← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17361

فصول في الدعوة والإصلاح

علي الطنطاوي

Полный текст (295 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وربما ... ربما مدّوا أعينهم إلى عِرضه! وهم -بعد ذلك- جيش مجيَّش، نصفهم لا يُحتاج إليه ولا يُنتفَع به، قد جاءت به الوساطات والشفاعات فرفعته من غير كفاية على أهل الكفايات، ومَن اقتصر منهم على مرتَّبه ليعيش به عاش من قلّة المرتب حياة هي كالموت، ولم يكفِه المرتب ثمن الخبز، فكأن الحكومة تقول لصغار الموظفين: اذهبوا فاسرقوا لتعيشوا، فإن ثمن خبزكم أعطيناه لكبار الموظفين لينفقوه على الترف والسرف والقرف (١). * * * ثم إن العلماء، وهم عدّة الإصلاح ولُسُن الحق ودعاة الله، هربوا واختبؤوا في بيوتهم، فمنهم من لا يرى المنكر ولا يعرفه، ومنهم من يراه ولا ينكره، ومنهم من ينكره همساً، ومنهم من يعلن ولا يعرف الطريق الموصل إلى رفع المنكرات، ومنهم من ملأت قلبَه الدنيا فهو يسعى إليها ويزاحم عليها، وربما اصطادها بشبكة من لحية عريضة وقيّدها بسبحة طويلة وأخفاها تحت عمامة ضخمة، وذلّ من أجلها للحكام وخضع للأغنياء، وفقد القلب الذي يقتحم الأهوال واللسان الذي يصدع بالحق، فغدا يقول ولا يُستمَع لقوله، وينكر ولا يُلتفَت لإنكاره، وجُلّهم لا قلم له يخاطب به الناس ويسوقهم به إلى الحق ولا لسان، فكيف يكون داعياً من لا يكون خطيباً ولا كاتباً؟! * * *

стр. 37

والقادة ما صاروا قادة بعبقرية اختصّهم بها الله، ولا بعلم اختصوا به أنفسهم وأحيوا في تحصيله لياليهم، ولا بعقل هو فوق العقول وذكاء لا يدانيه ذكاء، ولكنّما هي حرفة احترفوها ومسلك سلكوه: زيد وعمرو، أما زيد فجدّ واستقام ودرس حتى أكمل المدرسة، فصار معلماً أو كاتباً أو موظفاً، وأما عمرو فأهمل درسه وأضاع وقته، والتوى مع الطرق الملتوية فالتحق بالأحزاب وعاشر الأغراب، وولج حيث لا يَحْسُن الولوج وخرج من حيث يُستقبَح الخروج، ورفع ووضع وخرب وأصلح حتى عرفه الناس، فكان نائباً، ثم صار وزيراً، ثم تمّت آثار قدرة الله القادر على كل شيء فاستحال قائداً من القادة! * * * والأدباء وأهل الصحف، هَمُّ أكثرهم التزلّفُ إلى القراء والوصول إلى رضاهم، رأوا أقرب الطرق طريق الشهوة فسلكوه وركبوا فيه الصعب والذَّلول: من الصور العارية، والقصص المثيرة، وطريق الإغراب في عرض الأخبار، وتكبير الصغير، وتعظيم الحقير، وتشويه أوجه الحقائق ... فيقرأ الناشئ الشيء وضده، فلا يؤمن من بعدُ بشيء. وإن كان في الكُتّاب من يدعو إلى إصلاح في لغة صحيحة وأسلوب منقح لم يقرأه إلا الخاصة، وإن كانت مجلة على هذه الصفة لم يُبَع منها مع كل ألف من تلك عدد واحد! * * * ولعلي بالغت أو غلب عليّ التشاؤم، فلم أرَ إلا ما ذكرت

стр. 38

ووصفت، ولكني صدَقت ولم أقل إلا حقاً، ولعل الذي قلت أقل من الحق! إن العالَم اليوم واقف على مفرق الطرق، حائر بينها أيّاً يسلك منها. ونحن أشد أهل العالم حيرة وتردداً، فنحن في المكان الذي تلتقي فيه نِحَل الشرق والغرب ومذاهبهما كلها، فيأخذ كل واحد ما تصل إليه يده، ثم يصيح في الدعوة إليه، ثم يزاحم ليشق له طريقاً ... فنحن في زحمة وضجة دونها ما يَرْوون عن ضجة برج بابل، والله وحده يعلم عمَّ تنجلي. ففي الدين سلفيون وصوفيون، ودعاة إلى التمسك بالمذاهب وترك الاجتهاد ودعاة إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، وإلى الأخذ بالحديث وترك كتب الفقه وإلى الاقتصار عليها، وفي البدع دعاة إلى القاديانية والبهائية والتيجانية ووحدة الوجود، وفي غير الدين شيوعيون وقوميون سوريون وملحدون ومستهترون ودعاة إلى السفور والاختلاط، وفي السياسة كتلويون وعُصْبَويون (١) ومعارضون ومؤيّدون، وعاملون للإنكليز أو للفرنسيين أو للروس، وقائلون بالجمهورية أو بالملكية، أو بالاستقلال أو بسورية الكبرى أو بالوحدة العربية ... والمناقشات مستمرة لا

стр. 39

تنقطع، والخلافات قائمة ما تقعد، قد انشقّت البيوت وانصدعت الأسر. وإني لأعرف أخوين: شيوعياً أحمر وعضواً في شباب محمد، شقيقين في دار واحدة وأبوهما شيخ طريقة! وأعرف شيوعياً وأبوه نقيب أشراف! فالإخوان في المنزل، والرفاق في المدرسة، والزملاء في الديوان، يختلفون أبداً ويتقاتلون. فعمَّ تنجلي هذه الغَمْرة؟ (١) الله وحده العالم. هذا في الشام، أما في سائر البلدان فليكتب عنها كتّاب من أهلها، يُفتَح في «الرسالة» باب من أبرك الأبواب وأكثرها فائدة ونفعاً، إذ إن أول الدواء تصوير الداء. * * *

стр. 40

بلا عنوان نشرت سنة ١٩٦٨ أنا -يا إخوان- أزدادُ اقتناعاً كل يوم بأن أحاديثنا في الإذاعة وكتاباتنا في الصحف والمجلات، كلها لا تفيد. لقد تكلمنا كثيراً، فماذا أفادنا الكلام؟ لقد ألقيت أول خطبة عامة سنة ١٣٤٥هـ، أذكر ذلك تماماً، وأنا من ذلك اليوم إلى اليوم أتكلم وأخطب وأكتب، وغيري يتكلم؛ آلاف الكتّاب والخطباء يكتبون ويخطبون، يملؤون الطروس (١) بروائع الفكر وبدائع الأدب، ويهزّون أعواد المنابر بمُعجزات البيان ومأثورات الخطب. فماذا كانت النتيجة؟ لقد شهدت عُرى الإسلام في هذه السنين الأربعين تنفصم عروة عروة، لقد شهدت صرح الإسلام يُهدَم لبنة لبنة! نحن كل يوم إلى ضعف وخصومنا إلى قوة. لم يكن في بلدنا قبل هذه السنين صوت يرتفع بما يخالف الدين، لم يكن فيها من يكتب أو يقول ما ينافي الإسلام. كانت المدارس، حتى على عهد

стр. 41

الانتداب، تدرّس الإسلام وعلوم الإسلام. كان المدرسون -على الغالب- صالحين مصلحين، وكان الطلاب -على الأغلب- من المسلمين المتمسّكين بالدين. لم يكن في بلدنا كله امرأة واحدة سافرة ولا فجور مُعلَن، وكانت المساجد عامرة، وكانت الملاهي مقفرة، بل لقد كانت معدومة، ما كان في دمشق كله إلا ملهى واحد صغير حقير. فماذا صار فيها اليوم، وفي أكثر بلاد المسلمين؟ كان العلماء -على ضيق أذهان أكثرهم، واقتصارهم من العلم على كتب معينة يَقرؤونها ويُقرئونها- كانوا على هذا هم مرجع البلد وموئل الناس، وكانوا الأدلة في مسالك الحياة. فما حال العلماء اليوم؟ وكان الناس يقفون عند حدود الحلال والحرام، ويسألون في كل نازلة عن حكم الله، ويربّون أولادهم وبناتهم على خوف الله ووفق شرع الله، فما حال الناس اليوم؟ فماذا أفادت الخطب، وماذا نفعت الأحاديث؟ إنها تنفع وتفيد لو كان بعدها عمل، لأن كلَّ عمل أوّلُه كلام، أما إن اقتصرنا على الكلام فعلينا وعلى كياننا السلام! الطبيب يقول لك كلاماً: يصف لك الدواء لتستعمله، فتُتبع هذا الكلامَ عملاً، أما إن اكتفيت من طبّه بسماع كلماته، لم يكن بُرء ولم يأتِ الشفاء. * * * يا إخوان، هل أنتم مستعدون لسماع الحقيقة ولو كانت

стр. 42

مؤلمة؟ الحقيقة: إننا نقول وخصومنا (أعني خصوم الإسلام) يعملون، ونحن ننام وهم يسهرون، ونحن نشتغل بحكم السُّبحة ونكتفي من الإسلام بالدعوة إلى تقصير الثوب وتطويل اللحية، وهم يدرسون أحوال كل بلد ووضعه الديني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويضعون لكل بلد المنهاج الموافق له لتضليل أولاده وناشئته وإخراجهم من دين الإسلام. يخططون لعشر سنين وعشرين، ونحن لا ننظر إلى أبعد مما بين أرجلنا ولا نمد أبصارنا لنرى ما أمامنا، ننتظر حتى تقع الواقعة فنعقد المؤتمرات ونتخذ القرارات، ونخطب الخطب الصاخبة المزلزلة ونكتب المقالات الملتهبة، ولكنها لا تحرق إلا أصابعنا، وعدوّنا ماض في طريقه لا يبالي بنا، لأنه خَبِرنا وعرفنا وعلم أنه ليس عندنا إلا الكلام وليس في خططنا إلا الارتجال. وفيمَ نكتب؟ في موضوعات معروفة قد فرغ العلماء من الكتابة فيها، ننقل مما في الكتب، لا نجدد ولا نبتكر ولا ندع الكتب لننظر إلى الحياة. نشتغل بالفروع والأصل مهدَّد، نحافظ على أوراق الشجرة والمنشارُ يعمل في قطع جذعها، نداوي أصبع المريض من أثر وخزة الشوكة، وندع المريض يعاني سكرات الموت من مرض القلب! قد فصلنا ما بين كتاباتنا وحياتنا، فانصرف الشبّان عن كتاباتنا حتى صار من إضاعة المال أن ننفق على ثمن ورقها وحبرها. إنها تكرار واجترار وبحث في الفروع وفي الآداب، مع أن الأمر أخطر بكثير من البحث في الفروع وفي الآداب ... الأمر أمر كفر وإيمان!

стр. 43

الإسلام مهدَّد. إنه لم يمرّ على الإسلام خَطْب كالخطب الذي يمر به في هذه الأيام. كان في الماضي أفراد ملحدون أو جماعات محدودة تحارب الإسلام، ولكن الإسلام اليوم يواجه قوى ضخمة. إنها دول غنية بالمال وبالسلاح، وعقول كبيرة شريرة تخطط لهذه الدول وتضع لها المناهج المدروسة؛ أموال تُعَدّ بآلاف الملايين، وبشر يُعَدّون بالملايين لتطبيق هذه المناهج. لقد استطاعوا أن يغزوا آخر بقعة من العالم الإسلامي، وأن يدخلوا في أصغر حلقة من المجتمع الإسلامي. دخلوا إلى المدارس فدسّوا ما يريدون في مناهجها، دخلوا إلى المحاكم فرفعوا منها أحكام الإسلام، دخلوا إلى وسائل الإعلام كلها فسخّروها لمآربهم، دخلوا إلى البيوت فتحكّموا في الأزياء وفي العادات ... لم يسلم منها أحد. أفسدوا العقول بالمذاهب والشبهات وباسم حرية الفكر. أفسدوا الأخلاق باسم الانطلاق والتحرر والروح الرياضية والحياة الفنية والحرية الجامعية، وبغير ذلك من الأسماء التي تتعدد ألفاظها ومعناها واحد، هو إذهاب العفاف وإضاعة الأعراض. فماذا صنعنا نحن أمام هذا كله؟ كتبنا مقالات كل ما فيها مكرَّر مُعاد، وخطبنا خطباً أكثرها كلام فارغ من المعنى، ثم ذهبنا فنمنا. فهل نستمر، أم نعترف بعقم هذا المسعى ونفتش عن مسلك آخر؟ يقولون إن الرجوع إلى الحق فضيلة، فلماذا لا نرجع إلى

стр. 44

الحق؟ الحق أن كل ما عملناه يتلخص في كلمة واحدة، هي (ولا مؤاخذة): إننا لم نعمل شيئاً! إن عملنا كله «لا شيء»؛ إنه «صفر». فلنبدأ من نقطة الصفر. إن الذي يريد أن يطلق النار على عدوّه في الحرب ينبغي أن يعرف أولاً أين هو عدوّه، وإلا أطلق النار إلى اليمين والعدو في الشمال. فلنعرف أولاً خطط أعدائنا لنرد عليها بخطط مثلها، لننتبه إلى مداخلهم علينا لنَسُدّ هذه المداخل. لنقلل من الكلام ولنكثر من العمل، لنترك الجعجعة والصراخ ولنتعلم العمل في صمت. يجب أن يكون للعمل الإسلامي قيادة نبيهة واعية تحشد القوى وتوزع الوجائب، فلا تكلف أحداً إلا بما يستطيع، ولا يجاوز أحدٌ ما كُلِّف به. لا أريد أن أدخل في التفاصيل، لأن أجدادنا كانوا يقولون: «ثبِّت العرشَ ثم انقُش»؛ فالنقش لا يفيد إن لم يُثبَّت العرش، وذكر التفاصيل لا ينفع إن لم يُقَرّ الأصل. بل إن التفاصيل لا يجوز أن تذكر في مقالة عامة ولا تُعلَن في خطبة، بل تكون سراً، كالخطة الحربية في القيادة العامة، تُحفَظ وراء خمسين قفلاً لتخرج رأساً للتنفيذ يوم المعركة. فهل لما قلت تحقيق، أم أنا أحلم يقظانَ، وأتمنى ما لا يكون؟ * * *

стр. 45

دعوهم وما يقولون نشرت سنة ١٩٥٥ إن قالوا: «جامدون» فقولوا: نعم، نحن جامدون وأنتم مائعون! إن الماء الجامد كقطعة الألماس التي يبسم فيها النور وتقبّلها شفاه الشمس، أما المائع فيجري حتى يكون وحلاً تطؤه الأقدام. فأينا أنقى وأطهر: نحن الجامدين، أم أنتم أيها المائعون؟ وإن قالوا «رجعيون» فقولوا: نعم، ولكنها رجعة إلى أيام المجد الذي شدناه على قمة الدهر، والنور الذي أضأناه للزمان ليعرف طريقه إلى الخلود، والحضارة التي دِنّا بها البشر وجعلنا بها الإنسان خليقاً بالإنسانية. فهل تكرهون أن «نرجع» إلى مثل تلك الأيام؟ وإن قالوا: نحن «تقدميون»، فقولوا: نعم، ولكنكم لا تتقدمون إلا إلى الهاوية، هاوية الانحلال والفساد، تريدون أن تكونوا أحراراً في غرائزكم كحرية الدِّيَكة والحمير، فمن قرّبكم من هذه الهاوية فقال لكم: اهتكوا أستار العورات وارفعوا السجف بين الرجال والنساء، فهو تقدمي، ومن زلّ لسانه مرة

стр. 46

فذكر الدين، أو نطق بكلمة الخُلُق، أو قال: حلال وحرام، فهو رجعي من الرجعيين. وإن قالوا: نحن «اشتراكيون»، فقولوا: نعم، ولكنكم لا تعرفون من الاشتراكية إلا أنكم تشتركون جميعاً في التقليد القردي لأهل أوربا، وأنكم لا تعرفون الحق من الباطل إلا بدمغتها عليه، فما قالوه لكم قلتموه، وما وضعوه في رؤوسكم كررتموه تكرير الببغاوات واجتررتموه كالبقر! أما «الاشتراكية» فما رأينا عندكم منها إلا اسمها، تتجملون به في خطبكم ومباحثكم، وتتخذه أحزابكم الهزيلة شبكة تصطاد بها الأصوات يوم الانتخاب! وإن قالوا: «الروح الرياضية»، فقولوا: نعم، ولكن رياضتكم جسد مكشوف بلا روح، والرياضة رياضة النفس قبل رياضة الجسم، وروحها التعاون بإخلاص، والإقرار بالحق، وأن لا يزدهيك النصر ولا تحطمك الهزيمة ولا يداخلك اليأس، وأن يكون عليك من نفسك رقيب يحاسبها قبل أن تحاسَب، وأن يكون لك من إرادتك قيد لشهواتك ... فأين أنتم من هذا كله، وأنتم بطّاشون عند الظفر، خَوّارون عند الصدمة الأولى، قد تعبّدَتكم شهواتكم وتحكمت فيكم غرائزكم، ثم إنكم مختلفون متباغضون متحاسدون، لا تعرفون من التعاون إلا أنه كلمة تنطق بها ألسنتكم وتكذب بها أفعالكم؟ وإن قالوا: «المساواة بين الجنسين»، فقولوا: نعم، وسوف نَسُنّ قانوناً يوجب أن يحبل الرجل مرة وتحبل المرأة مرة، ويُرضع سنة وترضع هي سنة، وبذلك يتساوى الجنسان ويجتمع

стр. 47

النقيضان، فيصير الرجل امرأة وتصير المرأة رجلاً، ويتحقق ما تريده الجمعيات النسائية! وإن قالوا «أتردّوننا إلى الوراء وترجعوننا -ونحن في عصر الذرة- إلى غار حراء؟» فقولوا: الحق معكم، إن الزمان ماض إلى الأمام، وكل قديم قد جَدّ في مكانه ما أوجب تركه، لذلك تركتم الدين أولاً، ثم رأيتم العقل أقدم من الدين، فتركتموه وغدوتم من بعده مجانين! * * * ومهما قالوا من أشباه هذا الهذر فلا تبالوه ولا تحفلوه، واجعلوا ردكم عليهم هزأ به وسخرية بأهله، وأن تبقوا سائرين في طريقكم إلى غايتكم. فإنهم ما يقصدون إلا تعويقكم عنها وإقامة الأشواك في سبيلكم إليها، وغايتكم -يا أيها الشباب المسلمون- في السماء، ستركبون إليها الرياح وتسيرون على هام السحب، ولقد أُعِدّت طيارتكم وهدرت محركاتها، وستمشون على درب من شعاع الشمس لا على محجّة من تراب الأرض، فهل تعوق الأشواك من يشق طريقه في كبد السماء؟ إنهم لا يملكون إلا أن يقولوا، فدعوهم وما يقولون. * * *

стр. 48

تعليق مختصر على خبر نشرت سنة ١٩٤٧ هذا الخبر الذي جاء فيه أن معيداً في كلية الآداب أعدّ أطروحة ينال بها لقب «دكتور»، فلم يجد لها موضوعاً إلا «القصص في القرآن»، ولم يجد ما يقوله عن القصص في القرآن إلا أنه أساطير الأولين، وأنه كذب مُفترَى، وأنه مستمَد من التوراة ومن أدب فارس ويونان، وأن الأستاذين الأحمدَين (١) الفاضلين حكما بردّ الأطروحة وإسقاطها، واختلفا في تعليل الحكم، فكانت العلة عند الأستاذ الأمين الجهل، وعند الأستاذ الشايب الكفر ... وعندنا أنهما معاً، لأن هذا لا يجيء إلا من ذاك. وفي الخبر أن الذي أشرف على إعداد الأطروحة وأعان عليها شيخ بعمامة بيضاء من أساتذة الكلية، وأن هذا الشيخ عزّ عليه إسقاط الأطروحة فغضب (والغضب لله وللحق من الفضائل)، وقال إنه متضامن مع مقدِّم الرسالة في كل حرف منها، وإنه لا ينبغي الوقوف أمام حرية الفكر. ولو انتهت القصة عند ردّ الأحمدين، ولم يكن صاحب

стр. 49

الأطروحة مدرّساً، ولم يُدخل نفسَه فيها هذا الشيخُ لينصر الكفر ويدفع عن الإلحاد ويؤيد الجهل ... لقلنا شاب أراد أن يتعجل الشهرة قبل أوانها، ورأى طريق العلم والتحقيق طويلاً، فسلك طريق جهنم وأراد اجتياز الصراط فسقط، وسكتنا، ومرّت الحادثة كما مرّت أحداث أمثالها وشرّ منها، ظن مُحْدثوها أنهم هدموا الإسلام ونسفوه نسفاً وصرفوا الناس عنه صرفاً، والإسلام لم يشعر بها ولم يحسّ بوقعها، ولم يزدَدْ عليها إلا قوّة وانتشاراً. ولكن دخول هذا الشيخ في المجادلة على صدق القرآن وكذبه، وكون طالب الأطروحة موظفاً رسمياً ومعيداً في الكلية، أمر لا يُسكَت عنه ... وهذا الذي نقوله اليوم أول الغيث. * * * ومقالنا اليوم تذكير لهذا الشيخ بأنه ليس من أصحاب العقول الكبيرة والبحث العلمي ليكفر إذا كفر عن بيّنة، وما به إلا أنه رأى أديباً زلّ من عشرين سنة فقال كلاماً مثل هذا، فملأ اسمه الدنيا وشغل الناس، فأحب أن يكون مثله! ولندع الدين، ما دمت -يا مولانا الشيخ- تحسب أن الخروج عليه مدنيّة وتقدّم، وأن الأخذ به رجعية، وأنك أعلنت الكفر وجهرت به واخترته والعياذ بالله لنفسك، ولنأخذ العلم والمنطق والتاريخ: فهل في العلم والتاريخ شيء يؤيد ما جاء في الخبر أن الأطروحة اشتملت عليه، وما أعلنتَ أنك مع المؤلف في كل حرف منه؟ وبأي دليل من أدلة العلم، وفي أي كتاب من كتب التاريخ، ثبت لك ولصاحب الأطروحة أن الله قد اقتبس

стр. 50

قرآنَه من أدب فارس ويونان ومن كاذب الأساطير؟ تعالى الله عمّا يقول الكافرون عُلوّاً كبيراً. وإذا لم يكن القرآن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا من جهة فارس ولا من جهة يونان، وكان من تصنيف محمد ﷺ ، وكان قد اقتبسه من التوراة ومن آداب الأمم ومن أساطيرها، فكيف خفي ذلك على أسلافك من أنصار حرية الفكر، من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة وكل عدوّ للإسلام خصيم للقرآن، فلم يؤلف فيه أحدٌ ولم يُثبته حتى جاء تلميذك هذا فكتبه، لتكافئه الدولة على كفره بدينها الرسمي وطعنه بقرآنها بإعطائه شهادة الدكتوراة، وتسليمه أبناء المسلمين ليلقّنهم هذه الآراء على أنها علم وفضل، وأن الذي لا يحفظها ويعيدها يوم الامتحان يرسب في صفه إنْ طفا الطلاب؟! وحرية الفكر؟ ما حرية الفكر يا هذا؟ كيف تفهمها؟ أكلما طاف برأسك طائف من هوى أثْبتَّه على الورق وخرجت به مزهوّاً على الناس، وقلت: هذي حرية الفكر؟ أما إنه ليجيء في فكري أنا الآن كلام عنك، لولا أني لم أعرض هذه المقالة على الأستاذ الزيات، وأني أخاف أن يغضب إن حططت عليك بثقلي، لقلته فما تركتك تستطيع أن تمشي في الجامعة أو تتراءى للطلاب ... فارتقبه، فكل شيء له أوان، وما أنت بمعجز الله في الجامعة وقد أهلك فرعون وهامان وأبا جهل. وما لك تكره أن أسبّك بعلم، وتسب أنت الله عَدْواً بغير علم؟ ولا تحب أن أقول في كتابك الذي لفَّقْتَه كلمة الحق،

стр. 51

وتقول أنت في كتاب الله كلمة الباطل؟ وما لك لا تجرؤ أن تقول لواحد من هؤلاء الكتّاب أخرجَ كتاباً تلقّاه الناس بالقبول: "إنك تكذب"، وتنسب الكذب إلى الله المنتقم الجبار؟ أغَرَّك -ويلك- حلمه عنك، وأنه مَدّ لك حتى صرت تعطي الدكتوراة وأنت لم تأخذها، وتمنح العلم وأنت لا تملكه، وتؤلف في البلاغة وما أنت منها في شيء، ولا أُثِرَ عنك بيان غطّى على بيان الجاحظ وأبي حيان والرافعي والزيات، ولا أنت صاحب شعر ولا نثر، وقُصارى أمرك أنك أُدخلت على طلاب لا يفهمون من البلاغة إلا بمقدار ما يفهم من الصحافة صاحب «القبس»، فمَخْرَقْتَ عليهم وزعمت لهم أنك إمامها وأنك مؤذّنها وخطيبها، ورأيتهم صدَّقوا قولك فزدت فادّعيت أنك باني مسجدها ورافع منارتها، ولو أنت ادعيت النبوة فيهم ما وجدت منهم من يكذّبك أو يكفر بك، ما داموا يأخذون منك الدرجات في الامتحان، ثم يخرجون كما دخلوا، لا أنت علمتهم ولا هم تعلموا منك! وكيف يتعلمون وقد جعلت دروس البلاغة عِيّاً، والفصاحة عامية، وكانت دروسك ذلك الخزي الذي نشره في «الرسالة» الأستاذ العمّاري، فكان تسلية لقراء الرسالة وفكاهة ضحكوا عليك به شهراً؟ لقد كان كفراً مبتكَراً منك حين زعمت -في تلك الدروس- أن الله قال لمحمد: «يا أخي»، فكيف قعدت بك القريحة اليوم فلم تأتِ إلا بكفر عتيق قيل في مصر من عشرين سنة، وقيل في مكة قبل الهجرة، فكان سخرية الأوّلين والآخرين؟ ولقد بعثتَ يومئذ من يدافع عنك في «الرسالة»، فلم يبلغ به أدبه مع

стр. 52

الله ودينه، ولا علمه وبلاغته، ولا معرفته بتصريف الكلام، إلا أن يحتجَّ على جواز زعمك أن الله قال لمحمد «يا أخي» بقول الحَمّار لحِماره: «يا أخي»! ولم أردّ عليه لأني لم أكن أعرف -قبل أن أسمع ردّه هذا- شيئاً من لغة الحَمّارين والحمير ولا قواعد المناظرة في لسانهم! * * * وبعد، فما أريد اليوم الرد على هذين الرجلين ولا تأديبهما؛ إنما أردت تنبيه رجال المعارف في مصر التي دينها الرسمي الإسلام، وعميد الكلية العربي المسلم الذي اسمه الدكتور عزام، إلى هذين المدرّسَين اللذين يعلنان الكفر بالله والطعن في القرآن، والإهانة لكل مسلم يرى في مصر دار الأزهر ومثابة العلم، وهما يأخذان أموال الأمة ليلقِّنا أبناء مصر وأبناء الشام والعراق والحجاز واليمن والمغرب وكل بلد يبعث بأبنائه إلى هذه الجامعة مثلَ هذه الكُفْريّات، التي يعتقدانها ويكتبانها ويصرّان عليها، ولا يخافان فيها الله ولا الحكومة ولا العلماء ولا العامة. وأنا أرقب ما تصنع وزارة الأوقاف وما يصنع الأزهر وعلماؤه، لأستخير الله فيما أصنع أنا بعد، وما يصنعه هذا القلم الضعيف في نفسه القويّ بالله وبدينه وبقرآنه. وما بسيفي أضرب، ولكن بسيف محمد، صلى الله على محمد وسلّم (١). * * *

стр. 53

_________ = أسلوبه في الهجاء والسخرية تمثيلاً حسناً. وقد نشر من مثل هذه المقالة الكثير، واعتزم ذات يوم أن يجمع هذا الكثير في كتاب سماه «مناظرات ورُدود»، ثم كره ذلك وأعرض عنه لمّا تقدمت به السن، وكان قد مال عن هذه الأساليب وهجرها من أُخريات الشباب فلم يَعُد إليها إلا قليلاً، فهي تظهر في كتاباته المتأخرة كلما غضب لله غضبة لم يقدر على كبتها أو ردّها (كما في مقالة «القومية والإسلام» التي تجدونها في آخر هذا الكتاب) (مجاهد).

стр. 54

اتفاق الدعاة حديث أذيع سنة ١٩٧٤ تكلمت البارحة كلاماً عاماً توجّهت به إلى السامعين من متعلمين وغير متعلمين ومن الرجال ومن النساء، حاولت فيه أن أنشر من حولهم أَرَج المحبة وصفاء الود ومحو الخلافات أو تناسيها، وأنا أحب أن أوجه الليلة مثل هذا الكلام إلى إخواني العلماء والدعاة على وجه التخصيص، لا إلى علماء هذا البلد وحده، بل إلى علماء كل بلد يصل إليه كلامي فيسمعه أو يُنقَل إليه فيعيه ويفهمه. وأنا أقوله والله بإخلاص، ولست أحمل لأحد من العلماء ضِغناً ولا بغضاً، وكيف أحذّر من شيء وأنا مبتلى به، فأكون كمَن يأمر الناس بالبِرّ وينسى نفسه؟ وأنا أعوذ بالله من أن أكونه. نحن نحتاج إلى الدعوة إلى الله، فمن الذي يدعو إليه وإلى دينه؟ ونحن نحتاج إلى من يعلّم الناس الإسلام ويشرحه لهم، فمن يشرح للناس الإسلام؟ الجَهَلة والفُسّاق؟ العلماء طبعاً. وأنا أعرف من العلماء عشرات وعشرات في كل بلد زرته (وقد زرت أكثر بلاد الإسلام)، علماء هم في الفهم والعلم

стр. 55

والصلاح والتقوى على قَدَم العلماء العاملين من السلف الصالح. ولكنهم ما خرجوا عن كونهم بشراً، فبين بعضهم وبعض خلاف، خلاف شخصي حيناً، واختلاف في فهم الإسلام أحياناً. واسمحوا لي أن أذكر أمثلة عن هذه الاختلافات. ولست بذكر الأمثلة أقول إنها كلها صواب، ولا أقرّها كلها، ولكني أذكر الخطأ والصواب لأبيّن مدى الاختلاف بينهم. من العلماء من يرى الإسلام في اتّباع أحد المذاهب الأربعة، ومنهم من يرى ترك التقليد والأخذ من الكتاب والسنة رأساً، ومنهم من يسلك مسلك السلف، ومنهم من يلتزم بطريقة من الطرق الصوفية، ومنهم من يُؤثر رأي عالم من العلماء غير المذهبيين كابن حزم مثلاً، ومنهم من يرى التنفير من آرائه والدعوة إلى تركها، ومنهم من يأخذ آداباً معينة من آداب الإسلام، يقتصر عليها ويعلّمها تلاميذه على أنها هي الإسلام. ولا يقتصر الأمر على هذا الاختلاف، بل إن كل واحد يرى الحق فيما هو عليه ويجادل المخالفين له، وقد انتقل هذا الاختلاف في الفهم وهذا الجدال بين أهله إلى الشبّان. ولقد عدت إلى دمشق في هذا الصيف بعد غيبة امتدت أربع سنوات، فوجدت ظاهرة غريبة عجيبة، هي رجعة الشبّان والشابات من طلبة الجامعات وطالباتها إلى الإسلام، رجعة بقوة وحماسة واندفاع، وإقبال الشبان على مجالس العلماء والدعاة والفتيات على دروس الداعيات. وأشهد أن هؤلاء الشبان والشابات قد بلغوا الغاية في عمق الإيمان، وصدق التدين، واستقامة السيرة،

стр. 56

والإقبال على العلم والعبادة، ولكن سرى إليهم داء الاختلاف والجدال، فتفرقوا وأضاعوا وقتهم في المناقشات، وجعلوا بأسهم بينهم بدلاً من أن يكون بأسهم على عدوهم وعدو دينهم. ومن هؤلاء المشايخ مَن نسي أن الدين بُني على خمس، هي الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج، ويتخذ لنفسه أصولاً يبدأ الشبّان بها ويبذل أكبر جهده في سبيلها، وقد تكون من فروع الفروع؛ كمن يأتيه الشاب الذي يجهل ما هو الإسلام فيعلمه أوراداً معينة من أوراد الطريقة قبل أن يعلمه أحكام الطهارة والصلاة، أو يلزمه بتطويل لحيته قبل تصحيح عقيدته، فيظن أن اللحية هي عماد الدين، فإذا طولها فسخر منه رفاقه أو ناله بالأذى مجتمعُه فحلقها، ظنّ أنه خرج من الإسلام بهدم عموده فترك الصلاة وأتى المحرمات. فالإصلاح إذن يكون باجتماع هؤلاء العلماء، من سلفيين وصوفيين وآخذين بالحديث ومقلدين لأحد المذاهب، فإذا اجتمعوا نظروا في المسائل التي يختلفون عليها والمسائل التي يتفقون عليها، فما كانوا متفقين عليه تعاونوا جميعاً على الدعوة إليه، وما كانوا مختلفين فيه عرضوه على كتاب الله وسنة رسوله الثابتة الصحيحة، فإن كان شيء مخالفاً لذلك تركوه أو أعلنوا مخالفة من يقول به للإسلام، وما كان من المسائل الفرعية الاجتهادية التي ليست من أصول الدين ولا يضر الاختلاف فيه بقي كلٌّ على رأيه، ولكن لا يدعو إليه ولا يناقش فيه. أي أننا نأخذ بكلمة أخينا الشهيد مجدّد الإسلام في هذا العصر، الشيخ حسن البنا ﵀، وهي أننا نتعاون فيما اتفقنا

стр. 57

عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. وهو يقصد طبعاً الاختلاف في الأمور الاجتهادية التي يسوغ الشرع الاختلاف في مثلها توسعة على الناس، أما الأمور التي تمسّ أصل العقيدة، أو يكون فيها تحليل حرام متفَق على حرمته، أو تخالف ما أجمع عليه المسلمون وعُلِم من الدين بالضرورة، فهذه لا يمكن التساهل فيها. وهم جميعاً متفقون على وجوب محاربة الإلحاد، من أي فم خرج ومن أي طريق جاء. وهم متفقون على وجوب مكافحة الفواحش في أي بلد كانت ومن أي من الناس صدرت. وهم متفقون على وجوب إقامة الفرائض، ونشر الفضيلة، ومطاردة الفساد، والترغيب في الجهاد لإنقاذ قبلة المسلمين الأولى. فليتفق العلماء إذن على قصر جهودهم كلها على هذه المسائل ويتعاونوا جميعاً عليها، وليؤجّلوا البحث في المسائل الخلافية التي تفرق الجَمع وتشتّت الشمل وتشغلنا بأنفسنا عن عدونا. * * * إن أمامنا معركة هي معركة كفر وإيمان، فلنوفر قوانا كلها لها، ولا نجعل بأسنا بيننا، ولا نشتغل عن المعركة الأصلية بمسائل فرعية لا يضرّ الاختلاف فيها. والغريب أن هذا الكلام -على وضوحه وصحّته- يحتاج كما يظهر إلى زمن طويل وجهد كبير حتى يقتنع به الدعاة ويجعلوه واقعاً. * * *

стр. 58

الدِّين ثقيل والجزاء عظيم حديث أذيع سنة ١٩٦١ زرت أمس صديقاً لي، فيه سذاجة وفيه دين، فوجدته يقرّع ولده ويرفع صوته عليه ويسبّه، وقد بلغ به الغضب الغاية. قلت: مهلاً يا أخانا، مهلاً. هوِّنْ عليك وخبِّرني بالقصة. قال: ألا ترى هذا الخبيث قليل الأدب؟ قلت: ما له؟ قال: إنك تعرف أولاد عمه الثلاثة، وتعلم أن فلاناً منهم هو الصالح المصلح وأن الأخوين الباقيين من الجَهَلة الفُسّاق الذين يتبعون شهواتهم، لا يُحرّمون حراماً ولا يمتنعون من ممنوع، وكلما حملته على صحبة الصالح تركه فصاحب أخويه، ثم بلغت به الوقاحة أنْ مدحهما وذمّه. قال الشاب: ما ذممته، ولكن قلت إنه ثقيل. فزاد الغضب بالأب، وقال: أرأيت الفاعل التارك؟ يقول عن الرجل الديّن الصالح ثقيل! قلت: أنا لا أقول بمقالته، ولكني أقول إن الدين نفسه ثقيل.

стр. 59

فارتاع الأب وصاح: أعوذ بالله! أنت تقول هذا؟ ودُهش الولد وفتح عينيه. قلت: نعم، أنا أقول هذا، وهذا هو الحق. هذه طبيعة النفس البشرية؛ إن الله خلق النفس أمّارة بالسوء مَيّالة إلى الانطلاق من كل قيد والوصول إلى كل لذة، فيأتي الدين فيقيّدها ويمنعها من كثير من اللذائذ، فيَثقل عليها. إن ابن العم الفاسق يأخذه إلى السينما فيجد فيها لهواً تستريح نفسه إليه وجمالاً مكشوفاً يتلذذ برؤيته، أو إلى الملهى حيث يجد أمامه حقيقةً ملموسة ما رأى في السينما صورتَه معروضةً مرئية، وينطلق معه يطلب كل متعة، ويطرق معه كل باب ويسلك معه كل طريق، ويفعل كل شيء ... فيأتي ابن عمه الصالح فيقول له: ابتعد عن السينما، وعن الملهى، ولا تطرق إلا أبواب الخير، ولا تسلك إلا طرق الطاعة، فيقيّده. إن الدين قَيْد، وكل قيد ثقيل على النفس. يرى الشاب البنت الجميلة كاشفة الساق بادية النحر، فيقول له الشيطان: انظر إليها ما أجملها! ويخيّل له صورة المتعة بها، وتستجيب النفس للشيطان فتمتلئ رغبة بالنظر وتشوّفاً إليه، فيأتي الدين فيقول له: لا، هذا حرام. ويكون نائماً في الصباح، والفراش دافئ والجو بارد والنوم لذيذ، فيقول له الدين: اهجر فراشك الدافئ واترك نومك اللذيذ، وتوضأ وقم إلى الصلاة. ويجوع، ويرى الطعام أمامه، ونفسه تشتهيه والشيطان يرغّبه فيه، فيأتي الدين فيُلزمه بالصيام ويقول له: امتنع عن الطعام. ويجد

стр. 60

التاجر الكسب الحاضر والربح الوفير، فتميل إليه نفسه وتتعلق به رغبته، فيقول له الدين: اترك هذا الربح لأن فيه ربا، وهو حرام. ويرى الفتى بنت الجيران، فيشير إليها وتشير إليه، ويكلمها وتكلمه، ويرغب فيها وترغب فيه، وتشغله عن كل عمل فلا يفكر إلا فيها ويشغلها عن كل شغل فلا تفكر إلا فيه، ويربط الشيطان حبله بحبلها ويمهّد له الطريق إليها، فيقول له الدين: ابتعد عنها، لا تنظر إليها ولا تفكر فيها إلا بالزواج الحلال. لذلك يرى الشاب الدين ثقيلاً، لأنه مجموعة قيود. والله نفسه وصف القرآن بأنه ثقيل، أي ثقيل على النفوس بما فيه من التكاليف والأوامر، فقال: ﴿إنّا سَنُلْقي عَليْكَ قَوْلاً ثَقيلاً﴾. وأثقل التكاليف أن تترك اللذة الحاضرة المطلوبة أملاً بلذّة غائبة مجهولة، وهذا هو الإيمان بالغيب. ولذلك أعدّ الله الثواب العظيم للمؤمنين بالغيب، وأثنى عليهم وبيّن أن ذلك أول صفة من صفات المتقين: ﴿ذلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فيه هُدَىً للمُتَّقينَ، الذينَ يُؤْمنونَ بالغَيْبِ، ويُقيمُونَ الصّلاةَ، وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُون﴾. ومن هم المؤمنون بالغيب؟ ليسوا الذين يقولون بألسنتهم «آمَنّا»؛ بل الشاب المؤمن بالغيب هو الذي يرى رفاقه يسلكون طريق الفسوق، وهو يميل إليه، ويعالج في نفسه مثل حرّ النار من الرغبة فيه، ويتقلب في فراشه لا يستطيع أن ينام من تفكيره فيه، ولكن يقاوم نفسه ويكبت رغبته، ويترك هذه اللذة الحاضرة طمعاً باللذة الموعودة في الآخرة. والموظف المؤمن بالغيب هو الذي يرى زملاءه يَمُدّون أيديهم إلى المال الحرام فيكونون به

стр. 61

من أولي السَّعَة والغنى، وهو يقنع بمرتبه القليل ويصبر على الضيق أملاً بالغنى والسّعة في الآخرة. والمرأة المؤمنة بالغيب هي التي ترى صاحباتها يتّبعنَ الموضة ويسلكن طريقها ويكسبن إعجاب الناس، وهي تَقْدر على ذلك وتميل إليه، ولكنها تخالف نفسها وتقيم على حجابها، وترضى أن يقولوا عنها «متأخرة» أو «مجذوبة» رجاء المكافأة في الآخرة. المؤمن بالغيب هو الذي يمتنع عن الحرام مهما كان لذيذاً ومهما كان مفيداً في الدنيا، لينال الثواب في الآخرة. وهذا شيء ثقيل على النفس. وابن الجوزي أشار إلى هذا المعنى في كتابه «صيد الخاطر»، فقال إنه ليس العَجَب ممّن يتّبع هواه ويبتغي اللذّة، سواء أكانت في الحلال أم في الحرام، بل العجب ممّن يخالف نفسه وهواه ويتبع رضا الله. قال: "جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة، ثم هي من داخل، وذِكْرُ أمر الآخرة خارجٌ عن الطبع، ثم هو من خارج. وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع من الوعيد في القرآن، وليس كذلك، لأن مَثَل الطبع في ميله إلى الدنيا كالماء الجاري، فإنه يطلب الهبوط، وإنما رَفْعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف. ولهذا جاء الشرع بالترغيب والترهيب يقوّي جُندَ العقل، فأما الطبع فجواذبه كثيرة، وليس العجب أن يَغْلِب، إنما العجب أن يُغلَب" (١).

стр. 62

وما يقوله صحيح، لأن الصلاح والتقوى صعود، والفساد والفسوق هبوط، والصعود صعب أما الهبوط فهيّن. إنك تستطيع أن تحرك الصخرة وهي في رأس الجبل حركة واحدة فتدحرجها حتى تصل إلى قرارة الوادي، ولكنك لا تستطيع أن ترفعها إلا بالجهد والتعب. وتقدر أن تخرق خزّان الماء في جبل قاسيون فينحدر ماؤه حتى يصل إلى بردى، ولكنك لا تقدر أن تعيده إلا بالمضخّات والآلات وبالغ النفقات. * * * إن الدين قَيْد، والعقل قيد، والقانون قيد، والخُلُق قيد ... وكلما تقدم الإنسان في طريق الحضارة كثرت قيوده. الحيوان لا يقيّده شيء إلا غريزته، فهو يمشي عارياً، وإذا مال الذكر فيه إلى الأنثى دنا منها علناً، وإذا رأى الطعام بين يدي حيوان آخر أضعف منه قتله وأخذه منه. والإنسان الابتدائي أرقى من الحيوان بقليل، قانونه قانون «الحق للأقوى»، فكل ما يفعل القوي عنده مشروع، إن أعجبه مال الضعيف غصب منه المال، وإن أعجبته امرأة الضعيف استلب منه المرأة. وارتقى الإنسان درجة فجاء بالحكومة، فكفَّتْ من قوّة

стр. 63

القوي وشدت أزر الضعيف وعاقبت المعتدي. ولكنها لم تَكْفِ وحدها لإصلاح المجتمع، لأن المعتدي يفرّ من وجه الحكومة أو يسيطر عليها ويعود إلى ظلمه، فلا تكفي الحكومة. وارتقى الإنسان درجة أخرى، فجاءت الأعراف والأخلاق فهذّبت الغرائز بعض التهذيب، ولكن بقي في الناس من لا يبالي بالأخلاق ولا بالأعراف، فلم يصلح المجتمع. وارتقى الإنسان درجة أخرى، فجاء الدين فأصلح ما لم يصلحه القانون ولا العرف ولا الخلق؛ ذلك أن الذي يستقيم خوفاً من عقوبة القانون يَعْوَجّ إذا أَمِنَ أن يصل إليه القانون، والذي يستقيم اتّباعاً للعرف إنما يستقيم ما دام الناس يرونه، فإذا أمن أن يراه الناس لم يعد يبالي ما يفعل. أما الذي يستقيم اتّباعاً للدين وخوفاً من الله فإنه يبقى أبداً مستقيماً، لأنه يعلم أن الله مطّلع عليه دائماً. ولو ترك الإنسان كل ما يثقل عليه وفعل كل ما تميل نفسه إليه لذهبت الصحة، وذهبت الأخلاق، وذهب القانون، ولم يعد الإنسان إنساناً ولكن وحشاً من وحوش الغاب؛ ذلك أن الدواء المرّ ثقيل على المريض، وتجرّعه مؤلم، والنفس تميل عنه وتنفر منه، فلو اتبعنا ميل النفس وتركنا الدواء لذهبت الصحة. وحبسك النفس عن اتباع هواها، وإمساكها عن أن تبطش عند الغضب وأن تأخذ عند الرغبة وأن تكفّ عند الشهوة ثقيل على النفس، فلو تركناه لأنه ثقيل عليها لذهبت الأخلاق. والإنسان خُلق مُحبّاً لنفسه مُريداً كل خير لها، ومنعُه نفسَه مما تريد ثقيل عليها، فلو تركنا كل إنسان يأخذ ما يشتهي من مال غيره وأهله لذهب القانون.

стр. 64

والله قد وضع في النفس حب المال والجمال وقسمهما لنا قسمين، فقال: هذا حرام وهذا حلال. فإذا جوّزنا للرجل أن يستمتع بكل جمال يشتهيه ويقدر على الوصول إليه، سواء أكان له أم كان لغيره، وسواء أكان التمتع به بالنظر واللمس أو المقاربة، حلالاً كان أم حراماً، وقلنا: هذه هي المدنية الجديدة وهذه هي الموضة، فلماذا لا نجوّز له أن يأخذ كل ما تشتهيه نفسه من أموال الناس بالغصب وبالسرقة وبالاحتيال؟ ولماذا نقيم القيامة على من يسرق عشر ليرات ونسوقه إلى المحكمة ونلقي به في السجن، ونغضّ عمّن يسرق أعراض الناس ويتمتع بحرمات بناتهم ونسائهم؟ هل المال أعزّ علينا من العِرض؟ * * * نعم، إن الدين ثقيل، ولكن ليس كل ثقيل يُترَك. والعاقل مَن إذا عَرَض له ألم مؤقت يجرّ وراءه لذة دائمة احتمله راضياً، كما يتحمل ألم قلع الضرس ليجد اللذة بالراحة من وجعه، وكما يتحمل العملية الجراحية للصحة المَرجوّة بعدها. ومن إذا عرضت له لذة مؤقتة تجرّ وراءها ألماً طويلاً أعرض عنها راضياً وانصرف عنها مطمئناً، مهما اشتدّ ميله إليها وكثرت المغريات بها. ولو قيل لك: تعال نُعطِك كل ما تريد من أموال ولذائذ ونساء ونمتّعك بكل متعة تخطر على بالك، ولكن لمدة شهر واحد، ثم نقتلك بعدها شرّ قتلة ونحرّقك بالنار، هل تقبل

стр. 65

بهذا النعيم أم تقول: لا، لا أريده، وما فائدة متعة شهر إن كان بعدها الموت؟ هذا مثال لذائذ الدنيا المحرَّمة، بل إن المثال أقل من الحقيقة، فإنك تستمتع في المثال شهراً تموت بعده فتستريح، وتستمتع بالحرام ثم تموت فلا تستريح، بل تُحاسَب أشد الحساب ثم يُصار بك إلى جهنم! فاحتمل ثِقَل الدّين، فإنه أهون من احتمال ثقل العذاب يوم القيامة. * * *

стр. 66

وصية وإنذار كُتبت سنة ١٩٦٤ (١) لمّا أخذت القلم لأكتب هذه الكلمة ذكرت أول مرة جئت فيها الحجاز وعرفت فيها الأخ المزروع؛ لقد كان ذلك من إحدى وثلاثين سنة، تبدَّلت فيها الدنيا غيرَ الدنيا وغدا الناسُ

стр. 67

غيرَ الناس. لقد كان الأخ شاباً فشاخ، ولكن طيبته في قلبه ووفاءه لإخوانه ونُبله وفضله، لا يزال كله شاباً لا يشيخ. وكان الحجاز على بقية من القرن الذي مضى: كانت جدة قرية كبيرة لها سور يطيف بها، وكان الطريق منها إلى مكة وعراً قطعناه بالسيارة في نهار كامل، وكانت مكة محصورة بين الجبال، وكانت البلاد محرومة (أو كالمحرومة) من خيرات هذه الحضارة الجديدة. فدخلَت الحضارة الحجازَ من أوسع باب؛ اتسع عمرانه وكبرت مدنه، ونفض يده من القرن الذي مضى ليعيش في القرن الحاضر كما تعيش أعرق البلاد في الحضارة، وانتشر العلم وفُتحت المدارس للبنين والبنات، وصار فيه جامعات. جاءته الحضارة، ولكن جاءت معها شرورها. كان للمشايخ فيه سلطان فما أحسنوا استعماله، فزال أو كاد. وكانوا يضيِّقون على الناس ويمنعونهم المكروه خشية الوقوع في الحرام، فواقعوا المكروه والحرام. وألزموهم في التوحيد بمنع التأويل ومحاربة الأشاعرة (وهم جمهور المسلمين)، ففَشَت فيهم فاشِيَة الإلحاد وترك الإسلام ... وكل ذلك لا يزال بذوراً في باطن الأرض أو نباتاً ضعيف الساق والجذر، ولكنه كل يوم إلى قوة، والمشايخ خاصة وأهل الدين عامة كلَّ يوم إلى ضعف. إن هذه البذور تجد من يسقيها الماء ويجدّد لها التربة ويمدها بالغذاء، وهم المدرّسون والمدرِّسات الذين يؤتى بهم من البلاد الأخرى. إنها لا تزال المنكرات خفية غير ظاهرة، ولكن

стр. 68

هذه البذور التي نُثِرت في أدمغة الشبّان سرعان ما تنبت. لقد تسربت إلى هذه الأدمغة مفاسد العصر كلها عن طريق مباشر هم هؤلاء المدرّسون، وفيهم القومي والشيوعي والشيعي والنصيري والنصراني والمنحل الخلق، وكل ذي نحلة فاسدة وخلق ذميم، والمدرّسات الفاسقات المتكشفات. وطريق غير مباشر، هو الإذاعة والمطبوعات ورحلات السعوديين إلى الخارج، ومجيء غير السعوديين إلى البلاد. إن البلاد على خطر في دينها لا يبدو الآن، ولكنه سيظهر بعد عشر سنوات حين يتسلم طلاب اليوم مقاليد الأمر، لا سمح الله. لقد نبَّهتُ مراراً وقلت وكتبت فما سمع مني أحد، وقلت ذلك للمشايخ ورجال الحكم فما كان لكلامي أثر، فانتبهوا قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الانتباه. إني أُحذِّر أبناء هذا البلد الطاهر مصيراً كمصير مصر والشام والعراق في السفور والحسور والفسوق، وضعف الدين وأهله وقوة الكفر وسيطرته. ولا أملك إلاّ القول، وقد قلت، والله المستعان. علي الطنطاوي (من دمشق) مكة المكرمة: غرّة شعبان ١٣٨٤ * * *

стр. 69

مشكلة نشرت سنة ١٩٥٥ لقيت مرة أديباً مصرياً جعل يحدثني في الإسلام: جماله وكماله ووجوب التمسك به والتعصب له، وقال لي بأنه مسلم متعصب، وإن كان يتكاسل عن الصلوات لضرورات العمل، ولا يحافظ على الصوم من خوف المرض، وأنه ربما تناول المُسْكِر أحياناً في الحفلة الرسمية أو الفندق الكبير مجاراة للأوضاع الاجتماعية، وربما قارف بعض المحرَّمات ... ولكنه مع ذلك كله مسلم، مسلم متعصب! قلت: وما مظاهر إسلامك، إن كنت تترك الصلاة والصيام وتشرب الخمر وتأتي المحرَّمات؟ قال: المظاهر؟ «عاوز» المظاهر؟ طيّب، أنا رايح أقول لك: مظاهر إسلامي أني إن سمعت أحداً يطعن على الإسلام، ولو كان أعظم الناس، فعلت كذا وكذا ... وانطلق يصف بحماسة بالغة وصوت متهدّج ما يفعله بمن يطعن على الإسلام بقوله، أما طعنه هو عليه بفعله فلا يرى فيه شيئاً، لأن هذا مبلغ فهمه للإسلام! يحسب أنه يكفيه ليكون من

стр. 70

المسلمين هذا الدفاع عن الدين، وإن كان لا يأتمر بأوامره ولا يجتنب نواهيه ولا يعمل بأحكامه؛ كجندي لا يلبس بزّة الجند ولا يحمل سلاحهم، ولا يدخل ثكنتهم ولا يمشي في صفوفهم، وهو -مع ذلك- جندي عامل لأنه لا يدع أحداً يطعن على الجيش أو يتكلم فيه! وهذا أحد الأفهام العجيبة للإسلام. ولو أن مستقرئاً استقرى (١) صورة الإسلام في نفوس آحاد الناس لرأى من اختلافها العجب العجاب. هذا رجل لا يصلي إلا مع الجماعة الأولى، ولا يفتر لسانه عن الذكر والتسبيح، ويَعُدّ نفسه ويعدّه أصحابه من الأتقياء الصالحين، وهو مع ذلك يغش إن باع، ويُخلف إن وعد، ويحتال لأكل أموال الناس بحيل عجيبة يعجز عن مثلها إبليس، ثم لا يكفّ حتى يلفّق لها ثوباً مشروعاً من أقوال الفقهاء ومن مواد القانون، يسترها به حتى لا يكون عليه سبيل لقاضٍ أو حاكم. يرى الإسلام قاصراً على صلاة الجماعة وترديد الأذكار والأَوْراد، أما المعاملة فشيء آخر، شيء لا يقدم ولا يؤخر ولا صلة له بالدين! وهذه امرأة تصلي وتصوم وتقرأ القرآن وتبكي عند سماع الموعظة، ولكنها تخرج سافرة حاسرة مكشوفة النحر والشعر والصدر! وهذا رجل أعرفه من المسرفين على أنفسهم، ممّن لا يحلّل

стр. 71

حلالاً ولا يحرّم حراماً، ولا يبالي إذا جاع من أين تجيء أكلته، ولا ينظر إذا اشتهى أين تقع نطفته، وهو -مع ذلك كله- لا يطيق أن يسمع قَوْلة في أهل الله والصالحين، ويرتجف غضباً لله حتى لا يدري أين تقع غضبته، لأن الإسلام عنده هو التأدب مع أهل الله والتوجه إليهم والتماس بركاتهم! وآخر مسلم متمسك قائم بالعبادات مبتعد عن المحرَّمات، ولكنه يقول بالشيوعية أو يتبع الماسونية، ويُؤْثر أخاه فيها ولو كان يهودياً أو نصرانياً على أخيه في الإسلام، ولا يرى في ذلك شيئاً! وثالث صحيح العقيدة صادق المعاملة، لا ينتحل نحلة تخالف الإسلام، ولكنه لا يصلي ولا يصوم! * * * وإذا نحن تركنا آحاد الناس ونظرنا إلى الدعاة إلى الله، الذين نرجو بهم نصرة الإسلام وإعادة أهله إليه، لرأينا كثيراً منهم مختلفين كذلك في تحديد الطريق الذي يوصل إلى الله، ولوجدنا للإسلام في نفس كل واحد منهم صورة تختلف عما في نفس الآخر، وإن كانوا جميعاً يدعون إليه. هذا يرى الإسلام في اتّباع مذهب من المذاهب الأربعة والوقوف عند ما أفتى به متأخّرو فقهائه، ولو كانت هذه الفتوى مَبنيَّة على عُرف وتبدّل اليومَ هذا العرف، أو أُقيمت على اجتهاد وبدا وجهٌ أقوى لاجتهاد غيره تدعو إليه الحاجة وتستلزمه المصلحة؛ يَعُدّ الخروج على حاشية ابن عابدين خروجاً من

стр. 72

الدين، ويؤمن بأن الاجتهاد سُدَّ بابه فلا يُفتَح إلى يوم القيامة، كأنه قد امتنع على الله (أستغفر الله!) أن يخلق ذهناً كذهن أبي حنيفة ورأياً كرأي الشافعي ونظراً كنظر مالك ورواية كرواية أحمد، ويرى أن الكتاب والسنة قد أُخذ منهما كل شيء وعُصرا عصر الليمونة استُنفد ماؤها، ولم يعد يجوز لأحد أن يستنبط منهما حكماً أو يرى فيهما دليلاً، وما يصلحان بعدُ إلا للتبرك والتقبيل، وتلاوة القرآن بلا فهم وقراءة «البخاري» لاستنزال واستجلاب المطر، واعتقاد أن البيت الذي يكون فيه «البخاري» لا يصيبه حرق ولا غرق ... مع أنك لو ألقيت كتاب البخاري نفسه في النار لاحترق، ولو رميته في الماء فابتلّ لأصابه الغرق! وآخر يرى الإسلام في ترك المذاهب كلها والعودة إلى السنّة، فكل من استطاع أن يقرأ في البخاري ومسلم ومَجْمَع الزوائد، وأن يفتش عن اسم الراوي في التقريب أو التهذيب، وجب عليه الاجتهاد وحرم عليه التقليد، ويسمون هذا الفقه العجيب الذي يشبه فقه بُرْد (والد بشّار) (١) «فقه السنّة»؛ لا يدرون أن الوقوفَ على الأحاديث ومعرفةَ أَسْنادها ودرجاتها شيءٌ واستنباطَ الأحكام منها شيءٌ آخر، وأن المحدّثين كالصيادلة والفقهاءَ كالأطباء، فالصيدلي يحفظ من أسماء الأدوية ويعرف من أصنافها ما لا يعرفه الطبيب، ولكنه لا يستطيع أن يشخّص

стр. 73

الأمراض ويشفي المرضى. وأن الصحابة أنفسهم لم يكن فيهم إلا مئة ممّن يفتي، وأن مئة الألف من المسلمين الذين توفي عنهم الرسول ﷺ كانوا يرجعون إلى هذه المئة ولا يجتهدون لأنفسهم. وأنه إن لم يطّلع الإمام من الأئمة على الحديث من الأحاديث فإن أَتْباع مذهبه قد اطّلعوا عليه خلال هذه القرون الطويلة، وأنهم كانوا أتقى لله وأحرص على دينهم من أن يخالفوا حديثاً صحيحاً لقول إمام أو غير إمام، وأن المذاهب لم تأخذ الأحاديث وحدها بل أخذت الحديث وما قال فيه الصحابي، والتابعي، ومَن بعده، وسجّلت هذه الشروح والأفهام المتعاقبة ثم استخلصت منها الحكم، وأن من يترك اجتهادات الأئمة كمن يرى الطيّارة وما بلغت إليه بعد الجهود المتتالية والرقي المتسلسل، فيتركها ويُعرض عنها ويحاول الطيران بأجنحة يركّبها لنفسه كما فعل العباس بن فرناس! وإن دعوى منع التقليد في الدين دعوى باطلة، لأن في كل علم أهل اختصاص فيه وغرباء عنه، فإذا احتاج الغريب إلى معرفة حكم فيه رجع إلى أهله، كالعامي يحتاج إلى مداواة مريضه أو عمارة بيته أو إصلاح ساعته، فلا يستطيع إلا الرجوع إلى الطبيب أو المهندس أو الساعاتي، وتقليده فيما يذهب به إليه اجتهاده. * * * وداع يدعو إلى إجراء الآيات المتشابهات على ظواهرها، ويبالغ في ذلك حتى يثبت لله يداً حقيقية ووجهاً وعرشاً قد استوى عليه استواء، وأمثال ذلك، ويحارب كل قائل فيها بالمجاز صارف

стр. 74

لها عن الحقيقة (ومن القائلين بذلك أعلام الملة وكبار علماء المسلمين)، ويجعل ذلك أكبر همه ورأس دعوته، يفاجئ به التلميذ الذي لم يعرف بعد ما أركان الإسلام وما شروط الصلاة. وآخر يجعل أكبر همه ورأس دعوته نفي ذلك كله وتأويل الآيات الواردة فيه، ويبالغ في تحكيم عقله البشري في هذه المسائل الإلهية التي لا تتبع قوانين أرضنا وأحكام عالمنا، حتى ينكر الرؤية يوم القيامة، ويجعل العرش والكرسي مجازاً لا حقيقة، فعرشه وكرسيّه ﵎ هما مُلكه؛ كما نقول نحن اليوم (ولله المثل الأعلى): "كانت الهند تحت العرش البريطاني"، أو نقول: "إن كرسيّ المملكة العراقية يشمل إربل والبصرة". وثالث يرى الإسلام في محاربة الصوفية صحيحها وباطلها، وينفِّر من قراءة كتبها وصحبة أهلها، مَن كان منهم قبل «الرسالة القشيرية» ممّن أخذ تصوَّفه من أصول الإسلام، ومن جاء بعدُ ممّن أخذ (على الغالب) من غير ينابيع الإسلام. ورابع قائم لهذا بالمرصاد، عامل على الدعوة إلى الصوفية معتقد بكل ما جاء به أهلها، حتى القائلين منهم بوحدة الوجود وخلط العبيد بالمعبود، كالحلاج وابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني، ويرى أن للدين ظاهراً وباطناً، فالظاهر الشريعة والباطن الحقيقة، الأول ما يدل عليه الكتاب والسنة بوضعهما اللغوي ومدلولهما المجازي والاصطلاحي وما فهم العرب منهما، والثاني ما يذهب إليه القوم بتأويلاتهم وتفسيراتهم

стр. 75

التي لم يقل بها الرسول ﷺ ولا الخلفاء الأربعة، ولا بقية العشرة، ولا أحدٌ من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة المجتهدين، والتي لا توافق معقولاً ولا منقولاً. وخامس لا يصرح بوحدة الوجود، ولكن يقول بما هو أدهى وأمَرّ وما يكون كفر كفار قريش في جنبه إيماناً، وهو أن المتصرف بالأكوان «القطب»، يعاونه الأربعة «الأوتاد» والأربعون «الأبدال»، وأن وراء هذه الدول الظاهرة دولة أهل الديوان وأصحاب النوبة، فلكل منطقة من الأرض شيخ أو مجذوب أو معتوه يتصرف بها، وكأن الله (أستغفره مئة مرة) مَلك دستوري له المُلك لا الحكم، وهذا القطب هو رئيس الوزراء الذي يتولى هو وأعوانه من رجال السلطة التنفيذية الحكمَ الفعلي! ولا يعتقد هذا في نفسه، بل يدعو إليه ويقرئ الكتب المشتملة عليه (كالطبقات للشّعراني) في المساجد جهاراً نهاراً، في دروس عامة يحضرها العامي والتلميذ والموافق والمخالف. وسادس يدعو إلى طريقة من هذه الطرق: النقشبندية والقادرية والرفاعية والتيجانية (الفرنسية)، يفني عمره في الحفاظ لها والدفاع عنها. ومن يدعو إلى النحل الباطلة والكفر الصريح، كالقاديانية (الإنكليزية)، ويزعم أنه يدعو إلى الإسلام الصحيح! وسابع يرى الإسلام، كل الإسلام، أن تطلق اللحية وتحسّن العمة، وتسدل العذبة وتلبس الجبة وتطيل السبحة، ولتفعل بعد ذلك ما تشاء. * * *
следующие страницы →