوت الجبل» (بانك درا) وخبّرني أنها من أعظم قصائد إقبال الإسلامية، وتلا عليّ ترجمتَها الحرفية، فوجدت شيئاً عظيماً حقاً، ولكني عجزت عن فهمه فضلاً عن إساغته وهضمه وصياغته صياغة عربية، ورددت ذلك إلى اختلاف أساليب البلاغة باختلاف اللغات؛ فنحن لا نألف هذه

стр. 253

الأَخْيِلَة المعقَّدة وهذه المَجازات البعيدة التي يعرفها اللسان الفارسي، ولو أني استطعت أن أفهم (أو لو أن الأخ استطاع أن يفهّمني) المُراد منها لجئت بما يقابلها في العربية أو بما يقوله العربي لو أراد هذا المعنى. وعلمت في لكنو أن هذه القصيدة من النمط العالي الذي لا يصل إلى إدراكه إلا نفر من أفذاذ الأدباء سَمَّوك في أوائل من سَمَّوا منهم. فهل لك أن تنقل هذه القصيدة إلى العربية؟ وهل لك أن تختار من شعر إقبال ما يجعلنا نتذوق طعم أدبه ونلمّ بطريقته ونتجلّى أسباب عظمته؟ فإن كل ما قرأنا من كلامه مترجَماً إلى العربية لم يعرّفنا به ولم يدلّنا عليه. ولقد قرأت أكثر ما تُرجم لإقبال وما كُتب عن إقبال، وفهمت عنه شيئاً ما أدري أصحيح هو أم أنني أخطأت الفهم؛ فقد كان من أكبر مفاخر الشاعر العربي أن يرفع بشعره قبيلة خاملة، أما إقبال فمن مفاخره أنه بنى دولة فيها ثمانون مليون مسلم كان شعره من دعائمها، فما هو هذا الشعر وما مثاله؟ وكنت أعرف أن شاعر العرب يقول: والشّعْرُ ما لم يكُن ذكرى وعاطفةً ... أو حِكمةً فهو تَقطيعٌ وأَوْزانُ ففهمت أن العاطفة في شعر إقبال شيء آخر غير عاطفة الشاعر العربي، وأن الحكمة عنده ليست حكمة المثل السائر والبيت البليغ الذي يحمل ثمرة تجربة في الحياة، ولكنها حكمة من نوع آخر. فما هي هذه الأنواع الأُخَر؟ لقد اشتدّت بي الرغبة في الوقوف على شاعرية إقبال حتى

стр. 254

لقد فكرت -أقسم لك- بأن أتعلم الأوردية والفارسية لأدرك سرّها وأستجلي بنفسي جمالَها، ثم وجدت أن الشبابَ قد ولّى والذهنَ قد ونى. وهيهات أن تكون بعد الخمسين كما كنت أيام الشباب! فهل تضيف -يا أخي أبا الحسن- إلى مآثرك هذه المأثرة، فتفتح للعرب كُوّة على هذه الروضة المحجَّبة أو تحمل إليهم زهرات منها، فتحسن بذلك إلى العرب وإلى الأدب والإسلام؟ (١) والسلام عليك ورحمة الله من أخيك الذي يحبك، ولا يزال يذكر أبداً أيامَ لَكْنَو وما لقي فيها من نبلك وفضلك. علي الطنطاوي (دمشق) * * *

стр. 255

ابن عابدين ورسائله كُتبت نحو سنة ١٩٥٩ ولم تُنشَر (١) ظهر في هذه القرون الثلاثة الأخيرة علماء لا يحصيهم العد، ألّفوا مؤلَّفات لا يحيط بها الحصر. ولم يكن في هؤلاء العلماء جميعاً مَن هو أرسخ قدماً في الفقه وأنفذ فيه فكراً من العالم الذي أقص عليكم اليوم قصة حياته، ولم يكن في هذه المؤلَّفات جميعاً ما هو أكثر ذيوعاً وأعمّ نفعاً من الكتب التي ألفها هذا العالم. ذلكم هو ابن عابدين، صاحب «الحاشية» المشهورة التي صارت عمدة المُفتين في المذهب الحنفي، والتي لا يضارعها ولا يقاربها -في تحقيق مسائلها وفي إقبال الناس عليها- كتاب من كتب المذهب.

стр. 256

في دكان في البزورية تبدأ هذه القصة في دكان في البزورية (١) لرجل اسمه السيد عمر عابدين، لم يكن من العلماء، ولكنه كان من أسرة عُرف رجالها بالاشتغال بالعلم وبالإقبال على العبادة، وبأن لهم حظاً من شرف النسب. وكان من المشهور والمتعارَف عليه في دمشق أن يشتغل العلماء بالتجارة ويتعاطوا البيع والشراء، وقد أدركت أنا عدداً من هؤلاء العلماء لا تزال بقاياهم موجودة إلى اليوم، جمعوا العلم والمال وتجارة الدنيا وتجارة الآخرة، فاستغنوا بذلك عن أموال الحكام وترفّعوا به عن ذُلّ السؤال، وأمدّوا به الفقير وساعدوا المحتاج، فكان لهم عزّ الغِنى وعز العلم. وما انحرف عن الجادة مَن انحرف من العلماء إلا لأنهم احتاجوا إلى الرواتب ومدّوا أيديهم إلى أموال الأوقاف. وكان السيد عمر يتحسّر دائماً على ما فاته من الاشتغال بالعلم وعلى أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسلافه، فلما وُلد له هذا الولد (الذي نتحدث عنه) حفّظه القرآن وهو صغير، فكان يتلو الآيات قبل أن يصحح نطق الكلمات، ونشّأه على التلاوة الدائمة، وأقامه معه في الدكان يعلمه البيع والشراء.

стр. 257

ناصح مجهول وكان يوماً يقرأ القرآن -كما علمه أبوه- والناس عاكفون على بيعهم وشرائهم، فمرّ به رجل، فسمعه يلحن، فزجره وأنكر عليه، وقال له: إن القرآن ما أُنزل لنقرأه بلا فهم كما تنطق الببغاء، بل لتدبّر معانيه والعمل به. وأنت ترتكب في قراءتك هذه ذنبين: الأول أن هذا محل للتجارة، والناس لا يستمعون قراءتك فيرتكبون الإثم بسببك، والثاني: أن قراءتك ملحونة، وأنت لا تقيم لسانك بها ولا تتدبر معاني ما تقرأ. خير البرّ عاجله وكان صبياً يومئذ، لم يبلغ الحلم، ولكنه أدرك -مع ذلك- صحة ما قال الرجل، فاستأذن أباه وذهب من فوره فسأل عن أقرأ أهل البلد، فدلّوه على الشيخ سعيد الحموي، وكان شيخ قرّاء الشام في تلك الأيام، فذهب إليه في حجرته في المسجد وطلب منه أن يعلمه أحكام القرآن بالتجويد. ولازمه مدة حفظ فيها الشاطبية والجَزْرية والميدانية، وقرأها عليه قراءة إتقان وإمعان، فجمع القراءات بطرقها وأوجهها. بداية طلب العلم ولما رأى ذلك أبوه رغّبه في العلم وأشار عليه بموالاة الطلب. وكان قد وجد لذة العلم وأحبّ الشيخ، فقرأ عليه النحو والصرف والفقه الشافعي. والنحو هو ثمرة علوم العربية كلها، وكلها مقدّمات له

стр. 258

وأسباب. والفقه ثمرة علوم الدين كلها، وكلها مقدمات له وأسباب؛ لذلك كان طالب العلم يبدأ بهما ويعكف عليهما، ولا ينتقل إلى غيرهما إلا إذا أتقنهما، لأن من أسلوب التعليم يومئذ أن لا يُرهَق الطالب بالعلوم الكثيرة دفعة واحدة (كما يُصنَع اليوم) بل يُكلَّف بالعلم أو العِلْمين، لا يزيد عليهما حتى يفرغ منهما. انتقاله إلى المذهب الحنفي واستنفد علم الشيخ الحموي كله، وطلب المزيد، فدُلّ على العالم الكبير الشيخ محمد شاكر السالمي، الشهير بالعقّاد، وكان فقيهاً حنفياً عالي الطبقة، فقرأ عليه التفسير والحديث وعلم المعقول، وألزمه الانتقال إلى المذهب الحنفي، كما انتقل إليه أبو جعفر الطحاوي من قبل، ونبغ فيه كما نبغ الطحاوي. (١) * * *

стр. 259

رسائل ابن عابدين «الحاشية» هي عمدة المُفتين في المذهب الحنفي من أكثر من مئة سنة، لا يضارعها في تحقيق مسائلها وفي إقبال الناس عليها كتابٌ من كتب الفقهاء المتأخرين في المذهب، لكنها - على جلالة قدرها- تعليقات تقيَّدَ فيها واضعُها بالنص الذي

стр. 260

يعلّق عليه (١). أما عظمة ابن عابدين وفقهه وسعة روايته وكثرة اطلاعه على كتب الحنفية فتتجلى في رسائله. إنّ كل رسالة منها بحث كامل يصحّ أن يكون أساس أطروحة لنيل الدكتوراة، لا بل هي أعظم من ذلك بلا جدال. (٢)

стр. 261

فهو لا يبحث موضوعاً إلا حشد له من القول ما لا يجد الباحث مزيداً عليه، ولا يقتصر على نصوص المذهب، بل ينظر في أقوال فقهاء المذاهب الثلاثة الأخرى ويوازن بينها ثم يرجّح، وربما عرض رأياً له صادراً عن فقه عميق أصيل لا فقه رواية ونقل. وهو مناظر قوي، يعمد إلى الشدّة على الخصم ويضرب وجهه بالحجج العلمية وبالشواهد الشعرية، يظهر ذلك جلياً في عدد من رسائله. وأعظم هذه الرسائل -بلا شك- هي «شرح رسالة عُقود رَسْم المفتي»، ولا أظن أن حنفياً يستطيع أن يدّعي أنه قادر على الإفتاء من غير أن يعرف المسائل التي اشتملت عليها. وعلم «رسم المفتي» هو الذي يعلّم المفتي كيف يميّز القول الأصحّ والقول الصحيح عند ازدحام الأقوال. ثم رسالته النفيسة في العُرف، وهي «نشر العَرْف في بناء بعض الأحكام على العُرْف». وهذه طائفة من رسائله: * * * الإبانة عن أخذ الأجرة على الحضانة تكلم فيها عن الحضانة: هل هي حق الحاضنة أم هي حق الولد؟ وانتهى إلى أن لكل منهما حقاً فيها. وعن الأجرة ومن يستحقها، وعن الأجرة في حال إعسار الأب وتبرّع غير الأم بالحضانة مجاناً، ونقل في ذلك نقولاً كثيرة من كتب الحنفية

стр. 262

والشافعية. وبيّنَ أنه إن كان المتبرع بها أجنبياً عن الولد كُلِّف بدفع الأجرة التي يتبرع بها إلى الأم وبقي الولد عندها، وإن كان غيرَ أجنبي عنه والأب مُعسر خُيِّرت بين إمساكه مجاناً (أي بلا أجرة) أو دفعه إلى المتبرع بها. والرسالة في ثماني عشرة صفحة. * * * منهل الواردين من بحار الفَيض على ذخر المتأهّلين في مسائل الحيض هذه الرسالة شرح لرسالة «ذخر المتأهلين» للشيخ البركوي المتوفى سنة ٩٨١هـ، وهي رسالة صغيرة الحجم كثيرة النفع، جمعت مسائل الحيض كلها، واشتملت على مقدمة وفصول. المقدمة في تفسير الألفاظ المستعمَلة في هذا الباب من أبواب الفقه وفي أصوله وقواعده الكلية. الفصل الأول في ابتداء الحيض وانتهائه. الفصل الثاني في أحكام المُبتدَأة (١) والمعتادة. الفصل الثالث في الانقطاع. الفصل الرابع في أحكام الاستمرار. الفصل الأخير في أحكام الدماء الثلاثة المعقود عليها الباب، وهي الحيض والاستحاضة والنِّفاس. والرسالة في تسع وستين صفحة، مطبوعة في دمشق سنة ١٣٠٢. * * *

стр. 263

رسالة رفع الانتقاض ودفع الاعتراض على قولهم: الأَيْمان مَبنيّة على الألفاظ لا على الأغراض تكلم فيها على الأَيْمان وهل تُبنى على الألفاظ أو على العُرف. فإن اعتبرنا الألفاظ، وغضب رجل فحلف ألاّ يشتري من فلان بقرش ثم اشترى بمئة أو بألف لا يحنث، وإن اعتبرنا غرض الحالف وعُرف الناس يحنث. وشرح صعوبة المسألة، ونقل -على عادته- نُقولاً نفيسة نادرة من كتب المذهب، ونبّه إلى الغلط في بعضها. وبيّن أن الحالف على شيء لا بد أن يكون له غرض من الحلف، وهذا الغرض إما أن يكون الفعل نفسه (مثل: لا أدخل هذه الدار) وإما أن يكون الفعل مقروناً بشيء آخر (مثل: لا أشتري الشيء الفلاني بعشرة)، فإن غرضه أنه لا يشتري بالعشرة ولا بما فوقها. وإما أن يكون أمراً خارجاً عن الفعل المسمّى ولا يكون المسمى مراداً أصلاً (مثل: لا أضع قدمي في هذه الدار)، فإن غرضه أنه لا يدخل، فلو وضع قدمه ولم يدخل لم يحنث. وشرح هذه الأحوال ثم قال: "والحاصل أن الأوجه أربعة: إما أن توجد حقيقة الفعل ويفوت الغرض، وإما أن توجد صورة الفعل والغرض، وإما أن يوجد الغرض فقط ويفوت الفعل، وإما أن لا يوجد منهما شيء. والحنث إنما يتحقق في الوجه الأول فقط دون الثلاثة الباقية". وضرب لذلك أمثلة، ثم استطرد إلى الكلام في الحقيقة والمجاز فجاء بشيء نفيس. وكانت خلاصة بحثه: "إن الذي يُبنى

стр. 264

عليه الحكم في الأيمان هو الألفاظ المذكورة في كلام الحالف باعتبار دلالتها على معانيها الحقيقية أو المجازية التي قرينتها العرف، وتسمى «الحقيقة الاصطلاحية»، وهي مقدَّمة على الحقيقة اللغوية. أما الأغراض الخارجة على الألفاظ فلا تُبنى عليها الأحكام في الأيمان". والرسالة في تسع عشرة صفحة. * * * تنبيه ذوي الأفهام على أحكام التبليغ خلف الإمام وفيها دليل مشروعيته، وهو حديث جابر في صلاته ﷺ بالناس قاعداً في مرضه وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، وسرد طرق الحديث وجاء بنقول وأحكام فقهيّة واستنباطات قيّمة، وبيّنَ "ما أحدثه جَهَلة المُبَلّغين من منكرات ابتدعوها ومُحدَثات اخترعوها، لكثرة جهلهم وقلّة عقلهم ... "، وبيّن هذه المُبتدَعات وأن في بعضها كفراً وفي بعضها فساد الصلاة، ونقل عن الشيخ عبد الغني النابلسي (الذي كان علاّمة عصره) قوله "إن الأذان والإقامة والتسبيحات خلال الصلاة والأدعية جميعها والخطبة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، كل ذلك لا يجوز فيه التمطيط والتغيير في الحروف والكلمات والزيادة في المد، فإن التغيير والتمطيط حرام، وتحسين الصوت مستحَب، ولا يُرتكَب الحرام لأجل المستحَب". والرسالة في سبع عشرة صفحة. * * *

стр. 265

إعلام الأعلام بأحكام الإقرار العام قال في أولها: "إن مسألة الإقرار العام قد حارت فيها الأفهام، لا سيّما إقرار الوارث بقبضه جميعَ ما يخصّه من التركة. وكثر فيها النزاع، حتى إن أفضل المتأخرين الشيخ حسن الشُّرُنْبُلالي ألّف فيها رسالة، جمع فيها كثيراً من نقول المذهب، ولم يَخلُ ما جاء به عن تأمل ونظر. فأردت أن أذكر بعض نقوله وأضم إليها بعض النقول، وجمعت ذلك في هذه الرسالة ورتّبتها على مقدمة وستة فصول". والرسالة في ست وعشرين صفحة، مطبوعة في دمشق سنة ١٣٠١ بتصحيح الشيخ أبي الخير عابدين. * * * العقود الدُّريّة في قول الواقف على الفريضة الشرعية قال في سبب تأليفها: "إن هذه المسألة قد اختلفت فيها فتاوى المفتين من العلماء المتأخرين، حيث لم يَرِد فيها نص عن الأئمة المتقدمين، وقد ألف فيها رسالةً شيخُ الإسلام، العلاّمة يحيى بن المنقار المفتي بدمشق الشام، وافَقَه فيها كثير من أهل عصره وصوّبوا ما ابتكره بثاقب فكره، وخالفه فيها آخرون، والكل أئمة مُعتبَرون، فها أنذا أذكر لك جملة من كلام الفريقين، وأضم إليها ما تقرّ به العين". والذي قرره ابن المنقار أن قوله "على الفريضة الشرعية" يفيد التسوية بين الذكر والأنثى في القسمة، والذين ردوا عليه قالوا إنه يفيد أن للذكر مثل حظ الأنثيَين. وبعد أن أفاض ابن عابدين في

стр. 266

الكلام على أدلة الفريقين قال: "والحاصل أنه ليس المراد بالفريضة الشرعية فريضة الميراث ولا التسوية، ولكن تُفَسَّر بالعُرف". وفي الرسالة فوائد كثيرة جاءت استطراداً، منها أن قضاء القاضي يُنقَض إذا كان حكماً لا دليل عليه، وأن المرأة تصلح شاهدة في الأوقاف كما تصلح ناظرة، وأن قولهم «نَصّ الواقف كنص الشارع» في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل به ... والرسالة في إحدى وعشرين صفحة. * * * الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة قال في أولها: "وقد عنّ لي الكلام على بعض ألفاظ شاع استعمالها بين العلماء، وفي إعرابها أو معناها إشكال أو خفاء". تكلم فيها على قولهم «هَلُمّ جَرّاً»، وقولهم «من ثَمّ»، و «اللهمَّ إلاّ أنْ يكون كذا»، و «لا بد من كذا»، و «هو أكثر من أن يحصى وزيد أعقل من أن يكذب»، و «سواء كان كذا أم كذا»، و «كائناً ما كان»، و «بعد التي واللُّتَيّا»، و «هذا الشيء لا مَحالة كذا»، و «لا أفعله البتّة»، و «ناهيك بكذا»، وألفاظ أُخَر. والرسالة مطبوعة في دمشق سنة ١٣٠١ بتصحيح أبي الخير عابدين، وهي في ثلاث وعشرين صفحة، فيّاضة بالفوائد النحوية واللغوية والنُّقول النفيسة، وإن كان فيها كثير من تكلّف وجوه الإعراب والتمحّل للمعاني. * * *

стр. 267

شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل كتب المؤلف على نسخته التي هي بخطه: "بيان عدد الكتب التي جمعت منها هذه الرسالة، سوى التي راجعتها ولم أنقل عنها، أسردها هنا، وإن كنت عزوت كل مسألة إلى محلها ليزداد الواقف عليها ثقة بذكر مجموعها، وقد أنافت على خمسين كتاباً. وهي: شرح البخاري للعَيني، شرح مَجْمَع الآثار، شرح الكنز للزَّيلعي، شرحه لابن نُجَيم، شرحه للمقدسي، معراج الدِّراية، فتح القدير، الدر المختار ... "، إلخ. * * * رفع الاشتباه عن عبارة الأشباه وسبب تأليفها أن شيخه، الشيخ شاكر، سُئل في شعبان سنة ١٢١٨ عن عبارة ابن نُجَيم في كتاب الأشباه والنظائر، في آخر باب المرتد: «ولو قال قائل إن الأنبياء لم يَعصوا حال النبوة ولا قبلها كفر لأنه رد النصوص». فأمره بتأليف هذه الرسالة. بحث فيها في عصمة الأنبياء، وبيّنَ أنهم معصومون قبل النبوة من الكفر بالإجماع، وغيرُ الكفر من الذنوب موضع خلاف بين العلماء. فنقل عن أكثر الأشاعرة وطائفة من المعتزلة أنه لا يمتنع عقلاً على الأنبياء قبل البعثة أن تقع منهم معصية، كبيرة كانت أو صغيرة، وذهب الرّوافض وأكثر المعتزلة إلى أنه يمتنع عقلاً. وهم معصومون بعد النبوة من الكفر، ومن تعمّد الكذب في الأحكام، ومن تعمّد الكبائر والصغائر الدالة على الخسة، وأما

стр. 268

الصغائر التي لا تدل على الخسة فتجوز منهم عمداً وسهواً. والرسالة في اثنتي عشرة صفحة. * * * رفع التردد في عقد الأصابع عند التشهد حقق فيها المسألة، وبيّنَ كيفية عَقْدها عند التشهد، وجاء بنقول كثيرة وجاء بأدلتها من الحديث، وبحث في رجال هذه الأحاديث وطرقها. وكان الفراغ من تأليف هذه الرسالة (وهي في ست عشرة صفحة) في رجب سنة ١٢٣٦، وقد اطلع بعد ذلك على رسالة في موضوعها للشيخ مُلاّ علي القاري فألحقها بها في ربيع الأول سنة ١٢٤٩. * * * الأقوال الواضحة الجليّة في تحرير مسألة نقض القسمة ومسألة الدرجة الجعلية وهي في تحرير المسألة التي ذكرها الإمام السبكي في الأشباه، في القاعدة التاسعة (إعمال الكلام أولى من إهماله). وهي متعلقة بقسمة ريع الوقف، بَيّن فيها المسألة وجواب السبكي، ومخالفته له ووجه ما ذهب إليه. وهي في إحدى وعشرين صفحة، طُبعت في دمشق سنة ١٣٠١. * * *

стр. 269

أجوبة محقَّقة عن أسئلة مفرَّقة أجاب فيها على أسئلة في تفسير عبارات مُشكلة في شروط بعض الواقفين، وجاء -على عادته- بنُقول نفيسة، من مذهبه ومن مذهب الشافعية. وعلى سؤال ورد إليه في ذي الحجة سنة ١٢٤١ عن ذمي تشاجر مع مسلم، فقال له المسلم: أنت كافر. قال الذمي: لست بكافر. قال له المسلم: قل آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر. فقال النصراني: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. قال المسلم: الرسل كثيرون. قال النصراني: كلهم. وذلك بحضور جماعة من المسلمين. وهم يسألون: هل يُحكَم بإسلامه أم لا؟ فأجاب بأنه لا يحكم بإسلامه، وبيّن الوجه في هذه الفتوى فقال: "على أنه لو أتى بالشهادتين صراحة لا يُحكَم بإسلامه ما لم يتبرأ من دينه، كما صرّح به الجمع الكثير من أئمتنا الحنفية". وعلى سؤال في الحساب موضوعه تقسيم تركة فيها وصية. وعلى سؤال في التمليك، وهل يحتاج إلى التسليم أم لا، فأجاب أن "التمليك لفظ مشترك بين ما يكون بعِوَض وما يكون بدونه، وأن كلاًّ منهما قد يكون تمليك عين أو تمليك منفعة. فالأول كالبيع، فإنه تمليك المال بعِوَض، والإجارة، فإنها تمليك المنفعة بعوض، والنكاح، فإنه تمليك البضع بعوض، لكنه تمليك حكماً. والثاني كالهبة، فإنه تمليك العين حالاً بلا عِوَض، ومثلها الصدقة، وكالوصية فإنها تمليك العين بعد الموت

стр. 270

بلا عوض، وكذا العاريّة، فإنها تمليك المنفعة بلا عوض. وهذه العقود مختلفة الأحكام ... "، وأفاض في شرح أحكامها. والرسالة في إحدى وعشرين صفحة، وفيها بحث جيد عن طلاق الثلاث بلفظ واحد (١). * * *

стр. 271

مصادر الثقافة وتصنيف العلوم (١) للثقافة أو العلوم مصدران: كسبي وتوقيفي. وعند الكلام على العلم المكتسَب لا بدّ من تصوّر العالِم الذي هو الإنسان، والمعلوم الذي هو الكون، وطريق العلم. ومصادر العلم المكتسَب وطرقُه هي الحواسّ والخيال والعقل. فالحواسّ هي منافذ النفس التي تطلّ منها على العالَم الخارجي، والحسّ يُفيد العلم حتماً، فإذا مارى الإنسان فيما يسمع خبره فلا يستطيع أن يماري فيما يراه أو يلمسه. غير أن الحواسّ لا تُطلِعنا على كل شيء في الوجود؛ أنا لا أدرك ببصري نملة تمشي على بعد أميال ولا أسمع لها صوتاً، مع أن لها وجوداً وصوتاً. والحواسّ ربما تُخطئ، كأن ترى بعينك القلم المستقيم الموضوع في الماء منكسراً أو ترى السراب ماء. والحواسّ ليست كاملة، بدليل أنهم اكتشفوا حواسّ غير الخمس المعروفة، كحاسّة

стр. 272

البرودة والحرارة، وحسّ التوازن، والحسّ الداخلي. فالحواسّ إذن تُفيد العلم ولكنها لا تُطلعنا على كل الموجودات، فلا يحقّ لنا أن نُنكِر أشياء (كالجنّ أو الملائكة مثلاً) لمجرَّد أننا لا نراها ولا نحسّ بها. ثم يأتي بعد الحواسّ الخيال. والخيال هو القوة التي تستحضر بها النفس المُحَسّات (أي المحسوسات) عند غيابها، فأنا أستطيع أن أتخيّل داري في دمشق وأنا في مكة، أي أنني أرى بعين الخيال كل ما كنت أراه فيها بعين الحقيقة. والخيال أحد طرق العلم، وإن لم يكُن يُفيد العلم وحده، فالرياضي يتخيّل نتيجة المعادلة قبل حلّها، والشاعر يتخيّل القصيدة قبل أن يُتمّ نَظْمها، والعالِم يتخيّل ثمرة البحث قبل أن يكمله. غير أن الخيال له حدود، فنحن لا نستطيع أن نتخيّل إلاّ ما أدركناه أو أدركنا أجزاءه من طريق الحواسّ. وإن أبعد الخيال (كتخيّل رائحة حمراء مثلاً، أو ما يقوله المذيع كل يوم: تسمعون تلاوة عطرة من سورة كذا ...) هذا كله مأخوذ من الواقع، ولكننا وضعنا الرائحة حيث يجب وضع اللون والصوت. لذلك يستحيل أن نتخيّل شيئاً من أمور الآخرة على حقيقته، وهذا مصداق قول ابن عباس: «ما في الدنيا ممّا في الآخرة إلاّ الأسماء». ثم يأتي العقل. والعقل هو القوة المميّزة في الإنسان وهو طريق العلم الصحيح، غير أن العقل لا يستقلّ بإدراك الموجودات كلها لأنه مقيَّد بالزمان والمكان فلا يدرك ما وراء المادّة، ولأن عمله لا يزيد على ترتيب وتحقيق المعلومات التي جاءته من طريق

стр. 273

الحواسّ، ولأنه محدود لا يتصوّر غيرَ المحدود (أي اللانهاية)؛ ولذلك يبقى الإنسان على جهل بما وراء المادة حتى يمنحه الله طريقاً آخر للعلم هو «المصدر التوقيفي»، أي طريق الوحي. لا الوحي الذي يفهمه الكتّاب والشعراء ويعنون به الإلهام النفسي، بل الوحي الذي هو نزول الملَك بمعلومات ليست من عند العقل. هذا المصدر هو المصدر الأهمّ، لا في رأي علمائنا فقط بل في رأي أعلام الفلاسفة الغربيين كديكارت ولايبنتز ودوركايم. وتفصيل هذا كله في كتابي «تعريف عامّ بدين الإسلام» (١). * * * في دروسي التي ألقيتها في الكلية الشرعية (٢) في مادة «الثقافة الإسلامية» بحثت في العلم: ما هو وما حقيقته؟ ثم تذكّرت ما درَسناه في شعبة الفلسفة (وقد نلتُ شهادتها سنة ١٩٢٩) من تصنيفات العلوم لبعض فلاسفة اليونان وبعض أعلام الغرب، فحاولت أن أجد مثلها لعلمائنا. وعكفت على الكتب وحبست نفسي في المكتبة أياماً، فوجدت الكثير، فوضعته إلى جنب ما كنا درسناه في علم المنطق التجريبي وجعلت منه فصلاً طويلاً يصلح أن يُطبع في رسالة أو كُتيّب، ولكني فقدته فضاع.

стр. 274

والمنطق التجريبي، أو المنطق العلمي، هو غير المنطق الصوري، منطق أرسطو الذي عُني به علماؤنا وأولَوه ما لا يستحقّ من هذه العناية، وأدخلوه في البلاغة وفي النحو، بل وفي العقائد (أي في علم الكلام) فأفسد كل علم دخل فيه. لمّا بحثت عن أوراقي فلم أجدها سألت عنها من هو في المملكة ممن كان يومئذ من الطلاب، وكلهم الآن من الأساتذة الكبار، فما وجدتها عند أحد منهم. ولو أني تعودت أن أكتب كل ما أُعِدّه من محاضرات ومن أحاديث ومن دروس، ونشرتها يومئذ في مجلة أو طبعتها في رسالة، لانتفعت بها وانتفع بها الناس. ولكن «لو» تفتح عمل الشيطان. ما وجدت إلا مسوَّدات فيها رؤوس المسائل التي ألقيتها، بل فيها إشارات إلى رؤوس المسائل مكتوبة على عجل، قرأت بعضها ولم أستطع -لسوء الخط- قراءة بعضها وأنا كاتبها! وكثيراً ما يقع لي مثل هذا: أُعِدّ محاضرة أو مقالة علمية، فأكبّ على المراجع وأغرق في صفحات المجلَّدات وبيدي قلم وورق أدوّن ما أجده نافعاً لي في مقالتي أو محاضرتي، أشير إليه ولا أدلّ عليه، أُجمِل ولا أفصّل وألمّح ولا أصرّح، وفي ظني حينئذ أن الإشارة والإجمال والتلميح بلا تصريح يكفي. فإذا مر الزمان وعُدت إليها -كما أعود الآن- لم أستطع أن أحلّ رموزها ولا أن أدرك المُراد منها، فضلاً عن أن أكتفي بها. ولقد أضعت على نفسي وعلى الناس بهذه الخطة الحمقاء مقالات وفصولاً ومباحث لو أنها كُتبت في حينها لكان منها الكثير الطيب.

стр. 275

تكلمت أولاً عن العلم: ما هو العلم؟ فوجدت أن العلم بالمعنى اللغوي هو ما يقابل الجهل، وأن العلم بالمعنى الأصولي المنطقي هو الذي يقابل الظنّ، أي أن مراتب الوجود الذهني عند علمائنا ثلاث: «الشكّ»، وهو تَساوي جانبَي الإثبات والنفي. فإن سُئلتَ وأنت في المدينة: هل في القرية مطر؟ قلتَ: لا أدري. لأن احتمال نزول المطر كاحتمال عدمه، وليس لديك دليل لنفيه ولا لإثباته. فإن لمحت في الأفق من جهة القرية سحاباً رجح عندك جانب الإثبات رجحاناً قليلاً، ٥٥ بالمئة مثلاً، فقلت: «أظنّ» أن فيها مطراً. فإن تراكب السحاب وتراكم واسودّ ولمعت خلاله البروق صار عندك «غلبة الظنّ». فإن ذهبت إلى القرية فرأيت المطر، أو تواتر به إليك الخبر، فهذا هو «العلم». فالعلم هنا بمعنى اليقين، ولذلك قال جمهور العلماء إن حديث الآحاد لا يُفيد العلم ولو صحّ، وإنما يُعمَل به بغلبة الظنّ. وقال أهل الحديث وكثير من فقهاء الحنابلة إنه إن صحّ أفاده. فمن أنكر -على رأي الجمهور- عقيدةً جاءت في حديث آحاد لم نحكم بكفره، لأننا لا نستطيع أن نجزم بأن الرسول ﷺ قاله كما نجزم بأن القرآن هو كلام الله، وإن كان المحدّثون بذلوا من الجهد في تحقيق الأسانيد غاية ما في طاقة البشر. أقسام العلم والعلم بمعنى اليقين قسّمه علماؤنا إلى «علم ضروري»، وهو اليقين الذي يجيء من طريق الحسّ، و «علم نظري»، وهو ما يحتاج إلى دليل.

стр. 276

ثم إن عندنا «العلم» الذي يقابل «الفنّ»، ومن هنا قلنا «علم الكيمياء» و «علم النحو»، وقلنا «فنّ التصوير» و «فنّ الإنشاء». والعلم يمتاز من الفنّ بالغاية وبالوسيلة وبالأداة. فالعلم غايته الحقيقة والفنُّ غايته الجمال، والعلم وسيلته المحاكمة والفنّ وسيلته الشعور، والعلم أداته العقل والفنّ أداته العاطفة أو القلب كما يقولون. ومما يلاحَظ أن الأمم كلها قديمها وحديثها تخصّ القلبَ بالعاطفة والعقلَ بالفكر، ولعلّ منشأ ذلك أن الإنسان الأول كان يجد أنه إذا فكّر أصابه الصداع وإذا رأى الجمال أو هاج به الغرام أحسّ الخفقان، فظنّ أن هذا من ذاك وأن الفكرَ بالعقل والعاطفةَ بالقلب. على أنه إذا أُطلق القلب في القرآن أريدَ به مُطلَق اللبّ، لا هذا القلب المادي الذي يضخّ الدم، فكأن المُراد بالقلب في القرآن الفكر والشعور ولو خصّه بأنه الذي في الصدور، والله أعلم. ومن العلماء المحدَثين مَن يضيّق دائرة العلم حتى لا تتّسع إلاّ للعلوم التجريبية، وليس ذلك بمسلَّم لهم. وكان علماؤنا يفرّقون بين العلم والأدب، فالعلم تخصُّصٌ وتعمُّق في علم واحد، والأدب أخذٌ من كل شيء بطرف؛ فكان معنى كلمة «الأديب» قديماً كمعنى كلمة «المثقَّف فكرياً» الآن. وقد جعل الصوفية العلم عِلمَين: علم الظاهر وعلم الباطن، فجاؤوا فيما سمّوه بعلم الباطن بطامّات وبلايا يُنكِرها العقل ويردّها النقل. * * *

стр. 277

تصنيف العلوم أمّا تصنيفات العلوم فهي كثيرة متعددة بتعدّد الأسس التي يمكن بناؤها عليها، فمن العلماء مَن صنّفها تبعاً لحكمها في الشرع كالغزالي تارة، وتبعاً لغير ذلك تارات أخرى. ومنهم من صنّفها باعتبار أصلها كابن خلدون والحفيد (١)، ومنهم من صنّفها بحسب طبيعة موضوعها كطاشْكُبْري زاده، ومن صنّفها بغايتها كأرسطو، أو بالملَكة البشرية المتعلقة بها مثل بيكون ودروكايم، أو بموضوعها مثل مُلاّ كاتب جَلَبي (٢) وأوغست كونت. والتصنيف يختلف باختلاف الأزمنة، إذ قد تظهر علوم جديدة ويتبدّل محتوى بعض العلوم بازدياد موضوعاتها أو نقصها، أو اندماجها في علوم أخرى. وقد وجدتُ خلال مطالعاتي تصنيفات أخرى كثيرة اخترت منها كالمثال عليها بعض هذه التصنيفات. تصنيف الغزالي: صنّفها الغزالي باعتبار حكمها في الشرع إلى مُهمّة وغير مُهمّة. وقسّم المُهمّة إلى ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية، أي أنه فرض على المجموع لا على كل فرد منه فإذا قام به بعض سقط الإثم عن الباقين. وقسّم غير المُهمّة

стр. 278

إلى ما هو مُباح وما هو مذموم. وشرح اختلاف العلماء في العلم الذي هو فرض عين في حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وذهب فيه مذهباً وسطاً، وقال بأن العلم المفروض يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الأزمنة والأحوال، فمَن أسلم ضُحى من نهار وجب عليه أن يعرف ما يصحّ به إيمانه، فإذا كان الظهر وجب عليه معرفة الوضوء والصلاة، فإن أدركه رمضان وجب عليه معرفة أحكام الصيام، فإن امتلك النصاب وجب عليه معرفة أحكام الزكاة ... ومن أراد زيادة الوقوف على رأيه فليرجع إلى كتبه: «الإحياء» و «فاتحة العلوم» وكتاب «ميزان العمل». وقسّم العلوم باعتبار أصلها إلى شرعية وغير شرعية، فغير الشرعية منها ما هو عقليّ كالرياضيات، أو تجريبي كالطب، أو سماعي كاللغة. والشرعية تقسم عنده إلى أصول وفروع ومقدّمات ومتمّمات. تصنيف ابن خلدون: قسّمها إلى «طبيعية» يهتدي إليها الإنسان بفكره، و «نقلية» يأخذها عمّن وضعها. فالطبيعية هي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي عامّة لجميع البشر. ويلاحَظ أن الفلسفة على عهد ابن خلدون كانت تنتظم العلومَ كلها، أي أنها كانت لها كالأم الحاضنة للأولاد الصغار، فكلما كبر علم استقلّ عنها، وآخر علم استقلّ (أو كاد) هو علم النفس. وصارت الفلسفة في أيامنا قاصرة على مسائل المغيَّبات (الميتافيزيقا). وقال إن العلوم النقلية مستمَدّة من الخبر إلى الواضع الشرعي، وهي خاصّة بالمسلمين ولا مجال للعقل فيها إلاّ في إلحاق الفروع بالأصول، وأصلها الكتاب والسنة.

стр. 279

تصنيف ابن النديم: أمّا ابن النديم المتوفّى سنة ٣٨٥ صاحب «الفهرست» فليس له تصنيف كامل للعلوم، وإنما يُستنبَط من كتابه الذي جعله عشرة فصول (أو عشر مقالات كما سمّاها) وجعل كل طائفة من العلوم في مقالة منها، وتكلّم عن لغات الأمم وخصائصها، ثم عن كتب الشرائع المنزلة، ثم النحو واللغة، ثم التاريخ، ثم الشعر، ثم علم الكلام، ثم الفقه والحديث، ثم الفلسفة والعلوم القديمة، ثم الأسمار والخرافات والسحر والشعوذة، ثم المذاهب والاعتقادات (انظر مقدّمة الفهرست). تصنيف شمس الدين السنجاري المتوفى سنة ٧٤٩: قسّم العلوم إلى مقصودة في ذاتها ومقصودة لغيرها. فالأولى هي العلوم الحكمية، وهي عنده إما نظرية كالفلسفة والطبيعيات والهندسة، وإما عملية كالسياسة والأخلاق وتدبير المنزل. والثانية علوم الأدب، فهي عشرة: اللغة والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعَروض والقوافي والنحو والخط والقراءة. ثم العلوم الشرعية وهي ثمانية: القراءات ورواية الحديث ودرايته والتفسير وأصول الدين وأصول الفقه والجدل وعلم الخلاف. ثم العلوم العقلية وهي الطب والبيطرة والبيزرة (وهو طب البُزاة، وقد كتبت عنه في مجلة الرسالة من أكثر من خمسين سنة) (١) والفراسة وتعبير الرؤيا (والحقيقة أن تعبير الرؤيا ليس بعلم) والنجوم والسحر والطلّسْمات (وهذه كلها ليست من العلوم) والكيمياء والسيمياء والفلاحة والمرايا المحرقة والمساحة والمياه.

стр. 280

تصنيف طاشْكُبْري زاده: قال في كتابه العظيم «مفتاح السعادة» إن الأشياء لها وجود في أربع: في الكتابة، وفي الألفاظ، وفي الأذهان، وفي الأعيان (وأقول أنا إن هذا التقسيم مأخوذ من الغزالي في كتابه «المقصد الأسنى»). وصنّف طاشكبري زاده العلوم تبعاً لذلك، فجعل من القسم الأول الكتابة وعلم الخط والإملاء. ومن الثاني اللغة وعلم الوضع (أقول: وقد كان يُدرَّس على أيامنا ثم أهملَته المدارس) والاشتقاق والتصريف والنحو والمعاني والبيان والبديع والعَروض والقافية والإنشاء وقرض الشعر والشروط والسجلاّت والأحاجي (أي الفوازير) والأغلوطات والتاريخ والمغازي. ومن الثالث المنطق والجدل والمناظرة والخلاف (وهو ما نسمّيه اليوم «الفقه المقارن»). وقسّم الرابع إلى: «إلهيّ» ومنه علم النفس (وهو غير ما ندرسه باسم السيكُلوجي) وعلم المَعاد (أي الآخرة) ومقالات الفِرَق. و «رياضيّ»، كالعدد (أي الحساب) والهندسة والهيئة (أي علم الفلك) والموسيقى. و «طبيعي»، وهو الطب والبيطرة والبيزرة والنبات والحيوان والفِلاحة (أي الزراعة) والمعادن والفراسة وتعبير الرؤيا والنجوم والسحر (وهذه ليست علوماً) والكيمياء والكحالة (أي طب العيون) والصيدلة والجراحة. وقد جمعتُ تصنيفات أُخَر، ولكنني أجتزئ بالذي كتبته هنا. * * *

стр. 281

من نوادر المخطوطات كتاب في البَيْزَرَة نشرت سنة ١٩٣٥ [وصف وتحليل لنسخة فريدة من كتاب مفقود، في علم ضائع، لمؤلف مجهول.] البَيْزَرَة (أو البَزْدَرَة) علم يُبحَث فيه عن "أحوال الجوارح من حيث حفظ صحتها، وإزالة مرضها، ومعرفة العلامات الدالّة على قوّتها في الصيد وضعفها فيه"؛ هذا ما قاله في «كشف الظنون». والكلمة معرَّبة، وهي من قولهم «بَيْزار»، معرَّب «بازْدار» أو «بازيار»، أي حافظ البازي وصاحبه، والجمع «بيازِرة» كما في التاج واللسان. قال الكُمَيْت: كأنّ سوابقَها في الغُبارِ ... صقورٌ تُعارِض بَيْزارَها وقد سمّوه علم البزدَرَة (أو البَيْزَرة) إضافة له إلى أشرف أنواعه وأخفّها، وهي البُزاة. ولخّصه داود الأنطاكي في كتابه «التذكرة» في مقدمة وثلاثة مباحث: فالمقدمة في كيفية اهتداء الناس إلى اتخاذ الطيور، وأول متّخِذ لها، وما هو المعتبَر منها. والمبحث الأول في كيفية الاستدلال على الجيد منها باللون

стр. 282

والصفة وفي ذكر طرق التعليم. والمبحث الثاني في أوقات الإرسال وكيفية الصيد واختلاف حال الطيور. والمبحث الثالث في علامات الصحة والمرض وطبّ الجوارح. وقد كان هذا العلم مزدهراً معروفاً أيام عز العرب وازدهار مدنيّتهم، ثم ضاع فيما ضاع من تراث الأجداد، وفُقدت كتبه كلها ونسيه الناس، فلم يكد يذكره أحد ممن ألّف في تاريخ الثقافة الإسلامية، ولم يبقَ بين أيدينا من المراجع في هذا العلم إلا هذا الفصل الذي كتبه الشيخ داود الأنطاكي في كتابه «تذكرة أولي الألباب» (١) وكلمة في «كشف الظنون» لحاجي خليفة لا تعدو الثلاثة الأسطر. على أن للمتقدمين كتباً كثيرة في هذا العلم، عدّ ابن النديم في «الفهرست» عدداً منها، ككتاب «الجوارح» لمحمد بن عمر البازيار، وكتاب «البزاة واللعب بها» لأبي دُلَف العِجْلي، وسمّاه ابن خلّكان «كتاب البُزاة والصيد». ومن الكتب المؤلَّفة في هذا العلم كتاب «القانون الواضح»، ذكره في كشف الظنون ووصفه بأنه كافٍ في هذا العلم ولم يُسَمِّ مؤلفه. وذكر الشاعر الكبير الأستاذ الشيخ رضا الشَّبيبي، وزير المعارف العراقية اليوم، في مجلة «المقتبس» أن في الخزانة التيمورية كتاباً اسمه «القانون في البيزرة»، ولعله هو. وفي الأدب العربي أدب للصيد قائم برأسه يُسمّى

стр. 283

«الطَّرْدِيّات»، نبغ فيه جماعة منهم أبو نُوَاس، وأبو فراس، وكُشاجِم، والحِلّي، وغيرهم. * * * أما الكتاب الذي أصفه اليوم فقد وقع عليه صديقنا العالم الشيخ حمدي السَّفَرْجَلاني في خزانة قديمة في دمشق فعرف قدره فاشتراه، ثم كانت له قصة انتهت بأن بيع الكتاب إلى أحد المولعين بالكتب القديمة من الإفرنج، وبقيت منه النسخة الفوتوغرافية التي أصفها عند الأستاذ السفرجلاني. وكتابنا، وإن لم يُعرَف مؤلفه، من أقدم الكتب المصنَّفة في هذا العلم وأجلّها؛ فقد وُضع للعزيز بالله العُبَيدي الفاطمي، صاحب مصر والشام المتوفَّى سنة ٣٨٦هـ. وكان مُغرَىً بالصيد، يصيد بالحبل والجارح من الطير ويصيد بالسباع. وكان مؤلف الكتاب -كما يتحدث عن نفسه- من بَيازرة العزيز والمقرَّبين إليه، وكان غالياً في التشيع، لا يذكر العزيز مرة إلا صلى عليه وسلم! فمن قوله: "وقد كان مؤلف هذا الكتاب في جملة البيازرة متقدماً عليهم، لا في جملة واحد منهم لا يحسن شيئاً من البيزرة. ثم أفرده أمير المؤمنين -صلى الله عليه- عنهم وله من العمر إحدى عشرة سنة، ثم خرج في صناعته إلى ما قد شاهده الناس وعرفوه، ورقّى أمير المؤمنين -صلى الله عليه- منزلته إلى أن صار إقطاعه عشرين ألف دينار، وبلغ المنزلة التي لو رآها في النوم لما صدّقها، فلا يَخْفَ عن الناس ما كان فيه وما صار إليه". وفي آخر الكتاب: "تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين

стр. 284

كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على نبيه محمد خاتم النبيين، وعلى الأئمة من عترته الطاهرين الأخيار وسلم تسليماً". والكتاب كله من النمط العالي في إنشائه وأسلوبه، وهو مشحون بالفوائد والأخبار الأدبية والأشعار المستملَحة والقصص اللطيفة، ويقع في ثلاثمئة صفحة مكتوبة بخط قريب من النسخي، قليلة أخطاؤه، مَشكول شكلاً لا يُعتمَد عليه دائماً، فيه إشارات خاصة كانت توضع على الحروف المُهمَلة (١) ثم أُهملت (٢). وليس في أول الكتاب أو آخره ما يدلّ على تاريخ كتابته، ولكني عثرت في وسطه على جملة مكتوبة بخط الناسخ هذا نصها: "وكتب هذا الكتاب تاريخ سنة خمسمئة في شهر شوال"؛ وإذن فيكون عمر النسخة التي نصفها أكثر من ثمانية قرون. * * * وسنعرض على القراء خلاصة أبواب الكتاب ونماذج منه صالحة. بدأ «المقدمة» بقوله: "الحمد لله الذي له في كل لطيف

стр. 285

من خَلقه مُعجز يُتفكَّر فيه، وخفيّ من صنعه يُتنبَّه به عليه، ونِعَم تقتضي مواصلةَ حمده، ومِنَن تحثّ على متابعة شكره، والذي ميّز كلَّ نوع من حيوانٍ خلقه على حِدَته، وأبانه بشكله وصورته، وجعل له من الآلة ما يلائم طبعه، ويسّره للأمر الذي خُلق له ويؤدّيه إلى مصلحته وقوام جسمه. وجعلنا من أشرف ذلك كله نوعاً وأتمّه معرفة، وجمع فينا بالقوة ما فرّقه في تلك الأصناف بالآلة، فليس منها شيء مخصوص بحال له فيها مصلحة إلا ونحن قادرون على مثلها، فإنّا بفضل حيلة العقل نستعمل مثل ذلك إذا احتجنا إليه ونفارقه إذا استغنينا عنه؛ كذوات الحد والشوكة من صدف أو مخلب، فإن لنا مكان ذلك ما نستعمله من السيوف والرماح وسائر الأسلحة؛ وكذوات الحافر والظلف، فإن لنا أمثال ذلك مما ننتعله ونتقي أذى الأرض به ... وجعل لنا خدماً وأعواناً، وزينة وجمالاً، وأكلاً وأقواتاً؛ فبعضٌ نمتطيه، وبعضٌ نقتنيه، وبعضٌ نَغْتذيه. وأحلّ لنا صيد البر والبحر والهواء؛ نقتنص الوحش من كِناسها، ونستنزل الطير من الهواء، ونستخرج الحوت من الماء. لم يَكِلْنا في ذلك إلى مبلغ حيلتنا حتى عَضَدَنا عليه وسهّل السبيل إليه، بأن خلق لنا من تلك الأنواع أشخاصاً أغراها بغيرها من سائر أجناسها، ووصَلها من آلة الخلْقَة وسلاح البُنْيَة، وقبول التأديب والتَّضْرِية والانطباع على الأكفّ والاستجابة، فدلنا على موضع الصنع فيها وموقع الانتفاع بها، كالفهد والكلب وسائر الضواري، والبازي والشاهين وسائر الجوارح، كل ما يحويه من ذلك لنا كاسب وعلينا كادح وبمصلحتنا عائد ... ". ثم يقول: "إن للصيد فوائد جمة، وملاذَّ ممتعة، ومحاسن
следующие страницы →