← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمتْ وصحِبتْ وماتتْ في حياة النبي ﷺ . قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لَم يرِد في حقِّ أحدٍ من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي. وكأن السبب في ذلك أنه تأخَّر، ووقع الاختلاف في زمانه وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سبباً لانتشار مناقبه من كثرة من كان بينها من الصحابة رداً على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جداً. ثم كان من أمرِ عليٍّ ما كان فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتدَّ الْخطْب فتنقصّوه , واتخذوا لعنَه على المنابر سُنةً، ووافقهم الخوارج على بغضه. وزادوا حتى كفَّروه، مضموماً ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق علي ثلاثة: أهل السنة والمبتدعة من الخوارج والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم. فاحتاج أهل السنة إلى بثِّ فضائله فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف ذلك، وإلاَّ فالذي في نفس الأمر أنَّ لكل من الأربعة من الفضائل إذا حُرِّر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السنة والجماعة أصلا. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن عروة قال: أسلم عليٌّ وهو ابن ثمان سنين. وقال ابن إسحاق: عشر سنين. وهذا أرجحها، وقيل غير ذلك. وكان قَتْلُ عليٍّ ﵁ سنة أربعين. قوله: (مذّاء) صيغة مبالغة من المذي. يقال: مذى يمذي , مثل

стр. 212

مضى يمضي ثلاثيّاً , ويقال أيضاً: أمذى يمذي بوزن أعطى يعطي رباعيّاً. وفي المذي لغات. أفصحها بفتح الميم وسكون الذّال المعجمة وتخفيف الياء ثمّ بكسر الذّال وتشديد الياء. وهو ماءٌ أبيض رقيقٌ لزجٌ يخرج عند الملاعبة , أو تذكّر الجماع , أو إرادته. وقد لا يحسّ بخروجه. قوله: (لمكان ابنته) في رواية مسلمٍ من طريق ابن الحنفيّة عن عليّ " من أجل فاطمة ﵂ ". قوله: (توضّأ) هذا الأمر بلفظ الإفراد يشعر بأنّ المقداد سأل لنفسه , ويحتمل: أن يكون سأل لمبهمٍ أو لعليٍّ , فوجّه النّبيّ ﷺ الخطاب إليه. والظّاهر أنّ عليّاً كان حاضر السّؤال , فقد أطبق أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند عليّ , ولو حملوه على أنّه لَم يحضر لأوردوه في مسند المقداد. ويؤيّده ما في رواية النّسائيّ من طريق أبي بكر بن عيّاش عن أبي حصينٍ في هذا الحديث عن عليّ قال: فقلت لرجلٍ جالسٍ إلى جنبي: سلْه فسأله. ووقع في رواية مسلم " فقال: يغسل ذكره ويتوضّأ " بلفظ الغائب , فيحتمل أن يكون سؤال المقداد وقع على الإبهام , وهو الأظهر ففي مسلمٍ أيضاً " فسأله عن المذي يخرج من الإنسان " , وفي الموطّأ

стр. 213

نحوه (١). ووقع في روايةٍ لأبي داود والنّسائيّ وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حصين بن قبيصةٍ عن عليّ قال: كنت رجلاً مذّاء , فجعلت أغتسل منه في الشّتاء حتّى تشقّق ظهري , فقال النّبيّ ﷺ : لا تفعل. ولأبي داود وابن خزيمة من حديث سهل بن حنيفٍ , أنّه وقع له نحو ذلك , وأنّه سأل عن ذلك بنفسه. ووقع في روايةٍ للنّسائيّ , أنّ عليّاً قال: أمرت عمّاراً أن يسأل. وفي روايةٍ لابن حبّان والإسماعيليّ , أنّ عليّاً قال: سألت. وجمع ابن حبّان بين هذا الاختلاف , بأنّ عليّاً أمر عمّاراً أن يسأل , ثمّ أمر المقداد بذلك , ثمّ سأل بنفسه. وهو جمعٌ جيّدٌ إلاَّ بالنّسبة إلى آخره؛ لكونه مغايراً لقوله. إنّه استحيى من السّؤال بنفسه لأجل فاطمة , فيتعيّن حمله على المجاز بأنّ بعض الرّواة أطلق أنّه سأل لكونه الآمر بذلك , وبهذا جزم

стр. 214

الإسماعيليّ ثمّ النّوويّ. ويؤيّد أنّه أمر كُلاًّ من المقداد وعمّاراً بالسّؤال عن ذلك , ما رواه عبد الرّزّاق من طريق عائش بن أنس قال: تذاكر عليٌّ والمقداد وعمّار المذي , فقال عليٌّ: إنّني رجل مذّاء , فاسألا عن ذلك النّبيّ ﷺ , فسأله أحد الرّجلين. وصحّح ابن بشكوال , أنّ الذي تولى السّؤال عن ذلك هو المقداد , وعلى هذا فنسبة عمّار إلى أنّه سأل عن ذلك محمولة على المجاز أيضاً؛ لكونه قصده , لكن تولى المقداد الخطاب دونه. والله أعلم. واستدل بقوله ﷺ " توضّأ " على أنّ الغسل لا يجب بخروج المذي , وصرّح بذلك في روايةٍ لأبي داود وغيره وهو إجماع. وعلى أنّ الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول كما استدل البخاري به في باب " من لَم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين ". وحكى الطّحاويّ عن قومٍ أنّهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرّد خروجه , ثمّ ردّ عليهم بما رواه من طريق عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن عليّ قال: سئل النّبيّ ﷺ عن المذي. فقال: فيه الوضوء , وفي المنيّ الغسل. فعرف بهذا أنّ حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء , لا أنّه يوجب الوضوء بمجرّده. قوله: (اغسل ذكرك , وتوضأ) وقع في البخاريّ تقديم الأمر بالوضوء على غسله. ووقع في العمدة نسبة ذلك إلى البخاريّ بالعكس , لكنّ الواو لا

стр. 215

ترتّب فالمعنى واحد. وهي رواية الإسماعيليّ. فيجوز تقديم غسله على الوضوء وهو أولى ويجوز تقديم الوضوء على غسله , لكن من يقول بنقض الوضوء بمسّه , يشترط أن يكون ذلك بحائل. واستدل به ابن دقيق العيد على تعيّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنّ ظاهره يعيّن الغسل، والمعيّن لا يقع الامتثال إلاَّ به , وهذا ما صحَّحه النّوويّ في شرح مسلم , وصحّح في باقي كتبه جواز الاقتصار إلحاقاً بالبول وحملاً للأمر بغسله على الاستحباب , أو على أنّه خرج مخرج الغالب، وهذا المعروف في المذهب. واستدل به بعض المالكيّة والحنابلة على إيجاب استيعابه بالغسل عملاً بالحقيقة (١) , لكنّ الجمهور نظروا إلى المعنى , فإنّ الموجب

стр. 216

لغسله إنّما هو خروج الخارج , فلا تجب المجاوزة إلى غير محله. ويؤيّده ما عند الإسماعيليّ في روايةٍ " فقال: توضّأ واغسله " فأعاد الضّمير على المذي , ونظير هذا قوله " من مسّ ذكره فليتوضّأ " فإنّ النّقض لا يتوقّف على مسّ جميعه. واختلف القائلون بوجوب غسل جميعه , هل هو معقول المعنى أو للتّعبّد؟. فعلى الثّاني. تجب النّيّة فيه. قال الطّحاويّ: لَم يكن الأمر بغسله لوجوب غسله كلّه , بل ليتقلَّص فيبطل خروجه كما في الضّرع إذا غسل بالماء البارد يتفرّق لَبَنُه إلى داخل الضّرع , فينقطع بخروجه. واستدل به أيضاً. على نجاسة المذي , وهو ظاهرٌ , وخرّج ابن عقيل الحنبليّ من قول بعضهم: إنّ المذي من أجزاء المنيّ روايةً بطهارته. وتعقّب: بأنّه لو كان منيّاً لوجب الغسل منه. واستدل به على وجوب الوضوء على من به سلس المذي؛ للأمر بالوضوء مع الوصف بصيغة المبالغة الدّالة على الكثرة. وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ الكثرة هنا ناشئةٌ عن غلبة الشّهوة مع

стр. 217

صحّة الجسد بخلاف صاحب السّلس فإنّه ينشأ عن عِلَّة في الجسد , ويمكن أن يقال: أَمَرَ الشّارع بالوضوء منه ولَم يستفصل , فدلَّ على عموم الحكم. واستدل به على قبول خبر الواحد , وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع. وفيهما نظرٌ. لِمَا قدّمناه من أنّ السّؤال كان بحضرة عليّ , ثمّ لو صحّ أنّ السّؤال كان في غيبته , لَم يكن دليلاً على المدّعى , لاحتمال وجود القرائن التي تحفّ الخبر فترقّيه عن الظّنّ إلى القطع , قاله القاضي عياض. وقال ابن دقيق العيد: المراد بالاستدلال به على قبول خبر الواحد مع كونه خبر واحد , أنّه صورةٌ من الصّور التي تدلّ , وهي كثيرةٌ تقوم الحجّة بجملتها لا بفردٍ معيّنٍ منها. وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء , وقد يؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكّله , وفيه ما كان الصّحابة عليه من حرمة النّبيّ ﷺ وتوقيره. وفيه استعمال الأدب في ترك المواجهة بما يستحى منه عرفاً , وحسن المعاشرة مع الأصهار , وترك ذِكْر ما يتعلق بجماع المرأة ونحوه بحضرة أقاربها. وقد استدل البخاري به في العلم لمن استحيى فأمر غيره بالسّؤال؛ لأنّ فيه جمعاً بين المصلحتين: استعمال الحياء وعدم التّفريط في معرفة الحكم.

стр. 218

الحديث السادس والعشرون ٢٦ - عن عبّاد بن تميمٍ عن عبد الله بن زيدٍ بن عاصمٍ المازنيّ ﵁ (١) , قال: شُكي إلى النّبيّ ﷺ الرّجل يُخيَّل إليه أنّه يجد الشّيء في الصّلاة , فقال: لا ينصرفْ حتّى يسمعَ صوتاً , أو يجدَ ريْحاً. (٢) قوله: (عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد) وللبخاري. عن عباد عن عمه , هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري. سَمَّاه مسلمٌ وغيره في روايتهم لهذا الحديث. واختلف. هل هو عمُّ عبادٍ لأبيه أو لأمه؟. قوله: (شُكي) وللبخاري " أنّه شكا " كذا في روايتنا " شكا " بألفٍ , ومقتضاه أنّ الرّاوي هو الشّاكي، وصرّح بذلك ابن خزيمة

стр. 219

عن عبد الجبّار بن العلاء عن سفيان. ولفظه عن عمّه عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرّجل. ووقع في بعض الرّوايات " شُكي " بضمّ أوّله على البناء للمفعول، وعلى هذا فالهاء في أنّه ضمير الشّأن. ووقع في مسلم " شُكي " بالضّمّ أيضاً كما ضبطه النّوويّ. وقال: لَم يسمّ الشّاكي، قال: وجاء في رواية البخاريّ أنّه الرّاوي. قال: ولا ينبغي أن يتوهّم من هذا أنّ " شكا " بالفتح أي: في رواية مسلم، وإنّما نبّهت على هذا , لأنّ بعض النّاس قال: إنّه لَم يظهر له كلام النّوويّ. قوله: (الرّجل) بالضّمّ على الحكاية. وهو وما بعده في موضع النّصب. قوله: (يُخيّل) بضمّ أوّله وفتح المعجمة وتشديد الياء الأخيرة المفتوحة، وأصله من الخيال، والمعنى يظنّ، والظّنّ هنا أعمّ من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما على ما هو أصل اللّغة من أنّ الظّنّ خلاف اليقين. قوله: (يَجدُ الشّيءَ) أي: الحدث خارجاً منه، وصرّح به الإسماعيليّ ولفظه " يخيّل إليه في صلاته أنّه يخرج منه شيء " وفيه العدول عن ذكر الشّيء المستقذر بخاصّ اسمه إلاَّ للضّرورة. قوله: (في الصّلاة) تمسّك بعض المالكيّة بظاهره. فخصّوا الحكم بمن كان داخل الصّلاة، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها،

стр. 220

وفرّقوا بالنّهي عن إبطال العبادة، والنّهي عن إبطال العبادة متوقّف على صحّتها، فلا معنى للتّفريق بذلك؛ لأنّ هذا التّخيّل إن كان ناقضاً خارج الصّلاة فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقيّة النّواقض. قوله: (لا ينصرف) بالجزم على النّهي، ويجوز الرّفع على أنّ " لا " نافية. وللبخاري " لاينفتل أو لا ينصرف " هو شكّ من الرّاوي، وكأنّه من عليّ؛ لأنّ الرّواة غيره رووه عن سفيان بلفظ " لا ينصرف " من غير شكّ. قوله: (صوتاً) أي: من مخرجه. قوله: (أو يجد) أو للتّنويع , وعبّر بالوجدان دون الشّمّ ليشمل ما لو لمس المحلّ ثمّ شمّ يده. ولا حجّة فيه لمن استدل على أنّ لمس الدّبر لا ينقض , لأنّ الصّورة تحمل على لَمْس ما قاربه لا عينه. ودلَّ حديث الباب على صحّة الصّلاة ما لَم يتيقّن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين؛ لأنّ المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى , قاله الخطّابيّ. وقال النّوويّ: هذا الحديث أصل في حكم بقاء الأشياء على أصولها حتّى يتيقّن خلاف ذلك، ولا يضرّ الشّكّ الطّارئ عليها. وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء. وروي عن مالك النّقض مطلقاً، وروي عنه النّقض خارج الصّلاة دون داخلها، وروي هذا التّفصيل عن الحسن البصريّ.

стр. 221

والأوّل مشهور مذهب مالك قاله القرطبيّ، وهو رواية ابن القاسم عنه. وروى ابن نافع عنه. لا وضوء عليه مطلقاً كقول الجمهور، وروى ابن وهب عنه: أحبّ إليّ أن يتوضّأ. ورواية التّفصيل لَم تثبت عنه , وإنّما هي لأصحابه. وحمل بعضهم الحديث على من كان به وسواس. وتمسّك بأنّ الشّكوى لا تكون إلاَّ عن عِلَّة. وأجيب: بما دلَّ على التّعميم، وهو حديث أبي هريرة عند مسلم. ولفظه: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا. فلا يخرجنّ من المسجد حتّى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. وقوله: فلا يخرجنّ من المسجد. أي: من الصّلاة، وصرّح بذلك أبو داود في روايته. وقال العراقيّ: ما ذهب إليه مالك راجح؛ لأنّه احتاط للصّلاة وهي مقصد، وألغى الشّكّ في السّبب المبرئ، وغيره احتاط للطّهارة وهي وسيلة , وألغى الشّكّ في الحدث النّاقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل. وجوابه: أنّ ذلك من حيث النّظر قويّ؛ لكنّه مغاير لمدلول الحديث , لأنّه أمر بعدم الانصراف إلى أن يتحقّق. وقال الخطّابيّ: يستدلّ به لمن أوجب الحدّ على من وجد منه ريح الخمر لأنّه اعتبر وجدان الرّيح ورتّب عليه الحكم، ويمكن الفرق بأنّ الحدود تدرأ بالشّبهة والشّبهة هنا قائمة، بخلاف الأوّل فإنّه متحقّق.

стр. 222

الحديث السابع والعشرون ٢٧ - عن أمّ قيس بنت محصنٍ الأسديّة , أنّها أتت بابنٍ له صغيرٍ , لَم يأكل الطّعام إلى رسول الله ﷺ فأجْلَسه في حجره , فبال على ثوبه , فدعا بماءٍ فنضحه على ثوبه , ولَم يغسله. (١) الحديث الثامن والعشرون ٢٨ - وعن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ , أنّ النّبيّ ﷺ أتي بصبيٍّ , فبال على ثوبه , فدعا بماءٍ , فأتبعه إيّاه. (٢) ولمسلمٍ: فأتبعه بوله , ولَم يغسله. (٣) قوله: (عن أمّ قيس) قال ابن عبد البرّ: اسمها جذامة يعني بالجيم والمعجمة. وقال السّهيليّ: اسمها آمنة. وهي أخت عكّاشة بن محصن الأسديّ , وكانت من المهاجرات الأول كما عند مسلم من طريق يونس عن ابن شهابٍ عن عبيد الله بن عبد الله عن أم قيس. في هذا الحديث. وليس لها في الصّحيحين غيره وغير حديثٍ آخر في الطّبّ (٤) , وفي

стр. 223

كلٍّ منهما قصّة لابنها , ومات ابنها في عهد النّبيّ ﷺ وهو صغيرٌ , كما رواه النّسائيّ. ولَم أقف على تسميته. قوله: (لَم يأكل الطّعام) المراد بالطّعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتّمر الذي يحنّك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها , فكان المراد أنّه لَم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال , هذا مقتضى كلام النّوويّ في شرح مسلم وشرح المهذّب وأطلق في الرّوضة - تبعاً لأصلها - أنّه لَم يطعم ولَم يشرب غير اللبن. وقال في نكت التّنبيه: المراد أنّه لَم يأكل غير اللبن وغير ما يحنّك به وما أشبهه. وحمل الموفّق الحمويّ في " شرح التّنبيه " قوله " لَم يأكل " على ظاهره , فقال: معناه لَم يستقل بجعل الطّعام في فيه. والأوّل أظهر , وبه جزم الموفّق بن قدامة وغيره. وقال ابن التّين: يحتمل: أنّها أرادت أنّه لَم يتقوّت بالطّعام ولَم يستغن به عن الرّضاع. ويحتمل: أنّها إنّما جاءت به عند ولادته ليحنّكه ﷺ , فيُحمل النّفي على عمومه , ويؤيّد ما تقدّم أنّه للبخاري

стр. 224

في العقيقة. (١) قوله: (فأجلسه) أي: وضعه إن قلنا إنّه كان لَمّا ولد، ويحتمل: أن يكون الجلوس حصل منه على العادة , إن قلنا كان في سنّ من يحبو كما في قصّة الحسن. قوله: (على ثوبه) أي: ثوب النّبيّ ﷺ , وأغرب ابن شعبان من المالكيّة , فقال: المراد به ثوب الصّبيّ , والصّواب الأوّل. قوله: (فنضحه) ولمسلمٍ من طريق الليث عن ابن شهابٍ " فلم يزد على أن نضح بالماء " وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهابٍ " فرشّه " زاد أبو عوانة في صحيحه " عليه ". ولا تخالف بين الرّوايتين - أي بين نضح ورشّ -؛ لأنّ المراد به أنّ الابتداء كان بالرّشّ وهو تنقيط الماء , وانتهى إلى النّضح وهو صبّ الماء. ويؤيّده رواية مسلمٍ في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام " فدعا بماءٍ فصبّه عليه " ولأبي عوانة " فصبّه على البول يتبعه إيّاه ". قوله: (ولَم يغسله) ادّعى الأصيليّ أنّ هذه الجملة من كلام ابن شهابٍ راوي الحديث , وأنّ المرفوع انتهى عند قوله " فنضحه ". قال: وكذلك روى معمر عن ابن شهابٍ , وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال

стр. 225

" فرشّه " لَم يزد على ذلك. انتهى. وليس في سياق معمرٍ ما يدلّ على ما ادّعاه من الإدراج , وقد أخرجه عبد الرّزّاق عنه بنحو سياق مالك , لكنّه لَم يقل " ولَم يغسله " وقد قالها مع مالكٍ الليثُ وعمرو بنُ الحارث ويونسُ بن يزيد كلّهم عن ابن شهابٍ. أخرجه ابن خزيمة والإسماعيليّ وغيرهما من طريق ابن وهبٍ عنهم , وهو لمسلمٍ عن يونس وحده. نعم. زاد معمرٌ في روايته قال: قال ابن شهابٍ: فمضت السّنّة أن يُرشّ بول الصّبيّ ويُغسل بول الجارية. فلو كانت هذه الزّيادة هي التي زادها مالك ومن تبعه , لأمكن دعوى الإدراج , لكنّها غيرها فلا إدراج. وأمّا ما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك , فإنّ ذلك لفظ رواية ابن عيينة عن ابن شهابٍ , وقد ذكرناها عن مسلم وغيره وبيّنّا أنّها غير مخالفةٍ لرواية مالك. والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفوائد: النّدب إلى حسن المعاشرة والتّواضع والرّفق بالصّغار , وتحنيك المولود , والتّبرّك بأهل الفضل (١) وحمل الأطفال إليهم حال الولادة وبعدها , وحكم بول الغلام والجارية قبل

стр. 226

أن يطعما وهو مقصود الباب واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب هي أوجهٌ للشّافعيّة: القول الأول: وهو أصحّها: الاكتفاء بالنّضح في بول الصّبيّ لا الجارية، وهو قول عليّ وعطاء والحسن والزّهريّ وأحمد وإسحاق وابن وهبٍ وغيرهم. ورواه الوليد بن مسلم عن مالكٍ , وقال أصحابه: هي روايةٌ شاذّةٌ. القول الثّاني: يكفي النّضح فيهما , وهو مذهب الأوزاعيّ وحكي عن مالكٍ والشّافعيّ، وخصّص ابن العربيّ النّقل في هذا بما إذا كانا لَم يدخل أجوافهما شيء أصلاً. القول الثّالث: هما سواء في وجوب الغسل , وبه قال الحنفيّة والمالكيّة. قال ابن دقيق العيد: اتّبعوا في ذلك القياس , وقالوا المراد بقولها " ولَم يغسله " أي غسلاً مبالغاً فيه وهو خلاف الظّاهر , ويبعده ما ورد في الأحاديث الأُخر - يعني التي ستأتي (١) - من التّفرقة بين بول الصّبيّ والصّبيّة , فإنّهم لا يفرّقون بينهما. قال: وقد ذكر في التّفرقة بينهما أوجهٌ: منها ما هو ركيك، وأقوى ذلك ما قيل: إنّ النّفوس أعلق بالذّكور

стр. 227

منها بالإناث , يعني: فحصلت الرّخصة في الذّكور لكثرة المشقّة. واستدل به بعض المالكيّة على أنّ الغسل لا بدّ فيه من أمرٍ زائدٍ على مجرّد إيصال الماء إلى المحل. قلت: وهو مشكلٌ عليهم؛ لأنّهم يدّعون أنّ المراد بالنّضح هنا الغسل. تنبيهٌ: قال الخطّابيّ: ليس تجويز من جوّز النّضح من أجل أنّ بول الصّبيّ غير نجس , ولكنّه لتخفيف نجاسته. انتهى. وأثبت الطّحاويّ الخلاف , فقال: قال قومٌ بطهارة بول الصّبيّ قبل الطّعام، وكذا جزم به ابن عبد البرّ وابن بطّالٍ ومن تبعهما عن الشّافعيّ وأحمد وغيرهما , ولَم يَعرف ذلك عن الشّافعيّة ولا الحنابلة. وقال النّوويّ: هذه حكاية باطلة. انتهى وكأنّهم أخذوا ذلك من طريق اللازم , وأصحاب المذهب أعلم بمراده من غيرهم. والله أعلم. قوله في حديث عائشة: (بصبي) جمعه صبيان بكسر الصّاد. ويجوز ضمّها , جمع صبيّ , أمّا حكمه. وهل يلتحق به بول الصّبايا - جمع صبيّة - أم لا؟. وفي الفرق أحاديث ليست على شرط البخاري: منها حديث عليّ مرفوعاً , في بول الرّضيع: ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية. أخرجه أحمد وأصحاب السّنن إلاَّ النّسائيّ من

стр. 228

طريق هشام عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عنه. قال قتادة: هذا ما لَم يطعما الطّعام. وإسناده صحيح. ورواه سعيد عن قتادة فوقفه , وليس ذلك بعلةٍ قادحةٍ. ومنها حديث لبابة بنت الحارث مرفوعاً: إنّما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذّكر. أخرجه أحمد وابن ماجه وصحَّحه ابن خزيمة وغيره. ومنها حديث أبي السّمح نحوه بلفظ " يرشّ " رواه أبو داود والنّسائيّ، وصحَّحه ابن خزيمة أيضاً. وقوله: (بصبيٍّ) يظهر لي أنّ المراد به ابن أمّ قيسٍ المذكور قبله. ويحتمل: أن يكون الحسن بن عليّ أو الحسين، فقد روى الطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث أمّ سلمة بإسنادٍ حسنٍ , قالت: بال الحسن - أو الحسين - على بطن رسول الله ﷺ فتركه حتّى قضى بوله , ثمّ دعا بماءٍ فصبّه عليه. ولأحمد عن أبي ليلى نحوه. ورواه الطّحاويّ من طريقه , قال: فجيء بالحسن. ولَم يتردّد، وكذا للطّبرانيّ عن أبي أمامة. وإنّما رجّحت أنّه غيره؛ لأنّه عند البخاري في العقيقة من طريق يحيى القطّان عن هشام بن عروة , أتي النّبيّ ﷺ بصبيٍّ يحنّكه. وفي قصّته أنّه بال على ثوبه. وأمّا قصّة الحسن ففي حديث أبي ليلى وأمّ سلمة , أنّه بال على بطنه ﷺ , وفي حديث زينب بنت جحش عند الطّبرانيّ , أنّه جاء وهو يحبو

стр. 229

, والنّبيّ ﷺ نائمٌ , فصعد على بطنه ووضع ذكره في سرّته فبال. فذكر الحديث بتمامه , فظهرت التّفرقة بينهما. قوله: (فأتبعه) بإسكان المثنّاة. أي: أتبع رسول الله ﷺ البول الذي على الثّوب الماء يصبّه عليه. زاد مسلم من طريق عبد الله بن نمير عن هشام " فأتبعه ولَم يغسله ". ولابن المنذر من طريق الثّوريّ عن هشام " فصبّ عليه الماء " وللطّحاويّ من طريق زائدة الثّقفيّ عن هشام " فنضحه عليه ". ويستفاد منه الرّفق بالأطفال , والصّبر على ما يحدث منهم , وعدم مؤاخذتهم لعدم تكليفهم.

стр. 230

الحديث التاسع والعشرون ٢٩ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: جاء أعرابيٌّ , فبال في طائفة المسجد , فزجره النّاس , فنهاهم النّبيّ ﷺ , فلمّا قضى بوله , أمر النّبيّ ﷺ بذَنُوبٍ من ماءٍ , فأُهْرِيق عليه. (١) قوله: (أعرابي) الأعرابيّ واحد الأعراب , وهم من سكن البادية عرباً كانوا أو عجماً , وللبخاري من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة , أنّ أعرابيّاً بال في المسجد، فثار إليه النّاس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ : دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماءٍ، أو سجلاً من ماءٍ، فإنّما بعثتم ميسّرين ولَم تبعثوا معسّرين. زاد ابن عيينة عند التّرمذيّ وغيره في أوّله " أنّه صلَّى ثمّ قال: اللهمّ ارحمني ومحمّداً ولا ترحم معنا أحداً. فقال له النّبيّ ﷺ : لقد تحجّرت واسعاً. فلم يلبث أن بال في المسجد " وهذه الزّيادة (٢) عند البخاري

стр. 231

من طريق الزّهريّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقد روى ابن ماجه وابن حبّان الحديث تامّاً من طريق محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة , وكذا رواه ابن ماجه أيضاً من حديث واثلة بن الأسقع. وأخرجه أبو موسى المدينيّ في الصّحابة من طريق محمّد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار قال: اطّلع ذو الخويصرة اليمانيّ , وكان رجلاً جافياً " فذكره تامّاً بمعناه وزيادة. وهو مرسل. وفي إسناده أيضاً مبهمٌ بين محمّد بن إسحاق وبين محمّد بن عمرو بن عطاء , وهو عنده من طريق الأصمّ عن أبي زرعة الدّمشقيّ عن أحمد بن خالد الذّهبيّ عنه , وهو في جمع " مسند ابن إسحاق " لأبي زرعة الدّمشقيّ من طريق الشّاميّين عنه بهذا السّند , لكن قال في أوّله: اطّلع ذو الخويصرة التّميميّ , وكان جافياً. والتّميميّ هو حرقوص بن زهير الذي صار بعد ذلك من رءوس الخوارج , وقد فرّق بعضهم بينه وبين اليمانيّ , لكن له أصل أصيل. واستفيد منه تسمية الأعرابيّ , وحكى أبو بكر التّاريخيّ عن عبد الله بن نافع المزنيّ , أنّه الأقرع بن حابس التّميميّ، ونقل عن أبي الحسين بن فارس , أنّه عيينة بن حصن. والعلم عند الله تعالى. قوله: (في طائفة) أي: ناحيته والطّائفة القطعة من الشّيء. قوله: (المسجد) أي: مسجد النبي ﷺ . قوله: (فزجره الناس) وأخرجه البيهقيّ من طريق عبدان - شيخ

стр. 232

البخاري فيه - عن عبد الله عن يحيى بن سعيد عن أنس بلفظ " فصاح النّاس به " وكذا للنّسائيّ من طريق ابن المبارك. وللبخاري في روايةٍ عن أنس " فقاموا إليه " (١) وللإسماعيليّ " فأراد أصحابه أن يمنعوه ". وللبخاري عن أبي هريره " فتناوله الناس " أي: بألسنتهم , وله أيضاً " فثار إليه النّاس ". فظهر أنّ تناوله كان بالألسنة لا بالأيدي. ولمسلمٍ من طريق إسحاق عن أنس " فقال الصّحابة: مه مه ". قوله: (فنهاهم) في رواية عبدان " فقال: اتركوه فتركوه " (٢) ولهما عن ثابت عن أنس " لا تُزرموه " بضمّ أوّله وسكون الزّاي وكسر الرّاء من الإزرام، أي: لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم البول إذا انقطع. وأزرمتُه قطعتُه، وكذلك يقال في الدّمع. وإنّما تركوه يبول في المسجد لأنّه كان شرع في المفسدة , فلو مُنع لزادت إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين: الأول: إمّا أن يقطعه فيتضرّر.

стр. 233

الثاني: إمّا أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد. قوله: (قضى بوله) أي: فتركوه حتّى فرغ من بوله، فلمّا فرغ دعا النّبيّ ﷺ بماءٍ. أي: في دلو كبير فأمر بصبّه. وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق عكرمة بن عمّار عن إسحاق عن أنس بنحوه. وزاد فيه: ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعاه , فقال له: إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله تعالى والصّلاة وقراءة القرآن. قوله: (بذنوب من ماء) قال الخليل: الدّلو ملأى ماء. وقال ابن فارس: الدّلو العظيمة. وقال ابن السّكّيت: فيها ماء قريب من الملء , ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب. انتهى. وقال في الحديث " من ماء " مع أنّ الذّنوب من شأنها ذلك , لكنّه لفظٌ مشتركٌ بينه وبين الفرس الطّويل وغيرهما. قوله: (فأهريق عليه) كذا للأكثر. ولأبي ذر " فهريق عليه " ويجوز إسكان الهاء وفتحها , وضبطه ابن الأثير في " النّهاية " بفتح الهاء أيضاً. قال ابن التين: هو بإسكان الهاء , ونقل عن سيبويه , أنه قال: أهراق يهريق إهرياقا مثل أسطاع يسطيع اسطياعاً بقطع الألف وفتحها في الماضي وضم الياء في المستقبل , وهي لغة في أطاع يطيع فجعلت السين والهاء عوضاً من ذهاب حركة عين الفعل.

стр. 234

وروي بفتح الهاء , واستشكله. ويوجه بأن الهاء مبدلة من الهمزة , لأن أصل هراق أراق ثم اجتلبت الهمزة فتحريك الهاء على إبقاء البدل والمبدل منه. وله نظائر. وذكر له الجوهري توجيهاً آخر , وأن أصله (١) أأريقوا فأبدلت الهمزة الثانية هاء للخفة , وجزم ثعلب في " الفصيح " بأن أهريقه بفتح الهاء. والله أعلم وفي هذا الحديث من الفوائد: أنّ الاحتراز من النّجاسة كان مقرّراً في نفوس الصّحابة , ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته ﷺ قبل استئذانه , ولِمَا تقرّر عندهم أيضاً من طلب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. واستدل به على جواز التّمسّك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص. قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أنّ التّمسّك يتحتّم عند احتمال التّخصيص عند المجتهد، ولا يجب التّوقّف عن العمل بالعموم لذلك لأنّ علماء الأمصار ما برحوا يفتون بما بلغهم من غير توقّفٍ على البحث عن التّخصيص , ولهذه القصّة أيضاً إذ لَم ينكر النّبيّ ﷺ على الصّحابة , ولَم يقل لهم لَم نهيتم الأعرابيّ؟ بل أمرهم بالكفّ عنه للمصلحة الرّاجحة , وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما. وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.

стр. 235

وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأمرهم عند فراغه بصبّ الماء. وفيه تعيين الماء لإزالة النّجاسة؛ لأنّ الجفاف بالرّيح أو الشّمس لو كان يكفي لَمَا حصل التّكليف بطلب الدّلو. وفيه أنّ غسالة النّجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، ويلتحق به غير الواقعة؛ لأنّ البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة , فإذا لَم يثبت أنّ التّراب نقل وعلمنا أنّ المقصود التّطهير تعيّن الحكم بطهارة البلة , وإذا كانت طاهرة فالمنفصلة أيضاً مثلها لعدم الفارق. ويستدلّ به أيضاً على عدم اشتراط نضوب الماء , لأنّه لو اشترط لتوقّفت طهارة الأرض على الجفاف. وكذا لا يشترط عصر الثّوب إذ لا فارق. قال الموفّق في المغني بعد أن حكى الخلاف: الأولى الحكم بالطّهارة مطلقاً؛ لأنّ النّبيّ ﷺ لَم يشترط في الصّبّ على بول الأعرابيّ شيئاً. وفيه. الرّفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ إذا لَم يكن ذلك منه عناداً، ولا سيّما إن كان ممّن يحتاج إلى استئلافه. وفيه رأفة النّبيّ ﷺ وحسن خلقه. قال ابن ماجه وابن حبّان في حديث أبي هريرة , فقال الأعرابيّ - بعد أن فقه في الإسلام -: فقام إليّ النّبيّ ﷺ بأبي أنت وأمّي , فلم يؤنّب ولَم يسبّ. وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار. وظاهر الحصر من سياق

стр. 236

مسلم في حديث أنس , أنّه لا يجوز في المسجد شيءٌ غير ما ذكر من الصّلاة والقرآن والذّكر، لكنّ الإجماع على أنّ مفهوم الحصر منه غير معمولٍ به، ولا ريب أنّ فعل غير المذكورات وما في معناها خلاف الأولى والله أعلم. وفيه. أنّ الأرض تطهر بصبّ الماء عليها ولا يشترط حفرها خلافاً للحنفيّة حيث قالوا: لا تطهر إلاَّ بحفرها. كذا أطلق النّوويّ وغيره. والمذكور في كتب الحنفيّة التّفصيل بين إذا كانت رخوة بحيث يتخللها الماء حتّى يغمرها فهذه لا تحتاج إلى حفرٍ، وبين ما إذا كانت صلبة فلا بدّ من حفرها وإلقاء التّراب؛ لأنّ الماء لَم يغمر أعلاها وأسفلها. واحتجّوا فيه بحديثٍ جاء من ثلاث طرق (١): أحدها: موصولٌ عن ابن مسعود. أخرجه الطّحاويّ , لكنّ إسناده ضعيفٌ. قاله أحمد وغيره. والآخران مرسلان: أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل بن مقرّن، والآخر من طريق سعيد بن منصور من طريق طاوس , ورواتهما ثقات. وهو يلزم من يحتجّ بالمرسل مطلقاً؟ وكذا من يحتجّ به إذا اعتضد

стр. 237

مطلقاً.؟ والشّافعيّ إنّما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التّابعين، وكان مَن أرسل إذا سَمّى لا يسمّي إلاَّ ثقة , وذلك مفقود في المرسلين المذكورين على ما هو ظاهرٌ من سنديهما. والله أعلم.

стр. 238

الحديث الثلاثون ٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الفطرة خمسٌ: الْخِتان , والاستحداد , وقصّ الشّارب , وتقْليم الأظفار , ونتْف الإبط. (١) قوله: (الفطرة خمس) وللبخاري " الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة " كذا وقع هنا ولمسلمٍ وأبي داود بالشّكّ , وهو من سفيان. ووقع في رواية أحمد " خمس من الفطرة " ولَم يشكّ، وكذا وقع هنا في رواية معمر عن الزّهريّ عند التّرمذيّ والنّسائيّ. ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند البخاري بالعكس بلفظ " الفطرة خمس " وكذا في رواية يونس بن يزيد عن الزّهريّ عن ابن المسيب عن أبي هريرة عند مسلم والنّسائيّ، وهي محمولة على الأولى. قال ابن دقيق العيد: دلالة " من " على التّبعيض فيه أظهر من دلالة هذه الرّواية على الحصر، وقد ثبت في أحاديث أخرى زيادة على ذلك فدلَّ على أنّ الحصر فيها غير مراد. واختلف في النّكتة في الإتيان بهذه الصّيغة: فقيل: برفع الدّلالة وأنّ مفهوم العدد ليس بحجّةٍ.

стр. 239

وقيل: بل كان أعلم أوّلاً بالخمس ثمّ أعلم بالزّيادة. وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام فذكر في كلّ موضع اللائق بالمخاطبين. وقيل: أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة كما حمل عليه قوله " الدّين النّصيحة " و " الحجّ عرفة " ونحو ذلك. ويدلّ على التّأكيد ما أخرجه التّرمذيّ والنّسائيّ من حديث زيد بن أرقم مرفوعاً " من لَم يؤخذ شاربه فليس منّا " وسنده قويّ، وأخرج أحمد من طريق يزيد بن عمرو المعافريّ نحوه. وزاد فيه: حلق العانة وتقليم الأظافر. وسيأتي في الكلام على الختان دليلُ مَن قال بوجوبه. وذكر ابن العربيّ: أنّ خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة. فإذا أراد خصوص ما ورد لفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعمّ من ذلك فلا تنحصر في الثّلاثين بل تزيد كثيراً. وأقلّ ما ورد في خصال الفطرة حديث ابن عمر في صحيح البخاري: من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب. فإنّه لَم يذكر فيه إلاَّ ثلاثاً، ورد بلفظ الفطرة. وبلفظ " من الفطرة " وأخرج الإسماعيليّ في رواية له بلفظ: ثلاث من الفطرة. وأخرجه في رواية أخرى بلفظ " من الفطرة. فذكر الثّلاث. وزاد الختان. ولمسلمٍ من حديث عائشة " عشر من الفطرة " فذكر الخمسة التي في حديث أبي هريرة إلاَّ الختان , وزاد: إعفاء اللحية والسّواك

стр. 240

والمضمضة والاستنشاق وغسل البراجم والاستنجاء. أخرجه من رواية مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزّبير عنها، لكن قال في آخره: إنّ الرّاوي نسي العاشرة إلاَّ أن تكون المضمضة، وقد أخرجه أبو عوانة في " مستخرجه " بلفظ " عشرة من السّنّة " وذكر الاستنثار بدل الاستنشاق. وأخرج النّسائيّ من طريق سليمان التّيميّ قال: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرة من الفطرة. فذكر مثله إلاَّ أنّه قال: وشككت في المضمضة. وأخرجه أيضاً من طريق أبي بشر عن طلق قال: من السّنّة عشر. فذكر مثله إلاَّ أنّه ذكر الختان بدل غسل البراجم. ورجّح النّسائيّ الرّواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة. والذي يظهر لي أنّها ليست بعلةٍ قادحة، فإنّ راويها مصعب بن شيبة وثّقه ابن معين والعجليّ وغيرهما. وليّنه أحمد وأبو حاتم وغيرهما فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحّته من هذه الحيثيّة سائغ. وقول سليمان التّيميّ: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشراً من الفطرة. يحتمل: أن يريد أنّه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه النّسائيّ. ويحتمل: أن يريد أنّه سمعه يذكرها وسندها فحذف سليمان السّند.

стр. 241

وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عمّار بن ياسر مرفوعاً نحو حديث عائشة قال: من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسّواك وغسل البراجم والانتضاح. وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة ساقه ابن ماجه. وأمّا أبو داود. فأحال به على حديث عائشة ثمّ قال: وروي نحوه عن ابن عبّاس: وقال: خمس في الرّأس , وذكر منها الفرْق (١) , ولَم يذكر إعفاء اللحية. قلت: كأنّه يشير إلى ما أخرجه عبد الرّزّاق في " تفسيره " والطّبريّ من طريقه بسندٍ صحيح عن طاوسٍ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلماتٍ فأتمّهنّ) قال: ابتلاه الله بالطّهارة، خمس في الرّأس، وخمس في الجسد. قلت: فذكر مثل حديث عائشة كما في الرّواية التي قدّمتها عن أبي عوانة سواء ولَم يشكّ في المضمضة، وذكر أيضاً الفرق بدل إعفاء اللحية. وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عبّاس. فذكر غسل الجمعة بدل الاستنجاء. فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه الأحاديث خمس عشرة خصلة اقتصر أبو شامة في " كتاب السّواك وما أشبه ذلك " منها على

стр. 242

اثني عشر، وزاد النّوويّ واحدة في " شرح مسلم ". فأمّا غسل البراجم. فهو بالموحّدة والجيم جمع برجمة بضمّتين. وهي عقد الأصابع التي في ظهر الكفّ. قال الخطّابيّ: هي المواضع التي تتّسخ ويجتمع فيها الوسخ , ولا سيّما ممّن لا يكون طريّ البدن. وقال الغزاليّ: كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطّعام فيجتمع في تلك العضون وسخ، فأمر بغسلها. قال النّوويّ: وهي سنّة مستقلة ليست مختصّة بالوضوء، يعني أنّها يحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتّنظيف، وقد ألحق بها إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصّماخ فإنّ في بقائه إضراراً بالسّمع، وقد أخرجه ابن عديّ من حديث أنس , أنّ النّبيّ ﷺ أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء , لأنّ الوسخ إليها سريع. وللتّرمذيّ الحكيم من حديث عبد الله بن بشر رفعه: قصّوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقّوا براجمكم. وفي سنده راوٍ مجهول. ولأحمد من حديث ابن عبّاس: أبطأ جبريل على النّبيّ ﷺ , فقال: ولِمَ لا يبطئ عنّي وأنتم لا تستنّون - أي لا تستاكون - ولا تقصّون شواربكم , ولا تنقّون رواجبكم. والرّواجب جمع راجبة بجيمٍ وموحّدة , قال أبو عبيد: البراجم والرّواجب مفاصل الأصابع كلّها. وقال ابن سيده: البرجمة المفصّل الباطن عند بعضهم، والرّواجب

стр. 243

بواطن مفاصل أصول الأصابع، وقيل: قصب الأصابع، وقيل: هي ظهور السّلاميّات، وقيل: ما بين البراجم من السّلاميّات. وقال ابن الأعرابيّ: الرّاجبة البقعة الملساء التي بين البراجم، والبراجم المسبّحات من مفاصل الأصابع، وفي كلّ إصبع ثلاث برجمات إلاَّ الإبهام فلها برجمتان. وقال الجوهريّ: الرّواجب مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثمّ البراجم، ثمّ الأشاجع اللاتي على الكفّ. وقال أيضاً: الرّواجب رءوس السّلاميّات من ظهر الكفّ، إذا قبض القابض كفّه نشزت وارتفعت، والأشاجع أصول الأصابع التي تتّصل بعصب ظاهر الكفّ، واحدها أشجع. وقيل: هي عروق ظاهر الكفّ. وأمّا الانتضاح , فقال أبو عبيد الهرويّ: هو أن يأخذ قليلاً من الماء فينضح به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. وقال الخطّابيّ: انتضاح الماء الاستنجاء به، وأصله من النّضح وهو الماء القليل، فعلى هذا هو والاستنجاء خصلة واحدة، وعلى الأوّل فهو غيره. ويشهد له ما أخرجه أصحاب السّنن من رواية الحكم بن سفيان الثّقفيّ أو سفيان بن الحكم عن أبيه , أنّه رأى رسول الله ﷺ ، توضّأ ثمّ أخذ حفنة من ماء فانتضح بها. وأخرج البيهقيّ من طريق سعيد بن جبير , أنّ رجلاً أتى ابن

стр. 244

عبّاس , فقال: إنّي أجد بللاً إذا قمت أصلي، فقال له ابن عبّاس: انضح بماءٍ، فإذا وجدت من ذلك شيئاً فقل هو منه. وأمّا الخصال الواردة في المعنى لكن لَمّا يرد التّصريح فيها بلفظ الفطرة فكثيرة. منها ما أخرجه التّرمذيّ من حديث أبي أيّوب رفعه: أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتّعطّر، والسّواك، والنّكاح. واختلف في ضبط الحياء. فقيل: بفتح المهملة والتّحتانيّة الخفيفة، وقد ثبت في الصّحيحين " أنّ الحياء من الإيمان ". وقيل: هي بكسر المهملة وتشديد النّون. فعلى الأوّل هي خصلة معنويّة تتعلق: بتحسين الخلق. وعلى الثّاني. هي خصلة حسّيّة تتعلق بتحسين البدن. وأخرج البزّار والبغويّ في " معجم الصّحابة " والحكيم التّرمذيّ في " نوادر الأصول " من طريق فليحٍ بن عبد الله الخطميّ عن أبيه عن جدّه رفعه: خمس من سنن المرسلين. فذكر الأربعة المذكورة إلاَّ النّكاح , وزاد الحلم والحجامة. والْحِلم بكسر المهملة وسكون اللام، وهو ممّا يقوّي الضّبط الأوّل في حديث أبي أيّوب، وإذا تتبّع ذلك من الأحاديث كثر العدد كما أشرت إليه. والله أعلم ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينيّة ودنيويّة تدرك بالتّتبّع، منها

стр. 245

تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً، والاحتياط للطّهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكفٍّ ما يتأذّى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفّار من المجوس واليهود والنّصارى وعبّاد الأوثان، وامتثال أمر الشّارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: (وصوركم فأحسن صوركم) لِمَا في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنّه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوّهوها بما يقبّحها، أو حافظوا على ما يستمرّ به حسنها. وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التّآلف المطلوب، لأنّ الإنسان إذا بدأ في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النّفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس. وأمّا شرح الفطرة , فقال الخطّابيّ: ذهب أكثر العلماء إلى أنّ المراد بالفطرة هنا السّنّة، وكذا قاله غيره، قالوا: والمعنى أنّها من سنن الأنبياء. وقالت طائفة: المعنى بالفطرة الدّين. وبه جزم أبو نعيم في " المستخرج ". وقال النّوويّ في " شرح المهذّب " جزم الّماورديّ والشّيخ أبو إسحاق بأنّ المراد بالفطرة في هذا الحديث الدّين، واستشكل ابن الصّلاح ما ذكره الخطّابيّ. وقال: معنى الفطرة بعيد من معنى السّنّة، لكن لعل المراد أنّه على حذف مضاف. أي سنّة الفطرة. وتعقّبه النّوويّ: بأنّ الذي نقله الخطّابيّ هو الصّواب. فإنّ في

стр. 246

صحيح البخاريّ عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ قال: من السّنّة قصّ الشّارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار , قال: وأصحّ ما فسّر الحديث بما جاء في رواية أخرى لا سيّما في البخاريّ. انتهى. وقد تبعه شيخنا ابن الملقّن على هذا. ولَم أر الذي قاله في شيء من نسخ البخاريّ، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ " الفطرة " وكذا من حديث أبي هريرة. نعم. وقع التّعبير بالسّنّة موضع الفطرة في حديث عائشة عند أبي عوانة في رواية، وفي أخرى بلفظ الفطرة كما في رواية مسلم والنّسائيّ وغيرهما. وقال الرّاغب: أصل الفطر بفتح الفاء الشّقّ طولاً. ويطلق على الوهي وعلى الاختراع وعلى الإيجاد، والفطرة الإيجاد على غير مثال. وقال أبو شامة، أصل الفطرة الخلقة المبتدأة، ومنه فاطر السّماوات والأرض. أي المبتدئ خلقهنّ، وقوله ﷺ : كلّ مولود يولد على الفطرة. أي: على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: (فطرة الله التي فطر النّاس عليها) والمعنى أنّ كلّ أحد لو ترك من وقت ولادته وما يؤدّيه إليه نظره لأدّاه إلى الدّين الحقّ وهو التّوحيد، ويؤيّده قوله تعالى قبلها: (فأقم وجهك للدّين حنيفاً فطرة الله) وإليه يشير في بقيّة الحديث حيث عقّبه بقوله " فأبواه يهوّدانه وينصّرانه " والمراد بالفطرة في حديث الباب. أنّ هذه الأشياء إذا فعلت اتّصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثّهم عليها واستحبّها لهم

стр. 247

ليكونوا على أكمل الصّفات وأشرفها صورة. اهـ. وقد ردّ القاضي البيضاويّ الفطرة في حديث الباب إلى مجموع ما ورد في معناها وهو الاختراع والجِبِلّة والدّين والسّنّة فقال: هي السّنّة القديمة التي اختارها الأنبياء واتّفقت عليها الشّرائع، وكأنّها أمر جبليّ فطروا عليها. انتهى. وسوّغ الابتداء بالنّكرة في قوله: " خمس من الفطرة " أنّ قوله: خمس صفة موصوف محذوف والتّقدير خصال خمس ثمّ فسّرها، أو على الإضافة. أي خمس خصال. ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف , والتّقدير الذي شرع لكم خمس من الفطرة. والتّعبير في بعض روايات الحديث بالسّنّة بدل الفطرة يراد بها الطّريقة لا التي تقابل الواجب، وقد جزم بذلك الشّيخ أبو حامد والماورديّ وغيرهما , وقالوا: هو كالحديث الآخر " عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين ". وأغرب القاضي أبو بكر بن العربيّ , فقال: عندي أنّ الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلّها واجبة، فإنّ المرء لو تركها لَم تبق صورته على صورة الآدميّين فكيف من جملة المسلمين، كذا قال في " شرح الموطّأ ". وتعقّبه أبو شامة: بأنّ الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهي النّظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشّارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرّد النّدب إليها كافٍ.

стр. 248

ونقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء , أنّه قال: دلَّ الخبر على أنّ الفطرة بمعنى الدّين، والأصل فيما أضيف إلى الشّيء أنّه منه أن يكون من أركانه لا من زوائده حتّى يقوم دليل على خلافه، وقد ورد الأمر باتّباع إبراهيم ﵇، وثبت أنّ هذه الخصال أمر بها إبراهيم ﵇، وكلّ شيء أمر الله باتّباعه فهو على الوجوب لمن أمر به. وتعقّب: بأنّ وجوب الاتّباع لا يقتضي وجوب كلّ متبوع فيه بل يتمّ الاتّباع بالامتثال، فإن كان واجباً على المتبوع كان واجباً على التّابع أو ندباً فندب، فيتوقّف ثبوت وجوب هذه الخصال على الأمّة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل ﵇. قوله: (الختان) بكسر المعجمة وتخفيف المثنّاة مصدر ختن. أي: قطع، والختن بفتح ثمّ سكون قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص. ووقع في رواية يونس عند مسلم " الاختتان ". والختان اسم لفعل الخاتن ولموضع الختان أيضاً كما في حديث عائشة: إذا التقى الختانان. (١) والأوّل المراد هنا. قال الّماورديّ: ختان الذّكر قطع الجلدة التي تغطّي الحشفة، والمستحبّ أن تستوعب من أصلها عند أوّل الحشفة، وأقلّ ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشّى به شيء من الحشفة. وقال إمام الحرمين: المستحقّ في الرّجال قطع القلفة، وهي الجلدة

стр. 249

التي تغطّي الحشفة حتّى لا يبقى من الجلدة شيء متدلٍّ. وقال ابن الصّبّاغ: حتّى تنكشف جميع الحشفة. وقال ابن كجّ فيما نقله الرّافعيّ: يتأدّى الواجب بقطع شيء ممّا فوق الحشفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها. قال النّوويّ: وهو شاذّ، والأوّل هو المعتمد. قال الإمام (١): والمستحقّ من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم. قال الّماورديّ: ختانها قطع جلدة تكون أعلى فرجها فوق مدخل الذّكر كالنّواة أو كعرف الدّيك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله. وقد أخرج أبو داود من حديث أمّ عطيّة , أنّ امرأة كانت تختن بالمدينة. فقال لها النّبيّ ﷺ : لا تنهكي فإنّ ذلك أحظى للمرأة. وقال: أنّه ليس بالقويّ. قلت: وله شاهدان من حديث أنس , ومن حديث أمّ أيمن عند أبي الشّيخ في كتاب العقيقة , وآخر عن الضّحّاك بن قيس عند البيهقيّ. قال النّوويّ: ويسمّى ختان الرّجل إعذاراً بذالٍ معجمة، وختان المرأة خفضاً بخاءٍ وضاد معجمتين.

стр. 250

وقال أبو شامة: كلام أهل اللّغة يقتضي تسمية الكلّ إعذاراً والخفض يختصّ بالأنثى. قال أبو عبيدة: عذرت الجارية والغلام وأعذرتهما ختنتهما وأختنتهما وزناً ومعنىً. قال الجوهريّ: والأكثر خفضت الجارية، قال: وتزعم العرب أنّ الغلام إذا ولد في القمر فسخت قلفته , أي: اتّسعت فصار كالمختون، وقد استحبّ العلماء من الشّافعيّة فيمن ولد مختوناً أن يمرّ بالموسى على موضع الختان من غير قطع. قال أبو شامة: وغالب من يولد كذلك لا يكون ختانه تامّاً , بل يظهر طرف الحشفة فإن كان كذلك وجب تكميله. وأفاد الشّيخ أبو عبد الله بن الحاجّ في " المدخل ": أنّه اختلف في النّساء , هل يخفضن عموماً أو يفرّق بين نساء المشرق فيخفضن ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهنّ، بخلاف نساء المشرق؟. قال: فمَن قال: إنّ من ولد مختوناً استحبّ إمرار الموسى على الموضع امتثالاً للأمر , قال في حقّ المرأة كذلك , ومن لا فلا. وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في الباب الشّافعيّ وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتّى قال: لو أسلم الكبير لَم يتمّ إسلامه حتّى يختن. وعن أحمد وبعض المالكيّة: يجب. وعن أبي حنيفة: واجب وليس بفرضٍ. وعنه: سنّة يأثم بتركه.
следующие страницы →