ومن تجب في ماله ويخاطب بإخراجها غيره، وهو المحجوز عليه لجنون أو صغر، فتقوم نية الولي مقام نيته.
فصل
والأموال الزكاتية على ضربين: ما تجب الزكاة في عينه، وما تجب في قيمته.
فما تجب في عينه أربعة أموال: الزروع، والثمار، والمواشي، والأثمان.
وما تجب في قيمته العروض المعدة للتجارات وطلب الأرباح، فأما بقية الأموال من باب البذلة، وعبيد الخدمة، ولا زكاة فيها، ولا في العقار سواء كان للكرى أو للسكنى.
فصل
فأما المواشي فالإبل، والبقر، والغنم، وأنواع ذلك.
ففي خمس من الإبل شاة إلى التسعة، فإذا كملت عشرة ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا صارت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة، فإذا كملت عشرين ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين ﴿٣٢/ ب﴾ فإذا كملت خمساً وعشرين كثر المال واحتمل المواساة من جنسه ففيها بنت مخاض، وهي التي لها سنة وقد شرعت في الثانية، إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، وهي التي لها سنتان وقد شرعت في الثالثة، إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقه، وهي التي لها ثلاث سنين وشرعت في الرابعة، إلى ستين، فإذا صارت إحدى وستين ففيها جذعة، وهي التي لها خمس سنين، إلى خمس وسبعين، فإذا صارت ستاً وسبعين ففيها بنتا
стр. 72
لبون، إلى تسعين، فإذا صارت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومئة، فإذا زادت واحدة ففي أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، واستقرت الفريضة على ذلك في أصح الروايتين (١)، والثانية إلى مئة وثلاثين.
وال فصل ان تضم إلى أمهاتها في الحول والعدد والأنوثة.
فإن وجب عليه حقة وعنده ابنة لبون أخذت منه وجبران ما بينهما ديناران أو عشرون درهماً.
وإذا وجبت ﴿٣٣/ أ﴾ عليه ابنة لبون وعنده حقه أخذت منه، وأعطى الجبران المذكور.
وإن وجب عليه ابنة مخاض وعنده ابن لبون أخذ منه ولا جبران، لأن نقصان الذكورية يوازيه زيادة السن.
فصل
فأما زكاة البقر فنصابها ثلاثون، وفيها تبيع، وهو الذي له سنة، فإذا صارت أربعين ففيها مسنة، وهي التي لها سنتان، ولا شيء فيها حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان، وعلى هذا يستقر الفرض في كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع.
والجواميس من أنواع البقر، والوحشية تضم إلى الأهلية.
فصل
فأما الغنم فنصابها أربعون ففيها شاة، ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ
стр. 73
عشرين ومئة، فتكون فيها شاتان، إلى مائتين وواحدة فيكون فيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاة، ويضم الضأن إلى المعز، ويؤخذ الجذع من الضأن، والثني من المعز.
فصل
ولا زكاة ﴿٣٣/ ب﴾ في جميع ما ذكرنا من المواشي إلا أن تكون سائمة، وهي التي ترعى بنفسها ولا تعلف في الأدبان والبيوت، ولا تكون معدة للعمل، فإن كانت عوامل في الحرث والسقي فلا زكاة فيها وإن سامت.
فصل
وللخلطة تأثير في إيجابها، فمتى اشتركا في ثمانين من الغنم لكل واحد أربعون وجب عليهما شاة، كالمال الواحد، ولو كان بينهما أربعون لكل واحد عشرون وجبت شاة، وإذا أخذ الساعي من أحدهما تراجعا فيما بينهما بالحصص.
وإذا مضى على ماله أحوال فلم يزكه وكان نصاباً من الغنم لم تجب إلا شاة لقولنا: "بتعلقها بعين المال" فجعل الشاة مستحقة من الأربعين فيحول الحول الثاني عليه وملكه ناقص قدر ما يجب عليه.
فأما الإبل فإذا حال عليه أحوال كثيرة وجبت شاة بعدد الأحوال، لأن العين لا تنقص بحلول الحول، لأن المخرج من عين الجنس.
ولا يجوز للساعي أن يضر بأرباب الأموال مثل الحلوب، ولا يأخذ كريم أموالهم، بل يأخذ أوساطها ﴿٣٤/ أ﴾. فأما الأكوله، والماخض، والربا، والفحل فلا يأخذه رفقاً بأرباب الأموال.
стр. 74
ولا يأخذ العوراء، ولا العجفاء، ولا المريضة رفقاً بالفقراء.
وإذا اختلف الساعي ورب المال في الحول أو العدد، أو الخلط، أو الملك فالقول قول رب المال بغير يمين. نص عليه.
ولا زكاة على مكاتب ولا عبد.
والزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما، والسيد يزكي عما في يد عبده، ولا يزكي عن مال مكاتبه، لأن ماله ليس بملك لسيده، وملك المكاتب ناقص فسقطت.
ويجوز تقديم الزكاة على الحول، وهل يجوز تقديمها على حولين؟ على روايتين (١). ولا يجوز تقديمها على سببها جميعاً للحول والنصاب، كما لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث واليمين.
فصل
في الأصناف المدفوع إليهم الزكاة
وهم ثمانية أصناف: الفقراء؛ وهم الذين لا يجدون شيئاً، وقيل: الذين لا يجدون خمسة دنانير من الذهب، ولا خمسين درهماً من الورق.
والمساكين؛ وهم الذين يجدون بعض الكفاية ويعوزهم إتمامها.
والعاملون عليها؛ وهم الجباة لها.
والمؤلفة قلوبهم؛ وهم الكفار.
وفي ﴿٣٤/ ب﴾ الرقاب؛ وهم المكاتبون يدفع إليهم ما يدفعونه إلى سادتهم في فكاك رقابهم.
стр. 75
والغارمون؛ وهم المدينون العاجزون عن قضاء ديونهم، سواء كانوا غارمين لمؤونتهم، أو لحمالة يحملوها في طفي نائرة بين الجيش وإصلاح ذات البين.
وفي سبيل الله؛ وهم الغزو، والحج، يدفع إلى الحجاج والغزاة ما يتقون به على غزوهم وحجهم.
وابن السبيل؛ وهو الجائز بنا وإن كان له اليسار ببلده، وسمي ابن السبيل لملازمته للطريق، ومن لزم شيئاً سمي به، يقال للطائر: ابن الماء، للزومه الماء.
ولا يجب عليه تعميمهم، ويجزئ إخراجها في صنف واحد من هؤلاء إذا تولاها أربابها، فإن أخذها الإمام وجب عليه أن يعم.
ولا يجب على المزكي أن يعطي ثلاثة من كل صنف، بل يجزئ أن يعطي الواحد.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يرثه بفرض أو تعصيب.
وإذا أعطى زكاته لفقير قبل الحول فاستغنى وحال عليه الحول وهو غني أو أعطاه على أنه فقير فبان غنياً أجزأه.
وإذا عجلها وتلف ماله قبل حول الحول رجع بها على الإمام، فإن كان الدفع إلى الفقير وأعلمه أنها زكاة ماله رجع بها أيضاً، لأننا تبينا أنها لم تكن واجبة عليه.
ومن أبرأ واحداً من هؤلاء الأصناف من دين له عليه لم يجزئه ﴿٣٥/ أ﴾ من الزكاة، لأنه ليس بدفع وإنما هو إسقاط.
وإذا قصد الفرار من الزكاة بالحيل لم تسقط، ولا يعتبر إمكان الأداء.
стр. 76
ومن مات بعد حول الحول على ماله وجبت الزكاة في تركته، وإن كان عليه دين تحاصا، ولا يقدم الدين عليه.
وتجتمع زكاة المال وزكاة الفطر في العبد إذا كان للتجارة.
فصل
والأوقاص التي بين النصيب لا زكاة فيها، ويفيد ذلك أنه إذا ملك تسعة من الإبل، فتلف منها أربع لم يسقط أربعة أتساع الشاة الواجبة في الخمسة، بل الشاة واجبة بحالها، قال النبي ﷺ : "ليس في الأوقاص شيء" (١). قال أبو عبيد (٢): هو ما بين النصابين. (٣)
فصل
فأما زكاة الثمار والزروع فليس تنضبط بحد على مذهبنا، ولا يدور عليها حصر على أننا نجد من الثمار ما ييبس منها، ويدخر، ويكال، كالتمر، والزبيب، والغنار، والفستق، والبندق، والقشمش، واللوز، فيتعلق الوجوب به إذا بدا صلاحه، ويتأخر الإخراج منه. وعنه إلى تناهي خفافه.
وإن أحب التقديم، أو طالبه الساعي بالخرص خرصه رطباً [] (٤) ﴿٣٥/ ب﴾ زبيباً، وتمراً، فأخرج عنه، فإن تلف قبل جذاذه وبعد بدو صلاحه فلا زكاة، لأنه حال الاتصال كغير المقبوض، بدلالة أن جائحته تجعله من مال بائعه.
стр. 77
فصل
وقدر النصاب: خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، والصاع خمسة أرطال وثلث، فيكون ألف وستمائة رطلاً بالبغدادي ثلاثة عشر قفيزاً، أو مكوكين (١) وكيلجتين.
ويشترط في ذلك أن يكون وزنه بعد تصفيته من كل دغل.
والواجب فيه يختلف باختلاف مؤونته، فإن كان سقيه سيحاً أو بماء السماء أو الثلوج، أو الكبوس وهو العدي ففيه العشر مصفى.
وإن كان سقيه بالكلف، كالدالية، والدولاب، والشواديف، والنواعير قل ماؤها أو كثر فنصف العشر.
فالسيح وإن لحقت فيه الكلفة يجب في الخارج منه العشر، وإن قلت الكلفة في الدوالي فنصف العشر، لأن الغالب لحوق المشقة في غير السيح، وإنما أثرت الكلفة في السقي في إسقاط النصف، ولم تسقط الزكاة رأساً، مثل ما سقطت بالعلف للمواشي، لأن العلف ذو ثمن، والماء لا ﴿٣٦/ أ﴾ ثمن له، فالكلفة في تحصيله وترقيته دون شرائه وتملكه، بل يوجد على وجه الإباحة.
ويضم (٢) من الثمار ما يقارب منفعته وشاكل بعضه بعضاً، فعلى هذا يضم التمر إلى القسب، والزبيب إلى القشمش، لأنه مثله.
وهل يضم ما يتباعد في المنبت، مثل الزبيب إلى التمر؟ على روايتين (٣)
стр. 78
من قياس قوله في الحبوب، فإنه يقول في إحدى الروايتين هل تضم الحبوب بعضها إلى بعض. والثانية: قال: يضم ما يقارب في المنبت والمحصد.
وإذا خرص الخارص على أرباب الثمار ترك لهم الثلث على قول بعض أصحابنا، والصحيح أنه يترك لهم قدر ما يأكلون ويهدون بلا تحديد.
فصل
وإذ تلفت الثمار في الجرين، وهو الموضع الذي يترك فيه بعد الجذاذ، ويسمى الجوخان، ويسمى المربد، أو تلفت الحبوب في البيدر فقد استقرت الزكاة.
وإذا أخرج عن ثمرته من غيرها نظرت فإن كانت مثلها في الجودة والتصفية والنوعية والرزانة أجزأه، ولا يجزئ إخراج الردئ عن الجيد.
وإذا نقص بعد الخرص عن النصاب، فقال رب المال: أخطأ. وقال الساعي: أصاب. فالقول قول رب المال ما ادعى ما يجوز أن يسهو به الخارص في العادة.
فإن ادعى غلطاً لايتفق له لم يقبل منه.
فصل
وأما الزروع فنصابها نصاب الثمار، فيجب في الحنطة ﴿٣٦/ ب﴾ والشعير وما شاكلها من المقتات كالذرة، والدخن، والأرز، ومن القطنيات الباقلاء، والحمص، واللوبيا، والأبازير، كالخردل، والكمون، والكسفر، أو ما شاكل ذلك، ويضم الحنطة إلى الشعير، ولا يضم غيرهما إليهما، ويضم القطنيات بعضها إلى بعض في إحدى الروايتين (١)، والأخرى يزكى كل صنف
стр. 79
على حدة، ولا يضم شيء إلى غيره.
وعن أحمد ﵁ أنه يضم الحبوب إلى القطنيات، ويجعل الكل كالجنس الواحد فيزكى، ويكون الإخراج بالحصة أو القيمة.
فأما ما لا يضم فلا يخرج بعضه عن بعض بالقيمة، كما نقول في الدراهم لا تخرج عن الماشية، وتخرج عن الدنانير، لأنها تضم إليها.
ولا يجزئ إخراج القيم في الزكوات، ومعنى ذلك أنه لا يخرج عن جنس من غير جنسه.
ويجتمع العشر والخراج في أرض الخراج.
وتجب الزكاة في بذر الحبوب، كبذر البطيخ، والقثاء، والخيار إلى ما شاكل ذلك.
فصل
فأما الزيتون فإنه تجب فيه الزكاة (١)، وهل تخرج من ثمره أو دهنه؟ على وجهين (٢).
وتجب في القطن في أصح الروايتين (٣)، ونصابه نصاب الحبوب.
وتجب في الزعفران في أصح الروايتين (٤)، وعلى قياسه الورس، والعصفر أيضاً ويعتبر في ذلك التوسيق على أحد الوجهين. والثاني: يجب في قليله وكثيره.
стр. 80
وتجب في العسل، ونصابه عشر قرب، كل قربة ستون رطلاً، فيكون ستمائة رطل، وفيه عشره.
ولا تجب في السدر، ولا تجب في شيء من الفواكه، والخضراوات ﴿٣٧/ أ﴾ ولا البقول.
فصل
فأما المعادن، كالزرنيخ، والنورة، والقار، والنفط، والمرميا، والكحل، والرصاص، والحديد، والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، إلى أشباه ذلك مما يستخرج من الأرض ففيه الزكاة، وقدر نصابه معين بالقيمة، فإذا بلغت قيمته مائتي درهم، أو عشرين ديناراً ففيه ربع العشر، كزكاة العروض للتجارة.
ووقت الوجوب حال إجازته، ووقت الإخراج حين تصفيته، كما قلنا في الحبوب، ولا تعتبر في الحول، لأنه مستفاد من الأرض، فهو كالحبوب.
وإن كانا شريكين في ذلك فهل يزكيان زكاة الخلطين؟ يخرج على الروايتين.
فصل
فأما ما يخرج من البحر من السمك، وما يقذفه كالعنبر، وما يستخرج منه، كاللؤلؤ، والجواهر فهل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين، أصحهما تجب (١)، لأنه أحد المسلكين فتعلق الزكاة بالخارج منه، كالبر.
فأما ما نزل من السماء على شجر الإنسان، كالمن، والزنجبيل والشيوحشك، وما أشبه ذلك، فيحتمل الوجوب فيه، كالعسل.
стр. 81
وأما الركاز إذا ظهر عليه وهو دفن الجاهلية، أو من تقدم من الكفار في الجملة فلا زكاة فيه، وفيه الخمس، لأنه مال مظهور عليه بالإسلام، فهو كالقيمة، وهل يصرف مصرف خمس الغنيمة أو مصرف الزكاة؟ ﴿٣٧/ ب﴾ على روايتين، أصحهما: مصرف الخمس (١)، لأنه مال مخموس، فهو كالغنيمة، والثانية: مصرف الصدقة، لأنه مستفاد من الأرض، فهو كالمعادن.
فصل
فأما الذهب فنصابه عشرون مثقالاً، ولا تجب فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول، ولا تسقط الزكاة إذا كان ناقصاً نقصاً لا يدخل في الموازين، ويسقط بما زاد على ذلك من النقصان وإن قل، وقدر الزكاة ربع العشر. ويضم الذهب إلى الفضة في أصح الروايتين (٢)، وهل يضم بالأجزاء والقيمة؟ قال أحمد ﵁: "يضم بالأجزاء" بيانه أن يكون معه خمسة عشر ديناراً فهي ثلاثة أرباع نصاب العين، وخمسون درهماً هو ربع نصاب الفضة، فقد كمل النصاب بأجزائه.
قال شيخنا: "قياس المذهب أن يضم بما هو أحظ للمساكين" كما قلنا في تقويم العروض.
فصل
في صدقة الورق ونصابه مئتا درهم، كل درهم ستة دوانيق، وفيه ربع عشره، والحول معتبر فيه، والنقصان المسقط للزكاة فيه على ما ذكرنا في الذهب.
стр. 82
ولا يخرج المغشوشة على الصافية، وإذا كانت المغشوشة يحذيها لم يخرج منها لكن تنظر كم فيها من الفضة الخالصة فتضمها إلى الفضة وتزكى، وإن لم يعلم قدر الصافي كلفناه سبكها أو خرص ما فيها من الفضة والإخراج ﴿٣٨/ أ﴾ عنه.
ولا يجزئه إخراج المكسرة عن الصحاح، ولا البهارج والزيوف عن الجيدة، فإن أخرج مكسرة عن صحاح، وأخرج ما بينهما من تفاوت الكسر وأرشد جاز.
والدين يسقط الزكاة في الأموال الباطنة سواء كان من جنس المال أو غير جنسه.
وإذا كان له دين فالزكاة فيه واجبة، والإخراج يتأخر إلى حين القبض إذا كان على ملئ، فأما إن كان على مفلس أو جاحد، أو غصب ماله، أو دفنه فضاع منه، ثم عاد ففي وجوب الزكاة لما مضى روايتان، أصحهما: وجوبها (١)، لأنه كان على ملكه، ولم يتعلق به حق الغير، وتصرفه كامل، وإنما حصل بينهما حيلولة، فهو كما لو أسره الروم عن أمواله.
وتختص الصدقة ببلد المال، وليس في الذهب والفضة وقص (٢) ولا عفو.
فصل
فأما الحلي فلا زكاة فيه إذا كان مباحاً ولم يخرج عن حد المعتاد في حق
стр. 83
الرجال والنساء.
فالمباح في حق الرجل الخاتم والمنطقة، وقبيعة السيف، وفي حق المرأة كل معتاد، كالخلخال، والسوار، والطوق، والدملج.
فأما حلية السكين، ونحوها لم تجز وفيه الزكاة، وكذلك حلية الخيل، وقلائد الكلب، لأنه محرم تقليدها.
فأما حلية الأواني وضبابها، وحلية المرآة، والمشط، والربعة، ﴿٣٨/ ب﴾ والمصاحف فكل ذلك محرم استعماله، وفيه الزكاة إن بلغ نصاباً، ويضم إلى غيره إن لم يبلغ في نفسه الحلي نصاباً.
فأما الحكم الخارج عن عادة اللبس، كخلخال المخبن، وهو كبير ثقيل يترك على المخبن للمباهاة لا للبس ففيه الزكاة.
وأما صنعة الحلي المحرم فيحتمل ألا يجب فيها، لأنها ملغاة، فهي كصبغة الملاهي.
وأما الحلي المباح مثله إذا كان للتجارة فإن تقويمه بالصياغة واجب، فتضم قيمة الصياغة إلى وزنه، ويزكى عنه، وكذلك الجواهر المرصوعة في الحلي تقوم مع الصياغة وتزكي الجميع زكاة القيمة.
وبيان ذلك: أن يكون وزن السوار مئة، وقيمة الصياغة وما فيه من الجوهر الموضوع مئة فيزكي مئتين.
والحلي المعد للاستئجار، وهو حلي المواسط كالحلي المعد للتجارة في حق الصيارف.
стр. 84
فصل
في الأواني
فأما أواني الذهب والفضة فيحرم استصناعها واستعمالها، وتجب الزكاة في وزنها دون قيمتها، كما نقول في الإيماء المغنيات للتجارة: تقومهن سواذج، وتزكي، لأن تلك الصناعة لا قيمة لها في الشرع، وفارق الخصيان، لأن المعصية زالت وهي القطع، وبقى الأثر، وليس ذلك معصية، فلذلك زكى قيمة الخصي خصيباً.
فأما رأس المكحلة فكرهه أحمد ﵁.
وأما القناديل فمحرم استعمالها، وإيجارها، كالأواني سواء، وفي جميع ذلك الزكاة إن بلغ نصاباً، وإلا ضمه إلى ما عنده من الورق، والعين وزكاه. ﴿٣٩/ أ﴾ وأما ما أكناه بنفس، وهو الضبة اليسيرة من الفضة، ورباط السن من الذهب، وشعيرة السكين، فذلك لا تجب فيه زكاة بنفسه، ولا يضم إلى غيره، فإن كان مجموعه نصاباً إلا أن كل ضبة معفو عنها، لكونها يسيرة لم تجمع للإيجاب، بل عفي عنها، لأن كل واحد منهما لا يبلغ حد السرف والخيلاء، ولا الشبه بالأعاجم، فهو كطرز الحرير في الثياب الكثيرة بحيث لو جمع لكان ثوباً يعفى عنه لتفرقه، وكون كل طيراز على حده معفو عنه.
فإن تحلت المرأة بالدنانير والدراهم وجعلت لها العري، وجعلتها في مرسلتها ومخنقتها فهي حلي، فلا زكاة فيها، لأنها خرجت إلى حيز الاستعمال المباح. وإذا انكسر الحلي وصار بحيث لا يستعمل صار في حكم التبر، وذكر شيخنا في "المجرد" أنه إذا كان نيته إعادته لم تجب فيه الزكاة.
стр. 85
وهذا محمول على أنه كان على وجه يصح لبسته، وإلا فالذهب لا يحتاج إلى النية في إيجاب الزكاة، ولا يخرج عن الإيجاب بالنية، بل بالصناعة للاستعمال المباح.
فصل
في زكاة العروض للتجارة
تجب الزكاة في كل عرض ينوي به التجارة، فتقوم عند الحول، ويخرج عنه إما الذهب أو الورق، ولا يزكى من عينه، ويقوم ما هو أحظ ﴿٣٩/ ب﴾ للمساكين، فإن كان تقويمه بالورق يبلغ به نصاباً، وتقويمه الذهب ينقص به عن النصاب فقومه بالورق.
وإذا نقلت من عرض إلى عرض بنى ولم يبتدئ، لأن النقلة سبب النماء، فلا يجوز أن يجعل علةً لإسقاط الزكاة، كالسوم، وكذلك الصيارف إذا نقلت أعيان أموالهم من ذهب إلى ورق لم تستأنف، بل يبني على أصل ماله، لأن تقليبه سبب للنماء.
فإن أخرج مال التجارة إلى ما تجب الزكاة في عينه وقطع نية التجارة، مثل إن اشترى بمائتي درهم مئة من الإبل وأسامها استأنف، فإن كان على نية التجارة فقد اجتمع السوم والتجارة، قال شيخنا: "يقومها فيخرج عنها زكاة القيمة"
وإذا كان له عروض للتجارة فنواها للاقتناء انقطع حول التجارة، فإن عاد فنواها للتجارة استقبل بها حولاً. وقال الخرقي: "لا زكاة فيها حتى يبيعها فيستقبل بثمنها حولاً"
стр. 86
وإذا كانت العروض تساوي دون النصاب، ثم ساوت نصاباً اعتبر الحول من حين ساوت نصاباً لا من حين ملكه لما نقص عن النصاب ويضم الربح إلى أصل المال إذا كان الأصل نصاباً.
فصل
في زكاة الفطر
وهي طهرة للصائم من الرفث، وتجب عن كل حر، وعبد، وذكر، وأنثى، وصغير، وكبير من المسلمين. ويستحب إخراجها عن الجنين، وتجب على المكاتب في ماله، لأنها ﴿٤٠/ أ﴾ تابعة للنفقة، ونفقته في ماله.
والأصناف التي تخرج منها الصدقة ستة أصناف: الحنطة، والشعير، ودقيقهما، والتمر، والزبيب، والإقط.
وقدر المخرج عن كل واحد صاعاً قدره خمسة أرطال وثلث بالعراقي.
ويجوز أن يخرج عن الواحد من جنسين وأكثر ويجوز أن تعطى الفقير الواحد ما يلزم الجماعة، ويعطى الصاع لجماعة من الفقراء، ومصرفها مصرف زكاة المال، ونصابها أن يكون مالكاً لقوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، وعنده قدر ما يجب عليه من الصدقة، فإن وجد بعض ذلك أخرجه إذا كان صاعاً، ولا يجب إخراج بعض صاع في الصحيح من المذهب، كمن وجد بعض ما يكفر به.
وإذا كان العبد بين شريكين زكيا عنه زكاة الفطر، وفي قدر ما يخرج كل واحد روايتان، إحداهما: صاع بالحصة (١)، والثانية: على كل واحد صاع.
стр. 87
ووقت الوجوب ما لم تغب شمس اليوم الأخير من رمضان، فلو ملك عبداً، أو ولداً له ولد قبل غروب الشمس وجبت فطرته.
ووقت الإجزاء قبل العيد باليوم واليومين، ووقت الفضيلة يوم العيد قبل الصلاة ليحصل له الغنى عن السؤال في وقت الصلاة.
وأفضل الأجناس التمر، لأن فيه قوتاً وخلافه.
ولا تسقط بالدين إلا أن يكون به مطالباً.
стр. 88
كتاب الصيام
صيام شهر رمضان ﴿٤٠/ ب﴾ واجب بأصل الشرع قال الله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١).
ويجب بأحد ثلاثة أشياء: إما رؤية الهلال، أو شهادة برؤيته، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، فأما إن حال دون منظره غيم في ليلة الثلاثين ففيه روايتان، إحداهما: يجب (٢) لقوله ﷺ : "فاقدروا له (٣) " فكان ابن عمر يصبح صائماً، ففعله تفسير للحديث.
والثانية: لا يجب، لأن الأصل بقاء شعبان، وفراغ الذمة من الصيام فلا ينتقل عن الأصل بالشك، ولا دليل لنا على اشتغال الذمة.
ويفتقر صومه في كل يوم إلى نية من ليلته وتكون معينه، والإمساك من الفجر الثاني إلى غروب الشمس مع إفاقته في جميع النهار، أو بعضه، فإن طبق به الإغماء جميع النهار لم يكن صائماً، لأنه ليس بمسك.
وإذا شهد برؤية الهلال رجل واحد قبلت شهادته حضرياً كان أو بدوياً غيماً كان أو صحواً، لخبر الأعرابي (٤).
وإذا رآه أهل بلد ولم يره أهل بلد آخر لزم من لم يره حكم من رآه.
стр. 89
وإذا رآه وحده فرد الحاكم شهادته لزمه صومه.
وإذا أصبح صائماً فسافر جاز له الفطر.
ويجوز تقديم النية من أول الليل، ويستحب أن يكون قريباً من طلوع الفجر، إلا أن يخاف غلبة النوم.
والفطر من حيث الحكم يحصل بغروب الشمس.
فصل
ومحظورات الصوم على ضربين: ما يفسده، وما لا يفسده ﴿٤١/ أ﴾ فما يفسده على ضربين: ما يفرق بين عمده وسهوه، وما يستوي في الإبطال بين عمده وسهوه.
فالمحظور الذي يفسده عمداً وسهواً: الوطء، والإنزال بالاستدعى بقلبه كان، أو استمنى، أو غير ذلك مما يمكن الاحتراز منه، فأما الاحتلام، والفكر فلا يفسد وإن انضم إليه الإنزال لعدم إمكان الاحتراز منه، والحجامة على أي وجه وقعت في أي مكان من بدنه حصلت، والردة عن الإسلام، وليس يتأتى أن يكون لها حال وسهو، لأنها اعتقاد بالقلب، وقطع استدامة النية. فهذه أربعة أشياء يسوى بين عمدها وسهوها.
وأما ما يفسد عمده. ولا يفسد سهوه: فالأكل لا يفسد الصوم مع النسيان، ولا مع الإكراه، وكذلك القيء يبطل ما استقاه منه إذا كان ملء فمه في أصح الروايات، والثانية نصف فمه، والثالثة: اليسير والكثير، (١) فأما ما ذرعه أو أكره عليه حتى استقاه فلا يبطل، وعلى قياس ذلك كل ما أوصله إلى
стр. 90
جوفه من أي منفذ أوصله معتاداً كان أو غير معتاد، وسواء كان الواصل معتاداً، كالمتغذى به أو غير معتاد، كالحصا إذا كان عمداً أبطل قل أو كثر، وإذا كان سهواً أو إكراهاً لم يبطل قل أو كثر. فهذه ثلاثة أشياء ﴿٤١/ ب﴾ يبطل عمدها، ولا يبطل سهوها. وأربعة أشياء تبطل الصوم وليست من فعل المكلف فلا توصف بالحظر، وهي: الحيض، والنفاس، والإغماء إذا أطبق في جميع النهار، والموت؛ فمتى مات في أثناء النهار بانت فائدة فساد صومه إذا كان ندراً في وجوب القضاء على ورثته، ووجوب الكفارة في ماله إذا كان صوم كفارة شرع فيه، وكانت كفارة كبيرة.
وأما المحظور الذي لا يفسد وهو مختص بالصوم؛ فالقبلة في حق الشاب مباحة للشيخ الهرم الذي لا تحرك شهوته، واستدامة النظر إلى زوجته وأمته لشهوة، واللمس لهما، وإنما قيدنا بذكر الزوجة والأمة، لأن ذلك في حق غيرهما محظور في غير الصوم، وكل ما دعا إلى فساد الصوم وأمكن دفعه حرم فعله، وهذا عقد باب يغنيك عن الشرح.
فصل
فيما يكره في الصوم
وهو السواك من وقت الزوال، وكثرة اللغط، والكلام فيما لا يعني ليحصل للصوم على الإفطار ميزة بالاحترام لله سبحانه فيه.
ويكره مضغ العلك، والتعرض لإيصال شيء يتحلل إلى فمه سواء ماء المضمضة والاستنشاق.
стр. 91
فصل
والمبيح للإفطار على ضربين: عذر يحصل ﴿٤٢/ أ﴾ به الفطر من حيث الحكم فيبيح الأكل، وهو الحيض والنفاس.
وعذر يبيح الفطر مع صحة الصوم مع بقائه وهو السفر، والمرض، وحد السفر: ستة عشر فرسخاً، وحد المرض: ما خشي زيادته بالصوم، أو تباطأ برؤه، ولا يعتبر خوف التلف، وكذلك العطش الذي يخاف معه المرض، والإكراه على الفطر بالضرب، فأما التهديد من قادر على الفعل فعلى وجهين، أصحهما عندي: أنه إكراه يبيح الفعل المكره عليه فطراً كان أو غيره.
والعلم بإكمال شهر رمضان بالعدد، أو الشهادة برؤية هلال شوال.
فصل
في الكفارات
والموجب للكفارات مختلف، فكفارة الوطء في رمضان واجبة سواء كان الواطئ عامداً، أو ناسياً، وهي على الترتيب: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً في أصح الروايتين (١). والثانية: هي على التخيير، وتسقط هذه الكفارة بالعدم عند الوجوب، ولا تثبت في الذمة، لأنه مال يتعلق بالصوم فلم يثبت في الذمة، كصدقة الفطر.
ويجب عن كل يوم كفارة، ويجب على الحامل ﴿٤٢/ ب﴾ والمرضع الفدية إذا أفطرتا خوفاً على جنينهما، والفدية إطعام مسكين عن كل يوم، فإن كان خوفاً على نفسهما فلا فدية، كفطر المريض، والشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم يفطر ويطعم عن كل يوماً مسكيناً.
стр. 92
فصل
ويجزئ صوم النفل بنية النهار، ويستحب التعجيل للإفطار، وتأخير السحور.
ولا يكره الاغتسال في شدة الحر ليتقوى به على الصوم.
وإذا زالت أعذار المكلف في أثناء النهار وجب عليه الإمساك، وهل يجب عليه القضاء؟ الصحيح من المذهب وجوبه.
ويستحب أن يتبع رمضان بصوم ستة أيام من شوال.
ويستحب أن يقول عند إفطاره: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
وللزوج منع زوجته من صوم التطوع، لأنه مستحق للاستمتاع ليلاً ونهاراً إلا ما استثناه الشرع من بيان الفرض.
стр. 93
كتاب الاعتكاف
قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد. قال: "أوفي بنذرك" (١).
والاعتكاف قربة مشروعة غير واجبة، وإنما هي مندوب إليها، وأصله في اللغة الملازمة للشيء، قال سبحانه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ ﴿٤٣/أ﴾ لَهُمْ﴾ (٣) يعني يلازمونها.
وضم إليه الشرع شروطاً، وهو اللبث في المسجد الذي تقام فيه الجماعات، وإن أمكن في الجامع الذي تقام فيه الجماعة والجمعة كان أحسن حتى لا يحتاج إلى الخروج من معتكفه رأساً هذا في حق الرجل، فأما المرأة فلا يعتبر في اعتكافها سوى المسجد فقط، ولا يعتبر أن تقام فيه جماعة ولا جمعة إذ ليس عليها جماعة ولا جمعة.
ولا يتشاغل في معتكفه إلا بذكر الله، فأما العمل، أو الإقراء، أو تدريس الفقه فلا يجوز له أن يدرس بنفسه، ولا يخرج من معتكفه، إلا أنه إن خرج فخروجه على ثلاثة أضرب: خروج يبطل الاعتكاف، وخروج لا يبطل، ويجوز له بعد عوده (منه) (٤) البناء على ما مضى منه.
وخروج إن شرط جاز ولم يبطل، وإن لم يشترط أبطل، فالذي لا يبطل
стр. 94
الخروج لما لابد له منه، كحاجة الإنسان، والخوف مما يضره في المسجد، كالنار، والماء، والفتنة، واللصوص، والسبع، وما لابد له منه لأجل الشرع، كالنفير، وقضاء العدة، والخروج لأجل الحيض، فهذا حكمه حكم الأول في أنه لا يبطل بل يخرج، فإذا زال عذره عاد وبنى.
فأما الخروج إلى الجمعة فلا يبطل أيضاً سواء شرط ﴿٤٣/ ب﴾ أو لم يشترطه.
وأما إن (١) شرطه فخرج إليه لم يبطل، ويبطل إذا لم يشترطه، (مثل) (٢) عيادة المريض، والصلاة على الجنازة، وزيارة الوالدين.
وأما ما لا يباح الخروج إليه، ومتى خرج إليه أبطل سواء شرطه أو لم يشترط، فالخروج للتفرج، والتنزه في البساتين، والأنهار، والنظر إلى الحجيج، أو العساكر، وما شاكل ذلك، وكذلك الخروج إلى الأسواق.
وليس الصوم شرط فيه في أصح الروايتين (٣).
стр. 95
كتاب الحج
قال الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١).
ولا يجب إلا على من كملت فيه خمسة شرائط: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، ووجود الزاد والراحلة. فهذه في حق الرجل، وتزيد المرأة باعتبار المحرم، فإن لم تجد محرماً فلا حج عليها (٢)، وفي المحرم رواية أخرى ليس من شرائط الوجوب، لكن من شرط لزوم السعي.
وأما تخلية الطريق وإمكان السير فهما شرطان للزوم السعي، والفرق بين شرط الوجوب وشرط لزوم السعي إنما كان شرطاً للوجوب أنه إذا مات قبل حصوله لم تجب الحجة في ماله، وإذا كان شرطاً للزوم السعي إذا مات قبل حصوله ﴿٤٤/ أ﴾ كانت الحجة في تركته.
فأما إمكان المسير فإن يكون الوقت متسعاً لمسيره من إكمال شرائط الوجوب فيه.
والتخلية ألا يكون في الطريق مانع، ولا ما يحتاج فيه إلى خفاير.
فصل
فإن وجدت هذه الشرائط كلها إلا أن الشخص معضوب سقط عنه الحج بنفسه، ووجبت عليه استنابة غيره، ويجب أن يكون ذلك الغير ممن أسقط الحج عن نفسه، ويكون ما يأخذه نفقة طريقه، لا أجرة، وإن فضل شيء رده إلا أن يهبه منه، فإن استناب ضرورة وقع الحج عن الحاج دون المحجوج عنه في أصح الوجهين (٣)، والوجه الآخر لا يجزئه، ولا يقع عن الغير.
стр. 96
ويصح حج الصبي، ولا يسقط فرضه بذلك، وكذلك العبد.
فصل
وللحج ميقاتان، ميقات مكان، وميقات زمان.
فميقات الزمان لا يختلف باختلاف البلدان، بل هو في ثلاثة أشهر: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، آخرها يوم النحر، ووضعت هذه لترك التقدم عليها.
ويجوز الإحرام في جميع السنة إلا أن المستحب فعله في أشهره.
وميقات المكان وضع لئلا يتجاوز عنه، ويجوز التقدم عليه إلا أن المسنون ﴿٤٤/ ب﴾ أن يحرم منه، لأنه لا يأمن أن يطول عليه الإحرام فيواقع محظوراته.
ومواقيت المكان خمسة: ميقات أهل العراق، وخراسان، والمشرق ذات عرق وبينه وبين مكة ليلتان.
وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وهو أبعدها من مكة، وبينه وبينها نيف وتسعون فرسخاً.
وميقات أهل مصر والشام، والمغرب، وتلك النواحي من الجحفة.
وميقات أهل اليمن يلملم.
والأربعة تتقارب إلى مكة ليلتين ليلتين إلا ذو الحليفة فإنه على عشرة أيام من مكة، وجميع هذه تثبتت بالنص، ومن مر عليها فهي ميقاته، فعلى هذا العراقي إذا مر على ميقات أهل الشام فهو ميقاته.
стр. 97
ولا يجوز لأحد أن يمر عليها محلًا إلا من يتكرر دخوله إلى مكة فيشق عليه اعتبار الإحرام عليهم، وهم الحشاشة، والحطابة، ومن يدخل لمرافق الناس.
ومن جاوزها محلاً، وهو يريد النسك وجب عليه العود للإحرام من الميقات، فإن أحرم دونه عاد فأحرم منه، وعليه دم، ولا يسقط بعوده.
فصل
ويكون الإحرام بأحد ثلاثة أنساك: إما التمتع، أو القران، أو الإفراد. فالتمتع أفضلها عندنا، وصفته: أن يحرم بالعمرة من الميقات، ثم يمضي إلى مكة معتمراً ﴿٤٥/أ﴾ فيقضي نسكه، وهو طواف، وسعي، وحلاق، ثم يخرج مع أهل مكة فيحرم من جرف مكة بالحج على صفة المكيين.
وصفة الإفراد: أن يحرم بالحج من الميقات.
وصفة القران: أن يحرم بالحج والعمرة معاً من الميقات، فيدخل أفعال إحداهما في أفعال الآخر، وهل يجزئه لهما طواف واحد وسعي واحد؟ على روايتين، أحدهما: يجزؤه. والثانية: لا يجزؤه إلا طوافان وسعيان (١).
فصل
والذي يفعله عند إحرامه يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين، ويصلي ركعتين، ثم يقول: اللهم إني أريد الحج. إن أراد الإفراد، أو أريد العمرة. إن أراد التمتع، أو أريد العمرة والحج. إن أراد القران فيسرهما لي وتقبلهما مني، فإن حبسني حابس دون بيتك الحرام فمحلي حيث حبستني، ويفيده هذا الشرط
стр. 98
سقوط دم الإحصار إن حصر عن البيت. ويلبي فيقول: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وليست التلبية واجبة.
فصل
والتلبية في ثمانية مواطن: عقيب الصلوات، وإذا أشرف على نشر، أو هبط وادياً، وبالأسحار، وإذا التقت الرفاق، وإذا تلبس بمحظور ناسياً رفضه وفزع إلى التلبية، وإذا رأى البيت.
فصل
ويشتمل الحج على خمسة أشياء: شرائط ﴿٥٤/ب﴾ وأركان، وواجبات، ومسنونات، وهيئات.
فالشرائط ما وجب لها قبلها، وهي الخمسة التي ذكرناها: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والزاد، والراحلة.
والأركان ثلاثة: الإحرام، والوقوف، والطواف، وفي السعي روايتان (١).
والواجبات طواف الوداع، والبيتوتة بالمزدلفة ليالي منى، ورمي الجمار أيام منى، ودم التمتع، والحلاق إذا قلنا إنه نسك في إحدى الروايتين (٢).
стр. 99
فصل
ولا يجب دم التمتع إلا بستة شرائط: أن يحرم بالعمرة من الميقات، وأن يكون إحرامه في أشهر الحج وأن يحج من سنته، وألا يكون من حاضري المسجد الحرام، وألا يسافر بين الحج والعمرة سفراً يقصر في مثله الصلاة، وأن يحرم بالحج من مكة، فمتى لم تكتمل هذه الستة شرائط فلا دم عليه.
والهدي شاة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة، وسبعة إن شاء صامهن في طريقه، وإن شاء إذا رجع إلى أهله.
فصل
المسنونات
وأما المسنونات فطواف القدوم، والأدعية عند الميزاب، وعلى الصفا والمروة، وعند الملتزم، وسنذكرها في مناسك الحج إن شاء الله.
فصل
الهيئات
فأما الهيئات، فالكرمل ﴿٤٦/أ﴾، والاضطباع في الطواف، والهرولة في السعي من الميل الأخضر إلى الميل الخضر، ويمشي من الصفا إلى الميل الأول، ومن الميل الثاني يمشي إلى الميل، ومن الميل إلى المروة، وكلما كان صفة في غيره فهو هيئة.
فحكم الشرائط أنه لا يحصل وجوب الحج إلا بتقدمها على فعل الإحرام، وحكم الأركان أنه لا يتم الحج إلا بها، وينفرد الوقوف بحكم
стр. 100
يختصه يفضل به على سائر الأركان وهو فوات الحج بفواته.
وحكم الواجبات أنه يجب بتركها دم، والحج صحيح تام، وحكم المسنونات والهيئات أنها تسقط لا إلى جبران، كما قلنا في مسنونات الصلاة وهيئاتها.
فصل
فأما محظورات الإحرام فعلى ثلاثة أضرب: اتلاف، وترفة، وما لا يليق به من الكلام. قال سبحانه: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) فالرفث: الجماع ودواعيه، والفسوق: السباب، والجدال: المماراة فيما لا يعني.
وقال سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢).
ونهى النبي ﷺ عن لبس المخيط في حق الرجال دون النساء، وتضليل المحرم، وتغطية الرأس كله أو بعضه، وتطيب عضو أو بعضه، والتعمد لشم الطيب، أو صبغ ثوبيه، والوطئ ﴿٤٦/ب﴾ ودواعيه، كالنظر، واللمس، وعقد النكاح، فإن عقد لم ينعقد، ولا يتولاه لغيره، وفي ارتجاع زوجته المطلقة روايتان، أصحهما: الجواز (٣)، لأنه استدامة إمساك، وليس بابتداء عقد، لأنها مباحة له، والنكاح إنما حظر لأنه يدعو إلى الوطئ، وتتوق النفس به إلى الجماع.
ويجوز له شراء الأمة؛ لأن الملك لم يوضع للاستباحة بدلالة أنه يملك بالشراء من لا يباح له نكاحه من الرضاع.
стр. 101
فأما التنظف، كالغسل، والقطع للروائح الكريهة، مثل الصنان، والعرق، والسواك فلا يحرم، ولا يكره.
وملبوسان يباح لبسهما إذا عدم غيرهما ولا دم عليه الخف إذا عدم النعل، ولا يقطعه، والسراويل إذا عدم الإزار، ولا يشقه.
فأما الكلام الذي يحرم، فالسباب، وهو يحرم في غير الإحرام لكنه متغلظ في الإحرام، ومثل ذلك القتل محظور في غير الحرم والإحرام، لكنه مغلظ بهما.
وأما الإتلاف: فقطع الشعر، والظفر، وقتل الصيد، وإمساكه، والإشارة إليه، والدلالة عليه، وذلك يختص بصيد البر، ويباح صيد البحر.
وللصيد تحريمان، تحريم لأجل الإحرام، وتحريم لأجل الحرم، وكل واحد منهما بمجرده كاف في التحريم، فيحرم قتل الصيد على المحل في الحرم، على المحرم في الحل، فإذا اجتمعا تأكد حظرهما بعلتين.
﴿٤٧/أ﴾ وأما المحرمة الصائمة يحرم وطئها بالصوم والإحرام.
والثوب المغصوب إذا كان حريراً حرمت الصلاة فيه لعلتين.
ويباع قتل سباع البهائم، وجوارح الطير، نص النبي ﷺ على خمس فقال: "خمس لا حرج على من قتلهن في حل ولا حرم: الحدأة، والغراب، والحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، " (١). وقسنا عليه كما كان مؤذياً للأنفس، أو متلفاً للأموال، وما لا يكون مؤذياً في الأصل فتحقق منه الأذى بالصول أبيح قتله، وصار كالجارح المؤذي بطبعه.
стр. 102
وكذلك الشعر، والظفر إذا كانا مؤذيين بأن انكسر الظفر، أو نبت الشعر في العين.
فصل
وشجر الحرم ونباته محرم على الحلال والمحرم إلا الإذخر، وما أنبته الآدميون.
فصل
إذا ثبت تحريمه فإنه يجب الفدية بالترفهات والاتلافات، ولا يجب عليه شيء فيما تكلم به سواء كان محظوراً أو مباحاً، فأما الترفهات ففي الطيب دم، وفي اللبس دم، وفي تضليل المحل للمحرم دم، وفي تغطية رأسه دم.
فأما النكاح، والرجعة فإنما حرمناها فلا دم فيها، لأنها لا تتم، ويقع فاسد ﴿٤٧/ب﴾ وأما الوطء فيجب به بدنه، ويفسد به الحج، وليس في محظورات الإحرام ما يفسده سوى الوطء، ولا فرق بين عمده وسهوه.
والنعامة يجب فيها بدنة، وليس في الحج ما يوجب بدنة سوى الوطء وقتل النعامة، وسنذكر ذلك في فدية الصيد.
فأما إن فعل هذه الأشياء لعذر، كالطيب لأجل المرض، واللبس لأجل البرد، والحر جاز ذلك.
فإن تكرر جنس من هذه الأجناس مثل إن لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو ظلل ثم ظلل ففيه روايتان، إحداهما (١): إذا كانت في أوقات فكفارات، وإن كانت في وقت واحد فكفارة واحدة.
стр. 103
الثانية: إن كان تكراره لأسباب مختلفة فكفارات، مثل إن لبس الغداة لأجل البرد، والظهر لأجل الحر، والعشاء لأجل المرض، فكفارات، وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة.
فأما الأجناس المختلفة مثل إن تطيب، ولبس، وقلم أظفاره، فإنه على روايتين، أصحهما: تجب كفارات، كما قلنا في الحدود.
والثانية: إن كان في دفعة واحدة فعلى ذلك كفارة واحدة.
فأما الشعور والأظفار ففي الواحد منه مد من طعام، فإن لم يجد فصوم يوم، وفي الثلاث فصاعداً فدم.
فصل
فأما الصيد فعلى ضربين: ماله مثل من النعم، وما لا مثل له. ﴿٤٨/أ﴾ فما له مثل على ضربين: ما قضت الصحابة فيه بالمثل فيضمن بذلك المثل، وما لم تحكم فيه إلا أنه يشبه ما حكمت فيه بالمثل فيلحق بمثله.
وما لا مثل له رأساً فيضمن بقيمته.
فما قضت فيه الصحابة النعامة ببدنة، والغزال شاة، والأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة.
والذي يشاكل بهيمة الأنعام ويماثلها الإبل والثيتل (١)، وجميع بقر الوحش فيه بقرة.
وفي حمار الوحش روايتان، إحداهما: بقرة (٢)، والثانية بدنة.
وفي أولادهم من الصغار صغار أمثالهم من الأنعام، ففي صغار النعام
стр. 104
فصيل، وفي الخشف عناق.
وبيض الطائر مضمون بقيمته إذ لا مثل له.
وكلما عب من الطيور في شربه ففيه شاة، كالحمام جميعه المطوق وهي النواخت وغيرها من الورشان، وهذا الحمام المعروف في كل ذلك شاة.
ومالا مثل له من صغار الطيور، كالعصافير وما أشبهها مضمون بالقيمة وهو مخير بين المثل من ذوات الأمثال، والقيمة في المقومات قوم ذلك طعاماً، وصام عن كل مد يوماً.
ويجب هذا الجزاء المذكور تارة بالجناية، وهو إذا جرحه فقتله، ومنعه الاسترسال بنفسه، والامتناع، وتارة باليد، وهو إذا قبضه فتلف ﴿٤٨/ب﴾ الحكمية، أو المشاهدة (١)، فالحكمية أن يتلف في خيمته، أو داره، أو رحلة، والمشاهدة أن يأخذه بيده فيموت في يده، أو يأكله سبع، أو يقنصه جارح، فإن جرحه وغاب عنه فلا فدية إذا لم تكن الضربة موجبة, لأن الضمان لا يجب مع الشك، ويجب ضمان ما نقصته الجراحة فقط.
وإذا جرحه جراحة أخرجه بها عن الامتناع، أو نتف ريش الطائر وجبت جميع قيمته، لأنه صار في حيز التالف.
وأما المتولد من بين ما يضمن وما لا يضمن كالسمع، وهو المتولد من بين الذئب والضبع ففيه الجزاء تغليب الإيجاب.
وأما ما لا يؤكل لحمه، ولا يؤذي كالسنور البري، والثعلب، فعن أحمد روايتان، إحداهما: يضمن (٢)، والثانية لا يضمن.
стр. 105
فصل
وشجر الحرم مضمون، فالكبيرة ببدنة، والمتوسطة ببقرة، والصغيرة بشاة، وما كان من الحشيش والخلا فالبقيمة يفرق على فقراء الحرم، وجميع ما ذكرنا من الدماء يصرف إلى فقراء الحرم، فإذا ثبت هذا فصفة فعله على الترتيب والتفصيل بعد الإجمال.
فصل
في كفارته ودمائه
وهي على ضربين: على الترتيب، وعلى التخير.
فكفارة الأذى ﴿٤٩/أ﴾ على التخيير قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) تقديره: فحلق، كقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) تقديره: فأفطر.
وكفارة الصيد على التخيير، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣) الآية.
ودم التمتع على الترتيب شاة، فإن لم يجد فالصوم، قال سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٤).
стр. 106
ودم الإحصار على الترتيب أيضاً، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) إلا أنه يتحلل بالذبح، ولا يتحلل إذا عدم الهدي إلا بعد صوم العشرة.
فصل
المناسك وشرح الأفعال في الأماكن المختلفة
فصل
الذي يفعل في الميقات سبعة أشياء: الغسل إن أمكن، فإن تعذر فالوضوء، فإن تعذر فالتيمم، ويأخذ من شعره، ويتطيب، ويلبس ثوبين نظيفين ليس فيهما مخيط، ويصلي ركعتين يعقد عقيبهما الإحرام، ويستحب أن ينطق به، فيقول: اللهم إني أريد الحج، أو العمرة، أو الحج والعمرة حسب ما يحرم به من الأنساك.
فصل
ذكر ما يفعله المعتمر
يحرم ويطوف ويسعى بين الصفا والمروة ﴿٤٩/ب﴾ ويحلق أو يقصر، فهذه أربعة أشياء لا تتم العمرة إلا بها.
فصل
ذكر ما يفعله إذا رأى البيت
وإذا رأه لبى، ثم قال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً، ومهابة،
стр. 107
وزد من قصده ممن حج واعتمر تشريفاً وتعظيماً، ومهابة.
فصل
ما يفعل في الموقف
يستحب أن يقف على جبال الرحمة، وعرفات كلها موقف إلا وادي عرنة، ويجمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ولا يتنفل بينهما، ويدعو ويبتهل إلى الله، وليس في الدعاء توقيت.
فصل
ثم يدفع الإمام بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، فيجمع فيها (١) بين المغرب والعشاء الآخرة بأذان وإقامتين، ثم يأخذ حصى الجمار، وهو سبعون حصاة، فيغسله (٢)، ويكون أكبر من الحمص، ودون البندق.
فصل
ثم يأتي المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، فيدعو ويجتهد في الدعاء، ثم يأتي منى، فيقف عند العقبة الأولى قبل زوال الشمس فيرمها بسبع حصيات، ويقطع التلبية مع أول حصاة، ويكبر مع كل حصاة، فينتقل إلى التكبير.
فصل
في صفة المرمى
أين ترمي الحصى؟ عن يمينك، وشمالك، وتلقاء وجهك، وتكبر
стр. 108
وتقول: الله أكبر. الله أكبر. لا إله ﴿٥٠/أ﴾ إلا الله. والله أكبر. الله أكبر ولله الحمد. تكبر كذلك مع رميك، وتقول: أرضي بك الرحمن، وأسخط بك الشيطان. ولا يقف عندها.
فصل
ثم ترجع إلى منى فتذبح ما كان معك من هدي نفلاً كان أو فرضاً، أو فدية، أو نسكاً، ولا تأكل مما تذبحه إلا من الأضحية، وهدي القرآن، والمتعة، وما سوى ذلك لا يأكل منه، ثم تحلق رأسك، أو تقصر شعرك. والحلق أفضل.
واختلفت الرواية هل الحلق نسك أو تخلية محظور؟ على روايتين (١).
وقد حللت من حجك التحلل الأول، وأبيح لك كل محظور حظره الإحرام سوى الوطء، والتلذذ بالنساء، والتحلل الثاني يبيح ذلك، وهو إذا طفت طواف (الإفاضة) (٢).
وإذا حلقت رأسك فقل: اللهم اكتب لي بكل شعرة حسنة، وامح عني سيئة، وارفع لي درجة، واغفر لي وللمحلقين، والمقصرين يا واسع المغفرة.
فصل
والذي يفعله المحرم في يوم النحر الرمي، والذبح، والحلاق، وطواف الإفاضة، وهو الركن، ويحل له كل المحظورات.
وإذا وطء بين التحللين فقد فعل محظوراً، وحجه صحيح. وإذا أخل بالترتيب ففيه روايتان، إحداهما: يجب عليه دم.
стр. 109
﴿٥٠/ب﴾ والثانية: لا دم عليه (١)، لقول النبي ﷺ : "لا حرج لا حرج" (٢).
فصل
وإذا دخل المسجد الحرام فليكن دخوله من باب بني شيبة، فيصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يتقدم إلى الحجر الأسود فيقبله إن أمكنه، وإلا وقف حياله، وأومأ إليه بيده وقبلها، وقال: اللهم إيمانًا بك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك ﷺ . الله أكبر. الله أكبر إلى آخر التكبير الذي شرحته لك، ثم يأخذ عن يمينه في الطواف، فإذا أتى الركن العراقي وقف حياله، وقال: اللهم إني أعوذ بك من الشقاق، والنفاق، وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد. ثم تسير وأنت مكبر وتقف بإزاء الميزاب من خارج الحجر، وتقول: اللهم أظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم أروني يوم يعطشون، وآمني يوم يفزعون، ثم يسير حتى يأتي بإزاء الركن الشامي، فيقول: اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك وموسى كليمك، وعيسى كلمتك، ومحمد نبيك صلى الله عليهم أجمعين.
وتسير حتى تأتي الركن اليماني فتقف بإزائه ثم تقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ثم تأخذ عن يمينك وتأتي الملتزم، وهو ما بين الحجر الأسود وما بين ﴿٥١/أ﴾ البيت فتلصق به صدرك إن أمكنك، وتدعو بما شئت، ثم تأتي البيت، فتقول: اللهم إن البيت بيتك،
стр. 110
والحرم حرمك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ المستجير بك من النار، وتأتي الميزاب وتقول كما قلت في الأول عنده وعند كل ركن، وليس في الدعاء توقيت، فيطوف سبعاً بالبيت، ويكون الحجر داخل في الطواف، لأن الحجر من البيت، ويكون من البيت ثلاثة أشواط يرمل فيها، وأربعة يمشي فيها ولا يرمل، ويضطبع برداءيه من تحت يده اليمنى، ويجعل طرفيه على عاتقه اليسرى، وكلما طاف قبل الحجر الأسود إن أمكنه، وإلا يشير إليه بيده ويقبلها، ويفعل في جميع طوافه كما فعل في الدفعة الأولى، ويكثر الدعاء، وذكر الله، والتهليل، والتسبيح، والتحميد في طوافه.
ولا يطوف بالبيت إلا وهو طاهر ساتر لعورته، لأن الطواف كالصلاة.
فإذا فرغ من الطواف صلى عند المقام ركعتين يقرأ في الأولى بالحمد وقل يا أيها الكافرون، والثانية بالحمد وسورة التوحيد.
فصل
ما يقوله على الصفا
ثم يخرج إلى الصفا من بابه، فيبدأ بالصفا، فيصعد عليه حتى يرى البيت، فيكبر الله ويهلله, ويدعو ويقول: لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، اللهم اعصمني بدينك، وجنبني حدودك، واغفر لي خطيئتي ﴿٥١/ب﴾، واستجب لي إنك لا تخلف الميعاد.
ثم ينزل منها حتى يأتي العلم الأول، وهو ما بين الصفا والمروة، فيهرول من عنده حتى يأتي العلم الآخر فيمشي من عنده إلى المروة، فيصعد عليها ويقف حيث يرى البيت، ويقول كما قال على الصفا، ثم ينزل فيمشي حتى