← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17360

فصول في الثقافة والأدب

علي الطنطاوي

Полный текст (307 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فقال له: كيف آخذك إلى الحج والوقفة غداً؟ قال: إنك من أهل الكرامات، وقد خبّروني أنك تستطيع أن توصلني إلى مكة. فقال له: يا أخي، إن الذي خبّرك قد سخر منك. أنا لا أستطيع أن أوصل نفسي الآن إلى مكة، فضلاً عن أوصلك. فقال: بل تستطيع، أنت من أهل الكرامات، قد خبّروني بذلك. ولازمه لا يفارقه، فقال له: هل تكتم كل ما أصنعه معك ولا تخبر به أحداً؟ قال: نعم. قال: وتقسم على ذلك؟ فأقسم له، وزاد على القسم طلاق امرأته ثلاثاً إذا خبّر أحداً. قال له: امشِ معي. فأخذه إلى مسجد التكية السليمانية في الشام، وفيها بركة ماء مربَّعة طول كل ضلع من أضلاعها عشرة أذرع، ولكن عمقها قليل. وكان المسجد خالياً في تلك الساعة من النهار، فقال له: قف على حافة البركة، فوقف. قال: أغمض عينيك. فأغمض عينيه، فدفعه الشيخ إلى البركة وهرب! فصاح وتخبط، فاجتمع نفر من المارة سمعوه فأخرجوه والماء يقطر منه. قالوا: كيف سقطت؟ من رماك؟ قال: لا أستطيع أن أقول! * * * عندي من أمثال هذه الأخبار الكثير، ولكن الوقت انتهى، ولعلي أعود إلى مثلها في وقت آخر. والسلام عليكم ورحمة الله. * * *

стр. 72

وقفة على الفسطاط نشرت سنة ١٩٤٧ قرأت في مذكرات صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي التي طُبعت في مصر هذه السنة أنه كان يتولى رياسة لجنة حفظ الآثار العربية، فقررت اللجنة سنة ١٣٢٩هـ "إصلاح جامع عمرو وتجديده، اهتماماً به من جهة أنه أول مسجد أسس في الإسلام بمصر، وأنه مَشرق أنوار العلوم الإسلامية بمصر منذ القدم، ولئلا نعاب بقلة الاكتراث بمفاخرنا التاريخية". واهتم بذلك الأجانب، وكتب إليه أساتذة كبار محبّذين ومشجّعين، وكاد يتم الأمر لولا أن أكثر الأعضاء المسلمين في اللجنة غابوا عن الجلسة التي عُيِّنت لإتمام المشروع، فصارت الأغلبية للأجانب. قال الأمير: "فلما بدأت في تبادل الآراء مع الأعضاء في مسألة إصلاح الجامع قام هرتس باشا، مهندس الأوقاف إذ ذاك، وسألني: ماذا تعملون في حيطان سور الجامع؟ فقلت: حيث إن السور متهدم متخرب، وإنه جُدِّد مراراً ولم يبقَ له منظر جذاب، نريد أن نعمل سوراً جيداً فخماً يتناسب واسم الجامع. فأظهر أسفه

стр. 73

لهذا العمل وقال: إننا إذن سنكسر ما فيه من طوب أحمر أثري، وإن هذا خسارة لا تعوض لأنها آثار قديمة ستتلف بهذا العمل. وبعد ذلك سأل السيد ديمول، الممثل الألماني لصندوق الدَّيْن قائلاً: ماذا تعملون في البواكي؟ ثم سأل المستشرق السويسري بورك هارت: ماذا تعملون في عمدان الجامع؟ وبعد ذلك قام السيد فارنال، الممثل الإنكليزي لصندوق الدين، وسأل: ماذا تعلمون في البوابة الكبيرة؟ ". وذكر الأمير جوابه لكل منهم، وهو جواب مقنع، ولكن القوم لم يقتنعوا. قال: "ثم زاد امتعاضي وقلت لجميع الجالسين: أما يَندى جبينكم خجلاً من هذا الوضع أيها الجماعة؟ إن الدين الإسلامي لا يسمح لغير المسلم أن يتدخل في أمور مساجد الله، والحكومة المصرية سمحت وتساهلت إلى حد أن تتدخلوا في شؤون نحو مئتين وخمسين مسجداً في مصر دون حق شرعي، والمسلمون لمّا أرادوا تعظيم شأن جامع مَن أدخل الدين الإسلامي في بلادنا تُحجمون وتوقفون عملنا؟ وعلى هذا فإني متنازل عن رياسة هذه اللجنة". وتنازل الأمير، ووقف العمل. * * * قرأت هذا فأحببت أن أزور الجامع، ولم أكن زرته، وهو قريب من «الرَّوضة» حيث أقيم. فسألت فوجدت أنه لا يصل إليه ترام ولا سيارة، مع أن كل مكان في مصر -إلاّ هو- تمشي إليه سيارة أو ترام! فذهبت أخوض في التراب في طرق مهملة ومسالك

стр. 74

معطلة، حتى وصلت إلى الجامع، وهو قائم كالشيخ المريض المُدنِف وسط العِشَش والفواخير والجيّارات والجبّانات! قلت: أهذا هو جامع عمرو؟ قالوا: نعم. قلت: وهذه هي الفسطاط؟ قالوا: نعم. الفسطاط، أول بلدة للمسلمين في مصر، يهملها المسلمون حتى تعود مقابر للنصارى؟ الفسطاط، منزل الفاتحين الذين نشروا في مصر حضارة الإسلام، يُمحى منها كل مظهر للحضارة فلا يكون فيها إلا الفواخير والجيّارات، وتذهب منها معالم الحياة فلا تكون إلا داراً للموتى! هل يدري هؤلاء الذين يروحون ويغدون على هذه البقعة المتروكة، وهل يدري أولئك الذين لم يزوروها ولم يروها، أنه من هنا سطع النور الذي أضاء مصر بضوء الإسلام، ومن هنا انبجس المَعين الذي روّى العِطاش من أبناء مصر وإفريقيا، ومن هنا مشت الراية الإسلامية حتى رفرفت على نصف دنيا الماضي من البحر الأحمر إلى ما وراء البيرنيه، ومن هنا خرج الصوت الذي ألغى نظام الطبقات وساوى بين الناس في مصر وأعطاهم الحرية في دينهم ودنياهم، وأنها هنا وُلدت مصر زعيمة العروبة ومثابة الإسلام؟ فمن الذي كاد لهذه البقعة الطاهرة حتى صارت أوحش

стр. 75

بقعة في مصر وأحطَّها وأبعدها عن الحضارة والنظافة والبهاء؟ ما الذي صرف الناس عنها، فلا يؤمّها مصري ليذكر مشرق شمس الهداية منها على بلاده، ولا يستطيع أن يصل إليها سائح ليرى فيها آثار أمجد ذكرى في تاريخ مصر؟ أيتخرب المسجد ويُهمَل الحصن، ولا تشفع لهما روعة البطولة ولا خشعة الإيمان ولا عظمة العلم؟ أما والله الذي لا إله إلا هو، لو كانت هذه المآثر لغيرنا، لأمة تحس وتشعر وتقدّر أمجادها، لجعلت بِقاعها كلها كَعبات يُحَجّ إليها ومنابر تتلو على الناس سُوَر البطولة فيصغي إليها الناس، ولخلّدَت كل مكان مرّ منه عمرو وكل طريق سلكه وكل قلعة افتتحها، من العَريش إلى الفرما إلى أم دُنَين (قرب حديقة الأزبكية)، إلى ساحة المعركة في عين شمس، إلى ميدان الوقعة الكبرى التي كان فيها النصر عند حصن بابليون (قصر الشمع) عند جامع عمرو. ولَعَبّدت هذا الطريق، طريق الفتح، وظلّلَته بأشجار الغار وكنَّفَته بالورد والفلّ، ولجعلت في كل قرية وكل بلدة مدرسة باسم عمرو، تعرّف الناس بعمرو وبالدين الذي جاء به عمرو. * * * إن فتوح المسلمين أعجوبة التاريخ ومعجزة الدهر، ولكن ليس فيها ما هو أعجب من فتح مصر، فقد حيّر من الوجهة الحربية العسكريين وأدهش بنتائجه المؤرخين. لقد كان جيش عمرو يوم صدم مصر أربعة آلاف. وما

стр. 76

أربعة آلاف في جنب مصر وملك مصر؟ ولو أطبق عليهم أهلها بأجسادهم لطحنوهم، ولو ضاربوهم بالحجارة لقتلوهم، ولو حصروهم من بعيد لأهلكوهم. ولكن أربعة آلاف فتحت مصر، فتحتها بعبقرية قائدها، فتحتها بخلائقها وبإيمانها. ومَن كان معه الإيمان لا يقف له شيء. ولقد فتح مصرَ من قبله فاتحون، العرب (الهكسوس) أبناء الجزيرة، والفرس، واليونان، والروم، فكان في مصر غالبون ومغلوبون، غرباء حاكمون ومصريون محكومون، ولبث الفتح ما لبثت القوة، فلما زالت زال وعادت البلاد لأهلها. فلما فتحها عمرو صارت لقومه إلى آخر الدهر. ولقد دأب الروم -وهم آخر من حكمها- عاملين بالترغيب والترهيب، يستخدمون العطايا والمنايا لحمل المصريين على مذهب في النصرانية غير مذهبهم، فما استطاعوا، وهم جميعاً أهل دين واحد، واستطاع عمرو أن يُدخلهم بطوعهم ورضاهم في الإسلام، فيكونوا هم أهله وتكون بلدهم بلده. وهذه هي طريقة الفاتحين المسلمين، لم ينقلوا الإسلام إلى البلاد التي فتحوها ولكن نقلوا أهلها إلى الإسلام (١): أراهم فضله وأذاقهم عدله، أعطاهم الحرية في عباداتهم، وأعاد لهم بطريركهم بنيامين الذي طرده الروم، ورفع المظالم عنهم، ومنع بعضهم أن يستعبد بعضاً، وحفر لهم الخليج في سنة واحدة،

стр. 77

من النيل إلى البحر الأحمر، استعملهم فيه بالأجرة لا بالسخرة، وجعله لهم لا لغيرهم، فكان للخير والبركات، لا كقناة السويس التي هي في أرضنا وليست لنا! فكانت هذه الأعمال خطباً ومحاضرات في الدعوة إلى الإسلام، ما سمعها المصريون حتى انقلبوا جميعاً مسلمين، وكذلك تكون الدعوة: بالأعمال لا بالأقوال. * * * لقد رأيت مرة رواية مسرحية في جمعية إسلامية مثّل فيها الممثلُ عَمْراً رجلاً قميئاً ثعلبياً محتالاً، يتدسّس في القوم ويستَرِق الأخبار ويوقع الشر ويتعمد الكذب، فعلمت أن هؤلاء الذين هداهم الله بعمرو لا يعرفون من هو عمرو! لقد كان عمرو شريفاً في الجاهلية والإسلام، وكان صادقاً صريحاً، وكان شاعراً فصيحاً، وكان أبيّاً عَزوفاً لا يرضى بالدَّنِيّة من عُمَر (وهو مَنْ هو) ويردّ عليه الكلمة بمثلها حين راسله في أمر خراج مصر. وكان فقيهاً في دينه، أسلم طائعاً مختاراً، فتوافقت على ورود شِرعة الإسلام يومئذ عبقريتا عظيمَين من عظماء الناس كلهم لا العرب وحدهم وماردين من مَرَدة القيادة والحروب، سيد القواد خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. هداه إلى الإسلام نطق سديد، لم يدخله فيه طمع ولا طبَع، ولم تدفعه إليه رغبة ولا رهبة، وكان صادقاً في إسلامه قوياً في إيمانه، حتى ولاّه الرسول ﷺ حَطْم رب من أرباب الباطل، اختاره لهدم سُواع، وأقره على إمارة سرية فيها سادة الإسلام ومشايخه: أبو بكر وعمر

стр. 78

وأبو عبيدة، وجعله رسولَه إلى ملك عُمان وأمينَه على الصدقات فيها، وشهد له أنه «من صالحي قريش»، وقال فيه: «نِعْمَ أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله». ونظر إليه عمر فقال: «ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميراً»، وقال قَبِيصَة ابن جابر: «صحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلاً أَبْيَنَ قرآناً ولا أكرم خلقاً ولا أشبه سريرةً بعلانية منه». وكان عمر إذا رأى رجلاً عَيِيّاً يتلجلج في كلامه يقول: «أشهد أن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد» (١). وكان مشهده يوم بلغه انتقال الرسول ﷺ إلى الملأ الأعلى مشهداً يلين القلوب الجامدة، وما يُفجَع ولد بأبيه أو محب بحبيبه فتكون لوعته عليه وحسرته لفقده أشدَّ من حسرة عمرو ولوعته. وكان يومَ الردة سيفاً من سيوف الله التي رجعت الإسلامَ إلى موطنه بعدما كادت تشرّده عنه الخطوب، وأعز الله به الدين وقمع الثائرين. ثم رمى به الصدّيقُ الرومَ، وقدّمه على «مَن هم أقدم منه سابقة وحرمة» (٢) وجعله أحد القوّاد الأربعة، فتجلّت عبقريته حتى رجع الثلاثة إلى رأيه، وبلغ الرأيُ أبا بكر فأقرّ ما رأى. وكان في اليرموك ثاني الأبطال بعد نابغة المعارك خالد، وكان بطل أَجْنادين، فضرب الله به أرطبون الروم بأرطبون العرب، فكان أرجح منه في الميزان وكانت عبقريته أبقى على وجه الزمان، حتى قال عُمَر: غلبه عمرو، لله عمرو!

стр. 79

أما النبل في سلائقه والسمو في خلائقه، وقوة جنانه وفصاحة لسانه، فاسألوا عنها كتب الرجال، فما يتسع لها المقال. هذا هو عمرو وما عرفتموه؟ قرأتم ما كَذَبه عليه المؤرّخون يوم التحكيم ولم تقرؤوا الحقيقة التي رواها المحدّثون وهم أوثق نقلاً وأصدق قولاً -كما في «العواصم من القواصم» للقاضي أبي بكر بن العربي (١) - وسمعتم أنه من دُهاة العرب فحسبتم الدهاء

стр. 80

لا يكون إلا بالكذب والاحتيال والدس والوقيعة. لا يا سادة، إن من تخرّج في مدرسة محمد ﷺ وكان رسولَ رسولِ الله لا يكون دسّاساً ولا كذاباً. إن المؤمن لا يكذب، هكذا قال الرجل الذي قال: «ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام» (١)، محمد ﷺ . هذا هو عمرو؛ فأي فاتح صنع مثل ما صنع عمرو؟ أي قائد كان أعظم بركة في ظَفَره من عمرو؟ أي مصلح كان أبقى أثراً في إصلاحه من عمرو؟ إنه ما شهد في مصر مسلم أنه لا إله إلا الله، ولا قام متبتّل في صلاة، ولا قعد واعظ في مصلاّه، ولا قاض إلى منصته، ولا مدرّس إلى أسطوانته، ولا عمل مصري من خير، إلا وعمرو شريكه في ثواب عبادته؛ لأنه السبب في هدايته، ومَن سَنّ سُنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. عمرو بنى جامع ابن طولون، وشاد الأزهر، وعمّر هذه المدارس وأقام هذه المساجد، وأنشأ كل مظهر للإسلام في مصر ما كان لولا عمرو. عمرو هو الذي ردّ برابرة الشرق في عين جالوت، وبرابرة الشمال في المنصورة، وكان له فضل كل نصر كتبه الله للإسلام في مصر.

стр. 81

هذا هو عمرو، فهل تلبي مصرُ -في إصلاح جامعه- دعوةَ الأمير؟ وهل تُرجع للفسطاط عهودَها الخاليات؟ * * *

стр. 82

الإمام الأوزاعي نشرت سنة ١٩٣٥ أشكر للكاتب الفاضل صاحب ترجمة الإمام الأوزاعي المنشورة في «الرسالة» عنايته بدراسة تاريخنا الجليل واستخراج جواهره التي شغلَتنا عنها أصدافُ غيرنا، وأرجو أن يقبل هذه الملاحظات قَبولاً حسناً، وأن يعلم أن الذي حفزني إلى نشرها إنما هو حرمة الحق وأمانة التاريخ: ١ - يقول الكاتب في تحقيق نسبة الأوزاعي: وقد اختُلف في معنى هذه الكلمة، فمن قائل إنها بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل بطن من همذان (بالذال)، وقيل إن الأوزاع قرية بدمشق خارج باب الفراديس. والصحيح أنه ليس بين هذه الأقوال اختلاف؛ فالأوزاع اسم قبيلة من اليمن، سكنت هذا الموضع فسُمِّي بها كما ذكر ياقوت. ونَسَبهم في حِمْيَر ولكن عِدادهم في هَمْدان كما قال في «التاج». وهَمْدان -كما في «اللسان» (١) - قبيلة في اليمن.

стр. 83

أما هَمَذان التي ذكرها الكاتب فمدينة مشهورة في أرض العجم، وعجيب أن يُنسَب إليها الأوزاعي، وأعجب منه أنه نقل هذه الرواية عن ابن خَلِّكان، وهي في ابن خلكان في الصفحة التي نقل منها الرواية «همدان» بالدال لا «همذان» بالذال! وقد وجدت في كتاب لا يحضرني اسمه أن الأوزاعي من العُقَيبة، قال إنها قرية بظاهر دمشق. والعُقَيبة اليوم حيّ كبير من أحياء دمشق بالقرب من السور خارج باب العمارة، وهذا الباب هو باب الفراديس بعينه، وهو لا يزال موجوداً، ولا يزال داخله طريق مُوازٍ للسور يسمى طريق بين السورين (١)، فعلى هذا تكون العُقَيبة هي قرية الأوزاع. ٢ - وقال الكاتب إن الأوزاعي «لم يكن يستعمل الرأي، بل إنه -كما فعل غيره- عدل إلى الكتاب والسنة». والذي يُفهَم من هذه الجملة أن من يقول بالرأي يعدل عن الكتاب والسنة، وهذا خطأ فاحش، لأن أصحاب الرأي (أو القياس) لا يُعملون رأيهم ولا يُجْرون قياسهم إلا في المسائل

стр. 84

التي لم يَرِد فيها نص من كتاب ولا سنة، فهم يُرجعونها إلى هذين الأصلين ويطبقونها عليهما. وليس لمسلم أن يقول في الدين برأيه ويتكلم فيه بهواه. والحنفية هم الذين يُسمَّون بأصحاب الرأي، وجميع الحنفية -كما يقول ابن حزم- مُجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أَوْلى من الرأي والقياس، وقد قدّم أبو حنيفة ﵀ العملَ بالأحاديث المرسَلة على العمل بالرأي في مسائل عدة. ولعل الكاتب لم يقصد هذا الذي قد يُفهَم من كلامه. ٣ - وقال الكاتب: «ذهب بعض المؤرخين -أمثال كولدزهر- إلى أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني، وأنا أقول: إن كان هذا صحيحاً فأحر بالأوزاعي أن يكون آخر المتأثرين به لأنه من أبعد الفقهاء عن الرأي». فلم يهتم الكاتب بدحض هذه الفِرية التي افتراها كولدزهر وأمثاله من المؤرخين، ولم يبين أنها في رأي العلم خرافة من الخرافات، وأن المحققين قد تكلموا فيها وبينوا خطأها، بل كان جلّ همّه أن يبرّئ الأوزاعي منها، ولو يسلّم ضمناً بأن الفقهاء قد تأثروا بالفقه الروماني. على حين أنه لا يمكن أن يقوم دليل علمي واحد على أن الفقه الإسلامي مأخوذ من الفقه الروماني، إلا إذا كان القرآن مترجَماً عن لغة الرومان وكان سيدنا محمد ﷺ رومانياً خرج من أبوين عربيين! والذي نقوله إنه إذا كانت هناك علاقة بين

стр. 85

الفقهين فإن الفقه الروماني المعروف اليوم هو المقتبَس عن الفقه الإسلامي، ودليلنا على هذا أن الفقه الروماني الحاضر جديد، لفَّقَه طائفة من العلماء بعد أن اندثر الفقه الروماني القديم، وهذا الدليل -على علاّته- أقوى من دليلهم على دعواهم، فليُثبتوا إن استطاعوا أن الفقه الروماني الحاضر هو القديم ذاته، وليأتونا بالأسانيد الصحيحة والروايات المضبوطة كما نأتيهم نحن بأسانيد حديثنا وروايات سنّتنا! هذا وإن في ترجمة الأوزاعي كتاباً قائماً برأسه نشره من عهد قريب كاتب الإسلام الأمير شكيب أرسلان، فلينظره الكاتب الفاضل. * * *

стр. 86

العجيبة الثامنة نشرت سنة ١٩٨٧ عجائب العالم القديم سبع: أهرام مصر، وحدائق بابل، وبقية السبع التي تعرفونها. وهي عجائب حقاً، ولكنها هياكل شيدت من حجارة قُطعت من صخور الجبل أو آجُرّ جُبِلَ من تراب الأرض ونضج على جَمْر الأفران، وهذه العجيبة الثامنة أثر من عمل الأذهان. تلك تحف من عمل السواعد القوية والأيدي الصَّنَاع، وهذه من عمل الفكر الخالص والقرائح العبقرية ... إنها كتب لو جُمعت لبُني منها هرم صغير أو لشيد برج هائل. فهل يقاس أثر لا روح فيه (وإن لم يَخْلُ من عبقرية تَروع ناظريها ويُكبرها المتأمل فيها) بآثار حية تبعث الأرواح في الأجساد، وتثير السواكن من الأفكار، وتحرك القرائح فتدفعها إلى الابتكار؟ هل عرفتم «القاموس المحيط»؟ إن فيه ستين ألف مادة، فهل فيكم من قرأه كله؟ من يستطيع أن ينسخه بخطه نسخاً؟ فكيف بمن ألّفه تأليفاً؟ و «لسان العرب»، وهو أكبر منه وأوسع، فيه ثمانون ألف مادة. من قرأه منكم؟ ومن يستطيع أن يكتبه؟ وتاج العروس

стр. 87

شرح القاموس؟ و «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، العربي الأموي الذي كان -على أمويّته- يتشيع؟ ونهاية الأرب، وصبح الأعشى، وتفسير الطبري، وفتح الباري، والمبسوط، وشرح المواقف للسيد الجرجاني، والزّرقاني على المواهب، ومعجم البلدان ... وأمثال هذه الكتب التي تُعَدّ بالعشرات، بل بالمئات؟ إنها تمضي الأعمار دون قراءتها قراءة، فضلاً عن كتابتها كتابة. فتصوّروا كيف ألفها مؤلفوها وكتبوها بأيديهم، وتناقلها الناس ونسخوا منها نسخاً؟ حتى كان في مكتبة العزيز بن المعز، وهو من ملوك الدولة العُبَيدية التي تدعى بالفاطمية، بضع وثلاثون نسخة من كتاب «العين». وهو أول المُعجمات بالعربية، بل لعلي لا أكون مبالغاً إن قلت إنه أول المعجمات في الألسن كلها، ابتكره رجل كان من أذكى البشر جميعاً، هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي وضع علماً جاء به كاملاً، هو علم العَروض. استنبطه من أصوات القَصّارين وهم يَخْبِطون بالمخابط على الثياب فتختلف أصواتها، فميّز منها «السّبَب» (طق) من «الوَتَد» (ططق)، وطبّق ذلك على شعر العرب ووضع هذه الأوزان (١). وكان في هذه المكتبة عشرون نسخة من تاريخ الطبري، منها (كما يقول المقريزي في خططه) نسخة بخط الطبري نفسه، وفيها مئة نسخة من «الجمهرة» لابن دُرَيد. وكل ذلك في عهد لم تكن عُرفت فيه المطابع ولا الطابعات. (٢)

стр. 88

المكتبة الإسلامية هي عجيبة العجائب، ذهب جُلّها ولم يبقَ منها إلا قُلّها (١). وهذا الذي بقي هو الأقل الأقل، وهو -على ذلك- شيء عظيم؛ ففي مكتبات إسطنبول -كما نقلوا- أكثر من مئتَي ألف مخطوطة جلبها العثمانيون من العواصم العربية والإسلامية، وفي شمالي إفريقيا مئتا ألف مخطوط في مكتبات القَيروان وفاس وحواضر الشمال الإفريقي المسلم، وفي مصر ثمانون ألف مخطوط، وفي موريتانيا واليمن وغيرهما. ولا نزال -مع ذلك- نجد بالمصادفة نوادر أخرى لم نكن نعرف لها وجوداً، آتيكم عليها بأمثلة. فهذا كتاب «الفصول والغايات» الذي قالوا إن المَعرّي عارض به القرآن، واستمرت التهمة أكثر من تسعة قرون والمتهَم بريء، والكتاب مفقود وفَقده يؤكد التهمة ويقوّيها، حتى وجده خالي محب الدين الخطيب في مكة في موسم الحج أيام الشريف حسين، لمّا كان محرر «القبلة» التي حلّت محلها الجريدة الرسمية «أم القرى»؛ رآه بيد أحد الباعة فاشتراه بثمن بخس وأهداه إلى مكتبة صديقه أحمد تيمور باشا (التي ضُمَّت بعدُ إلى دار الكتب)، ثم طبعه الأستاذ الزناتي، وهو ثالث الإخوان الثلاثة: الزيات، وطه حسين، والزناتي. وكان صديقنا الأستاذ عز الدين التَّنوخي يفتش عن رسالة لأبي الطيب اللغوي في خزانة شيخنا مفتي الشام، الطبيب الشيخ أبي اليسر عابدين، فوجد بالمصادفة كتابه «الإبدال» (الذي كان

стр. 89

يُعتقَد بأنه مفقود) ضمن مجموعة من المخطوطات. وكنت قبل قدومي إلى المملكة من نحو خمس وعشرين سنة أزور مكتبة محدّث الشام، الشيخ بدر الدين الحسني ﵀ ورحم كل من ذكرت ومن سأذكر في هذا الفصل مَن مات منهم، ومن بقي فله مني التحيات) فوجدت كتاباً عظيماً هو ركيزة من ركائز علم اللغة، كان المعتقَد أنه فُقد فيما فُقد من كنوز مكتبنا الإسلامية، وهو «مُعجم الأصلين»، أي الكتاب والسنة، للإمام الهَرَوي، أحد أئمة اللغة في القرن الرابع. وقد ذكره ابن الأثير في مقدمة «النهاية» وعدّه خير ما أُلِّف في هذا الموضوع. وجدت منه نسخة صحيحة مشكولاً أكثرها مكتوبة من ثمانمئة سنة عليها خطوط بعض الأعلام، وقد سألت صديقنا الدكتور صلاح الدين المنجّد، وكان -يومئذ- مدير معهد المخطوطات، فعلمت أنه ليس في الدنيا من هذا الكتاب إلا نسخة ناقصة في جامعة بوسطن في أميركا، ونسخة أخرى ناقصة أيضاً في إسطنبول. وهذا الكتاب إذا طُبع كان أصلاً من الأصول وصُحِّح عليه القاموس ولسان العرب. وقد كتبت إلى كل جامعة أو مجمع آمُل أن يعتني به وأن يطبعه، فما وجدت عند أحد اهتماماً ولا تلقيت منه جواباً! وبيعت مرة تَرِكة عالم في دمشق بالمزاد، وكانت عنده كتب كثيرة، فجرّد أولاده (وهم جَهَلة) الكتب المطبوعة المجلدة فاحتفظوا بها ثم أشعلوا النار بالباقي. وبينما كانت النار تأكل هذا الكنز الذي لا يُقدَّر بثمن رأوا بينها كتاباً فيه صور ملوّنة أعجبتهم، فسلّوه من وسط اللهب وقد احترق طرفه، وعرضوه

стр. 90

على الوَرّاقين، فإذا هو نسخة من «عجائب المخلوقات» للقَزْويني مكتوبة من أكثر من أربعمئة سنة، ميّزتها أن فيها صوراً ملوَّنة مذهَّبة كأنما صُوِّرت الآن، لها قيمة فنية لا تقدَّر، فباعوه بمئة ليرة (يوم كانت للّيرة منزلتها)، وباعه الذي اشتراه للمتحف البريطاني بألف ومئتَي ليرة، وأحسب هذه النسخة قد استقرت هناك. * * * هذه المكتبة التي أصابتها المصائب وحاقت بها النكبات، العامة الشاملة والخاصة المفردة؛ كنكبتها بالمغول لمّا انحدر علينا سَيْلُهم المدمّر من أقصى الشرق، فجرف في طريقه مظاهر العمران وثمار الفكر حتى وصل إلى هذه المكتبة، فألقوا -من جهلهم- كتبها في دجلة يمرّون عليها يتخذونها جسراً! حتى نقلوا أن ماء دجلة حِيال الضفتين قد اسودّ مسافات مما ذاب فيه من المداد والحبر، بل من حصاد الأدمغة ونتاج العقول. ولما دخل الإسبان الأندلس أحرقوا مكتباتها، حتى صار ليلها نهاراً مما صعد منها من اللهب. وحسبكم أن تعلموا أن واحدة من مكتبات قرطبة كانت فهارسُ دواوين الشعر فيها -كما يقول ابن خلدون- أربعة وأربعين دفتراً كبيراً. فهارس دواوين الشعر فقط! أحرقها الإسبان فأضاءت ليالي الأندلس. وما أحرق -بضيق ذهنه وعصبيّته- ابنُ تاشفين من كتب الفلسفة التي تخرج عن الفقه والتفسير والحديث غَيرةً منه على الدين وزعماً أنها تضعف إيمان المؤمنين، فذهب بآلاف من الكتب. هذا عدا عمّا أصابها من النكبات الفردية، من التحريق

стр. 91

والتخريق والتمزيق والتغريق، حتى لم يبقَ من هذه المكتبة إلا الأقل الأقل، وهذا الأقل لا تزال المطابع في الشرق والغرب تطبع منه من مئتَي سنة إلى الآن، ولم تطبع إلا بعض هذا القليل الذي بقي. لقد اطّلع عالم تركي على طرف من هذا التراث، هو حاجي خليفة صاحب «كشف الظنون»، فوصف في كتابه العظيم ما اطّلع عليه فكان نحو عشرين ألف كتاب، وأُلِّفت ذيول لكشف الظنون تزيد عليه أضعافاً، وكلها مطبوع معروف تتداوله أيدي الناس (١). وعالم تركي آخر هو طاش كُبْري زاده، صاحب «مفتاح السعادة»، وصف جانباً آخر اطّلع عليه فكان في ثلاثمئة وستة عشر علماً (أو بحثاً إذا شئتم التدقيق والتحقيق). وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» أن مكتبة الخليفة العُبيدي (الذي يسميه الناس الفاطمي) لما استولى عليها صلاح الدين الأيوبي كانت كتبها تقرب من المليون. * * * إن من هذه الكتب ما لا يستطيع الواحد منا أن يقرأه قراءة، فكيف إذا حاول أن ينسخه نسخاً؟ فكيف وكثير منها أملاه مؤلّفوه إملاء لأنهم كانوا من مكفوفي البصر؟ كالمخصَّص لابن سِيْدَه،

стр. 92

أوسع كتاب في اللغة، أملاه إملاء (١). والاستيعاب لابن عبد البَرّ، أملاه إملاء وهو ضرير لا يقدر أن يأخذ من الكتب. و «المبسوط» أوسع كتاب في الفقه، أملاه مؤلفه وهو محبوس في الجُبّ تحت الأرض لكلمة حق قالها عند حاكم ظالم (٢)، فكان تلاميذه يقفون في الطريق يستَمْلون ويكتبون وهو يملي عليهم من بطن الجب، ما عنده كتاب ينظر فيه ولا مرجع يرجع إليه، وقد بيّنَ ذلك في كتاب العبادات في آخر باب الإقرار. والطبري كان يريد أن يجعل تاريخه في ثلاثين ألف ورقة، فسأل تلاميذه فاستكثروه، فجعله في ثلاثة آلاف وقال: وا أسفاه، لقد كلّت الهمم عن طلب العلم! وقاضي مصر بكّار بن قُتَيبة، لما سجنه ابن طولون وطال سجنه سأله طلاب الحديث أن يأذن لهم بالسماع منه، فكان يحدثهم وهو في السجن يأخذون عنه من وراء الباب. وابن تيميّة كتب كثيراً من رسائله وهو في السجن. وابن سينا ألّفَ رسالته عن القولنج (ونحن لا نزال إلى الآن نستعمل في الشام كلمة القولنج (٣)) ورسالة حَيّ بن يقظان (التي قلدها ابن

стр. 93

طُفَيل الأندلسي، فاشتهرت قصته وماتت قصة ابن سينا) كتبهما وهو سجين. وقصة «حي بن يقظان» هي التي نسج على منوالها ومشى على أثرها مؤلف رواية روبنسون كروزو المشهورة. بل إن الكتاب العظيم لابن سينا، وهو «الشِّفاء» الذي بقي الأساس في دراسة الطب في جامعات أوربا إلى ما قبل أربعمئة سنة، ألّفه وهو هارب متنقّل في البلدان مُتوارٍ عن الأبصار. بل لقد أخرجت هذه العصور المتأخرة كتباً كبيرة، كشرح القاموس للزَّبيدي (الهندي الأصل اليَماني المقام). بل لقد أُلِّفت في عصرنا هذا كتب كبار، ككتاب «الأعلام» للزِّرِكْلِيّ، ومجموعة «فجر الإسلام» و «ضحى الإسلام» و «ظهر الإسلام» لأحمد أمين، و «تاريخ العرب قبل الإسلام» لجواد علي العراقي الذي توفي حديثاً، و «شرح الكامل» للمَرْصَفي. ولقد حدّث أحدُ تلاميذه أنه دخل عليه يوماً (وكان يسكن غرفة مقفرة من دار خَرِبة في حي قديم من أحياء القاهرة، يضلّ الماشي في أزقّته ويغوص في وحله، لأنه كان -من فقره- لا يستطيع أن يجد غير هذه الدار في غير هذا الحي) فوجده قاعداً على حصير بالٍ مفروش في وسط الغرفة، ليس فيها سواه، وأمامه الكتب منثورة والصحائف منشورة، وحول الحصير خيط من الدبس مصبوب على الأرض. فسأله: ما هذا الدبس يا مولانا؟ فضحك الشيخ وقال: إنه سور يحميني من هجمات البق! وأكثر القرّاء لم يعودوا يعرفون -بحمد الله- ما هو البَقّ الذي كنا نقاسي منه الأمَرّين ونحن صغار، لا نملك له دفعاً ولا نعرف دواء.

стр. 94

في هذه الغرفة العارية، على هذه القطعة من الحصير، ألّف الشيخ كتابه العظيم «شرح الكامل للمبرّد» (١)، هذا الكتاب من الكتب التي يفاخر بها عصرنا العصور الخوالي، لهذا العالِم الذي ينافس بأمثاله القرون الماضيات. * * * ولا تزال في المكتبات العامة والخاصة عشرات، بل مئات، من المخطوطات؛ في دار الكتب المصرية، وفي المكتبة الظاهرية في الشام، وفي مكتبات إسطنبول وبغداد، وفي مكتبة باريس، وفي مكتبة المتحف البريطاني، وفي الإسكوريال في إسبانيا، وفي مكتبة عارف حكمة في المدينة، وفي مكتبات فاس وغيرها في المغرب، هذه التي سلمت من أيدي المتعصّبين من أعضاء محكمة التفتيش، ولو بقي كل ما كان في الأندلس لوجدنا شيئاً عظيماً، وفي ليدن في هولندا، وفي مكتبة بوسطن في أميركا ... في هذه المكتبات التي رأيت بعضاً منها واطّلعت على فهارس بعض وسمعت الأخبار عن بعض، لا تزال فيها الآن آلاف مؤلفة من هذه المخطوطات. وفي المكتبات الخاصة آلاف أخرى. أذكر لكم من هذه المكتبات ما عرفته أو سمعت به. من أكبرها مكتبة أحمد تيمور باشا الذي تعقّب كتب التاريخ

стр. 95

خاصة، فكان يشتري الكتاب منها بوزنه ذهباً إن لم يستطع شراءه بأقل من ذلك. ومكتبة أحمد زكي باشا (وكلا المكتبتين في دار الكتب المصرية الآن والحمد لله). ومكتبة عبد الحي الكتّاني في المغرب، وهي من أغنى الكتب في التاريخ. ومكتبة أنستاس الكرملي، وفيها كثير من المفردات ليس لها ثَوَان. ومكتبة صديقنا إسعاف النشاشيبي رحمة الله عليه وعلى كل من ذكرت، هذه المكتبة -على كبرها واتساعها- لا يكاد يوجد فيها كتاب واحد يخلو من فهارس ومن تعليقات، رأيت كثيراً منها. ومكتبة الشيخ خليل الخالدي، وقد زرتها لما كنت ذاهباً إلى مصر للدراسة سنة ١٩٢٨. ومكتبة شيخنا المفتي الشيخ أبي اليسر عابدين ... في هذه المكتبات نوادر لا تزال راقدة تنتظر من يوفّقه الله لإخراجها ببعثها من مرقدها؛ من ذلك أن رجلاً من أسرة معروفة في الشام كان يشتغل أسلافها بالعلم توفي من أكثر من خمسين سنة، فباعوا كتبه المخطوطة، ثم نبّههم أحدُ الخبراء إلى أن فيها كتاباً نادراً، فأحبوا أن يسترجعوه ممن اشتراه، وأبى عليهم استرجاعه، وأقيمت بشأنه قضايا في المحاكم لا أريد التعرض لها، ولكني أريد أن أقول: إن هذا الكتاب هو «كتاب البَيْزَرة» (أو البَزْدَرة) وهو علم طب البُزاة. وأنتم تعرفون البازي والصقر والشاهين، هذه الطيور التي كانوا يصطادون بها (ولا يزالون يتخذونها للصيد في بعض نواحي الجزيرة العربية). ولقد كتبت عن هذا الكتاب في السنة الثانية أو الثالثة من مجلة الرسالة، فاقرؤوا ما جاء فيه تجدوا عجائب لا تكاد تصدَّق (١)؛ من ذلك

стр. 96

أن فيه باباً عنوانه «باب معرفة مرض الطائر من فحص مائه». أي أنهم -من فحص بَول الطائر- يعرفون مرضه! لم يكتفوا بأن عُنُوا بعلم الحيوان عامة وألّفوا فيه الكتب، حتى ألّفوا في هذه الناحية الخاصة من طب الحيوان. ولم يكن هذا إلا بعد أن أوفَوا على الغاية من العناية بالطب الإنساني. وأنا لست من أهل الاختصاص في الطب، ولكني وقفت خلال مطالعاتي على نصوص عجيبة؛ منها أنني وجدت مرة في «وفيات الأعيان» لابن خَلِّكان أن الحَجّاج مرض مرضاً لم يستطيعوا أن يعرفوا حقيقته ولا سببه، فجاؤوا بإسفنجة صغيرة ربطوها بخيط وجعلوه يبتلعها، ثم استخرجوها ففحصوا عصارته المِعَدية، على مقدار ما كانوا يعرفون يومئذ من أمثال هذه البحوث. وقرأت في «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني أنها أُجرِيَت للسيدة سُكَيْنَة بنت الحسين، إحدى عقيلتَي قريش وأجمل نسائها، وهي التي جمع مصعب بن الزبير بينها وبين العقيلة الأخرى عائشة بنت طلحة، كانت لها في عينها نقطة (أو شيء لا أعرف حقيقته)، فأجريت لها عملية في العين واستخرجوا هذه النقطة من وراء الجسم الزجاجي. وقد قرأت وصف هذه العملية للجاحظ ولكني نسيت في أي كتاب قرأتها. وإذا نظرتم في تاريخ المستشفيات في الإسلام تعرفون مبلغ ما وصلوا إليه في هذا الباب. اقرؤوا «تاريخ المستشفيات» للدكتور عيسى المصري، والكتاب الآخر الذي ألّفه أستاذ من الكلية الأميركية في بيروت نسيت اسمه الآن عن المستشفى النُّوري الذي أنشأه في دمشق نور الدين زنكي، وبقي بناؤه إلى الآن ولكنه صار

стр. 97

مدرسة التجارة، تجدوا أن أطباء هذا المستشفى عرفوا طريقة عزل المرضى المُعْدين وعرفوا أسلوب التخصص في الطب. والبَيْروني، المفكر العظيم الذي يقول عنه سخاو (وهو أحد المستشرقين الألمان) بأنه أكبر عقلية كانت في القرون الوسطى، يذكر في كتابه «الصَّيْدَنة» (أي الصيدلة) أنهم لم يكتفوا بدراسة الطب عامة بل كانوا يعرفون التخصص فيه. * * * لكي تروا جانباً من جوانب عظمة المكتبة الإسلامية اقرؤوا كتاب «ثقافة الهند» الذي طبعه المَجْمَع العلمي في دمشق لمؤرّخ الهند العالم الجليل والد أبي الحسن النَّدْوي، وهو في خمسمئة صفحة من القطع الكبير بالحرف الصغير، كله أسماء للكتب التي أُلِّفت في الهند. ولقد نشرت مجلة «المعلم العربي» (التي كانت تصدرها وزارة المعارف في الشام) تلخيصاً لكتاب ألفه مؤلف أميركي يذكر فيه مآثر المسلمين في العلوم على اختلافها، ولولا أن المؤلف أميركي، لم يكن عربياً ولا مسلماً، لقلت إنها دعاية صحفية، لأنني وجدت فيها أخباراً ومناقب لنا لا أعرفها أنا، وأنا مدمن على المطالعة والقراءة من سبعين سنة! * * *

стр. 98

كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني حديث أذيع سنة ١٩٧٢ أنا أحب أن تكون أحاديثي للناس كلهم، أو لأكثرهم إذا كان من المتعذّر أن تكون لهم كلهم، ولكني أضطر أحياناً أن أجعل الحديث للمتعلّمين وحدهم، فمعذرة إليكم. موضوع اليوم عن كتاب، كتاب مشهور جداً ومفيد جداً، ولكن الناس رفعوه فوق منزلته ووثقوا به أكثر مما ينبغي أن يوثَق به، وصار كثير من كبار الأدباء والباحثين ينقل منه الأخبار التاريخية ويعزوها إليه، كأن العَزْو إليه يُسقط عن الباحث تَبِعة التحقيق. بل لقد وجدنا من هؤلاء الباحثين الكبار من ينقل منه أحاديث رسول الله ﷺ كأنه ينقل من صحيح البخاري! مع أن هذا الكتاب ما كان قط كتاب حديث، ولا كتاب تاريخ، ولا يوثَق بأخباره ولا يعتمَد عليها. هو كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني. وأنا ليس من منهجي في هذه الأحاديث الكلام على الكتب، ولكن كتاباً له مثل شهرة «الأغاني»، وينقل عنه أكبر أدباء العرب

стр. 99

اليوم أخباراً تصوّر المجتمع الإسلامي منصرفاً إلى اللهو غارقاً في الفسوق، إن كتاباً كهذا من حقه أن نتكلم عنه في هذه الأحاديث، بياناً لحقيقته وتوضيحاً لحال مؤلفه. أبو الفرج الأصفهاني عربي أموي صحيح النسب، وإن كان منسوباً إلى أصفهان، المدينة الفارسية. وكثير من المنسوبين اسماً إلى بلدان فارس كانوا عرباً خُلَّصاً من سلائل القبائل التي استقرت في تلك البلاد بعد الفتح. ومن أعجب العجب أن أبا الفرج كان أموياً وكان يتشيّع! وما أعرف الأموية اجتمعت مع التشيّع في أحد قبله ولا في أحد بعده. وكان الرجل رقيق الدين سيّئ السيرة، يعطي نفسه هواها وينغمس في المعاصي. وكان وسخ الثوب، قذر الهيئة، بذيء اللسان، ولكنه كان -مع هذا كله- آية في سعة الحفظ وكثرة الرواية، عارفاً بأكثر العلوم، كاتباً ناقداً موسيقياً شاعراً، يحسن الوصف وإن كان الغالب عليه الهجاء. أما كتاب «الأغاني»، فإن من أراد متعة الأدب، وطلب جيد الشعر، وأراد الإحاطة بأخبار الشعراء والمغنّين، للّذة الأدبية وتقوية الملَكة البيانية، فلا يجد كتاباً أجمع لهذا كله منه. وما منّا إلا مَن كان «الأغاني» عُدّته الأولى في إقامة اللسان وتجويد البيان. ولقد قرأته كله (وهو بضعة وعشرون جزءاً) ثلاث مرات، واستفدت منه في الأدب واللغة ما لم أستفِد مثلَه من غيره. كل هذا صحيح، أما أن يكون كتاب دين تؤخَذ منه أحاديث رسول الله ﷺ ، كما يفعل هؤلاء الأدباء الكبار المعروفون، أو أن

стр. 100

يكون كتاب تاريخ يُعتمَد عليه في تحقيق الأخبار، فلا. إن من يأخذ «الأغاني» على أنه كتاب تاريخ يجد المجتمع الإسلامي العباسي مجتمعاً لاهياً عابثاً، لا شغل له إلا شرب الخمر وسماع الغناء والفتنة بالجواري والغلمان، من أكبر خليفة في القصر إلى أصغر ملاّح في دجلة، مع أن هذا غير صحيح. ولقد كان في بغداد على عهد أبي الفرج أكثر من مليونين من السكان، وكان في هذا العدد الضخم من السكان فُسّاق وشُرّاب خمر وزُناة ولاهُون، وكان فيهم الفارغون المتبطّلون المقبلون على الغناء والطرب، يعيشون لذلك لا يشتغلون بغيره، ولكن هؤلاء كانوا قِلّة وكانوا أقل من القلة. وكان إلى جنب هؤلاء الفُسّاق من أمثال مطيع بن إياس ويحيى والحمّادَين (١) وأبي نُواس وأمثالهم، كان إلى جنبهم أبو حنيفة وشَريك وابن المُبارك وسُفيان والشافعي وابن حنبل، والعلماء والعُبّاد، وكان إلى جنبهم أئمة اللغة ورُواة الأدب ممّن عُرفوا بالصلاح والتقوى، وكان التجّار والعامة ممن كانت تمتلئ بهم المساجد حتى كانت تتصل صفوف المصلّين من مسجد الرُّصافة في بغداد إلى الشط. فليس المجتمع كله كما يصوّره أبو الفرج. ثم إن أبا الفرج في «الأغاني» يتكلم عن الرجل ممن تَرجَم له، فيُغفل جوانبه كلها ويَعْمَد إلى جانب اللهو والغناء فيتكلم عليه ويبالغ فيه، لأن هذا

стр. 101

هو موضوع كتابه. وكثير من الأخبار التي يرويها مَكذوب أو مبالَغ فيه. فمن ذلك أخبار عمر بن أبي ربيعة. تصوّروا لو أن شاعراً دخل بين النساء وهنّ في الطواف أو عند رمي الجِمار، وأقبل ينظر في وجوههن، هل يتركه الناس؟ فكيف إن نَظَمَ فيهنّ أشعار الغزل؟ هل يسمح الناس اليوم لشاعر أن ينظم أشعار الغزل بالحاجّات؟ فكيف إن نشر هذا الغزل في جريدة، هل يسمح له الناس أن ينشره في جريدة؟ هذا مع العلم أن زمان ابن أبي ربيعة هو زمان الصحابة، وهو صدر الإسلام، فإذا كنا نحن الآن -على فساد الزمان وبعد العهد- لا نسمح بأن يقوم فينا من يصنع ما زعم صاحب «الأغاني» وأمثاله أن ابن أبي ربيعة كان يصنعه، فهل يسمح له بذلك الصحابة؟ فلا شك أن أخبار عمر بن أبي ربيعة التي يرويها صاحب «الأغاني» أكثرها مكذوب. والخلاصة أن «الأغاني» كتاب من أعظم كتب الأدب، ولكن لا يجوز الاعتماد على صحة أخباره ولا يجوز أن يُنقَل منه التاريخ، وصاحبه -على جلالة قدره في الأدب- رقيق الدين سيّئ السمعة بذيء اللسان، لا يوثَق بروايته ولا بصدقه. فاقرؤوا كتاب «الأغاني» للمتعة الأدبية ولتقويم المَلَكة البيانية، ولكن لا تصدّقوا كل ما يرويه فيه ولا تعتمدوا عليه. * * *

стр. 102

دفاع عن الأصمعي قرأت ما كتب الأستاذ عبد الغني حسن في ردّه (١)، فوجدت أن أكبر ما احتَجّ به عليّ أن العبارة التي ساقها هي للسيوطي. وأنا أحب أن أبين لأخي الأستاذ عبد الغني أن لو كان الخلاف بيننا على أمر شخصي لما باليت مع مَن مِنّا الحق، ولقبلت بما قال وتركت الجدال. ولكن الخلاف على صدق رجل رُوي عنه -كما قالوا- ربع اللغة، فإذا سقطت روايته سقط ربع لغتنا. على أنه لو كان حقاً كما نقل الأستاذ لما دافعت عنه، ولكن الواقع أنه كان صادقاً، وكان أبعد الناس عن الخلاعة، وكان مقبول الرواية. والأستاذ يعلم أن عندنا علماً ليس لأمة علم مثله، هو «علم الرجال»، أعني علم «الجرح والتعديل». ويعلم أن علماءه لم يدّخروا في هذا الشأن وسعاً، ويعلم أن أجمع كتاب للرجال

стр. 103

هو «الخلاصة» للخَزْرَجي، الذي لخّص فيه كتاب «التذهيب» للحافظ الذهبي و «التقريب» لابن حجر و «الإكمال» لابن ماكولا و «الكمال» للحافظ عبد الغني المقدسي و «الجمع» لابن طاهر و «الميزان» للذهبي، وهي أعظم كتب هذا العلم. وقد جاء في «الخلاصة» عن الأصمعي ما نصه: "هو أحد الأعلام، روى عن أبي عمرو بن العلاء ومِسْعَر (١) ومالك وخلائق، وروى عنه ابن مَعين ونصر بن علي وعمر بن شَيبة وخلق، وَثَّقَه ابن مَعين، وقال المبرَّد: كان بحراً في اللغة". فالرجل إذن موثوق الرواية عند المحدِّثين. بل إن السيوطي نفسه يقول عنه في كتابه «بُغية الوُعاة» ما نصه: "أحد أئمة اللغة والغريب والأخبار والمُلَح والنوادر، روى عن أبي عمرو بن العلاء وقُرّة بن خالد ونافع بن أبي نعيم وشُعبة وحَمّاد ... (إلى أن قال) وقال ابن مَعين: لم يكن ممّن يكذب. وقال أبو داود: صَدوق. وكان يتّقي أن يفسّر الحديث كما كان يتقي أن يفسر القرآن، وكان من أهل السنة، ولا يفتي إلا فيما أجمع عليه علماء اللغة، ويقف عمّا ينفردون عنه، ولا يجيز إلا الأفصح". هذا ما قاله السيوطي فيه، فأين منه ما نقلتَه عنه؟ على أنه إن كان قال فيه ذلك في كتابه «المُزهِر» (٢) وخالف ما قاله عنه هنا،

стр. 104

فلقد شهد له الإمام الذي يقلّده السيوطي، والذي كان أقدم من السيوطي وأعلم، وهو الشافعي، شهد له بالصدق. وفي ترجمته في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي المحدّث أخبار تدل على تديّنه وتصوّنه، وكذلك عند ابن خلّكان، وعند غيرهما ممن ترجم له من الثقات. وأثنى عليه وشهد له بالصدق كذلك أحمد بن حنبل، وعلي بن المَديني، ويحيى بن مَعين، وأبو داود، وهؤلاء هم أئمة الدين وشيوخ المحدّثين، ولا يضره -بعد شهاداتهم له- طعنُ طاعن في صدقه. * * *

стр. 105

لون من الترف العقلي نشرت سنة ١٩٨٧ طرق المؤلفون في كتبهم كلَّ باب من أبواب المعرفة وسلكوا كل طريق من طرق العلم والأدب، وأودعوها كل ما يمكن أن يصل إليه العقل المفكر والقلب الشاعر والوجدان المتأمل، فكان فيها علوم الدين والدنيا؛ فيها مئات ومئات من المجلدات في القرآن، تنزيله وتأويله؛ وفي الحديث، روايته ودرايته؛ وفي الأدب، فنونه وألوانه؛ وفي الطبيعة، قوانينها ومظاهرها؛ وفي التاريخ، قديمه وحديثه. ولدينا آلاف من الكتب في تراجم العظماء وطبقاتهم: الصحابة والتابعين، والقُرّاء والفقهاء، والقُوّاد والأمراء، والأدباء والشعراء. دوّنوا أخبار العقلاء والمجانين والحمقى والمغفلين كما دونوا أخبار الأذكياء والنابغين! وإذا كان عند اليونان الأقدمين هذه «الإلياذة» التي يَعُدّونها أولى مفاخرهم، والتي استمد منها أدباء الغرب وشعراؤهم المحدثون أكثر مآثرهم، فلقد روى الكتّاني في «التراتيب الإدارية» أن عندنا قصيدة في خمسة آلاف بيت، هَمْزية جيدة في السيرة النبوية. ولابن عيسى القرطبي أرجوزة أخرى في سبعة آلاف بيت. وثالثة عنوانها «المقالات السَّنِيّة في مدح خير

стр. 106

البرية» لعثمان بن علي في تسعة عشر ألف بيت! وإذا كانت الإلياذة تشتمل على خرافات وعلى تخيّلات، ما يَسندها واقع ولا تعتمد على حقيقة، فإن هذه الأراجيز ما فيها إلا حقائق ثابتة وتواريخ محقَّقة. هذا وأنتم تعرفون الأراجيز العلمية، كألفية ابن مالك وألفية العراقي والكثير من أمثالهما. ولما ظنوا أنهم شبعوا من الجِدّ واكتفوا استراحوا إلى لون جديد، كما استراح أهل الفن من المصوِّرين والرسامين إلى هذه المذاهب الجديدة في الرسم، التي لا تبلغ معرفتي بها مبلغ القدرة على وصفها والكلام فيها، ولكن لا يصل عجبي منها إلى حد الإعجاب بها أو تذوقها وفهمها. وكيف أعجب بلوحة ما أرى فيها إلا علب كبريت مكوَّمة أكواماً، أو حجارة مركومة رَكماً، أو سلّماً مقلوباً قد تعلق بخطوط متعرجة متداخلة بلا ترتيب ولا نظام ولا دقة ولا إحكام، كأنها خرابيش الدجاج على بقعة من الرمل، ثم أرى تحتها كتابة موضِّحة لها تقول إنها صورة امرأة جميلة أو مشهد غروب الشمس في البحر ... وما ثَمّ شمس ولا بحر، ما هناك إلا الفوضى والعبث! كهذا المذهب الحديث في الشعر، حيث تُرصَف كلمات جميلة لا يربط بينها رباط يتبيّنه الفكر، ولا صورة يلذّها الذوق، ولا موسيقى تطرب لها الآذان، ما هي إلا مُعجَم، ولكنه معجم قد اختلّ ترتيبه! قالوا: إن هذا هو الشعر الحديث! والذي نعرفه أن الألفاظ أوعية للمعاني، فإذا خَلَت من المعنى المبتكَر والصورة الحلوة عادت ألفاظاً فارغة، لها إن

стр. 107

قرعتَها طنين ورنين وما فيها فائدة للمستفيدين! وصارت ألاعيب لأدباء ذلك الزمان الذي يدعوه مؤرّخو الأدب بعصر الانحطاط؛ كل هم رجاله التلاعب بالألفاظ لا يجاوزونها. وكان المثل الأعلى لشادي الأدب -لمّا بدأنا النظر في الأدب- مقامات الحريري، يحرص أساتذتنا على أن ندمن قراءتها ونحفظ ما نستطيع حفظه منها، ونرى غاية ما يصل إليه الكاتب أن يصنع مثل ما صنع الحريري -مثلاً- في المقامة السادسة، حين التزم أن تكون فيها كلمة منقوطة بعدها كلمة مُهمَلة بلا نَقْط، وجرى على هذا في المقامة كلها، فيقول: "الكرَمُ -ثبّتَ الله جيشَ سُعودك- يَزين، واللؤم -غَضّ الدّهر جَفْنَ حسودك- يَشين ... "، وما صنعه في المقامة السادسة عشرة، حين جاء بلون آخر من ألوان اللعب بالألفاظ كان مألوفاً في ذلك العصر، هو أن يجيء بجملة إذا قرأت حروفها منكوسة، فبدأت بآخر حرف منها ورجعت إلى ما قبله، لم تتبدل الجملة. وصنع في ذلك شعراً متكلَّفاً سخيفاً (١)، حاولت أن أرويه، ثم وجدت أنني أزعج

стр. 108

بروايته القراء ولا أعوّضهم عن هذا الإزعاج متعة ولا منفعة. ومن هذا الباب أن العماد الكاتب لما ودّع القاضي الفاضل (وهو من أساتذة هذا المذهب، مذهب الصناعة اللفظية الميتة التي لا روح فيها) قال له: «سِرْ فلا كَبا بك الفرس». وهي جملة إن عكستها لم تنعكس، فأجابه بمثلها على الفور فقال: «دام عُلا العماد». ومن أجود ما أحفظ في هذا الباب (إن كان فيه شيء جيد!) قول القائل: مودّتُهُ تَدومُ لكلِّ هَوْل ... وهل كلٌّ مودّتُه تَدومُ؟ خذوا حروف هذا البيت فاقلبوها تجدوها تبقى على حالها. كانوا يَعُدّون نهاية الأرب وغاية الأدب أن يقدر الأديب على مثل هذا العبث، حتى إن الشيخ محمود الحَمْزاوي، أشهر المُفتين في دمشق في القرن الثالث عشر الهجري، ألّف تفسيراً صغيراً للقرآن مطبوعاً، وهو عندي في مكتبتي، كل حروفه مُهمَلة، أي ليس فيه حرف منقوط، فليس فيه كلمة فيها باء ولا تاء ولا جيم ولا خاء ولا شين ولا ضاد ... فتصوروا الجهد الذي بذله فيه ثم انظروا النفع الذي يأتي منه، تجدوا جهداً كبيراً ونفعاً ضئيلاً. ورأيت من قديم في المكتبة العربية في الشام كتاباً فيه جداول أربعة أو خمسة (نسيت)، في الجدول الأول كتاب في الفقه مثلاً، وفي الثاني نحو وصرف، وفي الثالث تاريخ، وفي الرابع بحث مكتوب بلسان الترك، ثم إذا قرأت السطر كله معاً متجاوزاً حدود

стр. 109

هذه الجداول جاء معك كتاب آخر فيه علم آخر (١). ولما شرّفني المجمع العلمي العراقي بعضويته من نحو ثلاثين سنة كان يتفضل فيرسل إليّ مطبوعاته، وهي من أنفس ما أخرجت المطابع، فلما جئت المملكة انقطعت عني واستحييت أن أسأل عنها فحُرمت منها. قرأت في مجلة المجمع يومئذ وصفاً لكتاب مثل هذا، يزيد عليه بأن فيه ثمانية جداول وأنه يُقرَأ بالمائل من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين، وفي ذلك ما يُدهش ولكنه لا يفيد (٢). كقصة الرجل الذي قالوا إنه كان يُلقي على الأرض إبرة، ثم يلقي عليها بأخرى وهو قائم فتقع في خرمها، ولا يزال يرمي واحدة بعد واحدة حتى يجمع مئة إبرة متصلاً بعضها ببعض. فرُفع أمره إلى حاكم البلد -وكان عاقلاً كريماً- فأمر له بمئة دينار وأن يُجلَد مئة جلدة، فسألوه فقال: أما الدنانير فلهذه البراعة النادرة، وأما الجلد فلأنه صرف همته إلى هذا العبث ولم يوجّهها وجهة ينتفع بها الناس. * * * وإذا رجعتم إلى مجلة «الرسالة»، إلى العدد الذي صدر يوم

стр. 110

الإثنين ٢٣ رجب ١٣٥٤هـ (أي من أربع وخمسين سنة) وجدتم مقالة لي فيها وصف لكتاب عجيب ليس له في تراثنا الفكري مثيل، لا لأنه حوى من حقائق العلم أو من طرائف الفن ما لم يَحْوِه كتاب غيره، بل لأنه جاء فيه بشيء جديد من هذا الذي سمّيته «الترف العقلي»؛ فقد تعمد أن لا يأتي فيه إلا بما هو خطأ محرَّف عن أصله، معدول به عن جادة الصواب مُمال به عن سبيل الحق، فلا بيتَ يُنسَب إلى صاحبه، ولا كتابَ يُعْزى إلى مؤلفه، ولا مسألةَ تورَد على وجهها، ولا بلدةَ توضع في موضعها ... وقد أورد ذلك كله بحذق ومهارة وفرط لباقة، حتى إنك لتتلوه فتحسّ -لحلاوة ما تقرأ- أنك تقرأ حقاً وصدقاً، وما فيه من الحق والصدق شيء! (١) ولا يقدر على الخطأ الذي لا صواب فيه إلا من يقدر على الصواب الذي لا خطأ معه؛ يحتاج كلاهما إلى علم بمواقع الخطأ ووجوه الصواب. ثم إنه حلاّه بالنكات اللغوية والمسائل النحوية والطرائف الأدبية والآراء الفلسفية، وزيّنه بالحِكَم الباهرة والأمثال السائرة، واستشهد على كل مسألة من مسائله بأقوال العرب، ولكن ذلك كله محرَّف عن الصواب. هذا الكتاب اسمه «اختراع الخُراع» (والخُراع في اللغة داء يصيب الدابة في ظهرها فتبرك فلا تستطيع القيام)، ومؤلفه هو صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، أحد أئمة القلم والأدب في عصره، ومؤلف الكتاب الكبير «الوافي بالوفيات»، الذي يُعَد
следующие страницы →