← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17361

فصول في الدعوة والإصلاح

علي الطنطاوي

Полный текст (295 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مقدماته جاءت من هناك (والله أعلم)، وإلا فما معنى أن يكون كل عربي وكل مسلم وكل منصف في الدنيا حرباً على إسرائيل، ثم يقول هؤلاء -من حيث يشعرون أو لا يشعرون- إن إسرائيل إخواننا وأحبابنا ومنا وإلينا؟! وإذا كان كل سامي عربياً لأن كل عربي سامي، فلماذا لا يكون كل حيوان إنساناً لأن كل إنسان حيوان؟ ويستوي في هذه الإنسانية «البعثية» الحمارُ وأستاذ التاريخ في كلية الآداب؟ وإذا كان هؤلاء كلهم عرباً لأنهم كانوا في الجزيرة وخرجوا منها، فلماذا لا يكون من الأسرة كل من كان في دارها وخرج منها، ولو كان كلب صاحب الدار، ولو كان ثعباناً خرج من شق الجدار؟ وإذا كان يُحكَم بالفرع على الأصل فيكون أجداد العرب عرباً، ومددنا هذا القياس حتى وصلنا إلى الجد الأكبر، آدم ﵇، يكون آدم عربياً. وإذا كان آدم عربياً كان كل أبنائه من العرب، وإذا كانوا كلهم من العرب فهم إذن من القائلين بالقومية العربية، ومن الموصوفين بالبعثية، ومن أتباع الخواجة المحترم! هذا هو «المنطق البعثي»! * * * وما نحن بخصوم العربية، بل نحن أحق بها وأهلها. وهل العربية إلا البيان العربي، والأخلاق العربية، وتكريم ماضي العرب، والعمل على بناء المستقبل العربي؟ وهذا كله فينا؛ فينا البيان، وما عَهِدنا لدعاة هذه العصبية الجاهلية رجلاً واحداً يُعَدّ من أرباب البيان، وليس لهم شاعر مفلق ولا خطيب مصقع ولا كاتب

стр. 247

بليغ ولا راوية محيط! وفينا الأخلاق والغيرة على الأعراض. وفينا علماء التاريخ الواصلون إلى موارده المحقّقون لأخباره، وأولئك لا يعرفون منه إلا ما حفظوه من دسّ المستشرقين. ومن المستشرقين يهود، فمن هنا جاءتهم تلك الفكرة الآثمة التي تجعل الساميين كلهم عرباً، ليكون اليهود من العرب، فلا يبقى معنى لحربهم وقتالهم والحرص على طردهم من فلسطين. * * * وأنا أعذر هؤلاء الأساتذة، فهم شباب، ما كنا نأمل ونحن في مثل أسنانهم، ونحن يومئذ أعرَف بالتاريخ منهم اليوم، أن يكون الواحد منا مدرّساً في الصف الأول الثانوي. شباب رأوا أنفسهم أساتذة في الجامعة (وأستاذيّة الجامعة في بلاد الناس شيء عظيم)، فاغتروا كما اغترّ الجحش الذي زعموا أنه لبس مرة جلدة الأسد فظن نفسه أسداً ... والقصة معروفة. وانطلقوا يصوّرون للطلاب الماضي لا كما كان، بل كما يتمنى الخواجة ميخائيل ويهود المستشرقين أن يكون قد كان! وأرادوا أن يلفّوا هذا السمّ بغشاء من السكّر وأن يجدوا لهذه الخيالات سنداً من النقل، فنظروا نظرة عَجْلى في كتب التاريخ العربي، وذيّلوا كتبهم بأرقام صفحاتها ليدلّوا على أنهم أخذوا منها. يحسبون أنه يكفي أن يعرف المرء كيف يقرأ ما كتب الطبري ليصير -بقدرة الله- مؤرِّخاً، لا يدرون أن هذه الكتب هي مصادر التاريخ لا التاريخ، هي المواد الأولية، ولا بد من تنقيتها أولاً وجمع النقيّ منها، ثم إدخاله المصنع.

стр. 248

إن علمنا كله يقوم على الرواية، والرواية (ومنها رواية الأخبار التاريخية) تقوم على معرفة الرجال. وقد انفردنا نحن دون الأمم كلها بأن كان عندنا علم خاص بمعرفة الرجال. والطبري (وغير الطبري) فيه الروايات الصحيحة المنقولة عن الثقات الضابطين، والروايات المتهافتة المروية عن قوم لم يكونوا من أهل الضبط وليسوا أهلاً للثقة. ثم إن الروايات التاريخية هي رواية عامية (إن صحّ التعبير)، أما الرواية العلمية الثابتة فهي رواية المحدِّثين، لذلك كان المرجع الأول لتاريخنا ما رُوي على طريقة المحدثين. وهذا أيضاً له درجات ومراتب، من المتواتر الذي لا يرتقي الشك إليه، والمشهور والعزيز والصحيح والحسن والضعيف. والصحيح درجات، لاختلاف المصححين واختلاف شرائطهم في التصحيح. فلا بد -إذن- ليكون الرجل مؤرخاً من أن يكون عارفاً بعلوم الرواية والإسناد، عارفاً بالرجال، عارفاً بالعربية ليفهم ظواهر الكلام وبواطنه وإشاراته ومعاريضه. فإذا كان كذلك استحيا من نفسه وتجرد عن العصبية والهوى وأراد ببحثه الحقَّ ومرضاةَ الله، وإن لم يكن كذلك لم يكن إلا جاهلاً بالتاريخ أو دجّالاً، ولو كان أستاذ الجامعة وكان من أصحاب الشهادات العالية. * * *

стр. 249

كلمة في الاشتراكية نشرت سنة ١٩٦٦ ليس القصد من هذه الكلمة الإحاطة بالموضوع ولا دراسته دراسة تخصص وتعمق، بل القصد تعريف الجمهور بها تعريفاً مجملاً يقفه على حقيقتها ويكشف له خفاياها، في حدود الإيجاز الذي تتسع له المجلة والتبسيط (١) الذي تحتمله الجماهير. وقد غدت «الاشتراكية» اليوم الخطرَ الأكبر على الإسلام، والمشكلةَ الشاغلة لرجل الدعوة الإسلامية. ولا بد لمن ينصب نفسه مدافعاً عن الإسلام في وجه الهجمات الإلحادية، ولمن يردّ على مذهب من المذاهب المخالفة، من أن يفهم هذا المذهب فهماً صحيحاً. ولا يكفي أن يتعرف إليه من إشارات الصحف وردود الخصوم، بل لا بد له من أن يقرأ كتب أهله ويطّلع على حقيقته عند أصحابه. والإمام الغزالي لمّا أراد أن يردّ على الفلاسفة درس مذاهبهم وقرأ كتبهم حتى أحاط بأقوالهم ووقف على حقيقة حالهم، وصار

стр. 250

الأستاذ الأكبر للفلسفة في أكبر جامعات الأرض يومئذ، المدرسة النظامية، وألف كتاب «مقاصد الفلاسفة» فكان أحسن معبِّر عنها وأصحّ مرجع فيها، ثم رد عليها في كتاب «تهافت الفلاسفة»، فكان هذا الكتاب ضربة لها قاضية عليها، لم تقم لها بعده قائمة في المشرق. ولست أريد من كل من يرد على «الاشتراكية» -مثلاً- أن ينقطع إليها حتى يصير أستاذاً فيها، بل أريد أن يفهمها ليعرف ما هي حقيقة الشُّبَه التي يرد عليها. وإذا كان الإمام أحمد بن حنبل وكثير من العلماء قد كرهوا شرح أقوام الخصوم ولو للردّ عليها (لئلا يكون في ذلك نشر لها) فلقد ارتضوا جميعاً شرحها إذا عَمّ أمرها وطَمّ شرها، كما هي الحال في مسألة الاشتراكية اليوم. لذلك أشرح أولاً ما هي الاشتراكية، ثم أبيّن حكم الإسلام فيها. * * * كلمة «الاشتراكية» ليس لها معنى علمي واضح محدَّد لأنها تُطلَق على ألوان مختلفة من المذاهب اليسارية، مما اعتاد المؤلفون أن يسمّوه «الاشتراكية الخيالية» إلى الماركسية أو الشيوعية التي يسمونها «الاشتراكية العلمية»، وهذه أيضاً على درجات، فهي في الصين الشعبية مثلاً أشدّ منها في روسيا السوفييتية. أما «الاشتراكية الخيالية» فهي ما جاء في مجموعة من الكتب صدرت في أوربا وأميركا في هذه القرون الثلاثة الأخيرة، تخيّل

стр. 251

أصحابها مجتمعاً أفضل من المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه، أقاموه على الأسس الاقتصادية التي رأوا أنه يمكن أن يرتفع عليها هذا الصرح المثالي. أذكر منهم -على سبيل المثال- توماس مور، مؤلف كتاب «طوبيا» الذي ظهر في إنكلترا في الفترة التي اتجه فيها اقتصادها من الزراعة وحدها إلى التجارة الواسعة. وكان من الأسس التي وضعها في كتابه (لمجتمعه الذي تخيّله) أن تكون ملكية الأرض عامة، وأن يوزَّع نتاجها بالعدل، وأن يراح العاملون فيها فلا يكلَّفوا العمل أكثر من ست ساعات في اليوم، وأن يعالَج المرضى بالمجّان، وأن يُلزَم الأطفال جميعاً بالتعليم. ثم جاء جيمس هارنغتون فألف في بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي كتاباً اسمه «جمهورية أوشيانا»، نحا فيه نحو مور في تعميم ملكية الأرض، وأقام لمجتمعه المتخيَّل حكومة جمهورية دستورية السلطات فيها (التشريعية والتنفيذية والقضائية) منفصلٌ بعضُها عن بعض، قال بذلك قبل أن يقول به مونتسكيو في فرنسا بزمن طويل. ثم جاء سان سيمون الفرنسي فدعا إلى الاشتراكية في الإنتاج، وأن يعمل كلٌّ حسب قدرته ويأخذ قدر حاجته، وكان ممّا دعا إليه إلغاء الإرث. وحاولوا تطبيق أقواله على المجتمع، فكان نصيبها الفشل. وجاء بعده شارل فورييه، وكان أبرز ما دعا إليه التعاون بين العمال وتأليف الجمعيات التعاونية. وأساس مذهب التعاون -اقتصادياً- حذف الوسيط بين المنتِج والمستهلك ورَدّ ربحه على

стр. 252

المستهلكين أنفسهم. وقد بدأت «التعاونيات» في مصر من أكثر من خمس وثلاثين سنة، وكان من المختصين بشؤون التعاون صديقنا العالم المسلم الدكتور الدّرديري ﵀، الذي أمضى أكثر عمره في العمل لجمعية الشبان المسلمين. وفي أول القرن التاسع عشر ظهر روبرت أوين، وكان أهم ما جاء به أنه درس مشكلات العمل الآلي، وبيّن أن استمراره يعطل الأيدي العاملة فتنتشر البطالة، ثم يكون الكساد لزيادة الإنتاج عن حاجة الأسواق. ولكن ما حذّر منه لم يظهر في أيامه، لما كان فيها من فتح أسواق جديدة عن طريق الاستعمار وما اصطلحوا على تسميته بالإمبريالزم (١). وربما أُلحق بهؤلاء آخرون اشتركوا معهم في تصور المجتمع المثالي، منهم من كان من قبل كأفلاطون في كتاب «الجمهورية» والفارابي في «المدينة الفاضلة»، ومنهم من جاء من بعد كويلز (٢) وألدوس هكسلي الذي تصوّر في كتابه «العالَم الطريف» (الذي تُرجم إلى العربية) عالَمَ المستقبل تصوراً بالغ الغرابة بعيداً عن الإمكان، لا يقول بإمكانه عاقل. * * *

стр. 253

وقد دُعي هذا كله «الاشتراكية الخيالية» لأن أصحاب هذه الكتب قدّموا للناس صورة خيالية للمجتمع المنشود، ولكن لم يبيّنوا الطريق إليه ولم يرسموا المناهج لتحقيقه. ودُعيت اشتراكية كارل ماركس (أي الماركسية) «الاشتراكية العلمية»، وهي المقصودة الآن بكلمة «الاشتراكية» التي تسمعونها من الأفواه ومن الإذاعات وتقرؤون عنها في الصحف والمجلات. فمن هو ماركس؟ وما الماركسية؟ كارل ماركس يهودي ألماني، ولد سنة ١٨١٨ ودرس في جامعة بون ونال شهادة العالمية (الدكتوراة) سنة ١٨٤١. وكان المذهب المادي في الفلسفة هو الذي يسيطر -تلك الأيام- على عقول الشبان المتعلمين وطلبة الجامعات في ألمانيا، وكان زعيم هذا المذهب هيغل. وقد أقبل ماركس على هذه الفلسفة وآمن بها، وولّدت في نفسه أفكاراً ثورية هدّامة جعلت الجامعة ترفض قبوله للتدريس فيها، فاحترف الصحافة يتخذ منها بوقاً لدعوته، فطورد حتى اضطر إلى التنقل بين ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، ثم استقر في إنكلترا. وكان أشهر كتبه كتاب «رأس المال» و «الميثاق الشيوعي» (المانيفِسْتو) الذي شاركه زميله فردريك أنْغلز إصداره سنة ١٨٤٨. وسأحاول تلخيص ما ذهب إليه كارل ماركس وتقريبه لجمهور القراء. رأى ماركس أن الناس على عهده طبقتان: كثرة تَجِدّ وتكدح ولا تنال إلا القليل، وقلة تستمتع بالكثير من ثمرات هذا الكد.

стр. 254

وكان ماركس يرى (كما رأى بعض من كانوا من قبله) أن الأرض للعموم، لا يجوز أن يتملكها الأفراد، وأن رأس المال يجري عليه ما يجري على الأرض. ولمّا كانت وسائل الإنتاج ثلاثاً، وهي «الأرض» و «رأس المال» و «العمل»، وكان كل من الأرض (١) ورأس المال مما لا يجوز عنده أن تشمله الملكية الفردية، فلم يبقَ إلا العمل. فبالعمل وحده -على رأي ماركس- تُحدَّد قِيَم المنتجات. ولما كان العامل هو الذي يقدم العمل ولا يأخذ من قيمة ما عمله إلا الأقل، وكان فائض القيمة يأخذه رب العمل فلا يستطيع أن ينفقه كله مهما أترف نفسه وأهله، وتبقى منه بقية يرثها أولاده من بعده فيقوون بها على البقاء وعلى الاستمرار في هذا الظلم ... فلم يكن عنده بُدٌّ من ثورة تعيد الحق -في زعمه- إلى نصابه وتؤدي إلى القضاء على هذه الطبقة التي تأخذ فائض القيمة (طبقة البرجوازيين) فلا تبقى إلا طبقة الكادحين (طبقة البروليتاريا). ولما كانت الحكومات في أيامه تناصر هؤلاء «البرجوازيين» وتحمي الوضع القائم، وكان الدين يدعو إلى الصبر وإلى الأمل بحياة أخرى، فقد رأى وجوب إسقاط هذه الحكومات وصرف

стр. 255

الناس عن الدين، لأنه يخدّر العمال فلا يجعلهم يحسّون بآلامهم، فهو في زعمه «أفيون الشعوب»! وجعل لهذه الثورة أساساً فلسفياً هو ما يسمى «الديالكتيك». والديالكتيك كلمة يونانية معناها المناظرة أو الجدل (١). وأصل ما يدعى «الديالكتيك» للفيلسوف هيغل، وخلاصته أن الأفكار والمبادئ تصطرع وتتصادم، فكلما قامت فكرة ظهرت مع هذه الفكرة بذور فكرة أخرى مضادة لها، لا تلبث أن تنبت ويكبر نبتها فتقضي عليها وتحل محلها. ومن هذا التدافع المستمر (الذي يشبه تدافع موجات البحر وتعاقبها) تكون «حركة التاريخ». وقد أخذ ذلك ماركس، ولكنه جعل الأساس الوضع الاقتصادي لا الأفكار المجردة، فهو عنده مبعث هذه الحركة التي تُنشئ الأفكار وتُظهر الأشخاص الذين يحملونها. وهذا التطور أو التنازع (الذي شبّهوه بالجدال أو الديالكتيك) لا بد أن يؤدي إلى النتيجة التي لا بد منها في زعمهم، وهي محو الطبقة المستغلّة وبقاء الطبقة الكادحة، طبقة «البروليتاريا»، وحدها. وهذا معنى الكلمة التي تتردد في هذه الأيام على الألسنة والأقلام، كلمة «حتميّة التاريخ». وهذه «الحركة التاريخية» هي التي بدؤوا يدعونها «المَدّ الثوري». ومقتضى هذه النظرية عند هيغل وعند ماركس (على

стр. 256

اختلافهما في تفاصيلها) أن الذي يوجّه سير التاريخ ويحرك العالم ويوجد كل شيء ليس الإله المعبود، بل هو عامل بشري وقوانين مادية تخضع لها حركة التاريخ. وهما ينكران وجود الإله ولا يعترفان بأي عامل ديني أو روحي، بل لقد جاء على ألسنة زعماء الشيوعية ما يفيد تأليه التاريخ! هذه هي الناحية الخطيرة في الماركسية. وفيها شيء آخر لا يكاد يقل عنها خطراً، هو «النسبية» أو «المرحلية». فالقانون والحرية والمساواة والعدل ... كل ذلك يكون له في كل عصر (أو في كل مرحلة من مراحل الطريق إلى الثورة) معنى خاص. فهم ينادون بالحرية والعدل والمساواة، ولكنهم يفسرون هذه الكلمات في كل مرحلة بالمعنى الذي يناسب هذه المرحلة، حتى إن «الحرية» لَيكون معناها في بعض المراحل الاستعبادَ والتقييد، ويكون معنى العدل الظلمَ، ويكون معنى المساواة التفريقَ والتمييز. وبذلك تسقط هذه المبادئ والمُثُل وتنهار معها أسس المجتمع البشري! والمجتمع عند كارل ماركس لا يقوم على أخوّة بين طبقات الشعب، بل على «الصراع الطَّبَقي» الدائم، حتى يُقضى على «الطبقة البرجوازية» (أي على خواص الناس) ولا يبقى إلا العامة (البروليتاريا)، والعمل على بلوغ هذه الغاية هو ما يسمى في عرف الماركسية ومَن ينطق باسمها بـ «الثورة». فكلمة «الثورة» التي تسمعونها تردَّد دائماً في هذه الأيام هذا

стр. 257

معناها. ويجوز في هذه الثورة سلوك كل طريق يؤدي إلى القضاء على الطبقة البرجوازية (طبقة الخواص والأغنياء ورجال الدين)، ولا تتقيد هذه الثورة بقيود العدل ولا الحق ولا القانون، بل هي لا تكاد تحدد لها معنى ثابتاً يحقق وجودها. وحين تنجح الثورة تنفرد طبقة الكادحين (أي البروليتاريا) بالحكم وتحكم حكماً مطلقاً (ديكتاتورياً)، حتى يتم القضاء على الطبقات الأخرى ويخلو الجو لها. وعندئذ لا تبقى حاجة للدولة ويكون المجتمع الشيوعي المنشود، وهو مجتمع خالٍ من الطبقات، تعمّه العدالة ويسود فيه النظام (١). * * *

стр. 258

ويبدو من هذا التلخيص الموجَز أن دعوة التوفيق بين الإسلام والاشتراكية بحجة أن في الإسلام اشتراكية دعوة باطلة. لأن الاشتراكية (والمقصود بها الماركسية) ليست مجرد توزيع الأراضي، ولا تأميم المعامل، ولا إسعاف العمال، ولا معونة الفلاحين ... هذه كلها فروع لها، أما الأصل فهو هذه الفلسفة المادية (الديالكتيك) القائمة على إنكار الدين، بل على إنكار كل ما هو روحي وردّ كل شيء إلى «المادة»، واتخاذ التاريخ إلهاً، و «حتمية التاريخ» عقيدة، وعلى الشك بجميع المُثُل العليا والعبث بتفسير معانيها، وعلى ثورة طاغية تنسف المجتمع وتجعل الأسافل فيه أعالي والأعالي أسافل. إنها تقوم على «صراع الطبقات» واستبداد العوام بالخواص ثم العمل على إبادتهم وقطع دابرهم، وهي بهذا كله تناقض الإسلام مناقضة صريحة؛ فالإسلام مبني على الإيمان وعلى التوحيد وهذه مبنية على الإلحاد والجحود، والإسلام يدعو إلى الأخوّة والمحبة والعدل وهذه تدعو إلى الحقد والبغضاء والصراع، وتجيز الظلم إذا كان وسيلة لحرب من تسميهم «البرجوازيين»، والإسلام يُقرّ الملكية الفردية (وإن كان يقيدها بالقيود التي سيأتي بيانها) ويقر التوارث وهذه تأبى ذلك كله.

стр. 259

ولا شك أن في هذه المذاهب أموراً فرعية ربما وافقت في الجملة أموراً مثلها في الإسلام، ولكن هذا التوافق في الجزئيات لا يسوّغ لنا أن نقول «اشتراكية الإسلام»، بدليل أن التوافق بين القرآن والتوراة الموجودة الآن في أيدي اليهود أكثر، وقصص الأنبياء فيها تكاد تكون واحدة، مع اختلاف الأسلوب. فهل يحق لنا -بناء على هذا- أن نقول: «يهودية الإسلام»؟! ولست أعرّض بأخي المؤمن المجاهد الشيخ مصطفى السباعي رحمة الله على روحه، فلقد ناقشته في حياته وكان بيني وبينه أخذ ورَدّ، وأشهد ما كان قصده إلا الخير وأنه أراد أن يجلب بذلك الاشتراكيةَ وأهلَها إلى الإسلام ... لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وربما أراد الرجل الخير فاتُّخذ عمله حجة للشر (١).

стр. 260

فالرجل مؤمن مخلص مريد للإصلاح، ولكن الطريق الذي مشى فيه طريق وعر متقطع، وإن ظنه طريقاً سهلاً موصلاً.

стр. 261

وكلامي هنا في ردّ الفكرة، لا في نقد الشيخ الذي كان وجوده ربحاً للدعوة وكان فَقده خساراً عليها، والذي ترك من

стр. 262

الآثار ما يكون له منه الثواب الدائم والنفع الباقي، ﵀ وجزاه على نيته خير الجزاء. وللكلام بقية تقرؤونها في الجزء القادم إن شاء الله (١). * * *

стр. 263

الدعوة إلى الوحدة نشرت سنة ١٩٣٩ إذا أنت دققت في أحوال هذه الأمم -وهي تستكثر اليوم من أسباب القوة وتتزايد في اتخاذ العُدَد التي تدرأ عنها أخطار البركان الذي يوشك أن ينفجر في كل لحظة (١) - لرأيت أن أقوى عُددها وأمضى أسلحتها اتفاقُ بَنيها على المطمح الذي يطمحون إليه والغاية التي يبتدرونها، وأدركت أنها لن تنفع العدّةُ ولا يُجدي العَددُ أمةً أضاعت هدفها، فهي تهيم على غير هدى. فما هو المطمح الذي نسعى إليه؟ إن لنا مطمحاً، ما في ذلك شك، ولكن الآراء تختلف على تحديده، في وقت يعمّ فيه البشرَ الرعبُ والفزع، ويتراءى فيه شبح الحرب المروّعة الجارفة، ولا يصحّ فيه اختلاف. فمنّا مَن قَصَر مطمحه على الجامعة الإقليمية الضيقة، ومنا من دعا إلى

стр. 264

الجامعة القومية التي تضم كل عربي، ولو تناءت الديار واختلفت الأفكار، ومنا من دعا إلى الجامعة الواسعة الشاملة، الجامعة الإسلامية. وأنا محاول تمحيص هذه الدعوات وتقويمها والكلام عليها، لا من ناحية إمكان تحقيقها أو استحالتها، بل من جهة صحتها وبطلانها ونفعها وضررها. وليس على من يدعو إلى مبدأ صحيح أن يقوم على تنفيذه، فإن تنفيذه (ما لم يكن مستحيلاً في العقل) ممكن وحاصل بالقوة، ولا يطالَب العالم الأخلاقي الذي يقبّح السرقة ويدعو إلى تطهير المجتمع منها بأن يكون مفتش شرطة، يتعقب اللصوص ليطهر منهم المجتمع بالفعل! * * * ولا بد لنا قبل المفاضلة بين هذه الدعوات الثلاث من الاتفاق على معنى «الأمة»، وتحقيق الأسس التي تبنى عليها الأمم والروابط التي تؤلف بين أجزائها. ولن نتعب في هذا البحث، فقد كُتبت فيه ألوف الصفحات منذ ألقى رينان محاضرته المشهورة سنة ١٨٨٢ إلى اليوم، وأصبح معروفاً أن الأرض التي تعيش عليها الأمة، واللغة التي تتكلم بها، والدين الذي تدين به ربَّها، والدم الذي يجري في عروقها، واتحاد المشاعر بين أفرادها، ونظرهم إلى الماضي نظرة واحدة تنتج في النفس شعوراً واحداً، واتفاق آمالهم بالمستقبل ... هذه جميعاً هي التي تصنع الأمة الواحدة. فإذا وعيت هذا وأدركته، فانظر في هذه الأقاليم العربية: هل تلقى وأنت تقطع هذا الطريق الذي يُقطَع في ساعتين، إذا جاوزت

стр. 265

حدود سوريا وتسلقت شعاب الجبل، هل تلقى اختلافاً جوهرياً في العادات أو في اللغة أو في الحياة الاجتماعية بين دمشق وبيروت، مثل الذي يلقاه المسافر من باريس إلى برلين؟ وتحدّث إلى من شئت من سكان البلدين، وعرّج به على الماضي واذكر له المستقبل، فإنك لا تجد تبايناً ولا اختلافاً يصحّ معه اعتبار أهل كل بلد أمة لهم قومية مستقلة. فالدعوة إذن إلى قومية سورية أو لبنانية أو مصرية أو عراقية لغو من القول، وتكذيب للعلم، وردّ للواقع. بقي علينا الكلام في الدعوتين العربية والإسلامية. وليس بينهما خلاف جوهري، فإنه لولا الإسلام ما كان العرب شيئاً ولا كان لهم في التاريخ ذكر، وللبثوا في آخر الأمم حضارة وعلماً، ولولا العرب ما انتشر الإسلام ولا عمّ الشعوب. ثم إن كل مسلم نصف عربيّ لأن المسلمين أمة محمد، ومحمد ﷺ عربي، ولأن القرآن كتابهم كتاب عربي مبين. وكل عربي نصف مسلم، لأنه لا يفتخر إذا افتخر بعرب نجد ولا عرب اليمامة، بل يفتخر بعرب دمشق وبغداد والقاهرة، وهم مسلمون عَزّوا بالإسلام. ثم إن هذه الحضارة ليست عربية خالصة وإنما هي حضارة إسلامية ساهم فيها المسلمون كلهم، وكل عظيم في العرب تلميذ لمحمد ﷺ . ولكن الاختلاف بين الدعوتين من ناحية السعة والامتداد؛ فالوحدة العربية مقصورة على أقل من سبعين مليون عربي، بينما تمتد الجامعة الإسلامية إلى ما يقارب أربعمئة مليون. وسأبين قيمة الجامعة الإسلامية العلمية والدينية، ثم أعرض إلى ما يوجَّه إليها من نقد فأجيب عليه.

стр. 266

أما من الناحية العلمية فالمسلمون يؤلفون أمة واحدة، ليس في الدنيا أمة أقوى منها في الروابط المعنوية وفي الإرادة العامة؛ فتاريخها واحد وآمالها واحدة، ثم إن لها من دينها روابط ليست لغيرها. وحسبك بالحج الذي يجتمع فيه أفرادها من سائر آفاق الأرض، فيقوم الصيني إلى جانب الياباني، بجوار الهندي والأفغاني، والعربي والتركي، ومن جاء من روسيا ومن قدم من بلاد الألبان ... لباسهم واحد، ونداؤهم واحد، وربهم واحد؛ فأي رجل يستطيع أن يقول بأن هذا الهندي أو هذا الفارسي غريب عنك، وأن طنوس العربي وحاييم العربي أقرب منه إليك؟! ثم إن من معجزات الإسلام أنه استبق الأيام فأقرّ هذه الرابطة (الروحية المادية معاً) منذ أربعة عشر قرناً، مع أن العالم لم يتجه إلى مثلها إلا في هذه الأيام التي سقطت فيها -في الواقع- المبادئ العنصرية وقامت في مكانها روابط فكرية، كالشيوعية والنازية والديمقراطية ... فلماذا لعمري تؤلف الشيوعية بين الفرنسي الشيوعي والروسي، على اختلاف الدم واللغة، ولا يؤلف الإسلام، وهو الرابطة المحكمة والعروة الوثقى، بين كافة متّبِعيه؟ أما من الناحية الدينية فإن الإسلام لم يَدَعْ للمسلم الخيار في هذا الباب، بل وضع هذه الوحدة الإسلامية موضع الأسس الكبرى من الدين، فقال الله تعالى: ﴿إنّمَا المُؤْمِنونَ إخْوَة﴾، وشبّه النبي ﷺ المؤمنين بأعضاء الجسد الواحد، وأعلن في حجة الوداع على رؤوس الملأ أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وتلا قول الله : ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ﴾، وقدّم النبي ﷺ سلمانَ الفارسي وصُهيباً الرومي وبلالاً الحبشي،

стр. 267

وأخّر أبا لهب عمّ رسول الله، وجعل الله سبَّه عبادة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وَتَبّ﴾! وصرح ﷺ بأنه ليس من المسلمين من دعا بدعوة الجاهلية. وما دعوة الجاهلية إلا هذه العصبية القومية التي تُؤْثِر رابطة الدم على جامعة الإيمان. * * * أما اعتراضهم على هذه الدعوة فينحصر أهمه في أن البلاد العربية ليست خالصة للمسلمين، وإنما هي مشترَكة بينهم وبين غيرهم، فالدعوة إلى المبدأ الإسلامي فيها استفزاز لهؤلاء وإيذاء لهم. والجواب على ذلك أن هذه الدعوة من أسس الدين التي لا هوادة فيها، ولا خيار للمسلم في العدول عنها. ثم إن الإسلام حفظ لهؤلاء المواطنين غير المسلمين كل حق هو لهم، وضمن لهم من الحريات ما لا تضمن أكثرَ منه دولةٌ على ظهر الأرض لأمثالهم؛ فأي خوف عليهم من هذه الدعوة؟ ثم إن هؤلاء العرب غير المسلمين لا يتجاوزون مليونين في كافة الأقطار العربية، يقابلهم أكثر من عشرين وثلاثمئة مليون مسلم غير عربي؛ فأي عاقل يعطي ثلاثمئة وعشرين ليأخذ اثنين؟ * * * ومن نِعَم الله أن مصر والشام لا تقولان إلا بالوحدة الإسلامية، وأن عقلاءهما يعلمون أن هذه الفكرة العربية إنما هي من صنع الإنكليز لمصلحة لهم فيها ظاهرة، وهي فصل الهند عن أقطار الشرق الأدنى. ولكن هذه الفكرة لن تعيش،

стр. 268

والعاقبة للإسلام، والإسلام لا يجتمع مع عصبية الجاهلية في قلب واحد (١). * * *

стр. 269

الدعوة القومية والإسلام نشرت سنة ١٩٣٩ مضى قولنا في القومية بإيجاز بالغ حدّ الإشارة. ومقالتنا اليوم في معنى القومية وإظهار مكانها من الدين عَلْواً وسَفْلاً، وخلافاً ووفاقاً، وغرضنا من ذلك الاتفاق على مطمح لنا واحد ونفي التفرق الذي يؤدّي بأهله إلى الفشل، وأن نجمع قوانا التي ننفقها في التنازع والتخاصم ثم نوجهها وجهتها المرجوّة إلى الإصلاح والقوة والتقدم. * * * وبعد، فإذا كان معنى القومية بيان فضائل العرب، ونشر تاريخهم، والعناية كل العناية بلغتهم وآدابهم، واتباع سنتهم في كلامهم، فنحن -لا جرم- قوميون، بل إن كل مسلم فيما أحسب قومي، لأن المسلم مهما كانت لغته وكان قومه لا يستطيع أن ينكر فضائل العرب وينشر مثالبهم ويحقرهم ويبغضهم. وكيف لعمر الله يتّبع محمداً ثم يذم صحابة محمد الذين أُخذ عنهم الدين وأُثِرت عنهم الأحكام، وكانوا هم نَقَلة الأحاديث وحَمَلة القرآن؟ والمسلم -حيث كان- مَعني بتاريخ العرب لأنه تاريخ

стр. 270

الإسلام، مشغوف بلغة العرب لأنها لغة قرآنه ولسان نبيّه، واللغة التي بها يخاطب ربه في صلاته ويدعوه في مناجاته، محبّ لأرض العرب لأنها منها انبثق النور وفيها نزل الوحي، وعليها عاش النبي صلوات الله عليه وفيها دُفن، وإليها الحج من أقطار الأرض، فأي مسلم لا يُؤْثر عرفات على بلده، ويفضّل حجرة النبي التي يقوم فيها قبره الشريف على داره وغرفته؟ فأنت ترى بأن الإسلام دعوة عربية، وتعلم أنه صبغ الدنيا المفتوحة بالصبغة العربية في أقل من نصف قرن. فليس بين القومية -بهذا المعنى- وبين الإسلام فرق ولا خلاف، بل إن الدعوة إليها لا تنجح كما نجحت من قبل إلا إن جاءت باسم الإسلام. وإذا كانت القومية هي السعي للوحدة العربية وإنشاء الدولة العربية القوية، فنحن قوميون عاملون على القومية مجاهدون في سبيلها. ومن يأبى الوحدة ويُؤْثر الانقسام، ويرضى بهذه الحال المضحكة المبكية؟ إن الداعين إلى الوحدة الإسلامية يعلمون أن الجهود يجب أن تُصرَف أولاً إلى توحيد العرب، وهم أعقل بحمد الله من أن يطلبوا وصل بغداد بحيدر أباد قبل أن تتصل بغداد بدمشق! والإسلام -يومَ بدا نورُه- بدأ بالعرب فوحّد بينهم، وجمع شملهم، وألَّف بين قلوبهم، فلما أصبحوا بنعمة الله إخواناً خرج بهم من جزيرتهم ففتح بهم الدنيا، وثَلَّ بهم عروش الطغاة، وأعطاهم مقاليد الأمر والنهي فحكموا بالإسلام المشرق والمغرب، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

стр. 271

فالقومية -بهذا التفسير- لا تخالف الإسلام، بل تؤيده ويؤيدها. أما إذا كان المراد بالقومية أن نجعل الرابطة بيننا اللغة والدم، وأن ننكر أخُوّة الدين ونبرأ من أهلها ولو كانوا في الإسلام على قدم صهيب وبلال وسلمان، وأن ننفي الدين من السياسة وننأى به عن التشريع ولا نباليه ولا نحفله، وأن نهمل صفة النبوّة في محمد ﷺ فلا نرى فيه إلا زعيماً عربياً ورئيساً قومياً، وأن لا نهتم من القرآن إلا بلغته وبلاغته دون مغزاه وغايته، فالقومية -بهذا المعنى- ليست مخالفة للإسلام فحسب، ولكنها هدم للإسلام من أساسه وعودة إلى الجاهلية الأولى، يوم لم يكن كتاب أُنزِل ولا نبي بُعث ولا نور أضاء ... وهذه التي قال عنها العارفون إنها دسيسة خبيثة من عمل الإنكليز، بدليل أن شيئاً اسمه «قومية عربية» لم يعرفه العرب قط، وإنما عرفوا عصبية قَبَلية، نعاها عليهم الإسلام وسفَّه أهلها، فاختفت حيناً، ثم ظهرت عند من لا يزعه وازع قوي من دين؛ كالشعراء ورجال السياسة (أعني بعضهم) وناس من الأعراب قالوا قيسية وقالوا يمانية. ولم تُعرَف هذه الدعوة القومية على الوجه الذي بيّنا إلا في آخر الزمان، حين عجزت دول أوربا عن قتل «الرجل المريض» بزعمهم، فدسّت له سكين القوميات تحزّ في مفاصله وتقطع أوصاله؛ وكان ما كان مما يعرف الناس وما يأبى الله والإسلام، وانتهينا إلى الفرقة في السياسة وفي الأجناس والمذاهب، وصرنا إلى حال لو تأمل حقيقتَها المتأملُ لرأى ما تمَّ منها (في بعض البلدان المسلمة) يدل دلالة البرهان القاطع على أن المراد من هذه

стр. 272

الدعوة القومية هدم الإسلام ومحاربته والرجوع إلى الجاهلية، وهذا ما تجب محاربته على كل من يشهد أن لا إله إلا الله. * * * يَضِحُ لك من هذا أن الدعوة الإسلامية لا تهدم من القومية إلا جانبها الخبيث، أما الجانب الطيّب -من نحو إنشاء دولة عربية قوية- فإنها تؤيده وتدعمه. وإذا ظن أحد أن الأخوّة الإسلامية من شأنها أن تجعلنا نمدّ أيدينا مصافحين لكل من جاء يقتلنا ويملك أرضنا باسم الإسلام فقد ظنَّ آثماً، لأن الإسلام لم يكن في يوم من الأيام دين ضعف وتخاذل، وإنما هو دين قوة وأَيْد، وجزاءُ سيئة فيه سيئة مثلها، والعمل على كل ما يقوّي الدولة ويشد أزرها مما يطلبه الدين وتدعو إليه الشريعة. فيا ليت إخواننا دعاة القومية يحرصون على فهم حقيقة الإسلام، إذن لرأوه الطريق الوحيد إلى ما يريدون والعون على ما يأملون، ولم يفزعوا منه ولم يجزعوا من ذكره، ولعلموا أنه يُكسبهم ثلاثمئة وعشرين مليون أخ (١)، إذا هم عجزوا اليوم عن معونتهم إلا بالروح والعاطفة فسيكونون لهم في غد عوناً باليد واللسان وإخواناً على السرّاء والضرّاء، ويكونون وإياهم كما أراد الله أن يكونوا: إخوة وأعضاء جسد، إذا شكا عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى. * * *

стр. 273

كلمة صغيرة نشرت سنة ١٩٥٤ ماذا يصنع أهل الأسرة الواحدة؟ يقيمون جميعاً في دار واحدة، ويأكلون على مائدة واحدة، ويصبحون معاً ويُمسون معاً، يتبادلون الحب والودّ، يعطفون على المريض ويسألون عن الغائب، ويقومون صفاً واحداً في وجه الأحداث والمصائب. أليست هذه هي صفة الأسرة؟ نحن إذن أسرة واحدة. هذا ما قلته لنفسي ونحن في المؤتمر (١)، معنا المرّاكشي والجزائري والتونسي والمصري والعراقي والشامي واللبناني والأردني والفلسطيني، وإخوان من إيران وكردستان والأفغان والباكستان وأندونيسيا والقفقاس، وما لست أذكر الآن ... نحو سبعين رجلاً ما التقوا من قبل ولا سمع بعضهم بأسماء بعض، لكل واحد منهم زي غير زي الآخر ولسان غير لسانه وملامح غير ملامحه، ولو تعمّدتَ أن تجمع الأشتات من الناس والأضداد

стр. 274

-في الظاهر- من البشر لما جئت بأعجب من هذه المجموعة. ولكن هذه المجموعة أقامت في فندق واحد، وأكلت على مائدة واحدة، وقامت للصلاة صفاً واحداً وراء إمام واحد، ومرض قوم (وكنت ممّن مرض) فعطفوا عليه جميعاً، ومات واحد فحزنوا عليه جميعاً، وأحسّ كل فرد منها منذ الساعة الأولى بأنه مع إخوان له، يعرفهم منذ الأزل ويعرفونه ويحبهم ويحبونه. فكيف تحققت هذه المعجزة؟ كيف اختُصرت في هذا الفندق ممالك الإسلام كلها فكانت أسرة واحدة، تتمنى أكثر الأسر التي يجمع بينها الدم والنسب أن يكون لها بعض ما كان لهذه الأسرة من جوامع الحب وروابط الود؟ كيف تهاوت في لحظة حواجز اللسان والبلدان والأزياء والأفكار، حتى كأنْ ليس فيهم عربي ولا فارسي ولا تركي ولا كردي ولا شركسي، ولا أشقر ولا أسمر، ولا قريب ولا بعيد؟ كيف انهدم في يوم واحد ما أنفق أعداء الإسلام القرون الطِّوال في بنائه، من عوائق الوحدة في الدين وموانع الأخوّة في الله؟ هذا هو سرّ الإسلام. فقل لدعاة القومية: موتوا بغيظكم؛ إن المستقبل لنا، لقد شِدْتُم صرحاً ولكنه صرح من الثلج، متى أشرقت عليه شمس الإسلام رجع وحلاً تطؤه الأقدام. * * *

стр. 275

موقف الإسلام من العربية نشرت سنة ١٩٦٧ أحب أن أعود اليوم إلى الكلام على العربية والإسلام: ما هو موقف الإسلام من القومية والعربية؟ هل يوجب علينا الإسلام أن نتنكر لدعوة القومية، وأن نعلن الحرب عليها ونناوئ القائلين بها؟ وقبل الجواب أسأل سؤالاً آخر يتوقف عليه الجواب على السؤال الأول: ما هي القومية؟ الذي أفهمه أنا أن للقومية دعائم ثلاثاً: اللغة، والتاريخ، والعادات. وهذه الثلاث هي الروابط التي تربط أبناء القومية، لا أعني العربية وحدها بل كل قومية في الدنيا. فاللغة هنا هي العربية، وهي لغة القرآن، لا يختلف اثنان من العرب بأن القرآن هو أبلغ نص فيها وأسماه، وأنه عماد هذه اللغة، وأنه هو الذي حفظ لها كيانها وأقام قواعدها، أي نحوها وصرفها، وأنه من أجل إثبات إعجازه نشأت علوم البلاغة فيها، وأن العربي اليوم بفضل القرآن يفهم أشعار الجاهلية التي قيلت من خمسة عشر قرناً، مع أن الإنكليزي اليوم لا يستطيع أن يفهم

стр. 276

أشعار شعراء الإنكليز قبل خمسة قرون والفرنسي اليوم لا يستطيع أن يفهم أشعار شعراء الفرنسيين قبل خمسة قرون؛ تبدلت قواعد الإنكليزية والفرنسية في هذه القرون الخمسة وبقيت قواعد اللغة العربية كما كانت منذ أنزل الله القرآن، والسبب في بقائها هو القرآن. فإذا كانت العربية هي الدعامة الكبرى في بناء القومية العربية، فالإسلام يدعو إلى حفظها وإتقانها. ونحن -دعاةَ الإسلام- لا نزال أعلمَ بالعربية وأعرف بعلومها، ولا نزال نحن المرجع فيها، ولم يظهر إلى الآن من دعاة القومية من يُعَدّ مرجعاً في اللغة وعلومها، بل إن جلّهم (إن لم نقل كلهم) يلحن في عشرة أسطر يتلوها أو عشر جُمَل يلقيها، فكيف يحمل لواء الدعوة إلى القومية من لا يعرف لغة أهلها؟ والدعامة الثانية (وهي التاريخ): نحن، لا هم، حرّاسها وحُماتها. إن التاريخ العربي هو التاريخ الإسلامي، تاريخ انتشار هذه الدعوة، تاريخ هذه الفتوح، تاريخ الحضارة التي أقامها الإسلام ... وهذا التاريخ لا يعرفه إلا من عرف علم الرجال وميّز بين الروايات والأسانيد، ولا يعرف هذا إلا المشتغلون بالحديث وعلومه، وأعني بذلك رجال الدعوة الإسلامية. وقد يحمل القوميون الشهادات الجامعية في الاختصاص بالتاريخ ويكونون هم مدرّسيه في الجامعات بحكم هذه الشهادات، ولكن بضاعتهم كلَّها هي ما تلقّوه عن المستشرقين وما قرؤوه في كتبهم التي لا يخلو كتاب منها من الدس ومن الجهل.

стр. 277

فالتاريخ العربي (أو الإسلامي)، وهو الدعامة الثانية من دعائم القومية، نحن علماؤه ونحن لا نزال المرجع فيه. والدعامة الثالثة هي العادات العربية، من الكرم والشجاعة والغيرة على الأعراض وصدق المواعيد وحفظ الجوار، وأمثال ذلك، وهذه كلها نحن أربابها ونحن المتَّصفون بها، لأن ديننا يأمرنا بها ولأن نبينا محمداً ﷺ إنما بُعث ليُتمّم مكارم الأخلاق. فنحن إذن لا نهدم دعائم القومية الثلاث: اللغة والتاريخ والعادات، بل نحن نبنيها ونحميها، ولا نعارض الداعين إلى بنائها وحفظها. إنما نعارض الذين يريدون أن يجعلوا من القومية ديناً يستبدلونه بدين الإسلام، وأن يجعلوا من أخوّة العروبة بديلاً من أخوّة الإيمان، وأن يفرقوا الأمة الواحدة، أمة محمد، فيجعلوها أمماً ويقطّعوا روابط الأخوّة بينها، وأن يعيدوا لنا عهد الجاهلية وعصبيتها بعد أن بعث الله فينا نبياً وأنزل فينا كتاباً، وأنار لنا الطريق الذي كان مظلماً، فرآه أجدادنا فسلكوه فأوصلهم إلى مجد الدنيا ونعيم الآخرة. هذا الذي ننكره أشد الإنكار ونأباه أشد الإباء، أما الحفاظ على لغة العرب وتاريخ العرب وسلائق العرب، فهذه كلها نحن أحق بها ونحن أهلها. * * * وعجبي والله ممّن يعتزي إلى العربية ويعتز بها: كيف لا يتمسك بالإسلام ويعض عليه بالنواجذ، ويراه له أول المفاخر

стр. 278

إذا عُقدت الخناصر؟ وعجبي ممّن يدعو بدعوة الإسلام، ثم يرى كأن من شرط صحة الدعوة أن يسب العرب ويذم العربية، وكأن العربية والإسلام ضدان لا يجتمعان ولا يوجد أحدهما إلا بفَقد الآخر! مع أن الله، والله أعلم حيث يضع رسالته، اختار لخاتمة الرسالات رجلاً من العرب، وأنزل عليه الكتاب بلسان العرب، وجعل حمل الرسالة ونشرها للعرب؛ هم الذين تلقوها وهم الذين نقلوها، وهم الذين جعلوا بذورها في الأرض جماجم شهدائهم وماءها الذي سُقِيَت به دماء أبطالهم، فأنبتت هذه البذور حضارة خيّرة ماجدة تفيّأ أهلُ الأرض كلهم ظلالَها وطعموا من ثمراتها. ولكن الإسلام لم يكن بالعرب، بل العرب كانوا بالإسلام؛ الإسلام هو الذي جاء إلى هذا المعدن الخام الكامن في نفوسهم، الذي لا يدري به الناس ولا يدرون به هم أنفسهم، فاستخرجه وصفّاه وصنع منه هذه الروائع التي عَزَّت عن الشبيه واستعصت على التقليد. لقد وُلد العرب في التاريخ يوم ولد محمد ﷺ ، فمن لم يصدّق فليتصور كيف يكون تاريخ العرب لولا محمد ﷺ ؟ وماذا كان يبقى لهم لولا الحضارة التي أقامها أتباع محمد من العرب؟ إنه لن يبقى لهم إلا السقاية والرفادة والمعلَّقات السبع، وقصر غمدان في اليمن والخورنق في الحيرة ... وهذا كل شيء! أما حضارة دمشق وبغداد والقاهرة فهذه كلها إنما صنعها الإسلام، وهؤلاء القوّاد الأمجاد الذين ربحوا للعرب عشرة آلاف معركة، الذي أخرجهم وحقق لهم هذه الانتصارات هو الإسلام.

стр. 279

وهؤلاء العلماء وهؤلاء الفلاسفة الذين كانوا أساتذة الدنيا، وكانت كتبهم هي الغذاء العقلي لأدمغة طلاب أوربا في جامعاتها إلى ما قبل أربعة قرون فقط ... هذا كله أثر من آثار الإسلام. إن العرب مَدينون بوجودهم الحضاري وبمنزلتهم في التاريخ للإسلام. فالعربية والإسلام أخَوان لا ضدان ولا نقيضان. إن بينهما ما يسمى عند أهل المنطق «عموماً وخصوصاً من وجه»؛ إنهما دائرتان متداخلتان، دائرة صغيرة هي العربية وكبيرة هي الإسلام، يكون منهما ثلاثة أقسام: عربي مسلم، وهذا ليس فيه كلام، فنحن عرب ونحن مسلمون، ونحن نعتز بقرآننا العربي ونعتز بعربيتنا المسلمة. ومسلم غير عربي، وهو أخونا، نحن منه وهو منا، دينه ديننا وكتابه كتابنا وقبلته قبلتنا، لا فرق بينه وبيننا ولا فضل لنا عليه ولا له علينا. وفيهما عربي غير مسلم. إن كان في ذمتنا وكان ساكناً معنا كان له ما لنا وعليه ما علينا، ولكن لا نقدمه على ذاك الذي هو أخونا، ولا نجعل رابطة الدم واللسان كرابطة الدين، ولا نجعل من يشرك بالله أو يجعل له ولداً أو يجحد رسالة محمد ﷺ كمن يقول معنا «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». هذا هو ديننا، لا نستطيع أن نكتم حقائقه أو نبدل أركانه، بل نعلنه على رؤوس الأشهاد ومن ذُرَى المآذن، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. * * *

стр. 280

فضل الإسلام على العربية حديث أذيع سنة ١٩٧٣ فكرت اليوم في العروبة التي جعلوا الدعوة إليها شعارهم، واتخذوها لهم ديناً بدلاً من دينهم، ماذا كانت لولا الإسلام؟ هذه أشعار الجاهلية، وهذا ما رُوي من كلام كُلَمائها وبُلَغائها وما نُقل من أحداثها وأخبارها، هل فيها كلها مَنْ ذَكَر العربية أو فخر بالعرب من حيث هم عرب؟ كل فخر الجاهلية فخر بالقبيلة؛ هذا يفخر بتَغْلِب وهذا ببكر وهذا بعَبْس وهذا بذبيان (١)، أما الفخر بالعرب والعروبة فلم يرد لهم على لسان، ولم تذكر العروبة إلا بعد الإسلام. هذه واحدة. والثانية: أن العربية كانت لهجات ولغات مختلفات، ما وحّدها وجعلها لغة واحدة وقَعَّد لها القواعد ووضع لها النحو والصرف وجمع مفرداتها في المعاجم إلا الإسلام. والثالثة: أن العربية كانت لغة حياة بدوية أو نصف حضرية، مقاصدها محدودة وروائعها الأدبية معدودة، ما جعلها لغة

стр. 281

الحضارة والعلم وجعل لها هذه الروائع التي لا تُحصى في النثر وفي الشعر وفي العاطفة وفي الفكر، وجعل لها هذه المئات من ألوف الكتب، إلا الإسلام. والرابعة: أن العربية كانت محصورة في هذه الجزيرة، لا يكاد ينطق بها وراء حدودها إلا هذه البقاع المجاورة لها من الشام وأطراف العراق، وما مكّن لها حتى جعلها يوماً لسان هذه البلاد الشاسعة الواسعة التي تمتد من جنوبي فرنسا إلى غربي الصين، وجعلها -بعدُ- لغة الثقافة ولغة السياسة في الهند وماليزيا وجاوة وتلك البلاد، ونشرها في روسيا حين كانت تقوم حكومة البلغار المسلمة حتى نهر الفولغا عند مدينة ستالينغراد ... ما فعل ذلك كله إلا الإسلام. * * * الإسلام هو الذي أسدى إلى اللغة العربية هذه الأيادي كلها، وهو الذي أفضل عليها، وهو الذي سخّر الأعاجم حتى درسوها وأتقنوها وصاروا هم علماءها الذين يعلّمونها أبناءها، من أمثال سيبويه والزَّمَخْشري والعشرات من أئمة النحو والصرف، وصاروا هم شعراءها وأدباءها، من أمثال بشّار وأبي نُواس وابن الرومي وابن المقفَّع والجاحظ، والعشرات من عباقرة الشعر وأئمة البيان. انظروا نظرة في مصوَّر فارس والأفغان وتركستان (١)،

стр. 282

وفكروا: هل ترون مدينة فيها لم يُخرج منها الإسلام إماماً من الأئمة ألّف بالعربية أجلّ الكتب في الدين واللغة والأدب؟ وحسبكم البخاري، وأين أنتم من بُخارى؟ والنَّسائي والنيسابوري والقزويني والشّاشي (١) والتّبريزي والرّازي (٢) والطّبري (٣) والأصفهاني ... وعشرات من هذه الأسماء، حتى إنكم لا تجدون في هذه البلاد المترامية الأطراف مدينة لم يُخرج منها الإسلام عالماً خدم العربية. ومثل ذلك في بلاد المغرب، وحسبكم بالقرطبي والداني والجبّاني والصقلّي والشاطبي. ولا يزال الإسلام يمتد على رغم قلة الدعاة وتخلف الزمان، وكلما بلغ في امتداده قطراً جديداً حمل معه إليه العربية، يتعلمها كل مسلم ليناجي بها ربه ويقرأ بها في صلاته. فإذا كان أصحاب الدعوة العربية صادقين في حب العربية راغبين في نشرها، فعليهم بالرجوع إلى الإسلام ودعوة الإسلام، لأن العربية لم تنتشر في الماضي، ولن تنتشر في المستقبل، إلا بدعوة الإسلام. * * *

стр. 283

القومية والإسلام كتبت سنة ١٩٨٧ ولم تُنشَر (١) في هذه الجريدة، عدد ٢٣ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٧، مقالة عنوانها «كتاب مفتوح إلى الأخ هشام علي حافظ» بقلم نصري سلهب. قرأتها فوجدت أن الرسالة لم توجَّه إليّ ليُطلَب مني الجواب عليها، وليس في المكتوبة إليه ضعف لأسنده أو عجز عن الرد لأرشده، وقلت: أجوز بها لا أقف عليها. وكدت أمضي في طريقي، لولا أنّي وجدت في الرسالة ما يجاوز الرسائل الإخوانية إلى أمور هي من الدين مالَ فيها الكاتب عن سبيل الصواب، ولا بدّ لها ممّن يقوِّم مَيْلها ويصحح خطأها،

стр. 284

لأن الله أخذ على مَنْ عَلِمَ الحق أن يبيّنه للناس وأن لا يكتمه، وإن كتمه كان شيطاناً أخرس. وأنا لا أحب أن أكون شيطاناً مُبيناً ناطقاً بأفصح لسان، فهل أكون شيطاناً وأكون أخرس؟ ثم إنني لا أعرض للكاتب بمدح ولا قدح، وما لي في شخصه أرب، وإنما أصحح فكرة يوجب ديني عليّ تصحيحها. في هذه المقالة إثارة للغبار في ميدان طالما نزلت إليه وصُلْتُ فيه منذ ظهرت فينا بدعة القومية، وكنا لا نعرف قبلها إلا رابطة الإسلام، وكان عندنا مدرّسون من العرب ومن الترك ومن الأكراد ومن الشركس، فكنا لا نفرق بين أحد منهم وكنا نجلّهم جميعاً ونحبهم. كنا أمة واحدة هي أمة محمد ﷺ ، التي كانت (ولا تزال وستبقى) فيها من كل جنس وكل لون، لأن محمداً ﵊ لم يُبعَث إلى العرب وحدهم بل إلى كل أبيض وأسود، بُعث إلى الناس كافة، فالناس في الإسلام سواء، من آمن منهم بالله وبالقرآن. * * * قال صاحب الكتاب المفتوح إن أميراً عربياً سأل الأستاذ أمين الريحاني عن دينه: هل هو نصراني أم هو مسلم؟ فقال له: يا طويل العمر، أنا عربي. وحَسِب الكاتب أن هذه الكلمة كانت فصل الخطاب وكان فيها الجواب كل الجواب. يقول إنه عربي، فما معنى أنه عربي؟ ومن هو العربي؟ نحن عندما نذكر المسلم نستطيع -على أهون سبيل- أن نجد له تعريفاً يجمع الأفراد

стр. 285

ويُخرج الأضداد. فمن هو العربي؟ إن دعاة القومية لم يتفقوا إلى الآن على جواب هذا السؤال (١). هل العربي عربي النسب؟ وأين إذن سلسلة نسب الريحاني إلى العرب؟ ومن أي القبائل العربية هو؟ بل مَن منّا -نحن عرب الأمصار في مصر والشام وأكثر البلدان- يستطيع أن يعدّ من أجداده إلى أبعد من الجد الرابع أو الخامس؟ وإذا أخذنا هذا المقياس ألا نُخرج طائفة من أعلام العربية في الأدب وفي التاريخ من عروبتهم؟ ألا يكون بشّار شاعراً فارسياً، وابن الرومي يونانياً؟ بل لو أخذ الفرنسيون بهذا المقياس ألا يجدون أن جان جاك روسو سويسري؟ ولو قبله الإنكليز ألا يرون أن ملوكهم ألمان جرمانيون ليسوا أصلاً من الإنكليز؟ قد تقولون إن هذه عرقية (راسيزم) لا قومية، فمَن هو العربي في شرع القومية؟ إن قلتم إنه الذي يتكلم العربية ويعرف تاريخها وعاداتها، عددت لكم من غير العرب من يجمع هذا كله وهو فرنسي أو إنكليزي، كالمستشرق كرينكو مثلاً، أو لورنس أو غلوب. فيقولون: لا بد أن يشعر بشعور العرب، فنقول: إن المقاييس الاجتماعية والشروط القانونية لا تعتمد على الخفايا وعلى ما يُكِنّ الضمير، بل على حدود ظاهرة، فمن أين نعرف ما يشعر به المرء وما يضمره في نفسه إن لم ينطق به بلسانه أو يكشفه بعمله؟ * * *
следующие страницы →