هذه الأمة، فهو كافر مرتد، لا تباح ذبيحته، لأنه يجتمع فيها مانعان.
الأول: أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع.
الثاني: أنها مما أهل به لغير الله، وقد حرَّم الله ذلك في قوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وتأمل قوله: ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. والله أعلم ....
(حكم ساب النبي ﷺ )
وقال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول»: قال الإمام إسحاق بن راهويه، أحد الأئمة، يعدل بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون: أن من سبَّ الله أو رسوله، أو دفع شيئًا مما أنزل الله، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله.
وقال محمد بن سحنون - أحد الأئمة من أصحاب مالك - أجمع العلماء على أن شاتم الرسول كافر، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره كفر، قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن: على من سبه القتل.
وقال الإمام أحمد فيمن سبَّه يقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم، منها: حديث الأعمى الذي قتل المرأة، وقول ابن عمر: من شتم النبي ﷺ قتل، وعمر بن عبد العزيز يقول: يقتل، وقال في رواية عبد الله: لا يستتاب، فإن خالد بن الوليد قتل رجلاً شتم النبي ﷺ ولم يستتبه. انتهى.
فتأمل رحمك الله: كلام إسحاق بن راهويه، ونقله الإجماع على أن من سبَّ الله، أو سبَّ رسوله، أو دفع شيئًا مما أنزل الله أنه كافر، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله، يتبين لك: أن من تلفظ بلسانه بسبِّ الله تعالى، أو سبِّ
стр. 527
رسوله فهو كافر مرتد عن الإسلام، وإن أقر بجميع ما أنزل الله، وإن كان هازلاً بذلك لم يقصد معناه بقلبه، كما قال الشافعي: من هزل بشيء من آيات الله فهو كافر، فكيف بمن هزل بسبِّ الله، أو سب رسوله ﷺ ؟
ولهذا قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا وغيرهم، من سبَّ الله تعالى كفر، مازحًا أو جادًا، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ...﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. قال: وهذا هو الصواب المقطوع به. انتهى.
ومعنى قول إسحاق رحمه الله تعالى: أو دفع شيئًا مما أنزل الله، أن يدفع أو يرد شيئًا مما أنزل الله في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من الفرائض، أو الواجبات، أو المسنونات، أو المستحبات، بعد أن يعرف أن الله أنزله في كتابه، أو أمر به رسوله ﷺ ، أو نهى عنه، ثم دفعه بعد ذلك، فهو كافر مرتد، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله في كتابه من الشرع، إلاَّ ما دفعه وأنكره، لمخالفته لهواه أو عادته، أو عادة أهل بلده، وهذا معنى قول العلماء: من أنكر فرعًا مجمعًا عليه كفر، فإذا كان من أنكر النهي عن الأكل بالشمال، أو النهي عن إسبال الثياب، بعد معرفته أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، فهو كافر مرتد، ولو كان من أعبد الناس وأزهدهم ....
فصل: قال في الإقناع وشرحه «باب حكم المرتد»، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، نطقًا، أو شكًا، أو فعلاً، ولو مميزًا، فتصح ردته كإسلامه، لا مكرهًا، لقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ولو هازلاً، لعموم قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأجمعوا على وجوب قتل المرتد؛ فمن أشرك بالله تعالى، كفر بعد إسلامه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾
[النساء: ١١٦].
стр. 528
أو جحد ربوبيته، أو جحد صفة من صفاته، أو اتخذ له صاحبة أو ولدًا كفر، أو ادَّعى النبوة، أو صدَّق من ادَّعاها بعد النبي ﷺ كفر، لأنه مكذِّب لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، أو جحد نبيًا، أو كتابًا من كتب الله، أو شيئًا منه، أو جحد الملائكة، أو واحدًا ممن ثبت أنه ملك كفر، لتكذيبه القرآن، أو جحد البعث كفر، أو سبَّ الله ورسوله كفر، أو استهزأ بالله أو كتبه، أو ورسله، لقوله: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ [التوبة: ٦٥].
قال الشيخ: أو كان مبغضًا لرسوله، أو لما جاء به اتفاقًا، أو جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم، كفر إجماعًا، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
أو أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، الذي شرعه الله، كفر، للآية السابقة، أو وجد منه امتهان للقرآن، كفر.
وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، فهو كافر، أو سخر بوعد الله، أو وعيده، فهو كافر، لأنه كالاستهزاء بالله، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام أو شك في كفرهم - إلى أن قال - ومن قال: أنا محتاج إلى محمد، في علم الظاهر، دون علم الباطن، أو قال: من الأولياء من يسعه الخروج عن الشريعة، كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى، فهو كافر.
ومن سبَّ الصحابة ﵃، أو واحدًا منهم، واقترن بسبِّه دعوى أن عليًا إله، وأن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وأما من لعن، أو قبَّح مطلقًا، فهذا محل الخلاف، توقف أحمد في تكفيره وقتله» (١).
стр. 529
الفصل التاسع
أشهر الشبهات المثارة على أئمة الدعوة والرد الوافر عليها
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الرد على شبهة التنقُّص بمقام الرب سبحانه.
المبحث الثاني: الرد على شبهة التنقص بحق النبي ﷺ ، والازدراء بمقام الرسالة.
المبحث الثالث: الرد على شبهة تكفير المسلمين واعتزالهم.
المبحث الرابع: الرد على أشهر الشبهات المثارة في حق إمام الدعوة خاصة رحمه الله تعالى.
стр. 530
المبحث الأول
الرد على شبهة التنقُص بمقام الرب سبحانه
(شبهة التجسيم)
تلك الشبهة التي لم يزل أعداء أهل السنة والجماعة يرمونهم بها، وما نقموا منهم إلاَّ أنهم وصفوا ربهم بما وصف به نفسه، ووصفه به رسول الله ﷺ ، على وجه يليق بجلاله وكماله وعظيم سلطانه، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تشبيه، متَّبعين في ذلك - لا مبتدعين - صحابة النبي ﷺ ، الذين هم أعلم الأمة بربِّها ونبيِّها ودينها، وذلك بإجماع الأمة، شاء أهل الأهواء ذلك أم أبوا.
قال أحد المناوئين لدعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
[كتهمة الوهابية للذات العلية يعتقدون بأن لله جسم محدود، مُؤلَّف من أعضاء، يد محسوسة يبطش بها، ورجل يمشي بها، يجلس ويقوم، ويغدو ويروح، وينزل ويرتفع، فأصبحوا كإخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت، لعب إبليس بلحاهم حتى أرداهم وأخرجهم من دائرة الإسلام، لأن المجسِّمة ليسوا من الإسلام في شيء ... إلخ].
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله تعالى في الرد على هذا الافتراء:
والجواب أن يقال: مراده بالوهابية: أتباع أئمة الدعوة السلفية، التي
قام بها في نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدِّد القرن الثاني عشر،
وهو وأتباعه ﵏ لهم (١) مذهب خاص، بل هو في العقيدة على معتقد
стр. 531
السلف الصالح والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام السنة والحديث، مع أنهم لا يعيبون من تبع مذهب إمام من الأئمة المعتبرين، وإذا تبين لهم الحق والصواب في غير مذهب إمامهم، تبعوه مع من كان، وقد ذكرنا آنفًا أننا متَّبعون للنص والدليل ندور معه حيث دار، ففيما ذكره هذا القائل عدة أخطاء:
الأول: تسميته لهم بالوهَابية:
بعد أن عرفت أنهم لم يختصوا بشيء ولم يبتدعوا جديدًا، وأن كل ما قالوه: إنهم متبعون للنصوص وللسلف الصالح، ولأن القائم بالدعوة ليس هو عبد الوهاب، وإنما هو ابنه الشيخ محمد، فهم المحمديون أصلاً وفرعًا، ولأن الوهَّاب اسم من أسماء الله تعالى، فهو الذي وهبهم الهداية والعلم والعمل.
الثاني: رميه لهم بالتجسيم:
فهم لم يقولوا بذلك أبدًا، ولم يستعملوا هذه اللفظة إثباتًا ولا نفيًا، فمن قال: إن الله جسم فهو مبتدع، وكذا من نفى الجسم فهو مبتدع أيضًا، حيث إن هذه اللفظة. لم ترد في النصوص، ولم يستعملها السلف والأئمة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، مع أنا نثبت الصفات الواردة ونعتقد حقيقتها، وننفي عنها التشبيه والتمثيل، ولا يلزم أن تكون (١) مجسمة إذا قلنا: بأن الله فوق عباده على عرشه بائن من خلقه، أو قلنا: إن له يدًا ووجهًا وعينًا كما يشاء، أو قلنا: إنه ينزل ويجيء لفصل القضاء كما يشاء، فإن هذه الصفات ونحوها قد وردت بها النصوص، فنحن نعتقد حقيقتها ولا نمثلها بخصائص المخلوق، ولا نثبت لها كيفية أو مثالاً، فكما لم ندرك كُنْهَ الذات وماهيتها، فهكذا نقول
стр. 532
في هذه الصفات، فإنا نثبتها إثبات وجود لا إثبات تكيف وتحديد، كما قال ذلك أكابر الأئمة، فكيف يلزم من ذلك أن تكون مجسمة؟!
وكذا قوله: (محدود). نفضل ترك الخوض في الحد، مع أنه من المسائل التي أثبتها بعض السلف ونفاها البعض، ولكن الأفضل التوقف، حيث إن البحث في ذلك مُبْتَدَع، وإن اللفظ لم يرد في الأدلة، ومع ذلك فعذر من أثبت الحد ومن نفاه أن لكل منهما مقصدًا ظاهره الصحة.
وبالجملة: فلا اختصاص لنا بهذا دون غيرنا، ولكن هذا الكاتب مزجي البضاعة في عقيدة السلف وأقوالهم، وكان الأولى أن يوجه طعنه لومه على علماء السلف وأئمتهم، فإن هذه الأقوال والمذاهب المأثورة عنهم مدونَّة في مؤلفاتهم الموجود المشهور!!» (١).
стр. 533
المبحث الثاني
الرد على شبهة التنقص بحق النبي ﷺ والازدراء بمقام الرسالة
نفث أحد المجرمين المناوئين للتوحيد والتحنف في رُوع أتباعه من المشركين بأن الوهابية: لم يدركوا طبيعة الرسول ﷺ الحقيقية، ووقفوا عند حدود طبيعته البشرية، بل وحكموا بكفر من وصف نبي الله ومصطفاه ﷺ بأنه نور، كيف لا والله يمد بواسطته كل من أراد هدايته بالأنوار والأسرار، ثم جفوا كعادتهم، فحكموا بأن التوسل به ﷺ شرك صريح مخرج من ملته السمحاء.
وليت أمرهم وقف عند هذا، بل قاموا بتجريد الرسول ﷺ من كل خصائصه ومزاياه، التي من الله بها عليه، حتى استوى لديهم: التوسل به، والاستشفاع بالأصنام، وجعلوها على حد سواء ...
قال أحد المناوئين لدعوة الشيخ المجدد رحمه الله تعالى: [ومن أسف أن الوهابية قالوا: تمجيد الرسول بما يخرجه عن طبيعته البشرية باطل وزور ... إلخ].
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله تعالى بقوله:
جوابه أن يقال: مراده بالوهابية الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن انتفع بدعوته السلفية ﵏، وقد علم أنه ﵀ لم يأت بجديد، وإنما جدَّد للناس ما اندرس من معالم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ....
(المشروع من محبة النبي ﷺ ):
فأما الرسول محمد ﷺ ، فإننا نمجده ونحبه ونقدِّم محبته على الأنفس
стр. 534
والأموال فإن ذلك شرط لصحة الإيمان، لقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده والناس أجمعين»، ولكن لا نخرجه بهذه المحبة عن طبيعة البشر فنجعله ربًا، أو إلهًا، أو خالقًا، أو رازقًا، وإنما ميزته الرسالة، حيث فضله الله على جميع البشر، وأنزل عليه الوحي وكلفه بحمل الرسالة وتبليغها إلى جميع الناس، مع أنه لا يزال متصفًا بالبشرية وبالعبودية.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، بل إن الرسل كلهم لم يخرجوا عن وصف البشرية كما حكى الله عن الرسل قولهم ولأممهم: ﴿إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، ولمَّا تعنَّت بعض المشركين وطلبوا منه بعض الآيات التي لا يقدر عليها إلاَّ الله، قال الله تعالى له: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٣]. فهل من دليل يفيد أن الرسل ما خرجوا عن طبيعة البشرية، فصاروا يعلمون الغيب ويملكون التصرف في الكون، ويشاركون الرب في الإعطاء والمنع، والضر والنفع، ونحو ذلك؟ أليس قد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩].
بل أمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه هذه الأمور، حيث قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] ....
الرسول ﷺ هو النور والسراج المنير:
فأما قوله - أي المناوئ السابق -: [وحكموا بكفر من وصفه بأنه نور، وغاب عن هؤلاء الحمير بأن الله قد وصفه بالسراج المنير بصيغة المبالغة، بمعنى أن الله يمد بواسطته كل من أراد هدايته بالأنوار والأسرار ... إلخ].
стр. 535
جوابه أن يقال: متى حكمنا بكفر من وصفه بأنه نور؟! أين نصوص علماء الدعوة في ذلك؟! هذا من الكذب الصريح والبهتان المبين، بل هم متَّبعون لما وصفه الله به من ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
قال أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية من سورة المائدة: يعني بالنور: محمدًا ﷺ الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبين الحق، ومن إنارته الحق تبيينه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب.
لكن لا يلزم من هذا الوصف أن يًصرف له شيء من حق الله فلا يُدعى مع الله ولا يُعظَّم كتعظيم الله، ولا يوصف بشيء من خصائص الله» (١).
* * *
стр. 536
المبحث الثالث
الرد على شبهة تكفير المسلمين واعتزالهم
شبهة تكفير المسلمين: الشبهة الدائمة الدوران بدعاة التوحيد، والمُعَدَّة سلفًا ودومًا من أعدائهم أهل الإرجاء والخنوع والإرجاف، إنهم الخوارج وأهل التكفير ... وقد استباحوا دماء المصلِّين، واستحلوا أعراضهم، وجعلوها بمنزلة الكفار الأصليين من اليهود والنصارى والمشركين.
لقد وقف الغلاة من أهل الإرجاء هذا الموقف لأن الشرك والمعصية عندهم على رتبة واحدة، ولا فرق في الأسماء والأحكام، ومن ثم نظروا إلى من يكفرون بالشرك كنظرتهم للذين يكفرون بالمعصية، وظنوا بل قطعوا وقرَّروا: أن الجميع قد خرج من تحت عباءة الخوارج، الذين هم أهل التكفير، سبحانك هذا بهتام عظيم وإفك مبين.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى في بيان هذه الشبهة والرد عليها:
«قال العراقي: والخوارج هم كما في البخاري ومسلم وغيرهما من سائر كتب الحديث أناس عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين - وأطال الكلام في الخوارج، وذكر بعض النصوص فيهم مع تصرف وعدم تحقيق ومعرفة للنقل - إلى أن قال - فتبين لك أن علامة الخوارج تنزيلهم آيات القرآن النازلة في الكفار على المؤمنين من أهل القبلة، ولهذا ما ترى أحدًا من أهل السنة يتفوه بذلك ولا يكفر أحدًا.
ومنشأ هذه البدعة من سوء الظن واتباع العقل - ثم ذكر حديث اعتراض ذي الخويصرة التميمي على قسمة رسول الله ﷺ ، وما قال له، ثم ذكر
стр. 537
قول الخوارج «لا حكم إلاَّ لله» وقال بعده: وكذلك إخوانهم في هذا الزمان يقولون: «لا يعبد إلاَّ الله»، فنقول: صدقتم هذه كلمة حق، ولكن أين الذي يعبد غيره إذا كان مسلمًا ناطقًا بالشهادتين، ويصلي ويصوم ويزكي ويحج؟
والجواب أن يقال:
إن الأحاديث والآثار التي جاءت بها السنة وصحَّت بها الأخبار في شأن الخوارج ووصفهم وذمهم، فهي معروفة مشهورة عند أهل العلم بالحديث والآثار. وقد ساقها مسلم في صحيحه من نحو عشرة أوجه. وهذا العراقي ليس من رجال هذا الشأن ولا يحسن الحكاية والنقل، ولا تمييز له بين مرفوعها وموقوفها، وصحيحها وسقيمها وغيره.
يوضحه قوله: والخوارج هم في البخاري ومسلم وغيرهما من سائر كتب الحديث أناس عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
فهذا كلام غبي غوي لا يدري الصناعة ولا يعرف ما في تلك البضاعة، فإن هذا اللفظ ليس مرفوعًا باتفاق. وليس في سائر كتب الحديث والسنن الأربعة، وصحيحي البخاري ومسلم، وليس فيها هذا اللفظ، فكلامه كلام جاهل بصناعة الحديث وروايته ولسنا بصدد بيان جهله وإفلاسه من العلوم، وإنما المراد كشف شبهه وردها.
وحاصل مقصوده ونقله: تشبيه أهل الإسلام والتوحيد بالخوارج في تكفيرهم من عبد الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله، لأن عباد القبور عنده أهل سنة وجماعة، وأهل الإسلام من جنس الخوارج. الذين يكفرون أهل القبلة، هذا حاصل إسهابه ومضمون خطابه، لكن أطال بما لا طائل تحته.
ونحن نتكلَّم على بدء أمر الخوارج وحقيقة مذهبهم، ثم نتكلم على مذهب عبَّاد القبور وما هم عليه، ثم نتبع ذلك بفصل نافع في بيان حال
стр. 538
الشيخ محمد ﵀ وتقرير مذهبه، وما كان عليه في المعتقد والدين، ليعلم الواقف على ما قرنناه حقيقة المذاهب، وحاصل العقائد، فيما وقعت فيه الخصومة فنقول: (وأخذ الشيخ يتكلم في بحث نفيس، قلَّ أن يوجد نظيره، بيَّن فيه بداية خروج الخوارج، وحقيقة مذهبهم والأسباب الداعية لخروجهم، إلى أن قال ﵀: هذا ملخَّص أمرهم.
وقد عرفت شبهتهم التي جزموا لأجلها بكفر علي وشيعته، ومعاوية وأصحابه. وبقي معتقدهم في أناس متفرقين بعد هذه الوقعة، ثم اجتمعت لهم شوكة ودولة فقاتلهم المهلَّب بن أبي صفرة، وقاتلهم الحجاج بن يوسف، وقاتلهم قبله ابن الزبير زمن أخيه عبد الله. وشاع عنهم التكفير بالذنوب، يعني ما دون الشرك، وبهذا تعرف حقيقة الحال، ويزول الإشكال الذي نشأت منه الشبهة.
وما أحسن ما قال العلامة ابن القيم في نونيته:
ومن العجائب أنهم قالوا لمن
قد دان بالآثار والقرآن
أنتم بذا مثل الخوارج إنهم
أخذوا الظواهر، ما اهتدوا لمعان
وهذا داء قديم في أهل الشرك والتعطيل" من كفَّرهم بعبادتهم غير الله وتعطيل أوصافه وحقائق أسماءه، قالوا له: أنت مثل الخوارج، يكفرون بالذنوب ويأخذون بظواهر الآيات.
ومعلوم أن الذنوب تتفاوت وتختلف بحسب منافاتها لأصل الحكمة المقصودة بإيجاد العالم، وخلق الجن والإنس، وبحسب ما يترتب عليها من هضم حقوق الربوبية، وتنقص رتبة الإلهية، وقد كفَّر الله ورسوله ﷺ بكثير
стр. 539
من جنس الذنوب كالشرك وعبادة الصالحين، وأخبر ﷺ أنه أكبر الكبائر، كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قال قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك. فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ...﴾ [الفرقان: ٦٨].
فمن أنكر التكفير جملة فهو محجوج بالكتاب والسنة. ومن فرق بين ما فرق الله ورسوله بينه من الذنوب، ودان بحكم الكتاب والسنة وإجماع الأمة في الفرق بين الذنوب فقد أنصف، ووافق أهل السنة والجماعة، ونحن لم نكفر أحدًا بذنب دون الشرك الأكبر الذي أجمعت الأمة على كفر فاعله، إذا قامت عليه الحجة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، كما حكاه في الإعلام لابن حجر الشافعي» (١).
(شبهة الاعتزال):
ولما قام أئمة الدعوة - تحقيقًا لملة إبراهيم الخليل (- بالبراءة من المشركين وآلهتهم التي يعبدونها من دون الله واعتزالهم. صرخ الشيطان في آذان حزبه ومريديه: إن هؤلاء من نسل المعتزلة، وخرجوا من ضئضئي عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء إماما الاعتزال وأهل الكلام ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى في أثناء رده على واحد من المشركين يتهمهم بهذا الإفك والبهتان:
«إن هذا الملحد المبهرج، يسمِّي أهل التوحيد والإخلاص النافين للشرك، المعادين لأهله: معتزلة، والمعتزلة طائفة معروفة، ابتدعوا بنفي القدر، فنفوا
стр. 540
ما أثبته الله في كتابه، وما أثبته رسوله ﷺ بما جرى به القلم بما يكون إلى يوم القيامة، واعتزلوا مجلس الحسن البصري، رحمه الله تعالى، وسمُّوا معتزلة لذلك، فإنهم اعتزلوا أهل السنة، وخالفوهم فيما ذكرنا، وقالوا: بالمنزلة بين المنزلتين، قالوا في صاحب الكبيرة فاسق لا مؤمن ولا كافر، وقالوا: بتخليده في النار.
وخالفوا أيضًا ما تواترت به الأحاديث: أن الله يدخل من يشاء من أهل المعاصي النار، ثم يخرجهم منها بما معهم من التوحيد، فإذا جازاهم الله تعالى بإدخالهم النار، ومكثهم فيها على قدر ذنوبهم، أخرجهم بما معهم من التوحيد، فأدخلهم الجنة برحمته، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم خالفوا هذه الطائفة وكل مبتدع.
ثم إن هؤلاء المعتزلة: وافقوا جهمًا وشيعته، في نفي الصفات، فنفوا ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله ﷺ في سنته، من صفات كماله، ونعوت جلاله، على ما يليق بعظمته، ففارقت هذه الطائفة أهل السنة، بهذه البدع وغيرها، فلم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر أيضًا، فهذا هو الذي تعلق به المبهرج الملحد.
فإنه جعل الشرك وما دونه من الكبائر بابًا واحدًا، فظن أن من تعلق بالشفعاء، ورغب إليهم، وسألهم أن يشفعوا له، أن ذلك يوجب له شفاعتهم، فظن هذا الظن، أنه لا ينكر هذا إلاَّ المعتزلة، لأنهم ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر، على مذهبهم، وهذه الشفاعة أبطلها القرآن، فلاحظ فيها لمشرك ....
فالمعتزلة الذين تقدم ذكر بدعتهم، لسنا بحمد الله في شيء من مقالاتهم، بل ننكرها عليهم، ونعتقد أنهم خالفوا ما تواترت به النصوص، وتظاهرت عليه أدلة القرآن، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ
стр. 541
مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ....
(وجوب البراءة من المشركين)
فالحنفاء أهل التوحيد، اعتزلوا هؤلاء المشركين، لأن الله أوجب على أهل التوحيد اعتزالهم وتكفيرهم والبراءة منهم، كما قال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨]، إلى قوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ...﴾ الآية [الكهف: ١٦].
فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم، إلاَّ باعتزال أهل الشرك، وعداوتهم وتكفيرهم، فهم معتزلة بهذا الاعتبار، لأنهم اعتزلوا أهل الشرك، كما اعتزلهم الخليل إبراهيم ﵊» (١).
* * *
стр. 542
المبحث الرابع
الرد على أشهر الشبهات المثارة في حق إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى
ولقد أشاع المشركون عن إمام الدعوة رحمه الله تعالى: أنه ينهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، وأنه يريد أن يهدم قبته ﷺ ، وأن الشيخ يقرِّر: أن الناس منذ ستمائة سنة ليسوا على شيء، وأنه مبطل كتب المذاهب.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رده على هذه التُرِّهات:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الذي يعلم من وقف عليه من الإخوان، المتبعين محمدًا ﷺ أن ابن صياح: سألني عما ينسب إلي؟ فطلب مني أن أكتب الجواب، فكتبته:
الحمد لله رب العالمين، أما بعد: فما ذكره المشركون على أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول: لو أن لي أمرًا، هدمت قبة النبي ﷺ ، أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهى عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه عليَّ الشياطين، الذين يريدون أن يأكلوا الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس الذين يأمرون الناس ينذرون لهم، وينخونهم (١)، ويندبونهم (٢)، وكذلك فقراء الشيطان، الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر ﵀، وهو منهم بريء، كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة ....
стр. 543
والجملة: فالذي أنكره: الاعتقاد في غير الله، مما لا يجوز لغيره، فإن كنت قلته من عندي، فارم به، أو من كتاب لقيته ليس عليه عمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله، وعمَّا أجمع عليه العلماء في كل مذهب، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه لأجل أهل زمانه، أو أهل بلده، وأن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه ...
فإذا كان من اعتقد في عيسي ابن مريم، مع أنه نبي من الأنبياء وندبه ونخاه فقد كفر، فكيف بمن يعتقدون في الشياطين، كالكلب: أبي حديدة، وعثمان، الذي في الوادي، والكلاب الأخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله؟!» (١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى في رسالة بعث بها إلا أهل القصيم جاء فيها:
«ثم لا يخفى عليكم: أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم، قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدَّقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى على أمورًا لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي.
فمنها قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإني ادَّعي الاجتهاد، وإني خارج عن التقليد، وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، وإني أكفر من توسَّل بالصالحين، وإني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، وإني أقول: لو اقدر على
هدم قبة رسول الله ﷺ ، لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت لها ميزابًا من خشب، وإني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ ، وإني أنكر
стр. 544
زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وإني أكفر من حلف بغير الله. وإني (١)
أكفر
стр. 545
ابن الفارض، وابن عربي، وإني أحرق دلائل الخيرات، وروض الرياحين، وأسميه روض الشياطين.
جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، وقبله من بهت محمدًا ﷺ أنه يسبُّ عيسى ابن مريم، ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥]، بهتوه ﷺ بأنه يقول: إن الملائكة، وعيسى، وعزيزًا في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
وأما المسائل الأخر وهي: أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلاَّ الله، وأني أعرف من يأتيني بمعناها، وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله، وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير الله كفر، والذبيحة حرام، فهذه المسائل حق، وأنما قائل بها، ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين، كالأئمة الأربعة، وإذا سهَّل الله تعالى، بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة، إن شاء الله تعالى.
ثم اعلموا وتدبَّروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ...﴾ الآية [الحجرات: ٦]» (١).
стр. 546
ملخص مفيد لأهم مسائل وفوائد الباب الثالث
- لا يصح إسلام أحد إلا بمعرفة ما وضع له لفظ الشهادة، ودل عليه، وقبوله، والانقياد للعمل به.
- إن النطق بكلمتي الشهادة دليل العصمة لا أنه عصمة، أو يقال: هو العصمة لكن بشرط العمل.
- التلفظ بـ «لا إله إلاَّ الله» وحده ليس عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كون المتلفظ بها لا يدعو إلا الله وحده، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك: الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم دمه وماله.
- أجمع العلماء: على أن من قال لا إله إلا الله، وهو مشرك أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد.
- من أظهر التوحيد وجب الكف عنه، إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك.
- التكفير بترك أصول التوحيد، وعدم الإيمان بها، من أعظم دعائم الدين.
- لو عرف العبد معنى: لا إله إلا الله لعرف أن من شك، أو تردد في كفر من أشرك مع الله غيره، أنه لم يكفر بالطاغوت.
- من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر.
- أجمع العلماء: على أن شاتم الرسول ﷺ كافر، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره كفر.
- من قال: من أتى بالشهادتين، وصلى، وصام، لا يجوز تكفيره، وإن عبد غير الله، فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر.
стр. 547
- أصول الدين، التي أوضحها الله، وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله عليها هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة.
- من دعا علي بن أبي طالب فقد كفر، ومن شك في كفره فقد كفر.
- أهل الفترة، الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن، وماتوا على الجاهلية، لا يسمون مسلمين بالإجماع، ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم في الآخرة.
- قال محمد بن عبد الوهاب: كلام ابن تيمية في عدم تكفير المعين ليس فى تعذيبهم فى الآخرة.
- قال محمد بن عبد الوهاب: كلام ابن تيمية فى تكفير المعين ليس فى الردة والشرك, بل فى المسائل الجزئيات.
- الإسلام: هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له, والإيمان برسوله ﷺ , واتباعه فيما جاء به. فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم, وإن لم يكن كافرًا معندًا فهو كافر جاهل.
- الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه.
- قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأشخاص.
- الله سبحانه لم يعذر أهل الجاهلية، الذين لا كتاب لهم بفعل الشرك الأكبر، فكيف يعذر أمة، كتاب الله بين أيديهم يقرؤونه ويسمعونه.
- المشرك نفى ما أثبتته «لا إله إلا الله»، وأثبت ما نفته «لا إله إلا الله».
- كل كافر قد أخطأ، والمشركون لا بد لهم من تأويلات، فلم يعذروا بذلك الخطأ، ولا بذلك التأويل.
- لم يقل أحد من العلماء في باب المرتد: أنه إذا قال كفرًا، أو فعل كفرًا، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، أنه لا يكفر لجهله.
- إن الإنسان يكفر بكملة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل
стр. 548
بمعناها، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله.
- لا يجوز التقليد في الشرك لأنه تركه هو أصل الأصول، ولا عذر لمكلف في الجهل بحرمته.
- المدعي: أن مرتكب الكفر متأولاً، أو مجتهدًا، أو مخطئًا، أو مقلدًا، أو جاهلاً معذور، مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله، فلو طرد اصله كفر فلا ريب.
- كل من بلغه القرآن، فليس بمعذور في الأصول الكبار، التي هي أصل دين الإسلام.
- عدم تكفير المعين حتى تقام الحجة، لا يكون إلا في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر، والإرجاء، ونحو ذلك.
- ظاهر الآيات، والأحاديث، وكلام جمهور العلماء يدل: على كفر من أشرك بالله فعبد معه غيره، ولم تفرق الأدلة بين المعين، وغيره.
- لم يستثن العلماء الجاهل من حكم الكفر إذا عبد مع الله غيره، بل وكفروه بعينه، وذلك مبسوط في كتب الفقه في باب المرتد.
- من عبد غير الله فهو مشرك شركًا أكبر، لا تصح صلاته في نفسه، فلا يجوز الائتمام به في الصلاة، ولا تصح الصلاة وراءه لشركه.
- من دعا غير الله عبادة فهو مشرك مرتد عن الإسلام، لا يحل الأكل من ذبيحته لأنها ميتة، ولو ذكر اسم الله عليها.
- البلد الذي يظهر فيه الشرك، ويعلم فيه بالمحرمات، ويعطل فيه مصالح الدين، يكون بلد كفر.
- دار الإسلام: هي التي تجري أحكام الإسلام فيها، وإن لم يكن أهلها مسلمين،
стр. 549
وغيرها دار كفر.
- قال الإمام مالك: لا يحل لأحد أن يقم بأرض يسب فيها السلف.
- قال الإمام ابن كثير: كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع.
- لا يكون المسلم مظهرًا للدين في دار الكفر، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عنها من الضلال، ويصرح لها بالعداوة.
- إذا كان الموحد بين ظهراني أناس من المبتدعة والمشركين، وهو عاجز عن الهجرة، فعليه بتقوى الله، ويعتزلهم ما استطاع، ويعمل بما وجب عليه في نفسه، ومع من يوافقه على دينه، وعليهم الصبر على الأذى حتى يجعل الله لهم مخرجا.
- قال ابن كثير: إن لم تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر، واختلاط المسلم بالكافر، وفي ذلك ضعف للدين، وقوة للكافرين.
- من خرج من المشركين مكرهًا لقتال المسلمين، فحكمه حكم الكفار في القتل، وأخذ المال لا في الكفر، وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين طوعًا واختيارًا، وأعانهم ببدنه وماله، فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر.
- إن الله أمر بقتال المشركين حتى يتوبوا من الشرك، ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك، أو بعضه، قوتلوا إجماعًا.
- قال ابن تيمية في حق التتار: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام
стр. 550
الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم أو غيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة؛ وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم.
- قال ابن تيمية: إن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب.
- إن مما يوجب الجهاد لمن اتصف به: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، فإن ذلك من نواقض الإسلام ومبطلاته، فمن اتصف به فقد كفر، وحلّ دمه وماله.
- إن مما يوجب الجهاد لمن اتصف به: مظاهرة المشركين، وإعانتهم على المسلمين، بيد، أو بلسان، أو بقلب، أو بمال، فهذا كفر مخرج من الإسلام.
- الردة: هي الكفر بعد الإسلام، وتكون بالقول، والفعل، والاعتقاد، والشك. وليس من شرطها أن يقول المرتد: ارتددت عن ديني، لكن لو قال ذلك، اعتبر قوله من أنواع الردة.
- الحنفاء أهل التوحيد: اعتزلوا أهل الشرك، لأن الله أوجب على أهل التوحيد اعتزالهم، وتكفيرهم، والبراءة منهم.
* * *
стр. 551
الخاتمة
أسأل الله العلى القدير: أن أكون قد وفقت في عرض وإبانة شمولية منهج أئمة الدعوة - رحمهم الله تعالى - وأن أكون قد ساهمت ولو بقدر ضئيل في تقديم منهج، وسط، مستقيم في الاعتقاد والأحكام، يصلح أن تنتهجه الأمة الإسلامية، وهي تصارِع وتصارَع من قِبَل كافة الملل والنحل، الخارجة عن هدف وجود البشرية، والمرتدة عن فطرة الخليقة، فطرة الله، التي فطر الناس عليها.
ولا شك أن وسطية، وخيرية هذا التراث تعود إلى اعتماد أصحابه في الاعتقاد، والمسائل، والدلائل على الكتاب والسنة بفهم أصحاب الثلاثة القرون الأولى، قرون الخيرية والاستقامة.
وأريد أن ألفت نظر إخواني الكرام، بعد سؤال كثير منهم عن الكتاب الذي نوهت بذكره في نهاية كتاب «فتاوى الأئمة النجدية»، الخاص «بتقريب تراث شيخ الإسلام ابن تيمية في الاعتقاد والأحكام» أني لظروف معينة اضطررت أن أخرجه في صورة رسائل متسلسلة - إن شاء الله وأعان - وإن كنت أتمنى أن أخرجه كاملاً، ولكنْ الله المستعان، وعليه التكلان.
وأتمنى من إخواني أن لا يبخلوا ليّ بالدعاء إلى من بيده ملكوت السماوات والأرض أن يعينني على التوفيق، والإخلاص والسداد في إخراج هذا الكتاب على الوجه اللائق بتراث شيخ الإسلام ابن تيمية، ذلك العالم الرباني، الذي طالما واجه الطواغيت، والمنافقين، والكفار، والمشركين، والملاحدة، والمبتدعين، حيًا وميتًا.
стр. 552
وأبشركم بأن الرسالة الأولى قد انتهيت منها بفضل الله، وهي تحت الطبع الآن إن شاء الله تعالى.
أسأل الله سبحانه أن يجعل هذا العمل صالحًا، ولوجه خالصًا، وأن لا يجعل فيه لأحد من دونه من شيء، وأن يبارك فيه، وأن يجعله ذخرًا طيبًا لي، ولأولادي، ولأهلي في الدنيا، وعتقًا لنا من النيران في الآخرة.
أخوكم أَبُو يُوسُف
مدحت بن الْحسن آل فراج
الرياض ١١٤٧٢، ص. ب: ٧٦١٢ - جوال: ٠٥٠٦٢٣٧٦٨٥
abo_yosef٢٠٠٣@hotmail.com
стр. 553
فهرس المراجع والمصادر
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان - لعبد الرحمن بن ناصر السعدي - تقديم: محمد زهري النجار، الناشر: دار المدني، سنة الطبع ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.
- الدرر السنية في الأجوبة النجدية - مجموعة رسائل ومسائل علماء نجد الأعلام، من عصر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عصرنا هذا - جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي القحطاني النجدي الحنبلي - الطبعة الخامسة سنة الطبع: ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.
- مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - لبعض علماء نجد الأعلام - أشرف على إعادة الطبع: عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم - الناشر: دار العاصمة (الرياض) - الطبعة الثانية في عام: ١٤٠٩ هـ.
- مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - قام على تصحيحها وطباعتها: عبد العزيز زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
- مجموعة التوحيد - مجموعة رسائل لابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب وأحفاده - الناشر: دار العليان للنشر والنسخ والتصوير (القصيم - بريدة).
- عقيدة الموحدين والرد على الضلال المبتدعين: مكتبة الطرفين (الطائف) - الطبعة الأولى - سنة الطبع: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.
- تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد - سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - تحقيق: مجدي بن منصور بن سيد الشورى ـ
стр. 554
الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) - الطبعة الأولى - سنة الطبع: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب - تحقيق: محمد حامد الفقي - تعليق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز - الناشر: مكتبة التراث الإسلامي (القاهرة).
- التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين - عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - تحقيق: بشير محمد عون - الناشر: مكتبة المؤيد (الطائف)، ومكتبة دار البيان (دمشق) - الطبعة الأولى - سنة الطبع: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.
- منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس - للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - الناشر: دار الهداية للطبع والنشر والترجمة (الرياض) - الطبعة الثانية - سنة الطبع: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.
- كشف الشبهتين - سليمان بن سحمان النجدي الحنبلي - صححه: عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم - الناشر: دار العاصمة (الرياض) الطبعة الأولى - سنة الطبع: ١٤٠٨ هـ.
- فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم - جمع وتحقيق وترتيب: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - مطبعة الحكومة بمكة المكرمة - الطبعة الأولى - سنة الطبع: ١٣٩٩ هـ.
- فتاوى عبد الله بن حميد - جمعها: عمر بن محمد بن عبد الرحمن القاسم - الناشر: دار القاسم للنشر (الرياض) - الطبعة الأولى - سنة الطبع: ١٤١٨ هـ.
стр. 555
- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش - الناشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (الرياض) - طبع: مكتبة المعارف بالرياض - الطبعة الأولى - سنة الطبع: ١٤١١ هـ.
- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - لعبد العزيز بن عبد الله بن باز - جمع وإشراف: د. محمد بن سعد الشويعر - الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع (الرياض) الطبعة الثانية - سنة الطبع: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.
- نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع - عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - الناشر: المكتب الإسلامي - الطبعة السادسة - سنة الطبع: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.
- الكنز الثمين: مجموع فتاوى ورسائل عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - جمع وإعداد: أبو أنس على بن حسن أبو لوز - الناشر: مكتبة الصقر السعودية (الرياض) - الطبعة الأولي - سنة الطبع: ١٤١٤ هـ.
- مجموع فتاوى ورسائل محمد بن صالح العثيمين - جمع: فهد بن ناصر السليمان - الناشر: دار الوطن للنشر (الرياض) - الطبعة الثالثة - سنة الطبع: ١٤١١ هـ.
- الإرشاد إلى تصحيح الاعتقاد - صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان - الناشر: دار ابن الجوزي (الدمام) - الطبعة الرابعة - سنة الطبع: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.
* * *