← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17361

فصول في الدعوة والإصلاح

علي الطنطاوي

Полный текст (295 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

علي الطنطاوي فصول في الدعوة والإصلاح جمع وترتيب حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنارة للنشر والتوزيع

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الأولى ٢٠٠٨ دار المنارة للنشر والتوزيع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 3

مقدّمة إن من الأَعلام من تغلب عليه صِفَةٌ فهو يُعرَف بها، أو سِمَةٌ فهو يُنسَب إليها؛ فإذا ذُكر لك الإسكندر -مثلاً- أو صلاح الدين تصوّرتَ حياة حافلة بالمعارك والفتوح، وإذا سمعت بالطبري أو النووي تخيّلتَ حياة غنية بالدَّرس والتأليف، وهكذا. فأي شيء يخطر ببالك إذا فكرت بعلي الطنطاوي؟ قد يقول قائل: العلم الوَفير والثقافة المتنوعة، ويقول آخر: الكلمة الحلوة والأسلوب الجميل، ويقول ثالث ورابع: الحديث الجذّاب والإلقاء الساحر، وروح الفكاهة والشخصية الآسرة ... وكل واحد من هؤلاء مُصيب، غير أنه لم يمسّ إلا عَرَضاً وفاته الجوهر. لقد كان علي الطنطاوي صاحبَ علم وفير وأسلوب جميل وحديث جذّاب، إلى غير ذلك، ولكن هذه جميعاً كانت أدوات سخَّرَها واستعملها في دعوته إلى الله وسعيه إلى الإصلاح. فلو أن سائلاً سألني: "كيف تلخّص حياة علي الطنطاوي؟ صِفْها في عشر كلمات". لقلت له: لا أحتاج إلى عشر، آخذ ثلاثاً وأردّ لك سبعاً. لقد صرف حياته «في الدعوة والإصلاح»، ﵀ وأجزل له الثواب. * * *

стр. 4

لقد سعى علي الطنطاوي خلال حياته كلها إلى الإصلاح، وجَهَدَ واجتهد وجاهد في سبيله: إصلاح العقيدة والعبادة، وإصلاح السلوك والأخلاق، وإصلاح التعليم والتربية، وإصلاح اللغة والأدب، وإصلاح حياة الناس الاجتماعية والأُسَرية، وإصلاح الحكومات والمحكومين. في الدين والاعتقاد حارب الدعوات الباطلة والنِّحَل الباطنة والبدع والخرافات ودعا إلى الإسلام النقيّ الصحيح، وفي المجتمع والحياة العامة حارب التحلل والتكشف والفجور والاختلاط ودافع عن الاستقامة والعِفّة والفضيلة، وفي الأخلاق الاجتماعية حارب الكذب والغش والنفاق والالتواء والظلم والعدوان والرذائل كلها ودعا إلى نقائضها من الفضائل وكرائم الأخلاق، وفي اللغة والأدب حارب الضعف والحداثة ودافع عن العربية وانتصر للأسلوب العالي والبيان الراقي والشعر الأصيل الموزون ... وأنّى ذهبتَ في مجالات الحياة وجدت يده ممدودة فيه بالإصلاح. لقد كان حرباً على الآثام كلها وداعياً إلى كل فضيلة، وحيثما كانت الخِيرَة بين خير وشر كان حرباً على الشر نصيراً للخير داعياً إليه مدافعاً عنه. ولئن أعانه على جهاده الطويل هذا ما آتاه الله من أسلوب وفصاحة وبيان، وما حباه به من اندفاع وشجاعة وجرأة وصلت به أحياناً إلى درجة التهوّر، وما درج عليه من الثورة على العادات ومخالفة المألوف، فإن الذي دفعه في هذا الطريق في المقام الأول هو الإيمان العميق الذي غُرس في قلبه، والروح المتوثِّبة التي حملها بين جَنْبَيه، وموهبته النادرة في الانتباه إلى الخطأ مهما

стр. 5

دقَّ وصَغُر، والإحساس بالخطر مهما خفي وبَعُد؛ فكان من دأبه أن ينبّه الناس إلى الخطر قبل أن يدنو منهم الخطر، ويحذّرهم من السيل قبل أن يدهمهم السيل، وكان كالمنارة التي تصرف السفن عن اقتحام صخور البر في الليلة العاصفة الظَّلْماء، أو الشعاع الذي ينير الطريق للجَمْع المضطرب في الفتنة الغاشية الدَّهْماء، وكان في قومه النّذيرَ العُرْيان. * * * وبعد، فهذا هو الكتاب السابع الذي وفّقَ الله -بفضله وكرمه- إلى إصداره بعد وفاة جدي ﵀. ولئن كنت قد اخترت له هذا العنوان، «فصول في الدعوة والإصلاح»، فإنني أعترف بأن ما فيه من أحاديث ومقالات ليس سوى عينة صغيرة مما أنفقه في حياته من جهد في الدعوة وفي الإصلاح. ولو أنّي توسعت لجعلت عنوان هذا الكتاب اسماً جامعاً لمؤلَّفات علي الطنطاوي كلها، بل لكتبه وأحاديثه وخطبه ومحاضراته جميعاً؛ فهو كان داعياً مُصلحاً في كل ما حدّث وحاضر وخطب وكتب. وقد جمعت مادة هذا الكتاب من مقالات نُشرت في الصحف والمجلات وأحاديث أُلقِيَت على المنابر أو أُذيعَت في الإذاعات بين عامَي ١٩٣٦ و١٩٩٠، أي في مدى يزيد على نصف قرن من الزمان، وبعض مقالاته كتبها جدي ﵀ ثم لم يُذِعْها ولم ينشُرْها قط. وكما يحصل معي في كل مرة، وجدت -وأنا أُعِدّ مادته وأرتّبها- مقالات وأحاديث عديدة فيها مشابَهة وتكرار، فاخترت

стр. 6

من كل متشابهَين أفضلَهما وضحّيت بالآخر، وبقي -بعد ذلك- من المقالات والأحاديث ما يمكن أن يجد القارئ في بعضه تشابهاً في اللفظ أو تكراراً في المعنى، لكنني وجدته أقل من أن يجرّ إلى حذف المقالة كلها فكان مصيرها البقاء. وهأنذا أقدّم اليوم هذا الكتاب وأنا أسأل الله أن يكتب الثواب لي على إخراجه، ولناشره على نشره بين الناس، وأن يثيب جدي عليه أحسن الثواب، ويجعل كلَّ كلمة فيه وكلَّ حرف في ميزان حسناته يوم الحساب. مجاهد مأمون ديرانية غرة المحرّم ١٤٢٩

стр. 7

التقدمية والرجعية نشرت سنة ١٩٦٦ رآني صديق لي وأنا أكتب هذا المقال، فقال لي مازحاً: اجعلها مقالات تقدّمية، لا تجعلها مقالات رجعية. قلت: ما التقدمية، وما الرجعية؟ قال: ألا تعرف؟ قلت: لا والله، ولكني أعرف أن لكل عصر كلمات تمشي فيه على الألسن، يُقبل عليها الشباب ويُفتَنون بها من غير بحث عن حقيقة معناها، كما يتلقف النساء (أعني بعض النساء) الموضات في الثياب، ويقلّدْنَها ويحرصنَ عليها من غير أن يدركن الفائدة منها! ولقد كانت الموضة السائرة ونحن صغار كلمة «عصري»، وكانوا يتّهمون كل متمسك بالدين بأنه متعصب وغير عصري. وقبلها كانت الموضة كلمة «منوَّر»، فالذي يخالف ما عليه الشباب يتهمونه بأنه غير منوَّر. وكان كثيرون من ضعاف الإيمان يتظاهرون بترك الدين (وهم متديّنون في الواقع) خوفاً من أن يقال إنهم غير منورين أو إنهم متعصبون غير عصريين! وقد بطلت اليوم هذه الكلمات وحلّت محلها كلمات جديدة

стр. 8

صارت هي موضة العصر، هي كلمات «التقدمي» و «التقدمية» و «الرجعي» و «الرجعية». ولقد كنت أكتب من تسع عشرة سنة كلمات قِصاراً في جريدة شامية بعنوان «كل يوم كلمة صغيرة» (١)، فكتبت يوماً أسأل أهل التقدمية عن تعريفها الذي يبيّن حقيقتها وعن تعريف الرجعية الذي يوضح حدودها، وانتظرت طويلاً فلم أجد عندهم الجواب الشافي (٢). الذي أعرفه أن التقدمية مشتقة من التقدّم، وأن العرب قالوا «التقدمية» في مثل هذا المعنى. وتستطيعون أن تراجعوا معناها في «أساس البلاغة» وفي المعاجم. وأعرف أن الرجعية من الرجوع. فإذا وقفت في جدّة ووجهك إلى البحر وتقدمت فأنت بهذا المعنى تقدمي، تزداد «تقدّمية» كلما اقتربت من الشاطئ، وإذا جعلت ظهرك إلى البحر وتقدمت فأنت تقدمي أيضاً، تزداد «تقدّمية» كلما ابتعدت عن البحر. فكلاهما تقدمي، فمن منكما

стр. 9

التقدمي الحقيقي؟ فأنت لا تعرّف «التقدمية» إذن إلا إذا حدّدتَ الوجهة التي تتوجه إليها. هذا هو التفريق المادي بالنسبة إلى الرجل الذي يمشي، فما هو التفريق المعنوي بين «التقدمية» التي يَدْعون إليها و «الرجعية» التي يخوّفون الناس بها؟ هل يريدون بالتقدمي الرجل الذي يدعو إلى الجديد، إلى عصر الذرة والصاروخ، وبالرجعي الرجل الذي يتمسك بالقديم ويريد أن نعود إلى عهد الجمل والسِّراج؟ إن كان هذا هو الذي يريدون فليس بشيء، لأن الأمور لا تقسَّم إلى جديد وقديم، بل إلى حق وباطل وخير وشر. وإذا كان كل قديم -على رأي هؤلاء- عتيقاً بالياً واجباً تركُه فإن العقل أقدم من الدين، فإذا تركتم الدين لقِدَمِه فاتركوا العقل لأنه أقدم منه، وعودوا مجانين هاربين من مستشفى المجاذيب! والحب قديم، فاتركوا الحب. والزواج قديم، فأبطلوا الزواج. وآباؤكم وأجدادكم صاروا من أهل القديم، فتبرّؤوا من آبائكم وأجدادكم ... أفهذا كلام يا ناس؟! كلا، ما هذا هو المقياس الصحيح. وإذا كان في هذا العصر تقدّم العلم وازدهار الحضارة، فإن فيه الحروب المدمرة والقنابل المبيدة والتهتك والفساد، وفي هذا العصر تركنا اليهود يسلبوننا قطعة من قلب بلادنا ويستأثرون بها دوننا، ويشرّدون أبناءها حتى يتفرقوا فوق كل أرض وتحت كل نجم، وقبل ألف سنة كان أسلافنا يركبون الإبل لا يعرفون السيارات ولا الطيارات، ويعيشون على السُّرُج ومصابيح الزيت، ولكنهم كانوا سادة الدنيا وكانوا أعزّ الأمم.

стр. 10

فإذا قلتم إننا رجعيون فنحن معكم، ونفتخر بأننا من الرجعيين. لكننا لا نريد الرجعة إلى عهود الاستعمار ولا إلى أيام الانحطاط والتأخر، بل نريد الرجوع إلى العهد الذي كنا فيه ملوك الأرض وكنا أساتذة العالم، وكان في أيدينا صَوْلجان الحكم وكان في أيدينا منار العلم. إلى عهد الصدر الأول، العهد الذي خرجت فيه الجيوش العربية المسلمة من هذا البلد تحمل راية محمد ﷺ ، فركزتها على كل جبل وفوق كل قلعة، من قلب فرنسا إلى قلب الصين. على أننا إذا تلفَّتْنا إلى الماضي فلا نلتفت إليه لنرجع القهقرى ونمشي إلى الوراء، بل لنستمد منه القوة على السير سعياً إلى الأمام، إلى الأمام لنربط بين الماضي المجيد والمستقبل المجيد، إلى الأمام لنصل مجدنا الجديد بمجدنا التليد. * * * إننا نعلم أن الاستغراقَ في الماضي وحدَه نومٌ أو جمود، والاستغراقَ في المستقبل وحده هوسٌ وجنون، والاستغراقَ في الحاضر وحده عجزٌ وقعود. ونحن نريد أن نستمدّ من الماضي دافعاً وحافزاً، ومن المستقبل موجّهاً ومرشداً، ومن الحاضر عماداً وسناداً. إننا ندعو إلى العودة إلى الماضي، ولكن ما معنى هذا؟ هل معناه أن نعود القرون الماضية ونرجع الكرة الأرضية في دورانها، ونسقط من حساب الزمان هذه القرون الطويلة حتى نعيش في القرن الأول الهجري مرة أخرى؟ هذا مستحيل.

стр. 11

هل معناه أن نعود إلى حياة القرن الأول فنركب الإبل وندع السيارة، ونسكن الخيام ونترك البيوت، ونعود إلى طب الحارث بن كَلَدَة أو أبي بكر الرازي ونترك الطب الحديث؟ هذا ما لا يقول به أحد؛ بل نريد العودة إلى مثل ما كان عليه أجدادنا من العلم والمجد والقوة والسلطان. ونحن نعلم أن هذا المجد لا يعود بالأحاديث والخطب، ونعلم أن السجين المصفَّد بالأغلال لا يطلقه تذكر الحرية والتغني بلذاتها، وأن الجائع لا يشبعه تذكر موائد الماضي واستعراض ألوانها، وأن الفقير لا يغنيه تذكر زمان غناه والزهو بما صنع فيه، وأن الذلة لا تُدفَع عن الذليل بنظم قصائد الفخر بعزة جده وأبيه. ولكننا نعلم أيضاً أن السجين الذي ينسى أيام الحرية يستريح إلى القيد ولا يجد حافزاً إلى الانطلاق، وأن الفقير الذي ينسى زمان الغنى يطمئن إلى الفقر ولا يجد دافعاً إلى الاستغناء، وأن الذليل الذي ينسى عزة أبيه يألف الذل ولا يجد قوة على دفعه. فإذا اطمأننّا إلى جلال ماضينا وحسبنا أن خطبة بتمجيده ومقالة بالإشادة به تغنينا وتكفينا فلن يعود لنا هذا الجلال أبداً، وإن نسينا أننا أبناء سادة الأرض وأساتذة الدنيا لم يحرك أعصابنا شيء إلى استعادة هذا المجد. فلنأخذ من الماضي بقَدْر، نأخذ منه ما يدفع ويرفع وينفع، وندع منه ما يثبط ويُقعد ويُنيم. إننا لا نريد أن نعود إلى الزمان الماضي، فالزمان يمشي أبداً لا يقف ولا يعود، ولا نعود إلى مثل معيشة الزمان الماضي ونترك ثمرات الحضارة، ولكن نعود إلى

стр. 12

المُثُل العليا وإلى الفضائل التي لا تفقد قيمتها بمرور الزمن؛ فكما أن الذهب والألماس لا يضرّه القِدَم ولا يصدأ كما يصدأ الحديد، فإن في المعاني ما هو كالألماس والذهب في المعادن. * * * نحن نريد أن نعود إلى هذه الحياة؛ هذه هي رجعيتنا التي لا ننكرها بل نفتخر بها، قد عرّفناها ووضّحناها، فما هي تقدميتكم يا أيها السادة التقدميون؟ هل معناها التقدم من أهل الغرب وتقليدهم في كل شيء، بل تقليدهم في الشر الذي يشكون منه ويتمنون الابتعاد عنه؟ وأن نهمل عقولنا ونترك شرع ربنا ونتبرأ من آبائنا وأجدادنا، ونمشي وراء الغربيين فنقول بمقالهم ونفعل فعلهم، فإن كشفوا العورات كان سترها رجعية، وإن أعلنوا الزنا كان إعلانه تقدمية، وإن لبسوا السراويل في أذرعهم والمعاطف في أرجلهم، أو قعدوا على الأرض وأجلسوا الكراسي فوقهم، أو أكلوا الحساء (الشوربة) بالشوكة والبطيخ بالملعقة، فقد وجب في شرعة التقدمية أن نفعل فعلهم وإلا كنا رجعيين؟! إذا كان هو المراد بالتقدمية فتشجّعوا وقولوه، ولا تدعونا نطالعه من خلال السطور ومن بين الكلمات. * * *

стр. 13

الإسلام والحياة نشرت سنة ١٩٣٧ لما كنت طفلاً صغيراً كنت أذهب مع أبي يوم المولد إلى منزل المحدّث الكبير السيد الكتاني ﵀، فكنت أجد فيه حشداً من الناس وقد تفرقوا في قاعاته وأبهائه، فتحلقوا فيها حول جِفان الرز الموشَّاة بالصنوبر واللوز والمغطاة باللحم، فأكلوا حتى شبعوا ثم قاموا ليأكل غيرهم. فإذا انتهى الطعام ذهب منهم من ذهب وبقي من بقى يستمع قصة المولد. أو أذهبُ إلى المسجد الأموي فأجد فيه خلائق مجتمعة حول تالٍ يتلو شيئاً يسميه «قصة المولد»، ومنشدين يغنّون أغاني يدعونها أناشيد نبوية، فإذا انتهى الغناء واكتملت القراءة بدأ الصراخ والصراع على السكاكر والملبَّس. وكان هذا هو الاحتفال بالمولد! وفي ذات صباح خرجت من داري، فإذا في المدينة شيء جديد، إذا البلد قد اكتست حلّة من أغصان الشجر مزينة بأزهار الغوطة، ولبست ثوباً من السجاد العجمي مزداناً بالصور، صور شتى لا تجمعها فكرة ولا تدل على شيء، فمن صورة عنترة بن

стр. 14

شداد على فرسه بشواربه التي تشبه سواري مركب إلى صورة السلطان عبد الحميد، ومن صورة الملك حسين إلى صورة فيل من فيلة الهند ... ومن فوقها الأعلام من كل لون وشكل، من علم البلاد إلى علم الطريقة الشاذلية إلى علم إيران! وخلال ذلك العشرات من المصابيح الكهربائية تضيء في عين الشمس، فتُغْني الشركة الأجنبية وتفقر الشعب (١). فسألت: فيمَ هذا كله؟ قالوا: هذا كله للاحتفال بالمولد! ومرَّت الأيام، وارتقينا فأصبح كل حيّ يقيم حفلة في المسجد، وغدت الحفلات تقام في البيوت وعلى قوارع الطرق. ولكن ماذا في هذه الحفلات؟ قصة حياته ﵌. غير أن قصة الحياة تبدأ عند الولادة، والناس يختمون القصة إذا وُلِد، فكأنهم لم يقرؤوا منها شيئاً. ثم ماذا؟ أغانٍ وأناشيد، وأحلف لكم -أيها السادة- أنني سمعت مرة منشداً يقرأ في حفلة مولد أغنية غزلية معروفة، فلما انتهى منها قال: اللهم صلِّ وسلّمْ وبارك عليه، فقال الناس الأذكياء: اللهمّ صل وسلم وبارك عليه! ومرّت الأيام، وانتبه الناس فدَعَوا الخطباء يخطبون. هذا جيد أيها السادة، ولكن ما هي جدواه؟ يسمع الناس هذه الخطب، وتفيض لها حماستهم وتخفق قلوبهم، وتنطلق أيديهم

стр. 15

بالتصفيق وحناجرهم بالثناء، ثم تمر أيام الاحتفال وينغمس الناس كرّة أخرى في لجّة الحياة، فينسون الحفلة والخطب، ولا يبقى لها في نفوسهم إلا ذكرى ضئيلة أو صورة واهية لعبقرية خطيب أو براعة شاعر. هذا ما فكرت فيه ساعة أخذت كتاب جمعية «التمدّن الإسلامي» الذي تكلفني فيه بالكلام في هذه الحفلة؛ قلت في نفسي: لقد خطبت كثيراً من الخطب الحماسية المجلجلة وهززت الناس بها هزاً، فأين أثرها؟ لم يبق منه شيء. إذن فلن أعيد على الناس حديث الحماسة، ولن أقرأ عليهم صفحات التاريخ، ولكني سأحدثهم حديث الحياة. أوَلم يكن مولده ﷺ حياة لهذا العالَم، وحياة الفضائل البشرية والمثل العليا؟ فلماذا لا تكون ذكرى هذا المولد مطلع حياة جديدة لنا؟ إذن فليكن موضوعي: «الإسلام والحياة». * * * أيها السادة، ليس الخطيب الجريء هو الذي يهزّ عواطف الجمهور بكلمات سطحية فارغة ولكنها رنّانة مثل الطبل، ولا الذي يصرّخ فيهم ويرفع صوته يزيّن لهم ما هم فيه ويحسّن لهم حاضرهم، ولكن الخطيب الجريء هو الذي يبحث بحثاً عقلياً، ويدرس ناحية من الموضوع درساً عميقاً، ويقول للجمهور: إن ما أنت عليه باطل، إن الحق هو ما سأسوقه إليك.

стр. 16

وأنا أعترف بأن الجماهير لم تألف عندنا هذا النوع من الخطباء، وأعترف أني لم أجرب أن أكون من قبلُ خطيباً من هذا الطراز، ولكني سأمتحن جرأتي وأضحّي بإعجابكم بي، ذلك الإعجاب الذي أناله بسهولة إذا خطبت فيكم خطبة حماسية وأثرت أعصابكم بذكرى الماضي الفخم، ولكني أكون خادعاً لكم لأني أُنسيكم بوصف هذا الماضي وعظمته أنكم في حاضر ليس فيه من تلك العظمة شيء. وبعد، فلندخل إلى الموضوع. إننا اليوم في مطلع نهضة جديدة تشمل أقطار هذا الشرق الإسلامي، ما في ذلك شك، وإن المبدأ الذي يمكن أن نصدر عنه في هذه النهضة هو الإسلام. ولقد يعترض علينا دعاة للوطنية الضيقة التي لا تتجاوز سوريا بحدودها السياسية، ويعترض علينا من يدعو إلى قومية سورية مستقلة، كما يعترض علينا دعاة الوحدة العربية، ويعترض غيرهم اعتراضات كثيرة ... ولكن هذه الاعتراضات كلها مردودة، ولقد فصلت هذا الموضوع في مقالة ترونها في الجزء الأول من مجلة «التمدن الإسلامي» الذي صدر في هذا الشهر الأنوَر، فلن أعيدها الآن عليكم. إن الإسلام -أيها السادة- يجب أن يكون الصلة الكبرى في نهضتنا الحاضرة، ولكن ذلك يحتاج إلى عمل، يحتاج إلى جماعة من العلماء يدرسون الكتاب والسنة درساً علمياً، ويفهمون حاجة العصر فهماً صحيحاً، ويستنبطون لنا ما نحتاج إليه من القوانين والنظم. فمن يقوم بهذه المهمة؟

стр. 17

إننا -أيها السادة- حيال طبقتين من المتعلمين: طبقة المتعلمين في المدارس النظامية والأجنبية، وطبقة المتعلمين على المشايخ وفي المدارس القديمة، وإذا شئتم التجوّز أقول: إن أمامنا شيوخاً وشباناً، وبين هاتين الطبقتين فرق كبير لا يُدرَك للوهلة الأولى؛ ذلك أن أسلوب التفكير عند الشباب يخالف تماماً أسلوب تفكير الشيوخ. أما الشباب: فقد تعلموا إلى حدّ ما طريقة الشك والبحث العلمي، فالشاب لا يطمئن إلا إذا شكّ أولاً، وحاكم المسألة وأدارها على وجوهها وشغل بها عقله، ولكنه يغلو في هذا الشك ويبالغ في تقدير قيمة العقل، فيريد أن يحكم به على كل شيء، مع أن العقل لا يستطيع أن يحكم على ما وراء المادة، والعلم لا دخل له في مسائل الغيبيات. وأما الشيوخ فعلى النقيض من ذلك: يعرفون روح الاتّباع، ويفزعون من الخروج على المألوف، فما قاله المؤلف أو الشارح فهو عندهم الصواب! مع أن نظرة واحدة إلى تاريخنا التشريعي والسياسي تكفي للدلالة على خطأ هذا الجمود. كان العرب أمة بدوية جاهلة لا شأن لها في الدنيا ولا خطر، فرفعها الإسلام، الإسلام وحده، حتى جعل منها أمة تعاونت مع الأمم التي شرفت بالإسلام، فأقامت حضارة تعدّ الحضارة العالمية الثانية بين ثلاث حضارات، الأولى حضارة اليونان، والثالثة أوربا. فإذا نحن ذكرنا هذه الحقيقة وآمنّا بأن الإسلام ابن حضارة وتمدن، ثم رأينا مكاننا اليوم من سُلّم الحضارة ونسبتنا

стр. 18

إلى الأمم المتمدنة، أيقَنّا بأن التقصير منا لا من الإسلام ذاته. الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكن الإسلام ليس محصوراً في كتب الفقه وإنما هو في القرآن وفي السنة الصحيحة. ولقد قام أجدادنا الأولون بالواجب عليهم، أخذوا القرآن فقرؤوه وفهموه واستنبطوا منه (ومن السنة الصحيحة) القوانينَ الشخصية والحقوقية والجزائية والقانون الأساسي والأنظمة الإدارية والشرع الدولي، وتركوا لنا هذه المجموعة الفقهية النادرة المثال، التي تضمن حلّ كل مشكلة اجتماعية أو حقوقية عَرَضت لهؤلاء الفقهاء. ولكن الفلك دار -من بعدُ- دورات والزمان تبدل، فتغير العُرْف، وتحولت أوضاع المجتمع وأساليب التجارة وأشكال الحياة، ونشأ للإسلام خصوم من المبشرين والملحدين وعُبّاد العلم والجاهلين ودعاة الفجور والخلاعة، فماذا صنع العلماء حيال ذلك كله؟ هل تتسع صدوركم لسماع طائفة من الحوادث الصغيرة الواقعة؟ ذهبت إلى عالم فعرضت له طرفاً من المفاسد المنتشرة والحانات المفتوحة والمدارس المضلِّلة، وطلبت منه أن يساهم بعلمه في الإصلاح الخلقي والاجتماعي، فقطع عليّ حديثي وقال لي: "لقد أخبر النبي ﷺ بهذا كله، صار آخر الزمان فلن يفيد شيء". وأخذ سبحته، وقام ليذهب إلى رئيس الحكومة ليهنّئه بالعيد ويتزلف إليه لئلا يقطع راتبه الذي يأخذه بلا عمل. وذهبت إلى الثاني فحدثته، فقال: "هذا كله من الشيخ فلان،

стр. 19

هذا الوهابي الذي بثّ في نفوس الناس الفساد" ... فتركته. وذهبت إلى الثالث فسألته عن مسألة مما يعترض به أعداؤنا علينا، فأسكتني بشدة وقال لي: "لا تقل هذا، يُخشَى عليك"! قلت: يا سيدي، أنا أنقل كلامهم لأعرف ردّه، وناقل الكفر ليس بكافر. فقال: "أعوذ بالله من هذا الجيل"، وأعرض عني. لا تغضبوا أيها السادة، فلا أريد أن أقول إن العلماء كلهم على هذا النمط، ولكني أريد أن أقول إن أكثر علمائنا يعيشون بيننا وكأنهم يعيشون في القرن التاسع الهجري، ويفكرون بعقول أهل ذلك القرن، وهم بعيدون عن فهم روح العصر وعلومه لا يستطيعون أن يتفاهموا مع الشباب. أما الشباب فاسمعوا حديث الشباب: الشباب يقبلون كل شيء يجدون عليه طابع أوربا، ولو كان الفجور والكذب والحماقة والبلاء الأزرق، ويردّون كل ما عليه شارة الشرق وطابع الدين. وكل كلمة يقولها عالم من أوربا حق لا غبار عليه، وكل ما يقول علماؤنا سخف وجمود! * * * هذه هي حالنا؛ نحن نحتاج إلى من يفهم روح الإسلام ويدرك حاجة العصر، ثم ينقطع لدرس مسألة واحدة على أسلوب البحث العلمي وفي ضوء علم أصول الفقه، على نحو ما درس العلامة المصري الشيخ أحمد شاكر مسألة الطلاق، وهي من المعضلات، فوُفِّق في كتابه «نظام الطلاق في الإسلام» إلى أحسن حلّ لها مُستنبَط من الكتاب والسنة.

стр. 20

نريد من كل عالم أن ينتج لنا شيئاً. إننا نحتاج إلى كثير ... نحتاج إلى شباب ينقلون إلينا علوم الغرب التي برعوا فيها على نحو ما نقل التراجمةُ علومَ اليونان في مطلع العهد العباسي، ونحتاج إلى شيوخ يفهمون هذه الكتب ويبيّنون لنا حكم الدين فيها. نحتاج إلى شيوخ يؤلفون لنا كتباً جديدة بأسلوب علمي مفهوم، في الفقه والتوحيد والأصول والمصطلح وسائر العلوم الإسلامية، ونحتاج إلى شبان يقرؤون هذه الكتب ويتفهمونها. نحتاج إلى فقهاء يجدّدون لنا باب المعاملات في الفقه. وأرجو ألاّ تفهموا كلمتي على غير وجهها، فأنا أريد أن ننظر في أحكام الفقه، فما كان منها مستنداً إلى نص قاطع من كتاب أو سنة يبقى على حاله لأنه لا سبيل إلى تبديله مطلقاً، وما كان مستنداً إلى شيء من العُرف الذي كان سائداً في وقت من الأوقات، وتغيَّر اليوم هذا العرف، يتغير الحكم تبعاً له. وهذا هو مدلول القاعدة الفقهية: «لا يُنكَر تغير الأحكام بتغير الأزمان»، لا كما يفهمها بعض الببغاوات ممن درسوا «المجلة» في الحقوق، فيريدون أن يغيروا أحكام القرآن تبعاً لهذه القاعدة. * * * أنا لا أحب أن أجعل محاضرتي في الفقه والأصول، ولا أريد أن أسوق لكم أمثلة كثيرة أرهقكم بسماعها، ولكني أريد أن أقول: إن الزمان قد استدار كيوم بدأت الحضارة الإسلامية، وإن علينا أن ننشئ حضارة جديدة، لا هي بالغربية الخالصة ولا هي حضارة أجدادنا بكل فروعها، بل هي حضارة مقتبَسة من

стр. 21

الإسلام مطابقة لروح العصر. والإسلام ابن حضارة وعلم، ابن حياة ومدنية، فلا يجوز أن يكون متّبعوه عالة على الأمم في العلم والعمران. يجب أن نعود في كل علم إلى أربابه، فلا نبعث طلابنا يدرسون اللغة العربية إلى باريس كما تفعل وزارة معارفكم، ولا نقتبس تاريخ التشريع الإسلامي والقرآن والحديث من المستشرقين كما يفعل بعض مدرّسي الوزارة، كما أننا لا نعود في الطب إلى «تذكرة داود» كما يفعل بعض علمائنا! إن علينا واجباً ضخماً هو إبلاغ رسالة الإسلام لأهل القرن العشرين، ولا يتم ذلك إلا إذا فهم علماؤنا عقلية أهل القرن العشرين، ودرسوا أساليب التفكير فيه، واطلعوا على دخائل الحياة وأوضاع المجتمع ... وحينئذ يعلمون أن الأمر أكبر من أن تكفي فيه خطبة حماسية تُلقَى على منبر، أو كتاب يقرأ في مدرسة، أو حفلة تقام في زاوية، وحينئذ يمتنع أمثالي ممن لم يتخصص في العلوم الإسلامية عن أن يخوض فيها. أيها السادة، بهذا يكون الاحتفال بذكرى مولده ﷺ : بنشر شريعته وإحياء دينه، لا بالخطب الجوفاء والزينة الباطلة وحفلات اللهو والطرب. أعاده الله عليكم باليُمن والفلاح. * * *

стр. 22

أساس الدعوة إلى الإسلام نشرت سنة ١٩٣٨ طلب إليّ الأستاذ أن أكتب كلمة لهذا الجزء الممتاز من «الكفاح» (١) واقترح عليّ هذا الموضوع، فقبلت على ضيق الوقت وقلّة البضاعة، ولكن لم أجلس للكتابة فيه حتى تشعّبت عليّ طُرُقه والتوَتْ عليّ سُبُل التفكير فيه، فرأيت أن أقصر الكلام فيه على ناحية واحدة هي أساليب الدعاية إلى الإسلام في المدارس، لأن هذه الناحية تمسّ عملي، ولأني أمارس الآن تدريس الدين. أنا أحمد الله على أني من الشباب الذين يفتخرون بإسلامهم، ويؤمنون بما جاء به، ويحرصون جهد الطاقة على التمسك به، ولكني حين أرجع إلى نفسي فأفتش عن سبب هذا كله لا أجد إلا هذه الصور التي استقرّت في نفسي منذ عهد الطفولة، وما رأيت في داري وبيتي، وما سمعت في دروس المشايخ وحلقات الوعّاظ. أما تلك المناقشات التي كانت تثار في الصف وتلك

стр. 23

الأدلّة التي كان المدرّسون في المدرسة يُجهدون بها نفوسهم، وتلك الدلائل التي يسوقونها يزعمون أنهم يثبتون بها وجود الله، فلم يكن لها أثر في نفسي ... اللهمّ إلا أثراً سيئاً، هو أنها غرست في عقلي بعض الشكوك وجرّأته على البحث فيما لا يحسنه العقل ولا يناله علمه ولا تبلغه طاقته. لذلك عزمت حين تسلمت درس الدين على أن أجتنب مثل هذه المناقشات في وجود الله وتفسير القدَر أو ما يشبه ذلك من الأمور الغيبية، وأن أعمد إلى تنبيه الإيمان في نفوس التلاميذ من طريق القلب لا من طريق العقل، وأن أُفهمهم حقيقة التوحيد قبل أن أشتغل معهم بفروع الفقه أو حكمة التشريع أو مسائل التفسير، فإذا عرفوا الله حق معرفته لم يعبدوا سواه، ولم يتبعوا مع أمره هوى ولا دفعهم إلى ارتكاب ما حرّم دافع. هذا هو أساس الدعوة إلى الإسلام. ولا نزعم أننا جئنا بشيء جديد حين قلناه، لأنه هو الأساس الذي جاء به النبي ﷺ ، بل هو رأس الأمر ومِلاكه، لم يبعث الله من رسول إلا لإرشاد الناس إليه. وليس معنى التوحيد أن يعتقد الإنسان بأن لهذا العالم خالقاً وأنه قديم باق متصف بصفات الكمال منزَّه عن أضداده، فهذا شيء فطري في الإنسان لا يستطيع نزوعاً عنه ولا انفكاكاً منه. وهذا شيء مقرَّر عند العلماء، حتى إن دوركايم يقول في وصف الإنسان إنه «حيوان متديّن» (مقابَلة لقولهم: الإنسان حيوان اجتماعي). وليس في الناس من ينكر وجود إله لهذا الكون إنكاراً

стр. 24

جدياً ويعيش حياته كلها على ذلك ويموت عليه، حتى الكفار من قريش الذين سمّاهم الإسلام مشركين، واختصّهم بهذه التسمية دون اليهود والنصارى من أهل الكتاب، كانوا يُقرّون بأن للكون إلهاً خالقاً: ﴿وَلَئِنْ سَألتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السّماوَاتِ والأرْضَ لَيَقولُنَّ الله﴾، وكانوا إذا ركبوا في الفُلْك دعَوا الله مخلصين، وإذا لبّوا في حجهم قالوا: «لبّيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك». وكانوا يقولون عن آلهتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفَى﴾. كل هذا معروف، وإنما بُعث الرسل لإرشاد الناس إلى عبادة هذا الإله وحده وتنزيهه عن الشريك وعن الشفيع، فمَن عرف أن للكون إلهاً قادراً قديماً باقياً سميعاً بصيراً، ولكنه عبد معه غيره واتخذ إليه شفعاء بغير إذنه، لا يكون مؤمناً ولا موحِّداً. وقد زود النبي ﷺ العرب بهذه العقيدة، ثم قذف بهم في أرجاء الأرض فكانوا سادتها وملوكها وعلماءها وأساتذة الحاضرة فيها. فليس علينا إذا أردنا أن ندعو إلى الله في المدارس إلا تزويد الطلاب بعقيدة التوحيد، بشرط أن نسلك إلى ذلك طريق القرآن ونستعمل حججه، وندع هذه الكتب المتأخرة التي خلطت بين الفلسفة والعقائد خلطاً شنيعاً، وملأت صفحات منها كثيرة في سرد شُبَه المبطلين والردّ على أقوام بادوا ولم يبقَ لهم أثر. أين الجهمية مثلاً والقدرية والمُرجئة ولست أدري ماذا؟ فلماذا نشتغل بحفظ شُبَههم ونردّ عليها، ونحن نعلم أن السلف كلهم كرهوا ذلك وذمّوا من أجله علم الكلام، حتى أفتى بعض فقهائنا الحنفية بأنه إذا مات رجل وأوصى بمال لعلماء بلده لا يدخل فيهم

стр. 25

علماء الكلام؟ ونحن نعلم أن أمثال الفخر الرازي وإمام الحرمين الجُويني والغزالي -من سُرُج هذه المِلّة وأعلامها- قد عادوا قبل موتهم إلى عقيدة السلف وتركوا التأويل. * * * هذا ويجب أن يكون المدرّس مخاطباً قلوبَ الطلاب لا عقولهم، ولَرُبّ قصة من قصص الرقائق يسمعها المرء من واعظ أو قاصّ تبلغ من نفسه ما لا تبلغ أقوى الأدلة العقلية والبراهين المنطقية. ولا أريد من ذلك أن الإسلام يناقض العقل، معاذ الله، ولكن أريد أن أقول إن العقل لا يستطيع إدراك المغيَّبات ولا الحكم فيها، وقد بيّنت ذلك في فصل قديم في «الرسالة» أرجو أن يكون فصلاً من كتاب أكتبه في «الإيمان» (١). وكيف يحكم العقل فيما وراء الزمان والمكان وهو لا يدرك مسألة حتى يسأل: متى كانت وأين كانت؟ وكيف يحيط العقل المحدود بالله الذي لا أول له ولا آخر، لأنه هو الأول والآخر؟ فلندَع التدليل على هذه المسائل، ولنرجع إلى فطرة الإيمان في النفوس فلنستعن بها. قيل لرابعة العدوية: إن فلاناً من العلماء قد أقام ألف دليل على وجود الله. فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك لما أقام ألف دليل! قالوا: فكيف إذن؟ قالت: إذا ضللت في الصحراء وأيِسْتَ من النجاة ماذا تقول؟ قال: أقول يا الله! قالت: هذا هو الدليل.

стр. 26

فيجب إذن أن نجعل التوحيد أساس الدعوة إلى الله، وأن نخاطب فيه القلب، وأن نتكلم بلسان الشرع ونستعمل حجج القرآن. * * * ولا يستقيم ذلك كله ولا يُجدي حتى يكون القائمون بتدريس الدين قدوة للطلاب في تديّنهم وتقواهم. أما أمثالنا فلا يصلحون! فيجب أن يُدّرس الدينَ رجلٌ يكون في سَمْته وأخلاقه وسيرته تقياً ورعاً، مجتنباً للمحرمات بعيداً عن الشبهات، فإذا كان كذلك نفعهم بسيرته وأخلاقه أكثر مما ينفعهم بعلمه. أما أن يدرّس الدينَ -والعياذ بالله- من يفطر رمضان جهراً (كما قد يقع) أو يترك الصلاة فلا، بل ربما كان إهمال درس الدين كله أنفع للطلاب وأجدى عليهم! ولا ينفع الأسلوب ولا المدرّس إلا إذا كان درس الدين داخلاً في الفحص المدرسي، يطالَب به الطلاب ويسقطون ويرسبون في صفوفهم إذا قصّروا فيه. ولست أدري كيف يرسب الطالب لقصوره في درس الرسم أو الرياضة، ولا يرسب لقصوره في درس الدين! هذه هو الأساس الذي أتمنى أن تُبنى عليه الدعوة إلى الله في المدارس. * * *

стр. 27

أين الخلل ؟ حديث أذيع سنة ١٩٧١ يا أيها الإخوة الذين يستمعون إليّ الآن، ويا أيتها الأخوات، أرجو أن تكونوا معي اليوم خاصة لا بآذانكم وحدها، بل بآذانكم وبقلوبكم. أرجو أن تَمُنّوا عليّ فتسمعوا كل كلمة أقولها في هذا الحديث. أرجو أن تمنحوني هذه الدقائق العشر اليوم كاملة، فيؤجّل المتحدث حديثه وتؤخر السيدة عملها، وتُقبلوا عليّ جميعاً، لأني أشرح مشكلة أرجو أن تشاركوني في حلّها. لقد مضى نصف رمضان، ومرّ منه خمسة عشر يوماً سمعتم فيها كل يوم حديثاً، وسمعتم من غيري، ممن هم أعلم وأفضل، أحاديث تُعَدّ إذا عُدَّت بالعشرات، أحاديث مختلفة الأساليب والموضوعات من محدّثين مختلفي الشخصيات مختلفي الإنشاء والإلقاء، ولكنها كلها تريد هدفاً واحداً وتسعى إلى غاية واحدة، هي الدعوة إلى الإسلام. فخبّروني: ماذا استفدتم منها؟ التلميذ عنده في كل شهر امتحان يُسأَل فيه عما بقي لديه مما أُلقِي عليه، والتاجر له في كل سنة أشهُر موازنة يحسب فيها ما

стр. 28

ربحه وما خسره، والذي يصعد الجبل يقف ليلتفت وراءه فيرى كم قطع من الطريق، وينظر أمامه ليرى كم بقي عليه حتى يصل. فاقعدوا وفكروا: ما هي حصيلة هذه الأحاديث؟ لا أشك أنها أثارت في أنفسكم لمّا سمعتموها الشعور بالإيمان، ولا أشك أنكم تعلمتم منها طائفة من المسائل المتفرقة، ولكني لست أسأل عن هذا، بل أسأل عن أمر آخر. أسأل: هل كان لها أثر في حياتكم؟ هل كانت لها نتيجة عملية ظهرت في أعمالكم أو في بيوتكم أو في أسواقكم؟ هل بدّلت شيئاً من أسلوب معيشتكم أو طريقة تفكيركم؟ * * * يا سادة، نحن نقول ونعيد ونكرر أن الإسلام دين ودنيا، الإسلام عقيدة وشريعة، الإسلام علم وسلوك، الإسلام يرافق المسلم في كل حين، فيبيّن له ما يَحِلّ له وما يَحرُم عليه، وما يُندَب له وما يُكرَه، يرافقه دائماً، إذا كان وحده، أو كان مع زوجته، أو كان مع أولاده، أو كان في تجارته في سوقه، أو وراء مكتبه في ديوانه، أو على مقعده في مدرسته، وفي العرس وفي المأتم، وفي السلم وفي الحرب. نقول هذا ونعيده ونكرّره حتى صار من الكلام المألوف، بل لقد صار من الحديث المُعاد المَمْلول. فتعالوا ننظر في حياتنا التي نعيشها في بيوتنا، في أسواقنا، وانظروا إلى أزيائنا وأزياء نسائنا، وسلوكنا وسلوك أبنائنا، ومعاملاتنا المالية وأوضاعنا الاجتماعية ... هل هي موافقة كلها للإسلام؟

стр. 29

أنا أسأل نفسي، أنا الذي يعظ مع الواعظين ويحدّث مع المتحدثين، والمفروض فيّ أن أكون عاملاً بما أقول؛ أسأل نفسي: هل أنا في حياتي كلها أطبق أحكام الإسلام وأمشي على طريقه تماماً وأحكّمه في أموري كلها؟ والجواب (مع الخجل ومع الأسف): لا. وليس معنى هذا الجواب أنني أرتكب الكبائر وأقطع السابلة وأشهد الزور وأعمل الفحشاء، بل معناه أن أسلوب حياتي، وأساليب حيواتكم، ووضع المجتمعات الإسلامية اليوم، ليس الأسلوب الذي حدده الإسلام تماماً ولا الوضع الذي يرتضيه. إن الطابع العام لحياتنا هو طابع الإفرنج وغير المسلمين، لا طابع السلف الصالح. تقولون: أتريد أن نركب الجمل بدلاً من الطيارة، ونوقد السراج عوضاً عن الكهرباء لنعيش مثل حياة السلف؟ لا، لا أريد هذا ولا الإسلام يريده. الإسلام يجعل الحكمة ضالّة المؤمن، ويأمرنا أن نأخذ النافع المفيد، وأن نكون أعلم الأمم وأقوى الأمم. ما هذا الذي أريد، ولكن أريد أن أسأل عن الدين، عن الخلق، عن المعاملة: هل نحن فيها أقرب إلى السلف الصالح أم إلى غير المسلمين؟ هل نهتم بالدين مثلما نهتم بالصحة أو بالمال؟ هل نتبع العادات الموروثة والمستورَدة ونتمسك بها، أم نَزِنها بميزان الإسلام ونقيسها بمقاييسه؟ هل نربّي أولادنا على ما يريد الشرع أو ما يطلبه المجتمع العصري؟ * * *

стр. 30

يا سادة، إن أخطر ما يتعرض له الإسلام أن يصير دين مسجد فقط، أن يظن واحد منكم أنه إذا صلى الصلوات الخمس مع الجماعة، وصام رمضان وحجّ، وقرأ كل يوم جزءاً من القرآن ولو بلا فهم، فقد صار من الصالحين، ولا عليه بعد ذلك أن يُلبس امرأته وبناته وفق الموضة مهما كان وضع هذه الموضة، وأن تكون معاملاته وفق العُرف التجاري مهما كان هذا العرف، وأن يفعل في ساعات فراغه كما يفعل الناس، مهما كان فِعْل الناس، لا ينظر في شيء من ذلك إلى حكم الشرع ولا يأخذ نفسه بتطبيقه. هذا أخطر ما يتعرض له الإسلام، وقد بدأ بعض المسلمين يفهمون الإسلام بهذا المعنى الخطير. أليس هذا صحيحاً؟ ألا تجدون المساجد ممتلئة بالمصلّين تمتدّ صفوفها يوم الجمعة إلى الشوارع، في أكثر بلاد الإسلام، بل في كل بلد من بلاد الإسلام؟ أوَليس من بين هؤلاء المصلين القاضي الذي يحكم بالقانون الوضعي المخالف لحكم الله، والتاجر الذي يأكل الربا الذي حرّمه الله، والذي يغشّ والذي يكذب، والذي يرتكب في بيته وفي عمله مجموعة من المحرَّمات؟ عفواً، أنا لا أقول إنكم جميعاً من هؤلاء، بل أقول إنه ليس بيننا إلا قليل ممّن عصم الله، يسير في حياته كلها في ضوء أحكام الشرع. لذلك سألت: ما الذي استفدناه من هذه الأحاديث؟ كم أُلقي عليكم من هذه الأحاديث من يوم أُنشئت إلى الآن؟ مئات ومئات ومئات، فما هو الأثر العملي لها؟ أكاد أقول بأسف: إنه ليس لها أثر في حياتنا العملية! حتى أنا الذي يعظ ويحدّث،

стр. 31

أسجّل الحديث ثم أسمعه، ثم أعود إلى أسلوب حياتي الذي رسمَته العادات الموروثة والمستورَدة وأعرافُ الناس وأوضاعُ المجتمع! ففكروا معي وقولوا لي: هل هذا الذي قلته صحيح أم لا؟ أحاديث النبي ﷺ ومواعظ السلف بدّلت الدنيا وغيّرت الأرض، وهدمت وبَنَت وصنعت دنيا جديدة، دنيا خير وبِرّ، فلماذا لا تفيد أحاديثنا ومواعظنا؟ لماذا لا يكون لها تأثير في حياتنا العملية؟ لماذا لم تبدل سلوكنا في الحياة؟ وإذا صح أنها لا تبدل سلوكنا ولا تؤثر فينا، فهل نتركها ونستريح من إعدادها ونريح السامعين من الإصغاء إليها، أم يمكن تبديل أسلوبها وطريقتها حتى تكون مؤثرة؟ هل العلة في أسلوب الأحاديث، أم في إعراض السامعين، أم في كثرة عوامل الهدم وقوّتها، أم في موت القلوب أو في قسوتها؟ وحيثما كانت العلة، فهل لها دواء؟ وما دواؤها؟ * * * يا سادة، لقد رجوتكم في مطلع هذا الحديث أن تكونوا معي بآذانكم وعقولكم، وأن تفتحوا له أذهانكم وقلوبكم لتفكروا معي في هذه المشكلة، ولتقولوا لي: لماذا تُلقى المواعظ ويسمعها الناس ولا يكون لها أثر؟ لماذا؟ ما السبب؟ * * *

стр. 32

حقائق مؤلمة نشرت سنة ١٩٤٦ [الكُتّاب أطباء الأمة، فإذا جامل الطبيب مريضه فكتم عنه داءه لم يبرأ منه أبداً.] هذا يوم المولد (١)، وإنه لمحطّة في طريق الزمان، فلنقف عليه كما يقف المسافر في المحطة ليلقي ببصره حوله، فينظر إلى أين يسير، وكم قطع من طريقه إلى غايته، وهل يمشي إليها على الصراط السويّ أم قد ضلّ عنها وجانَفَها، وهل يساير القافلة أم شرد عنها وفارقها؟ ولنحاسب فيه أنفسنا كما يحاسب التاجر نفسه، فيرى ما له وما عليه. أما أنا فقد وقفت ونظرت، فأنَبْتُ وقد فاضت النفس حسرة وامتلأت ألماً، وأيقنت أن الذي علينا أكثر من الذي لنا، وأننا قد خسرنا! ولم يكن التشاؤم من شأني ولا اليأس مذهبي، ولكن ما نحن فيه يُؤْيِس الآمل ويَكْرُب المتفائل. وأين -لعمري- باب

стр. 33

الأمل حتى أَلِجَه؟ وأية حال من أحوالنا تبشّر بالخير وتدعو إلى السرور: أحالنا في بيوتنا، أم في مدارسنا، أم في أسواقنا، أم في دواوين حكومتنا؟ وأي طبقة من طبقاتنا تتبع هدْي نبينا: أعلماؤنا، أم قادتنا، أم أدباؤنا، أم عامتنا؟ وأي بلد من بلداننا كان البلد الإسلامي الخالص: شامنا، أم مصرنا، أم عراقنا؟ * * * أما البيوت، وهي الحجارة في صرح الوطن، لا يصلح إن فسدت ولا ينهض إن تهافتت، فلقد كان العهد بها مؤسسة على التقوى، قائمة على الخلق النبيل والود المبذول. وكان الرجل فيها سيّداً يطيعه أهلها ويطيع هو ربه، وكان لعمله وبيته، لا يعرف غيرهما ولا يهمّه سواهما. وكان الولد برّاً بأبيه، والزوجة موافقة لزوجها، همّها دارها ومطمحها إسعاد زوجها وولدها. فتغيرت الحال، فصارت المرأة قَوّامة على رَجُلها، والولد متكبراً على أبيه، والرجل دارُه قهوته أو ملهاه أو ناديه، والمرأة بيتها الشارع ودينها زينتها، تتخذها لتتجمل بها للرجال الأجانب في الترام والطريق لا لزوجها في المنزل، وآثرَت على دارها زياراتها وسينماها. وربما خالف الزوج إلى غير أهله وخاللت هي غير زوجها، ونشأ الولد على المُجون وشَبّت البنت على الاستهتار ... هذا وميزان النفقات في البيت مختل، وحبل الود مصروم، والتعاون على الخير مفقود، وظل الدين غير ممدود. وما بقي من البيوت صالحاً فإن الفساد يسعى إليه، وهو يسعى إلى الفساد! * * *

стр. 34

أما المدارس فلقد كنا نعرفها مشارق أنوار العلم ومنابع الهدى، ونعرف المعلمين فيها مربِّين مهذِّبين ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء، ونعرف التلاميذ وهم طلاب علم وقُصّاد خلق، دنياهم مدرستهم وعملهم درسهم وأئمتهم معلموهم، فكانت المدارس تخرّج علماء ومهذِّبين أصحاب خلق متين ودين، تعتز بهم بلادهم وتسمو أوطانهم. فصار همَّ التلاميذ حزبٌ سياسي ينتسبون إليه ويصرِّخون في مظاهراته ويضعون أكتافهم سلّماً لزعمائه، يرتقون عليه إلى ما يشتهون من كراسي الحكم ... أو نحلة ينتحلونها ويحملون في صدورهم شارتها ويُهرعون إلى ناديها، ثم لا يفهمون من حقها أو باطلها إلا هذه المظاهر التي طلبوها لها وحدها، ثم يشتغلون عن الدرس بالخلاف عليها والكلام فيها، من غير فقه لها أو وقوف على مبادئها ... أو فلم سينمائي يحرصون عليه أكثر من حرصهم على دروسهم وعبادتهم، أو رواية في مسرح، أو صورة مكشوفة في مجلة. وصار المعلمون، أعني أكثر المعلمين، أصحاب شهادات لا علوم، ودعاة مذاهب سياسية أو اجتماعية لا دعاة إلى الله ولا إلى الخلق، وصاروا قدوة الطلاب في قصد السينمات والملاهي لا قصد المساجد والمكتبات، وصار منهم الشيوعي الذي يعلن شيوعيته، والقومي الذي يظهر قوميته، والجاحد الذي لا يتوارى بجحوده، والماجن الذي لا يتستر بمجونه، إي والله العظيم، ووُسدت الأمور إلى غير أهلها، فجُعل غير العالمين معلّمين، والمحتاجون إلى التربية مربّين، وتكلم في المسائل من ليس من أربابها، وتصدر في محرابها من لم يَلِج بابها، وجيء بالشباب

стр. 35

العُزّاب ليعلموا البنات، فكنا كمَن يُدْني سلكتي الكهرباء (١) حتى تنقدح شرارتهما، ويضع إلى جانبهما البارود ثم ينام الأحمق آمناً من الانفجار. ما بقي والله إلا أن نجيء بالبنات ليعلّمنَ الشباب، وما دمنا نمشي على هذا الطريق فما بقي شيء عجيب، وكل آت قريب! اللهم الطف بنا ولا تكلنا إلى أنفسنا، ولا تسلط علينا سفهاءنا، يا رب. * * * أما الأسواق فلقد كانت فيها التجارة فصار فيها الاحتكار، وكان فيها قوم منا يجلبون لنا أرزاقنا، فصار فيها أعداء لنا، يسرقون فيخزنون أقواتنا ليجمعوا القروش من جيوبنا فيجعلوها ذهباً في صناديقهم. ولقد انتهت الحرب وحل السلام، ولا يزال هؤلاء الفُجّار الأشرار يرفعون الأسعار ويكوون الفقراء بالنار، لا يعرفون الإنصاف ولا الرحمة ولا الإنسانية. * * * أما دواوين الحكومة فقد نسي من فيها أنهم أُجَراء الناس، يأكلون الخبز من فضل أيديهم ويجلسون مجالسهم هذه لخدمة مصالحهم، وحسبوا أنهم ملوك والناس لهم خَوَل، وسادة وهم لهم عبيد. ثم لم يكفِ أكثرَهم ما يأخذون من وقت من يرجع في حاجته إليهم ومن كرامة نفسه حتى أخذوا الرشوة من جيبه،

стр. 36

وربما ... ربما مدّوا أعينهم إلى عِرضه! وهم -بعد ذلك- جيش مجيَّش، نصفهم لا يُحتاج إليه ولا يُنتفَع به، قد جاءت به الوساطات والشفاعات فرفعته من غير كفاية على أهل الكفايات، ومَن اقتصر منهم على مرتَّبه ليعيش به عاش من قلّة المرتب حياة هي كالموت، ولم يكفِه المرتب ثمن الخبز، فكأن الحكومة تقول لصغار الموظفين: اذهبوا فاسرقوا لتعيشوا، فإن ثمن خبزكم أعطيناه لكبار الموظفين لينفقوه على الترف والسرف والقرف (١). * * * ثم إن العلماء، وهم عدّة الإصلاح ولُسُن الحق ودعاة الله، هربوا واختبؤوا في بيوتهم، فمنهم من لا يرى المنكر ولا يعرفه، ومنهم من يراه ولا ينكره، ومنهم من ينكره همساً، ومنهم من يعلن ولا يعرف الطريق الموصل إلى رفع المنكرات، ومنهم من ملأت قلبَه الدنيا فهو يسعى إليها ويزاحم عليها، وربما اصطادها بشبكة من لحية عريضة وقيّدها بسبحة طويلة وأخفاها تحت عمامة ضخمة، وذلّ من أجلها للحكام وخضع للأغنياء، وفقد القلب الذي يقتحم الأهوال واللسان الذي يصدع بالحق، فغدا يقول ولا يُستمَع لقوله، وينكر ولا يُلتفَت لإنكاره، وجُلّهم لا قلم له يخاطب به الناس ويسوقهم به إلى الحق ولا لسان، فكيف يكون داعياً من لا يكون خطيباً ولا كاتباً؟! * * *

стр. 37

والقادة ما صاروا قادة بعبقرية اختصّهم بها الله، ولا بعلم اختصوا به أنفسهم وأحيوا في تحصيله لياليهم، ولا بعقل هو فوق العقول وذكاء لا يدانيه ذكاء، ولكنّما هي حرفة احترفوها ومسلك سلكوه: زيد وعمرو، أما زيد فجدّ واستقام ودرس حتى أكمل المدرسة، فصار معلماً أو كاتباً أو موظفاً، وأما عمرو فأهمل درسه وأضاع وقته، والتوى مع الطرق الملتوية فالتحق بالأحزاب وعاشر الأغراب، وولج حيث لا يَحْسُن الولوج وخرج من حيث يُستقبَح الخروج، ورفع ووضع وخرب وأصلح حتى عرفه الناس، فكان نائباً، ثم صار وزيراً، ثم تمّت آثار قدرة الله القادر على كل شيء فاستحال قائداً من القادة! * * * والأدباء وأهل الصحف، هَمُّ أكثرهم التزلّفُ إلى القراء والوصول إلى رضاهم، رأوا أقرب الطرق طريق الشهوة فسلكوه وركبوا فيه الصعب والذَّلول: من الصور العارية، والقصص المثيرة، وطريق الإغراب في عرض الأخبار، وتكبير الصغير، وتعظيم الحقير، وتشويه أوجه الحقائق ... فيقرأ الناشئ الشيء وضده، فلا يؤمن من بعدُ بشيء. وإن كان في الكُتّاب من يدعو إلى إصلاح في لغة صحيحة وأسلوب منقح لم يقرأه إلا الخاصة، وإن كانت مجلة على هذه الصفة لم يُبَع منها مع كل ألف من تلك عدد واحد! * * * ولعلي بالغت أو غلب عليّ التشاؤم، فلم أرَ إلا ما ذكرت

стр. 38

ووصفت، ولكني صدَقت ولم أقل إلا حقاً، ولعل الذي قلت أقل من الحق! إن العالَم اليوم واقف على مفرق الطرق، حائر بينها أيّاً يسلك منها. ونحن أشد أهل العالم حيرة وتردداً، فنحن في المكان الذي تلتقي فيه نِحَل الشرق والغرب ومذاهبهما كلها، فيأخذ كل واحد ما تصل إليه يده، ثم يصيح في الدعوة إليه، ثم يزاحم ليشق له طريقاً ... فنحن في زحمة وضجة دونها ما يَرْوون عن ضجة برج بابل، والله وحده يعلم عمَّ تنجلي. ففي الدين سلفيون وصوفيون، ودعاة إلى التمسك بالمذاهب وترك الاجتهاد ودعاة إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، وإلى الأخذ بالحديث وترك كتب الفقه وإلى الاقتصار عليها، وفي البدع دعاة إلى القاديانية والبهائية والتيجانية ووحدة الوجود، وفي غير الدين شيوعيون وقوميون سوريون وملحدون ومستهترون ودعاة إلى السفور والاختلاط، وفي السياسة كتلويون وعُصْبَويون (١) ومعارضون ومؤيّدون، وعاملون للإنكليز أو للفرنسيين أو للروس، وقائلون بالجمهورية أو بالملكية، أو بالاستقلال أو بسورية الكبرى أو بالوحدة العربية ... والمناقشات مستمرة لا

стр. 39

تنقطع، والخلافات قائمة ما تقعد، قد انشقّت البيوت وانصدعت الأسر. وإني لأعرف أخوين: شيوعياً أحمر وعضواً في شباب محمد، شقيقين في دار واحدة وأبوهما شيخ طريقة! وأعرف شيوعياً وأبوه نقيب أشراف! فالإخوان في المنزل، والرفاق في المدرسة، والزملاء في الديوان، يختلفون أبداً ويتقاتلون. فعمَّ تنجلي هذه الغَمْرة؟ (١) الله وحده العالم. هذا في الشام، أما في سائر البلدان فليكتب عنها كتّاب من أهلها، يُفتَح في «الرسالة» باب من أبرك الأبواب وأكثرها فائدة ونفعاً، إذ إن أول الدواء تصوير الداء. * * *

стр. 40

بلا عنوان نشرت سنة ١٩٦٨ أنا -يا إخوان- أزدادُ اقتناعاً كل يوم بأن أحاديثنا في الإذاعة وكتاباتنا في الصحف والمجلات، كلها لا تفيد. لقد تكلمنا كثيراً، فماذا أفادنا الكلام؟ لقد ألقيت أول خطبة عامة سنة ١٣٤٥هـ، أذكر ذلك تماماً، وأنا من ذلك اليوم إلى اليوم أتكلم وأخطب وأكتب، وغيري يتكلم؛ آلاف الكتّاب والخطباء يكتبون ويخطبون، يملؤون الطروس (١) بروائع الفكر وبدائع الأدب، ويهزّون أعواد المنابر بمُعجزات البيان ومأثورات الخطب. فماذا كانت النتيجة؟ لقد شهدت عُرى الإسلام في هذه السنين الأربعين تنفصم عروة عروة، لقد شهدت صرح الإسلام يُهدَم لبنة لبنة! نحن كل يوم إلى ضعف وخصومنا إلى قوة. لم يكن في بلدنا قبل هذه السنين صوت يرتفع بما يخالف الدين، لم يكن فيها من يكتب أو يقول ما ينافي الإسلام. كانت المدارس، حتى على عهد
следующие страницы →