كتاب أدب القضاة
قال الله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١).
اعلم أن القضاء رتبة شريفة، ولا ينعقد للشخص إلا بأن تجتمع فيه شرائط ثمانية: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والذكورية، والكمال، والعلم بحيث يكون من أهل الاجتهاد، وحد الاجتهاد أن يكون عالماً بمسائل الخلاف، قادراً على إبطال شبهة المخالفين، وإقامة الدلالة على مذهبه، ويعرف أدلة الشرع ﴿٩٦/ ب﴾ ناسخه ومنسوخه، ومتشابهه، ومجمله، ومفسره، ومطلقه، ومقيده، والسنة متواترها، وآحادها، ومرسلها، ومسندها، والإجماع، والقياس، والاستدلال، واستصحاب الحال، فمن أخل بشرط منه لم ينعقد القضاء.
ويستحب أن يكون ورعاً، وينقص عن شروط الإمامة بالنسب، والشجاعة لسقوط الحرب عنه، وحاجة الإمام إليه، ولأن الإمامة أعلى المراتب الدينية فاعتبر فيها النسب لحصول التمييز عن الرعية.
ويحتاج أن يعرف لسان العرب ليعلم به معاني الكتاب والسنّة.
وأما الكمال فعلى ضربين: كمال الذكورية، وقد مضى.
وكمال الصورة، بأن يكون بصيراً ناطقاً، سامعاً، وفي الجملة لا يصح قضاء من لا تصح شهادته، وقد يجوز شهادة من ﴿٩٧/ أ﴾ لا يصح قضاؤه، كالعبد، والمرأة، والجاهل، والأعمى فيما طريقه الصوت، وسنذكر ذلك في بابه إن شاء الله.
стр. 352
ولا يجوز أن ينقض من حكم القاضي إلا ما خالف نصاً، أو إجماعاً.
وإذا شهد عنده اثنان لا يعرف عدالتهما، فزكاهما اثنان يعرف عدالتهما فقد ثبت الحق بشهادة الأولين.
ويجزئ في التزكية أن يقول: هو عدل رضا، وإن لم يقل لي وعليّ، لأنه إذا كان عدلاً علمنا أنه له وعليه.
فإن عدل اثنان وجرح اثنان قدمت بينة الجرح، لأن الأصل العدالة، والفسق طارئ فقد شهدت بينة الفسق بأمر خفي على من شهد بالعدالة، كما لو شهد اثنان بالرق، واثنان بالحرية قدمت الحرية، لأنها ظاهرة طارئة.
ولا يقبل معرفة العدالة الظاهرة حتى يعلم الباطن في أصح الروايتين (١).
ولا يقبل الجرح المطلق حتى يذكر سببه ﴿٩٧/ ب﴾، لأنه قد يعتقد جرحاً ما لا يوجب جرحاً عند الحاكم.
ولا يقبل في الجرح، والتعديل، والرسالة، والترجمة أقل من اثنين في أصح الوجهين (٢).
ويجب على الحاكم أن يسوي بين الخصمين في لحظه ولفظه، ومجلسه حتى لا يطمع شريف في حيفه، ولا ييئس فقير من عدله.
ولا يجوز أن يقبل هدية من لم تجر عادته بمهاداته قبل الحكم.
ويكره أن يكون له وكيل معروف بقضاء حوائجه لئلا يحابي.
وإذا ثبت عنده حق بشهادة عدلين وحكم بها على رجل في عمل غيره،
стр. 353
وكتب بإنفاذ القضاء عليه إلى قاضي بلد المحكوم عليه قبل كتابه وأخذ المحكوم عليه بذلك الحق، وبشرط أن يكون ذلك الحق مما يقبل فيه الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال ﴿٩٨/ أ﴾، واليمين مع الشاهد، وهو ما كان مالاً، أو المقصود منه المال، فالمال كالقرض، والغصب، وما يقصد به المال كالبيع، والصلح، والصرف، والسلم، والإجارات، والجنايات الموجبة للمال، والرهن.
فأما ما ليس بمال، ولا يقصد منه المال، ويطلع عليه الرجال، كالقصاص، والحدود، والنكاح، والطلاق، والخلع، والرجعة، والتوكيل، والوصية إليه، فأما الوصية له فمن قبيل الأموال، والعتق، والنسب، والكتابة فلا تثبت إلا بالشهادة العادلة.
فأما كتاب القاضي إلى القاضي، أو الشهادة على الشهادة، أو شهادة النساء مع الرجال فلا.
ولا يقبل كتاب القاضي إلا بشاهدين يقولان: هذا كتاب فلان قرأه علينا، أو قرئ ﴿٩٨/ ب﴾ عليه بحضرتنا، فقال: اشهدوا على أنه كتابي إلى فلان.
وإذا عزل الحاكم، فقال: كنت حكمت. قبل منه، وأمضي ذلك الحق.
ويصح الحكم على الغائب، لأن النبي ﷺ حكم لهند على أبي سفيان وهو غائب.
ولا يجوز حكم الحاكم لمن لا تقبل شهادته له، كأبويه وإن عليا، وولده وإن سفل، والزوجة، وعدوه، وشريكه.
فإذا وجد الحاكم في ديوانه صحيفة فيها شهادة الشهود فلا يحفظ أنهم
стр. 354
شهدوا عنده لم يحكم بها.
وكذلك إذا وجد الشاهد خطه في الكتاب.
وإذا شهد نفسان على قضاء الحاكم، ولا يذكر ذلك قبل شهادتهما.
ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في مصر واحد، وإنما يقبل مع تباعد المسافة.
وإذا مات القاضي الكاتب قبل وصول الكتاب، أو عزل حكم ﴿٩٩/ أ﴾ به ولم يمنع ذلك قبوله.
وإن مات المكتوب إليه، أو عزل جاز لغيره الحكم به.
ولا يجوز أن يحكم بعلمه في الأموال ولا الحدود، قال شيخنا في "الخصال": "ويجوز في الجراح، لأنه لا يتهمه فيه".
стр. 355
كتاب الشهادات
قال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ (١).
اعلم أن الشهادات على سبعة أضرب: ما يعتبر فيه شهادة أربعة ذكور عدول أحرار بالغين عقلا مسلمين مبصرين، وهي شهادة الزنا، واللواط، وإتيان البهائم.
وما يعتبر فيه شهادة اثنين كمل فيهما الصفات المذكورة في الأربع، وهي الشهادة بالقصاص والقذف، والسرقة، والشرب، وجميع الحقوق التي ليست مالاً، ولا المقصود منها المال.
وما يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، كالأموال، والديون، والقرض، والمبيع، والسلم، والصرف ﴿٩٩/ ب﴾ والإجارة، وما شاكل ذلك.
وما يقبل فيها شهادة الكفار؛ وهي الوصية في السفر عند عدم المسلمين.
وما يقبل فيه شهادة الصبيان؛ وهو الجراح إذا وجد منهم في الصحراء، وصاروا مجتمعين على إحدى الروايات (٢).
وما يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة؛ وهي الولادة، والعيوب تحت الثياب.
والعدالة في الدين أن لا يكون مصراً على كبيرة، ولا مداوماً على صغيرة.
والعدالة في المروءة: أن لا يكون دنيئاً بحيث يأكل على الطرقات، أو يكشف من بدنه ما ليس بعورة، مثل البطن، والظهر بين الناس، ويمد رجليه بين جلسائه، ويحكي الحكايات المضحكة.
стр. 356
والعدالة في الأحكام: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً.
وتجوز شهادة العبد في الأموال، والعقود، وليس عن أحمد ﴿١٠٠/ أ﴾ منع في الحدود.
وأحد عشر شخصاً لا تقبل شهادتهم لأجل التهمة والخصم، وهم: العدو، والجار إلى نفسه نفعاً، والدافع عنها ضرراً، والوالد لولده، والولد لوالديه، وأحد الزوجين لصاحبه، والشريك لشريكه، والأجير لمن استأجره، والوصي للأيتام الذين في حجره، والحاكم لمن هو في حجره، والقانع لأهل البيت وهو وكيلهم.
فأما العدو فهو أن يشهد على رجل بالزنا بعد أن قذفه به، فلا يقبل، لأنه صار بقذفه عدواً له، وكذلك الزوج إذا شهد على زوجته بالزنا لا يقبل، لأنه صار عدواً لها، وصارت عدوة له بإفساد فراشه.
وسبعة أشياء تجوز الشهادة بها من طريق الاستفاضة: النسب، والموت ﴿١٠٠/ ب﴾، والملك المطلق، والنكاح، والعتق، والوقف، والولاء، وما عدا ذلك فلابد من سماعه من المشهود عليه، كالبيع، والصرف، والسلم، والصلح، والإجارة، والهبة، لأن هذه يقدر على الشهادة عليها من طريق القطع، لأن النسب جهة غلبة الظن، والملك المطلق تتسع أسبابه فلا يمكن مشاهدتها، والنكاح يثبت بالاستفاضة، لأننا نشهد أن عائشة زوج النبي ﷺ من طريق الاستفاضة، والوقف يبقى على الدوام فلا يبقى من يشهد به، وكذلك العتق، والولاء.
وتقبل شهادة الأخ.
стр. 357
وإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وتوبته أن يكذب نفسه.
ومن شهد فرد الحاكم شهادته لأجل الفسق ﴿١٠٢/ أ﴾ فعدل، وأقامها لم تقبل.
ولو شهد صبي، أو عبد فرد الحاكم شهادتهما، ثم بلغ الصبي، وعتق العبد، فأقاماها قبلت، وكذلك الكافر إذا أسلم، فشهد بما كان شهد به حال كفره، لأن التهمة لا تلحق هؤلاء، وتلحق الفاسق، لأنه قد يخفي الفسق ويظهر العدالة لتقبل شهادته، ويرد العار عن نفسه، فأما البلوغ، والعتق فليس إليه، والكافر لا يترك دينه لأجل قبول شهادته.
وتقبل شهادة المستخفي.
وشهادة الأعمى مقبولة بما طريقه الأصوات.
وإذا شهد عند الحاكم بحق، ثم عمي، أو خرس حكم الحاكم بشهادته.
ولا تصح شهادة الأخرس بالإشارة.
ولا تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض.
ولا تثبت ﴿١٠٢/ ب﴾ الأموال بشهادة امرأتين ويمين المدعي.
وتقبل شهادة ولد الزنا في جميع الأشياء الزنا، وغيره.
ولا تقبل شهادة بدوي على قروي.
وتقبل شهادة الصديق لصديقه.
وتقبل الشهادة على الشهادة في حقوق الآدميين التي هي مال، أو يقصد منها المال من عقود المعاوضات، ولا تقبل في حقوق الله قولاً واحداً، وهل تثبت
стр. 358
فيما هو عقوبة من حقوق الآدميين، كالقصاص؟ على روايتين (١).
ولا يكون شهود الفرع إلا ذكرين، ولا تقبل شهادة رجل وامرأتين، فإن كان شهود الأصل رجلاً وامرأتين وشهود الفرع رجلين جاز في أصح الروايتين (٢)، واختار شيخنا الأخرى وأنها لا تقبل.
ولا يعتبر اجتماع شاهدي الفرع على سماع شهادة كل واحد من شهود الأصل، بل إذا شهد ﴿١٠٣/ أ﴾ كل واحد على واحد صح، كما قلنا في الإقرار ليس من شرط صحة الشهادة أن يجتمعا عليه.
ولا تجوز شهادة شهود الفرع مع حضور شهود الأصل.
وإذا شهدا بمال، ثم رجعا بعد الحكم لزمهما الغرم، فإن شهدا بطلاق، ثم رجعا نظرت فإن كانت مدخولاً بها فلا يرجع على الشهود بشيء، وإن كان قبل الدخول احتمل أن يلزمهما ما ألزما الزوج من نصف الصداق، لأنه كان يفرض أن يسقط برده، أو فسخ يطري سببه من قبل الزوجة.
ويجب على شاهد الزور أن يعزر ويطاف به ليعرفه الناس ويحذروه، لأن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "يعزر ويسخم وجهه" (٣).
وإذا شهد نفسان بالقول واختلفا في الوقت ﴿١٠٣/ ب﴾ مثل أن يقول أحدهما: باعه بالأمس. ويقول الآخر: باعه اليوم. فإن شهادتهما تقبل.
وكذلك في الإقرار إذا حلف بالطلاق أنه لا حق لفلان عليّ، وشهد عليه
стр. 359
نفسان ثبت عند الحاكم ذلك [و] (١) وقع الطلاق.
وإذا قال: لا بينة لي، وكل بينة أقيمها فهي زور. لم تقبل البينة على ما يدعيه من ذلك الحق بعد ذلك.
стр. 360
كتاب الدعاوى
قال النبي ﷺ : "لو أعطى قوم بدعاويهم لاستحل قوم دماء قوم وأموالهم، البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (١).
ولا تصح الدعوى حتى تكون معلومة إلا الوصية، فأنها لما صحت مجهولة صح دعواها مجهولة، مثل أن يقول: وصى لي بعبد، أو بثوب.
ولا تسمع بينة المنكر ﴿١٠٤/ أ﴾ على إنكاره، ولا يمين المدعي مبتدأة، ولا مردودة.
ومتى نكل المدعى عليه عن اليمين قضى عليه النكول فيما يصح بذله، وهو الأموال، والحقوق.
وإذا أقام البينة على ما في يده بأنه ملكه، وأقام الخارج بينة على أنه ملكه قدمت بينة الخارج، لأن بينة الداخل لا تفيد إلا ما أفادت يده، ولو لم تك إلا يده مع بينة الخارج قدمت بينة الخارج، كذلك ما قام مقام يده.
ولا ترجح البينة باستمرار العدالة هذا استوائها في العدالة، كما لا يرجح بكثرة العدد، لأن زيادة الأشخاص آكد من زيادة الصفات، ثم لو أقام أحدهما عشرة، والآخر اثنين كانا سواء، كذلك هاهنا بخلاف أخبار الديانات ﴿١٠٤/ ب﴾ فإنها لما رجحت بالعدد رجحت باستمرار العدالة والزهادة.
وإذا ادعيا شيئاً في يد غيرهما، فأقر به لأحدهما وقال: أعرفه عيناً، أو كنت أعرفه، وأنسيته. قرع بينهما، فأخرج المستحق بالقرعة.
стр. 361
وإن أقام كل واحد منهما بينة بأنها له تعارضا وأسقطا، وكان في يده على ما هو به.
وإذا تداعيا داراً في يد رجل، فأقام أحدهما البينة أنها له منذ سنة، وأقام الآخر البينة أنها له منذ سنتين كان صاحب السنتين أولى، لأن صاحب السنة لا يستفيد الملك إلا من صاحب السنتين فاحتاج أن يقيم البينة بوجهة الانتقال ﴿١٠٥/ أ﴾ فإذا لم يقم بينة بجهة الانتقال بقى على حكم الأصل، وهو ملك صاحب السنتين.
فإن لم يعرف إحداهما، ووقتت الأخرى تعارضتا، لأنه ليس في توقيت إحداهما دلالة على تقدم غيرها عليها أو تأخرها.
ومن ادعى زوجية امرأة لم يسمع الحاكم دعواه حتى يذكر الشرائط المعتبرة في العقد، لأن النكاح مما لا يستباح بالبذل والإباحة، فإذا ادعاه اعتبر ذكر شرائطه، كالقصاص.
وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين لم ترد على المدعي.
ولا يستحلف في كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين ذكرين، ويستحلف فيما عدا ذلك مما يثبت بشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين (١)، وفيه رواية أخرى: يستحلف في القصاص، وحد القذف والطلاق، والعتاق.
وإذا قلنا يستحلف في ﴿١٠٥/ ب﴾ القصاص فنكل لم يقتل رواية واحدة، وهل يقضي عليه بالدية؟ على روايتين (٢). وسواء كان القصاص في النفس، أو فيما دونها فالحكم واحد.
стр. 362
ولا يغلظ بشيء من الأيمان بالمكان ولا الزمان، وذهب الخرقي إلى تغليظها.
وإذا مات رجل وخلف ولدين مسلماً وكافراً، فادعى الكافر أن أباه مات ناطقاً بكلمة الكفر، وادعى المسلم أن أباه مات ناطقاً بكلمة الإسلام، وأقام كل واحد منها البينة تعارضتا وسقطتا هذا ما لم يعرف له أصل دين، فإن عرف له أصل دين فالقول قول من يدعي نفي الأصل، لأنه ادعى أمراً طارئاً، وإن لم يكن لكل واحد منهما بينة فالقول قول من يدعي بقاءه على أصل دينه، لأن الأصل بقاءه، وعلى من ادعى زواله عن أصل دينه البينة ﴿١٠٦/ أ﴾، واختار الخرقي أن القول قول الكافر، لأن المسلم لما اعترف بأخوة الكافر كان في طي إقراره لأخوته إقراره بكفر أبيه، لأن كفر أخيه صادر عن كفر أبيه.
وإذا ادعى داراً في يد غيره، وأقام البينة أن أباه مات وتركها له ولأخيه الغائب، فإن الحاكم ينتزع الدار ويدفع إلى الحاضر حصته ولا ينتظر قدوم الغائب.
وإذا ادعى نفسان عبداً، وأقر العبد أنه لأحدهما فهو للمقر له.
وإذا شهد نفسان أن فلاناً أعتق عبده، وأنكر العبد لم يلتفت إلى إنكاره وحكم بعتقه.
وإذا اختلف الزوجان في قماش البيت، فإن كان على أيديهما من جهة الحكم وهو أن يكون في الدار التي يسكنانها فما صلح للمرأة فهو لها، وما صلح للزوج ﴿١٠٦/ ب﴾ خاصة فهو له، وما صلح لهما فهو بينهما.
وإذا تداعيا مُسناة بين نهر لأحدهما، وضيعة للآخر كانت بينهما، ويحلف كل واحد منهما لإسقاط دعوى صاحبه.
وإذا قال الشهود مات فلان وهذا وارثه لا نعلم له وارثاً بالعراق، أو حيث كان قولهما. دفع المال إليه، ولم يؤخر الدفع إليه.
стр. 363
كتاب العتق
قال الله سبحانه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ (١).
وإذا أعتق الموسر شقصاً له في عبد عتق جميع العبد، وعليه قيمة ملك شريكه منه.
وحد الإيسار: أن يكون واجداً لقوت يومه وليلته ﴿١٠٧/ أ﴾، وقوت عياله وكفايتهم، ويفضل معه قدر قيمة الشقص. ذكره شيخنا في المجرد، وأبو بكر في التنبيه.
ولو كانوا ثلاثة شركاء لأحدهم نصفه، وللآخر ثلثه، وللآخر سدسه فعتق صاحب السدس وصاحب الثلث معاً، أو صاحب الثلث وصاحب النصف معاً غرما قيمة نصف شريكهما بينهما نصفين لا على قدر سهامهما، لأن السراية من عتق كل واحد كالسراية من عتق الآخر فهي كسراية الجراحة من الجرح الأكبر والأصغر، لأن كل واحد منهما إتلاف.
وعتق المملوكين على خمسة أضرب: ﴿١٠٧/ ب﴾ عتق بنفس الملك: وهم ذوو الأرحام المحرمون، كالأب، والابن، والأم، والبنت، وإذا اشترى واحداً منهم عتق عليه.
ومن يعتق بالقول: وهم المباشرون بالعتق.
ومن يعتق من جهة العقل، وهو الاستيلاد لأمته، أو لأمة شريكه، أو لأمة
стр. 364
ابنه، ويستقر استحقاق العتق بنفس الولادة لولد قد يتشكل منه شكل الإنسان، ويستقر نفس العتق: بموت المستولد.
والضرب الثاني: المثلة بعبده، بأن قطع يده، أو فقأ عينه.
والثالث: أن يعتق الأم وحملها ليس له بأن يكون الوارث للأم أعتق حملها الموصى به، فإنه يعتق الحمل تبعاً، ويغرم القيمة.
﴿١٠٨/ أ﴾ وعتق بالحكم، وهو المميز بالقرعة عند الاشتباه، وهو إذا أعتق واحداً من عبيده لا بعينه، أو بعينه وأشكل عليه، فإنه يخرج بالقرعة، وكذلك إذا أعتق المريض جميع مماليكه فلم يجز ورثته إلا الثلث أعتق الثلث بالقرعة ويرق ما سواه.
وإذا أعتق في مرضه ثلاثة مملوكين، فمات أحدهم قبل موت سيده أقرعنا بين الميت والحيين، فإن خرجت القرعة على الميت حكمنا بأنه مات حراً، وإن وقعت على أحد الحيين حكمنا بحريته.
وإذا قال لأمتين له: إحداكما حرة. ووطئ إحداهما لم تتعين الحرية في الأخرى، ويحرم ﴿١٠٨/ ب﴾ عليه وطئ كل واحدة منهما قبل أن يخرج المعتقة بالقرعة.
وإذا ملك ابنته، أو ابنه من الزنا لم يعتق عليه لعدم النسب، وفارق التحريم، لأن ذلك يثبت مع الشبهة الواقعة بين الأشخاص، والعتق بخلافه، فلو اشترى عبداً من بين أعبد فيهم أخوه، أو ابنه لم يعتق عليه حتى يتيقن أنه أخوه.
ولو اشترى أمة من بين إماء فيهن أخته لم يجز له وطئها لجواز أن تكون أخته.
стр. 365
وإذا قال لعبده وهو أكبر منه: هذا ابني لم يعتق عليه.
وإذ علق عتق عبده بصفة، فباعه، ثم اشتراه ووجدت الصفة في الملك الثاني عتق عليه، فإن كانت الصفة قد ﴿١٠٩/ أ﴾ وجدت في ملك مشتريه، ثم عاد فاشتراه منه ووجدت فهل تعود الصفة أم لا؟ على روايتين (١).
وإذا قال لعبده: أنت لله عتيق. وإذا قال: أنت حر على ألف. عتق وليس عليه شيء.
وإذا جعل العوض في عتقه خدمته شهراً ومات السيد وقد بقى شيء من المدة كان للورثة قيمة الباقي من خدمته.
ولو قال لعبده: أنت حر كيف شئت. لم يعتق حتى يشاء.
وإذا قال: مماليكي، أو رقيقي أحرار. عتق مكاتبوه، ومدبروه، وأمهات أولاده.
وإذا قال: آخر عبد اشتريته فهو حر. فاشترى عبداً، ثم آخر، ثم مات. عتق الثاني ﴿١٢٤/ ب﴾ ومن اشترى.
وإذا قال لأمته: أول ولد تلدينه فهو حر. فولدت حياً وميتاً عتق الحي سواء كان هو المولود أولاً أو أخيراً، لأنه قصد من يصح عتقه، والميت لا يتناوله القصد، فوقع على ما تناوله عتقه.
وإذا قال: إن ملكت عبد زيد فهو حر. عتق إذا ملكه، وكذلك إذا قال: كل عبد أملكه في الناس حر.
стр. 366
ولو قال: كل عبد أملك فهو حر، عتق ما يملكه حال العتق، فإذا ملك بعد ذلك رقيقاً لم يعتق.
وإذا ادعى أحد الشريكين على شريكه أنه أعتق حصته، وادعى الآخر عليه مثل ما ادعى، فإن كانا ﴿١٢٥/ أ﴾ موسرين حلف العبد مع كل واحد منهما وصار العبد حراً.
وإن مات رجل وخلف ابنين وعبدين ولا يملك غيرهما متساويا القيمة فقال أحدهما: أبي أعتق هذا. وقال الآخر: بل أعتق أحدهما لا بعينه. أقرع بينهما، فإن خرجت القرعة على الذي ادعى تعين العتق فيه عتق ثلثاه إذا لم يجز الورثة عتق جميعه، وإن خرجت القرعة على الآخر عتق منه ثلثه وحكمنا بحرية ثلث العبد الآخر إلا أنهما يختلفان في القيمة من ادعى أن أباه عين عتق أحدهما لا يستحق منه ﴿٢٤٢/ ب﴾ إلا السدس، لأنه يقر بأنه يستحق عتق ثلثه فيبقى ثلثه رقيقاً يستحق نصف ثلثه، وهو السدس، ويستحق نصف العبد الآخر، ويستحق من لم يدع التعين من العبد الآخر الذي خرجت القرعة عليه سدسه، لأنه يقول: مات لم يعين، فإن أقر بأن هذا العبد الذي خرجت عليه القرعة فله سدسه، ونصف العبد الآخر، الذي ادعى أخوه أن أباه عينه فيكون لكل واحد من الاثنين سدس العبد الذي يدعي أن الحرية فيه، ونصف العبد الآخر، فيكون لكل واحد منهما ثلثا عبد في العبدين، ويبقى ثلث كل واحد من العبدين حراً.
стр. 367
كتاب المدبر
روى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أن رجلاً أعتق عبداً لا مال له غيره في دبر منه فأمر به فبيع بسبع مئة، أو تسع مئة (١) ".
وهو مشتق من إدباره من الدنيا، فإذا قال الرجل لعبده: أنت ﴿٢٤٣/ أ﴾ حر بعد موتي، أو في دبر مني، أو أنت مدبر، أو دبرتك. صار مدبراً ويعتبر عتقه من الثلث، كسائر الوصايا.
وهل يجوز بيع الأمة المدبرة؟ على روايتين (٢).
ويتبعها ولدها الطارئ بعد تدبيرها، ولا فرق بين أن يكون تدبيرها مقيداً بمرض معين بأن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر. أو مطلقاً، فيقول: إذا مت فأنت حر.
وإذا قتل المدبر سيده بطل تدبيره، كما إذا قتل الموصى له الموصي بطلت وصيته، لأن القتل لما أسقط الإرث وهو آكد ما استحق به المال فلئن يبطل الوصية أولى.
وإذا قال: أبطلت تدبيرك، أو رجعت في تدبيرك. فهل يبطل التدبير أم لا؟ على روايتين، أصحهما: ليس له ذلك (٣)، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر. لا يملك ﴿٢٤٣/ ب﴾ إبطال هذا القول، بل يستحق العتق بدخول الدار من حيث الشرط، ويلغوا قول السيد.
والثانية: يبطل بإبطاله، لأنه وصية، فهو كسائر الوصايا.
ويصح تدبير الغلام، والجارية إذا عقلا التدبير وإن كانا غير بالغين.
стр. 368
كتاب المكاتب
قال سبحانه: ﴿فَكَاتِبُوهمْ إِنْ عَلِمتم فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (١).
وصريح الكتابة كاتبك.
ومن شرط صحتها أن يقع على مال معلوم، إلى أجل معلوم، ونجوم معلومة، وأقلها نجمان.
وهي لازمة من جهة السيد جائزة من جهة العبد من أراد أن يعجز نفسه عجزها.
ويجب على السيد الإيتاء، وهو أن يسقط عنه ربع مال الكتابة، ويعتق بنفس الأداء ولا يحتاج أن يقول: فإذا أديت ﴿٢٤٤/ أ﴾ إلي فأنت حر.
ويعتق إذا كان العوض فاسداً، كما يعتق بالعوض الصحيح، ويملك بها الكتابة ويتبعها أولاده في كتابة أعني المولود من بعد عقد الكتابة يعتقون بعتقه، فإن عجز عاد وعادوا أرقاء.
وللمكاتب أن يكاتب عبيده ويعتقهم على مال ويكون ولاء مكاتب المكاتب لسيده.
وإذا اختلف السيد والمكاتب في عوض الكتابة فالقول قول المكاتب في أصح الروايتين (٢). واختار أبو بكر: أنهما يتحالفان. وحكاه عن أحمد.
стр. 369
والأولى أصح لأنه اختلاف بين المكاتب وسيده فلم يوجب تحالفا، كما لو اختلفا في أصل الكتابة.
وإذا كان العبد بين شريكين فلكل واحد منهما كتابته بما شاء.
وإذا مات ﴿٢٤٤/ ب﴾ المكاتب بطلت الكتابة.
وللمكاتب أن يسافر ويكسب المال.
وتجوز كتابة النصراني للعبد الذي أسلم في يده.
وذكر أصحابنا أنه إذا شرط على المكاتب خدمة شهر بعد الأداء صح الشرط، وكذلك لو شرط وطئ مكاتبته حال الكتابة.
وإذا زوج الرجل ابنته من مكاتبه، ثم مات بطل النكاح، لأنها ترثه بموت أبيها، والملك والنكاح لا يجتمعان، كما لو اشترت الحرة زوجها.
وإذا أدى المكاتب، ثم ظهر سيده على عيب في العوض لم ترتفع الحرية، فكان له الرجوع على العبد بأرش العيب.
وإذا شرط عليه أن لا يسافر فالعقد والشرط صحيحان.
ولا تصح هبته إلا بإذن سيده.
وإذا اشترى ذا رحم محرم صح الشراء، وعتق بعتقه وقت الأداء، ولم يتعجل عتقه.
وإذا أراد السيد مصالحته على بعض مال الكتابة حالاً صح الصلح.
وإذا كاتباه سيداه كتابة واحدة لم يعتق بأدائه إلى أحدهما، فإذا أدى إليهما عتق.
стр. 370
ويكره ﴿٢٤٥/ أ﴾ كتابة من لا حرفة له، كالزمن، والطفل، وتصح كتابة المراهق، ومن يعقل عقد الكتابة، ويقدم على الكسب.
وإذا وطئت المكاتبة بشبهة كان المهر لها كسائر اكتسابها.
وتصح الكتابة على عبد مطلق، كالنكاح.
وإذا أدى وفضل في يده شيء فهو له دون سيده، وجميع ما ينمى به أمواله من العقود.
стр. 371
كتاب أمهات الأولاد
قال النبي ﷺ : "أعتقها ولدها" (١).
وحكم أم الولد حكم لإماء في جميع الأحكام في السترة في الصلاة، وجواز إجارتها، إانكاحها، وضمانها بالقيمة، والغصب، فأما في العقد على رقبتها كالمبيع، والرهن، والوصية، والهبة [فلا] (٢).
ولا تصير الأمة أم ولد إلا بأن تحمل من سيدها فيكون العلوق يجر في ملكه، أو شبهة ملكه ﴿٢٤٥/ ب﴾، كالأب إذا استولد أمة ابنه، أو أمة بنته، أو شريكه، فأما إن حملت به في ملك غيره، ثم ملكها، أو علقت بكر من مغرور فإنها لا تصير بذلك أم ولد.
وإذا أسلمت أم ولد النصراني أحيل بينه وبينها، وعليه نفقتها، وتعتق بموته.
ولو ابتاع أمة حاملاً بعقد نكاح، أو وطئ شبهة لم تصر أم ولد.
وإذا ماتت أم الولد قبل سيدها بطل استحقاقها للعتق وماتت أمة.
وإذا قتلت سيدها لم ينفسخ عتقها لكن يرجع ورثة السيد عليها بقيمة نفسها.
ولا تصير أم ولد إلا بوضع حمل يبين فيه شيء من خلق الإنسان، وهو الذي تجب الغرة على من ضرب بطن أمه فوضعته ميتاً.
стр. 372
تم الكتاب
بحمد الله ومنه وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي، وآله الطاهرين ﴿٢٤٦/ أ﴾ نسخة ما كتبه مصنف الكتاب: فرغ منه كتابة مصنفه علي بن عقيل بن محمد بن عقيل في سنة أربعة وسبعين وأربع مئة.
نسخة ما وجد مكتوب على طرف الكتاب نقله أحمد بن المنبديجي عارض به نسخته على بن أبي الفرح بن علي بن محمد الموصلي داعياً لصاحبه ببلوغ الآمال. وكتبه أحمد بن أبي محمد المصري في سنة أربع وثمانين وخمس مئة داعياً لصاحبه.
نظر فيه أحمد بن موهب بن محمد المحول. نظر فيه سعد الله بن نصر بن سعيد ابن الدجاجي ودعا لمصنفه بالمغفرة والرضوان. ونظر فيه معالي بن الحسن بن موسى النجار ودعا لمصنفه بالمغفرة والرضوان ولجميع المسلمين آمين آمين. نظر فيه ونسخه عبد الحق بن محمد بن أبي محمد بن المقرون داعياً لمصنفه ولصاحبه بالمغفرة والرضوان.
فرغ نسخه صاحبه العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى أبو العباس أحمد بن أبي نصر بن أبي العباس [. . .] (١) انتهى [. . .] (١) في ليلة الجمعة العشرين من شهر الله المبارك رجب من سنة إحدى وعشرين وست مئة.