← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الانصراف والسّواك نوم. وأصل الحديث في مسلم مبيّناً أيضاً. (١) واستدل به على أنّ الأمر يقتضي التّكرار، لأنّ الحديث دلَّ على كون المشقّة هي المانعة من الأمر بالسّواك، ولا مشقّة في وجوبه مرّة، وإنّما المشقّة في وجوب التّكرار. وفي هذا البحث نظرٌ، لأنّ التّكرار لَم يؤخذ هنا من مجرّد الأمر، وإنّما أخذ من تقييده بكل صلاة. وقال المُهلَّب: فيه أنّ المندوبات ترتفع إذا خشي منها الحرج. وفيه ما كان النّبيّ ﷺ عليه من الشّفقة على أمّته. وفيه جواز الاجتهاد منه فيما لَم ينزل عليه فيه نصّ، لكونه جعل المشقّة سبباً لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقّفاً على النّصّ لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النّصّ لا وجود المشقّة. قال ابن دقيق العيد: وفيه بحثٌ، وهو كما قال، ووجهه أنّه يجوز أن يكون إخباراً منه ﷺ بأنّ سبب عدم ورود النّصّ وجود المشقّة، فيكون معنى قوله " لأمرتهم " أي: عن الله بأنّه واجب. واستدل به النّسائيّ على استحباب السّواك للصّائم بعد الزّوال،

стр. 177

لعموم قوله " كلّ صلاة "، فإنّه يقتضي إباحته في كل وقتٍ وعلى كلّ حالٍ فائدةٌ: قال ابن دقيق العيد: الحكمة في استحباب السّواك عند القيام إلى الصّلاة كونها حال تقرّب إلى الله، فاقتضى أن تكون حال كمالٍ ونظافة إظهاراً لشرف العبادة. وقد ورد من حديث عليّ عند البزّار ما يدلّ على أنّه لأمرٍ يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي، فلا يزال يدنو منه حتّى يضع فاه على فيه (١)، لكنّه لا ينافي ما تقدّم.

стр. 178

الحديث العشرون ٢٠ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ , قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشُوصُ فاه بالسّواك. (١) قوله: (عن حذيفة بن اليمان) بن جابر بن عمرو العبسي بالموحدة. حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، وأسلم هو وأبوه اليمان، وولي حذيفة بعض أمور الكوفة لعمر، وولي إمرة المدائن. ومات بعد قتل عثمان بيسير بها. وكان حذيفة من القدماء في الإسلام. واسم اليمان حِسل - بمهملتين وكسر أوله وسكون ثانيه ثم لامٌ - ابن جابر قوله: (يشوص) بضمّ المعجمة وسكون الواو بعدها مهملةٌ , والشّوص بالفتح الغسل والتّنظيف. كذا في الصّحاح. وفي المحكم , الغَسل عن كُراعٍ (٢) , والتّنقية عن أبي عبيدٍ , والدَّلك

стр. 179

عن ابن الأنباريّ. وقيل: الإمرار على الأسنان من أسفل إلى فوق , واستدل قائله بأنّه مأخوذٌ من الشّوصة , وهي ريحٌ ترفع القلب عن موضعه. وعكَسَه الخطّابيّ , فقال: هو دلك الأسنان بالسّواك أو الأصابع عرضاً. قال بن دقيق العيد: فيه استحباب السّواك عند القيام من النّوم , لأنّ النّوم مقتضٍ لتغيّر الفم لِمَا يتصاعد إليه من أبخرة المعدة , والسّواك آلة تنظيفه فيستحبّ عند مقتضاه. قال: وظاهر قوله " من الليل " عامٌّ في كل حالةٍ , ويحتمل: أن يخصّ بما إذا قام إلى الصّلاة. قلت: ويدلّ عليه رواية البخاري بلفظ " إذا قام للتّهجّد " , ولمسلمٍ نحوه. وحديث ابن عبّاسٍ (١) يشهد له.

стр. 180

الحديث الواحد والعشرون ٢١ - عن عائشة ﵂ , قالت: دخل عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ الصّدّيق ﵁ على النّبيّ ﷺ وأنا مُسنِدته إلى صدري , ومع عبد الرّحمن سواكٌ رطبٌ يستنّ به , فأبدَّه رسول الله ﷺ بصرَه. فأخذت السّواك فقضَمْتُه , فطيّبته , ثمّ دفعته إلى النّبيّ ﷺ فاستنّ به , فما رأيت رسول الله ﷺ استنّ استناناً أحسن منه , فما عدا أنْ فرغ رسول الله ﷺ , رفع يده أو إصبعه , ثمّ قال: في الرّفيق الأعلى ثلاثاً ثمّ قضى. وكانت تقول: مات بين حاقِنَتي وذاقِنَتي. وفي لفظٍ: فرأيته ينظر إليه , وعرفت أنّه يحبّ السّواك , فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم. هذا لفظ البخاريّ (١) , ولمسلمٍ نحوه. (٢) قوله: (عن عائشة) هي الصّدّيقة بنت الصّدّيق , وأمّها أمّ رومان , وكان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها. ومات النّبيّ ﷺ ولها نحو ثمانية عشر عاماً، وقد حفظتْ عنه شيئاً كثيراً , وعاشتْ بعده قريباً من خمسين سنة، فأكثر النّاس الأخذ عنها،

стр. 181

ونقلوا عنها من الأحكام والآداب شيئاً كثيراً حتّى قيل: إنّ ربع الأحكام الشّرعيّة منقول عنها ﵂. وكان موتها في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين , وقيل: في التي بعدها. ولَم تلد للنّبيّ ﷺ شيئاً على الصّواب، وسألتْه أن تكتني , فقال: اكتني بابن أختك , فاكتنت أمّ عبد الله , وأخرج ابن حبّان في " صحيحه " من حديث عائشة , أنّه كنّاها بذلك لَمّا أحضر إليه ابن الزّبير ليحنّكه , فقال: هو عبد الله وأنت أمّ عبد الله. قالت: فلم أزل أكنّى بها ". قوله: (ومع عبد الرّحمن سواك رطب) في رواية ابن أبي مليكة عن عائشة " ومرّ عبد الرّحمن وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه، فظننت أنّ له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها فدفعتها إليه ". قوله: (يستنّ به) أي: يستاك، قال الخطّابيّ: أصله من السّنّ. أي: بالفتح، ومنه المسنّ الذي يسنّ عليه الحديد. قوله: (فأبَدَّه) بتشديد الدّال. أي: مدّ نظره إليه، يقال: أبّدت فلاناً النّظر إذا طوّلته إليه، وفي رواية الكشميهنيّ " فأمدّه " بالميم. قوله: (فقضمته) بفتح القاف وكسر الضّاد المعجمة. أي: مضغته، والقضم الأخذ بطرف الأسنان، يقال: قضمت الدّابّة بكسر الضّاد

стр. 182

شعيرها تقضم بالفتح إذا مضغته. وحكى عياض: أنّ الأكثر رووه بالصّاد المهملة. (١) أي: كسرته أو قطعته، وحكى ابن التّين رواية بالفاء والمهملة. قال المحبّ الطّبريّ: إن كان بالضّاد المعجمة فيكون قولها: " فطيّبته " تكراراً , وإن كان بالمهملة فلا. لأنّه يصير المعنى كسرته لطوله، أو لإزالة المكان الذي تسوّك به عبد الرّحمن. قوله: (وطيّبته) في رواية البخاري " ثمّ ليّنته ثمّ طيّبته " أي: بالماء , ويحتمل أن يكون طيّبته تأكيداً لليّنته. وللبخاري من رواية ذكوان عن عائشة: فقلت: آخذه لك؟ فأومأ برأسه أن نعم، فتناولته فأدخلته في فيه فاشتدّ، فتناولته , فقلت: أليّنه لك؟ فأومأ برأسه أن نعم. ويؤخذ منه العمل بالإشارة عند الحاجة إليها، وقوّة فطنة عائشة. فائدة: فيه أنَّ استعمال سواك الغير ليس بمكروه , إلَّا أنَّ المستحب أن يغسله ثم يستعمله , وفيه حديث عن عائشة في سنن أبي داود قالت:

стр. 183

كان رسول الله ﷺ يعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك , ثم أغسله , ثم أدفعه إليه ". وهذا دالٌّ على عظيم أدبها وكبير فطنتها , لأنها لم تغسله ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه ﷺ ثم غسلته تأدبَّاً وامتثالاً , ويحتمل: أن يكون المراد بأمرها بغسله تطييبه وتليينه بالماء قبل أن يستعمله. والله أعلم وقوله: (فما عدا أنْ فرغ) أي: من السّواك. قوله: (في الرفيق الأعلى) في رواية للشيخين: سمعت النّبيّ ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بحّةٌ، يقول: مع الذين أنعم الله عليهم. وفي رواية المطّلب عن عائشة عند أحمد: فقال: مع الرّفيق الأعلى، مع الذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء - إلى قوله - رفيقاً. وفي رواية أبي بُرْدة بن أبي موسى عن أبيه عند النّسائيّ وصحَّحه ابن حبّان: فقال: أسأل الله الرّفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل. وظاهره أنّ الرّفيق المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين. وفي رواية عبّاد عن عائشة بعد هذا قال: اللهمّ اغفر لي وارحمني وألحقني بالرّفيق. وفي رواية ذكوان عن عائشة " فجعل يقول: في الرّفيق الأعلى حتّى قبض "، وفي رواية ابن أبي مليكة عن عائشة "

стр. 184

وقال: في الرّفيق الأعلى، في الرّفيق الأعلى " (١) وهذه الأحاديث تردّ على من زعم أنّ " الرّفيق " تغيير من الرّاوي , وأنّ الصّواب الرّقيع - بالقاف والعين المهملة - وهو من أسماء السّماء. وقال الجوهريّ: الرّفيق الأعلى الجنّة. ويؤيّده ما وقع عند أبي إسحاق: الرّفيق الأعلى الجنّة. وقيل: بل الرّفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه , والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية. وقد ختمت بقوله: (وحسن أولئك رفيقاً) ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد , الإشارة إلى أنّ أهل الجنّة يدخلونها على قلب رجل واحد، نبّه عليه السّهيليّ. وزعم بعض المغاربة. أنّه يحتمل أن يراد بالرّفيق الأعلى الله , لأنّه من أسمائه كما أخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفّل رفعه: إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق. كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم عن عائشة , فعزوه إليه أولى. قال: والرّفيق , يحتمل: أن يكون صفة ذات كالحكيم، أو صفة فعل. قال: ويحتمل أن يراد به حضرة القدس، ويحتمل: أن يراد به

стр. 185

الجماعة المذكورون في آية النّساء. ومعنى كونهم رفيقاً. تعاونهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعضٍ. وهذا الثّالث هو المعتمد. وعليه اقتصر أكثر الشّرّاح. وقد غلّط الأزهريّ القولَ الأوّل، ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلطه بها. وهو قوله: مع الرّفيق أو في الرّفيق، لأنّ تأويله على ما يليق بالله سائغ. قال السّهيليّ: الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمّن التّوحيد والذّكر بالقلب حتّى يستفاد منه الرّخصة لغيره , أنّه لا يشترط أن يكون الذّكر باللسان , لأنّ بعض النّاس قد يمنعه من النّطق مانع فلا يضرّه إذا كان قلبه عامراً بالذّكر. انتهى ملخّصاً. تنْبيه: قال السّهيليّ: وجدت في بعض كتب الواقديّ , أنّ أوّل كلمة تكلم بها ﷺ وهو مسترضع عند حليمة: الله أكبر (١). وآخر كلمة تكلَّم بها كما في حديث عائشة: في الرّفيق الأعلى. وروى الحاكم من حديث أنس , أنّ آخر ما تكلَّم به: جلال ربّي الرّفيع. قوله: (ثم قضى) أي: مات , وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف

стр. 186

من ربيع الأوّل , وكاد يكون إجماعاً، لكن في حديث ابن مسعود عند البزّار في حادي عشر رمضان، ثمّ عند ابن إسحاق والجمهور أنّها في الثّاني عشر منه. وعند موسى بن عقبة والليث والخوارزميّ وابن زبر: مات لهلال ربيع الأوّل وعند أبي مخنف والكلبيّ في ثانيه. ورجّحه السّهيليّ. وعلى القولين يتنزّل ما نقله الرّافعيّ , أنّه عاش بعد حجّته ثمانين يوماً، وقيل: أحداً وثمانين. وأمّا على ما جزم به في " الرّوضة " (١) فيكون عاش بعد حجّته تسعين يوماً أو أحداً وتسعين. وقد استشكل ذلك السّهيليّ ومن تبعه. أعني: كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأوّل، وذلك أنّهم اتّفقوا على أنّ ذا الحجّة كان أوّله يوم الخميس، فمهما فرضت الشّهور الثّلاثة توأم أو نواقص أو بعضها لَم يصحّ، وهو ظاهر لمن تأمّله. وأجاب البارزيّ ثمّ ابن كثير: باحتمال وقوع الأشهر الثّلاثة كوامل،

стр. 187

وكان أهل مكّة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجّة , فرآه أهل مكّة ليلة الخميس , ولَم يره أهل المدينة إلاَّ ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكّة، ثمّ رجعوا إلى المدينة فأرّخوا برؤية أهلها فكان أوّل ذي الحجّة الجمعة وآخره السّبت، وأوّل المحرّم الأحد وآخره الاثنين، وأوّل صفر الثّلاثاء وآخره الأربعاء، وأوّل ربيع الأوّل الخميس فيكون ثاني عشره الاثنين. وهذا الجواب بعيد من حيث إنّه يلزم توالي أربعة أشهر كوامل. وقد جزم سليمان التّيميّ أحد الثّقات , بأنّ ابتداء مرض رسول الله ﷺ كان يوم السّبت الثّاني والعشرين من صفر , ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّل، فعلى هذا كان صفر ناقصاً، ولا يمكن أن يكون أوّل صفر السّبت إلاَّ إن كان ذو الحجّة والمحرّم ناقصين , فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية. وأمّا على قول مَن قال: مات أوّل يوم من ربيع الأوّل , فيكون اثنان ناقصين , وواحد كاملاً، ولهذا رجّحه السّهيليّ. وفي " المغازي " لأبي معشر عن محمّد بن قيس قال: اشتكى رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر، وهذا موافق لقول سليمان التّيميّ , المقتضي أنّ أوّل صفر كان السّبت. وأمّا ما رواه ابن سعد من طريق عمر بن عليّ بن أبي طالب. قال: اشتكى رسول الله يوم الأربعاء لليلةٍ بقيَتْ من صفر فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، ومات يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأوّل.

стр. 188

فيرِدُ على هذا الإشكال المتقدّم، وكيف يصحّ أن يكون أوّل صفر الأحد يكون تاسع عشرينه الأربعاء؟. والغرض أنّ ذا الحجّة أوّله الخميس، فلو فرض هو والمحرّم كاملين لكان أوّل صفر الاثنين، فكيف يتأخّر إلى يوم الأربعاء؟. فالمعتمد ما قال أبو مخنف. وكأنّ سبب غلط غيره أنّهم قالوا: مات في ثاني شهر ربيع الأوّل فتغيّرت فصارت ثاني عشر، واستمرّ الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضاً من غير تأمّل، والله أعلم. وقد أجاب القاضي بدر الدّين بن جماعة بجوابٍ آخر , فقال: يحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت. أي: بأيّامها. فيكون موته في اليوم الثّالث عشر، ويفرض الشّهور كوامل فيصحّ قول الجمهور. ويعكّر عليه ما يعكّر على الذي قبله مع زيادة مخالفة اصطلاح أهل اللسان في قولهم لاثنتي عشرة , فإنّهم لا يفهمون منها إلاَّ مضيّ الليالي، ويكون ما أرّخ بذلك واقعاً في اليوم الثّاني عشر. قوله: (وكانت تقول: مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي) في رواية ذكوان عن عائشة " توفّي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وإنّ الله جمع ريقي وريقه عند موته في آخر يوم من الدّنيا ". والحاقنة بالمهملة والقاف: ما سفل من الذّقن، والذّاقنة ما علا منه. أو الحاقنة: نقرة التّرقوة، هما حاقنتان. ويقال: إنّ الحاقنة المطمئن من التّرقوة والحلق. وقيل ما دون التّرقوة من الصّدر، وقيل:

стр. 189

هي تحت السّرّة. وقال ثابت: الذّاقنة طرف الحلقوم: والسّحر: بفتح المهملة وسكون الحاء المهملة هو الصّدر، وهو في الأصل الرّئة. والنّحر: بفتح النّون وسكون المهملة والمراد به موضع النّحر. وأغرب الدّاوديّ , فقال: هو ما بين الثّديين. والحاصل أنّ ما بين الحاقنة والذّاقنة هو ما بين السّحر والنّحر. والمراد أنّه مات ورأسه بين حنكها وصدرها ﷺ ورضي عنها. وهذا لا يغاير حديثها الذي قبل هذا أنّ رأسه كان على فخذها، لأنّه محمول على أنّها رفعته من فخذها إلى صدرها. وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق , أنّ النّبيّ ﷺ مات ورأسه في حجر عليٍّ. وكلّ طريق منها لا يخلو من شيعيّ، فلا يُلتفت إليهم. وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها دفعاً لتوهّم التّعصّب. قال ابن سعد: ذكر مَن قال: توفّي في حجر عليّ , وساق من حديث جابر: سأل كعبٌ الأحبار عليّاً ما كان آخر ما تكلم به ﷺ ؟ فقال: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي , فقال: الصّلاة الصّلاة. فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء. وفي سنده الواقديّ وحرم بن عثمان وهما متروكان. وعن الواقديّ عن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ عن أبيه عن

стр. 190

جدّه قال: قال رسول الله ﷺ في مرضه: ادعوا إليّ أخي، فدعي له عليّ , فقال: ادن منّي، قال: فلم يزل مستنداً إليّ , وإنّه ليكلمني حتّى نزل به. وثقل في حجري , فصِحْتُ: يا عبّاس أدركني إنّي هالك، فجاء العبّاس، فكان جهدهما جميعاً أن أضجعاه. فيه انقطاع مع الواقديّ، وعبد الله فيه لين. وبه عن أبيه عن عليّ بن الحسين: قبض ورأسه في حجر عليّ " فيه انقطاع. وعن الواقديّ عن أبي الحويرث عن أبيه عن الشّعبيّ: مات ورأسه في حجر عليّ. فيه الواقديّ والانقطاع، وأبو الحويرث اسمه عبد الرّحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ قال مالك: ليس بثقةٍ، وأبوه لا يعرف حاله. وعن الواقديّ عن سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن أبي غطفان: سألت ابن عبّاس قال: توفّي رسول الله ﷺ وهو إلى صدر عليّ، قال: فقلت: فإنّ عروة حدّثني عن عائشة , قالت: توفّي النّبيّ ﷺ بين سحري ونحري، فقال ابن عبّاس: لقد توفّي وإنّه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي غسّله وأخي الفضل، وأَبَى أَبِي أن يحضر. فيه الواقديّ، وسليمان لا يعرف حاله، وأبو غطفان - بفتح المعجمة ثمّ المهملة - اسمه سعد. وهو مشهور بكنيته، وثّقه النّسائيّ. وأخرج الحاكم في " الإكليل " من طريق حبّة العرنيّ عن عليّ:

стр. 191

أسندته إلى صدري , فسالت نفسه. وحبّة ضعيف. ومن حديث أمّ سلمة قالت: عليٌّ آخرهم عهداً برسول الله ﷺ . والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلَّها أرادت آخر الرّجال به عهداً. ويمكن الجمع: بأن يكون عليّ آخرهم عهداً به , وأنّه لَم يفارقه حتّى مال , فلمّا مال ظنّ أنّه مات , ثمّ أفاق بعد أن توجّه , فأسندته عائشة بعده إلى صدرها فقبض. ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس - بموحّدتين بينهما ألف غير مهموز وبعد الثّانية المفتوحة نون مضمومة , ثمّ واو ساكنة ثمّ سين مهملة - في أثناء حديث " فبينما رأسه ذات يوم على منكبي , إذ مال رأسه نحو رأسي , فظننت أنّه يريد من رأسي حاجة , فخَرجَتْ من فيه نقطة باردة فوقعت على ثغرة نحري فاقشعرّ لها جلدي، وظننت أنّه غشي عليه فسجّيته ثوباً ".

стр. 192

الحديث الثاني والعشرون ٢٢ - عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ , قال: أتيت النّبيّ ﷺ وهو يستاك بسواكٍ رطبٍ , قال: وطرف السّواك على لسانه , وهو يقول: أُعْ , أُعْ , والسّواك في فيه , كأنّه يتَهَوَّع. (١) قوله: (عن أبي موسى الأشعريّ) هو عبد الله بن قيس الأشعري (٢).

стр. 193

فائدة: روى البخاري عن أبي موسى ﵁، قال: وُلد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ . فسمَّاه إبراهيم، فحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، ودفعه إليَّ، وكان أكبر ولد أبي موسى. قوله " وكان أكبر ولد أبي موسى " هذا يُشعر بأنَّ أبا موسى كُنِّي قبل أن يولد له. وإلاَّ فلو كان الأمر على غير ذلك لكُنِّي بابنه إبراهيم المذكور , ولم يُنقل أنه كان يُكنَّى أبا إبراهيم. قوله: (يستاك) وللبخاري " يستنّ " بفتح أوّله وسكون المهملة وفتح المثنّاة وتشديد النّون من السّنّ بالكسر أو الفتح , إمّا لأنّ السّواك يمرّ على الأسنان , أو لأنّه يسنّها. أي: يحدّدها. قوله: (يقول) أي: النّبيّ ﷺ , أو السّواك مجازاً. قوله: (أع أع) بضمّ الهمزة وسكون المهملة كذا في رواية أبي ذر , وأشار ابن التّين إلى أنّ غيره رواه بفتح الهمزة , ورواه النّسائيّ وابن خزيمة عن أحمد بن عبدة عن حمّادٍ بتقديم العين على الهمزة , وكذا أخرجه البيهقيّ من طريق إسماعيل القاضي عن عارمٍ - وهو أبو النّعمان شيخ البخاريّ فيه - , ولأبي داود بهمزةٍ مكسورةٍ ثمّ هاءٍ , وللجوزقيّ بخاءٍ معجمةٍ بدل الهاء.

стр. 194

والرّواية الأولى أشهر. وإنّما اختلف الرواة لتقارب مخارج هذه الأحرف , وكلها ترجع إلى حكاية صوته إذ جعل السّواك على طرف لسانه كما عند مسلمٍ. والمراد طرفه الدّاخل كما عند أحمد " يستنّ إلى فوق " ولهذا قال هنا: كأنّه يتهوّع. والتّهوّع التّقيّؤ , أي: له صوتٌ كصوت المتقيّئ على سبيل المبالغة. ويستفاد منه مشروعيّة السّواك على اللسان طولاً , أمّا الأسنان فالأحبّ فيها أن تكون عرضاً , وفيه حديثٌ مرسلٌ عند أبي داود , وله شاهدٌ موصولٌ عند العقيليّ في " الضّعفاء ". وفيه. تأكيد السّواك , وأنّه لا يختصّ بالأسنان , وأنّه من باب التّنظيف والتّطيّب لا من باب إزالة القاذورات لكونه ﷺ لَم يختف به , وبوّبوا عليه استياك الإمام بحضرة رعيّته

стр. 195

باب المسح على الخُفّين نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخُفّين عن الصّحابة اختلاف؛ لأنّ كلّ من روي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته. وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم روي عن أحد من فقهاء السّلف إنكاره إلاَّ عن مالك، مع أنّ الرّوايات الصّحيحة عنه مصرّحة بإثباته، وقد أشار الشّافعيّ في الأمّ إلى إنكار ذلك على المالكيّة، والمعروف المستقرّ عندهم الآن قولان: الأول: الجواز مطلقاً. ثانيهما: للمسافر دون المقيم. وهذا الثّاني ما في المدوّنة. وبه جزم ابن الحاجب، وصحّح الباجيّ الأوّل , ونقله عن ابن وهب، وعن ابن نافع في المبسوطة نحوه , وأنّ مالكاً إنّما كان يتوقّف فيه في خاصّة نفسه مع إفتائه بالجواز، وهذا مثل ما صحّ عن أبي أيّوب الصّحابيّ. وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيّهما أفضل. المسح على الخُفّين، أو نزعهما وغسل القدمين؟. قال: والذي أختاره أنّ المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والرّوافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السّنن أفضل من تركه. انتهى. وقال الشّيخ محيي الدّين: وقد صرّح جمع من الأصحاب بأنّ

стр. 196

الغسل أفضل بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السّنّة كما قالوه في تفضيل القصر على الإتمام. وقد صرّح جمع من الحفّاظ بأنّ المسح على الخُفّين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثّمانين ومنهم العشرة. وفي ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصريّ: حدّثني سبعون من الصّحابة بالمسح على الخُفّين.

стр. 197

الحديث الثالث والعشرون ٢٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النّبيّ ﷺ في سفرٍ, فأهويتُ لأنزعَ خُفّيه , فقال: دعهما , فإنّي أدخلتُهما طاهرتين , فمسح عليهما. (١) قوله: (عن المغيرة بن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود الثقفي , وكان والياً على الكوفة من قِبَل معاوية من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين. واستناب عند موته ابنَه عروة. وقيل: استناب جرير بن عبد الله. قوله: (في سفر) وفي البخاري " أنّه كان في غزوة تبوك " على تردّد في ذلك من رواته. ولمالك وأحمد وأبي داود من طريق عبّاد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن أبيه , أنّه كان في غزوة تبوك بلا تردّد، وأنّ ذلك كان عند

стр. 198

صلاة الفجر (١). قوله: (فأهويت) أي: مددت يدي، قال الأصمعيّ: أهويت بالشّيء إذا أومأت به، وقال غيره: أهويت قصدت الهواء من القيام إلى القعود. وقيل: الإهواء الإمالة. قال ابن بطّال: فيه خدمة العالم، وأنّ للخادم أن يقصد إلى ما يعرف من عادة مخدومه قبل أن يأمره، وفيه الفهم عن الإشارة، وردّ الجواب عمّا يفهم عنها لقوله " فقال دعهما ". قوله: (فإنّي أدخلتهما) أي: القدمين قوله: (طاهرتين) كذا للأكثر، وللكشميهنيّ " وهما طاهرتان " ولأبي داود " فإنّي أدخلت القدمين الخُفّين وهما طاهرتان " , وللحميديّ في " مسنده ". قلت: يا رسولَ الله أيمسح أحدنا على خفّيه؟ قال: نعم. إذا أدخلهما وهما طاهرتان. ولابن خزيمة من حديث صفوان بن عسّال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمسح على الخُفّين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا. قال ابن خزيمة: ذكرته للمزنيّ , فقال لي: حدّث به أصحابنا، فإنّه أقوى حجّة للشّافعيّ. انتهى وحديث صفوان. وإن كان صحيحاً , لكنّه ليس على شرط

стр. 199

البخاريّ؛ لكنّ حديث الباب موافق له في الدّلالة على اشتراط الطّهارة عند اللّبس، وأشار المزنيّ بما قال إلى الخلاف في المسألة. ومحصّله: أنّ الشّافعيّ والجمهور حملوا الطّهارة على الشّرعيّة في الوضوء. وخالفهم داود , فقال: إذا لَم يكن على رجليه نجاسة عند اللّبس جاز له المسح. ولو تيمّم , ثمّ لبسهما لَم يبح له عندهم , لأنّ التّيمّم مبيح لا رافع، وخالفهم أصبغ. ولو غسل رجليه بنيّة الوضوء ثمّ لبسهما ثمّ أكمل باقي الأعضاء , لَم يبح المسح عند الشّافعيّ ومن وافقه على إيجاب التّرتيب، وكذا عند من لا يوجبه بناء على أنّ الطّهارة لا تتبعّض. لكن قال صاحب الهداية من الحنفيّة: شرط إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة. قال: والمراد بالكاملة وقت الحدث لا وقت اللّبس، في هذه الصّورة إذا كمّل الوضوء ثمّ أحدث جاز له المسح؛ لأنّه وقت الحدث كان على طهارة كاملة. انتهى. والحديث حجّة عليه , لأنّه جعل الطّهارة قبل لبس الخفّ شرطاً لجواز المسح، والمعلق بشرطٍ لا يصحّ إلاَّ بوجود ذلك الشّرط، وقد سلم أنّ المراد بالطّهارة الكاملة. ولو توضّأ مرتّباً وبقي غسل إحدى رجليه فلبس ثمّ غسل الثّانية ولبس. القول الأول: لَم يبح له المسح عند الأكثر.

стр. 200

القول الثاني: أجازه الثّوريّ والكوفيّون والمزنيّ صاحب الشّافعيّ ومطرّف صاحب مالك وابن المنذر وغيرهم , لصِدْق أنّه أدخل كُلاً من رجليه الخُفّين وهي طاهرة. وتعقّب: بأنّ الحكم المرتّب على التّثنية غير الحكم المرتّب على الوحدة، واستضعفه ابن دقيق العيد لأنّ الاحتمال باقٍ. قال: لكن إن ضمّ إليه دليل يدلّ على أنّ الطّهارة لا تتبعّض اتّجه. فوائد. الفائدة الأولى: المسح على الخُفّين خاصّ بالوضوء لا مدخل للغسل فيه بإجماعٍ. الفائدة الثانية: لو نزع خفّيه بعد المسح قبل انقضاء المدّة عند مَن قال بالتّوقيت. أعاد الوضوء عند أحمد وإسحاق وغيرهما. وغسل قدميه عند الكوفيّين والمزنيّ وأبي ثور، وكذا قال مالك والليث إلاَّ إن تطاول. وقال الحسن وابن أبي ليلى وجماعة: ليس عليه غسل قدميه، وقاسوه على من مسح رأسه ثمّ حلقه أنّه لا يجب عليه إعادة المسح، وفيه نظر. الفائدة الثالثة: لَم يخرج البخاريّ ما يدلّ على توقيت المسح، وقال به الجمهور. وخالف مالك في المشهور عنه فقال: يمسح ما لَم يخلع، وروي مثله عن عمر.

стр. 201

وأخرج مسلم التّوقيت من حديث عليّ ﵁. (١) كما تقدّم من حديث صفوان بن عسّال، وفي الباب عن أبي بكرة وصحَّحه الشّافعيّ وغيره.

стр. 202

الحديث الرابع والعشرون ٢٤ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنت مع النّبيّ ﷺ (١) فبَالَ , وتوضّأ , ومسح على خفّيه. مختصراً. (٢) قوله: (كنت مع النّبيّ ﷺ فبال.) ولهما من طريق منصور عن أبي وائل عن حذيفة: رأيتني أنا والنّبيّ ﷺ نتماشى، فأتى سباطة قومٍ خلف حائطٍ، فقام كما يقوم أحدكم، فبال. وفي رواية لهما من طريق الأعمش عن أبي وائل " أتى سُباطة قومٍ , فبال قائماً ". والسباطة بضم المهملة بعدها موحدة. هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقاً لأهلها , وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل. وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة. وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار ففيه إضرار.

стр. 203

أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار. وهو صريحٌ رواية أبي عوانة في " صحيحه ". وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم. وهذا - وإن كان صحيح المعنى - لكن لَم يُعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ . قال ابن بطال: دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز قائما فقاعدا أجوز. قلت: ويحتمل أن يكون أشار (١) بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما فإن فيه: بال رسول الله ﷺ جالساً , فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة. وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائماً. أَلا تراه يقول في حديث عبد الرحمن بن حسنة: قعد يبول كما تبول المرأة. وقال في حديث حذيفة: فقام كما يقوم أحدكم. ودلَّ حديث عبد الرحمن المذكور على أنه ﷺ كان يخالفهم في ذلك فيقعد لكونه أستر وأبعد من مماسة البول. وهو حديث صحيح.

стр. 204

صحَّحه الدارقطني وغيره , ويدلُّ عليه حديث عائشة قالت: ما بال رسول الله ﷺ قائماً منذ أنزل عليه القرآن. رواه أبو عوانة في " صحيحه " والحاكم. قوله: (وتوضّأ) وللبخاري من رواية شعبة عن الأعمش " ثم دعا بماءٍ , فجئته بماء فتوضأ ". زاد مسلم وغيره من طرق عن الأعمش " فتنحَّيت فقال: ادنه. فدنوت حتى قمت عند عقبيه " , ولهما من رواية منصور " فانتبذت منه , فأشار إليَّ فجئته , فقمتُ عند عقبه حتى فرغ ". وفي رواية أحمد عن يحيى القطان " أتى سباطة قوم فتباعدت منه. فأدناني حتى صرتُ قريباً من عقبيه , فبال قائما ودعا بماء فتوضأ ومسح على خفيه " وكذا زاد مسلم وغيره فيه " ذكر المسح على الخُفّين " وهو ثابت أيضاً عند الإسماعيلي وغيره من طرق عن شعبة عن الأعمش. وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش. أنَّ ذلك كان بالمدينة. أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بإسناد صحيح. وزعم في الاستذكار: أنَّ عيسى تفرد به. وليس كذلك، فقد رواه البيهقي من طريق محمد بن طلحة بن مصرف عن الأعمش كذلك , وله شاهد من حديث عصمة بن مالك سنذكره بعد. واستدل به على جواز المسح في الحضر , وهو ظاهر. ولعلَّ

стр. 205

البخاري اختصره لتفرد الأعمش به , فقد روى ابن ماجه من طريق شعبة , أنَّ عاصماً رواه له عن أبي وائل عن المغيرة , أنَّ رسول الله ﷺ أتى سباطة قومٍ فبال قائماً. قال عاصم: وهذا الأعمش يرويه عن أبي وائل عن حذيفة وما حفظه. يعني: أنَّ روايته هي الصواب. قال شعبة: فسألت عنه منصوراً فحدثنيه عن أبي وائل عن حذيفة يعني كما قال الأعمش , لكن لَم يذكر فيه المسح، فقد وافق منصورٌ الأعمشَ على قوله عن حذيفة دون الزيادة. ولَم يلتفت مسلم إلى هذه العلة بل ذكرها في حديث الأعمش؛ لأنها زيادة من حافظ. وقال الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصحُّ، يعني حديثه عن المغيرة. وهو كما قال. وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصماً على قوله عن المغيرة، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معاً، لكن من حيث الترجيح رواية الأعمش ومنصور لاتفاقهما أصحُّ من رواية عاصم وحماد. لكونهما في حفظهما مقال. وقوله " فانتبذت " بالنون والذال المعجمة. أي: تنحَّيت. يقال: جلس فلان نبذة بفتح النون وضمها , أي: ناحية. وقوله " فأشار إليَّ " يدل على أنه لَم يبعد منه بحيث لا يراه. وإنما صنع ذلك ليجمع بين المصلحتين: عدم مشاهدته في تلك الحالة وسماع ندائه لو كانت له حاجة، أو رؤية إشارته إذا أشار له

стр. 206

وهو مستدبره. وليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول؛ لأن هذه الرواية بينت أن قوله في رواية مسلم " ادنه " كان بالإشارة لا باللفظ. وأما مخالفته ﷺ لِمَا عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظارة , فقد قيل فيه: إنه ﷺ كان مشغولاً بمصالح المسلمين. فلعله طال عليه المجلس فاحتاج إلى البول فلو أبعد لتضرر. واستدنى حذيفة ليستره من خلفه من رؤية من لعله يمر به وكان قدامه مستوراً بالحائط، أو لعله فعله لبيان الجواز. ثم هو في البول وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف، ولِمَا يقترن به من الرائحة. والغرض من الإبعاد التستر وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر. وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة. فانتهى إلى سباطة قوم , فقال: يا حذيفة استرني. فذكر الحديث. وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة , وكان حذيفة لَمّا وقف خلفه عند عقبه استدبره. وظهر أيضاً أنَّ ذلك كان في الحضر لا في السفر. ويستفاد من هذا الحديث. دفع أشد المفسدتين بأخفهما والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لَم يمكنا

стр. 207

معا. وبيانه أنه ﷺ كان يطيل الجلوس لمصالح الأمة ويكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلمَّا حضره البول وهو في بعض تلك الحالات لَم يؤخره حتى يبعد كعادته لِمَا يترتب على تأخيره من الضرر فراعى أهم الأمرين. وقدم المصلحة في تقريب حذيفة منه ليستره من المارة على مصلحة تأخيره عنه إذ لَم يمكن جمعهما. تكميل: زاد الشيخان في أوله عن أبى وائل , قال: كان أبو موسى الأشعرى يشدِّد في البول , ويقول: إنَّ بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوبَ أحدهم قرضه. فقال حذيفة: ليته أمسك. فذكر الحديث. للإسماعيلي " لوددتُ أنَّ صاحبكم لا يشدد هذا التشديد ". وإنما احتج حذيفة بهذا الحديث؛ لأن البائل عن قيام قد يتعرض للرشاش ولَم يلتفت النبي ﷺ إلى هذا الاحتمال , فدلَّ على أنَّ التشديد مخالف للسنة. واستدل به لمالك في الرخصة في مثل رءوس الإبر من البول. وفيه نظرٌ؛ لأنه ﷺ في تلك الحالة لَم يصل إلى بدنه منه شيء. وإلى هذا أشار ابن حبان في ذكر السبب في قيامه. قال: لأنه لَم يجد مكاناً يصلح للقعود فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عالياً فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله. وقيل: لأن السباطة رخوة يتخللها البول فلا يرتد إلى البائل منه شيء. وقيل: إنما بال قائماً؛ لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت

стр. 208

ففعل ذلك؛ لكونه قريبا من الديار. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر ﵁ قال: البول قائماً أحصن للدبر. وقيل: السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد. أنَّ العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك فلعله كان به. وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: إنما بال رسول الله ﷺ قائماً لِجُرح كان في مأبضه. والمأبض: بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة باطن الركبة. فكأنه لَم يتمكن لأجله من القعود , ولو صحَّ هذا الحديث لكان فيه غِنى عن جميع ما تقدم , لكن ضعَّفه الدارقطني والبيهقي. والأظهر. أنه فعل ذلك لبيان الجواز , وكان أكثر أحواله البول عن قعود. والله أعلم. وسلك أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين فيه مسلكاً آخر. فزعما أنَّ البول عن قيام منسوخ، واستدلاّ عليه بحديث عائشة الذي قدمناه " ما بال قائماً منذ أنزل عليه القرآن " وبحديثها أيضا " من حدَّثكم أنه كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلاَّ قاعداً. (١) والصواب أنه غير منسوخ.

стр. 209

والجواب عن حديث عائشة أنَّه مُستندٌ إلى علمها. فيحمل على ما وقع منه في البيوت , وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه , وقد حفظه حذيفة - وهو من كبار الصحابة - وقد بينا أنَّ ذلك كان بالمدينة فتضمَّن الرد على ما نفته من أنَّ ذلك لَم يقع بعد نزول القرآن. وقد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم , أنهم بالوا قياماً. وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش. والله أعلم. ولَم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيءٌ كما بينتُه في أوائل شرح الترمذي، والله أعلم.

стр. 210

بابٌ في المذي وغيره الحديث الخامس والعشرون ٢٥ - عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ , قال: كنت رجلاً مذَّاءً , فاستحييتُ أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته منّي , فأمرتُ المقداد بن الأسود فسأَلَه , فقال: يغسلُ ذكرَه , ويتوضّأ. (١) وللبخاريّ. اغسل ذكرك وتوضّأ (٢). ولمسلمٍ: توضّأ وانضح فرجك. (٣) قوله: (عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁) أي ابن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو الحسن. وهو ابن عم رسول الله ﷺ شقيق أبيه. واسمه عبد مناف على الصحيح. ولد قبل البعثة بعشر سنين على الراجح , وكان قد ربَّاه النبي ﷺ من صغره لقصة مذكورة في السيرة النبوية، فلازمه من صغره فلم يفارقه إلى أن مات. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت ابنة عمة أبيه وهي أول

стр. 211

هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمتْ وصحِبتْ وماتتْ في حياة النبي ﷺ . قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لَم يرِد في حقِّ أحدٍ من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي. وكأن السبب في ذلك أنه تأخَّر، ووقع الاختلاف في زمانه وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سبباً لانتشار مناقبه من كثرة من كان بينها من الصحابة رداً على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جداً. ثم كان من أمرِ عليٍّ ما كان فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتدَّ الْخطْب فتنقصّوه , واتخذوا لعنَه على المنابر سُنةً، ووافقهم الخوارج على بغضه. وزادوا حتى كفَّروه، مضموماً ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق علي ثلاثة: أهل السنة والمبتدعة من الخوارج والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم. فاحتاج أهل السنة إلى بثِّ فضائله فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف ذلك، وإلاَّ فالذي في نفس الأمر أنَّ لكل من الأربعة من الفضائل إذا حُرِّر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السنة والجماعة أصلا. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن عروة قال: أسلم عليٌّ وهو ابن ثمان سنين. وقال ابن إسحاق: عشر سنين. وهذا أرجحها، وقيل غير ذلك. وكان قَتْلُ عليٍّ ﵁ سنة أربعين. قوله: (مذّاء) صيغة مبالغة من المذي. يقال: مذى يمذي , مثل

стр. 212

مضى يمضي ثلاثيّاً , ويقال أيضاً: أمذى يمذي بوزن أعطى يعطي رباعيّاً. وفي المذي لغات. أفصحها بفتح الميم وسكون الذّال المعجمة وتخفيف الياء ثمّ بكسر الذّال وتشديد الياء. وهو ماءٌ أبيض رقيقٌ لزجٌ يخرج عند الملاعبة , أو تذكّر الجماع , أو إرادته. وقد لا يحسّ بخروجه. قوله: (لمكان ابنته) في رواية مسلمٍ من طريق ابن الحنفيّة عن عليّ " من أجل فاطمة ﵂ ". قوله: (توضّأ) هذا الأمر بلفظ الإفراد يشعر بأنّ المقداد سأل لنفسه , ويحتمل: أن يكون سأل لمبهمٍ أو لعليٍّ , فوجّه النّبيّ ﷺ الخطاب إليه. والظّاهر أنّ عليّاً كان حاضر السّؤال , فقد أطبق أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند عليّ , ولو حملوه على أنّه لَم يحضر لأوردوه في مسند المقداد. ويؤيّده ما في رواية النّسائيّ من طريق أبي بكر بن عيّاش عن أبي حصينٍ في هذا الحديث عن عليّ قال: فقلت لرجلٍ جالسٍ إلى جنبي: سلْه فسأله. ووقع في رواية مسلم " فقال: يغسل ذكره ويتوضّأ " بلفظ الغائب , فيحتمل أن يكون سؤال المقداد وقع على الإبهام , وهو الأظهر ففي مسلمٍ أيضاً " فسأله عن المذي يخرج من الإنسان " , وفي الموطّأ

стр. 213

نحوه (١). ووقع في روايةٍ لأبي داود والنّسائيّ وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حصين بن قبيصةٍ عن عليّ قال: كنت رجلاً مذّاء , فجعلت أغتسل منه في الشّتاء حتّى تشقّق ظهري , فقال النّبيّ ﷺ : لا تفعل. ولأبي داود وابن خزيمة من حديث سهل بن حنيفٍ , أنّه وقع له نحو ذلك , وأنّه سأل عن ذلك بنفسه. ووقع في روايةٍ للنّسائيّ , أنّ عليّاً قال: أمرت عمّاراً أن يسأل. وفي روايةٍ لابن حبّان والإسماعيليّ , أنّ عليّاً قال: سألت. وجمع ابن حبّان بين هذا الاختلاف , بأنّ عليّاً أمر عمّاراً أن يسأل , ثمّ أمر المقداد بذلك , ثمّ سأل بنفسه. وهو جمعٌ جيّدٌ إلاَّ بالنّسبة إلى آخره؛ لكونه مغايراً لقوله. إنّه استحيى من السّؤال بنفسه لأجل فاطمة , فيتعيّن حمله على المجاز بأنّ بعض الرّواة أطلق أنّه سأل لكونه الآمر بذلك , وبهذا جزم

стр. 214

الإسماعيليّ ثمّ النّوويّ. ويؤيّد أنّه أمر كُلاًّ من المقداد وعمّاراً بالسّؤال عن ذلك , ما رواه عبد الرّزّاق من طريق عائش بن أنس قال: تذاكر عليٌّ والمقداد وعمّار المذي , فقال عليٌّ: إنّني رجل مذّاء , فاسألا عن ذلك النّبيّ ﷺ , فسأله أحد الرّجلين. وصحّح ابن بشكوال , أنّ الذي تولى السّؤال عن ذلك هو المقداد , وعلى هذا فنسبة عمّار إلى أنّه سأل عن ذلك محمولة على المجاز أيضاً؛ لكونه قصده , لكن تولى المقداد الخطاب دونه. والله أعلم. واستدل بقوله ﷺ " توضّأ " على أنّ الغسل لا يجب بخروج المذي , وصرّح بذلك في روايةٍ لأبي داود وغيره وهو إجماع. وعلى أنّ الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول كما استدل البخاري به في باب " من لَم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين ". وحكى الطّحاويّ عن قومٍ أنّهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرّد خروجه , ثمّ ردّ عليهم بما رواه من طريق عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن عليّ قال: سئل النّبيّ ﷺ عن المذي. فقال: فيه الوضوء , وفي المنيّ الغسل. فعرف بهذا أنّ حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء , لا أنّه يوجب الوضوء بمجرّده. قوله: (اغسل ذكرك , وتوضأ) وقع في البخاريّ تقديم الأمر بالوضوء على غسله. ووقع في العمدة نسبة ذلك إلى البخاريّ بالعكس , لكنّ الواو لا

стр. 215

ترتّب فالمعنى واحد. وهي رواية الإسماعيليّ. فيجوز تقديم غسله على الوضوء وهو أولى ويجوز تقديم الوضوء على غسله , لكن من يقول بنقض الوضوء بمسّه , يشترط أن يكون ذلك بحائل. واستدل به ابن دقيق العيد على تعيّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنّ ظاهره يعيّن الغسل، والمعيّن لا يقع الامتثال إلاَّ به , وهذا ما صحَّحه النّوويّ في شرح مسلم , وصحّح في باقي كتبه جواز الاقتصار إلحاقاً بالبول وحملاً للأمر بغسله على الاستحباب , أو على أنّه خرج مخرج الغالب، وهذا المعروف في المذهب. واستدل به بعض المالكيّة والحنابلة على إيجاب استيعابه بالغسل عملاً بالحقيقة (١) , لكنّ الجمهور نظروا إلى المعنى , فإنّ الموجب
следующие страницы →