← Акыда

Акыда · id 17368

المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (555 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قلت: ظاهر هذا الخطاب، لمن ثبت إسلامه، ولم يصدر منه ما يناقضه، من الموالاة والنصرة، والإعانة بالنفس والمال، والدلالة على عورات المسلمين، وتمجيد المشركين في المنابر والمحافل، والانحناء، وخضع الرأس عند رؤيتهم، كل هذه الأشياء، أعظم مما نحن فيه، ويحكم على من فعلها بحكم الله فيه» (١). وبيَّن الشيخ سليمان بن سحمان: وجوب الهجرة على العبد من ديار المشركين، والبعد عنهم، وعدم مساكنتهم ومجامعتهم، ثم أخذ ﵀ يصف أحوالاً لكثير من مشركي زمانه، ثم جزم بأن هذه الأوصاف متى علت دارًا من الديار، تكون دار شرك يحرم السفر إليها، ومساكنة أهلها ومجامعتهم، ثم أعقب ذلك بذكر شبهة في هذا الشأن لبعض المنتسبين لطلب العلم، ثم استعرض الردود عليها، فقال ﵀: «وقد نقل إلينا عن بعض من ينتسب إلى طلب العلم: أن يبيح السفر مطلقًا إلى من هذا دينه، وهذه نحلته، وهذه حال بلده، مستدلاً بسفر أبي بكر ﵁ إلى بُصرى في عهد النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ لم ينكر عليه سفره، وأن أبا بكر ﵁ لم يكن يظهر دينه، وليس هذا الجهل بغريب ممن لم يعرف كفر هؤلاء، وأن أبا جهل وأشياعه ما وصل كفرهم إلى ساحل هذا الكفر العظيم، ولا عرف أن بلادهم بلاد كفر والحالة هذه. ولكن الذي يعلم به من نصح نفسه، وأراد نجاتها: أن الاستدلال لجواز سفر عوام الناس، الذين لا يعرفون ما أوجب الله عليهم، من معاداة المشركين، ومباداتهم بالعداوة والبغضاء، والتصريح لهم بالبراءة منهم، ومما يعبدون، بسفر أبي بكر ﵁، من دسائس الشيطان، فإن من المعلوم عند الخاص

стр. 492

والعام، ولا ينكره إلاَّ مكابر مبخوس الحظ: أن الصحابة يظهرون دينهم، وقد بايعوا رسول الله ﷺ على أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وإنكارهم ﵃ وأرضاهم باللسان، على من أحدث حدثًا أو فعل منكرًا معروف مشهور .... (قيد مهم في الفرق بين السفر إلى ديار المشركين الأصليين، وديار المشركين المرتدين) ومن المعلوم: أن النصارى والمجوس يعلمون أن العرب على غير دينهم، حتى في الجاهلية، والعرب يعلمون أن هؤلاء على غير دين، فالكل منهم متميز عن الآخر بدينه، خصوصًا بعد البعثة، فإنه من المعلوم: أن أهل الإسلام يكفِّرونهم، لا يشك في ذلك أهل الكتاب ولا غيرهم، بخلاف عباد القبور اليوم وأشياعهم. فإنهم ينتسبون إلى الإسلام، ويتلفَّظون بالشهادتين، وغالبهم يصلي ويصوم ويحج، ومن لا يفعل ذلك قد يعظم من يفعل ذلك ويرى فضله، ومع هذا كله، فحالهم كما تقدم قريبًا، من صرفهم خالص حق الله لمعبوداتهم، ولو علموا ممن يسافر إلى ديارهم، أنهم على غير دينهم، وأنهم يكفِّرونهم، لأوقعوا بهم الفتنة، ولآذوهم، فقياس هؤلاء الكفرة على أولئك، من القياس الباطل المردود، مع أن السفر إلى ديار هؤلاء وهؤلاء ممنوع، لكن أهل الكتاب والمجوس، يعلمون أنهم على غير دينهم، بخلاف عباد القبور، فإنهم يظنون أن من سافر إلى بلادهم على دينهم. إذا تبين هذا، وعلمته، فسفر أبي بكر ﵁، كان مع إظهار دينه، ومن أظهر دينه كما ينبغي، فلا مانع من سفره إن أمن على نفسه ودينه» (١).

стр. 493

المبحث الرابع أحكام وأحوال المقيم بين أظهر المشركين قال الشيخ أبو بطين في جواب سؤال ورد عليه: «وما ذكرت من حال من يكون بين ظهراني المشركين، فإن كان يقدر على إظهار التوحيد، بحيث يظهر لهم القول، بأن هذه الأمور الشركية، التي تفعل عند القبور وغيرها، باطل وضلالة، وأنا بريء منه وممن يفعله، فمثل هذا لا تجب عليه الهجرة، وإن كان لا يقدر على إظهار ذلك، مع اعتقاد بطلانه، وأنه الشرك العظيم، فهذا ترك واجبًا عليه، ولا يكفر بذلك» (١). وسئل الشيخان حسين وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا عن: رجل دخل الدِّين وأحبه ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك وأهله، ولكن أهل بلده يصرِّحون بعداوة أهل الإسلام، ويقاتلون أهله، ويعتذر أن ترك الوطن يشق عليه، ولم يهاجر عنهم، فهل يكون مسلمًا أو كافرًا؟ وهل يعذر بعدم الهجرة؟ الجواب: أما الرجل الذي عرف التوحيد وآمن به، وأحبه وأحب أهله، وعرف الشرك وأبغضه، وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر، فهذا فيه تفصيل: فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ مما هم عليه من الكفر والشرك، ويظهر لهم كفرهم وعدواتهم، ولا يفتنونه عن دينه، لأجل عشيرته أو ماله، أو غير ذلك، فهذا لا يحكم بكفره، ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر، ومات بين أظهر المشركين، فيخاف عليه أن يكون قد دخل في أهل

стр. 494

هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. فلم يعذر الله إلاَّ من لا يستطع حيلة ولا يهتدي سبيلاً، ولكن قلَّ أن يوجد اليوم من هو كذلك، إلاَّ أن يشاء الله، بل الغالب: أن المشركين لا يدعونه بين أظهرهم، بل إما قتلوه، وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً. وأما إن لم يكن له عذر، وجلس بين أظهرهم، وأظهر لهم أنه منهم، وأن دينهم حق، ودين الإسلام باطل، فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه، لأنه يمنعه عن الهجرة محبة الدنيا على الآخرة، ويتكلَّم بكلام الكفر من غير إكراه، فدخل في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٦، ١٠٧]» (١). وسئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف: «ما يقال في الهجرة من بين ظهراني المشركين من البادية والحاضرة، وفضلها، وما الواجب منها، وما المستحب، وهل بين بادية نجد وغيرهم كعنزة والظفير، ومن والاهم من بادية الشمال ومن جنوب إلى ما لا يخفى على المسؤول. الجواب: الهجرة من واجبات الدين ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه وهي أقسام: الأول: هجر المحرَّمات التي حرَّمها الله في كتابه وحرمها رسوله ﷺ على جميع المكلَّفين، وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرَّمه الله عليه. وقد

стр. 495

أخبر ﷺ فيما صح عنه: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية. القسم الثاني: الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر ويعلن فيها بالمحرَّمات، والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد: كفرهم وبطلان ما هم عليه، لكن إنما جلس بين ظهرانيهم شحًا بالمال والوطن فهذا عاص ومرتكب محرمًا وداخل في حكم الوعيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. إلى قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]. فلم يعذر الله إلاَّ المستعضف الذي لا يقدر على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدر ما عرف سلوك الطريق وهدايته إلى غير ذلك من الأعذار. وقال ﷺ : «من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله» فلا يقال إنه بمجرد المجامعة والمساكنة يكون كافرًا، بل المراد أنه من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين وأخرجوه معهم كرهًا فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال لا في الكفر. وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين طوعًا واختيارًا وأعانهم ببدنه وماله فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر. ومن الهجرة الواجبة أيضًا: الهجرة من بين ظهراني الأعراب المتظاهرين بالكفر والشرك وارتكاب بعض المحرَّمات وهو عاجز عن إظهار دينه ولا قدرة له على الإنكار عليهم، فهذا هجرته فرض إذا قدر عليها، فإن تركها مع قدرته واستطاعته فحكمه حكم من هو في بلدان المشركين المتقدم ذكرهم» (١).

стр. 496

الفصل السابع أحكام القتال ومشروعية الجهاد وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: القتال في الإسلام منوط بالإصرار على فعل الشرك، ولا ترتفع السيوف المجردة عليه، حتى تتم البراءة منه إلى توحيد الله الخالص. المبحث الثاني: مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم الالتزام بشرائعه، ليس بمسقط للقتال، بل ويقاتل أهله قتال كفر وردة، حتى يكون الدين كله لله. المبحث الثالث: بعض الأسباب الموجبة لقتال أهلها. المبحث الرابع: المراد من إنكار النبي ﷺ على أحد أصحابه لقتله مشركًا بعد ما تلفظ بالشهادتين. المبحث الخامس: الجهاد لا يسقط بحال عن الأمة، والقيام به شرط في صحة الإمامة.

стр. 497

المبحث الأول القتال في الإسلام منوط بالإصرار على فعل الشرك ولا ترتفع السيوف المجردة عليه، حتى تتم البراءة منه إلى توحيد الله الخالص إن عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يُعبد من دونه، هما معنى ومدلول (لا إله إلاَّ الله)، هذه الكلمة التي من أجلها: جرِّدت السيوف، وشرع الجهاد، والهجرة من البلاد، وامتاز الطيب من خبيث العباد، وبها حقنت الدماء وعصمت الأموال، وجعلت مفرق الطريق الوحيد بين المسلمين والمشركين في الدنيا والآخرة. ولقد أجمع العلماء على أن عصمة دماء وأمول الخلائق متوقفة على: الإتيان بالتوحيد، والتزام أحكامه، مع الانخلاع من الشرك، فمتى أبى قوم عن التزام الشرائع، أو بعض منها، فالقتال باق على حاله إجماعًا. وبهذا نعلم: أن مجرَّد الإقرار بالشهادتين، لا يعصم أصحابه على الدوام، إلاَّ مع القيام بحقوقهما. ومن أجل هذا قامت الحروب والفتن بين الإمام المجدِّد وأحفاده مع خصومهم من أجل التوحيد، وفيه كانت الخصومة. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: إن مدلول شهادة أن لا إله إلاَّ الله، هو الالتزام بعبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يُعبد من دون الله، وهذا هو أصل الدين وقاعدته، ولهذا كانت هذه الكلمة، كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، والفارق بين الكافر والمؤمن من الأنام، ولها جردت السيوف، وشرع الجهاد وامتاز الخبيث من طيب

стр. 498

العباد، وبها حقنت الدماء، وعصمت الأموال» (١). وقال عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: إن الله أمر بقتال المشركين، حتى يتوبوا من الشرك، ويخلصوا أعمالهم لله تعالى ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه، قوتلوا إجماعًا (٢). اهـ. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد: قوله: «من قال لا إله إلاَّ الله وكفر بما يعبد من دون الله»، اعلم أن النبي ﷺ في هذا الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين: الأول: قول لا إله إلاَّ الله. الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله. فلم يكتف باللفظ عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها. قلت: وقد أجمع العلماء على معنى ذلك، فلا بد في العصمة من الإتيان بالتوحيد، والتزام أحكامه، وترك الشرك كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]، والفتنة هنا: الشرك، فدل على أنه إذا وجد الشرك فالقتال باق بحال، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. فأمر بقتالهم على فعل التوحيد، وترك الشرك، وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا فعلوها خلي سبيلهم، ومتى أبوا عن فعلها أو فعل شيء منها،

стр. 499

فالقتال باق بحاله إجماعًا، ولو قالوا: لا إله إلاَّ الله .... وفي «الصحيحين» أيضًا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوه عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله». فهذا الحديث كآية براءة بيَّن فيه ما يقاتل عليه الناس ابتداء، فإذا فعلوه، وجب الكف عنهم إلاَّ بحقه، فإن فعلوا بعد ذلك ما يناقض هذا الإقرار والدخول في الإسلام، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله، بل وأقروا بالأركان الخمسة وفعلوها، وأبوا عن فعل الوضوء للصلاة ونحوه، أو عن تحرِّي بعض محرَّمات الإسلام كالربا أو الزنا أو نحو ذلك، وجب قتالهم إجماعًا، ولم تعصمهم لا إله إلاَّ الله ولا ما فعلوه من الأركان، وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلاَّ الله، وأنه ليس المراد منها مجرد النطق، فإذا كانت لا تعصم من استباح محرَّمًا، أو أبى عن فعل الوضوء مثلاً بل يقاتل على ذلك حتى يفعله، فكيف تعصم من دان بالشرك وفعله وأحبه ومدحه، وأثني على أهله، ووالى عليه، وعادى عليه، وأبغض التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله، وتبرأ منه، وحارب أهله، وكفرهم، وصد عن سبيل الله كما هو شأن عباد القبور. وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلاَّ الله، وهو مشرك أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد» (١). وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمهم الله تعالى: «وقد قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إذا قال الكافر: لا إله إلاَّ الله، فقد

стр. 500

شرع في العاصم لدمه، فيجب الكف عنه، فإن تمَّم ذلك تحقَّقت العصمة وإلاَّ بطلت، ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت، فقال: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله»، وليعلم المسلمون: أن الكافر المحارب، إذا قالها كف عنه، وصار دمه وماله معصومًا. ثم بين ﷺ في الحديث الآخر: أن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين، فقال: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، فبين: أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك، ولئلا تقع الشبهة: بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام، كما وقعت لبعض الصحابة، حتى جلاها أبو بكر الصديق، ثم وافقوه (» (١). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في جواب على سؤال ورد عليه من ابنه عبد اللطيف ﵏ جميعًا: «اعلم وفقك الله أن أهل نجد كانوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية فيهم بأَسوأ حال. أما الأعراب فلا يلتفت أحد منهم لشريعة الإسلام، لا في العبادات، ولا في غيرها من الأحكام في الدماء، ولا في الأموال، ولا في النكاح، والطلاق، والمواريث، وغير ذلك، وكانوا في شر عظيم فيما بينهم من الحروب كل طائفة تقاتل الأخرى، وتستحل دماءها وأموالها، والحضر عندهم في غاية الذل يأخذون المال منهم كرهًا. فلمَّا منَّ الله بهذه الدعوة، وقام الجهاد أجلبوا كلهم على محاربة من دعاهم إلى الإسلام، والتزام شرائعه، فحصل التأييد من الله لمن قام بدينه فجاهدوا الأعراب، وغيرهم على طاعة ربهم، والتزام ما شرعه

стр. 501

فبقوا على جهاد الأعراب، كلما أسلمت قبيلة جاهدوا بها الأخرى، فما زالوا يجاهدونهم على أن يسلموا، ويصلُّوا، ويزكوا، وأكثرهم ألقى السلم لأهل الإسلام» (١). وقال الشيخ أبو بطين رحمه الله تعالى: والشيخ محمد بن عبد الوهاب، قاتل من قاتله، ليس لكونهم بغاة، وإنما قاتلهم على: ترك الشرك، وإزالة المنكرات، وعلى إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة» (٢). * * *

стр. 502

المبحث الثاني مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم الالتزام بشرائعه ليس بمسقط للقتال، بل ويقاتل أهله قتال كفر وردة حتى يكون الدين كله لله إن الله سبحانه، اشترى من المؤمنين: أموالهم وأنفسهم، وأمرهم ببذلهما في سبيله، حتى يكون الدين كله لله، وتلك بيقين هي علة مشروعية القتال في الإسلام، وعليه: فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله، وجب القتال إجماعًا، حتى يكون الدين كله لله، ومن ثم كان: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام، الظاهرة المتواترة، فإنها تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وناطقة بالشهادتين، وملتزمة لبقية الشرائع، بغير خلاف بين العلماء. وتقاتل على ذلك: قتال كفر وردة، تغنم أموالها، وتسبى ذراريها. قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: «قال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى - لما سئل عن قتل التتار مع التمسك بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام - فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم، مع سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵄، فاتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام عملاً بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: «تحقرون صلاتكم

стр. 503

مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم»، فعلم: أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، أو الخمر، أو الزنا، أو الميسر، أو نكاح المحارم، أو عن التزام جهاد الكفر، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التى لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها، والتي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وإنما اختلف العلماء في الطائفة الممتنعة، إذا أصرَّت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر، فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام، بمنزلة مانعي الزكاة، وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب ﵁، ولهذا افترقت سيرته ﵁ في قتاله أهل البصرة وأهل الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق ﵁ لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

стр. 504

فتأمل رحمك الله تعالى تصريح هذا الإمام في هذه الفتوى: بأن من امتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، أو الحج، أو ترك المحرَّمات كالزنا أو تحريم الدماء والأموال، أو شرب الخمر أو المسكرات، أو غير ذلك، أنه يجب قتل الطائفة الممتنعة عن ذلك حتى يكون الدين كله لله، ويلتزموا جميع شرائع الإسلام، إن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين ببعض شرائع الإسلام، وأن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الطوائف، الصحابة فمن بعدهم، وأن ذلك عمل بالكتاب والسنة. فتبين لك أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، وأنهم يقاتلون قتال كفر وخروج عن الإسلام، كما صرَّح به في آخر الفتوى بقوله: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، بل هم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة. والله أعلم. وقال الشيخ رحمه الله تعالى في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصدِّيق لعمر ﵄: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فجعل المبيح للقتال: مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرُّون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة وهي: قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعًا: أهل الردَّة. وكان من أعظم فضائل الصدِّيق عندهم أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله.

стр. 505

وأما قتال المقرِّين بنبوة مسيلمة فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم، وهذه حجة من قال إن قاتلوا الإمام عليها كفروا وإلاَّ فلا، فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، بخلاف من لم يقاتل الإمام عليها» (١). وقال الشيخ عبد الله أبو بطين رحمه الله تعالى: «وأما من ادعى أن من قال: لا إله إلاَّ الله، فإنه لا يجوز قتله، وإن فعل أي ذنب، ولا قتال الطائفة الممتنعة إذا قالوا هذه الكلمة، فهذا قول مخالف للكتاب والسنة، والإجماع، ولو طرد هذا القائل أصله، لكان كافرًا بلا شك .... (الأدلة على كفر وقتل، من فعل ما يستوجبهما أو واحدًا منهما، ممن انتسب إلى أهل القبلة) ونذكر بعض ما اطلعنا عليه، من كلام فقهاء المذاهب، قال الشيخ الأجهوري المالكي: من ترك فرضًا أخره لبقاء ركعة بسجدتها من الضروري، قتل بالسيف حدًا على المشهور، وقال ابن حبيب وجماعة خارج المذهب: كافرًا، واختاره ابن عبد السلام. وقال في فضل الأذان، قال المازري: في الأذان معنيان: أحدهما: إظهار شعائر الإسلام، والتعريف بأن الدار دار إسلام، وهو فرض كفاية يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، إن عجز عن قهرهم على إقامته إلاَّ بقتال، والثاني: الدعاء إلى الصلاة والإعلام بوقتها. وقال الآبي في شرح مسلم، والمشهور: أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر، لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع أذانًا

стр. 506

أغار وإلاَّ أمسك، وقول المصنف: يقاتلون عليه، ليس القتال عليه من خصائص القول بالوجوب، لأنه نص عن عياض في قول المصنف: والوتر غير واجب، لأنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن، هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم، لأن في التمالي على تركها إماتتها. انتهى. وقال في فضل صلاة الجماعة: صلاة الجماعة مستحبَّة للرجل في نفسه، فرض كفاية في الجملة، يعني على أهل المصر، قال: ولو تركوها قوتلوا، كما تقدم. انتهى. وقال الشيخ أحمد بن حمدان، الأذرعي الشافعي، في «كتاب قوت المحتاج، في شرح المنهاج»: من ترك الصلاة جاحدًا وجوبها، كفر بالإجماع، وذلك جار في أي جحود كان مجمعًا عليه، معلومًا من الدين بالضرورة، فإن تركها كسلاً قتل حدًا على الصحيح، والمشهور ... وقال ابن حجر الهيثمي في «التحفة»، في باب حكم تارك الصلاة: إن ترك الصلاة جاحدًا وجوبها، كفر بالإجماع، أو تركها كسلاً مع اعتقاد وجوبها، قتل كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله» الحديث، فإنهما شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة: الإسلام، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لكن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا، فكانت فيها على حقيقتها، بخلافها في الصلاة، فإنه لا يمكنه فعلها بالمقاتلة، فكانت فيها بمعنى القتل» (١). اهـ. * * *

стр. 507

المبحث الثالث بعض الأسباب الموجبة لقتال أهلها ولقد بيَّن العلماء بعض الأسباب الموجبة لقتال أهلها منها: ١ - الوقوع في الشرك الأكبر المناقض للإسلام من كل وجه. ٢ - الخروج على إمام مسلم موحِّد مقدِّم لأحكام ربه وشريعته على ما دونهما من الأحكام والشرائع. ٣ - عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم. ٤ - مظاهرة المشركين، وإعانتهم على المسلمين بيد، أو لسان، أو بمال. ٥ - من منع شيئًا من شعائر الإسلام الظاهرة، أو امتنع عن أداء شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة. ٦ - إذا ظهر في بلد أعلام الشرك، وأعلنت فيه المحرمات، وعطلت معالم الدين، حتى تصير بلاد كفر وشرك. قال بعض علماء نجد - رحمهم الله تعالى -: أما بعد: فإنه قد بلغني أن بعض الناس، قد أشكل عليه جهاد المسلمين لأهل حايل، هل هو شرعي أم لا؟ فأقول وبالله التوفيق: الجهاد مشروع لأحد أمور، منها: الأمر الأول: الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين، فمن خرج عن طاعته، وجب جهاده على جميع الأمة، ولو كان الخارج مسلمًا، كما جاهد علي بن أبي طالب ﵁ الخوارج، وهو يعتقد إسلامهم، فإنه سئل عن كفرهم، فقال: من الكفر فرُّوا، وقال مرة أخرى لما سئل عنهم: إخواننا بغوا علينا. والدليل على هذا قوله ﷺ : «من أتاكم وأمركم جميع على رجل، يريد

стр. 508

أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم، فاضربوا عنقه كائنًا من كان». وما زال الأئمة في كل زمان ومكان، يجاهدون من خرج عن طاعة إمام المسلمين، والعلماء يجاهدون معهم ويحضونهم على ذلك، ويصنفون التصانيف في فضل ذلك، وفي فضل من قام فيه، لا يشك أحد منهم في ذلك، إلاَّ أن يأمر الإمام بمعصية الله، فلا تحل طاعته لأحد، بل تحرم طاعة مخلوق في معصية الخالق. وأهل حائل: أمرهم الإمام بالدخول في الطاعة، ولزوم السنة والجماعة، ومنابذة أهل الشرك، وعداوتهم وتكفيرهم، فأبوا ذلك وتبرءوا منه، والإمام يقول - من أول الأمر إلى يومنا هذا - لهم: الشريعة، مقدمة بيني وبينكم، نمشي على ما حكمت به، على العين والرأس، فلم يقبلوا ولم ينقادوا، فوجب قتالهم على جميع المسلمين لخروجهم عن الطاعة، حتى يلتزموا ما أمرهم به الإمام، من طاعة الله تعالى. الأمر الثاني: مما يوجب الجهاد لمن اتصف به، عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، فإن ذلك من نواقض الإسلام ومبطلاته، فمن اتصف به فقد كفر، وحل دمه وماله، ووجب قتاله حتى يكفر المشركين، والدليل على ذلك قوله ﷺ : «من قال لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه»، فعلَّق عصمة المال والدم بأمرين: الأول: قول لا إله إلاَّ الله. والثاني: الكفر بما يُعبد من دون الله. الأول: قوله: لا إله إلاَّ الله، والمراد معناها لا مجرَّد لفظها، ومعناها هو توحيد الله بجميع أنواع العبادة. الأمر الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، والمراد بذلك تكفير المشركين، والبراءة منهم ومما يعبدون مع الله. فمن لم يكفِّر المشركين من الدولة التركية، وعبَّاد القبور، كأهل مكة

стр. 509

وغيرهم، ممن عبد الصالحين، وعدل عن توحيد الله إلى الشرك، وبدَّل سنَّة رسوله ﷺ بالبدع، فهو كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم، ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين، فإن الذي لا يكفِّر المشركين، غير مصدِّق بالقرآن، فإن القرآن قد كفر المشركين، وأمر بتكفيرهم، وعداوتهم وقتالهم. قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀ في نواقض الإسلام. الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم، كفر. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من دعا علي بن أبي طالب، فقد كفر، ومن شك في كفره، فقد كفر. الأمر الثالث: مما يوجب الجهاد لمن اتصف به، مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين بيد أو بلسان أو بقلب أو بمال، فهذا كفر مخرج من الإسلام، فمن أعان المشركين على المسلمين، وأمد المشركين من ماله بما يستعينون به على حرب المسلمين اختيارًا منه، فقد كفر. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في نواقض الإسلام، الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، فمن اتصف بشيء من هذه الصفات، مما ينقض الإسلام، أو منع شيئًا من شعائر الإسلام الظاهرة، أو امتنع عن أداء شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، فإنه يجاهد حتى يقر بذلك ويلتزمه. وبهذا يتبيَّن لك، أن جهاد أهل حائل، من أفضل الجهاد، ولكن لا يرى ذلك إلاَّ أهل البصائر، وأما من لا بصيرة عنده، فهو لا يرى الجهاد إلاَّ لأهل الأوثان خاصة، وأما من اقر بالشهادتين، فلا يرى جهاده» (١).

стр. 510

وقال الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى، لبعض إخوانه: بلغني ما ساءني، وعسى أن يكون كذبًا، وهو: أنك تنكر على من اشترى من أموال أهل الأحساء، التي تؤخذ منهم قهرًا، فإن كان صدقًا فلا أدري ما عرض لك، والذي عندنا أنه لا ينكر مثل هذا، إلاَّ من يعتقد معتقد أهل الضلال، القائلين: أن من قال لا إله إلاَّ الله لا يكفر، وأن ما عليه أكثر الخلق من فعل الشرك وتوابعه، والرضا بذلك، وعدم إنكاره، لا يخرج من الإسلام. وبذلك عارضوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، في أصل هذه الدعوة، ومن له مشاركة فيما قرَّره المحققون، قد اطلع على أن البلد، إذا ظهر فيها الشرك، وأعلنت فيها المحرَّمات، وعطِّلت فيها معالم الدين، أنها تكون بلاد كفر، تغنم أموال أهلها، وتستباح دماؤهم، وقد زاد أهل هذه البلد، بإظهار المسبَّة لله ولدينه، ووضعوا قوانين ينفذونها في الرعية، مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقد علمت أن هذه كافية وحدها، في إخراج من أتى بها من الإسلام» (١). * * *

стр. 511

المبحث الرابع المراد من إنكار النبي ﷺ على أحد أصحابه لقتله مشركًا بعد ما تلفظ بالشهادتين وأما حديث أسامة بن زيد ﵄ الذي أنكر فيه النبي ﷺ : قتله لمشرك بعد ما تلفظ بـ: لا إله إلاَّ الله، فإليكم بيانه والمراد منه، وفق الأصول الكلية، والمقتضيات الشرعية. سئل أبناء الشيخ وحمد بن ناصر، عن المشرك إذا قال لا إله إلاَّ الله حال الحرب؟ فأجابوا: هذا يحتاج إلى تفصيل، فإن كان المشرك لا يتلفظ بها في حال شركه وكفره، كحال المشركين الذين في زمن النبي ﷺ ، فهذا إذا قال: لا إله إلاَّ الله، وجب الكف عنه، لأنها دليل على إسلامه وإقراره، لأن المشركين في زمن النبي ﷺ لا يقولونها، وإذا قالها أحدهم كانت دالة على إسلامه، وهذا معنى الأحاديث التي جاءت في الكف عمن قال لا إله إلاَّ الله. كحديث أبي هريرة المتَّفق عليه: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله ». وكذلك حديث أسامة، لما قتل الرجل في الحرب بعدما قال: لا إله إلاَّ الله، فلما ذكر ذلك لرسول الله ﷺ أنكر ذلك عليه، وقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلاَّ الله؟»، فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوُّذًا، وفي رواية: إنما قالها خوفًا من السلاح، فقال: «أفلا شققت عن قلبه». قال العلماء: وفي ذلك أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ...﴾ [النساء: ٩٤]، فدلَّت

стр. 512

الآية على أنه يجب الكف عن المشرك إذا أظهر الإسلام، ولو ظن أنه إنما قال ذلك خوفًا من السيف، فإن تبين بعد ذلك أنه إنما أظهر الإسلام تعوذًا، قتل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾ [النساء: ٩٤]، والتبيُّن هو: التثبت والتأني، حتى يتبين حقيقة الأمر، وأما إذا كان المشرك يتلفظ بلا إله إلاَّ الله، في حال كفره وردَّته، ويفعل من الأفعال ما يوجب كفره وأخذ ماله، فهذا يقتل ويباح دمه وماله، كما قال الصديق ﵁، لعمر ﵁، لما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ وكان فيهم طائفة يشهدون أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلون، ولكنهم منعوا الزكاة .... وأما قولك: إن المسلمين إذا أمسكوا أحدًا يشهد أن لا إله إلاَّ الله، أنهم يقتلونه ويأسرونه، فجواب هذه المسألة، نظير الجواب في التي قبلها، ونحن نقول: لا إله إلاَّ الله قول وعمل، فمن قال لا إله إلاَّ الله، ولم يعلم معناها، ولم يعمل بمقتضاها، لم ينفعه ذلك، فإن المنافقين الذين في الدرك الأسفل في النار، يقولون لا إله إلاَّ الله ولم ينفعهم ذلك. وكذلك بنو حنيفة، الذين قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ ، يقولون: لا إله إلاَّ الله، ويؤذِّنون، ويصلَّون، وهم كفار بالإجماع، وقد أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما قيل له إنهم منعوا الزكاة، وهم يقولون: لا إله إلاَّ الله، ويؤذنون ويصلون، وكذلك على حرق الغالية، وهم يقولون: لا إله إلاَّ الله. وكذلك الخوارج الذين قال فيهم النبي ﷺ : «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه، مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم»، وأخبر أنهم شر قتيل تحت أديم السماء، وقاتلهم علي ﵁، وهم يقولون: لا إله إلاَّ الله، ويعملون أعمالاً شاقة» (١).

стр. 513

المبحث الخامس الجهاد لا يسقط بحال عن الأمة والقيام به شرط في صحة الإمامة إن الإمام، لا يكون إمامًا إلاَّ بالجهاد، لأنه ماضي إلى قيام الساعة، والدين لا يقوم إلاَّ به، ويستحيل أن يسقط فرضه على الأمة، لأن قيامها بالعمل المناط بنشأتها وعلة وجودها، متوقف وقائم عليه. وعليه، فأي طائفة، مجتمعه، ولها منعة، فعليها جهاد أعداء الله بقدر ما تستطيع، إما باللسان، وإما باليد، وإما بالقلب، وإما بهم جميعًا، بل ولا يسقط عنها فردها بحال. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى، في ردِّه على أحد المثبطين عن الجهاد: «وأما قولك: ولا وجه لاستدلالك علينا بهذه الآية (١)، فإن هذه الآية جهادية مع إمام متبع، وهو رسول الله ﷺ ، فإذا كان هناك إمام متبع، فعرِّفنا لعلَّنا نتَّبعه. فأقول: قد بيَّنا خطابك في قولك: أن الآية جهادية، وأنه قول على الله وفي كتابه بلا علم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].

стр. 514

ويقال: بأي كتاب، أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلاَّ مع إمام متبع؟! هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد، والترغيب فيه، والوعيد في تركه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقال في سورة الحج: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠]. وكل من قام بالجهاد في سبيل الله، فقد أطاع الله وأدَّى ما فرضه الله، ولا يكون الإمام إمامًا إلاَّ بالجهاد، لأنه (١) لا يكون جهاد إلاَّ بإمام، والحق عكس ما قلته يا رجل، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ...﴾ الآية [سبأ: ٤٦]، وقال: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦]. وفي الحديث: «لا تزال طائفة» الحديث، والطائفة بحمد الله موجودة مجتمعة على الحق، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: واسع الفضل والعطاء، عليم بمن يصلح للجهاد. والعبر والأدلة على بطلان ما ألفته، كثير في الكتاب والسنة والسير والأخبار، وأقوال أهل العلم بالأدلة والآثار، لا تكاد تخفى على البليد إذا (٢) علم بقصة أبي بصير، لما جاء مهاجرًا فطلبت قريش من رسول الله ﷺ أن يرده إليهم، بالشرط الذي كان بينهم في صلح الحديبية، فانفلت منهم حين قتل المشركين، اللذين أتيا في طلبه.

стр. 515

فرجع إلى الساحل لما سمع رسول الله ﷺ يقول: «ويل أمِّه مسعر حرب، لو كان معه غيره»، فتعرَّض لعير قريش - إذا أقبلت من الشام - يأخذ ويقتل، فاستقل بحربهم دون رسول الله ﷺ لأنهم كانوا معه في صلح - القصة بطولها - فهل قال رسول الله ﷺ أخطأتم في قتال قريش، لأنكم لستم مع إمام؟ سبحان الله ما أعظم مضرة الجهل على أهله؟ عياذًا بالله من معارضة الحق بالجهل والباطل، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] .... ولا ريب: أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون، فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة، وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه، لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف، لما ذكرت من الآيات، وقد تقدم الحديث: «لا تزال طائفة» الحديث. فليس في الكتاب والسنَّة ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال، ولا يجب على أحد دون أحد، إلاَّ ما استثني في سورة براءة (١)، وتأمل قوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]» (٢). * * *

стр. 516

الفصل الثامن نواقض الإسلام وأحكام الردَّة والمرتدين وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف الردَّة، وأهمية الإحاطة برءوس مسائلها. المبحث الثاني: متعلقات الردَّة، مع ذكر أهم أحكامها.

стр. 517

المبحث الأول تعريف الردة، وأهمية الإحاطة برءوس مسائلها لا نشك في أن العلم بنواقض الإسلام، ومبطلات الإيمان، من افرض الفرائض، وأهم المطالب، ولذا فينبغي على المسلم الإحاطة بها، أو على الأقل بمعاقد فروعها ومسائلها، لئلا يقع في شيء من محذوراتها وهو لا يشعر. وبقدر وضوح هذه النواقض في حسّ المسلمين بقدر ما ستظل الفروق والحدود بين الإسلام والكفر، ظاهرة وبينة وفاصلة، ومن ثمّ يتسنِّى للمؤمنين: القيام بفريضة الولاء والبراء، التي هي عمود من أعمدة الملة، وركن ركين من أركانها. والردة: هي الكفر بعد الإسلام، وتكون بالقول، والفعل والاعتقاد، والشك، وليس من شروطها أن يقول المرتد: ارتددت عن ديني، ولكن إن قالها، اعتبر قوله من أنواع الردة. ولقد كثرت وشاعت نواقض الإسلام، على ألسنة وجوارح كثير من العامة، من غير أن يعلم أكثرهم بكونها ردة مخرجة من الملة، ومحبطة لكل الأعمال الصالحة، فلذا لزم التنبيه، وتوجَّب التحذير، فلعلها إذا بانت لهم واتضحت، سارعوا إلى اجتنابها، لئلا يتعرَّضون لسيف الشرع المشهر فوق رءوس المرتدين في الدنيا، وكذا الهوي في الخلود الأبدي في نار جهنم في الآخرة، أعاذنا الله برحمته جميعًا منها. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب حكم المرتد، الذي يكفر بعد إسلامه، نطقًا أو شكًا أو اعتقادًا أو فعلاً، ولو مميزًا، أو كان هازلاً، لقوله تعالى: ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ

стр. 518

تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]؛ فمن أشرك بالله تعالى كفر بعد إسلامه، ولو (١) مكرهًا بحق كفر، أو جحد ربوبيته أو وحدانيته كفر، أو جحد صفة من صفاته، أو ادَّعى النبوة، أو صدَّق من ادَّعاها بعد النبي ﷺ ، أو استهزأ بالله أو رسله، أو هزل فيه ذكر الله تعالى» (٢). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: اعلم: أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة. الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦]، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن، أو القباب. الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، كفر إجماعًا. الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم، كفر إجماعًا. الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه، فهو كافر. الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ، ولو عمل به، كفر إجماعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]. السادس: من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ

стр. 519

كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. السابع: السحر ومنه الصرف ولعطف، فمن فعله، أو رضي به، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ ، وأنه يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉، فهو كافر. العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل بها، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]. ولا فرق في جميع هذه النواقض، بين الهازل، والجاد والخائف، إلاَّ المكره. وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، ومن أكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلَّى الله على محمد» (١). وسُئلت اللجنة الدائمة، جزى الله أصحابها عن المسلمين خيرًا: السؤال الثاني والثالث من الفتوى رقم ٧١٥٠ س: يقال إن الردة قد تكون فعلية أو قولية، فالرجاء أن تبينوا لي باختصار واضح أنواع الردة الفعلية والقولية والاعتقادية؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .... وبعد:

стр. 520

ج: الردة: هي الكفر بعد الإسلام، وتكون بالقول والفعل والاعتقاد والشك. فمن أشرك بالله، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو بعض كتبه، أو رسله، أو سبَّ الله، أو رسوله، أو جحد شيئًا من المحرَّمات المجمع على تحريمها، أو استحله، أو جحد وجوب ركن من أركان الإسلام الخمسة، أو شك في وجوب ذلك، أو في صدق محمد ﷺ ، أو غيره من الأنبياء، أو شك في البعث، أو سجد لصنم، أو كوكب، ونحوه، فقد كفر، وارتد عن دين الإسلام. وعليك بقراءة أبواب حكم الردة من كتب الفقه الإسلامي فقد اعتنوا به ﵏. وبهذا تعلم من الأمثلة السابقة الردة القولية والعملية والاعتقادية وصورة الردة في الشك. س: يقال إن الردة القولية تكون بلفظ كلمة الردة كسبِّ الدين، ويقال أيضًا إن من ارتد بهذا السبب أو ما شابهه فقد بطل ما عمل قبل ذلك من صلاة وصيام وزكاة ... إلخ، أو نذر نذره على نفسه. فهل يجب قضاء ما فات أو ما بطل بذلك السبب أو لا إن كان نعم فهل يتم قضاء الصوم بالتتابع في الأيام أم لا؟ ج: سبق بيان أنواع الردة، وليس من شرط ذلك أن يقول المرتد ارتددت عن ديني، لكن لو قال ذلك اعتبر قوله من أنواع الردة. وليس على المرتد إذا رجع إلى الإسلام أن يقضي ما ترك في حال الردة من صلاة وصوم وزكاة ... إلخ. وما عمله في إسلامه قبل الردة من الأعمال الصالحة لم يبطل بالردة إذا رجع إلى الإسلام، لأن الله سبحانه علق ذلك بموته على الكفر كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ ...﴾

стр. 521

[البقرة: ١٦١]، الآية من سورة البقرة، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ...﴾ [البقرة: ٢١٧]، الآية من سورة البقرة. أما نذره حال إسلامه فهو باق إذا كان النذر طاعة، فعليه أن يوفي به بعد الرجوع إلى الإسلام، وهكذا ما في ذمته من حق لله أو لعبادة قبل أن يرتد فهو باق. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١) * * *

стр. 522

المبحث الثاني متعلقات الردَّة، مع ذكر أهم أحكامهما لقد مرق من الإسلام بعض أهله، وذلك على عهد النبي ﷺ وخلفائه من بعده، مع استقبالهم للقبلة، وما كانوا عليه من العبادة والزهد والورع. فإذا كان كذلك، فليعلم: أن المنتسب للإسلام، بل وللسنَّة، في هذه الأزمان، قد يمرق أيضًا من الدين، ويرتد عن الملَّة، بفعل ناقض من نواقض الشهادتين. والردة قد تتعلق بـ: حق الله سبحانه، أو كتبه، أو أنبيائه، أو ملائكته، أو أحكامه وشريعته وأوامره ونواهيه وأخباره ... والمسلم إذا وقع في ناقض من نواقض الإسلام، ارتد بذلك ونطقه بالشهادتين، وانتسابه للملة، مع عمله ببعض الشرائع، لا يدرأ عنه: الكفر، والردة، والقتل بعد الاستتابة. فإذا أتى الشهادة، بحكم العادة، حال ردته وكفره، ولم تخلعه من الكفر الذي حل فيه، فلا يرتفع عنه حكمه، حتى يدخل تائبًا من الباب الذي خرج منه كافرًا. قطوف من رسالة الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى قال الشيخ بعد أن حمد الله، وصلى على نبيه ﷺ : أما بعد: فهذه فصول وكلمات، نقلتها من كلام العلماء المجتهدين، أصحاب الأئمة الأربعة، الذين هم أئمة أهل السنة والدين، في بيان بعض الأفعال والأقوال المكفِّرة للمسلم، المخرِّجة له من الدين، وأن تلفظه

стр. 523

بالشهادتين، وانتسابه إلى الإسلام، وعمله ببعض شرائع الدين، لا يمنع من تكفيره وقتله، وإلحاقه بالمرتدين ... فنقول: أما كلام الشافعية: فقال ابن حجر في كتاب «الزواجر عن اقتراف الكبائر» الكبيرة الأولى: الكفر والشرك، أعاذنا الله منه، ولما كان الكفر أعظم الذنوب، كان أحق أن يبسط الكلام عليه وعلى أحكامه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦] ... ثم قال: «تنبيهات» منها: بيان الشرك، وذكر جملة من أنواعه، لكثرة وقوعها في الناس، وعلى ألسنة العامة، من غير أن يعلموا أنها كذلك فإذا بانت لهم فلعلهم أن يجتنبوها، لئلا تحبط أعمال مرتكبي ذلك، ويخلدون في أعظم العذاب، وأشد العذاب، ومعرفة ذلك أمر مهم جدًا. (أخطار الردة): فإن من ارتكب مكفرًا تحبط جميع أعماله، ويجب عليه قضاء الواجب منها، عند جماعة من أئمة، كأبي حنيفة، ومع ذلك فقد توسَّع أصحابه في المكفِّرات، وعدوا منها جملاً مستكثرة جدًا وبالغوا في ذلك أكثر من بقية أئمة المذاهب، هذا مع قولهم: إن الردة تحبط جميع الأعمال، وبأن من ارتد بانت منه زوجته، وحرمت عليه، فمع هذا التشديد، بالغوا في الاتساع في المكفِّرات؛ فتعين على كل ذي مسكة في دينه: أن يعرف ما قالوه، حتى يجتنبه، ولا يقع فيه فيحبط عمله، ويلزمه قضاؤه، وتبين منه زوجته عند هؤلاء الأئمة .... فصل: وأما كلام الحنفية، فقال في كتاب تبيين المحارم المذكورة في القرآن، «باب الكفر»، وهو: الستر وجحود الحق، وإنكاره، وهو أول ما ذكره في القرآن العظيم من المعاصي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].

стр. 524

وهو أكبر الكبائر على الإطلاق، فلا كبيرة فوق الكفر - إلى أن قال -. (أنواع الكفر): واعلم أنَّ ما يلزم به الكفر أنواع، نوع يتعلَّق بالله سبحانه، ونوع يتعلَّق بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ونوع يتعلق بنبينا محمد ﷺ وسائر الأنبياء والملائكة والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام. فأما: ما يتعلق بالله سبحانه، إذا وصف الله سبحانه بما لا يليق به، بأن شبه الله سبحانه بشيء من المخلوقات أو نفى صفاته، أو قال بالحلول والاتحاد، أو معه قديم غيره، أو معه مدبِّر مستقل غيره، أو اعتقد أنه سبحانه جسم، أو محدث، أو غير حي، أو اعتقد أنه لا يعلم الجزئيات، أو كفر باسم من أسمائه، أو أمر من أمره، أو وعيده أو وعده، أو أنكرهما، أو سجد لغير الله. أو سبَّ الله سبحانه، أو ادَّعى أن له ولدًا، أو صاحبة، أو أنه متولد من شيء كائن عنه، أو أشرك بعبادته شيئًا من خلقه، أو افترى على الله الكذب، بادعاء الإلهية أو الرسالة، أو نفى أن يكون خالقه ربه، وقال ليس لي ربًا، أو قال لذرة من الذرات: هذه خلقت عبثًا وهملاً، وما أشبه ذلك مما لا يليق به، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا؛ يكفر في هذه الوجوه كلها بالإجماع، سواء فعله عمدًا أو هزلاً، ويقتل إن أصرَّ على ذلك، وإن تاب تاب الله عليه، وسلم من القتل. انتهى كلامه بحروفه. فتأمَّل رحمك الله تصريحه بأن من أشرك في عبادة الله غيره، أنه يكفر بالإجماع، ويقتل إن أصرَّ على ذلك .... فصل: وأما كلام الحنابلة، فقال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع، إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذا لم يدخلوا بها تحت أمر

стр. 525

غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداءً بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه. فتأمل قوله: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، وتشبيهه إياهم بمن عبد اللات والعزى. وقال الشيخ تقي الدين في الرسالة السنية، لما ذكر حديث الخوارج، ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم، قال: فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من انتسب إلى الإسلام، من مرق منه من عبادته العظيمة، فليعلم: أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان، قد يمرق أيضًا من الإسلام، وذلك بأسباب، منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ...﴾ الآية [النساء: ١٧١] .... وقال رحمه الله تعالى - أي شيخ الإسلام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. ظاهرة: أنه ما ذبح لغير الله، سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقرِّبين به إلى الله، كان أزكى مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له، والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم، وإن قال فيه باسم الله، كما قال فعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. انتهى كلام الشيخ ﵀. فتأمل رحمك الله هذا الكلام، وتصريحه فيه: بأن من ذبح لغير الله من

стр. 526

هذه الأمة، فهو كافر مرتد، لا تباح ذبيحته، لأنه يجتمع فيها مانعان. الأول: أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع. الثاني: أنها مما أهل به لغير الله، وقد حرَّم الله ذلك في قوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وتأمل قوله: ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. والله أعلم .... (حكم ساب النبي ﷺ ) وقال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول»: قال الإمام إسحاق بن راهويه، أحد الأئمة، يعدل بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون: أن من سبَّ الله أو رسوله، أو دفع شيئًا مما أنزل الله، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله. وقال محمد بن سحنون - أحد الأئمة من أصحاب مالك - أجمع العلماء على أن شاتم الرسول كافر، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره كفر، قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن: على من سبه القتل. وقال الإمام أحمد فيمن سبَّه يقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم، منها: حديث الأعمى الذي قتل المرأة، وقول ابن عمر: من شتم النبي ﷺ قتل، وعمر بن عبد العزيز يقول: يقتل، وقال في رواية عبد الله: لا يستتاب، فإن خالد بن الوليد قتل رجلاً شتم النبي ﷺ ولم يستتبه. انتهى. فتأمل رحمك الله: كلام إسحاق بن راهويه، ونقله الإجماع على أن من سبَّ الله، أو سبَّ رسوله، أو دفع شيئًا مما أنزل الله أنه كافر، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله، يتبين لك: أن من تلفظ بلسانه بسبِّ الله تعالى، أو سبِّ

стр. 527

رسوله فهو كافر مرتد عن الإسلام، وإن أقر بجميع ما أنزل الله، وإن كان هازلاً بذلك لم يقصد معناه بقلبه، كما قال الشافعي: من هزل بشيء من آيات الله فهو كافر، فكيف بمن هزل بسبِّ الله، أو سب رسوله ﷺ ؟ ولهذا قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا وغيرهم، من سبَّ الله تعالى كفر، مازحًا أو جادًا، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ...﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. قال: وهذا هو الصواب المقطوع به. انتهى. ومعنى قول إسحاق رحمه الله تعالى: أو دفع شيئًا مما أنزل الله، أن يدفع أو يرد شيئًا مما أنزل الله في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من الفرائض، أو الواجبات، أو المسنونات، أو المستحبات، بعد أن يعرف أن الله أنزله في كتابه، أو أمر به رسوله ﷺ ، أو نهى عنه، ثم دفعه بعد ذلك، فهو كافر مرتد، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله في كتابه من الشرع، إلاَّ ما دفعه وأنكره، لمخالفته لهواه أو عادته، أو عادة أهل بلده، وهذا معنى قول العلماء: من أنكر فرعًا مجمعًا عليه كفر، فإذا كان من أنكر النهي عن الأكل بالشمال، أو النهي عن إسبال الثياب، بعد معرفته أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، فهو كافر مرتد، ولو كان من أعبد الناس وأزهدهم .... فصل: قال في الإقناع وشرحه «باب حكم المرتد»، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، نطقًا، أو شكًا، أو فعلاً، ولو مميزًا، فتصح ردته كإسلامه، لا مكرهًا، لقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ولو هازلاً، لعموم قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأجمعوا على وجوب قتل المرتد؛ فمن أشرك بالله تعالى، كفر بعد إسلامه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦].

стр. 528

أو جحد ربوبيته، أو جحد صفة من صفاته، أو اتخذ له صاحبة أو ولدًا كفر، أو ادَّعى النبوة، أو صدَّق من ادَّعاها بعد النبي ﷺ كفر، لأنه مكذِّب لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، أو جحد نبيًا، أو كتابًا من كتب الله، أو شيئًا منه، أو جحد الملائكة، أو واحدًا ممن ثبت أنه ملك كفر، لتكذيبه القرآن، أو جحد البعث كفر، أو سبَّ الله ورسوله كفر، أو استهزأ بالله أو كتبه، أو ورسله، لقوله: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]. قال الشيخ: أو كان مبغضًا لرسوله، أو لما جاء به اتفاقًا، أو جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم، كفر إجماعًا، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. أو أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، الذي شرعه الله، كفر، للآية السابقة، أو وجد منه امتهان للقرآن، كفر. وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، فهو كافر، أو سخر بوعد الله، أو وعيده، فهو كافر، لأنه كالاستهزاء بالله، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام أو شك في كفرهم - إلى أن قال - ومن قال: أنا محتاج إلى محمد، في علم الظاهر، دون علم الباطن، أو قال: من الأولياء من يسعه الخروج عن الشريعة، كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى، فهو كافر. ومن سبَّ الصحابة ﵃، أو واحدًا منهم، واقترن بسبِّه دعوى أن عليًا إله، وأن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وأما من لعن، أو قبَّح مطلقًا، فهذا محل الخلاف، توقف أحمد في تكفيره وقتله» (١).

стр. 529

الفصل التاسع أشهر الشبهات المثارة على أئمة الدعوة والرد الوافر عليها وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الرد على شبهة التنقُّص بمقام الرب سبحانه. المبحث الثاني: الرد على شبهة التنقص بحق النبي ﷺ ، والازدراء بمقام الرسالة. المبحث الثالث: الرد على شبهة تكفير المسلمين واعتزالهم. المبحث الرابع: الرد على أشهر الشبهات المثارة في حق إمام الدعوة خاصة رحمه الله تعالى.

стр. 530

المبحث الأول الرد على شبهة التنقُص بمقام الرب سبحانه (شبهة التجسيم) تلك الشبهة التي لم يزل أعداء أهل السنة والجماعة يرمونهم بها، وما نقموا منهم إلاَّ أنهم وصفوا ربهم بما وصف به نفسه، ووصفه به رسول الله ﷺ ، على وجه يليق بجلاله وكماله وعظيم سلطانه، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تشبيه، متَّبعين في ذلك - لا مبتدعين - صحابة النبي ﷺ ، الذين هم أعلم الأمة بربِّها ونبيِّها ودينها، وذلك بإجماع الأمة، شاء أهل الأهواء ذلك أم أبوا. قال أحد المناوئين لدعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: [كتهمة الوهابية للذات العلية يعتقدون بأن لله جسم محدود، مُؤلَّف من أعضاء، يد محسوسة يبطش بها، ورجل يمشي بها، يجلس ويقوم، ويغدو ويروح، وينزل ويرتفع، فأصبحوا كإخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت، لعب إبليس بلحاهم حتى أرداهم وأخرجهم من دائرة الإسلام، لأن المجسِّمة ليسوا من الإسلام في شيء ... إلخ]. قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله تعالى في الرد على هذا الافتراء: والجواب أن يقال: مراده بالوهابية: أتباع أئمة الدعوة السلفية، التي قام بها في نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدِّد القرن الثاني عشر، وهو وأتباعه ﵏ لهم (١) مذهب خاص، بل هو في العقيدة على معتقد
следующие страницы →