← Акыда

Акыда · id 17368

المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (555 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

منهجي في البحث: لقد كان نصب عيني منذ الوهلة الأولى للشروع في هذا الكتاب، أن تعرض أصوله، وقواعده، وردوده، ونتائجه دون أدني شائبة تَدَخُّل، أو وصاية على ما قرره هؤلاء الأئمة الأعلام، من أحكام وتقريرات، لتبقى بصماتهم، عالية وكاملة وظاهرة عليها؛ لأني على قناعة تامة، بحاجة الأمة الضرورية، إلى ما قررته أئمتها الأعلام، وعلماؤها الربانيون، لكن بشرط عزيز، وهو أن تعرض كاملة، وواضحة، ومركزة، وبأمانة تامة، دون أي حذف، أو شطب، أو اختزال لشيء غير مراد من تراثهم، وما سطرته أيديهم. ولذلك فقد كان همي الأكبر في هذا المقام، أن يقدم هذا الإرث الطاهر للأمة الإسلامية في صورة منهج أصيل متكامل كما كان في حس صاحبه ومؤسسه الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأحفاده وتلاميذه ﵏ جميعًا. ولقد قمت بتقسيم الكتاب إلى ثلاثة أبواب، الباب الأول جاء في: أصول التوحيد والإسلام والإيمان؛ والباب الثاني في: الشرك والمشركين؛ والباب الثالث في: الأحكام المترتبة على مفهوم التوحيد والشرك. وإفرادي للأحكام المترتبة على مفهوم التوحيد والشرك في جزء منفرد عن جزئي التوحيد والشرك، من أجل أن يتم الفصل التام بين القيام بالتوحيد مع البراءة من الشرك، كعقيدة يجب القيام بها، ليتحقق بذلك أصل الدين، ويكون المرء به مسلمًا، وبين إجراء الأحكام المنبثق من تصور حَدَّي التوحيد والشرك، وطبيعة العلاقة بينهما، حتى لا يأتي الخلط، ويتم الدمج بين تحقيق أصل الدين من جهة وإجراء الأحكام من جهة أخرى، ووضعهما معًا في سلة واحدة، من حيث التأصيل، والتدليل، ودرجة المشروعية، ومن ثم تحل الطامة العظمى، والداهية الكبرى المتمثلة في الغلو المذموم في التكفير

стр. 37

وإخراج السواد الأعظم لجمهور المسلمين من دينهم وملتهم، بلا دليل ولا برهان، اللَّهم إلاَّ الزعم بأن إجراء الأحكام على المشركين والمرتدين من صلب وماهية أصل الدين، تلك الدعوى المفتراة التي لم يقم عليه صحتها دليل صحيح صريح من الكتاب، أو السنَّة، بفهم أصحاب الثلاثة القرون الأولى المفضلة، ولا إجماعهم المعصوم، الواجب الاتباع. وعندنا نقرر هذا، فينبغي أن نقرر ونعلن في مقابله: أن العلماء قد عدّوا عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذهبهم، ناقضًا من نواقض الإسلام، المبيحة للدم والمال، ولكن هناك فرقًا كبيرًا، وبونًا شاسعًا، بين أن يكون إجراء الأحكام على المشركين بإطلاق أصلاً من أصول الدين، وبين أن يكون في بعض مناطاته وصوره، ناقضًا من نواقض الإسلام، يخضع في ذلك لتوفر شروط التكفير، وانتفاء موانعه، التي قررها الصحابة والتابعون، ومن سار على دربهم، واقتفى أثرهم، لا أهل الإرجاء والتجهم الحديث والمعاصر، الذين يريدون غلق هذا الباب، وطي هذا الملف، حتى تمنى كثير منهم عدم الخوض في هذه القضية، أو الحديث عنها، أو سماعها، لئلا تقسو القلوب، وتزل الأقدام في الوقوع في المحذور، هكذا زعموا! ولا يفوتني في هذا المقام، أن أعلن البراءة من كلٍ من منهجي الخوارج والمرجئة، والتحذير المتكرر للأمة من عاقبة شؤم بدعتهما، وآثارهما السيئة، ولكن انطلاقًا من معالم منهج أهل السنَّة والجماعة، الذي يريد الخير الدائم لكل الناس، ينبغي علينا دومًا أن نرفع أكف الضراعة لله الهادي إلى سواء الصراط أن يهدينا وسائر إخواننا - المغالين والمفرطين - للصواب، وأن يجنبنا جميعًا الكفر، والزلل، والبدع، ومحدثات الأمور. * * *

стр. 38

التقسيم الموضوعي للكتاب: لقد جاء الكتاب مقسمًا إلى ثلاثة أبواب: الباب الأول: في أصول التوحيد والإسلام والإيمان وفيه مقدمة، وتسعة فصول: المقدمة في: أحوال المشركين بين التبديل والتغيير. الفصل الأول: حقيقة الإسلام وشروط قبوله. الفصل الثاني: حقيقة التوحيد، وأركانه، ومقتضياته، وأنواعه. الفصل الثالث: كيفية الإيمان بالرسالة، وتحقيق أركانها ومقتضياتها. الفصل الرابع: أصول الإيمان، ومقتضياته، ولوازمه. الفصل الخامس: الطاغوت، وصفة الكفر به. الفصل السادس: الحكم لله وحده لا شريك له، وحكم من بدل شرائع الإسلام، أو حكم بغير ما أنزل الله. الفصل السابع: حقيقة الولاء والبراء. الفصل الثامن: الأسماء والصفات، ومنهج السلف في الإيمان بها. الفصل التاسع: القضاء والقدر، ومنهج السلف في الإيمان به. * * * الباب الثاني: الشرك والمشركون وفيه ثمانية فصول: الفصل الأول: حد الشرك، ودرجاته، وأنواعه وأحكامه، مع بيان علة عدم مغفرته، ووجوب الحذر منه. الفصل الثاني: العلم سبيل النجاة من الشرك، وإلاَّ وقع بالجهل، والتلبيس وتغيير الحقائق.

стр. 39

الفصل الثالث: الفتنة بالقبور، والمفاسد المترتبة عليها، مع الرد على أشهر شبهات أهلها. الفصل الرابع: الشفاعة، وأنواعها، وشروطها، وأسباب تحصيلها، والحرمان منها. الفصل الخامس: المشرك مغبون في دينه لإخلاله بكل قيود الكلمة العاصمة، إلاَّ مجرد التلفظ بها. الفصل السادس: أشهر شبهات المشركين وعلمائهم، مع سهام الردود عليها. الفصل السابع: الأدلة الجلية من الشريعة الربانية، على كفر من عبد غير الله تعالى. الفصل الثامن: علة قتال المشركين، ووجوب البراءة منهم، وحكم الدار إذا غلبت عليها أحكام الشرك. * * * الباب الثالث: الأحكام المترتبة على مفهوم التوحيد والشرك وفيه تسعة فصول: الفصل الأول: شروط عصمة الدم والمال. الفصل الثاني: حكم الشك في كفر الكافر، وصوره. الفصل الثالث: العذر بالجهل. الفصل الرابع: العلاقة بين إقامة الحجة، والكفر وأحكامه. الفصل الخامس: أنواع الكفر، وحكم تكفير المعين. الفصل السادس: أحكام الديار. الفصل السابع: أحكام القتال، ومشروعية الجهاد.

стр. 40

الفصل الثامن: نواقض الإسلام، وأحكام الردة والمرتدين. الفصل التاسع: أشهر الشبهات المثارة على أئمة الدعوة، والردّ الوافر عليها. * * * ولقد كانت الفكرة السائدة في هذا الكتاب من أوله إلى آخره، تكمن في تقسيم كل فصل من فصوله إلى عدة مباحث، يبدأ كل واحد منها بعنوان، يبين المراد منه، وحرصت على أن يكون معناه مستنبطًا من الأفكار الأساسية، والقواعد المنهجية التي جاءت ضمن النقول، تحت هذا المبحث، وإذا قمت بإيراد نقل مطول، لتقرير أي مسألة من المسائل، فعندئذ أقوم بإدخال عنوان جانبي، بين معكوفتين ()، مرة، أو عدة مرات، بحسب الحاجة الداعية إليه، من أجل سهولة الاستفادة، ودوام التركيز للقارئ النجيب، لكل فقرة من فقرات النقل. وأود التنويه إلى أن المقصود بالأصالة في هذا الكتاب، هو بيان معتقد أئمة الدعوة، في كل مسألة من مسائله، وتقرير من تقريراته، ودائمًا ما كنت آتي بالتبع في ختام كل فصل، ـ بنقل، أو عدة نقول، عن الأئمة المعاصرين، من أمثال: أعضاء اللجنة الدائمة، وهيئة كبار العلماء، وأعضاء الإفتاء، حتى يتضح اتحاد الطريق، واستمرارية المسير في تقرير المسائل العلمية، الحاكمة على المسائل العملية، والقائدة لها. * * *

стр. 41

ترجمة الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جناته في ترجمة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأبنائه وأحفاده وأتباعه ﵏ جميعًا -، وفي التعريف بحقيقة دعوة الشيخ، وحجم الصراع بينه وبين خصومه، مع بيان أسبابه الحقيقية، فقال رحمه الله تعالى: «الحمد لله رب العالمين، وصلَّي الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد: أيها الإخوان الفضلاء، أيها الأبناء الأعزاء، هذه المحاضرة الموجزة أتقدم بها بين أيديكم تنويرًا للأفكار، وإيضاحًا للحقائق، ونصحًا لله ولعباده، وأداء لبعض ما يجب عليَّ من الحق نحو المحاضَرِ عنه، وهذه المحاضرة عنوانها: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، دعوته وسيرته ... رأيت أن أتحدث إليكم عن رجل عظيم، ومصلح كبير، وداعية غيور، ألا وهو الشيخ المجدد للإسلام في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية، وهو الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على التميمي الحنبلي. لقد عرف الناس هذا الإمام ولا سيما علماؤهم ورؤساؤهم، وكبراؤهم وأعيانهم في الجزيرة العربية وفي خارجها، ولقد كتب الناس عنه كتابات كثيرة ما بين موجز وما بين مطول، ولقد أفرده كثير من الناس بكتابات، حتى المستشرقون كتبوا عنه كتابات كثيرة، وكتب عنه آخرون في أثناء كتاباتهم عن المصلحين، وفي أثناء كتاباتهم في التأريخ، وصفه المنصفون منهم بأنه

стр. 42

مصلح عظيم، وبأنه مجدد للإسلام، وبأنه على هدى ونور من ربه، وإن تعدادهم يشق كثيرًا. ومن جملتهم المؤلف الكبير أبو بكر الشيخ حسين بن غنام الأحسائي، فقد كتب عن هذا الشيخ فأجاد وأفاد، وذكر سيرته وذكر غزواته، وأطنب في ذلك وكتب كثيرًا من رسائله، واستنباطاته من كتاب الله ، ومنهم أيضًا الشيخ عثمان بن بشر في كتابه «عنوان المجد»، فقد كتب عن هذا الشيخ أيضًا، وعن دعوته، وعن سيرته، وعن تأريخ حياته، وعن غزواته وجهاده. ومنهم خارج الجزيرة: الدكتور أحمد أمين في كتابه «زعماء الإصلاح» فقد كتب عنه وأنصف، ومنهم الشيخ الكبير مسعود الندوي، فقد كتب عنه وسماه: «المصلح المظلوم»، وكتب عن سيرته وأجاد في ذلك. وكتب عنه أيضًا آخرون، منهم الشيخ الكبير الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني، فقد كان في زمانه، وقد كان على دعوته، فلما بلغه دعوة الشيخ سرَّ بها وحمد الله عليها، وكذلك كتب عنه العلامة الكبير الشيخ محمد بن على الشوكاني، صاحب نيل الأوطار، ورثاه بمرثية عظيمة، وكتب عنه جمع غير هؤلاء يعرفهم القراء والعلماء ... ولد هذا الإمام في عام ١١١٥ هـ، هذا هو المشهور في مولده رحمة الله عليه، وقيل: في عام ١١١١ هـ، والمعروف الأول: أنه ولد في عام ١١١٥ هـ على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية، وتعلم على أبيه في بلدة العيينة، وهذه البلدة هى مسقط رأسه رحمة الله عليه، وهى قرية معلومة في اليمامة في نجد، شمال غرب مدينة الرياض، بينها وبين الرياض مسيرة سبعين كيلو متر. ولد فيها رحمة الله عليه، ونشأ نشأة صالحة، وقرأ القرآن مبكرًا، واجتهد في الدراسة والتفقه على أبيه الشيخ عبد الوهاب بن سليمان، وكان فقيهًا

стр. 43

كبيرًا، وكان عالمًا قديرًا، وكان قاضيًا في بلدة العيينة، ثم بعد بلوغ الحلم حج وقصد بيت الله الحرام، وأخذ عن بعض علماء الحرم الشريف، ثم توجه إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فاجتمع بعلمائها، وأقام فيها مدة، وأخذ من عالمين كبيرين مشهورين في المدينة ذلك الوقت، هما: الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي، أصله من المجمعة، وهو والد الشيخ إبراهيم بن عبد الله صاحب العذب الفائض في علم الفرائض، وأخذ أيضًا عن الشيخ الكبير محمد حياة السندي بالمدينة، هذان العالمان ممن اشتهر أخذ الشيخ عنهما بالمدينة، ولعله أخذ عن غيرهما ممن لا نعرف. ورحل الشيخ لطلب العلم إلى العراق، فقصد البصرة واجتمع بعلمائها، وأخذ عنهم ما شاء الله من العلم، وأظهر الدعوة هناك إلى توحيد الله، ودعا الناس إلى السنة، وأظهر للناس أن الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا دينهم عن كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وناقش وذاكر في ذلك، وناظر من هنالك من العلماء، واشتهر من مشايخه هناك شخص يقال له: الشيخ محمد المجموعي، وقد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة، وحصل عليه وعلى شيخه المذكور بعض الأذى، فخرج من أجل ذلك، وكان من نيته أن يقصد الشام، فلم يقدر على ذلك لعدم وجود النفقة الكافية، فخرج من البصرة إلى الزبير، وتوجه من الزبير إلى الأحساء، واجتمع بعلمائها وذاكرهم في أشياء من أصول الدين، ثم توجه إلى بلدة حريملاء وذلك - والله أعلم - في العقد الخامس من القرن الثاني عشر؛ لأن أباه كان قاضيًا في العيينة، وصار بينه وبين أميرها نزاع، فانتقل عنها إلى حريملاء بعد انتقاله إليها سنة ١١٣٩ هـ، فقدم الشيخ محمد على أبيه في حريملاء بعد انتقاله إليها سنة ١١٣٩ هـ، فيكون قدومه حريملاء في عام ١١٤٠ هـ أو ما

стр. 44

بعدها، واستقر هناك، ولم يزل مشتغلاً بالعلم والتعليم والدعوة في حريملاء حتى مات والده عام ١١٥٣ هـ، فحصل من بعض أهل حريملاء شر عليه، وهمَّ بعض السفلة بها أن يفتك به، وقيل إن بعضهم تسوَّر عليه الجدار، فعلم بهم بعض الناس فهربوا، وبعد ذلك ارتحل الشيخ إلى العيينة رحمة الله عليه. وأسباب غضب هؤلاء السفلة عليه أنه كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وكان يحث الأمراء على تعزير المجرمين، الذين يعتدون على الناس بالسلب والنهب والإيذاء، هؤلاء السفلة الذين يقال لهم العبيد هناك، ولما عرفوا من الشيخ أنه ضدهم، وأنه لا يرضى بأفعالهم، وأنه يحرض الأمراء على عقوباتهم، والحد من شرهم؛ غضبوا عليه وهموا أن يفتكوا به، فصانه الله وحماه. (وتكلم الشيخ عن محن الإمام وتنقله من بلد إلى أخرى داعيًا ومجاهدًا حتى جمعه الله بالأمير محمد بن سعود فقال): فبلغ محمد بن سعود خبر الشيخ محمد، ويقال إن الذي أخبره زوجته، جاء إليها بعض الصالحين، وقال لها: أخبري محمدًا بهذا الرجل، وشجعيه على قبول دعوته، وحرضيه على مؤازرته ومساعدته، وكانت امرأة صالحة طيبة، فلما دخل عليها محمد بن سعود أمير الدرعية وملحقاتها، قالت له: أبشر بهذه الغنيمة العظيمة! هذه غنيمة ساقها الله إليك، رجل داعية يدعو إلى دين الله، يدعو إلى كتاب الله، يدعو إلى سنَّة رسول الله ﷺ ، يا لها من غنيمة! بادر بقبوله، وبادر بنصرته، ولا تقف في ذلك أبدًا. فقبل الأمير مشورتها، ثم تردَّد هل يذهب إليه أو يدعوه إليه؟! فأشير عليه، ويقال إن المرأة أيضًا هى التي أشارت عليه مع جماعة من الصالحين، وقالوا له: لا ينبغي أن تدعوه إليك، بل ينبغي أن تقصده في منزله وأن

стр. 45

تقصده أنت، وأن تعظم العلم والداعي إلى الخير. فأجاب إلى ذلك لما كتب الله له من السعادة والخير رحمة الله عليه، وأكرم مثواه، فذهب إلى الشيخ في بيت محمد بن سويلم وقصده وسلم عليه وتحدث معه، وقال له: يا شيخ محمد، أبشر بالنصرة، وأبشر بالأمن، وأبشر بالمساعدة، فقال له الشيخ: وأنت أبشر بالنصرة أيضًا، والتمكين والعاقبة الحميدة، هذا دين الله من نصره نصره الله، ومن أيده أيده الله، وسوف نجد آثار ذلك سريعًا، فقال: يا شيخ، سأبايعك على دين الله ورسوله، وعلى الجهاد في سبيل الله، ولكنني أخشى إذا أيدناك ونصرناك وأظهرك الله على أعداء الإسلام أن تبتغي غير أرضنا، وأن تنقل عنا إلى أرض أخرى، فقال: لا؛ أبايعك على هذا، أبايعك على أن الدم بالدم، والهدم بالهدم، لا أخرج عن بلادك أبدًا. (وتحدث الشيخ عن دعوة الإمام وجهاده حتى وفاته - رحمه الله تعالى - إلى أن قال): ثم بعد وفاة الشيخ رحمة الله عليه، استمر أبناؤه وأحفاده، وتلاميذه وأنصاره في الدعوة والجهاد، وعلى رأس أبنائه الشيخ الإمام عبد الله بن محمد، والشيخ حسين بن محمد، والشيخ علي بن محمد، والشيخ إبراهيم بن محمد، ومن أحفاده الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ علي بن حسن، والشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد، وجماعة آخرون، ومن تلاميذه أيضًا الشيخ حمد ابن ناصر بن معمر، وجمع غفير من علماء الدرعية وغيرهم، واستمروا في الدعوة والجهاد، ونشروا دين الله تعالى، وكتابة الرسائل وتأليف المؤلفات، وجهاد أعداء الدين، وليس بين هؤلاء الدعاة وخصومهم شيء، إلاَّ أن هؤلاء دعوا إلى توحيد الله وإخلاص العبادة لله ،

стр. 46

والاستقامة على ذلك، وهدم المساجد والقباب التي على القبور، ودعوا إلى تحكيم الشريعة والاستقامة عليها، ودعوا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود الشرعية، هذه أسباب النزاع بينهم وبين الناس» (١). هذا آخر ما تيسر كتابته في هذه المقدمة؛ والآن نفسح المجال للقارئ العزيز للدخول بخطى ثابتة ومتأنية وراسخة، لفهم وإدراك: أصول وقواعد وأهداف وغايات هذا التراث. * * *

стр. 47

الباب الأول أصول الإسلام والتوحيد والإيمان وفيه مقدِّمة وتسعة فصول: المقدِّمة: أحوال المشركين بين التبديل والتغيير. الفصل الأول: حقيقة الإسلام وشروط قبوله. الفصل الثاني: حقيقة التوحيد وأركانه ومقتضياته وأنواعه. الفصل الثالث: كيفية الإيمان بالرسالة، وتحقيق أركانها ومقتضاتها. الفصل الرابع: أصول الإيمان ومقتضياته ولوازمه. الفصل الخامس: الطاغوت وصفة الكفر به. الفصل السادس: الحكم لله وحده لا شريك له. الفصل السابع: حقيقة الولاء والبراء. الفصل الثامن: الأسماء والصفات ومنهج السلف في الإيمان بها. الفصل التاسع: القضاء والقدر ومنهج السلف في الإيمان به.

стр. 48

مقدمة أحوال المشركين بين التبديل والتغيير (مدخل ضروري وهام لفهم وبيان قضية التوحيد) وفيه مبحثان: المبحث الأول: لقد ملأ الشرك الأرض قاصيها ودانيها، وللشيطان ما يبذل من أهله، وليس للرحمن من ذلك نصيب. المبحث الثاني: لقد دار الناس مع أسماء قد خلت من حقائقها ومدلولاتها، ولم يقفوا مع المعاني التي تعلَّقت بها الأحكام، فعاد بذلك الشرك والتنديد، واستغنى أهله به عن الإخلاص والتوحيد.

стр. 49

المأمول من هذه المقدّمة أن تقف الأمة بعلمائها ودعاتها ومفكريها وعبَّادها وعوامها، على المصيبة العظمى والداهية الكبرى للتردِّي المزري المشين الذي يصيب الأمة حال انتشار الشرك بين أرجائها وفورانه بين جنباتها ومن ثم ولا بد تأتي النتيجة المتمثلة في غياب التوحيد، وطمس معالمه وردم حدوده. فانتشار الشرك مؤذن بضياع هوية الأمة، لأن الهوية الوحيدة التي تجمعنا وترتب صفوفنا، ويدور حولها ولاؤنا وبراؤنا، هى قضية التوحيد. «فالتوحيد» حل محلّ: العصبية الجاهلية، والقومية العربية، والوحدة الوطنية ... وكافة شعائر الكفر، وأعلام الشرك، ونجوم الزندقة. فإذا ضاع التوحيد، أصبح نهارنا كليلنا، ونورنا كظلماتنا. ولا رجعة لنا من التيه الذي ضرب بأطنابه حولنا، إلاَّ بالرجوع المنشود للمَعين الصافي، الذي يتمثل في: الكتاب، والسنَّة، مع الترجمة العملية لهما من أصحاب الثلاثة القرون الأولى، ننهل منها عقائدنا، ونستمد شريعة وجودنا، ونستلهم معالم طريقنا، وحدود قضيتنا، وكيفية إعادة بناء صفوفنا، حتى نستطيع الانطلاق الصحيح الحثيث على ضوء ديننا الحنيف، وعلى هدي رعيلنا الأول، للقيام بدورنا أولاً تجاه أنفسنا، وثانيًا حيال البشرية كلها من حولنا. وأول أعلام الطريق، ومنارات السبيل، هو القيام بالإخلاص والتوحيد، والقضاء على الشرك والتنديد. وإليكم الدليل والبرهان على كل ما تقدم من الآمال والآلام.

стр. 50

المبحث الأول لقد ملأ الشرك الأرض، قاصيها ودانيها، وللشيطان ما يبذل من أهله، وليس للرحمن من ذلك نصيب قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في بيان أحوال الأمة، وما أصابها من الشرك الذي ضرب بأطنابه وجذوره في كافة بلدان المسلمين، قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب ﵏ جميعًا. «كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان، قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملَّة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد، والإعراض عن السنَّة والقرآن، وشبَّ الصغير، وهو لا يعرف من الدين إلاَّ ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة؛ ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهَّان، والطواغيت، مقبولة غير مردودة، ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجدُّوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق على غير الله، من الأولياء، والصالحين، والأوثان، والأصنام، والشياطين ... (حالة بلاد نجد) فأما بلاد نجد: فقد بالغ الشيطان في كيدهم وجدَّ، وكانوا ينتابون: قبر زيد بن الخطاب، ويدعونه رغبًا ورهبًا، بفصيح الخطاب، ويزعمون أنه

стр. 51

يقضي لهم الحوائج، ويرونه من أكبر الوسائل والولائج، وكذلك عند قبر يزعمون أنه قبر: ضرار بن الأزور، وذلك كذب ظاهر، وبهتان مزرو (١) ... (حالة بلاد الحرمين آنذاك) حتى بلاد الحرمين الشريفين! فمن ذلك: ما يفعل عند قبر محجوب؛ وقبَّة أبى طالب، فيأتون قبره بالشماعات والعلامات، للاستغاثة عند نزول المصائب، وحلول النواكب، وكانوا له في غاية التعظيم، وما لا يجب عند البيت الكريم! فلو دخل سارق، أو غاصب، أو ظالم قبر أحدهما، لم يتعرض له أحد، لما يرون له من وجوب التعظيم، والاحترام، والمكارم ... (حالة بلاد الطائف) وفي الطائف: قبر ابن عباس ﵄، يفعل عنده من الأمور الشركية التى تشمئز منها نفوس الموحدين، وتنكره قلوب عباد الله المخلصين، وتردها الآيات القرآنية، وما ثبت من النصوص عن سيد المرسلين، منها: وقوف السائل عند القبر متضرِّعًا مستغيثًا، وإبداء الفاقة إلى معبودهم، مستكينًا مستعينًا، وصرف خالص المحبة التى هى محبة العبودية، والنذر والذبح لمن تحت ذاك المشهد، والبنية. وأكثر سوقتهم وعامتهم يلهجون بالأسواق: اليوم على الله وعليك يا ابن عباس، فيستمدون منه الرزق، والغوث، وكشف الضر، والبأس ... كذلك ما يفعل بالمدينة المشرَّفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، هو من هذا القبيل، بالبعد عن منهاج الشريعة والسبيل، وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حدَّه، وهو القبر الذي يزعمون أنه قبر حوّاء؛ وضعه لهم بعض الشياطين، وأكثروا في شأنه الإفك المبين، وجعلوا له السدنة والخدام،

стр. 52

وبالغوا في مخالفة ما جاء به محمد عليه أفصل الصلاة والسلام، من النهي عن تعظيم القبور، والفتنة بمن فيها من الصالحين والكرام ... (حالة بلاد مصر) وأما بلاد مصر، وصعيدها، وفيُّومها، وأعمالها، فقد جمعت من الأمور الشركية، والعبادات الوثنية، والدعاوى الفرعونية، ما لا يتسع له كتاب، ولا يدنو له خطاب، لا سيما عند مشهد: أحمد البدوي، وأمثاله من المعتقَدين المعبودين، فقد جاوزوا بهم ما ادعته الجاهلية لآلهتهم؛ وجمهورهم يرى: من تدبير الربوبية، والتصريف في الكون بالمشيئة، والقدرة العامة، ما لم ينقل مثله عن أحد من الفراعنة والنماردة ... (حالة أهل اليمن) كذلك ما يفعل في بلدان اليمن، جار على تلك الطريق والسنن؛ ففي صنعاء، وبرع، والمخا، وغيرها من تلك البلاد، ما يتنزَّه العاقل عن ذكره ووصفه، ولا يمكن الوقوف على غايته وكشفه؛ ناهيك بقوم: استخفَّهم الشيطان، وعدلوا عن عبادة الرحمن، إلى عبادة القبور والشيطان؛ فسبحان من لا يعجل بالعقوبة على الجرائم، ولا يهمل الحقوق والمظالم. وفي حضرموت، والشحر، وعدن، ويافع، ما تستك عن ذكره المسامع، يقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس! شيء لله يا محيي النفوس! وفي أرض نجران، من تلاعب الشيطان، وخلع ربقة الإيمان، ما لا يخفى على أهل العلم بهذا الشأن، كذلك رئيسهم المسمَّى: بالسيد، لقد أتوا من طاعته وتعظيمه، وتقديمه وتصديره، والغلو فيه، بما أفضى بهم إلى مفارقة الملَّة والإسلام، والانحياز إلى عبادة الأوثان والأصنام: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا

стр. 53

لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. (حالة بلاد الشام والعراق) وكذلك، حلب، ودمشق، وسائر بلاد الشام، فيها من تلك المشاهد، والنُّصب، والأعلام، ما لا يجامع عليه أهل الإيمان والإسلام، من أتباع سيد الأنام، وهى: تقارب ما ذكرنا من الكفريات المصرية، والتلطخ بتلك الأحوال الوثنية الشركية. وكذلك: الموصل، وبلاد الأكراد، ظهر فيها من أصناف الشرك والفجور والفساد؛ وفي العراق: من ذلك بحره المحيط بسائر الخلجان، وعندهم المشهد الحسيني، قد اتخذه الرافضة وثنًا، بل ربًا مدبِّرًا، وخالقًا ميسِّرًا، وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به معاهد اللات والعزى، وما كان عليه أهل الجاهلية ... وكذلك جميع قرى الشط؛ والمجرة، على غاية من الجهل، وفي القطيف، والبحرين، من البدع الرافضية، والأحداث المجوسية، والمقامات الوثنية، ما يضاد ويصادم أصول الملَّة الحنيفية» (١). * * *

стр. 54

المبحث الثاني لقد دار الناس مع أسماء، قد خلت من حقائقها ومدلولاتها ولم يقفوا مع المعاني التي تعلقت بها الأحكام فعاد بذلك: الشرك والتنديد، واستغنى أهله به عن الإخلاص والتوحيد قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: «وتلطف الشيطان في كيد هؤلاء الغلاة في قبور الصالحين، بأن دسَّ عليهم تغيير الأسماء والحدود الشرعية، والألفاظ اللغوية، فسموا الشرك وعبادة الصالحين: توسُّلاً ونداء، وحسن اعتقاد في الأولياء، وتشفعًا بهم، واستظهارًا بأرواحهم الشريفة؛ فاستجاب له صبيان العقول، وخفافيش البصائر، وداروا مع الأسماء، ولم يقفوا مع الحقائق. فعادت عبادة الأولياء والصالحين، ودعاء الأوثان والشياطين، كما كانت قبل النبوة، وفي زمان الفترة حذو النعل بالنعل، وحذو القذَّة بالقذَّة، وهذا من أعلام النبوة، كما ذكره غير واحد، ولم يزل ذلك في ظهور وازدياد، حتى عمَّ ضرره، وبلغ شرره الحاضر والباد» (١). وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين - رحمه الله تعالى -: «فإذا علم الإنسان، وتحقق معنى الإله وأنه: المعبود، وعرف حقيقة العبادة، تبين له أن من جعل شيئًا من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلهًا، وإن فرّ من تسميته معبودًا أو إلهًا، وسمى ذلك: توسلاً وتشفعًا والتجاء

стр. 55

ونحو ذلك. فالمشرك مشرك شاء أم أبى؛ كما أن المرابي مراب شاء أم أبى؛ وإن لم يسم ما فعله ربا؛ وشارب الخمر شارب للخمر، وإن سماها بغير اسمها» (١). (لقد بلغ المشركون حدًا في شركهم، يربو على شرك أهل الجاهلية الأولى) قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: ونذكر لك هنا طرفًا من معتقد عباد القبور والصالحين، وحقيقة ما هم عليه من الدين، وليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن، إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمنّ، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم: تشفُّعًا وتوسُّلاً واستظهارًا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق. من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمَّات والملمَّات والحوادث التي لا يكشفها ولا يجيب الدعاء فيها إلاَّ فاطر الأرض والسماوات والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم، طلبًا للغوث، واستجابة للدعوات وإظهارًا للفاقة، وإبداء للفقر والضراعة، واستنزالاً للغوث والأمطار، وطلبًا للسلامة من شدائد البر والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية» (٢). هذه هي بإيجاز أحوال المشركين في عصر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وما دهاهم من التردِّي المشين في أوحال الشرك الوخيم.

стр. 56

ولقد آثرت هذه البداية، لتتجلى بها قضية التوحيد - لأنه بالضد تعرف الأشياء -، وليدرك العلماء والدعاة والمربون: خطورة الموقف وعظم المقام، عندما يُغيّب التوحيد، ويحل محله الشرك والتنديد برب العالمين، ومن ثمّ تعلو راية الشرك خفاقة، وينجم علم الزندقة فوق رءوس الأمة، ويلوح بهما في وجه الموحِّدين نكاية بهم، وضربة موجعة لكيانهم وصفوفهم ... والحاصل أن ما تقدم ينبئ بحاجة الأمة الماسَّة لمعرفة التوحيد، والحد الحقيقي من الديانة، الذي ينبغي القيام به حتى تتحقق النجاة الحقيقية ويتسنى للأمة القيام بدورها المناط بها، والمراد لها. ولهذا ولغيره الكثير سوَّد علماء وأئمة الأمة كتبهم في جلاء قضية التوحيد، لبناء حائط الصدر الشامخ، الذي يقي الأمة الضربات المتلاحقة من قبل أعدائها، ويضمن لها استمرارية البقاء في حلبة الصراع، عن طريق الجهاد الحثيث، المتواصل، للحفاظ على عقيدة المسلمين صافية، من زيف وبطلان دعاوى أهل الشرك والإلحاد. * * *

стр. 57

الفصل الأول حقيقة الإسلام وشروط قبوله وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حقيقة الإسلام الفارقة بين الموحِّدين المسلمين، والمشركين الكافرين المبحث الثاني: شروط صحة الإسلام وقَبوله. المبحث الثالث: البراءة من الشرك وأهله، شرط في صحة الإسلام وقَبوله بالإجماع.

стр. 58

المبحث الأول حقيقة الإسلام الفارقة بين الموحدين المسلمين والمشركين الكافرين قال الإمام محمد بن عبد الوهاب معرِّفًا الإسلام: «هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله» (١). وقال أيضًا ﵀: «وأصله - أي الإسلام - وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والموالاة فيه، وتكفير من تركه؛ والإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله» (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله تعالى -: «لا يصح لأحد إسلام إلاَّ بمعرفة ما دلَّت عليه هذه الكلمة - أي كلمة التوحيد - من نفي الشرك في العبادة، والبراءة منه وممن فعله ومعاداته، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والموالاة في ذلك» (٣). وقال عبد الله وإبراهيم ابنا عبد اللطيف، وسليمان بن سمحان - رحم الله الجميع -: حقيقة الإسلام التي بعث الله بها رسله الكرام، ودعوا إليها تتمثل في: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له، وأن لا يشرك في

стр. 59

واجب حقه أحد من خلقه، وأن يوصف بما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال. فمن خالف ما جاءوا به، ونفاه وأبطله، فهو كافر ضال، وإن قال: لا إله إلاَّ الله، وزعم أنه مسلم، لأن ما قام به من الشرك يناقض ما تكلَّم به من كلمة التوحيد، فلا ينفعه التلفظ بقول: لا إله إلاَّ الله، لأنه تكلَّم بما لم يعمل به، ولم يعتقد ما دلّ عليه» (١). اهـ. وقال إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن - رحمهم الله تعالى -: «قال محمد بن عبد الوهاب ﵀: ومجرَّد الإتيان بلفظ الشهادة، من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها، لا يكون به المكلَّف مسلمًا؛ بل هو حجة على ابن آدم، خلافًا لمن زعم أن الإيمان مجرَّد: الإقرار» (٢). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، مفتي الديار النجدية في وقته - رحمه الله تعالى -: «فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلي الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدُّون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يُكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحل ذكاتهم لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين، والاستغاثة بهم وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام. وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام، أمر معلوم بالأدلة من الكتاب والسنَّة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها» (٣). * * *

стр. 60

المبحث الثاني شروط صحة الإسلام وقبوله قال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: اعلم رحمك الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتدَّ. مثال عمل القلب: أن يظن أن هذا الذي عليه أكثر الناس من الاعتقاد في الأحياء والأموات حق، ويستدل بكون أكثر الناس عليه، فهو كافر مكذِّب للنبي ﷺ ، ولو لم يتكلَّم بلسانه، ولم يعمل إلاَّ بالتوحيد، وكذلك إذا شط، لا يدري من الحق معه، فهذا لو لم يكذب فهو لم يصدق النبي ﷺ ، فهو يقول عسى الله أن يبيِّن الحق، فهو في شك، فهو مرتد ولو لم يتكلَّم إلاَّ بالتوحيد. ومثال اللسان: أن يؤمن بالحق ويحبه، ويكفر بالباطل ويبغضه، ولكنه تكلَّم مداراة لأهل الأحساء، ولأهل مكة أو غيرهم بوجوههم، خوفًا من شرِّهم؛ وإما أن يكتب لهم كلامًا يصرِّح لهم بمدح ما هم عليه، أو بذكر أنه ترك ما هو عليه، ويظن أنه ماكر بهم، وقلبه موقن أنه لا يضره، وهذا أيضًا لغروره. وهو معنى قول الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٦، ١٠٧]، فقط لا لتغير عقائدهم.

стр. 61

فمن عرف هذا، عرف أن الخطر، خطر عظيم شديد، وعرف شدة الحاجة للتعلم والمذاكرة، وهذا معنى قوله في الإقناع في الردة، نطقًا أو اعتقادًا أو شكًا أو فعلاً، والله أعلم» (١). وقال عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين - رحمه الله تعالى -: «الإقرار بتوحيد الربوبية، وهو أنَّ الله سبحانه خالق كل شيء ومليكه ومدبِّره، فهذا يُقرُّ به المسلم والكافر ولا بد منه، لكن لا يصير الإنسان به مسلمًا حتى يأتي بتوحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وبه يتميَّز المسلم من المشرك، وأهل الجنة من أهل النار» (٢). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمهما الله تعالى -: «فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وصلَّى وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين: أن لا يعبد إلاَّ الله، فمن أتى بالشهادتين، وعبد غير الله، فما أتى بهما حقيقة، وإن تلفظ بهما، كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم مشركون. ومجرد التلفظ بالشهادتين لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناها، واعتقادها إجماعًا» (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله تعالى -: «فلا إله إلاَّ الله، هي: كلمة الإسلام لا يصح إسلام أحد إلاَّ بمعرفة ما

стр. 62

وضعت له، ودلَّت عليه، وقَبوله، والانقياد للعمل به، وهي كلمة الإخلاص المنافي للشرك، وكلمة التقوى» (١). وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء «فتوى رقم ١٠٦٨٤»: س: ما هو الحدُّ الفاصل بين الكفر والإسلام، وهل من ينطق بالشهادتين ثم يأتي بأفعال تناقضهما يدخل في عداد المسلمين رغم صلاته وحياته؟ ج: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد: الحد بين الكفر والإسلام النطق بالشهادتين مع الصدق والإخلاص والعمل بمقتضاهما، فمن تحقق فيه ذلك فهو مسلم مؤمن. أما من نافق فلم يصدق ولم يخلص فليس بمؤمن، وكذا من نطق بهما وأتى بما يناقضهما من الشرك، مثل من يستغيث بالأموات في الشدَّة أو الرخاء، ومن يؤثر الحكم بالقوانين الوضعية على الحكم بما أنزل الله تعالى، ومن يهزأ بالقرآن أو ما ثبت من سنَّة رسول الله ﷺ فهذا كافر وإن نطق بالشهادتين وصلَّى وصام. وبالله التوفيق وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٢) * * *

стр. 63

المبحث الثالث البراءة من الشرك وأهله شرط في صحة الإسلام وقبوله بالإجماع قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: «لا يصح دين الإسلام إلاَّ بالبراءة من هؤلاء - أي الطواغيت المعبودة من دون الله - وتكفيرهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]» (١). وقال عبد الرحمن بن حسن: «أجمع العلماء سلفًا وخلفًا من الصحابة، والتابعين، والأئمة، وجميع أهل السنَّة، أن المرء لا يكون مسلمًا، إلاَّ بالتجرُّد من الشرك الأكبر، والبراءة منه وممن فعله، وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة والقدرة، وإخلاص الأعمال كلها لله، كما في حديث معاذ الذي في الصحيحين: «فإنَّ حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (٢). وقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: «إن أصل الإسلام وقاعدته هي: عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالقصد والطلب، وأن توحيد الربوبية واعتقاد الفاعلية له تعالى، لا يكفي في السعادة والنجاة، ولا يكون به المرء مسلمًا حتى يعبد الله وحده، ويتبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة» (٣).

стр. 64

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلاَّ الله؛ لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئًا، لا تظن أنَّ ذلك يحصل لك بك الدخول في الإسلام، بل لا بدَّ من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم؛ كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: ﴿إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ولو يقول رجل: أنا أتبع النبي ﷺ وهو على الحق، لكن لا أتعرَّض اللاَّت، والعُزَّى، ولا أتعرض أبا جهل وأمثاله، ما علىّ منهم؛ لم يصح إسلامه» (١). وقال أيضًا ﵀: ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله، من جني، أو إنسي، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك، وتشهد عليه الكفر والضلال، وتبغضه، ولو كان أنه أبوك أو أخوك، فأما من قال: أنا لا أعبد إلاَّ الله، وأنا لا أتعرض السادة والقباب على القبور وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول لا إله إلاَّ الله، ولم يؤمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت» (٢).

стр. 65

وقال حسين وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا -: إن الرجل لا يكون مسلمًا إلاَّ إذا عرف التوحيد ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول ﷺ فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به، وآمن به وبما جاء به. فمن قال لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال لا أتعرض أهل لا إله إلاَّ الله ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال لا أتعرض للقباب، فهذا لا يكون مسلمًا بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] (١). * * *

стр. 66

الفصل الثاني حقيقة التوحيد وأركانه ومقتضياته وأنواعه وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: معنى الإله الذي ينبغي معرفته والعمل بموجبه لتحقيق التوحيد مع الانخلاع من الشرك والتنديد. المبحث الثاني: حدّ العبادة وكيفية القيام بها. المبحث الثالث: من شروط صحة العبادة: الكفر بالطاغوت، والانخلاع من الشرك مع البراءة من المشركين. المبحث الرابع: حقيقة التوحيد وأنواعه وحدود العلاقة بينهما. المبحث الخامس: كمال الله المطلق من جميع الوجوه أوجب له سبحانه: وحدانيته في ربوبيته وألوهيته، وبه جزم الموحِّدون ببطلان كل ما يعبد من دونه، ووجوب ذلك ثابت بالعقل والفطرة والنقل. المبحث السادس: أصول التوحيد العاصمة من الشرك والتنديد، قد اتفقت عليها الرسالات، وتطابقت عليها النبوَّات، ومن ثم فلا يسع أي عبد فيها إلاَّ الاتباع دون الابتداع والاجتهاد. المبحث السابع: شروط وأركان «لا إله إلاَّ الله» مع بيان أن المقصود الأعظم منها: تحقيق معناها في القلب، فالنطق بها باللسان، فالقيام بمقتضاها بالجوارح. المبحث الثامن: أحوال وأصناف الناطقين بكلمة التوحيد.

стр. 67

مدخل مفيد لفهم قضية التوحيد لقد انعقد إجماع الصحابة، ومن ورائهم أهل السنَّة - السائرين على أصول دربهم - في كل عصر ومصر من عصورهم وأمصارهم على أنَّ معنى «لا إله إلاَّ الله» هو: لا معبود بحق إلاَّ الله. ومن ثمَّ تحتَّم على كل عبد: العلم بمدلول كلمتي «الإله» و «العبادة»، حتى يتسنَّى له معرفة معاني ومقتضيات ولوازم ومبطلات الكلمة العاصمة، كلمة التوحيد. ولا يفوتني التذكير هنا بأن تحقيق التوحيد علمًا واعتقادًا ونطقًا وعملاً، هو نقطة الانطلاق الأولى لتحقيق مشروعية وجود الأمة، وهو السبيل الوحيد العاصم من كيد الكفار ومخططات الإلحاد. وبه نستطيع أن نفيء من غفلتنا وسباتنا العميق لنتسلَّم زمام أمرنا من أيدي أعدائنا، لنقود قافلة أمتنا بحكم ربنا وهدي نبينا ﷺ . ومن ثم نستطيع القيام بالدور الريادي المُناط بنا وهو قيادة البشرية وهدايتها لعلة خلقها والحكمة من وجودها وهي: إفراد الله سبحانه بالعبادة، مع الكفر والبراءة من كل ما يعبد من دونه. * * *

стр. 68

المبحث الأول معنى الإله الذي ينبغي معرفته، والعمل بموجبه، لتحقيق التوحيد مع الانحلاع من الشرك والتنديد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «فاعلم أن الإله هو: المعبود. هذا هو تفسير هذه اللفظة بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئًا فقد اتخذه إلهًا من دون الله، وجميع ذلك باطل، إلاَّ إله واحد، وهو الله وحده ﵎ علوًا كبيرًا» (١). وقال عبد الرحمن بن حسن: وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره «لا إله إلا الله»، أي: لا معبود إلا هو. وقال الزمخشري: «الإله» من أسماء الأجناس. كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق. وقال شيخ الإسلام: «الإله» هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد. وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع. قال: فإن الإله المحبوب المعبود الذي تألَهه القلوب بحبها، وتخضع له وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهمَّاتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلاَّ لله وحده» (٢).

стр. 69

المبحث الثاني حدُّ العبادة وكيفية القيام بها قال سليمان بن عبد الله ﵀ في شرحه على كتاب التوحيد: «قال شيخ الإسلام: (العبادة) هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل. وقال أيضًا: (العبادة) اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وقال ابن القيم: ومدارها على خمس عشرة قاعدة، من كمَّلها كمل مراتب العبودية، وبيان ذلك: أن العبادة منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح. والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح. وهنَّ لكل واحد من القلب واللسان والجوارح. وقال القرطبي: أصل (العبادة) التذلل والخضوع، وسمِّيت وظائف الشرع على المكلفين عبادات، لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذلِّلين لله تعالى. وقال ابن كثير: (العبادة) في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبَّد وغير معبَّد، أي: مذلَّل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، وهكذا ذكر غيرهم من العلماء» (١). وقال محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى: «قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومعنى يعبدون: يوحِّدون، والعبادة هي: التوحيد، لأن الخصومة بين الرسل

стр. 70

وأممهم فيه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]» (١). وقال بعض علماء نجد الأعلام في رسالتهم المسمَّاة: «تنزيه الذات والصفات من دَرن الإلحاد والشبهات»: «والعبادة أنواع: اعتقادية: - وهي أساسها - وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلاَّ بإذنه، وأنه لا معبود بحق إلاَّ هو، وغير ذلك مما يجب له من لوازم الإلهية. ومنها لفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله. وكان كإبليس، فإنه يعتقد التوحيد بل ويقر به ولم يمتثل أمر الله بالسجود فكفر، ومن نطق ولم يعتقد حقن ماله ودمه وحسابه على الله وحكمه حكم المنافقين. وبدنية: كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، ومنها الصوم وأفعال الحج والطواف. ومالية: كإخراج جزء من المال امتثالاً لما أمر الله تعالى به. وأنواع الواجبات والمندوبات في الأبدان والأموال والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها» (٢). * * *

стр. 71

المبحث الثالث من شروط صحة العبادة: الكفر بالطاغوت، والانخلاع من الشرك، مع البراءة من المشركين قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «فاعلم أن العبادة لا تسمَّى عبادة إلاَّ مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمَّى صلاة إلاَّ مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. فإذا عرفت: أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك بالله» (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: «المسألة السابعة: المسألة الكبيرة: أن عبادة الله لا تحصل إلاَّ بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال عبد الرحمن بن حسن: «وفي الباب - أي الباب الأول من كتاب التوحيد -: الحث على إخلاص العبادة لله، وأنها لا تنفع مع الشرك، بل لا تسمَّى عبادة» (٢).

стр. 72

وقال سلمان بن عبد الله: «إن التجرد من الشرك لا بدَّ منه في العبادة، وإلاَّ فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله بل مشرك» (١). وقال أبو بطين: أما تعريف العبادة، فقد عرَّفها شيخنا محمد بن عبد الوهاب ﵀ في فوائده على كتابه، كتاب التوحيد، بأن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه، وأن من لم يأت به لم يعبد الله؛ فدلَّ على أنَّ التجرد من الشرك لا بدَّ منه في العبادة، وإلاَّ فلا يسمَّى عبادة» (٢). وقال عبد الرحمن بن حسن: وقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الآية. وهذه الآية تبين العبادة التي خُلقوا لها أيضًا، فإنه تعالى قرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه وهو الشرك في العبادة، فدلَّت هذه الآية على: أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فلا تصح بدونه أصلاً، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]» (٣). * * *

стр. 73

المبحث الرابع حقيقة التوحيد، وأنواعه، وحدود العلاقة بينها قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «التوحيد: مصدر وحَّد يُوحِّد توحيدًا، أي: جعله واحدًا، وسمِّي دين الإسلام توحيدًا، لأن مبناه على أنَّ الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء والمرسلين الذين جاءوا به من عند الله، وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلاَّ أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب ... النوع الأول: توحيد الربوبية والملك، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرِّد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر، وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده، قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء

стр. 74

مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]. فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين، بل قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال مجاهد في الآية: إيمانهم بالله قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وعن ابن عباس وعطاء والضحاك نحو ذلك. فتبين أن الكفار يعرفون الله، ويعرفون ربوبيته، وملكه، وقهره، وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعًا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك، ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وبعضهم يؤمن البعث والحساب، وبعضهم يؤمن بالقدر. كما قال زهير: يؤخر فيوضع في كتاب فيدَّخر ... ليوم الحساب أو يعجَّل فينقم وقال عنترة: يا عبل أين من المنية مهرب ... إن كان ربي في السماء قضاها ومثل هذا يوجد في أشعارهم، فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم، وسبي نسائهم، وإباحة أموالهم، مع هذا الإقرار والمعرفة، وما ذاك إلاَّ لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلاَّ الله.

стр. 75

النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رءوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى، والصفات العلى. وهذا أيضًا لا يكفي في حصول الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، من توحيد الربوبية والإلهية ... النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى، من المحبة والخوف، والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، والدعاء لله وحده، وينبني على ذلك: إخلاص العبادات كلها ظاهرها وباطنها لله وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئًا لغيره، لا لملك: مقرَّب، ولا لنبي مرسل، فضلاً عن غيرهما. وهذا التوحيد هو الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ... وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلاَّ الله. فإن الإله هو: المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار» (١). * * *
следующие страницы →