← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17363

التذكرة في الفقه على مذهب الإمام أحمد

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (372 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كتاب الخراج ﴿١٩٤/ ب﴾ والخراج على ضربين: خراج الرؤوس، وهي الجزية. وخراج الأرض. فأما الأرضون فهي على ثلاثة أضرب: ما فتح عنوة فيها روايتان، إحداهما: يكون غنيمة يقسم بين الغانمين إلا أن يطلبوا تركها فتوقف على مصالح المسلمين أجمع. والرواية الثانية: أن الإمام مخير بين إيقافها وقسمها فتكون أرض عشر، وتصير دار الإسلام، سواء سكنها المسلمون، أو أقر عليها أهلها (١). القسم الثاني: ما تركوه، فزعاً، وهربوا عنه، فيكون وقفاً، وقيل: لا تصير وقفاً حتى يقفه الإمام لفظاً، ويصير عليها خراجها، ويكون العشر في ثمرها وزرعها المستحدث، فأما شجرها الذي كان موجوداً حال الاستيلاء فيكون تابعاً للأرض في الوقف. القسم الثالث: أن يستولي عليها صلحاً على أن تقر في أيديهم بخراج يؤدونه عنها، فهذا على ضربين، ﴿١٩٥/أ﴾ إحداهما: أن يصالحهم على أن الأرض لنا. فتصير بهذا الصلح من دار الإسلام، ولا يجوز بيعها، ولا رهنها ويكون الخراج أجرة لا يسقط عنهم بإسلامهم، ويؤخذ خراجها وإن انتقلت إلى غيرهم من المسلمين، ولا يجوز إقرارهم فيها سنة إلا بجزية، وقد روي عن أحمد رواية أخرى تدل على سقوط الخراج عن الأرض بإسلامهم كما تسقط

стр. 317

جزية رؤوسهم (١). وإذا نقضوا الصلح فهل يعود نقض الأمان في الأرض وسائر أموالهم كما تنتقض في رؤوسهم؟ على وجهين ذكر الخرقي أنه ينتقض في الأموال، وذكر أبو بكر أنه لا ينتقض. فعلى هذا تكون دار عهد. فصل وسائر البلاد ما عدا الحجاز على أربعة أقسام: قسم أقر عليه فيكون أرض عشر. وقسم أحياه المسلمون فيكون ما أحيوه معشوراً. وقسم صولحوا عليه أهله ﴿١٩٥/ ب﴾ فيكون فيئاً يوضع عليه الخراج، وهذا القسم ينقسم قسمين، أحدهما: ما صولحوا على زوال ملكهم عنه فلا يجوز بيعه، ويكون الخراج أجرة لا تسقط بإسلام أهله، ويؤخذ من المسلم والذمي. والثاني: ما صولحوا على بقاء ملكهم عليه، فيجوز لهم بيعه، ويكون الخراج أجرة تسقط بإسلامهم وتؤخذ من أهل الذمة، ولا تؤخذ من المسلمين إذا ملكوه عنهم. فصل فأما أرض السواد فأنها الأصل، ويحمل عليها غيرها، وهو سواد كسرى، وإنما سمي سواداً، لأن العرب لم تشاهد في أرضها زرعاً وتمراً، فكانت إذا بلغت إليه شاهدت سواد النخل، والثمار، والزروع، فسموها السواد، وحدها طولاً من حديثة الموصل إلى عبادان، وعرضاً من عذيب القادسية إلى حلوان

стр. 318

الأقربات. ذكرها أبو عبيد. الحيرة وناسا وأرض بني صلوبا، وقرية ﴿١٩٦/ أ﴾ أخرى لم يذكر اسمها فتحت صلحاً. فأما العراق فهو في العرض مستوعب لعرض السواد، ويقصر في طوله، لأنه يمتد إلى آخر أعمال البصرة من جزيرة عبادان، فيكون طوله مئة [و] (١) خمسة وعشرين فرسخاً يقصر عن طول السواد بخمسة وثلاثين فرسخاً، لأنه مئة وستون، وعرض العراق ثمانون فرسخاً، كالسواد، فيكون ذلك تكسيراً عشرة آلاف فرسخ، وطول الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة، ويكون بذراع الهاشمية وذراع المساحة تسعة آلف ذراع، يكون ذلك كله إذا ضرب فرسخ في فرسخ في فرسخ اثنين وعشرين ألف جريب وخمس مئة جريب، وإذا ضرب ذلك في عدد الفراسخ، وهي عشرة آلاف فرسخ بلغ مائتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف جريب تسقط منها بالتخمين مواضع التلال والآكام، والسباخ، والآجام ﴿١٩٦/ ب﴾ وفجاج الطرق، ومجاري الأنهار، وعراص المدن، وغير ذلك مما لا يزرع خمسة وسبعون ألف ألف جريب يزاح مثها النصف، ويكون النصف مزروعاً مع ما في الجميع من النخل، والكرم، والشجر. وقد قيل: إن مساحة السواد بلغت في أيام كسرى مئة ألف ألف وخمسين ألف ألف جريب، فكان مبلغ ارتفاعه مئتي ألف ألف وسبعة وثمانين ألف درهم بوزن سبعه، وكان يأخذ من كل جريب قفيزاً ودرهماً. ومساحة ما كان يزرع في أيام عمر ﵁ اثنين وثلاثين ألف ألف

стр. 319

جريب إلى ستة وثلاثين ألف ألف أكثره. وذكرت هذه الجملة لئلا تجهلها مع سهولة مأخذها. فأما خراج الأرضين فيختلف باختلاف الخراج، وقد اختلفت الرواية عن عمر ﵁ في ذلك، فروي أنه يضرب على جريب النخل عشرة دراهم، وعلى جريب الكرم ثمانية دراهم، وعلى الرطبة ستة دراهم، وعلى الطعام قفيزاً ودرهما حنطة ﴿١٩٧/ أ﴾ كان أو شعيراً. وهو مذهبنا. وقد روي على الشعير درهمان، وعلى الحنطة أربعة بلا قفيز. وصحح أحمد رواية القفيز والدرهم. وقال أحمد في القفيز: هو صالح قدره ثمانية أرطال بالمكي، وذلك ستة عشر رطلاً بالعراقي. وقد قيل: هو ربع الهاشمي مكوكين. وحديث القفيز والدرهم هو حديث شعبة عن عمر ﵁ عن الشعير درهمان، وعن الحنطة أربعة، وعن الرطبة ستة، وعن النخل ثمانية، وعن الكرم عشرة. فإذا تقدر الخراج فقد سئل أحمد ﵁ عن الزيادة والنقصان منه (١). ويجب الخراج فيما زرعه الإنسان وما لم يزرعه من الغامر الذي يناله الماء. فأما الغامر الذي لا يناله الماء فعلى روايتين، أصحهما: لا يجب. (٢) كمن استأجر أرضاً للزراعة فنضب ماؤها لا تجب الأجرة، كذلك هاهنا.

стр. 320

كتاب الجزية ﴿١٩٧/ ب﴾ قال الله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (١) يعني حتى يبذلوها وينزلوا على حكمنا فيها للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام. ولا تؤخذ الجزية إلا من له كتاب، أو شبهة كتاب، فأهل الكتاب اليهود والنصارى، وطوائفهم كالسامرية طائفة من اليهود، والصابئة طائفة من النصارى لهم حكم عبدة الأوثان. ومن له شبهة كتاب، وهم المجوس. فأما عبدة الأوثان فلا يقرون بأخذ الجزية قولاً واحداً، وهل يقرون بالاسترقاق؟ فقد منع الخرقي، وأطلق أحمد القول في جواز استرقاقهم. فأما أهل زبور داود، وصحف إبراهيم فلا يقبل منهم إلا الإسلام، ولا تؤخذ الجزية من هؤلاء الذين ذكرناهم من أهل الكتاب، وشبهة الكتاب، ﴿١٩٨/ أ﴾ إلا أن يكون الشخص حيث إذا وقع في الأسر جاز قتله. ويعتبر أيضاً أن يكون له جده إما بغنى، أو صناعة، فأما المرأة، والصبي، والشيخ الفاني، والمجنون، والزمن، والضرير، وأهل الصوامع والرهبان، والعبيد، والفقير فلا تؤخذ منهم الجزية، بل يعفون منها، لأن الدم محقون فلا يحتاج إلى معنى آخر به، والجزية موضوعة لحقن الدم، والعبد مال وهو

стр. 321

محقون كمال سيده إما بإسلام سيده أو ذمته. وأهلها ثلاث مراتب: غني، ومتوسط، وفقير معتمل، فالغني يؤخذ منه أربعة دنانير، أو ثمانية وأربعون درهماً، والمتوسط ديناران، أو أربعة وعشرون درهماً، والفقير دينار، أو اثنا عشر درهماً. واختلف في جواز الزيادة على ثلاث روايات، إحداها: جواز الزيادة والنقصان. (١) والثانية: منع الزيادة والنقصان. ﴿٢٣٠/ ب﴾ والثالثة: تجوز الزيادة دون النقصان. وتسقط بالموت والإسلام. ولا تجب الجزية إلا بآخر الحول. وإذا اجتمع عليه جزيتان لم يتداخلا، واستوفيت منه. فصل في ذكر شروط أهل الذمة اعلم أن الشروط التي إذا خالفوها نقضوا ذمتهم بمخالفتها سواء شرط ذلك أو لم يشترط فهي اثنا عشر حكماً: أن يمتنع من بذل الجزية، أو يمتنع من جري أحكامنا عليهم، أو يفعل ما على المسلمين فيه ضرر في مال أو نفس، كالاجتماع على قتال المسلمين، والزنا بالمسلمات، أو إصابتهن باسم نكاح، أو يفتن مسلماً عن دينه، أو يقطع عليه الطريق، أو يأوي للمسلمين جاسوساً، أو

стр. 322

تعاون على المسلمين بدلالة مثل مكاتبة المشركين بأخبارهم، أو يقتل مسلماً، أو يفعل ما فيه غضاضة على الإسلام، وهي أربعة: ذكر الله ﴿٢٣١/أ﴾، وكتابه، ورسوله، ودينه بما لا يليق (١). وفيه رواية أخرى: لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من بذل الجزية، ومن جرى أحكامنا عليهم. وعند أبي حنيفة لا ينتقض العهد إلا بامتناعهم على الإمام بالاجتماع والمنعة. ولا ينتقض عهدهم عند الشافعي إلا بترك ما شرط عليهم الإمام فعله، أو فعل ما شرط تركه من الأشياء التي ذكرناها، ولا ينتقض من غير شرط، وبعض أصحابه يقول: ولا ينتقض عهدهم بذلك وإن شرطه الإمام. وإنما ذكرت الخلاف، لأنه حكم يتعلق بالدم، وأرى عوام الوقت يسارعون إلى التهجم على دماء أهل الذمة بما لا يوجب ذلك، ولا يبيحه مذهب أحد من العلماء. فإذا نقض عهده بشيء مما ذكرنا أنه ينقض عهده به كان الإمام فيه مخيراً بين أربعة أشياء كالأسير الحربي سواء. فصل فيما لا ضر على المسلمين فيه من الشروط ﴿٢٣١/ ب﴾ المروية عن عمر ﵁ وهو ما كان فيه إظهار منكر في دار الإسلام، ورفع الأصوات بكتبهم، وضرب النواقيس، وإطالة البنيان على أبنية المسلمين، وإظهار الخمر،

стр. 323

والخنزير فعليهم الكف عنه سواء شرط أو لم يشرط، وهل يحصل بمخالفتة نقض العهد؟ على وجهين، اختيار الخرقي أنه ينتقض العهد بمخالفته إذا شرط عليهم، واختار شيخنا أبو يعلى ﵁: أنه لا ينتقض العهد بذلك (١)، وعلل بأنه لا ضرر على مسلم به في مال ولا نفس. وكذلك يتخرج من تشبههم بلباس المسلمين، وكناهم، وشعورهم وجهان، أحدهما: لا ينتقض العهد به سواء شرط أو لم يشترط. والثاني: ينتقض به إذا شرط عليهم. وصفة المخالفة في ملبوسهم، وهو الغيار أن يصبغوا ﴿٢٣٢/أ﴾ ثوباً من ملبوسهم مما يظهر، فعادة النصارى الأدكن، وعادة اليهود العسلي وشد الزنار فوق ثيابه لرفع الاشكال، فإن من المسلمين من يصبغ ثوباً، وفيهم من يشد وسطه، وليس فيهم من يجمع بين صبغ ثوب وشد وسط. ولا يمنع من العمامة والطيلسان. وقال شيخنا ﵁: لأنني لم أجد عن أحمد المنع. ومن لبس قلنسة جعل في رأسها علماً يعرف به مخالفاً لقلانس المسلمين والقضاة، ويختم في رقبته خاتم رصاص، أو حديد، أو جرس، أو خلخل ليقع الفرق، والمرأة تلبس الغنار، وتشد الزنار، تحت ثيابها، ويكون في الجام في رقابهم خاتم الرصاص، كذلك أمر عمر بن الخطاب ﵁ الأجناد أن يختموا في رقاب أهل الذمة الرصاص، وإن يظهروا مناطقهم، ويحزوا نواصيهم، ويركبوا ﴿٢٣٢/ب﴾ الأكف عرضاً، وجز النواصي هو

стр. 324

حلق الشعر عن مواضع التحذيف، ولا يحذفوا شوابير، لأنها عادة بني هاشم، وفي بعض الأخبار يمنعوا من الفرق. وعليهم أن يتميزوا في مركوبهم عن المسلمين ولا يركبوا الخيل، فإنها من المفاخر، وإنما يركبون البغال والحمير، وإذا ركبوها يكون عرضاً. وفي حديث عمر ﵁: ولا ينقلوا السلاح، ولا يتقلدوا السيوف، ولا يعلموا أولادهم تلاوة القرآن، ولا يكنوهم بكناهم، وأن يخفوا أصوات النواقيس في بيعهم، ولا يرفعوا أصواتهم عند كتبهم". وهل يجوز لهم رم ما يشعث من كنائسهم وبيعهم؟ على روايتين، أصحهما: لا يمنعوا من رمها. وهي اختيار أبي بكر الخلال ﵁ واختيار شيخنا المنع (١).

стр. 325

كتاب الصيود قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأصْطَادُوا﴾ (١). وقال ﴿٢٣٣/ أ﴾ ﷺ لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل، فإن وجدت معه كلباً آخر فلا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك" (٢). اعلم رعاك الله أن الصيد يفتقر إلى آدمي مخصوص بآلة مخصوصة، وأن يكون الصيد مخصوصاً. فيعتبر في الآدمي أن يكون مما يباح ذكاته، وهو المسلم، والكتابي، ولا يباح صيد مجوسي، ولا وثني، ولا مرتد. وأن تكون الآلة مخصوصة، والآلة على ضربين: حيوان، وغيره. والحيوان على ضربين: طائر كالبازي، والصقور، والشواهين، والعفاصي، وناشئ كالكلب، والفهد. ومرمي به كالسهم، والزوبين، وما أشبه ذلك. ومنصوب كالمناجل. فجميع هذه إذا قتل الصيد أبيح بشرط وجود التسمية، ولا يباح مع عدمها ﴿٢٣٣/ ب﴾ ساهياً تركها أو عمداً بخلاف الذبح، لأن هناك قد يقوى بوقوعه في الحلق واللبة فجاز أن يتخفف حكمه لسقوط اعتبار التسمية مع النسيان. وتعليم الكلب بالإمساك مع ترك الأكل، وتعليم البازي، والصقور، وسائر

стр. 326

الجوارح بالأكل. ويعتبر في الإباحة أن يجرحه بمخلبه، أو بسنه، فإن مات من صدمته، أو مات من المعراض وهو نصاب السهم والرزنين دون الحديدة. ومتى عاون في قتل الصيد من لا يباح صيده، أو آلة لا يباح الاصطياد بها، كالمجوسي، أو كلبه، أو رماه بسهم فوقع في ماء قبل أن يجرحه السهم جراحة لا يعيش معها لم يبح. فإن أخرجه عن حيز الأحياء بأن ﴿٢٣٤/ أ﴾ أوجاه، ثم تردى في بئر، أو من جبل أبيح، لأنه صار في حكم المذبوح. ويعتبر قصد الرامي، والمرسل، فإن رماه يظنه إنساناً فبان صيداً لم يبح أكله، ولو قصد الصيد في الجملة فعين ظبياً فأصاب غيره أبيح، لأنه قصد الصيد. وإذا اصطاد الكلب فلم يأكل فقد حكم بتعليمه، ويباح صيده، وإذا عاد فأكل لم يخرج الأول عن أن يكون مباحاً حتى لو كان لحماً باقياً أبيح أكله، لجواز أن يكون نسى فأكل، أو حنق على الصيد لشدة معاركته، فأكل من لحمه. وإذا أرسل كلبه المعلم فاعترض الصيد كلب مجوسي، أو غير معلم فرد الصيد على كلب المسلم أبيح الصيد، كما لو أمسك الشاة مجوسي وذبحها مسلم. وإذا أرسل كلبه على صيد فغاب عنه، ثم وجده مجروحاً وكلبه معه، أو ﴿٢٣٤ / ب﴾ وسهمه فيه أبيح أكله، وفيه رواية أخرى: إن مات لم يبح. وفيه رواية ثالثة: لا يباح إلا بشرط أن تكون الإصابة موجبة.

стр. 327

وإذا أدرك الصيد حياً فقبل أن يذبحه مات مع عدم إمكان ذبحه إما لضيق الوقت، أو لعدم الآلة أبيح. فإن أدركه وجراحه موجبة إلا أنه يبقى اليوم ونحوه وجبت ذكاته. وإذا استرسل الكلب بنفسه، فزجره صاحبه، فإن زاد بزجره حرصاً أبيح ما قتله. وإذا ضرب الصيد بسهم فأبان منه عضوراً، فمات من ذلك أبيح ما بان منه مع الجملة سواء كان قليلاً أو كثيراً من جانب الرأس أو الذنب كثيراً كان أو قليلاً. وإذا توحش الأهلي من الإبل، والبقر، والجواميس صار ذكاته عقره أي موضع أصابه، كما إذا تأهل الوحش صارت ذكاته ﴿٢٣٥/ أ﴾ [في] (١) الحلق واللبة، لأن العلة عدم القدرة عليه، فكذلك لو تردى في بئر فتعذر إخراجه، ولم يقدر على محل الذكاة منه، ولم يكن الماء معيناً على قتله (٢) جاز عقره. وإذا اصطاد صيداً فشرد منه لم يزل ملكه عنه سواء كان طائراً أو ماشياً. ولا يباح صيد الكلب الأسود الذي لا لون يغادر سواده. ولا يصير الكلب معلماً إلا إذا صار يمسك الصيد ولا يأكل منه، ويتكرر ذلك منه الدفعتين، والثلاثة. وإذا رمى ثلاثة إلى صيد، فالأول أثبته، والثاني جرحه، والثالث قتله لم يبح، لأنه بالإثبات صار مقدوراً عليه، فجراحة الثاني صادفته وليس بصيد، وعلى قاتله ضمان قيمته لمثبته مجروحاً.

стр. 328

كتاب الذبائح قال النبي ﷺ : "الذكاة في الحلق واللبة" (١). اعلم أن الذكاة تفتقر ﴿٢٣٥/ ب﴾ إلى شخص مخصوص، وآلة مخصوصة في محل مخصوص، فالشخص من شرطه أن يكون من أهل الكتاب، وهو المسلم أو اليهودي، ، أو النصراني، وأما المجوسي، والمرتد، والوثني، فلا تباح ذكاته. وآلته سواء كانت حديداً، أو غيره إلا السن والظفر، وسائر العظام منزوعها ومتصلها إلا ما ذكره الخرقي من سن الكلب إذا لم يجد آلة الذكاة أشبه صائده عليه. وليس عندي صحيحاً، لأن تلك حال قدره لا يجوز فيها التذكية بالسن، كما لم يجز فيها القتل بالعقر إذا كان معه آلة يقدر على الذبح بها، ولو كان فقد الآلة وعدمها مبيحاً للعقر بالسن لما وقف على سن الكلب، ولجاز بسن الآدمي نفسه، كما أن تعذر القدرة على الذبح في المحل أباح العقر في كل محل، ولأن عدم الآلة لو كان ﴿٢٣٦/ أ﴾ مبيحاً لقتل الكلب مع القدرة على الصيد لجاز أن تكون آلة للذكاة في الشاة، لأنه مع القدرة لا فرق بين الشاة والطير. والمستحب أن يكون النحر للإبل، والذبح للشاة والبقر، لأن موضع اللبة مكشوف المقاتل صلب تثقل منه الحربة، وموضع الحلق متوفر اللحم كثيف الجلد فلذلك عدلنا عنه في حق الإبل.

стр. 329

والمعتبر قطعه للحلقوم، والمري، والودجين في إحدى الروايتين (١)، والأخرى الحلقوم، والمري خاصة. وتجب التسمية على الذبيحة، ويأتي بها قبل مر المدية، فإن نسيها أبيحت، وإن تركها عمداً كانت ميتة، ويحتاج إلى قصد، فإن ذبحها المجنون، والطفل الذي لا قصد له لم تبح. وتصح ذبيحة المرأة، والمراهق، والأقلف، وولد الزنا من غير كراهة. ويستحب أن يحد الشفرة ﴿٢٣٦/ ب﴾ ويحسن الذبحة لئلا يعذب الحيوان. إذا كان المذكي متولداً من بين أبوين لا تباح ذكاة أحدهما لم تبح ذكاته، وكذلك الحيوان المتولد من بين حيوانين لا يباح أكل أحدهما. وإذا أتت الذكاة على المقاتل المعتبرة فقطعها، ثم وقع في ماء، أو نار كان مباحاً، لأنه لا حكم للحياة بعد قطع ذلك، كما لو جرح آدمياً، فأتى على مقاتله، ثم طرحه آخر في نار، أو ماء فمات كان الأول هو القاتل دون الثاني، كذلك الذابح هو القاطع المقاتل. وإذا ذبحت الشاة، أو الناقة وفي بطنها جنين صار مذكى بذكاتها إذا خرج ميتاً، فإن خرج حياً حياة مستقرة كان له حكم نفسه، فيعتبر في إباحته ذكاة أمه أن يموت في بطنها، أو يخرج ولا حياة فيه مستقرة. ويباح أكل السمك ﴿٢٣٧/ أ﴾ الطافئ وهو ما يموت في البحر بغير سبب ويطفو لأن أكثر ما فيه كونه ميتة، وقد أباحه النبي ﷺ مع تسميته ميتة، وكذلك الجراد يباح بموته سواء كان بسبب أو بغير سبب،

стр. 330

واختلف أصحابنا إذا صاد السمك والجراد مجوسي على وجهين، أصحهما: الإباحة، لأن موته ذكاته، وأكثر ما في صيد المجوسي أنه ميتة. ولا يباح أكل ما عدا السمك من حيوان البحر إلا بذكاة، فكل ما في البحر مباح سوى التمساح، والكواسج، والضفادع، فأما كلب الماء، وخنزير الماء فمباحان بشرط الذكاة في أصح الروايتين، والأخرى: لا يعتبر فيه ذكاة، كالسمك. ولا تباح ذكاة من دخل في دين أهل الكتاب بعد التبديل، كنصارى ﴿٢٣٧/ ب﴾ بني تغلب، ونصارى تنوخ، وبهرا. ولا يباح أكل الموقوذ، وهو ما يقتل بالأثقال، ولا المتردي، وهو الذي يموت من السقطة من جبل، أو شاهق، ولا ما مات منطوحاً، وما يختنق بالماء، أو الأحبولة، أو شرق بعلفه، ولا آكلة السبع، فإن أدركت هذه وفيها حياة مستقرة أبيحت بالذبح، كان لم يكن فيها حياة مستقرة فهي ميتة سواء ذبحت أو لم تذبح.

стр. 331

كتاب الأطعمة قال الله سبحانه: ﴿وَيُحِلّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١). اعلم أن سباع البهائم، وجوارح الطير محرمة، كالنمر، والفهد، والأسد، والنسر، والعقاب، والشاهين، والباشق، والصقر، والباز، وما شاكل ذلك مما يفرس، أو يجرح، أو يصول على الناس وأموالهم. ويباح الضب ﴿٢٣٨/ أ﴾، والضبع، وفي الثعلب روايتان (٢)، ولا يباح القنفد، ولا ابن عرس، ولا الخطاف، ولا الحشاف، وحشرات الأرض كالفارة، والحية، والصراصر، والجعلان، والوردان. فأما ذو الحافر فلا يباح منه سوى الخيل، وحمار الوحش، فأما بهيمة الأنعام فمباحة إذا أكلت الطاهرات، فإن جلت (٣) حرمت، فإذا حبست حلت وطهرت، وحبس الإبل. والبقر أربعين يوماً، والغنم سبعة أيام، والطائر ثلاثة أيام، قال أصحابنا: وعلى قياس ذلك الزرع الذي يسقى ويطعم السراجين النجسة. ويكره أن يطعم الحيوان طعاماً نجساً إذا كان الحيوان مأكولاً، فأما الكلاب فهل يجوز إطعامها ذلك؟ على روايتين (٤). وإذا وجد ﴿٢٣٨/ ب﴾ في بطن السمكة الكبيرة سمكة صغيرة فهل يباح

стр. 332

أكله؟ على روايتين، إحداهما: يباح، لأنه أكثر ما فيه أنها سمكة ميتة، وميتة السمك مباحة (١). والثانية: محرمة، لأنها رجيع، والرجيع محرم، وإن كان طاهراً لكونه مستخبثاً عند العرب، قال سبحانه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. فصل في الأطعمة ولا يجوز للمضطر أن يأكل من الميتة إلا بقدر ما يمسك رمقه. (٢) وهو اختيار الخرقي، وفيه رواية أخرى: يباح له الشبع منها. وهي اختيار أبي بكر. وإذا وجد الميتة وطعاماً مباحاً لآدمي ليس صاحبه حاضراً أكل الميتة وترك طعام الآدمي، لأن حق الله أسهل، والميتة منصوص عليها، ومال الآدمي ﴿٢٣٩/ أ﴾ مجتهد فيه، ولأن الأكل من مال الغير يوجب شغل الذمة، وأكل الميتة لا يوجب شغل الذمة. وإذا لم يجد المضطر إلا آدمياً لم يبح له أكله لقول النبي ﷺ : "كسر عظم الميت ككسره حياً" (٣). وهذا يقتضي إثبات الحرمة. والشحوم المحرمة على اليهود إذا ذبحوا الشاة حرم على المسلم ما اعتقدوا تحريمه، فلما كان يحرم على الذابح حرم على غيره، كالمحرم، وهذا يحرم على ذابحه، فيحرم على المذبوح له.

стр. 333

وإذا اجتاز على بستان غيره، وفيه فاكهة معلقة جاز له أن يأكل منها وإن لم يكن به ضرورة إذا كان غير محوط (١). وفيه رواية أخرى: ولا يباح له الأكل إلا بإذن المالك، فأما المحوط فلا يجوز الأكل ﴿٢٣٩/ ب﴾ منه إلا بإذن مالكه. وإذا مر بماشية غيره فهل يباح له الشرب من ألبانها؟ على وجهين- (٢). والضيافة حق على المسلم للمسلم إذا كان مجتازاً، ولا تجب للحاضر على الحاضر.

стр. 334

كتاب الضحايا قال النبي ﷺ : "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن ينسك فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته شيئا" (١). اعلم أن الأضحية سنة وليست واجبة لا على المقيم ولا المسافر. والحيوان المضحى به الإبل، والبقر، والغنم، ولا يجزئ من الضأن إلا الجذع والثني من غيره، وثني الإبل ما كان له خمس سنين ودخل في السادسة، والثني من البقر ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة، والثني من الغنم ما استكمل سنة ودخل في الثانية، والجذع من الضأن ﴿٢٤٠/ أ﴾ ما كان له ستة أشهر. والعيوب المانعة من الإجزاء ما رواه البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: "أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، وروي ضلعها، والكبيرة التي لا تنقى. وقيل: العجفاء (٢) ". ونهى النبي ﷺ أن يضحى بعضباء القرن، والأذن (٣).

стр. 335

ويجوز بالخصي، لأن النبي ﷺ ضحى به، ولأنه موقر لحمه، والعضو غير مستطاب. وأيام الضحية ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان بعده. ويجوز (١) أن يكون الذابح كتابياً، وليس من شرطها أن يكون ذابحها مسلماً. وتجزئ البدنة عن سبعة، وكذلك البقرة. ولا يجوز ذبح ﴿٢٤٠/ ب﴾ الأضحية قبل صلاة الإمام، وسواء في ذلك أهل القرى والأمصار. وإذا اشترى حيواناً ينوي به الأضحية لم يجب حتى يوجبه. ويجوز أن يشرب لبن الأضحية، والهدايا إذا فضل عن ري ولدها. وإذا ولدت الأضحية ذبح ولدها معها. وإذا أوجب أضحية بعينها فانقضت أيام النحر لم يسقط عنه الذبح. وإذا ذبح أضحية غيره بغير إذنه أجزأت عن صاحبها، ولا يجب عليه ضمان ما نقص بالذبح. وإذا أوجب أضحية بعينها، ثم أتلفها ضمنها بأعلى القيمتين من يوم الإتلاف إلى يوم أوجبها.

стр. 336

كتاب العقيقة قال النبي ﷺ : "العقيقة حق عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة" (١). وليست واجبة، والمستحب أن يذبح عن الغلام شاتين، وعن الجارية ﴿٢٤١/ أ﴾ شاة، ويستحب أن لا يكسر عظماً، بل تطبخ اجدالا.

стр. 337

كتاب السبق والرمي قال النبي ﷺ : "لا سبق إلا في خف (١)، أو نصل (٢)، أو حافر (٣) ". (٤) اعلم أن المسابقة عقد جائز وليس بلازم، والذي يجوز المسابقة به ثلاثة أشياء: النصل، وهو السهام النشاب، والنبل، ولا يجوز ما عداهما من الزوبينات، والمزاريق، والرماح. والخف؛ وهو الإبل. والحافر؛ الخيل. وما عدا ذلك من الحيوان لا مسابقة فيه، مثل البغل، والحمير، والبقر. ولا تصح المسابقة إلا بين فرسين مكافئين، ، وراميين متكافئين. فأما إن كان أحدهما هجيناً، والآخر عربياً، أو أحد البعيرين نجيباً والآخر عربياً، أو أحد السهمين حلحا، والآخر قصباً فلا تصح المسابقة. وأن يكون ﴿٢٥١/ ب﴾ ابتداء الغاية وانتهاؤها معلوماً، فإن استبقا على عوض من أحدهما جازا ولم يحتاجا إلى محلل، فإن أخرجا جميعاً لم يجز حتى يدخلا بينهما محللاً يخرج عوضاً ويكون فرسه مساوياً لفرسهما، ورميه

стр. 338

رميها فلا شيء على المحلل، فإن سبقهما أحرز سبقهما، وإن كان السابق أحدهما أحرز سبقه وسبق صاحبه ولم يأخذ من المحلل شيئاً، وإن سبقا جميعاً للمحلل فلا شيء عليه. وإذا أرسل الفرسان لم يجز الجنب، ولا الجلب، وهو أن يجنب فرساً، أو يزعق فيكون ذلك تحريضاً للفرس على العدو لقول النبي ﷺ : "لا جلب ولا جنب" (١). واللعب بالشطرنج حرام. ويحرم بيع السلاح في الفتنة.

стр. 339

كتاب الأيمان قال الله سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ ﴿٢٤٢/ أ﴾ فِي أَيْمَانِكُم وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ (١) الآية. وقال النبي ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتي الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٢). واعلم أن اليمين المكفرة ما تضمنت قسماً بالله سبحانه، أو بصفة من صفات ذاته، وليس بمحلوف يجب بالحلف به الكفارة إلا النبي (٣) ﷺ . والأيمان على ضربين: يمين ماض، ويمين على مستقبل. فاليمين على الماضي لا كفارة فيها على الصحيح من المذهب، لأنها على ضربين: يمين غموس، وهو أن يحلف على الشيء أنه كان ولم يكن، أو لم يكن وقد كان. والضرب الثاني: أن يحلف على شيء وهو كما حلف فلا كفارة فيها جميعاً ﴿٨٨/ ب﴾ لأن الأولى غموس، والثانية يمين صادقة. وأما يمين اللغو وفي كيفيتها روايتان، إحداهما: هو أن يحلف على الشيء يظنه كما حلف، مثل أن يقول: فو الله إن هذا هو الهلال. فيكون غيماً أو نجماً.

стр. 340

والثانية: أنها اليمين السابقة على لسان الحالف: لا والله. بلى والله. وإذا قال: هو يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من الله، أو من رسوله. فهو يمين. وكذلك إذا قال: أقسم، وأحلف، وأشهد لا فعلت كذا. فجميع ذلك يمين. وكذلك إذا قال: وحق الله، أو وعهد الله، وميثاقه. وكذلك إذا قال: وعلم الله، أو وقدرة الله، أو وجلال الله، وعظم الله، وأمانة الله، ولعمر الله. فجميعه يمين. وإذا حلف بالمصحف كان يميناً، وقال أصحابنا فإن قال: محوت المصحف لم يكن يميناً، وروي عن أحمد مثله، وعندي أنه يمين، لأن الحالف لم يقصد بقوله ﴿٨٩/ أ﴾: "محوته". إلا لإسقاط الحرمة، والإهانة فصار يميناً به. قوله: هو يهودي. لأن من أسقط حرمته كان كافراً. وإذا قال: الله لا فعلت كذا. بغير واو فهو يمين. ولا تنعقد يمين المكره. وإذا فعل المحلوف عليه ناسياً لم يحنث. وإذا قال: والله لا فعلت كذا إن شاء الله. لم يحنث بالفعل إذا كان الاستثناء متصلاً بالكلام. وإذا حرم طعامه، أو ثوبه، أو دابته فكفارته كفارة يمين، ولا تحرم عليه. وإذا حرم الزوجة كان ظهاراً.

стр. 341

وإذا حلف وكان مخرج يمينه على سبب فاعتبر السبب، مثل أن حلف لا شربت لفلان الماء، ولا قلت له أف. فإنه متى لبس ثوبه، أو أكل طعامه، أو ضربه حنث، لأنه قصد دفع الأذية، وقطع المنة، وكذلك لو حلف لا أكله، فكاتبه، أو أرسل إليه رسولاً. ولو حلف: لا آكل طعاماً اشتراه ﴿٨٩/ ب﴾ زيد، فأكل من طعام اشتراه هو وغيره، وكذلك في الثوب إذا نسجه هو وغيره، وكان حلف، لا ينسج له ثوباً. وإذا حلف لا يأكل رغيفاً فأكل بعضه، أو لا دخل داراً فأدخل بعضه، لأن اليمين على الترك قد أجريت مجرى النهي، ولو نهى عن دخول بقعة حرم عليه إدخال بعضه، ولو نهى عن فعل حرم عليه فعل بعضه كذلك. وإذا حلف لا لبس حلياً، فلبس اللؤلؤ حنث، وكذلك الخاتم. ولو حلف لا يأكل لحماً وأطلق حنث بأكل السمك. ولو حلف لا يدخل بيتاً حنث بدخول المسجد والحمام. ولو حلف ليقضينه دينه في غد، فقضاه قبله لم يحنث، لأنه قصد التعجيل. ولو حلف ليتزوجن على امرأته لم يبر إلا بتزويج من شاكلها ويجتمع معها، لأنه قصد غيظها. وإذا حلف لا يشرب من الفرات، فغرف ﴿٩٠/ أ﴾ وشرب، أو لا يأكل من هذه النخلة فلقط وأكل، أو لا شرب من هذه الشاة فاحتلب وشرب حنث في جميعه، لأن الحلف ينصرف إلى الشرب المعتاد، والأكل المعتاد، بدلالة ما لو حلف لا أكل من هذه المائدة حنث بأكل طعامها إن لم يأكل من ذاتها.

стр. 342

وإذا حلف لا يسكن هذه الدار لم يبر حتى ينتقل بنفسه وأهله، وإن تغيرت أبنيتها من دار إلى مسجد إلى حمام إلى غير ذلك، فدخلها حنث، لأن التعين يغلب على الأسماء، بدلالة ما لو حلف لا كلم هذا الصبي فصار شيخاً، ولا أكل من لم هذا الجدي، فصار تيساً، ولا أكل من هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً حنث في جميع ذلك، كذلك هاهنا. ولو حلف لا يأكل هذا الدقيق فاستف، وكذلك لو تحساه حنث. ولو حلف ﴿٩٠/ ب﴾ لا دخل دار فلان، فدخل داراً لا يملكها لكنه يسكنها حنث، وكذلك إذا دخل داراً لعبد فلان حنث. وإذا حلف لا دخل بيتاً، فدخل بيت شعر، أو جلود، أو لبود حنث. ولو حلف لا يفعل شيئاً، ففعل بأمره حنث. وإذا حلف ليفعلن شيئاً ففات فعله حنث مثل إن حلف ليشربن ماء هذا الكوز، فاهريق ماؤه حنث، وليقتلن هذا، فمات قبل أن يقتله حنث. ولو حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز فبان فارغاً لم تنعقد يمينه. ولو حلف ليقتلن زيداً وهو ميت، فإن كان يعلم بموته حنث، وإذا كان لا يعلم بموته لم يحنث، لأنه إذا علم بموته فقد حلف على إفاتة روح يحدثها الله في الثاني، وذلك متوهم فانعقدت وحنث لتحققنا إن الله لا يخرق العادات في غير زمان النبوات، وإذا كان لا يعلم بموته فقد قصد إفاتة ﴿٩١/ أ﴾ روح معهود، وإفاتة ما قد فات مستحيل غير متوهم. وإذا حلف لا كلمه حيناً، أو دهراً حمل على ستة أشهر. ولو حلف لا كلمه العمر والدهر والحين بالألف واللام حمل على جميع

стр. 343

العمر، لأن ذلك يقتضي الجنس. وإذا حلف لا يأكل الرؤوس حنث بأكل كل ما يقع عليه اسم رأس حقيقة، ولا يقف الحنث على رؤوس الأنعام. ولو حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكله الرطب. ولو حلف لا يأكل أدماً حنث بكل ما يؤتدم به من لحم وغيره، ولا يقف ذلك على ما يصطنع به من المرق والمائعات. ولو حلف لا يأكل لحماً، فأكل الشحم لم يحنث إلا أن يكون قصد الامتناع من الدسم، ولا يحنث بأكل الكبد، والطحال. ولو حلف لا يأكل شحماً حنث بأكل ﴿٩١/ ب﴾ جميع الشحوم: شحم البطن، أو ظهر، أو معي. ولو حلف ليضربه مئة سوط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر. ولو حلف أن لا يهب له فتصدق عليه حنث، ولا يحنث بإعارته. ولو حلف لا مال له، وله ديون حنث. وإذا حلف لا يضربه، فعضه، أو مزق شعره، أو نتفه حنث. ولو حلف لا يقسم ورداً، فقسم ماءه، أو دهنه حنث. وإذا حلف لا يستخدم هذا العبد، فخدمه ولم ينهه حنث. وإذا حلف لا ركبت، ولا لبست، فاستدام ذلك حنث. ولو حلف لا تطيبت، ولا تزوجت، ولا تطهرت، فاستدام لم يحنث، لأن مجيء الشريعة غير النكاح والطيب تناول ابتداءه دون استدامته، بدليل

стр. 344

الإحرام، والعدة، واستدامة الطهارة حكماً لا فعلاً خلاف سائر الأعمال. وإذا حلف لا يتكلم، فقرأ لم يحنث. ﴿٩٢/ أ﴾ ولو حلف لا يصلي، فأحرم بالصلاة حنث. وإذا حلف لعامل أني لا أكتم شيئاً بل أرفعه إليك، ثم عزل لم تحل اليمين تغليباً للتعيين وإن زالت الحال. وإذا حلف ليقضينه دراهم، فعوضه عنها عبداً وقبله الغريم بر في يمينه، لأن القضاء قد حصل. وإذا حلف لا كلم زيداً، فسلم على جماعة هو فيهم وعلم كونه حنث إلا أن يشير مخصصاً لغيره. وإذا حلف لا يبيع، فباع بيعاً فاسداً لم يحنث. ولو حلف لا يهب لفلان شيئاً، فوهبه له فلم يقبل حنث. وإذا حلف لا يأكل رطباً، فأكل مدبساً حنث.

стр. 345

كتاب الكفارات قال الله سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لّم يَجِدْ ﴿٢٩/ ب﴾ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتمْ﴾ (١) تقديره فحنثتم. اعلم أن الكفارة نوع تطهر قال النبي ﷺ : "الحدود كفارات لأهلها" (٢). وهي مغطية لنوع من المأثم الحاصل بالحنث، وغيره. وكفارة اليمين لها سببان حلف وحنث، فيجوز تقديمها على الحنث لوجود الحلف، كما تقدم الزكاة لوجود أحد أسبابها وهو النصاب على سببها الآخر وهو الحول. والكفارات على ثلاثة أضرب: على الترتيب من غير تخير؛ وهي كفارة الظهار، والقتل، والجماع، فيجب عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين. فأما الإطعام فهو داخل في كفارة الظهار، والصوم ستين مسكيناً لكل مسكين مد من حنطة، وليس له مدخل في كفارة القتل. وما هي على التخيير من غير ترتيب، وهي فدية الأذى قال سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفديَةٌ ﴿٩٣/ أ﴾ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣) الآية، وقد ذكرنا في الحج، وكذلك كفارات الحج كلها على التخيير

стр. 346

إلا جزاء الصيد، فإنه على روايتين. وكفارة تجمع بين ترتيب وتخيير؛ وهي كفارة اليمين بالتخيير بين العتق، والإطعام، وهو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم بسترة الصلاة، وقدر الطعام مد من حنطة، أو نصف صالح تمر، أو شعير، أو رطلين من خبز الحنطة، فإن لم يجد أحد هذه الثلاثة انتقل للصيام ثلاثة أيام. ويجوز أن يخرج في الكفارة من جنسين مقاربي المقصود، مثل إطعام خمسة، وكسوة خمسة. ولا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويكسو، ولا يجمع بين العتق والإطعام، ولا بين شيء من ذلك والصيام، لأن مقصودهما متفاوت. قال شيخنا أبو يعلى ﵁: "ويجوز أن يخرج ما يخرج في زكاة الفطر من الأجناس". وإذا اجتمعت عليه كفارات من أجناس لم تتداخل ﴿٩٣/ ب﴾، كالحدود، ولو كانت من جنس واحد كاليمين بالله تداخلت، وإن كانت على أشياء مختلفة. ولا يجوز أن يعطي منها رحماً لا يجوز له دفع الزكاة إليه، وهو من يرثه بفرض أو تعصيب. وإذا لم يجد عدد المساكين ردد على من يجده إلى أن يكمل العدد، فإن كانوا اثنين ردد عليهم هذه الكفارة خمسة أيام، ولا يجوز أن يعطيه في يوم واحد مدين. والكسوة ما تجزئ فيها الصلاة، للمرأة ثوبان، وللرجل ثوب.

стр. 347

ويجزئ عتق الطفل وإطعامه أيضاً، واختار الخرقي أنه لا يجزئ إلا عتق رقبة قد صامت وصلت، وعلل بأن الأيمان قول وعمل، وهذا لا يكون من الطفل، لأن الصغير مؤمن بالايمان مثله وإن لم يعمل لتعذر العمل قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ (١) الآية، ثم قال: وما ألتناهم من عملهم من شيء يعني ما نقصناهم فهم مؤمنون تبعاً. ولا يجزئه عتق رقبة ناقصة ﴿٩٤/ أ﴾ الخلق، كالعمياء، والمقعدة، ولا ناقصة الملك، كالمكاتبة التي أدت من كتابتها شيئاً، وأم الولد. والعيوب التي لا تمنع من الأعمال والاكتساب لا تمنع الإجزاء، كالقرع، والبخرة، والخصا. فأما من لا يقدر على الحرفة والكسب فتركه في الرق خير من عتقه. وإذا كان له مال وعليه دين فهل يبيح الدين الانتقال إلى الصوم؟ على روايتين، أصحهما: يبيح الانتقال (٢)، لأننا جعلناه كالفقير في باب الزكاة مع تعلقها بعين المال على أصلنا فأولى أن نجعله هاهنا فقيراً مع كون الكفارة والدين تحملهما الذمة. وإذا كفر العبد بالمال بإذن سيده صح تكفيره، وإذا أراد التكفير بالصوم لم يملك سيده منعه سواء كان أذن له في الحنث أو لم يأذن. ومن حنث ونصفه حر وهو موسر كانت كفارته بالمال ﴿٩٤/ ب﴾. ولو لزمته الكفارة وماله غائب لم يجزئه الصوم، وانتظر قدوم المال.

стр. 348

ولو شرع في الصيام لعدم المال، ثم وجد المال في أثنائها لم يلزمه الانتقال إليه بخلاف المتيمم إذا وجد الماء بعد الشروع في الصلاة، لأن الصوم لا يبطل منه ما مضى بوجود المال، والصلاة يبطل ماضيها بزوال الإعذار في باقيها بانقضاء مدة المسح، وظهور القدمين، وانقطاع دم المستحاضة، ويبطل رؤية الماء خارج الصلاة. وهل يعتبر في الكفارات بحالة الحنث أو أغلظ الأمرين؟ على روايتين، أصحهما بحال الوجوب (١)، لأنه نوع تكفير يحصل به التطهير فكان الاعتبار فيه بحال الوجوب، كالحدود.

стр. 349

كتاب النذور قال الله سبحانه: ﴿يوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ (١). والنذر على أربعة أضرب: نذر لجاج وغضب، ونذر قرب، ونذر مباح ﴿٩٥/ أ﴾ ونذر معصية. فنذر اللجاج والغضب حكمه حكم اليمين، وهو أن يمنع نفسه به من فعل شيء، أو يحملها على فعل شيء، فقال: مالي صدقة إن كلمت زيداً. فإذا وجد شرطه فهو بالخيار بين الوفاء به وبين كفارة يمين. فإن علق عتق عبده بكلامه، فكلمه عتق العبد من حيث إنه عتق معلق، لا من جهة أنه يمين. وكذلك إن علقته بفعل عبادة كحج، أو صوم، أو زكاة. فأما إن كان نذر بتزين فهو على ضربين: ما يفعله على معنى مثل أن يقول: إن رزقني الله كذا، أو قدم غائبي، أو برئ مريضي، فإن كان النذر بعبادة مثل الحج، أو الصوم لزمه الوفاء به، وإن كان بصدقة ماله لزمه ثلثه. فإن كان هذا نذراً لبر مطلقاً، مثل أن يقول: لله عليه الحج، ولا يعلقه على شيء فحكمه ﴿٩٥/ ب﴾ حكم المعلق سواء كان بفعل عبادة لزمه الوفاء بها، وإن كان بصدقة جميع ماله إخراج ثلثه. وأما نذر المباح، فمثل أن يقول: لله علي أن ألبس ثيابي، أو أركب دابتي. فهو مخير بين الوفاء وبين كفارة يمين، كما قلنا هناك.

стр. 350

فأما نذر المعصية فمثل أن يقول: له عليّ أن أشرب الخمر، أن أقتل النفس. فلا يجوز له فعل ذلك، وعليه كفارة يمين. وإذا نذر المضي إلى بقعة لم يلزمه وعليه كفارة يمين كسائر المباحات إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، لقول النبي ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد وذكرها". (١) وإذا دخل المسجد الحرام فلابد من دخوله بإحرام، إما بحج، أو بعمرة، وصلاة ركعتين، لأن مقتضى النذر القربة، ولا يحصل ذلك بنفس الدخول من غير إحرام، ولا صلاة. وإذا نذر صلاة فأقل ذلك ركعتين. وإذا ﴿٩٦/ أ﴾ نذر صوم فأقله يوم. وإذا نذر صوم يوم يقدم فلان، فقدم في أول يوم من رمضان لم يجب صوم يوم آخر. وإذا نذر يوماً بعينه يصومه، فتعذر بمرض صام يوماً مكانه، وهل يلزمه كفارة يمين؟ على روايتين (٢). وإذا نذر هدياً لزمه شاة. ولا يلزم النذر إلا بما تعبد الله بمثله في الشرع، ولا يكون عبادة ما لم يعبد الله بمثله.

стр. 351

كتاب أدب القضاة قال الله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١). اعلم أن القضاء رتبة شريفة، ولا ينعقد للشخص إلا بأن تجتمع فيه شرائط ثمانية: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والذكورية، والكمال، والعلم بحيث يكون من أهل الاجتهاد، وحد الاجتهاد أن يكون عالماً بمسائل الخلاف، قادراً على إبطال شبهة المخالفين، وإقامة الدلالة على مذهبه، ويعرف أدلة الشرع ﴿٩٦/ ب﴾ ناسخه ومنسوخه، ومتشابهه، ومجمله، ومفسره، ومطلقه، ومقيده، والسنة متواترها، وآحادها، ومرسلها، ومسندها، والإجماع، والقياس، والاستدلال، واستصحاب الحال، فمن أخل بشرط منه لم ينعقد القضاء. ويستحب أن يكون ورعاً، وينقص عن شروط الإمامة بالنسب، والشجاعة لسقوط الحرب عنه، وحاجة الإمام إليه، ولأن الإمامة أعلى المراتب الدينية فاعتبر فيها النسب لحصول التمييز عن الرعية. ويحتاج أن يعرف لسان العرب ليعلم به معاني الكتاب والسنّة. وأما الكمال فعلى ضربين: كمال الذكورية، وقد مضى. وكمال الصورة، بأن يكون بصيراً ناطقاً، سامعاً، وفي الجملة لا يصح قضاء من لا تصح شهادته، وقد يجوز شهادة من ﴿٩٧/ أ﴾ لا يصح قضاؤه، كالعبد، والمرأة، والجاهل، والأعمى فيما طريقه الصوت، وسنذكر ذلك في بابه إن شاء الله.

стр. 352

ولا يجوز أن ينقض من حكم القاضي إلا ما خالف نصاً، أو إجماعاً. وإذا شهد عنده اثنان لا يعرف عدالتهما، فزكاهما اثنان يعرف عدالتهما فقد ثبت الحق بشهادة الأولين. ويجزئ في التزكية أن يقول: هو عدل رضا، وإن لم يقل لي وعليّ، لأنه إذا كان عدلاً علمنا أنه له وعليه. فإن عدل اثنان وجرح اثنان قدمت بينة الجرح، لأن الأصل العدالة، والفسق طارئ فقد شهدت بينة الفسق بأمر خفي على من شهد بالعدالة، كما لو شهد اثنان بالرق، واثنان بالحرية قدمت الحرية، لأنها ظاهرة طارئة. ولا يقبل معرفة العدالة الظاهرة حتى يعلم الباطن في أصح الروايتين (١). ولا يقبل الجرح المطلق حتى يذكر سببه ﴿٩٧/ ب﴾، لأنه قد يعتقد جرحاً ما لا يوجب جرحاً عند الحاكم. ولا يقبل في الجرح، والتعديل، والرسالة، والترجمة أقل من اثنين في أصح الوجهين (٢). ويجب على الحاكم أن يسوي بين الخصمين في لحظه ولفظه، ومجلسه حتى لا يطمع شريف في حيفه، ولا ييئس فقير من عدله. ولا يجوز أن يقبل هدية من لم تجر عادته بمهاداته قبل الحكم. ويكره أن يكون له وكيل معروف بقضاء حوائجه لئلا يحابي. وإذا ثبت عنده حق بشهادة عدلين وحكم بها على رجل في عمل غيره،

стр. 353

وكتب بإنفاذ القضاء عليه إلى قاضي بلد المحكوم عليه قبل كتابه وأخذ المحكوم عليه بذلك الحق، وبشرط أن يكون ذلك الحق مما يقبل فيه الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال ﴿٩٨/ أ﴾، واليمين مع الشاهد، وهو ما كان مالاً، أو المقصود منه المال، فالمال كالقرض، والغصب، وما يقصد به المال كالبيع، والصلح، والصرف، والسلم، والإجارات، والجنايات الموجبة للمال، والرهن. فأما ما ليس بمال، ولا يقصد منه المال، ويطلع عليه الرجال، كالقصاص، والحدود، والنكاح، والطلاق، والخلع، والرجعة، والتوكيل، والوصية إليه، فأما الوصية له فمن قبيل الأموال، والعتق، والنسب، والكتابة فلا تثبت إلا بالشهادة العادلة. فأما كتاب القاضي إلى القاضي، أو الشهادة على الشهادة، أو شهادة النساء مع الرجال فلا. ولا يقبل كتاب القاضي إلا بشاهدين يقولان: هذا كتاب فلان قرأه علينا، أو قرئ ﴿٩٨/ ب﴾ عليه بحضرتنا، فقال: اشهدوا على أنه كتابي إلى فلان. وإذا عزل الحاكم، فقال: كنت حكمت. قبل منه، وأمضي ذلك الحق. ويصح الحكم على الغائب، لأن النبي ﷺ حكم لهند على أبي سفيان وهو غائب. ولا يجوز حكم الحاكم لمن لا تقبل شهادته له، كأبويه وإن عليا، وولده وإن سفل، والزوجة، وعدوه، وشريكه. فإذا وجد الحاكم في ديوانه صحيفة فيها شهادة الشهود فلا يحفظ أنهم

стр. 354

شهدوا عنده لم يحكم بها. وكذلك إذا وجد الشاهد خطه في الكتاب. وإذا شهد نفسان على قضاء الحاكم، ولا يذكر ذلك قبل شهادتهما. ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في مصر واحد، وإنما يقبل مع تباعد المسافة. وإذا مات القاضي الكاتب قبل وصول الكتاب، أو عزل حكم ﴿٩٩/ أ﴾ به ولم يمنع ذلك قبوله. وإن مات المكتوب إليه، أو عزل جاز لغيره الحكم به. ولا يجوز أن يحكم بعلمه في الأموال ولا الحدود، قال شيخنا في "الخصال": "ويجوز في الجراح، لأنه لا يتهمه فيه".

стр. 355

كتاب الشهادات قال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ (١). اعلم أن الشهادات على سبعة أضرب: ما يعتبر فيه شهادة أربعة ذكور عدول أحرار بالغين عقلا مسلمين مبصرين، وهي شهادة الزنا، واللواط، وإتيان البهائم. وما يعتبر فيه شهادة اثنين كمل فيهما الصفات المذكورة في الأربع، وهي الشهادة بالقصاص والقذف، والسرقة، والشرب، وجميع الحقوق التي ليست مالاً، ولا المقصود منها المال. وما يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، كالأموال، والديون، والقرض، والمبيع، والسلم، والصرف ﴿٩٩/ ب﴾ والإجارة، وما شاكل ذلك. وما يقبل فيها شهادة الكفار؛ وهي الوصية في السفر عند عدم المسلمين. وما يقبل فيه شهادة الصبيان؛ وهو الجراح إذا وجد منهم في الصحراء، وصاروا مجتمعين على إحدى الروايات (٢). وما يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة؛ وهي الولادة، والعيوب تحت الثياب. والعدالة في الدين أن لا يكون مصراً على كبيرة، ولا مداوماً على صغيرة. والعدالة في المروءة: أن لا يكون دنيئاً بحيث يأكل على الطرقات، أو يكشف من بدنه ما ليس بعورة، مثل البطن، والظهر بين الناس، ويمد رجليه بين جلسائه، ويحكي الحكايات المضحكة.
следующие страницы →