← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17361

فصول في الدعوة والإصلاح

علي الطنطاوي

Полный текст (295 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فما بالنا نشتغل اليوم بمسألة انتهت من ... ثلاثة عشر قرناً؟ شيء عجيب جداً! * * * على أن أهل السنة لا يطيلون النزاع في أفضلية أبي بكر أو عليّ ولا يرون لذلك خطراً في الدين، لأنه إن كان الفضل عند الله فالله أعلم به، وهو لا يُسأَل عمّا يفعل، ونحن لا دخل لنا في القضية. وإن كان في الإدارة والسياسة فقد ولّى الرجلان، والحكم الآن للتاريخ وأهله. ولا طريق للاتفاق بيننا وبين الشيعة إلا بأمور: ١ - بأن ندع الكلام في تفضيل بعض الصحابة على بعض، لأن ذلك ليس من أركان الإيمان ولا من أسس الدين، وليس له في حياتنا نتيجة عملية. ٢ - وأن نُجِلّ الصحابة جميعاً ونُكْبرهم كلهم ولا نخوض فيما كان بينهم من حروب، فتلك دماء طهّر الله سيوفَنا منها -كما قال الإمام مالك- فلنطهّر ألسنتَنا عن الخوض فيها. ٣ - وأن نرجع جميعاً إلى أصول الدين: إلى الكتاب معتمدين في تفسيره على المأثور (كالذي نقله الطبري في تفسيره) أولاً، ثم على المعقول الموافق للعربية ولأسباب النزول. وإلى السنّة الصحيحة وما بُني عليها من فقه وفُرِّع من فروع، وأن نترك كتب الخلاف التي تؤرث الأحقاد وتثير السخائم. * * *

стр. 212

هذا هو الطريق الذي نراه، وأن يتعاون الشيعة والسنة على منع كل ما يصدع الشمل ويفرق الجمع ويلقي الخُلْف بين جماعة المسلمين، كهذا الكتاب الذي كتبت هذه الكلمة تعليقاً عليه. وهو كتاب أُهدي إلى «الرسالة» للاطلاع والنقد، اسمه «تحت راية الحق في الرد على الجزء الأول من فجر الإسلام»، مكتوب على غلافه: لمؤلفه البحاثة المحقق الشيخ عبد الله السبيتي. مطبوع في طهران طبعاً سقيماً، أسلوبه ضعيف كثير الأغلاط، له مقدمة بقلم صاحب السماحة العلامة الكبير حجة الإسلام الشيخ مرتضى آل ياسين الكاظمي. ولست أريد تتبع كل ما فيه، ولكني أمثّل عليه بهذا الذي أنقله منه بحروفه، ولم أتعمد اختيار أشده، وإنما أخذت ما وقع تحت نظري منه: قال في صفحة (١٥): إن تاريخ سقيفة بني ساعدة يملي علينا درساً كاملاً يوضّح لنا به نفسية المهاجرين والأنصار، وأنها لم تَصفُ نفوسهم إلى حد وصل الدين (كذا) إلى أعماق قلوبهم. والصحاح تحدّثنا عن قول عمر «إن النبي يهجر»، ذلك حينما قال النبي ﷺ : إيتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً. فكل ذلك يشرف بالباحث على القطع بأن الدين لم يصل إلى أعماق قلوبهم ولم يفهموا الإسلام كما يريد الإسلام. وقال في صفحة (١٥٤): وحسبه أن يرى كعب الأحبار اليهودي الدسّاس إلى جانب عثمان، وهو مستشاره. وقال (٥٠): معاوية رأس النفاق، معاوية المستهتر. وقال (٨٥): معاوية رأس القاسطين. وقال (٧٩): ورُبّ رجال أقعدهم بغض أمير المؤمنين

стр. 213

عن القيام بواجب الشهادة فأصابتهم دعوته، كأنس بن مالك. وقال (٩٨): أبو هريرة يحدّث بالترهات ويختلق الخرافات. وقال (١٣٠): حديث المنافقين كابن هند (أي معاوية) وابن النابغة (أي عمرو بن العاص) وابن الحكم وابن شعبة وأمثالهم، ولا بحديث الكذّابين الدجالين المخرفين كأبي هريرة. وقال (٤٠): الشيخان (أي البخاري ومسلم) عُنيا بأمور لا وزن لها ولا قيمة، ولسنا نعلم لو كان النجاح في هذه الحرب (الخندق) لغير علي، أكان يهمله الشيخان؟ فاتضح لك أن تلك الأقلام (الكلام كله على البخاري ومسلم) التي تسوّد تلك الصفحات كانت تمشي وراء الميول والأهواء والتبصيص حول التيجان. وقال (٩٣): على أن مسلماً في صحيحه زاد في اختصارها (خطبة للنبي ﷺ جرياً على مقتضيات السياسة التي تخرس الناطق وتصم السميع، فحذف شطرها المختص بعلي ﵇ كما لا يخفى، وهو مما يدلك على أن السياسة لا دين لها وأنها تعمي البصر والبصيرة. وقال (٩٦): كرّر البخاري هذه السخافة في مواضع عديدة من كتابه ... وقد أخرج البخاري من الغرائب والعجائب والمناكير ما يليق بعقول مخرّفي البربر وعجائز السودان. وقال (١٠٠): تراه (أي البخاري) يخرّج من الأحاديث الموضوعة ما تقرّب الواضعُ به إلى الظالمين الغاشمين تصحيحاً لما كانوا يرتكبونه من القتل والمثلة وسائر الأعمال البربرية. وقال (١٤٦): إن الشيعة لا تعوّل على تلك الأسانيد (أي أسانيد أهل السنة) بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها، فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته. وقال فيها: إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبَرة عندهم ودوّنوها في كتب لهم مخصوصة، وهي كافية وافية لفروع

стр. 214

الدين وأصوله عليها مدار علمهم وعملهم، وهي لا سواها الحجة عندهم. فما أغناهم بها عن حديث غيرهم، صحّ حديث الغير أم لم يصح. وقال (١٦٢): والتجسيم معروف عن الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، ولقد رأينا من قبل أن ابن تيمية وابن القيم رأيهما ذلك أيضاً. وقال (١٦٣): والتجسيم رأي محمد بن عبد الوهاب وعليه اليوم الوهابية جميعاً، لا يتحاشون في ذلك، وقد نقله الشهرستاني عن أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني (أي الظاهري) ومالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وجماعة من أئمة أهل السنة. وقال (٦٤): ومتى كانت الشيعة تعتبر تفسير الطبري وتعتمد عليه؟ وقال (٨٦): ومتى كان ابن خلدون وغيره من علماء السنة، اللهم إلا القليل، لا يحمل حقداً ولا يتحامل عندما يقف مؤرخاً للشيعة، ومتى كان المؤرخ منهم لا يرتكب زوراً وبهتاناً عند سنوح كل فرصة؟ وقال فيها: الاعتماد على ابن خلدون وأمثاله مثل من يريد أن يبحث عن الشريعة الإسلامية وصحة نبوّة النبي فيعتمد على كتب النصارى قبل سبعة قرون ... إلخ. * * * ومؤلف الكتاب، البحاثة المحقق، لا يسوق هذا على أنه رأي له، بل على أنه معتقَد الشيعة وأنه المعتمَد عندهم. وأنا أصدّقه في ذلك ما لم أرَ علماء الشيعة يكذّبونه فيه وينكرونه عليه، وأقول: إذا كان إخواننا الشيعة يعتقدون أن المهاجرين والأنصار لم تَصْفُ نفوسهم لفهم الدين ولم يصل إلى أعماق قلوبهم، ونحن نراهم أئمة الهدى ووَرَثة الرسول، وإذا كانوا يسبّون أكثر الصحابة ونحن نجدهم خلاصة الإنسانية ولباب البشر، وإذا كانوا لا يقبلون

стр. 215

أسنادنا ولا يحتجون بحديثنا، ونحن نبني على هذه الأَسناد ديننا ونقيم على هذه الأحاديث شرعنا، وإذا كانوا يرون الصحيحين مملوءين بالموضوعات والسخافات لا يليقان إلا بمخرّفي البربر وعجائز السودان، ونحن نراهما أصحّ الكتب عندنا بعد كتاب ربنا، ولا يعتبرون تفسير الطبري وهو عمدة تفاسيرنا، وإذا كانوا يطعنون على أئمتنا ويَصِمونهم بالتجسيم وفساد المعتقد، وإذا كان المؤلف قد صرّح في الصفحات (١٥) و (٦٤) و (١٣٢) بأنه لم يقل كل ما عنده ولم يجهر بكل ما يعتقده "لئلا يقوده البحث إلى نتائج غير صالحة قد لا تلتئم مع العصر الذي يُطلب فيه الوفاق"، وإذا كان عنده، أي عند الشيعة، أكثر من هذا الذي قاله، فكيف يا علماء الشيعة، وكيف يا أعضاء دار التقريب، وكيف يا محمد تقي قمّي، يكون الوفاق ويتم التقارب؟! أوَليس من التناقض أن يأتي من إيران محمد تقي قُمّي ليعمل على التقريب بين المذاهب، فينزل في أفخم فندق في القاهرة ويفتح داراً ينفق عليها وعلى موظفيها وزوّارها أضخم النفقات، في الوقت الذي يُطبع فيه في طهران هذا الكتاب؟ وهل وجدتم في مصر أو الشام أو العراق كتاباً لسنّي يسب فيه أهل البيت الأطهار أو يتعرض فيه لسيدنا عليّ وذريته الطيبة؟ فلماذا إذن افتتحتم دار التقريب في مصر التي تحب عترة النبي ﷺ وتتبرك بقبور الحسين وزينب ونفيسة (١)، ولم تفتحوها في طهران، حيث طبع هذا الكتاب الذي لم يترك مؤلفه أحداً من سلف هذه الأمة وخلفها حتى أصابه برشاش من أدبه السامي؟

стр. 216

ألم يكفِنا هذا الاختلاف أربعة عشر قرناً؟ أما آن لنا أن نصطلح ونتفق، ونجرّد المسألة من ثوبها الديني لتعود مسألة سياسية وقضية حزبية انتخابية، لا أكثر ولا أقل، ويرجع إخواننا الشيعة إلى حظيرة الجماعة، فيترضّوا عن الصحابة كلهم كما نترضّى نحن عن آل البيت جميعاً، ويُجِلّوا أبا بكر وعمر كما نُجل نحن عليّاً؟ ما قول علماء الشيعة الأفاضل، وما قول أعضاء دار التقريب؟ (١) * * *

стр. 217

_________ = بهم الغرفة، ورأينا أثاثاً يدلّ على ترف. وكان على المنضدة أمامنا طبق فيه «بسكويت» فاخر، ولكنا أعجلناه عن دعوتنا إليه وشغلناه -بالمناظرة- عن نفسه وعنه. وبدأ الحديث بهذه المجاملات السخيفة التي تبدأ بمثلها الأحاديث ... ثم تكلمنا عن الاجتهاد والتقليد فانتقص -غيرَ مصرِّح- أهل السنة بسدّ باب الاجتهاد وامتدح جماعته بفتحه، فقلت له: ومَن سدَّ الباب؟ ومن قال لك إن الاجتهاد انقطع في عصر من العصور؟ إنها كانت تنزل نوازل لم يُنَصّ على مثلها، فكان العالِم يُستفتى فيها فيُفتي مجتهداً على قواعد إمامه وأصوله. وسأله صديقنا الأفغاني عن حقيقة الاجتهاد عندهم وماذا يصنع هؤلاء المجتهدون اليوم؟ فقال بأنهم يفتون في كل مسألة غيرَ مقيَّدين بنقل من عالم أو إمام، فقلت: حتى الأئمة الاثني عشر؟ فراوغ في الجواب وقال بأن الأئمة لا يخالفون الرسول، فقلت: إن هذا ليس بجواب". إلى أن قال: "ثم وصل الحديث إلى دار التقريب هذه، وما غايتها وما منهجها، وكيف يكون التقريب؟ فأعطانا قانون الدار ومقدمته، فقلت له: قد قرأت هذه المقدمة في دار الرسالة فلم أفهم منها شيئاً، وقرأت خلاصتها على الأستاذ الزيات فلم يفهم منها شيئاً، وقرأها صديقنا الأفغاني بعد ذلك فلم يفهم منها شيئاً، وليس لها ميزة إلا هذه المقدرة العجيبة من كاتبها وهذه العبقرية النادرة التي استطاع بها أن يكتب عشر صفحات كلاماً، لكل فقرة منه معنى وليس له في مجموعه دلالة على الغرض ولا صلة بالموضوع! أما القانون فليس فيه شيء عملي إلا إدخال الفقه الشيعي إلى الأزهر". إلى أن قال: "قلت: لندع رواة الحديث ولنأخذ أول من نقله عن النبي ﷺ وهم الصحابة، فماذا تقولون في الصحابة؟ فتملّص من الجواب، فلما أحرجته صرّح بأن الشيعة يطعنون بأكثر الصحابة=

стр. 218

_________ = ولا يقبلون أحاديثهم. قلت: ونحن نراهم عدولاً ونراهم أئمة الهدى، فكيف يكون التقارب؟ قال سعيد الأفغاني: أنا رجل مشتغل بالحساب، يكون التقارب بأن نحصي الصحابة الذين يسبّهم الشيعة، ثم نقسمهم قسمين متساويين فنسبّ نحن قسماً ويسبّون هم قسماً! فقال أحد الحاضرين (وهو شيخ من أهل السنة): المهم التقارب في المودة والصداقة و ... قلت: يا شيخنا، هل تُوادُّ من يسب أباك؟ قال: لا. قلت: سألتك بالله، أيهما أحب إليك وسبُّه أشد عليك، أبوك أم أبو بكر؟ قال: أبو بكر. قلت: فهذا وسائر الشيعة يسبّون أبا بكر وعمر ويتقربون إلى الله بترديد لعنهما، ثم إنه يعتقد أنك كافر. قال القمّي: لا. قلت: بلى؛ إن في دار الكتب الظاهرية بدمشق رسالة مطبوعة لطلاب مدارس الشيعة في جبل عامل حدثني عنها الأستاذ عز الدين التنوخي مرتَّبة على شكل سؤال وجواب، فيها سؤال: على كم بُني الإسلام؟ الجواب: على ست، على الخمس المعروفة، وعلى الاعتقاد بالإمامة. سؤال: وما الإمامة؟ الجواب: أن تعتقد أن علياً وصي الرسول وخليفته وأن الشيخين ظلماه حقه، وأن لعنة الله على الظالمين. سؤال: وما حكم منكر الإمامة؟ الجواب: حكمه أنه كافر وأنه في النار خالد مخلَّد فيها. وسكت القُمّي، فسأله الأفغاني: هل أنت جادّ بالسعي للتقريب؟ قال القمي: نعم. قال الأفغاني: فابدأ بإغلاق هذه الدار، لأنها أثارت هذه المناظرات بين الشيعة وأهل السنة وأيقظت الفتنة النائمة". والمقالة طويلة لا يتسع المقام هنا لنقلها كاملة، وإنما نقلت منها ما أتممت به الموضوع، فمن شاء رجع إلى مجلد «الفتح» في عامها السابع عشر (١٣٦٦هـ) فقرأها كاملة هناك (مجاهد).

стр. 219

إلى أين تمشي مصر ؟ نشرت سنة ١٩٤٧ ذهبتُ أمس أعود الأستاذ الشيخ حسن البنا في مستشفى الروضة، فما كدت أسأل عنه حتى ابتدر إليّ جماعات من الشبان، كلٌّ يريد أن يسير معي يدلّني على غرفته ويطمئنني عن صحته وعن نجاح عمليته، وكلٌّ يتكلم وفي عينيه بريق الحب وفي صوته رنّة الإكبار، حتى دخلت عليه فوجدته مضطجعاً على سرير أصفر من أسرّة المستشفى، في غرفة ضيقة ليس فيها بهاء الغنى ولا أُبَّهة الترف، ولو شاء لحلَّ في أفخم سرير من أعظم مستشفى، ولاتكأ على وسائد من ريش النعام والتفّ بملاحف من حرير القز، ولكنه في مرضه مثله في صحته: لا يحب أن يكون كالآخرين: يستمتع بلذيذ المآكل وناعم اللباس وفخم السيارات وعالي القصور باسم الدعوة وبمال الجماعة! ووجدت على كراسي الغرفة وفوق أنضادها وفي كل بقعة فيها شباباً متخشّعين كأن على رؤوسهم الطير، يستمعون إليه ويأخذون عنه. وسلمت عليه، فألفيته كعهدي به يوم لمحته أول مرة منذ تسع عشرة سنة، لم يتغير ولم يتكبر ولم يبطر، يقابل من حوله بوجه كأنما أضيئت فيه المصابيح من الإشراق،

стр. 220

ويكلمهم بلسان كأنما يقطر منه العسل من الحلاوة، ويتواضع لهم ويُشعرهم أنه واحد منهم، ويعظهم متحدثاً لا معلماً، فتبلغ الموعظة مبلغها وتؤثر أثرها، ويعلمهم سائلاً مستفهماً، ويأمرهم راجياً أو ملتمساً ... وكان مجلسٌ لله وللعلم وللوطن، مجلسُ جِدٍّ في دنيا اللهو، وطهر في عصر الآثام، كالواحة الخضرة في الصحراء المقفرة. وجرى ذكر المستشفيات فقلت له: لِمَ لا يفتح الإخوان مستشفى؟ فنظر إلى رجل كان قاعداً -من ضيق المكان- على حافة سريره، وقال له: ما قولك يا فلان؟ خاطبه باسمه مجرداً من الألقاب، في مودة ولطف يلينان القلوب القاسية ويعطفان الأفئدة النافرة، فكيف بأفئدة المريدين المحبين؟ ولم تكن إلا دقائق حتى تمَّ الأمر وأنشئ المستوصف الجديد للإخوان، وسيرى الناس عمّا قريب أركانه قائمة وبابَه إن شاء الله مفتوحاً. * * * وخرجت فركبت الترام وفي نفسي من أثر هذا المجلس مثل أثر القصة العظيمة تقرؤها وتنتهي منها، والنغمة العذبة تسمعها، وكان الترام خالياً، فلم أكد أستقر حتى دخل عليّ شابان يلبسان أردية بلا أكمام ولا أردان، وكانا ظاهرَي الخنوثة حتى كأنهما فتاتان وُضعتا في جلد رجلين! فألقيا بأنفسهما على المقعد إلقاء، فاضطجع أحدهما اضطجاع العروس المدلَّلة على سريرها ورفع الآخر رجلاً فوق رجل فعل الراقصة على مسرحها لتظهر المستتر منها! فاغتظت منهما وتمنيت لو أجد باباً إليهما لأضع عليهما لساناً كالمبرد الحامي، فأداويهما به من داء الخنوثة كما

стр. 221

تُداوَى بالكيّ الإبل الجربى، ولكني لم أجدْ، فأغضيتُ عنهما، وأغمضت عينيّ وتناومت وأنا أسمع حديثهما. ولن أروي بالنص هذا الحديث، ولكني ألخصه للقراء: قال أحدهما: وما هذا العقّاد؟ إنه يحتاج إلى «ديكشينري» حتى يُفهَم ... لماذا لا يكتبون بلغة سهلة؟ وأفاض في حديث الأدب بمثل هذا الأسلوب وهذا الفهم، يخلط كلامه بالفرنسية تارة وبكلمات من الإنكليزية لا أعرف ما هي أخرى، حتى سأل رفيقه: هل بدأت المطالعة؟ لقد قرب الامتحان. قال الآخر: لا، إني لم أستطع. قال: طبعاً يا أخي، أنت مشغول بما هو أهم. وضحك ضحكة بَغِيّ وَقَاح. قال: لا، أبداً. قال: وفلانة؟ (وسمّى اسمها). قال: ليس بيننا إلا أنها زميلتي وأني أقرأ معها. قال: تقرأ في جروبي وفي طريق الهرم؟ قال: هو أنا الوحيد الذي يعمل هذا؟ وتشقّقَ الحديث عن فضائح منكرة وحكايات لها رائحة منتنة، لا أنقلها، وإن كان فيها دليل جديد لنا على وجوب انفصال

стр. 222

الجنسين، في الجامعة والسوق والمخزن وكل مكان، فلا يلتقيان إلا على نسب أو زواج. وغَثَت نفسي من هذه الأحاديث ولم أستطع أن أصغي إليها، فتركتهما ونزلت من الترام، وجعلت أقابل بين المشهدين وأوازن بين الجماعتين، وأفكر: لمَن منهما تكون الغَلَبة ويُكتَب النصر؟ أيهما يجرّ مصر معه في طريقه ويوجهها وجهته؟ لمن يكون غَدٌ ويكون المستقبل: للجِدّ أم للهزل؟ للعفاف أم للفسوق؟ للبلاج أم للمسجد؟ لجماعة المستشفى أم لرفيقَي الترام؟ أما أنا فلست خائفاً من الفساد ولو كَثُرَ أهله وقَوِيَ أنصاره، ولا يائساً من الإصلاح ولو طالت سُبُله وقلّت وسائله. وهل ييأس الرُّبان مهما اضطرب البحر وعلا الموج وهو يبصر أعلام الشاطئ؟ وهل يخاف البردَ -مهما اشتد وقَرَس- من يحس نسائم الربيع؟ وهل يخشى الظلامَ -مهما تراكب وأطبق- من يرى طلائع الفجر؟ لا، لست متشائماً ولا أحب التشاؤم، ومعاذ الله أن أقصر عليه قلمي أو أقف عليه لساني؛ ولكني أنظر إلى الأمام فأجد أن الطريق مديد والمنزل بعيد، والمسلك وعر والحوائل من صخر، فأصيح بالقافلة أن جِدِّي وأسرعي، لا تنقطعي ... وأنظر إلى الوراء فأرى أنها قطعت مراحل طِوالاً وجازت عقبات شِداداً، فأقول لها: قفي واستريحي لئلا تهلكي. * * * فتعالوا ننظر إلى الوراء لنرى كم قطعنا من الطريق: لقد

стр. 223

أقمت في مصر ١٩٢٨، فما كنت أظن يومئذ (ولا يظن أحد ولا يخطر على باله) أن سيجيء يوم يكتب فيه فلان وفلان من الكتّاب، أعني المجدّدين، في السيرة وفي التاريخ الإسلامي وفي منزل الوحي، ويدعون إلى الإسلام ويمجّدونه، فجاء هذا اليوم ورأيناه. وهَبوهم كتبوا رياء وتجارة وابتغاء الربح، أليس معنى هذا أن الناس قد تبدّلوا حتى صارت تَرُوج فيهم كتب الإسلام؟ وما كنت أظن يومئذ (ولا يظن أحد) أن هؤلاء النفر من الشبّان الذين اجتمعوا في المطبعة السلفية في شارع الاستئناف، ليعملوا للشبان المسلمين جمعية كجمعية الشبان المسيحيين، سيكونون في سنة ١٩٤٧ نصف مليون شاب تضمهم جمعيات الإخوان والشبّان والهداية وأنصار السنة وشباب محمد. وما كنت أظن يومئذ (ولا يظن أحد) يوم كان المتعلمون في مصر يلهجون بالفرعونية، والعامة لا يعرفون إن كانت بغداد في الشام أو القدس في العراق، أن الفكرة الإسلامية ستكون سنة ١٩٤٧ ظاهرة جلية لكل مصري. وما كنت أظن يومئذ، يوم لم يكن في مصر مجلة إسلامية إلا «المنار» و «الفتح» (ولا يظن أحد) أنه سيكون فيها جريدة إسلامية يومية، وأكثر من عشر مجلات أسبوعية وشهرية، ومجلة هي في مقدمة المجلات الأدبية منزلة وقيمة وانتشاراً، يستطيع أن ينشر فيها رجلٌ مثلي مثلَ الكلام الذي أنشره اليوم في «الرسالة». وما كنت أظن يومئذ (ولا يظن أحد) أن طلاب الأزهر سينازلون الحكومة مطالبين بجعل الدين درساً أساسياً في جميع

стр. 224

مدارس الدولة، وبتوسيع مناطق الوعظ والإرشاد حتى تشمل جميع المراكز، وإنصاف الأئمة والخطباء. وما كنت أظن يومئذ (ولا يظن أحد) أنه لن يبقى سنة ١٩٤٧ رجل فرنسي في سوريا ولبنان، ولن يبقى جندي إنكليزي في مدن مصر، إلا أن يدخلها متنكراً، كالبضائع المهرَّبة والحشيش والأفيون وجرثومة السل والكوليرا ولصوص المنازل! وأنها ستكون للدول العربية جامعة رسمية، لها في عالم السياسة مكانة مرموقة وفي آذان الأمم صوت مسموع. هذه كلها خطوات في طريقنا خطوناها ومراحل قطعناها، وإنها تستحق أن نقف عليها لنستريح منها ونستبشر بها ونحمد الله عليها. ولكن هل انتهى الطريق؟ تعالوا ننظر الآن إلى الأمام كم بقي علينا. * * * هذه الجمعيات الإسلامية، فيها عدد كبير ونفع قليل، يهم أكثرَها المظهرُ لا الجوهر، تشتغل بالتافه الحقير وتهمل الجليل الخطير، تخضع لأفراد والله أمر بالشورى، ويجهل أعضاؤها حقائق الإسلام والعلمُ بها فرض، وهذا الجلاء ناقص في مصر لا يتم حتى يشمل وادي النيل كله، وهذه المجلات الإسلامية أكثرها لا يستحق أن يقرأ أو يُشترَى، والصحافة الفاجرة أعلى صوتاً وأبهى طبعاً وأكثر عدداً، والأفلام الداعرة تزداد انتشاراً ويزداد الناس عليها إقبالاً، ومظاهر الفسوق على السواحل تقوى سنة

стр. 225

بعد سنة، وجماعة المستشفى مَثَل نادر كالنسخة المخطوطة من الكتاب القيّم، وشابّا الترام النموذج الشائع كالكتاب المطبوع، فلمن منهما تكون الغلبة ويكون النصر؟ أيهما يَجُرّ مصر معه في طريقه ويوجّهها وجهته؟ لمن يكون غَدٌ ويكون المستقبل ... إلى أين تمشي مصر؟ لقد كان لنا أستاذ يعلمنا التاريخ، كان ضابطاً في الجيش العثماني، وكان له قانونان هما عنده الأصلان اللذان تُرَدّ إليهما حوادث التاريخ كلها، وهما قانونا الوجود: أولهما أن الشيء المصادم للطبيعة لا يدوم، وثانيهما أن كل شيء يمشي على محيط دائرة: فهو يبدأ من الحضيض، ثم يعلو حتى يبلغ الأوج، ثم ينحدر. الطفل يولد ضعيفاً ثم يحبو ثم يدرج، ثم يبلغ أشده وينازع -مِن جهله- اللهَ في ملكه، ثم يعود طفلاً بلحية بيضاء. والقمر يكون هلالاً ثم بدراً ثم يدركه المحاق. والشجرة والحزب والحكومة وكل ما في الوجود، وإنما تتفاوت الأشياء في مدة العلوّ والانحدار. فهل هذا الذي نراه في الصحف والأفلام والشواطئ من التكشف طبيعي؟ أوَلا يؤدي إلى غلبة الشهوة حتى نصير كالعجماوات، ثم إلى موتها بالألفة حتى نصير كالجمادات، وكلاهما مصادم لطبيعة البشر؟ إنه إذن لن يدوم. ثم إنه أمر بلغ آخر مداه واستكمل فتوّته، وما بعد الفتوة إلا الكهولة فالعجز فالهلاك. أما «جماعة المستشفى» فأمرها هو الأمر، وهو اليوم ضعيف ضعف الطفولة ليِّنٌ لين الغصن، ولكن بعد الطفولة شباباً أيّداً، وبعد الغصن جذعاً راسخ الجذور باسق الفروع ممتد

стр. 226

الظلال ... فهو إلى زيادة وذاك إلى ضعف، والمستقبل لهذه الجماعة وإلى غايتها مصر تمشي، ولكنها تمشي متعثرة فسدّدوا خطاها وخذوا بيدها، وكونوا في عونها جميعاً لا أشتاتاً، فإن يد الله على الجماعة، وأصلحوا أنفسكم ليصلحها الله بكم، وسينصر الله من ينصره. * * *

стр. 227

مات شيخ الأزهر ! نشرت سنة ١٩٥٤ إن مات شيخ الأزهر الشيخ عبد الرحمن تاج فليس أول شيخ يموت، ولقد مضى من قبله أئمة فحول كانوا مصابيح الهدى وكانوا بحار العلم، وكانوا في ثباتهم على الحق جبالاً لا تزول حتى تزول عن مطارحها الجبال ... ولكنه أول شيخ للأزهر يموت ونفسه «حيَّة» تسعى! إن مَن قبله مات ودُفن، وهذا عاش ولُعن، فما مات فيه جسده الفاني، ولكن مات قلبه ومات ضميره ومات إيمانه، وباع الآجلة بالعاجلة، وآثر الدنيا على الآخرة، وفضّل رضا جمال عبد الناصر على رضا الربّ الناصر لأوليائه، القاهر فوق أعدائه، الجبار الذي لا يشاركه كبرياءه أحدٌ إلا قصمه ... فحكم (جازاه الله) بتكفير صفوة المؤمنين في هذا العصر، الإخوان المسلمين (١):

стр. 228

الشباب الذين نشؤوا في طاعة الله، وبشّرهم رسول الله ﷺ بأنهم ممّن يظلهم عرش الله يوم لا ظل إلا ظله. شباب عرفوا الإسلام وتمسكوا به، أمّوا المساجد على حين يؤم أترابهم الملاهي والمراقص، وصفّوا أقدامهم في هدآت الليل على حين يسهر أولئك في الخزي والعار، وناجَوا ربهم في خلوات الأسحار على حين ينام أولئك نوم العَجْماوات، وحملوا في سبيل الله من ظلم الظالمين ما تنطحن تحته الرواسي، فما لانوا ولا استكانوا، ولا كفروا بالله مذ آمنوا به، ولا ضاقوا بمحن الأيام منذ استعذبوا لذائذ الطاعات. وجاء في بيانه (الذي أذاعته محطة مصر) بالآيات محرَّفات عن مواضعها، والأحاديث مَسوقة غير مساقها، ليوهم عامة المصريين أنه يدافع عن الدين ويتكلم بلسان العلم، فلم يسعني والله السكوت وأنا أعلم أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأن على المسلم أن يقول الحق ولو على نفسه أو صديقه أو زميله، وخفت إن سكتنا جميعاً ولم نَرُدّ على هذا الدعيّ المفتري أن يعمّنا الله بعذاب من عنده.

стр. 229

ولا أدري من هو الذي خدع شيخ الأزهر والنّفَرَ من علماء السوء الذين شاركوه خزيه، فأخبرهم أن في الإسلام «إكليروس»، وأن شيخ الأزهر كالبابا في القرون الوسطى، يُدخل الجنة ويحرم منها ويبيعها قراريط وأمتاراً، ولم يعلم أن الإسلام ليس فيه رجال دين، وأن كل مسلم هو رجل الدين، وأن امرأة عجوزاً ردّت على عمر ... وما نافق عمر ولا زوّر، ولكن اجتهد فأخطأ. فلماذا لا يردّ مثلي على شيخ الأزهر، وهو لا يقاس بعمر ولا يدانيه ولا يوزن بشِراك نعله، وهو قد غيّر وبدل وكذب ونافق، وألزم نفسه قاعدة «من كفّرَ مسلماً فقد كفر»، فكيف بمن يكفّر الملايين من صفوة المسلمين؟ ولو فرضنا (وهو فرض لا يلزم ولا يثبت حقاً) أن الاشتراك في السعي لقلب الحكم في مصر كفر، فكيف حكم بالتكفير قبل صدور الحكم من هذه المحكمة العجيبة، وكيف عمّمه على الإخوان المسلمين جميعاً في آفاق الأرض وهم ملايين وملايين، من كل شاب رجله خير من رأس الشيخ المنافق، وقفاه أفضل من وجهه، وساعة منه في طاعته وعبادته خير من عُمْر في النفاق؟! وأين شيخ الأزهر؟ وما له خرس عن إنكار المنكرات في مصر، عن الفجور المعلَن، عن الفسق البادي، عن الخمور والشرور، عمّا أحدثه هؤلاء الحاكمون من ألوان المعاصي، من إبعاد الصالحين وإدناء الراقصات والراقصين؟ ما له لم يجد هو وصحبه هيئة كبار العلماء، ما يثير غضبهم إلا أن يكون في الدنيا هؤلاء الملايين من الشباب المؤمنين الصالحين المصلحين؟ * * *

стр. 230

أنا أعرف مصر من خمس وعشرين سنة، وأعرفها الآن، وأشهد أن ليس فيها من خير جَدَّ إلا كان مصدره دعوة الإخوان. وهل كان فيها من قبلُ شبابٌ يملؤون المساجد، وطلابٌ يقومون الليل ويتلون القرآن، ويتزاحمون على الطاعات تزاحم غيرهم على الراقصات والسينمات؟ وهذا السيل من الكتب الإسلامية الذي ينبع من المطابع العصرية حتى يصل إلى أقصى الأرض التي تقرأ العربية، فيخلّف وراءه حيثما سار خصباً ونباتاً وزهراً وثمراً؟ لقد جرف كل فكر، حتى أفكار هؤلاء المؤلفين الذين صاروا يكتبون في الإسلام ورجاله (وما كانوا منه قبل دعوة الإخوان في قليل ولا كثير): العقّاد وهيكل وطه والحكيم، وكثير غيرهم يعرفهم الناس. وكل دار للنشر، حتى الدور التي ما فتئت تحارب الإسلام حرباً منظَّمة بنشر الصور العارية والأخبار الداعرة حتى غدت ماخوراً سَيّاراً، كدار الهلال ودار أخبار اليوم، صارت هي الأخرى تنشر الكتب الإسلامية لأن السوق اليوم -بفضل دعوة الإخوان- سوقها. وما أنا من الإخوان في قيود السجلات، ولكني منهم في العقيدة والدين. وقد عوّدني الله أن لا أقول إلا الحق، وأن أجهر به إن خرس عنه ضِعاف الإيمان أو صرّح علماء السوء بغيره، كهؤلاء الذين كتبوا هذا البيان. هؤلاء الذين اغترّوا حين سَمّاهم الحاكمون «هيئة كبار العلماء»، وعطس إبليس في مناخرهم وزيّنَ لهم الجاه والمنصب، فبذلوا في سبيله كل شيء، حتى الدين، فجعلوا علمهم مطيّة يصلون به إلى قلب كل حاكم. قرروا بالأمس أن فاروق من أشراف المسلمين وأنه من

стр. 231

نسل الرسول صلوات الله عليه، ذلك لمّا كان فاروق هو الملك الذي يعطي المناصب والرتب، فلما زال لم يستحوا أن يجعلوه شيطاناً مَريداً، بعد أن جعلوه الملك الصالح المصلح والشريف الحسيب النسيب! وهم اليوم يقررون كفر الإخوان (أستغفر الله من رواية هذا الهذر)، ولئن عاد الإخوان غداً وصار لهم الأمر عادوا يتزلفون إليهم ويجعلونهم الهادين المهديين، وسترَون. شِنْشِنة عرفناها من أَخْزَم وخُلُق في الصَّغار ألفناه وعرفناه. أما الإخوان فقد أثبتت الأيام أنهم صفوة المسلمين في هذا العصر، وأنهم كالذهب المصفَّى لا تزيده النار إلا صفاء. فيا أيها الإخوان، اصبروا واثبتوا، فإنه إن كان شيخ الأزهر عليكم فإن الأمة الإسلامية كلها معكم، والله معكم، ومن كان مع الله فلا يبالِ أحداً. اصبروا آل عمّار، موعدكم الجنة! * * * وبعد، فهذه تعزية بشيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء. لقد ماتوا، فلا تذكروا بعد اليوم شيخ الأزهر ولا هيئة كبار العلماء! ولو أنهم ماتوا ودُفنوا لكان خيراً لهم، ولكن ماتت ضمائرهم وماتت قلوبهم، فنطقت ألسنتهم بهذا البيان الذي رضي عنه عبد الناصر وصحبه، وغضب عليهم من أجله الناس جميعاً والملائكة، وغضب عليهم الله المنتقم الجبار. وبعد (مرة ثانية)، فما لشيخ الأزهر هذا وأمور الدين؟ أين هو من الدين لمّا كان يتحدث إلى الصحف عن باريز وليالي

стр. 232

باريز، ويَحِنّ إليها كما يحن المؤمن إلى زمزم والحطيم، ويترحم على لياليها ويدعوها «الجنة»؟ هذه أحاديثه في المجلات، وهذه صورته وسيكارته في يده، وفمه مفتوح وأنظاره ضائعة في الماضي، ماضيه في باريس (١)، جنّته التي خرج منها آسفاً عليها متشوقاً إليها! هذا هو -يا أيها المسلمون- شيخ الإسلام في هذا العصر: كعبته باريس، وتشوّقه إلى ملاهيها، وعلمه سلّم للدنيا ومطيّة للوصول إلى رضا الحاكمين. هذا الذي أصدر الحكم بتكفير الإخوان المسلمين! إلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. * * *

стр. 233

نحن وهذه الحضارة نشرت سنة ١٩٦٥ زرت الرياض من سنتين بعد غيبة عنها امتدت ثلاثين سنة، فتفضل جماعة من طلبة العلم فاستقبلوني في المطار وصحبوني إلى البلد. وسلكت بنا السيارة شارع الوزارات، نمرّ بتلك المَغاني (الفيلاّت) الجميلات وتلك الأبنية الكبيرات المشرفات، وأنا أنظر إليها نظر المدهوش الذي يُفاجَأ بما لم يكن يتوقع؛ فقد كان عهدي بتلك البقاع أنها صحراء جرداء ما فيها نبت ولا ماء وليس فيها من بناء، وأراها الآن شارعاً ضخماً في وسطه حديقة ممتدة، فيها الورد والزهر وفيها أنواع الشجر والماء يجري فيها متدفقاً من الأنابيب، والعمارات على جانبيها والسيارات تجري على طرقها! وكان أصحابي كلما رأوني أزداد دهشة ازدادوا اندفاعاً في الوصف ومبالغة في البيان، ثم قال لي واحد منهم، وقد أخذته نشوة كل دليل يُطلع الغريبَ على جمال بلده: أهذه أول مرة ترى فيها الرياض؟ قلت: إني أعرفها من قبل أن تُولد، ولكن ليست هذه هي الرياض التي أعرفها.

стр. 234

وكانت السيارة قد بلغت بنا «الديرة»، وصرنا في جوار المسجد الكبير، فتهلل وجهي وأحسست مثل ما يحسه الغريب الضالّ إذا أبصر في زحمة الناس وجهَ حبيب يعرفه ويألفه، وصحت: هذه هي الرياض التي أعرفها، هذه الأسواق الضيقة وهذه المنازل المبنية من اللبن والطين ... إنّ لي هنا ذكريات، والذكريات هي الحياة، أما تلك الشوارع التي مررنا بها بعد المطار فليس لي فيها ذكرى، فهي -على جمالها- غريبة عني، وهذه -على ما هي عليه- أحسّ كأني منها أو كأنها مني. وأعجب هذا الكلام أحدَ الجماعة وأثار كمائن نفسه فقال: إي والله، هذه هي بلدنا وهذه حياتنا، فيا ليت هذه المدنية الغربية لم تصل إلينا ولم نَرَها! إن هذه البيوت المبنية من الطين التي لا تنيرها الكهرباء ولا تصل إليها السيارات، وليس فيها البرّادات ولا الغسّالات، خيرٌ من تلك العمارات وما فيها. لقد أفسدت هذه المدنية أخلاقنا وأضاعت علينا ديننا، وما جاءنا منها إلا الشر! وانبرى له آخر فقال له: أتريد منا أن نعود إلى عهد البداوة في عصر الذرّة والصاروخ، وأن ندع ثمرات الحضارة ونعيش محرومين منها، على حين يستمتع الناس من حولنا بها؟ إنها مدنيّة العصر، ليست لأمّة دون أمة ولا لبلد دون بلد. وكثر المتكلمون وتداخلت الأصوات، ولكن الأقوال كلها كانت تتردّد بين رأيين: هل علينا أن نأخذ بهذه المدنية بكل ما فيها ونقبلها بخيرها وشرها، لأنه لا بد منها ولا انفكاك عنها، أم علينا أن نتركها ونبتعد عنها لأنها لا توافق أحكام ديننا ولا تمشي مع خلائقنا، ولأن الإسلام ينكر الإقبال عليها والأخذ بها؟

стр. 235

وأنا رجل من المُخَضْرَمين، عرفت هذه البلاد قبل أن تتصل بها الحضارة الغربية، وعرفتها بعدها. لقد عرفت دمشق وما فيها سيارة واحدة، وما فيها إلا عشرون داراً فيها الكهرباء، وليس فيها إلا شارع واحد شقّه جمال باشا سنة ١٩١٦، أما الرادّ (الراديو) والرائي (التلفزيون) وأمثالهما فلم يكن قد اختُرع من ذلك شيء. وزرت جدة أيام كانت جدة محاطة بسور له أبواب تغلق كل عشيّة وتفتح في النهار، ولا يدخل إليها ولا يخرج منها إلا من هذه الأبواب، وعرفتها وقد أوشكت أن تصير مثل الإسكندرية أو بيروت. وعرفت الرياض سنة ١٩٣٥، والرياض التي ترونها الآن ... وإني لأفكر وأوازن بين الحالين وأسأل نفسي: هل ربحنا أم خسرنا؟ أي الفريقين أهدى وأصوب رأياً: من يريد منا أن نأخذ بهذه الحضارة أخذاً كاملاً، أم من يريد أن نتركها وننصرف عنها؟ الحق بين الفريقين، فلا هؤلاء على حق ولا هؤلاء؛ لقد ربحنا باقتباسنا من هذه الحضارة وخسرنا، وكل شيء في الدنيا فيه ربح وفيه خسارة. إن هذه الحضارة ليست شراً محضاً، وليست كذلك خيراً محضاً، فالقول بأن نتركها كلها مردود، والقول بأن نأخذها كلها مردود. وهل نستطيع أن نتركها بعدما انغمسنا فيها وصارت هي عماد حياتنا؟ إن من يطلب ذلك يطلب ما لا يكون. ولو نحن استطعنا تركها فهل من المصلحة أن نتركها؟ أيريد هؤلاء أن نغلق المستشفيات ونطرد الأطباء، وأن نلغي

стр. 236

شركة الخطوط الجوية ونبيع طيّاراتها، وأن نذهب إلى الحج من الرياض إلى مكة على الإبل، فنمضي على الطريق عشرين يوماً بدلاً من أن نذهب في ساعة وبعض الساعة في الطيّارة، وأن نَحُلّ شركة الكهرباء ونرفع أسلاكها من الشوارع ونرجع إلى الشمع وسُرُج الزيت، وأن نحارب اليهود بالسيف والرمح بدلاً من المدفع والصاروخ؟ ولماذا نفعل ذلك؟ * * * أما الإسلام فلا يوجب علينا أن نترك هذه الحضارة بكل ما فيها، فلا تحتجّوا بالإسلام. الإسلام قد حرّم محرمات وفرض فرائض، وترك أموراً على الإباحة الأصلية؛ فما حرّمه الإسلام نتركه ولو أجمع أهل الأرض على قبوله والعمل به، وما أوجبه نأتيه ولو اتفق سكان المعمورة على استنكاره والإعراض عنه، وما كان من المباحات، مما لم يَدْعُ الإسلام إلى الأخذ به ولا إلى تركه، ننظر: فإن كان فيه نفع لنا أخذناه، لأن الحكمة ضالّة المؤمن، ولأن المصلحة العامة هنا مقصد من مقاصد الشارع. وفي مثل هذا (١) يقول ابن القَيّم: «إن الحكم الشرعي يدور مع المصلحة، فحيثما تحققت فثَمّ شرع الله»، ولأن علينا أن نعمل لدنيانا كما نعمل لآخرتنا: ﴿وَلا تَنْسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنيا﴾، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللهِ التي أخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق؟﴾.

стр. 237

ثم إننا لسنا غرباء عن هذه الحضارة ولا واغلين عليها، بل نحن شركاء فيها، نحن من أصحابها. إن الحضارات نوعان (كما قسّمها شبنكلر في كتابه المشهور): حضارات محلية كحضارات الهند والصين، وحضارة عالمية. والحضارة العالمية بناءٌ من ثلاثة أدوار اشترك فيه ثلاثة بانين: أما الدَّور الأول فقد بناه المصريون والفينيقيون واليونان، ومَن شاركهم فيه وأعانهم عليه، والثاني بناه المسلمون، والثالث بناه الغربيون. وكل دور منها يقوم على ما تحته، فلولاه ما قام. فنحن شركاء في هذه العمارة، لنا فيها دور من ثلاثة، ولسنا مستأجرين ولا مُسْتَجْدين ولا معتدين، نحن من أصحاب الدار. ولكن ليس معنى هذا أن نقبلها بكل ما فيها. إن فيها شروراً كثيرة ومفاسد مردّها جميعاً إلى أصلين: أحدهما ما تحمله من أفكار ومبادئ فيها ما يزيغ المؤمن عن شرعة الحق وما يضله عن سبيل الهدى. والثاني هو أشد وأنكى، ما يغلب على هذه الحضارة من تهاون بمسائل الجنس وإطلاق للشهوات، وهو أشد، لأن الأول (وإن كان فيه الكفر أحياناً) لا يجد عند كل شاب استعداداً لقبوله، أما الثاني فإنه يجد القبول في كل نفس لأن الله ركّب في نفس كل شاب الميل إلى المرأة، فمن عمد إلى إثارة الشهوات وأيقظ الغريزة استهوى بذلك الشباب جميعاً إلا من عصم الله بعصمته، وقليلٌ ما هم، بل أقل من القليل. * * * فإذا أردنا أن نصحّح موقفنا من هذه الحضارة فلنصنع مثل

стр. 238

الذي صنع أجدادنا لمّا اتصلوا بالفرس وغيرهم من الشعوب ذوات الحضارات الأولى. إنهم أخذوا من حضاراتهم وعيونُهم مفتحة وعقولُهم حاضرة، وميزان الشرع في أيديهم، لم يأخذوها عمى ولا تقليداً، ولم يقلّدوا أهلها تقليد القردة بلا نظر ولا علم. هذا هو الحق وهذا هو طريق الاعتدال، لا إفراط ولا تفريط، فما كان فيها من مخترَعات نافعة، وما كان من تقدم علمي، وما كان من رفاهية وراحة ليس فيها محرَّم ... هذا نأخذه كله. وما كان فيها من تهاون بالفضائل والعفاف، وإطلاق للغرائز والشهوات، وتسهيل للزنا، وتصعيب للزواج، وهذه القصص التي فيها الأدب المكشوف والأفلام التي تُعلِّم الناشئة فنون الغرام وطرق الإجرام ... هذا نتركه كله، كما نترك كل فلسفة وكل علم وكل مذهب اجتماعي ينافي أحكام ديننا. ولا بد من تفصيل لهذا الإجمال، لعله يأتي إن شاء الله فيما سيجيء من المقال (١). * * *

стр. 239

موقفنا من الحضارة الغربية (١) حديث أذيع سنة ١٩٧٢ الإسلام جاء للحياة كلها، للبيت والسوق والمدرسة والمحكمة والديوان، فهل يسيطر الإسلام اليوم على حياتنا؟ أريد أن أبدأ من الإذاعة، فليسمح لي القائمون على الإذاعة. إنكم تسمعون الآن حديثاً دينياً، فماذا يجيء بعده إذا انتهى، وماذا كان في الإذاعة قبل أن يبدأ؟ والمصلي يذهب إلى الصلاة في المسجد، ولكن ماذا كان يصنع قبل الصلاة، وماذا يصنع بعدها؟ لقد فصلنا في الواقع الدينَ عن الحياة، فبقينا نحافظ على مظاهر الإسلام في العبادة، ولكن إذا انتهت العبادة لم نَسِرْ في حياتنا على هَدي الإسلام. انظروا إلى حياتنا اليوم، إلى تفكيرنا، إلى مطالعاتنا، إلى صحفنا، إلى مدارسنا، إلى أزيائنا، إلى

стр. 240

عاداتنا، هل الطابع الإسلامي الخالص أظهَرُ فيها أم الطابع الغربي (الأفرنجي)؟ فينبغي أن نمحّص حياتنا وأن نجردها مما طرأ عليها. وأنا لا أقول بترك هذه الحضارة الجديدة والعودة إلى ما كنا عليه من ستين أو سبعين سنة، ولا إلى أخذ هذه الحضارة بكل ما فيها. لما جاءتنا هذه الحضارة أول مرة، من أكثر من نصف قرن، أصابتنا في دهشة، ورأيناها مفاجأة دفعتنا إلى أحد موقفين: منا من ازداد تمسكاً بقديمه وأعلن رفضه الكامل لكل ما جاءت به من خير ومن شر، ومنا من أقبل عليها يأخذها بكل ما فيها من خير أو شر. وكلا الموقفين خطأ، وكل من الطرفين مخطئ. واشتد الجدال بينهما وامتد النزاع، وقامت معركة في غير طائل. ولست أسرد تاريخاً، ولا أحيط بخمس دقائق بجوانب الموضوع، ولكن أعرض الخطوط العريضة. إذا كان كل من الموقفين خطأ فما هو الموقف الصحيح؟ الجواب أن الحضارة الغربية، أعني هذه الحضارة الجديدة، لها جوانب. جانب فكري فلسفي، وجانب عملي علمي، وجانب فني، وجانب يتصل بالعادات ويتعلق بالمجتمع. ورأيي أنا أن الجانب الفلسفي (الذي يبحث فيما وراء الطبيعة) لا نحتاج إليه، ولا ينبغي أن يشتغل به إلا نفر من الأساتذة والطلاب المختصين، للعلم به ومناقشته والرد عليه.

стр. 241

والجانب العلمي، أي العلوم المادية من الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء وأمثال ذلك، فهذا نأخذه كله، ونتعلمه حتى نصير نحن أساتذته ونسبق فيه أهله أو نجاريهم فيه. وما يتعلق بالفنون الجميلة، ما كان منه مخالفاً لديننا كالتصوير المجسم والرقص العاري والاختلاط الخبيث باسم الفن، فهذا لا نقبله ولا نوافق عليه. وما يتصل بالعادات والأخلاق الاجتماعية ففيه تفصيل. المشاهَد أن الأخلاق الاجتماعية الصالحة -من الوفاء بالوعد، والمحافظة على الكلمة، والصدق في المعاملة، والترتيب والنظافة، والتعاون المثمر، وأمثال ذلك- موجود عند الإفرنج متوافر في أكثر مجتمعاتهم، وكله مما يأمر به ديننا، فإذا أخذنا به فقد عملنا بأحكام الدين. أما الأخلاق المتصلة بالجنس فقد بلغت عندهم نهاية الانحطاط، فعندهم التكشف والخلاعة والاختلاط وهوان الأعراض وإعلان الفجور، فهذا لا نقبله منهم ولا نقلدهم فيه، ونحاربه ما استطعنا، لأن ديننا وشرف سلائقنا وعاداتنا وأعرافنا كلها توجب علينا محاربته. * * * الخلاصة أن العلوم المادية -من الكيمياء والفيزياء والطب والفلك والجغرافية وأمثالها- نأخذها كلها، أعني نأخذ حقائقها الثابتة لا نظرياتها، ولا يمكن أن نجد نصاً في القرآن قطعياً يعارض حقيقة علمية مشاهَدة. والمخترَعات الجديدة -من

стр. 242

السيارات والطيارات والمدافع والصواريخ والمصانع وأمثالها- نأخذها كلها ونتعلم أسرارها، ونحاول أن نصنع مثلها أو خيراً منها. والمبادئ والفلسفات المخالفة لعقائدنا، والفنون التي تنافي ديننا وأخلاقنا، نرفضها كلها ولا نقبلها. والعادات ما كان منها صالحاً نافعاً أخذناه، وما كان منها ضاراً تركناه. هذه هو موقفنا من هذه الحضارة. * * *

стр. 243

ردّ على أدعياء البعثية كتبت سنة ١٩٥٨ لقد بلغ الإسلام بلاداً تعجبون أنتم الآن إذا سمعتم بأنه بلغها، وأقام فيها دولاً وأنشأ فيها حضارات وترك فيها آثاراً، وأكثر القراء لا يعرفون شيئاً عنها لأننا أمة جهلت تاريخها. ثم بُلينا فوق الجهل بما هو شرٌّ من الجهل، بشباب أغرار ويدّعون الحكمة والعقل، جُهّال بتاريخنا ويَلُون تدريسه في المدارس والجامعات، يُلقون جهلهم على أنه علم، ويواجهون به طلاباً لا معرفة لهم ولا دفاع لديهم، لا يواجهون به العلماء في النوادي ولا القرّاء في الصحف، ثم يضطرون الطلاب إلى حفظه والامتحان فيه وأخذ الشهادة عليه، ثم يخرج الطلاب مدرّسين، فينظرون فإذا ليس في أيديهم إلا هذا الجهل المركَّب تركيب حصاة المثانة، لا تتحلل ولا تذوب! فيحملونه إلى تلاميذهم، وتتزايد حلقات السلسلة حتى تكون قيداً للحقائق تمنعها أن تنطلق في الناس، وتحبسها في بطون الكتب وصدور العلماء، وتذيع هذه الأكاذيب الصبيانية على أنها هي الحقائق التاريخية! من هذه الأكاذيب التي تعيدها ببغاوات المعلمين وترددها أسطوانات الصحفيين، زعمهم أن هذه الحضارة التي نسميها

стр. 244

-على المجاز- «عربية» لم يُنشئها الإسلام، ولكن أنشأتها العبقرية الكامنة في هذه الأمة، وأن هذه العبقرية هي التي صنعت محمداً ﷺ في أول التاريخ، وستصنع مثله في آخره، وأن للعرب حضارات قديمة عظيمة كحضارتهم بعد الإسلام ... وأمثال هذا الهَذَر. وما ندري (ولا هم يدرون) ما هذه الحضارات، ومن الرجل الذي أخرجته أمة العرب بعبقريتها فكان مثل محمد ﷺ . ولعلهم يريدون بذلك هذا الدَّعِيّ العَيِيّ الغبيّ الخواجة فلان، الذي ليس فيه من العربية إلا أن اسمه في «القاموس» في باب القاف فصل العين، والذي لا يكون مثله إماماً إلا لأمة من أمثالهم، كالجُرَذ لا يكون إلا إمام قوم من الفئران! (١)

стр. 245

وإن ناقشتهم في هذه الحضارة التي زعموها للعرب: أين هي؟ وأين كانت مخبوءة طوال أربعة عشر قرناً فلم يبصرها أحد من المؤرخين حتى جاء الخواجة كريستوفر كولومبس القرن العشرين فاكتشفها، وتحققت على يده معجزة «البعث» فبُعِثَت له «حيّة» تسعى؟ قالوا: إنها حضارة حمورابي، وفراعنة مصر، وفينيقيي الشام، وآشوريي بابل، وتبابعة اليمن ... فإن عجبت وقلت: وما شأن أكثر هؤلاء بالعرب، وقد قال أبو عمرو بن العلاء (وهو أعرف بالعربية وأهلها من الخواجة ميخائيل)، قال: ما عربية هؤلاء بعربيتنا ولا لسانهم بلساننا (١)؟ قالوا: لقد ثبت أنهم ساميون وأن أصلهم من جزيرة العرب، وحقّقت ذلك نظرية المَوجات. قلنا: أما أنهم ساميون وأنهم خرجوا من الجزيرة، فنعم. ولكن اليهود أيضاً ساميون، فهل اليهود عندكم عرب؟ وإن كانوا عرباً، فلماذا لا تذهبون إلى أميركا وتعلنون هذه الحقيقة، فتحلّوا المشكلة التي عجزت عن حلها هيئة الأمم المتحدة؟ ولا تنسوا أن تأخذوا معكم طلبات انتساب فارغة ليملأها أيزنهاور وتشرشل ومالنكوف، فيصيروا جميعاً من مريدي حضرة الخواجة. أما ابن غوريون فلا حاجة به إليها، لأنكم أقررتم له بأنه عربي قُحّ من أهل الشّيح والقَيْصوم! ولعلها ما وصلت نتيجة هذا «البعث» إلى تل أبيب إلا لأن

стр. 246

مقدماته جاءت من هناك (والله أعلم)، وإلا فما معنى أن يكون كل عربي وكل مسلم وكل منصف في الدنيا حرباً على إسرائيل، ثم يقول هؤلاء -من حيث يشعرون أو لا يشعرون- إن إسرائيل إخواننا وأحبابنا ومنا وإلينا؟! وإذا كان كل سامي عربياً لأن كل عربي سامي، فلماذا لا يكون كل حيوان إنساناً لأن كل إنسان حيوان؟ ويستوي في هذه الإنسانية «البعثية» الحمارُ وأستاذ التاريخ في كلية الآداب؟ وإذا كان هؤلاء كلهم عرباً لأنهم كانوا في الجزيرة وخرجوا منها، فلماذا لا يكون من الأسرة كل من كان في دارها وخرج منها، ولو كان كلب صاحب الدار، ولو كان ثعباناً خرج من شق الجدار؟ وإذا كان يُحكَم بالفرع على الأصل فيكون أجداد العرب عرباً، ومددنا هذا القياس حتى وصلنا إلى الجد الأكبر، آدم ﵇، يكون آدم عربياً. وإذا كان آدم عربياً كان كل أبنائه من العرب، وإذا كانوا كلهم من العرب فهم إذن من القائلين بالقومية العربية، ومن الموصوفين بالبعثية، ومن أتباع الخواجة المحترم! هذا هو «المنطق البعثي»! * * * وما نحن بخصوم العربية، بل نحن أحق بها وأهلها. وهل العربية إلا البيان العربي، والأخلاق العربية، وتكريم ماضي العرب، والعمل على بناء المستقبل العربي؟ وهذا كله فينا؛ فينا البيان، وما عَهِدنا لدعاة هذه العصبية الجاهلية رجلاً واحداً يُعَدّ من أرباب البيان، وليس لهم شاعر مفلق ولا خطيب مصقع ولا كاتب

стр. 247

بليغ ولا راوية محيط! وفينا الأخلاق والغيرة على الأعراض. وفينا علماء التاريخ الواصلون إلى موارده المحقّقون لأخباره، وأولئك لا يعرفون منه إلا ما حفظوه من دسّ المستشرقين. ومن المستشرقين يهود، فمن هنا جاءتهم تلك الفكرة الآثمة التي تجعل الساميين كلهم عرباً، ليكون اليهود من العرب، فلا يبقى معنى لحربهم وقتالهم والحرص على طردهم من فلسطين. * * * وأنا أعذر هؤلاء الأساتذة، فهم شباب، ما كنا نأمل ونحن في مثل أسنانهم، ونحن يومئذ أعرَف بالتاريخ منهم اليوم، أن يكون الواحد منا مدرّساً في الصف الأول الثانوي. شباب رأوا أنفسهم أساتذة في الجامعة (وأستاذيّة الجامعة في بلاد الناس شيء عظيم)، فاغتروا كما اغترّ الجحش الذي زعموا أنه لبس مرة جلدة الأسد فظن نفسه أسداً ... والقصة معروفة. وانطلقوا يصوّرون للطلاب الماضي لا كما كان، بل كما يتمنى الخواجة ميخائيل ويهود المستشرقين أن يكون قد كان! وأرادوا أن يلفّوا هذا السمّ بغشاء من السكّر وأن يجدوا لهذه الخيالات سنداً من النقل، فنظروا نظرة عَجْلى في كتب التاريخ العربي، وذيّلوا كتبهم بأرقام صفحاتها ليدلّوا على أنهم أخذوا منها. يحسبون أنه يكفي أن يعرف المرء كيف يقرأ ما كتب الطبري ليصير -بقدرة الله- مؤرِّخاً، لا يدرون أن هذه الكتب هي مصادر التاريخ لا التاريخ، هي المواد الأولية، ولا بد من تنقيتها أولاً وجمع النقيّ منها، ثم إدخاله المصنع.

стр. 248

إن علمنا كله يقوم على الرواية، والرواية (ومنها رواية الأخبار التاريخية) تقوم على معرفة الرجال. وقد انفردنا نحن دون الأمم كلها بأن كان عندنا علم خاص بمعرفة الرجال. والطبري (وغير الطبري) فيه الروايات الصحيحة المنقولة عن الثقات الضابطين، والروايات المتهافتة المروية عن قوم لم يكونوا من أهل الضبط وليسوا أهلاً للثقة. ثم إن الروايات التاريخية هي رواية عامية (إن صحّ التعبير)، أما الرواية العلمية الثابتة فهي رواية المحدِّثين، لذلك كان المرجع الأول لتاريخنا ما رُوي على طريقة المحدثين. وهذا أيضاً له درجات ومراتب، من المتواتر الذي لا يرتقي الشك إليه، والمشهور والعزيز والصحيح والحسن والضعيف. والصحيح درجات، لاختلاف المصححين واختلاف شرائطهم في التصحيح. فلا بد -إذن- ليكون الرجل مؤرخاً من أن يكون عارفاً بعلوم الرواية والإسناد، عارفاً بالرجال، عارفاً بالعربية ليفهم ظواهر الكلام وبواطنه وإشاراته ومعاريضه. فإذا كان كذلك استحيا من نفسه وتجرد عن العصبية والهوى وأراد ببحثه الحقَّ ومرضاةَ الله، وإن لم يكن كذلك لم يكن إلا جاهلاً بالتاريخ أو دجّالاً، ولو كان أستاذ الجامعة وكان من أصحاب الشهادات العالية. * * *

стр. 249

كلمة في الاشتراكية نشرت سنة ١٩٦٦ ليس القصد من هذه الكلمة الإحاطة بالموضوع ولا دراسته دراسة تخصص وتعمق، بل القصد تعريف الجمهور بها تعريفاً مجملاً يقفه على حقيقتها ويكشف له خفاياها، في حدود الإيجاز الذي تتسع له المجلة والتبسيط (١) الذي تحتمله الجماهير. وقد غدت «الاشتراكية» اليوم الخطرَ الأكبر على الإسلام، والمشكلةَ الشاغلة لرجل الدعوة الإسلامية. ولا بد لمن ينصب نفسه مدافعاً عن الإسلام في وجه الهجمات الإلحادية، ولمن يردّ على مذهب من المذاهب المخالفة، من أن يفهم هذا المذهب فهماً صحيحاً. ولا يكفي أن يتعرف إليه من إشارات الصحف وردود الخصوم، بل لا بد له من أن يقرأ كتب أهله ويطّلع على حقيقته عند أصحابه. والإمام الغزالي لمّا أراد أن يردّ على الفلاسفة درس مذاهبهم وقرأ كتبهم حتى أحاط بأقوالهم ووقف على حقيقة حالهم، وصار

стр. 250

الأستاذ الأكبر للفلسفة في أكبر جامعات الأرض يومئذ، المدرسة النظامية، وألف كتاب «مقاصد الفلاسفة» فكان أحسن معبِّر عنها وأصحّ مرجع فيها، ثم رد عليها في كتاب «تهافت الفلاسفة»، فكان هذا الكتاب ضربة لها قاضية عليها، لم تقم لها بعده قائمة في المشرق. ولست أريد من كل من يرد على «الاشتراكية» -مثلاً- أن ينقطع إليها حتى يصير أستاذاً فيها، بل أريد أن يفهمها ليعرف ما هي حقيقة الشُّبَه التي يرد عليها. وإذا كان الإمام أحمد بن حنبل وكثير من العلماء قد كرهوا شرح أقوام الخصوم ولو للردّ عليها (لئلا يكون في ذلك نشر لها) فلقد ارتضوا جميعاً شرحها إذا عَمّ أمرها وطَمّ شرها، كما هي الحال في مسألة الاشتراكية اليوم. لذلك أشرح أولاً ما هي الاشتراكية، ثم أبيّن حكم الإسلام فيها. * * * كلمة «الاشتراكية» ليس لها معنى علمي واضح محدَّد لأنها تُطلَق على ألوان مختلفة من المذاهب اليسارية، مما اعتاد المؤلفون أن يسمّوه «الاشتراكية الخيالية» إلى الماركسية أو الشيوعية التي يسمونها «الاشتراكية العلمية»، وهذه أيضاً على درجات، فهي في الصين الشعبية مثلاً أشدّ منها في روسيا السوفييتية. أما «الاشتراكية الخيالية» فهي ما جاء في مجموعة من الكتب صدرت في أوربا وأميركا في هذه القرون الثلاثة الأخيرة، تخيّل
следующие страницы →