← Акыда

Акыда · id 17368

المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (555 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الثالث من شروط صحة العبادة: الكفر بالطاغوت، والانخلاع من الشرك، مع البراءة من المشركين قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «فاعلم أن العبادة لا تسمَّى عبادة إلاَّ مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمَّى صلاة إلاَّ مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. فإذا عرفت: أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك بالله» (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: «المسألة السابعة: المسألة الكبيرة: أن عبادة الله لا تحصل إلاَّ بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال عبد الرحمن بن حسن: «وفي الباب - أي الباب الأول من كتاب التوحيد -: الحث على إخلاص العبادة لله، وأنها لا تنفع مع الشرك، بل لا تسمَّى عبادة» (٢).

стр. 72

وقال سلمان بن عبد الله: «إن التجرد من الشرك لا بدَّ منه في العبادة، وإلاَّ فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله بل مشرك» (١). وقال أبو بطين: أما تعريف العبادة، فقد عرَّفها شيخنا محمد بن عبد الوهاب ﵀ في فوائده على كتابه، كتاب التوحيد، بأن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه، وأن من لم يأت به لم يعبد الله؛ فدلَّ على أنَّ التجرد من الشرك لا بدَّ منه في العبادة، وإلاَّ فلا يسمَّى عبادة» (٢). وقال عبد الرحمن بن حسن: وقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الآية. وهذه الآية تبين العبادة التي خُلقوا لها أيضًا، فإنه تعالى قرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه وهو الشرك في العبادة، فدلَّت هذه الآية على: أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فلا تصح بدونه أصلاً، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]» (٣). * * *

стр. 73

المبحث الرابع حقيقة التوحيد، وأنواعه، وحدود العلاقة بينها قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «التوحيد: مصدر وحَّد يُوحِّد توحيدًا، أي: جعله واحدًا، وسمِّي دين الإسلام توحيدًا، لأن مبناه على أنَّ الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء والمرسلين الذين جاءوا به من عند الله، وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلاَّ أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب ... النوع الأول: توحيد الربوبية والملك، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرِّد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر، وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده، قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء

стр. 74

مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]. فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين، بل قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال مجاهد في الآية: إيمانهم بالله قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وعن ابن عباس وعطاء والضحاك نحو ذلك. فتبين أن الكفار يعرفون الله، ويعرفون ربوبيته، وملكه، وقهره، وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعًا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك، ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وبعضهم يؤمن البعث والحساب، وبعضهم يؤمن بالقدر. كما قال زهير: يؤخر فيوضع في كتاب فيدَّخر ... ليوم الحساب أو يعجَّل فينقم وقال عنترة: يا عبل أين من المنية مهرب ... إن كان ربي في السماء قضاها ومثل هذا يوجد في أشعارهم، فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم، وسبي نسائهم، وإباحة أموالهم، مع هذا الإقرار والمعرفة، وما ذاك إلاَّ لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلاَّ الله.

стр. 75

النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رءوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى، والصفات العلى. وهذا أيضًا لا يكفي في حصول الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، من توحيد الربوبية والإلهية ... النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى، من المحبة والخوف، والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، والدعاء لله وحده، وينبني على ذلك: إخلاص العبادات كلها ظاهرها وباطنها لله وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئًا لغيره، لا لملك: مقرَّب، ولا لنبي مرسل، فضلاً عن غيرهما. وهذا التوحيد هو الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ... وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلاَّ الله. فإن الإله هو: المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار» (١). * * *

стр. 76

المبحث الخامس كمال الله المطلق من جميع الوجوه أوجب له سبحانه وحدانيته في ربوبيَّته وألوهيَّته، وبه جزم الموحدون ببطلان تأله كل ما يعبد من دونه، ووجوب (١) ذلك ثابت بالعقل والفطرة والشرع قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله تعالى: «وهو سبحانه ينعم عليك ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمَّى به ووصف به نفسه، إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته، لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن العالمين: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. فالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه، واجب له من لوازم ذاته، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره، ففعله وإحسانه وجوده من كماله، لا يفعل شيئًا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل كل ما يريد فعله فإنه فعَّال لمَا يريد. وهو سبحانه بالغ أمره، فكل ما يطلبه فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده ولا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين من ظهير، وليس له ولي من الذل، قاله شيخ الإسلام» (٢).

стр. 77

ونقل عبد اللطيف بن عبد الرحمن عن ابن القيم قوله: «ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه. الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستغاثة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب: عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبَّه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدَّة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة. ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل. هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبَّهه به في خالص حقَّه. وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرَّت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت لهم من الله الحسنى، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم. فازدادوا بذلك نورًا على نورهم، يهدي الله لنوره من يشاء» (١). * * *

стр. 78

المبحث السادس أصول التوحيد العاصمة من الشرك والتنديد قد اتفقت عليها الرسالات، وتطابقت عليها النبوَّات، ومن ثمَّ فلا يسع أي عبد فيها إلا الإتباع دون الابتداع والاجتهاد قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «ومسائل معرفة الله ووجوب توحيده، وإسلام الوجه له وحده لا شريك له، ومسائل ربوبيته واختصاصه بالخلق والإيجاد والتدبير، ونحو ذلك، مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، كصَمَدِيَّته تعالى، ونفي الكفء والصاحبة والولد، وغناه بذاته ومباينته لمخلوقاته، وعموم قدرته وإحاطة سمعه وبصره وعلمه بجميع المعلومات والمبصرات والمسموعات، ونحو ذلك من أصول الدين. فكل الرسل متفقون عليه، وجميع الكتب داعية إليه والعقول الصحيحة حاكمة به، فكل اجتهاد خالفه فباطل مردود لا يسوغ العمل به في شريعة من الشرائع، ولا عند عالم من العلماء ولا فقيه من الفقهاء. والعراقي (١) أجنبي عن هذه المباحث والعلوم، ولا يدري الفرق بين مسائل الاجتهاد وغيرها، وكأن الرجل من أهل الفترات لم يأنس بشيء مما جاءت به النبوَّات. قال شمس الدين في هدايته: بل جميع النبوَّات من أولها إلى آخرها متفقة على أصول.

стр. 79

(أصول التوحيد التي اتفقت عليها جميع الرسل) أحدها: أن الله تعالى قديم واحد لا شريك له في ملكه، ولا ندَّ ولا ضدَّ، ولا وزير ولا مشير ولا ظهير، ولا شافع إلاَّ من بعد إذنه. الثاني: أنه لا والد له ولا ولد، ولا كفء ولا نظير ولا نسب بوجه من الوجوه، ولا زوجة. الثالث: أنه غني بذاته، فلا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خلقه بوجه من الوجوه. الرابع: أنه لا يتغير ولا تعرض له الآفات، من: الهرم والمرض والسنَة والنوم والنسيان والندم، والخوف والهمِّ والحزن، ونحو ذلك. الخامس: أنه لا يماثله شيء من مخلوقاته، بل ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. السادس: أنه لا يحل بشيء من مخلوقاته، ولا يحل في ذاته شيء منها، بل هو بائن، عن خلقه بذاته، والخلق بائنون عنه. السابع: أنه أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وفوق كل شيء، وعال على كل شيء، وليس فوقه شيء البتة. الثامن: أنه قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء يريده، بل هو فعَّال لما يريد. التاسع: أنه عالم بكل شيء، يعلم السرَّ وأخفى، ويعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وما تسقط من ورقة إلاَّ يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس، ولا متحرِّك ولا ساكن إلاَّ وهو يعلمه على حقيقته. العاشر: أنه سميع بصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات

стр. 80

على تفنن الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء، قد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات، وعلمه بجميع المعلومات، وقدرته بجميع المقدورات، ونفذت مشيئته في جميع البريات، وعمَّت رحمته جميع المخلوقات ووسع كرسيه الأرض والسماوات. الحادي عشر: أنه الشاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلف أحدًا على ملكه، ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده أو يعاونه أو يستعطفه عليهم ويسترحمه لهم. الثاني عشر: أنه الأبدي الباقي الذي لا يضمحل ولا يتلاشى ولا يعدم ولا يموت. الثالث عشر: أنه المتكلِّم الآمر الناهي، قائل الحق، وهادي السبيل، مرسل الرسل، ومنزل الكتب، قائم على كل نفس بما كسبت من الخير والشر، ومجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. الرابع عشر: أنه الصادق في وعده وخبره، فلا أصدق منه قيلاً، ولا أصدق منه حديثًا، وهو لا يخلف الميعاد. الخامس عشر: أنه تعالى صمد بجميع معاني الصمدية، يستحيل عليه ما يناقض صمديته. السادس عشر: أنه قدُّوس سلام، فهو المبرَّأ من كل عيب وآفة ونقص. السابع عشر: أنه الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه. الثامن عشر: أنه العدل الذي لا يجور ولا يظلم، ولا يخاف عباده منه ظلمًا. وهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل، وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه، ولا يخبر بشيء بخلافه. فتركت المثلِّثة عبَّاد الصليب هذا كله، وتمسَّكوا بالمتشابه من المعاني،

стр. 81

والمجمل من الألفاظ، وأقوال من قد ضلُّوا من قبل وأضلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواء السبيل، وأصول المثلِّثة ومقالاتهم في رب العالمين تخالف هذا كله وتباينه أشد المخالفة والمباينة. انتهى. فقف وتأمل الأصول وأولها، وهو أنه تعالى لا شريك له ولا ندَّ ولا شافع إلاَّ من بعد إذنه، ووازن بينه وبين قول العراقي: إنَّ هذه المسائل (١) التي لا تعلم يعذر العلماء في جهلها أحدًا، وهل يقول من يعقل إنَّ هذه المسائل من المسائل الاجتهادية. فإن كان هذا القول صحيحًا فليهن النصارى عبَّاد الصليب اجتهادهم المنجي عند هذا العراقي، وكذا عبَّاد الأوثان، والجهمية المعطلة، والقدرية النفاة، والقدرة المجبرة، والرافضة المارقة، فإنهم قالوا بتلك الأقوال الضالة، واعتقدوها عن رأي لهم واجتهاد وشبهة تصوروها، كما قال هذا الشيخ: فترك المثلِّثة عبَّاد الصليب هذا كله وتمسَّكوا بالمتشابه. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ [الكهف: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. والتزين: يتناول ما تمسَّكوا به من الشبه والمتشابه واعتقاد حُسنه، وأنه لا ينكر ولا يلزم بسواه. ثم هذا مخالف للإجماع، ولو في فروع الدين، فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على الإنكار على المخطئ المخالف للنص في مسائل كثيرة، منها: ما وقع من قدامة بن مظعون وأصحابه لما استحلُّوا الخمر باجتهاد

стр. 82

تأويل وفهم انفردوا به، في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣] الآية. والصحابة أنكروا على من رأى أن دفع الزكاة لا يجب لأحد بعد رسول الله ﷺ وقاتلوا على ذلك واستباحوا الدماء عليه، وإن لم ينكر من قاتلوه غير ذلك من الدين. وقد بعث ﷺ سرية إلى رجل تزوج امرأة أبيه فقتلوه وغنموا ماله، وسار فيه بسيرته في المرتدين. فكيف يقال: إنَّ من دعا الأولياء والصالحين واستغاث بهم وذبح لقبورهم وخافهم ورجاهم مع الله لا ينكر عليه؟ لأن الإنكار محل الاجتهاد؟ سبحانك هذا بهتان عظيم» (١). * * *

стр. 83

المبحث السابع شروط وأركان كلمة «لا إله إلا الله» مع بيان أن المقصود الأعظم منها: تحقيق معناها في القلب، فالنطق بها باللسان، فالقيام بمقتضاها بالجوارح، ولا أدلّ على ذلك: من إجماع السلف على أن من نطق بالشهادة، ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها، فإنه لا يكون مسلما، ويقاتل على ذلك، حتى يعمل بما دلَّت عليه من النفي والإثبات قال عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرحه على كتاب التوحيد: «قوله (من شهد أن لا إله إلاَّ الله) (١)، أي: من تكلَّم بها عارفًا لمعناها، عاملاً بمقتضاها، باطنًا وظاهرًا، فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه: من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع» (٢). وقال سليمان بن عبد الله: «قوله (من شهد أن لا إله إلاَّ الله)، أي: من تكلَّم بهذه الكلمة عارفًا

стр. 84

لمعناها، عاملاً بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، كما دلَّ عليه قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، فإن ذلك غير نافع بالإجماع. وفي الحديث ما يدلّ على هذا، وهو قوله: «من شهد» إذ كيف يشهد وهو لا يعلم، ومجرد النطق بشيء لا يسمَّى شهادة به ... وقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تأله القلب لله بالحب والخضوع والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفراد الله تعالى بها، كالدعاء والخوف والمحبة، والتوكل والإنابة، والتوبة، والذبح، والنذر، والسجود، وجميع أنواع العبادة، فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئًا مما لا يصلح إلاَّ لله من العبادات لغير الله، فهو مشرك ولو نطق بـ لا إله إلاَّ الله، إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص» (١). وقال عبد الرحمن بن حسن في شرحه لكتاب التوحيد رحمه الله تعالى: قوله: «وَلَهُما» أي البخاري ومسلم، وهذا حديث طويل اختصره المصنف وذكر منه ما يناسب الترجمة وهو قوله: «من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، وهذا هو حقيقة معناها الذي دلَّت عليه هذه الكلمة من الإخلاص ونفي الشرك، والصدق والإخلاص متلازمان لا يوجد أحدهما بدون الآخر، فإن من لم يكن مخلصًا فهو مشرك، ومن لم يكن صادقًا فهو منافق، والمخلص أن يقولها: مخلصًا الإلهية لمن لا يستحقها غيره وهو الله تعالى، وهذا التوحيد هو أساس الإسلام ... وهذا بخلاف من يقولها، وهو يدعو غير الله ويستغيث به من ميت أو غائب لا ينفع ولا يضر، كما ترى عليه أكثر الخلق فهؤلاء وإن قالوها، فقد تلبسوا

стр. 85

بما يناقضها فلا تنفع قائلها إلاَّ بالعلم بمدلولها نفيًا وإثباتًا، والجاهل بمعناها وإن قالها لا تنفعه لجهله بما وضعت له الوضع العربي الذي أريد منها من نفي الشرك، وكذلك إذا عرف معناها بغير تيقن له، فإذا انتفى اليقين وقع الشك. ومما قيدت به في الحديث قوله ﷺ : «غَيرَ شاكٍّ» فَلا تَنْفَعُ إلاَّ من قالها بعلم ويقين لِقَوْلِهِ صِدْقًا مِنْ قَلبِهِ خالِصًا مِنْ قَلبِهِ، وكذلك من قالها غير صادق في قوله، فإنها لا تنفعه لمخالفة القلب اللسان، كحال المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك حال المشركين فلا تقبل من مشرك لمنافاة الشرك للإخلاص، ولما دلَّت عليه هذه الكلمة مطابقة، فإنَّها دلَّت على نفي الشرك والبراءة منه، والإخلاص لله وحده لا شريك له مطابقة، ومن لم يكن كذلك لم ينفعه قوله: لا إله إلاَّ الله، كما هو حال كثير من عبدة الأوثان يقولون: لا إله إلاَّ الله وينكرون ما دلَّت عليه من الإخلاص، ويعادون أهله وينصرون الشرك وأهله، وقد قال الخليل ﵇ لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]، وهي: لا إله إلا الله» (١). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، في بيان معاني ومقتضيات النفي والإثبات لكلمة التوحيد: «أعلم رحمك الله، أن معنى لا إله إلاَّ الله نفي وإثبات، تنفي أربعة أنواع وتثبت أربعة أنواع: تنفي الإلهية، والطواغيت، والأنداد، والأرباب. فالإلهية: ما قصدته بشيء من جاب خير أو دفع ضر فأنت متَّخذه إلهًا. والطواغيت: من عبد وهو راض أو رشح للعبادة، مثل السمان أو تاج أو أبي حديدة.

стр. 86

والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام من أهل أو مسكن أو عشيرة أو مال، فهو ند لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. وتثبت أربعة أنواع: القصد، وهو كونك ما تقصد إلاَّ الله، والتعظيم والمحبة لقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، والخوف والرجاء لقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] (١). وقال عبد الرحمن بن حسن: «وأما قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «وكفر بما يعبد من دون الله» فهذا: شرط عظيم، لا يصح قول: لا إله إلاَّ الله إلاَّ بوجوده، وإن لم يوجد، لم يكن من قال لا إله إلاَّ الله معصوم الدم والمال، لأن هذا هو معنى لا إله إلاَّ الله، فلم ينفعه القول بدون الإتيان بالمعنى الذي دلَّت عليه، من ترك الشرك والبراءة منه وممن فعله، فإذا أنكر عبادة كل ما يعبد من دون الله، وتبرأ منه، وعادى من فعل ذلك: صار مسلمًا، معصوم الدم والمال، وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقد قيدت لا إله إلاَّ الله، في الأحاديث الصحيحة بقيود ثقال، لا بدّ من الإتيان بجميعها، قولاً واعتقادًا وعملاً» (٢).

стр. 87

المبحث الثامن أحوال وأصناف الناطقين بكلمة التوحيد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: «قال رسول الله ﷺ : (من قال لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يعبد من دون الله حُرم ماله ودمه، وحسابه على الله . والحديث يفصح: أن لا إله إلاَّ الله لها: لفظ ومعنى. ولكن الناس فيها ثلاث فرق، فرقة نطقوا بها وحقَّقوها، وعلموا أن لها معنى وعملوا به، ولها نواقض فاجتنبوها. وفرقة: نطقوا بها في الظاهر، فزيَّنوا ظواهرهم بالقول، واستبطنوا الكفر والشك. وفرقة نطقوا بها، ولم يعملوا بمعناها، وعملوا بنواقضها، فهؤلاء ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] (١). فالفرقة الأولى هي: لناجية، وهم المؤمنون حقًا، والثانية هم: المنافقون، والثالثة هم: المشركون. فلا إله إلاَّ الله: حصن، ولكن نصبوا عليه منجنيق التكذيب، ورموه بحجارة التخريب، فدخل عليهم العدوّ، فسلبهم المعنى، وتركهم مع الصورة، وفي الحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». سلبوا معنى: لا إله إلاَّ الله، فبقي معهم: لقلقة باللسان وقعقعة بالحروف، وهو ذكر الحصن لا مع الحصن، فما أن ذكر النار لا يحرق، وذكر الماء لا يغرق، وذكر الخبز لا يشبع، وذكر السيف لا يقطع،

стр. 88

فكذلك ذكر الحصن لا يمنع. فإن القول: قشر، والمعنى: لبّ، والقول: صدف، والمعنى: درّ، ماذا يصنع بالقشر مع فقدان اللب؟! وماذا يصنع بالصدف مع فقدان الجوهر؟! لا إله إلاَّ الله، مع معناها، بمنزلة الروح من الجسد، لا ينتفع بالجسد دون الروح، فكذلك لا ينتفع بهذه الكلمة دون معناها» (١). وقال أيضًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «أصل دين الإسلام وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه. الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. والمخالفون في ذلك أنواع: فأشدهم مخالفة: من خالف في الجميع. ومن الناس من عبد الله وحده، ولم ينكر الشرك، ولم يعاد أهله. ومنهم: من عاداهم، ولم يكفرهم. ومنهم: من لم يحب التوحيد، ولم يبغضه. ومنهم: من كفرهم، وزعم أنه مسبَّة للصالحين. ومنهم: من لم يبغض الشرك، ولم يحبه.

стр. 89

ومنهم: من لم يعرف الشرك، ولم ينكره. ومنهم: من لم يعرف التوحيد، ولم ينكره. ومنهم: وهو أشد الأنواع خطرًا، من عمل بالتوحيد لكن لم يعرف قدره، ولم يبغض من تركه، ولم يكفرهم. ومنهم من ترك الشرك وكرهه، ولم يعرف قدره، ولم يعاد أهله ولم يكفرهم، وهؤلاء: قد خالفوا ما جاءت به الأنبياء من دين الله ، والله أعلم» (١). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بعد أن تكلم عن التوحيد: والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة أقسام: إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وإلهيته، ويدعو الناس إلى عبادته. أو طاغوت يدعو الناس إلى عبادة الأوثان. أو مشرك يدعو غير الله ويتقرَّب إليه بأنواع العبادة أو بعضها. أو شاكّ في التوحيد: أهو حق، أم يجوز أن يجعل لله شريك في عبادته؟ أو جاهل يعتقد: أن الشرك دين يقرب إلى الله. وهذا هو الغالب على أكثر العوام لجهلهم وتقليدهم مَن قبلهم، لما اشتدت غربة الدين، ونسي العلم بدين المرسلين» (٢). * * *

стр. 90

الفصل الثالث كيفية الإيمان بالرسالة وتحقيق أركانها ومقتضياتها وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: نعمة بعثة الرسل، وحاجة الناس الماسة إليها. المبحث الثاني: علة بعثته ودلائل نبوته ﷺ . المبحث الثالث: مقتضيات الشهادة بالنبوة ولوازمها. المبحث الرابع: الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته يستلزم الإيمان برسوله ﷺ مع إفراده بالطاعة والاتباع، والحكم في كافة المنازعات. المبحث الخامس: كيف بلغ النبي ﷺ التوحيد، وصان جنابه من أيّ حدث دخيل عليه. المبحث السادس: حكم من سب النبي ﷺ ، أو استهزأ بحكم من أحكامه، أو دفع شيئًا مما جاء به، أو سوَّغ لواحد من البشر الخروج عن شريعته.

стр. 91

المبحث الأول نعمة بعثة الرسل، وحاجة الناس الماسة إليها قال الشيخ صالح الفوزان: «وبَعْث الرسل نعمة من الله على البشرية؛ لأن حاجة البشرية إليهم ضرورية؛ فلا تنتظم لهم حال، ولا يستقيم لهم دين؛ إلاَّ بهم، فهم يحتاجون إلى الرسل أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الله سبحانه جعل الرسل وسائط بينه وبين خلقه، في تعريفهم بالله وبما ينفعهم وما يضرهم، وفي تفصيل الشرائع، والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه؛ فلا سبيل إلى معرفة ذلك إلاَّ من جهة الرسل؛ فإن العقل لا يهتدي إلى تفصيل هذه الأمور، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة. قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وحاجة العباد إلى الرسالات: أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطبيب؛ فإن غاية ما يحصل بعدم وجود الطبيب: تضرر البدن، والذي يحصل من عدم الرسالة: تضرر القلوب، ولا بقاء لأهل الأرض إلاَّ ما دامت آثار الرسالة موجودة فيهم، فإذا ذهبت آثار الرسالة من الأرض؛ أقام الله القيامة» (١). * * *

стр. 92

المبحث الثاني علة بعثته، ودلائل نبوته ﷺ - قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب: ولما أراد سبحانه إظهار توحيده، وإكمال دينه، وأن تكون كملته هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بعث محمدًا خاتم النبيين، وحبيب رب العالمين، وما زال في كل جيل مشهورًا، وفي توراة موسى وإنجيل عيسى مذكورًا، إلى أن أخرج الله تلك الدرة، بين بني كنانة وبني زهرة، فأرسله على حين فترة من الرسل، وهداه إلى أقوم السبل، فكان له ﷺ من الآيات الدالة على نبوته قبل مبعثه ما يعجز أهل عصرها. فمن ذلك: قوله ﷺ : «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت له بُصرى من أرض الشام». (آيات مولده ﷺ ) وولد ﷺ ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وانشق إيوان كسرى ليلة مولده حتى سمع انشقاقه وسقط أربع عشر شرفة (١) وهو باقٍ إلى اليوم آية من آيات الله، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك، وغاضت بحيرة ساوة، وكانت بحيرة عظيمة في مملكة العراق عراق العجم وهمدان تسير فيها السفن وهي أكثر من ستة فراسخ، فأصبحت ليلة مولده يابسة ناشفة كأن لم يكن بها ماء، واستمرت على ذلك، حتى بني مكانها مدينة

стр. 93

ساوة وهي باقية إلى اليوم، وأرسلت الشهب على الشياطين كما أخبر الله بقوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن: ٩] الآية. وأنبته الله نباتًا حسنًا، وكان أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقًا وأعزهم جوارًا وأعظمهم حلمًا وأصدقهم حديثًا، حتى سمَّاه قومه «الأمين»؛ لِمَا جعل الله فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية. ووصل بُصرى من أرض الشام مرتين، فرآه بحيرى الراهب فعرفه وأخبر عمَّه أنه رسول الله، ونصحه أن يرده، فردَّه مع غلمانه وقال لعمه: احتفظ به فلم نجد قدمًا أشبه بالقدم الذي بالمقام من قدمه. واستمرت كفالة أبي طالب له كما هو مشهور. وبّغِّض إليه الأوثان ودين قومه فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك. (الأدلة العقلية والنقلية على صحة نبوِّته ﷺ ) والدليل على أنه رسول الله ﷺ من العقل والنقل. فأما النقل فواضح. وأما العقل فنَّبه عليه القرآن. من ذلك: أن ترك الله خلقه بلا أمر ولا نهي لا يناسب في حق الله، ونبَّه عليه في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. ومنه: أن قول الرجل: إني رسول الله إما أن يكون خير الناس، وإما أن يكون شرهم وأكذبهم. والتمييز بين ذلك سهل يعرف بأمور كثيرة، ونبه على ذلك بقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] الآيات.

стр. 94

ومنه: شهادة الله بقوله: ﴿كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]. ومنها: شهادة أهل الكتاب بما في كتبهم كما في هذه الآية. ومنها - وهي أعظم الآيات العقلية -: هذا القرآن الذي تحدَّاهم بسورة من مثله، ونحن إن لم نعلم وجه ذلك من جهة العربية، فنحن نعلمه من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له، علمائهم وفصحائهم، وتكريره هذا واستعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك على شدة حرصهم على تكذيبه وإدخال الشبهة على الناس. ومنها: تمام ما ذكرنا وهو إخباره سبحانه أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله إلى يوم القيامة، فكان كما ذكر، مع كثرة أعدائه في كل عصر، وما أعطوا من الفصاحة والكمال والعلوم. ومنها: نصرة من اتبعه ولو كانوا أضعف الناس. ومنها: خذلان من عاداه وعقوبته في الدنيا ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم. ومنها: أنه رجل أمِّي لا يخط ولا يقرأ الخط، ولا أخذ عن العلماء ولا ادعى ذلك أحد من أعدائه، مع كثرة كذبهم وبهتانهم، ومع هذا أتى بالعلم الذي في الكتب الأولى كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]» (١). * * *

стр. 95

المبحث الثالث مقتضيات الشهادة بالنبوة ولوازمها قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد: «وقول الرسول ﷺ : (وأن محمدًا عبده ورسوله)، أي: وشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أي: بصدق ويقين، وذلك يقتضي: اتباعه، وتعظيم أمره ونهيه، ولزوم سنته ﷺ ؛ وأن لا تعارض بقول أحد، لأن غيره ﷺ يجوز عليه الخطأ، والنبي ﷺ قد عصمه الله تعالى وأمرنا بطاعته والتأسِّي به، والوعيد على ترك طاعته بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك. لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك» (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمه الله تعالى -: «قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤]. قال ابن كثير: أي: إنما فرضت طاعته على من أرسله إليهم؛ وقال ابن القيم: هذا تنبيه على جلالة منصب الرسالة، وعظم شأنها، وأنه سبحانه لم يرسل رسله عليهم الصلاة والسلام إلاَّ ليطاعوا بإذنه، فتكون الطاعة لهم لا لغيرهم، لأن طاعتهم، طاعة مرسلهم، وفي ضمنه أن من كذب رسوله محمدًا

стр. 96

- ﷺ ، فقد كذَّب الرسل. والمعنى أنك واحد منهم تجب طاعتك، وتتعيَّن عليهم كما وجبت طاعة من قبلك من المرسلين، فإن كانوا قد أطاعوهم كما زعموا وآمنوا بهم، فما لهم لا يطيعونك، ويؤمنون بك؟! والإذن ههنا هو: الإذن الأمري لا الكوني، إذ لو كان إذنًا كونيًا قدريًا لما تخلَّفت طاعتهم، وفي ذكره نكتة وهي أنه بنفس إرساله تتعيَّن طاعته، وإرساله نفسه إذن في طاعته، فلا تتوقف على نص آخر سوى الإرسال بأمر فيه بالطاعة بل متى تحققت رسالته وجبت طاعته، فرسالته نفسها متضمنة للإذن في الطاعة، ويصح أن يكون الإذن ههنا: إذنًا كونيًا قدريًا، ويكون المعنى: ليطاع بتوفيق الله وهدايته، فتضمنت الآية الأمرين الشرع والقدر، ويكون فيها دليل على أن أحدًا لا يطيع رسله إلاَّ بتوفيقه وإرشاده وهدايته، وهذا حسن جدًا. والمقصود أن الغاية من الرسل هي طاعتهم ومتابعتهم، فإذا كانت الطاعة والمتابعة لغيرهم، لم تحصل الفائدة المقصودة من إرسالهم» (١). * * *

стр. 97

المبحث الرابع الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته يستلزم الإيمان برسوله ﷺ ، مع إفراده بالطاعة والاتباع والحكم في كافة المنازعات قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، مشتملاً على الإيمان بالرسول ﷺ ، مستلزمًا له، وذلك هو الشهادتان، ولهذا جعلهما النبي ﷺ ركنًا واحدًا في قوله: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت مَن استطاع إليه سبيلاً»، نبَّه في هذا الباب على ما تضمَّنه التوحيد، واستلزمه من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع، إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، ولازمها الذي لا بدَّ منه لكل مؤمن، فإن من عرف أن لا إله إلاَّ الله، فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد ﷺ ... (إن التحاكم في موارد النزاع إلى غير النبي ﷺ ، دلالة صارخة على النفاق وأهله) إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها: أن الله ﵎ أنكر على

стр. 98

من يدَّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر المصنف في سبب نزولها. قال ابن القيم: والطاغوت: كل من تعدَّى به حدَّه من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو طاغوت إذ قد تعدَّى به حدَّه. ومن هذا، كل من عبد شيئًا دون الله فإنما عبد الطاغوت، وجاوز بمعبوده حدّه فأعطاه العبادة التي لا تنبغي له، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله ﷺ ، فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت. وتعلل تصديره سبحانه الآية منكرًا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزل الله على رسوله ﷺ ، وعلى من قبله ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله ورسوله ﷺ ، ويتحاكم إليه عند النزاع، وفي ضمن قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: «ألم تر إلى الذين آمنوا»، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا إلى غير الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولم يقل فيهم «يزعمون»، فإن هذا إنما يقال غالبًا لمن ادّعى دعوى هو فيها كاذب، أو منزل منزلة الكاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها: قال ابن كثير: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا» (١). وقال الشيخ عبد الله بن حميد: «وقد تكفلَّت الشريعة بحل جميع المشاكل وتبيينها وإيضاحها، قال

стр. 99

تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. ففي هذه الآية أن القرآن فيه البيان لكل شيء، وأن فيه الاهتداء التام، وأن فيه الرحمة الشاملة، وأن فيه البشارة الصادقة للمتمسِّكين به الخاضعين لأحكامه ... فكيف يجترئ من يدَّعي الإيمان مع هذا البيان الواضح والآيات البينات والأحاديث الصحيحة على الرضا بالتحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن شريعة الله، والله قد نفى الإيمان عمَّن لم يحكم الرسول فيما وقع بينهم من التشاجر، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]» (١). * * *

стр. 100

المبحث الخامس كيف بلغ النبي ﷺ التوحيد وصان جنابه من أي حدث دخيل عليه ؟ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «ولمَّا بلغ أربعين سنة بعثه الله بشيرًا ونذيرًا ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، ولما أتى قومه بلا إله إلاَّ الله قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] .... ولما أمره الله بالهجرة هاجر وأظهر الله دينه على الدين كله، وقاتل جميع المشركين ولم يميز بين من اعتقد في نبي ولا ولي ولا شجر ولا حجر، وما زال يعلِّم الناس التوحيد، ويقمع من دعاة الشرك كل شيطان مريد، حتى أزال الله الجهل والجهال وبان للناس من التوحيد ساطع الجمال. وعن أنس قال: قال أناس: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال ﷺ : «يا أيها الناس أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله »، وعن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقلت: أنت سيدنا، فقال: «السيد الله»، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله». وما زال ﷺ معلِّمًا لأصحابه هذا التوحيد، ومحذرًا من الشرك حتى أتاهم مرة وهم يتذكرون الدجَّال فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف ما أخاف عليكم من المسيح الدجال»؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الشرك الخفي.

стр. 101

يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل»، وحتى قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله في شيء»، وحتى قال: «لا يقول أحدكم ما شاء الله وشاء فلان»، وحتى قال: «لا تقولوا لولا الله وفلان»، وحتى قال: «لا يقول أحدكم عبدي وَأَمَتي»، وحتى قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر» (١). وقال سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد: «باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك». الجناب: هو الجانب. واعلم أن في الأبواب المتقدمة شيئًا من حمايته ﷺ لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف هنا بيان حمايته الخاصة، ولقد بالغ ﷺ ، وحذر وأنذر، وأبدأ وأعاد، وخصَّ وعمَّ في حماية الحنيفية السمحة التي بعثه الله بها، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، قال بعض العلماء: هي أشد الشرائع في التوحيد والإبعاد عن الشرك، وأسمح الشرائع في العمل» (٢). * * *

стр. 102

المبحث السادس حكم من سب النبي ﷺ ، أو استهزأ بحكم من أحكامه، أو دفع شيئًا مما جاء به، أو سوّغ لواحد من البشر الخروج عن شريعته قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «وقال الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب (الصارم المسلول، على شاتم الرسول): قال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة يعدل بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون أن من سبَّ الله أو رسوله أو دفع شيئًا مما أنزل الله أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله. وقال محمد بن سحنون أحد الأئمة من أصحاب مالك: أجمع العلماء على أن شاتم الرسول ﷺ كافر، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره كفر. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم أن على من سبَّه: القتل، وقال الإمام أحمد فيمن سبَّه: يقتل، قيل: فيه أحاديث؟ قال: نعم، منها: حديث الأعمى الذي قتل المرأة، وقول ابن عمر: «من شتم النبي ﷺ قتل، وعمر بن عبد العزيز يقول: يقتل، وقال في رواية عبد الله: لا يستتاب، إن خالد بن الوليد قتل رجلاً شتم النبي ﷺ ولم يستتبه. انتهى. فتأمل رحمك الله تعالى كلام إسحاق بن راهويه ونقله الإجماع على أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا مما أنزل الله فهو كافر - وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله - يتبين لك: أن من تلفَّظ بلسانه بسبِّ الله تعالى، أو بسبِّ رسوله ﷺ ، فهو كافر مرتد عن الإسلام، وإن أقر بجميع ما أنزل الله، وإن كان هازلاً بذلك لم يقصد معناه بقلبه، كما قال الشافعي رضي الله

стр. 103

عنه من هزل بشيء من آيات الله فهو كافر، فكيف بمن هزل بسبِّ الله تعالى، أو بسبِّ رسوله ﷺ » (١). ولقد جاء في نواقض الإسلام العشرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: الناقض السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثوابه، أو عقابه كفر، وذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. الناقض التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ فهو كافر، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]» (٢). وقال سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى في شرحه على كتاب التوحيد: «(باب من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن، أو الرسول)، أي: يكفر بذلك لاستخفافه بجناب الربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد. ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئًا من ذلك، فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، أو بدينه، كفر ولو هازلاً لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعًا. قال: وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] .... قال شيخ الإسلام: فقد أمره أن يقول: كفرتم بعد إيمانكم. وقول من يقول: إنهم قد كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولاً بقلوبهم لا يصح، لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد: إنكم

стр. 104

أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا ذلك إلاَّ لخواصهم، وهم مع خوضهم ما زالوا هكذا، بل لمَّا نافقوا وحذروا أن تنزل عليهم سورة تبيِّن ما في قلوبهم من النفاق وتكلموا بالاستهزاء، أي: صاروا كافرين بعد إيمانهم. ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين إلى أن قال: قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، ولهذا قيل: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦]، فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر. فتبين أن الاستهزاء بآيات الله ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه. وفي الآية دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولم يعلم أنه كفر لا يعذر بذلك، بل يكفر، وعلى أن الشاك كافر بطريق الأولى نبه عليه شيخ الإسلام» (١). * * *

стр. 105

الفصل الرابع أصول الإيمان ومقتضياته ولوازمه وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. المبحث الثاني: الإسلام والإيمان وحدود العلاقة بينهما. المبحث الثالث: أصل الإيمان الذي لا يصح إلاَّ بتحقيقه. المبحث الرابع: وجوب التباين بين أصل الإيمان وشعبه، وأصل الكفر وشعبه، ثابت بالكتاب والسنة. المبحث الخامس: حكم الاستثناء في الإيمان. المبحث السادس: كلما عظم الإيمان، اشتد الخوف من الكفر والنفاق.

стр. 106

تمهيد هام لسبر أغوار قضية الإيمان لقد أجمع علماء أهل السنَّة، جيلاً بعد جيل على أنَّ الإيمان: قول وعمل، وتمسك بالكتاب والسنَّة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بل وعدُّوا ذلك أصلاً من أصولهم، التي من باين واحدًا منها صار خارجًا عن صراطهم، وداخلاً في سبل أهل الأهواء والبدع. ولقد انعقد الإجماع القديم على أن: الإيمان محله القلب والجوارح معًا؛ خلافًا لفرق المرجئة التي قصرته طائفة منهم على القلب، وبعضهم على اللسان، وبعضهم على القلب واللسان معًا دون بقية الجوارح. وكون الإيمان محله القلب والجوارح، فالمقصود به: الإيمان المطلق، وكذا مطلق الإيمان، أي: الإيمان بكل درجاته ودوائره. فالإيمان المطلق هو: القيام بعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من الشرك، مع القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرَّمات. وهذا الإيمان يستوجب لصاحبه دخول الجنات، والنجاة من النيران والعذاب. ومطلق الإيمان هو: القيام بالتوحيد، والبراءة من الشرك، مع القيام ببعض الواجبات وترك بعضها، بشرط أن لا يكون في فرض، يلزم من تركه فساد الإيمان بالكلية، كترك الصلاة كسلاً، عند من يعدها كفرًا من علماء السلف والخلف. وهذا الإيمان يجعل صاحبه في المشيئة الإلهية، ويحرم عليه الخلود في النيران.

стр. 107

ومما تقدَّم، نستطيع الوقوف على: الحد البين الواضح المفرق بين أهل السنَّة والخوارج في قضية الإيمان، فكلاهما نصَّ: على أنَّ الإيمان محله القلب والجوارح، لكن أهل السنَّة فرَّقوا في هذا المقام بين الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان. فإذا اقترف العبد كبيرة من كبائر الذنوب، خرج بها من الإيمان المطلق إلى مطلق الإيمان، ولا يبطل إيمانه بالكلية إلاَّ بفعل ناقض من نواقض الإسلام. أما الخوارج فقد اشترطت الإيمان المطلق لكل عبد حتى يصح إسلامه، فإذا نقضه بفعل كبيرة، أو ترك فريضة، فقد بطل إيمانه وفسد بكل درجاته ودوائره. وبهذا انعقد إجماع أهل السنَّة على أن العاصي من الموحدين لا يخلد في النار، كما تواترت بذلك الآثار، خلافًا للخوارج والمعتزلة، وقد يدخلها بسبب ذنوبه، إن لم تدركه رحمة ربه ﵎، ويمكث فيها ما شاء الله له ثم يخرج منها، وذلك خلافًا للغلاة من المرجئة التي نصبت راية النجاة من العذاب لكل العصاة من الموحدين زاعمة أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وعليه فإن إيمان العصاة من أهل القبلة، كإيمان الملائكة والنبِّيين والصدِّيقين ... ولقد دوّر السلف دائرة للإسلام، ودوَّروا داخلها دائرة للإيمان، ونصُّوا: على أن فعل الكبيرة يخرج صاحبه من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلاَّ الكفر المبين والردَّة عن الدين. * * *

стр. 108

المبحث الأول الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: قال السائل: تفكَّرت في الإيمان وقوته وضعفه، وأن محلَّه القلب، وأن التقوى ثمرته ومركبة عليه، فبقوته تقوى، وبضعفه تضعف. فأجاب: قولك إن الإيمان محله القلب؛ فالإيمان بإجماع السلف محله القلب والجوارح جميعًا، كما ذكر الله في سورة الأنفال وغيرها؛ وأما كون الذي في القلب والذي في الجوارح، يزيد وينقص، فذلك شيء معلوم، والسلف يخافون على الإنسان إذا كان ضعيف الإيمان من النفاق، أو سلب الإيمان كله» (١). وقال الشيخ حسن ابن الشيخ حسين ابن الشيخ محمد رحمهم الله تعالى: قال ابن القيم ﵀: ونحن نحكي إجماعهم، كما حكاه حرب، صاحب الإمام أحمد، بلفظه، قال في مسائله المشهورة، هذا مذهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنَّة المتمسِّكين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن مذهب أهل السنَّة وسبيل الحق. قال: وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد،

стр. 109

وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم، فكان من قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية، وتمسك بالكتاب والسنَّة؛ والإيمان: يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا يكون شكًا، إنما هي سنة ماضية عند العلماء، وإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، ويقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. (أقوال الفرق في الإيمان) ومن زعم: أن الإيمان قول بلا عمل، فهو مرجئ؛ ومن زعم: أن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع، فهو مرجئ، ومن زعم: أن الإيمان يزيد، ولا ينقص فقد قال بقوله المرجئة؛ ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ؛ ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة، فهو مرجئ؛ ومن زعم أن المعرفة تقع في القلب، وإن لم يتكلم بها، فهو مرجئ» (١). وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن معنى أبيات من الشعر، قيلت في التوحيد فأجاب: «... الثالثة: هل يشترط في الواجب، النطق بالشهادتين؟ أو يصير مسلمًا بالمعرفة، فذكر (٢): أنه لا يصير مسلمًا إلاَّ بالنطق للقادر عليه، والمخالف في ذلك جهم ومن تبعه؛ وقد أفتى الإمام أحمد، وغيره من السلف، بكفر من قال: إنه يصير مسلمًا بالمعرفة، وتفرع على هذه مسائل؛ منها: من دعي إلى الصلاة فأبى مع الإقرار بوجوبها، هل يقتل كفرًا أو حدًا؟ ومن قال: يقتل حدًا، من رأى أن هذا أصل المسألة. الرابعة: أن ابن كرَّام، وأتباعه، يقولون: إن الإيمان، قول باللسان، من

стр. 110

غير عقيدة القلب، مع أنهم يوافقون أهل السنَّة، أنه مخلد في النار، فذكر أنه: لا بد مع النطق بتصديق القلب» (١). وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى: «ومذهب الأشاعرة: أن الإيمان مجرَّد التصديق، ولا يدخلون فيه أعمال الجوارح، قالوا: وإن سُمِّيت الأعمال في الأحاديث إيمانًا، فعلى المجاز، لا الحقيقة» (٢). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: «وأما المعتزلة: فهم الذين يقولون بالمنزلة بين المنزلتين؛ يعنون: أن مرتكب الكبيرة، يصير في منزلة بين الكفر والإسلام، فليس هو بمسلم، ولا كافر؛ ويقولون: إنه يخلد في النار، ومن دخل النار لم يخرج منها بشفاعة، ولا غيرها. وأول من اشتهر عنه ذلك: عمرو بن عبيد، وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين الجماعة، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وهم كانوا بالبصرة بعد موت الحسن البصري، وضم المعتزلة إلى ذلك: التكذيب بالقدر؛ ثم ضمُّوا إلى ذلك نفي الصفات؛ فيثبتون الاسم دون الصفة؛ فيقولون: عليم بلا علم؛ سميع بلا سمع؛ بصير بلا بصر؛ وهكذا سائر الصفات؛ فهم قدرية جهمية، وامتازوا (٣): بالمنزلة بين المنزلتين، وخلود عصاة الموحدين في النار. وأما الخوارج: فهم الذين خرجوا على علي ﵁؛ وقبل ذلك: قتلوا
следующие страницы →