وتعقّب: بالتّصريح باستثناء العرايا في حديث ابن عمر كما تقدّم (١) وفي حديث غيره.
وحكى الطّحاويّ عن عيسى بن أبان من أصحابهم: أنّ معنى الرّخصة أنّ الذي وهبت له العريّة لَم يملكها , لأنّ الهبة لا تملك إلَّا بالقبض، فلمّا جاز له أن يعطي بدلها تمراً - وهو لَم يملك المبدل منه حتّى يستحقّ البدل - كان ذلك مستثنىً , وكان رخصة.
وقال الطّحاويّ: بل معنى الرّخصة فيه أنّ المرء مأمورٌ بإمضاء ما وعد به ويعطي بدله ولو لَم يكن واجباً عليه، فلمّا أذن له أن يحبس ما وعد به ويعطي بدله ولا يكون في حكم من أخلف وعده ظهر بذلك معنى الرّخصة.
واحتجّ لمذهبه بأشياء تدل على أنّ العريّة العطيّة. ولا حجّة في شيءٍ منها , لأنّه لا يلزم من كون أصل العريّة العطيّة أن لا تطلق العريّة شرعاً على صورٍ أخرى.
قال ابن المنذر: الذي رخّص في العريّة هو الذي نهى عن بيع الثّمر بالتّمر في لفظٍ واحدٍ من رواية جماعةٍ من الصّحابة، قال: ونظير ذلك الإذن في السّلم مع قوله ﷺ : لا تبع ما ليس عندك ".
قال: فمن أجاز المُسلَم مع كونه مستثنىً من بيع ما ليس عندك ومنع العريّة مع كونها مستثناةً من بيع الثّمر بالتّمر فقد تناقض.
стр. 2242
وأمّا حملهم الرّخصة على الهبة فبعيدٌ مع تصريح الحديث بالبيع واستثناء العرايا منه، فلو كان المراد الهبة لَمَا استثنيت العريّة من البيع، ولأنّه عبّر بالرّخصة والرّخصة لا تكون إلَّا بعد ممنوع , والمنع إنّما كان في البيع لا الهبة , وبأنّ الرّخصة قيّدت بخمسة أوسق أو ما دونها والهبة لا تتقيّد , لأنّهم لَم يفرّقوا في الرّجوع في الهبة بين ذي رحمٍ وغيره، وبأنّه لو كان الرّجوع جائزاً فليس إعطاؤه بالتّمر بدل الرّطب , بل هو تجديد هبة أخرى فإنّ الرّجوع لا يجوز فلا يصحّ تأويلهم.
تكميل: قال البخاري قبل إيراد حديث الباب " باب الرّجل يكون له ممرٌّ، أو شربٌ في حائطٍ أو في نخلٍ. قال النّبىّ ﷺ : من باع نخلاً بعد أن تؤبّر فثمرتها للبائع " (١) فللبائع الممرّ والسّقي حتّى يرفع , وكذلك ربّ العريّة.
قال ابن المنير: وجه دخول هذه التّرجمة في الفقه: التّنبيه على إمكان اجتماع الحقوق في العين الواحدة، هذا له الملك وهذا له الانتفاع، وهو مأخوذٌ من استحقاق البائع الثّمرة دون الأصل فيكون له حقّ الاستطراق لاقتطافها في أرضٍ مملوكةٍ لغيره، وكذلك صاحب العريّة.
قال: وعندنا خلافٌ فيمن يسقي العريّة، هل هو على الواهب أو الموهوبة له؟ وكذلك سقي الثّمرة المستثناة في البيع قيل على البائع ,
стр. 2243
وقيل على المشتري، فلا تغترّ بنقل ابن بطّالٍ الإجماع في ذلك. انتهى
стр. 2244
الحديث الرابع عشر
٢٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ النبيّ ﷺ رخّص في بيع العرايا في خمسة أوسقٍ، أو دون خمسة أوسقٍ (١).
قوله: (رخّص) كذا للأكثر بالتّشديد وللكشميهنيّ " أرخص ".
قوله: (في بيع العرايا) أي في بيع ثمر العرايا لأنّ العريّة هي النّخلة والعرايا جمع عريّة كما تقدّم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
قوله: (في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق) شكّ من الرّاوي، بيّن مسلم في روايته أنّ الشّكّ فيه من داود بن الحصين، وللبخاري من وجهٍ آخر عن مالك مثله.
وذكر ابن التّين تبعاً لغيره: أنّ داود تفرّد بهذا الإسناد , قال: وما رواه عنه إلَّا مالك بن أنس.
والوسق ستّون صاعاً بالاتفاق. كما تقدّم في الزكاة (٢) وقد اعتبر مَن قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا العدد ومنعوا ما زاد عليه.
واختلفوا في جواز الخمسة لأجل الشّكّ المذكور.
стр. 2245
والخلاف عند المالكيّة والشّافعيّة، والرّاجح عند المالكيّة الجواز في الخمسة فما دونها، وعند الشّافعيّة الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة، وهو قول الحنابلة وأهل الظّاهر.
فمأخذ المنع: أنّ الأصل التّحريم وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقّق منه الجواز ويلغي ما وقع فيه الشّكّ.
وسبب الخلاف: أنّ النّهي عن بيع المزابنة , هل ورد متقدّماً ثمّ وقعت الرّخصة في العرايا، أو النّهي عن بيع المزابنة وقع مقروناً بالرّخصة في بيع العرايا؟
فعلى الأوّل: لا يجوز في الخمسة للشّكّ في رفع التّحريم.
وعلى الثّاني: يجوز للشّكّ في قدر التّحريم، ويرجّح الأوّل رواية سالمٍ المذكورة في الحديث قبله.
واحتجّ بعض المالكيّة: بأنّ لفظة " دون " صالحةٌ لجميع ما تحت الخمسة، فلو عملنا بها للزم رفع هذه الرّخصة.
وتعقّب: بأنّ العمل بها ممكنٌ بأن يحمل على أقل ما تصدّق عليه , وهو المفتى به في مذهب الشّافعيّ.
وقد روى التّرمذيّ حديث الباب من طريق زيد بن الحباب عن مالكٍ عن داود عن أبي سفيان عن أبي هريرة بلفظ " أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق " ولَم يتردّد في ذلك.
وزعم المازريّ: أنّ ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق لوروده في حديث جابر من غير شكٍّ فيه فتعيّن طرح الرّواية التي وقع
стр. 2246
فيها الشّكّ والأخذ بالرّواية المتيقّنة، قال: وألزم المزنيُّ الشّافعيَّ القول به. انتهى
وفيما نقله نظرٌ.
أمّا ابن المنذر فليس في شيءٍ من كتبه ما نقله عنه , وإنّما فيه ترجيح القول الصّائر إلى أنّ الخمسة لا تجوز , وإنّما يجوز ما دونها، وهو الذي ألزم المزنيّ أن يقول به الشّافعيّ كما هو بيّنٌ من كلامه.
وقد حكى ابن عبد البرّ هذا القول عن قومٍ قال: واحتجّوا بحديث جابر، ثمّ قال: ولا خلاف بين الشّافعيّ ومالك ومن اتّبعهما في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق ممّا لَم يبلغ خمسة أوسق , ولَم يثبت عندهم حديث جابر.
قلت: حديث جابر الذي أشار إليه. أخرجه الشّافعيّ وأحمد وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم أخرجوه كلهم من طريق ابن إسحاق حدّثني محمّد بن يحيى بن حبّان عن عمّه واسع بن حبّان عن جابر سمعت رسول الله ﷺ حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها , يقول: الوسق والوسقين والثّلاثة والأربع. لفظ أحمد.
وترجم عليه ابن حبّان " الاحتياط أن لا يزيد على أربعة أوسق ".
وهل الذي قاله يتعيّن المصير إليه، وأمّا جعله حدّاً لا يجوز تجاوزه فليس بالواضح.
واحتجّ بعضهم لمالكٍ بقول سهل بن أبي حثمة: إنّ العريّة تكون
стр. 2247
ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة. أخرجه الطّبريّ من طريق الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن سهل , ولا حجّة فيه لأنّه موقوف.
ومن فروع هذه المسألة:
ما لو زاد في صفقةٍ على خمسة أوسق فإنّ البيع يبطل في الجميع. وخرَّج بعض الشّافعيّة من جواز تفريق الصّفقة أنّه يجوز.
وهو بعيدٌ لوضوح الفرق.
ولو باع ما دون خمسة أوسق في صفقةٍ , ثمّ باع مثلها البائع بعينه للمشتري بعينه في صفقةٍ أخرى. جاز عند الشّافعيّة على الأصحّ، ومنعه أحمد وأهل الظّاهر، والله أعلم.
стр. 2248
الحديث الخامس عشر
٢٧١ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: من باع نخلاً قد أُبّرت فثمرتها للبائع، إلَّا أن يشترط المُبتاع. (١)
ولمسلم (٢): من ابتاع عبداً فماله للذي باعه، إلَّا أن يشترط المبتاع. (٣)
قوله: (من باع نخلاً) النّخل اسم جنسٍ يذكّر ويؤنّث. والجمع نخيلٌ
قوله: (قد أُبِّرت) في رواية الليث عن نافع عند الشيخين " أيّما امرئٍ أبّر نخلاً ثمّ باع أصلها ".
وقوله " أبرت " ضمّ الهمزة وكسر الموحّدة مخفّفاً على المشهور , ومشدّداً والرّاء مفتوحةٌ , يقال: أبرت النّخل آبره أبراً بوزن أكلت الشّيء آكله أكلاً.
ويقال: أبّرته بالتّشديد أؤبّره تأبيراً، بوزن علمته أعلمه تعليماً.
والتّأبير التّشقيق والتّلقيح , ومعناه شقّ طلع النّخلة الأنثى ليذرّ فيه شيءٌ من طلع النّخلة الذّكر، والحكم مستمرٌّ بمجرّد التّشقيق ولو لَم
стр. 2249
يضع فيه شيئاً.
وروى مسلمٌ من حديث طلحة قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقومٍ على رءوس النّخل , فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يلقّحونه يجعلون الذّكر في الأنثى فيلقح .. الحديث.
وقال القرطبيّ: إبار كل شيءٍ بحسب ما جرت العادة أنّه إذا فعل فيه نبتت الثّمرةُ ثمرتَه وانعقدت فيه، ثمّ قد يعبّر به عن ظهور الثّمرة وعن انعقادها. وإن لَم يفعل فيها شيءٌ.
القول الأول: استدل بمنطوقه: على أنّ من باع نخلاً وعليها ثمرةٌ مؤبّرةٌ لَم تدخل الثّمرة في البيع , بل تستمرّ على ملك البائع.
وبمفهومه: على أنّها إذا كانت غير موبّرةٍ أنّها تدخل في البيع وتكون للمشتري. وبذلك قال جمهور العلماء.
القول الثاني: خالفهم الأوزاعيّ وأبو حنيفة , فقالا: تكون للبائع قبل التّأبير وبعده.
القول الثالث: عكَسَ ابن أبي ليلى , فقال: تكون للمشتري مطلقاً.
وهذا كله عند إطلاق بيع النّخل من غير تعرّضٍ للثّمرة، فإن شرطها المشتري بأن قال: اشتريت النّخل بثمرتها كانت للمشتري، وإن شرطها البائع لنفسه قبل التّأبير كانت له. وخالف مالكٌ , فقال: لا يجوز شرطها للبائع.
فالحاصل أنّه يستفاد من منطوقه حكمان , ومن مفهومه حكمان.
أحدهما: بمفهوم الشّرط. والآخر: بمفهوم الاستثناء.
стр. 2250
قال القرطبيّ: القول بدليل الخطاب يعني بالمفهوم في هذا ظاهرٌ , لأنّه لو كان حكم غير المؤبّرة حكم المؤبّرة لكان تقييده بالشّرط لغواً لا فائدة فيه.
تنبيهٌ: لا يشترط في التّأبير أن يؤبّره أحدٌ، بل لو تأبّر بنفسه لَم يختلف الحكم عند جميع القائلين به
قوله: (إلَّا أن يشترط المبتاع) المراد بالمبتاع المشتري بقرينة الإشارة إلى البائع بقوله " من باع ".
وقد استدل بهذا الإطلاق على أنّه يصحّ اشتراط بعض الثّمرة كما يصحّ اشتراط جميعها , وكأنّه قال: إلَّا أن يشترط المبتاع شيئاً من ذلك , وهذه هي النّكتة في حذف المفعول.
وانفرد ابن القاسم , فقال: لا يجوز له شرط بعضها.
واستدل به على أنّ المؤبّر يخالف في الحكم غير المؤبّر.
وقال الشّافعيّة: لو باع نخلةً بعضها مؤبّرٌ وبعضها غير مؤبّرٍ فالجميع للبائع، وإن باع نخلتين فكذلك يشترط اتّحاد الصّفقة، فإن أفرد فلكلٍّ حكمه. ويشترط كونهما في بستانٍ واحدٍ، فإن تعدّد فلكلٍّ حكمه.
ونصّ أحمد. على أنّ الذي يؤبّر للبائع والذي لا يؤبّر للمشتري.
وجعل المالكيّة الحكم للأغلب.
وفي الحديث: جواز التّأبير , وأنّ الحكم المذكور مختصٌّ بإناث النّخل دون ذكوره , وأمّا ذكوره فللبائع نظراً إلى المعنى، ومن
стр. 2251
الشّافعيّة من أخذ بظاهر التّأبير فلم يفرّق بين أنثى وذكرٍ.
واختلفوا فيما لو باع نخلةً وبقيت ثمرتها له , ثمّ خرج طلعٌ آخر من تلك النّخلة.
القول الأول: قال ابن أبي هريرة: هو للمشتري , لأنّه ليس للبائع إلَّا ما وجد دون ما لَم يوجد.
القول الثاني: قال الجمهور: هو للبائع لكونه من ثمرة المؤبّرة دون غيرها.
ويستفاد من الحديث أنّ الشّرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع , فلا يدخل في النّهي عن بيعٍ وشرطٍ.
واستدل الطّحاويّ. بحديث الباب على جواز بيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها؛ واحتجّ به لمذهبه الذي حكيناه في ذلك.
وقد تعقّبه البيهقيّ وغيره: بأنّه يستدل بالشّيء في غير ما ورد فيه حتّى إذا جاء ما ورد فيه استدل بغيره عليه كذلك، فيستدل لجواز بيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها بحديث التّأبير، ولا يعمل بحديث التّأبير، بل لا فرق عنده كما تقدّم في البيع قبل التّأبير وبعده. فإنّ الثّمرة في ذلك للمشتري سواءٌ شرطها البائع لنفسه أو لَم يشترطها.
والجمع بين حديث التّأبير وحديث النّهي عن بيع الثّمرة قبل بدوّ الصّلاح سهلٌ , بأنّ الثّمرة في بيع النّخل تابعةٌ للنّخل , وفي حديث النّهي مستقلةٌ، وهذا واضحٌ جدّاً، والله أعلم بالصّواب.
تكميل: قال ابن بطّالٍ: ذهب الجمهور إلى منع من اشترى النّخل
стр. 2252
وحده أن يشتري ثمره قبل بدوّ صلاحه في صفقةٍ أخرى، بخلاف ما لو اشتراه تبعاً للنّخل فيجوز. وروى ابن القاسم عن مالكٍ الجواز مطلقاً.
قال: والأوّل أولى لعموم النّهي عن ذلك.
مسألة: من باع أرضاً محروثةً وفيها زرعٌ فالزّرع للبائع، والخلاف في هذه كالخلاف في النّخل، ويؤخذ منه أنّ من أجر أرضاً وله فيها زرع , أنّ الزّرع للمؤجر لا للمستأجر إن تصوّرت صورة الإجارة.
قوله: (ولمسلم) ثبتت قصّة العبد في هذا الحديث في جميع نسخ البخاريّ، وصنيع صاحب العمدة يقتضي أنّها من أفراد مسلمٍ , وكأنّه لَمَّا نَظَرَ كتاب البيوع من البخاريّ فلم يجده فيه توهّم أنّها من إفراد مسلم.
واعتذر الشّارح ابن العطّار عن صاحب العمدة , فقال: هذه الزّيادة أخرجها الشّيخان من رواية سالمٍ عن أبيه عن عمر، قال: فالمصنّف لَمَّا نسب الحديث لابن عمر احتاج أن ينسب الزّيادة لمسلمٍ وحده. انتهى ملخّصاً.
وبالغ شيخنا ابن الملقّن في الرّدّ عليه , لأنّ الشّيخين لَم يذكرا في طريقِ سالمٍ عمرَ بل هو عندهما جميعاً عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ بغير واسطة عمر، لكن مسلم والبخاريّ ذكراه في البيوع والشّرب , فتعيّن أنّ سبب وهْم المقدسيّ ما ذكرتُه.
стр. 2253
وقال النّوويّ في شرح مسلم: لَم تقع هذه الزّيادة في حديث نافعٍ عن ابن عمر , وذلك لا يضرّ. فإنّ سالماً ثقة , بل هو أجلّ من نافع فزيادته مقبولة. وقد أشار النّسائيّ والدّارقطنيّ إلى ترجيح رواية نافعٍ. وهي إشارةٌ مردودةٌ. انتهى.
قلت: أمّا نفي تخريجها فمردود , فإنّها ثابتة عند البخاريّ من رواية ابن جريج عن ابن أبي مُلَيكة عن نافعٍ , لكن باختصار (١).
وأمّا الاختلاف بين سالم ونافع. فإنّما هو في رفعها ووقفها لا في إثباتها ونفيها , فسالم رفع الحديثين جميعاً , ونافع رفع حديث النّخل عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ . ووقف حديثَ العبدِ على ابن عمر عن عمر، وقد رجّح مسلم ما رجّحه النّسائيّ.
وقال أبو داود وتبعه ابن عبد البرّ: وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي اختلف فيها سالم ونافع.
قال أبو عمر: اتّفقا على رفع حديث النّخل , وأمّا قصّة العبد فرفعها سالم ووقفها نافع على عمر، ورجّح البخاريّ رواية سالمٍ في رفع الحديثين.
ونقل ابن التّين عن الدّاوديّ: هو وهْمٌ من نافع , والصّحيح ما رواه سالم مرفوعاً في العبد والثّمرة.
стр. 2254
قال ابن التّين: لا أدري من أين أدخل الوهم على نافعٍ مع إمكان أن يكون عمر قال ذلك - يعني على جهة الفتوى - مستنداً إلى ما قاله النّبيّ ﷺ فتصحّ الرّوايتان.
قلت: قد نقل التّرمذيّ في " الجامع " عن البخاريّ تصحيح الرّوايتين، ونقل عنه في " العلل " ترجيح قول سالمٍ.
قوله: (من ابتاع عبداً فماله للذي باعه، إلَّا أن يشترط المبتاع) قال ابن دقيق العيد: استدل به لمالكٍ على أنّ العبد يملك لإضافة الملك إليه باللام، وهي ظاهرةٌ في الملك.
قال غيره: يؤخذ منه أنّ العبد إذا ملّكه سيّده مالاً فإنّه يملكه، وبه قال مالك وكذا الشّافعيّ في القديم , لكنّه إذا باعه بعد ذلك رجع المال لسيّده إلَّا أن يشترطه المبتاع.
وقال أبو حنيفة وكذا الشّافعيّ في الجديد: لا يملك العبد شيئاً أصلاً , والإضافة للاختصاص والانتفاع كما يقال: السّرج للفرس.
ويؤخذ من مفهومه: أنّ من باع عبداً ومعه مال وشرطه المبتاع أنّ البيع يصحّ، لكن بشرط أن لا يكون المال ربويّاً فلا يجوز بيع العبد ومعه دراهم بدراهم قاله الشّافعيّ.
وعن مالكٍ لا يمنع لإطلاق الحديث، وكأنّ العقد إنّما وقع على العبد خاصّة، والمال الذي معه لا مدخل له في العقد.
واختلف فيما إذا كان المال ثياباً.
والأصحّ. أنّ لها حكم المال، وقيل: تدخل عملاً بالعرف، وقيل:
стр. 2255
يدخل ساتر العورة فقط.
وقال الباجيّ: إنْ شرطه المشتري للعبد صحّ مطلقاً، وإن شرط بعضه أو لنفسه فروايتان.
وقال المازريّ.: إن زال ملك السّيّد عن عبده ببيعٍ أو معاوضةٍ فالمال للسّيّد , إلَّا أن يشترطه المبتاع، وعن بعض التّابعين كالحسن يتبع العبد، والحديث حجّة على قائل هذا.
وإن زال بالعتق ونحوه فالمال للعبد إلَّا أن يشترطه السّيّد، وإن زال بالهبة ونحوها فروايتان.
قال القرطبيّ: أرجحهما إلحاقها بالبيع. وكذا إن سلمه في الجناية.
وفي الحديث: جواز الشّرط الذي لا ينافي مقتضى العقد،
قال الكرمانيّ: قوله: " وله مال " إضافة المال إلى العبد مجاز كإضافة الثّمرة إلى النّخلة.
стр. 2256
الحديث السادس عشر
٢٧٢ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه (١). وفي لفظ: حتى يقبضه. (٢)
وعن ابن عباس مثله. (٣)
قوله: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه) اتّفقوا على منع بيع الطّعام قبل قبضه , ولمسلمٍ من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: وأحسب كل شيءٍ بمنزلة الطّعام. وهذا من تفقّه ابن عبّاس.
ومال ابن المنذر: إلى اختصاص ذلك بالطّعام.
واحتجّ باتّفاقهم على أنّ من اشترى عبداً فأعتقه قبل قبضه أنّ عتقه جائز، قال: فالبيع كذلك.
وتعقّب: بالفارق وهو تشوّف الشّارع إلى العتق. وللبخاري عن طاوس عن ابن عبّاسٍ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يبيع الرّجل
(١) أخرجه البخاري (٢٠١٧ , ٢٠١٩ , ٢٠٢٩ , ٢٠٥٨ , ٢٠٥٩) ومسلم (١٥٢٦) من طرق عن نافع عن ابن عمر ﵁.
وللبخاري (٢٠٢٤ , ٢٠٣٠) ومسلم (١٥٢٦) عن الزهري عن سالم عن أبيه نحوه
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٢٦) ومسلم (١٥٢٦) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثله.
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٢٥ , ٢٠٢٨) ومسلم (١٥٢٥) من طريق طاوس عن ابن عباس.
стр. 2257
طعاماً حتّى يستوفيه , قلت لابن عبّاسٍ: كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدراهم والطّعام مرجّأٌ.
معناه أنّه استفهم عن سبب هذا النّهي , فأجابه ابن عبّاس بأنّه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخّر المبيع في يد البائع , فكأنّه باعه دراهم بدراهم.
ويبيّن ذلك ما وقع في رواية سفيان عن ابن طاوس عند مسلم , قال طاوس: قلت لابن عبّاس: لِمَ؟ قال: ألا تراهم يتبايعون بالذّهب والطّعام مرجأ , أي: فإذا اشترى طعاماً بمائة دينار مثلاً ودفعها للبائع ولَم يقبض منه الطّعام , ثمّ باع الطّعام لآخر بمائة وعشرين ديناراً وقبضها والطّعام في يد البائع. فكأنّه باع مائة دينارٍ بمائة وعشرين ديناراً.
وعلى هذا التّفسير. لا يختصّ النّهي بالطّعام، ولذلك قال ابن عبّاس: لا أحسب كل شيءٍ إلَّا مثله.
ويؤيّده حديث زيد بن ثابت: نهى رسول الله ﷺ أن تباع السّلع حيث تبتاع حتّى يحوزها التّجّار إلى رحالهم. أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن حبّان.
قال القرطبيّ: هذه الأحاديث حجّة على عثمان البَتِّي (١) حيث أجاز
стр. 2258
بيع كل شيءٍ قبل قبضه، وقد أخذ بظاهرها مالك , فحمل الطّعام على عمومه وألحق بالشّراء جميع المعاوضات.
وأَلْحَقَ الشّافعيّ وابن حبيبٍ وسحنونٌ بالطّعام كل ما فيه حقّ توفيةٍ.
وزاد أبو حنيفة والشّافعيّ فعدّياه إلى كل مشترى، إلَّا أنّ أبا حنيفة استثنى العقار وما لا ينقل.
واحتجّ الشّافعيّ: بحديث عبد الله بن عمر وقال: نهى النّبيّ ﷺ عن ربح ما لَم يضمن. أخرجه التّرمذيّ.
قلت: وفي معناه حديث حكيم بن حزام أخرجه أصحاب السّنن بلفظ " قلت: يا رسولَ الله. يأتيني الرّجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثمّ أبتاعه له من السّوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك " وأخرجه التّرمذيّ مختصراً. ولفظه " نهاني رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندي ".
قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يقول: أبيعك عبداً أو داراً معيّنةً وهي غائبة، فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها.
ثانيهما: أن يقول: هذه الدّار بكذا، على أن أشتريها لك من
стр. 2259
صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها. انتهى
وقصّة حكيمٍ موافقةٌ للاحتمال الثّاني.
وفي صفة القبض عن الشّافعيّ تفصيل:
فما يتناول باليد كالدّراهم والدّنانير والثّوب فقبضه بالتّناول، وما لا ينقل كالعقار والثّمر على الشّجر فقبضه بالتّخلية.
وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنّقل إلى مكانٍ لا اختصاص للبائع به.
وفيه قولٌ إنّه يكفي فيه التّخلية.
واختلفوا في الإعتاق. فالجمهور على أنّه يصحّ الإعتاق ويصير قبضاً سواءٌ كان للبائع حقّ الحبس بأن كان الثّمن حالاً ولَم يدفع أم لا , والأصحّ في الوقف أيضاً صحّته.
وفي الهبة والرّهن خلافٌ.
والأصحّ عند الشّافعيّة فيهما أنّهما لا يصحّان، وحديث ابن عمر في قصّة البعير الصّعب (١) حجّةٌ لمقابله.
ويمكن الجواب عنه: بأنّه يحتمل أن يكون ابن عمر كان وكيلاً في
стр. 2260
القبض قبل الهبة , وهو اختيار البغويّ قال: إذا أذن المشتري للموهوب له في قبض المبيع كفى وتمّ البيع وحصلت الهبة بعده، لكن لا يلزم من هذا اتّحاد القابض والمقبض , لأنّ ابن عمر كان راكب البعير حينئذٍ.
وقد احتجّ به للمالكيّة والحنفيّة في أنّ القبض في جميع الأشياء بالتّخلية.
وعند الشّافعيّة والحنابلة تكفي التّخلية في الدّور والأراضي وما أشبهها دون المنقولات.
وقال ابن قدامة: ليس في الحديث تصريحٌ بالبيع، فيحتمل أن يكون قول عمر " هو لك " أي: هبةً، وهو الظّاهر فإنّه لَم يذكر ثمناً.
قلت: وفيه غفلةٌ عن قوله في الحديث " فباعه من رسول الله ﷺ " وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث عند البخاريّ " فاشتراه " فعلى هذا فهو بيعٌ، وكون الثّمن لَم يُذكر لا يلزم أن يكون هبةً مع التّصريح بالشّراء، وكما لَم يذكر الثّمن يحتمل أن يكون القبض المشترط وقع وإن لَم ينقل.
قال المحبّ الطّبريّ: يحتمل أن يكون النّبيّ ﷺ ساقه بعد العقد كما ساقه أوّلاً، وسوقه قبضٌ له , لأنّ قبض كل شيءٍ بحسبه.
قوله: (حتى يقبضه) في قوله حتّى يقبضه زيادة في المعنى على قوله " حتّى يستوفيه " , لأنّه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا يقبضه للمشتري , بل يحبسه عنده لينقده الثّمن مثلاً.
стр. 2261
تكميل: أخرج الشيخان عن سالم بن عبد الله، أنّ أباه، قال: قد رأيت النّاس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطّعام جزافاً، يُضربون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتّى يؤووه إلى رحالهم.
وبه قال الجمهور، لكنّهم لَم يخصّوه بالجزاف , ولا قيّدوه بالإيواء إلى الرّحال.
أمّا الأوّل: فلما ثبت من النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل، وورد التّنصيص على المكيل من وجهٍ آخر عن ابن عمر مرفوعاً. أخرجه أبو داود
وأمّا الثّاني: فلأنّ الإيواء إلى الرّحال خرج مخرج الغالب.
وفي بعض طرق مسلمٍ عن ابن عمر: كنّا نبتاع الطّعام فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه.
وفرَّق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل: فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه. وبه قال الأوزاعيّ وإسحاق.
واحتجّ لهم: بأنّ الجزاف مرئيٌ فتكفي فيه التّخلية، والاستيفاء إنّما يكون في مكيلٍ أو موزون، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعاً: من اشترى طعاماً بكيلٍ أو وزنٍ فلا يبيعه حتّى يقبضه. ورواه أبو داود والنّسائيّ بلفظ: نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيلٍ حتّى يستوفيه.
والدّارقطنيّ من حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطّعام
стр. 2262
حتّى يجري فيه الصّاعان , صاع البائع والمشتري. ونحوه للبزّار من حديث أبي هريرة بإسنادٍ حسنٍ
وفي ذلك دلالة على اشتراط القبض في المكيل بالكيل وفي الموزون بالوزن، فمن اشترى شيئاً مكايلة أو موازنة فقبضه جزافاً فقبضه فاسد، وكذا لو اشترى مكايلة فقبضه موازنة وبالعكس.
ومن اشترى مكايلة وقبضه ثمّ باعه لغيره لَم يجز تسليمه بالكيل الأوّل حتّى يكيله على من اشتراه ثانياً، وبذلك كله قال الجمهور.
وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأوّل مطلقاً.
وقيل: إن باعه بنقدٍ جاز بالكيل الأوّل , وإن باعه بنسيئةٍ لَم يجز بالأوّل.
والأحاديث المذكورة تردّ عليه.
وقوله " جزافاً " مثلثة الجيم والكسر أفصح.
стр. 2263
الحديث السابع عشر
٢٧٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ , أنه سمع رسول الله ﷺ , يقول وهو بمكة عام الفتح: إنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يارسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنّه يُطلى بها السّفن ويُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرامٌ، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إنّ الله لَمَّا حرّم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه. (١)
قال المصنف: جملوه: أي أذابوه.
قوله: (وهو بمكّة عام الفتح) فيه بيان تاريخ ذلك؛ وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل: أن يكون التّحريم وقع قبل ذلك , ثمّ أعاده ﷺ ليسمعه من لَم يكن سمعه.
قوله: (إنّ الله ورسوله حرّم) هكذا وقع في الصّحيحين بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد , وكان الأصل " حرَّما ".
فقال القرطبيّ: إنّه ﷺ تأدّب فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين، لأنّه من نوع ما ردّ به على الخطيب الذي قال: ومن يعصهما.
كذا قال، ولَم تتّفق الرّواة في هذا الحديث على ذلك , فإنّ في بعض طرقه في الصّحيح (٢) " إنّ الله حرّم " ليس فيه " ورسوله ".
стр. 2264
وفي رواية لابن مردويه من وجه آخر عن الليث " إنّ الله ورسوله حرّما " وقد صحّ حديث أنس في النّهي عن أكل الحمر الأهليّة " إنّ الله ورسوله ينهيانكم " ووقع في رواية النّسائيّ في هذا الحديث " ينهاكم ".
والتّحقيق: جواز الإفراد في مثل هذا، ووجهه الإشارة إلى أنّ أمر النّبيّ ناشئٌ عن أمر الله، وهو نحو قوله: (والله ورسوله أحقّ أن يرضوه) والمختار في هذا أنّ الجملة الأولى حذفت لدلالة الثّانية عليها، والتّقدير عند سيبويه: والله أحقّ أن يرضوه، ورسوله أحقّ أن يرضوه، وهو كقول الشّاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرّأي مختلف
وقيل: أحقّ أن يرضوه خبر عن الاسمين، لأنّ الرّسول تابع لأمر الله.
قوله: (الخمر) سيأتي الكلام مستوفى في الأشربة إن شاء الله.
стр. 2265
قوله: (والميتة) بفتح الميم ما زالت عنه الحياة لا بذكاةٍ شرعيّة، والميتة بالكسر الهيئة وليست مراداً هنا، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الميتة، ويستثنى من ذلك السّمك والجراد.
قوله: (والخنزير) بوزن غربيبٍ ونونه أصليّةٌ , وقيل: زائدةٌ. وهو مختار الجوهريّ.
قال ابن التين: شذَّ بعضُ الشافعية فقال: لا يُقتل الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة. قال: والجمهور على جواز قتله مطلقاً.
قوله: (والأصنام) جمع صنم , قال الجوهريّ: هو الوثن، وقال غيره: الوثن ما له جثّة، والصّنم ما كان مصوّراً، فبينهما عموم وخصوص وجهيٌّ، فإن كان مصوّراً فهو وثن وصنم.
قوله: (فقيل: يا رسولَ الله) لَم أقف على تسمية القائل، وفي رواية عبد الحميد الآتية " فقال رجلٌ ".
قوله: (أرأيت شحوم الميتة , فإنّه يطلى بها السّفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس) أي: فهل يحل بيعها لِمَا ذكر من المنافع فإنّها مقتضية لصحّة البيع.
قوله: (فقال: لا هو حرام) أي: البيع، هكذا فسّره بعض العلماء كالشّافعيّ ومن اتّبعه.
ومنهم من حمل قوله " هو حرام " على الانتفاع فقال: يحرم الانتفاع بها. وهو قول أكثر العلماء، فلا ينتفع من الميتة أصلاً عندهم إلَّا ما خصّ بالدّليل , وهو الجلد المدبوغ.
стр. 2266
واختلفوا فيما يتنجّس من الأشياء الطّاهرة.
القول الأول: الجمهور على الجواز.
القول الثاني: قال أحمد وابن الماجشون: لا ينتفع بشيءٍ من ذلك.
واستدل الخطّابيّ على جواز الانتفاع بإجماعهم على أنّ من ماتت له دابّة ساغ له إطعامها لكلاب الصّيد. فكذلك يسوغ دهن السّفينة بشحم الميتة ولا فرق.
قوله: (ثمّ قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود .. إلخ) وسياقه مشعر بقوّة ما أوّله الأكثر أنّ المراد بقوله " هو حرام " البيع لا الانتفاع.
وروى أحمد والطّبرانيّ من حديث ابن عمر مرفوعاً: الويل لبني إسرائيل، إنّه لَمَّا حرّمت عليهم الشّحوم باعوها فأكلوا ثمنها، وكذلك ثمن الخمر عليكم حرام. ولأحمد والطّبرانيّ من حديث تميمٍ الدّاريّ مرفوعاً: إنّ الخمر حرامٌ شراؤها وثمنها.
قال أحمد: حدّثنا أبو عاصم الضّحّاك بن مخلدٍ عن عبد الحميد بن جعفر أخبرني يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن جابر. ولفظه: يقول عام الفتح: إنّ الله حرّم بيع الخنازير وبيع الميتة وبيع الخمر وبيع الأصنام، قال رجلٌ: يا رسولَ الله. فما ترى في بيع شحوم الميتة؟ فإنّها تدهن بها السّفن والجلود ويستصبح بها. فقال: قاتل الله يهود .. الحديث. وأخرجه مسلم عن أبي موسى عن أبي عاصم. ولَم يسبق
стр. 2267
لفظه , بل قال مثل حديث الليث (١).
والظّاهر أنّه أراد أصل الحديث، وإلا ففي سياقه بعض مخالفة فظهر بهذه الرّواية أنّ السّؤال وقع عن بيع الشّحوم وهو يؤيّد ما قرّرناه.
ويؤيّده أيضاً ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن ابن عبّاس , أنّه ﷺ قال - وهو عند الرّكن -: قاتل الله اليهود، إنّ الله حرّم عليهم الشّحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإنّ الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه "
قال جمهور العلماء: العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النّجاسة فيتعدّى ذلك إلى كل نجاسة، ولكنّ المشهور عند مالك طهارة الخنزير.
والعلة في منع بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشّافعيّة وغيرهم.
والأكثر على المنع حملاً للنّهي على ظاهره، والظّاهر أنّ النّهي عن بيعها للمبالغة في التّنفير عنها، ويلتحق بها في الحكم الصّلبان التي تعظّمها النّصارى , ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته.
وأجمعوا على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير.
стр. 2268
ورخّص بعض العلماء في القليل من شعر الخنزير للخرز. حكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ وأبي يوسف وبعض المالكيّة. فعلى هذا فيجوز بيعه.
ويستثنى من الميتة عند بعض العلماء , ما لا تَحلّه الحياة كالشّعر والصّوف والوبر , فإنّه طاهر فيجوز بيعه. وهو قول أكثر المالكيّة والحنفيّة، وزاد بعضهم العظم والسّنّ والقرن والظّلف.
وقال بنجاسة الشّعور الحسن والليث والأوزاعيّ. ولكنّها تطهر عندهم بالغسل، وكأنّها متنجّسة عندهم بما يتعلق بها من رطوبات الميتة لا نجسة العين، ونحوه قول ابن القاسم في عظم الفيل: إنّه يطهر إذا سلق بالماء.
قوله: (إنّ الله لَمَّا حرّم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه) ... سيأتي الكلام عليه مستوفى إن شاء الله (١)
стр. 2269
باب السّلم
السّلم بفتحتين: السّلف وزناً ومعنىً.
وذكر الماورديّ أنّ السّلف لغة أهل العراق , والسّلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السّلف تقديم رأس المال والسّلم تسليمه في المجلس. فالسّلف أعمّ.
والسّلم شرعاً: بيع موصوف في الذّمّة، ومن قيّده بلفظ السّلم زاده في الحدّ، ومن زاد فيه ببدلٍ يعطى عاجلاً. فيه نظرٌ , لأنّه ليس داخلاً في حقيقته.
واتّفق العلماء على مشروعيّته إلَّا ما حكي عن ابن المسيّب. واختلفوا في بعض شروطه.
واتّفقوا على أنّه يشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس.
واختلفوا هل هو عقد غررٍ جوّز للحاجة أم لا؟.
стр. 2270
الحديث الثامن عشر
٢٧٤ ـ عن عبد الله بن عباسٍ ﵁ , قال: قدم النبيّ ﷺ المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيءٍ، فليسلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ. (١)
قوله: (قدم النبيّ ﷺ المدينة) القدوم كان في شهر ربيع الأوّل بلا خلاف.
وفي صحيح البخاري " فتلقّوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة , فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف , وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول " وهذا هو المعتمد.
وشذّ مَن قال يوم الجمعة، وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب " قدِمَها لهلال ربيع الأوّل " أي: أوّل يوم منه.
وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق " قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل " ونحوه عند أبي معشر، لكن قال ليلة الاثنين، ومثله عن ابن البرقيّ، وثبت كذلك في أواخر صحيح مسلم.
وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق " قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل ".
стр. 2271
وعند أبي سعيد في " شرف المصطفى " من طريق أبي بكر بن حزم " قدم لثلاث عشرة من ربيع الأوّل ". وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال.
وعنده من حديث عمر " ثمّ نزل على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأوّل " كذا فيه , ولعله كان فيه " خلتا " ليوافق رواية جرير بن حازم، وعند الزّبير في " أخبار المدينة " عن ابن شهاب: في نصف ربيع الأوّل.
وقيل: كان قدومه في سابعه، وجزم ابن حزم: بأنّه خرج من مكّة لثلاث ليالٍ بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبيّ: إنّه خرج من الغار ليلة الاثنين أوّل يوم من ربيع الأوّل.
فإن كان محفوظاً. فلعلَّ قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأوّل، وإذا ضمّ إلى قول أنس: إنّه أقام بقباء أربع عشرة ليلة , خرج منه أنّ دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه.
لكنّ الكلبيَّ جزم: بأنّه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه , فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليالٍ فقط.
وبه جزم ابن حبّان فإنّه قال: أقام بها الثّلاثاء والأربعاء والخميس , يعني: وخرج يوم الجمعة، فكأنّه لَم يعتدّ بيوم الخروج.
وكذا قال موسى بن عقبة: إنّه أقام فيهم ثلاث ليالٍ. فكأنّه لَم يعتدّ بيوم الخروج، ولا الدّخول.
وعن قوم من بني عمرو بن عوف , أنّه أقام فيهم اثنين وعشرين
стр. 2272
يوماً. حكاه الزّبير بن بكّار، وفي مرسل عروة بن الزّبير ما يقرُب منه.
والأكثر أنّه قدم نهاراً، ووقع في رواية مسلم ليلاً، ويجمع بأنّ القدوم كان آخر الليل فدخل نهاراً.
قوله: (وهم يُسلفون في الثمار السنتين والثلاث) وللبخاري من طريق ابن علية عن ابن أبي نجيح " العام والعامين أو قال: عامين أو ثلاثة شك إسماعيل " يعني ابن عليّة. ولَم يشكّ سفيان (١) فقال " وهم يسلفون في التّمر السّنتين والثّلاث ".
وقوله " عامين " وقوله " السّنتين " منصوب إمّا على نزع الخافض , أو على المصدر.
قوله: (من أسلف في شيءٍ) وفي رواية ابن عليّة " من سلَّف في تمر " بالتشديد , والأُولى أشمل.
وقوله " في شيء " أخذ منه جواز السّلم في الحيوان إلحاقاً للعدد بالكيل. والمخالف فيه الحنفيّة.
وقال بصحته الحسن. فأخرج سعيد بن منصور من طريق يونس بن عبيد عن الحسن , أنّه كان لا يرى بأساً بالسّلف في الحيوان إذا كان شيئاً معلوماً إلى أجل معلوم.
стр. 2273
قوله: (في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ) أي: فيما يوزن , والواو بمعنى أو. والمراد اعتبار الكيل فيما يكال , والوزن فيما يوزن.
واتّفقوا على اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل كصاع الحجاز وقفيز العراق وإردبّ مصر، بل مكاييل هذه البلاد في نفسها مختلفة , فإذا أطلق صرف إلى الأغلب.
قال ابن بطّال: أجمعوا على أنّه إن كان في السّلم ما يكال أو يوزن فلا بدّ فيه من ذكر الكيل المعلوم والوزن المعلوم، فإن كان فيما لا يكال ولا يوزن فلا بدّ فيه من عدد معلوم.
قلت: أو ذرع معلوم، والعدد والذّرع ملحق بالكيل والوزن للجامع بينهما وهو عدم الجهالة بالمقدار، ويجري في الذّرع ما تقدّم شرطه في الكيل والوزن من تعيين الذّراع لأجل اختلافه في الأماكن.
وأجمعوا على أنّه لا بدّ من معرفة صفة الشّيء المسلم فيه صفة تميّزه عن غيره، وكأنّه لَم يذكر في الحديث , لأنّهم كانوا يعملون به , وإنّما تعرّض لذكر ما كانوا يهملونه.
قوله: (إلى أجلٍ معلومٍ) أخرج الشّافعيّ من طريق أبي حسّان الأعرج عن ابن عبّاس قال: أشهد أنّ السّلف المضمون إلى أجل مسمّىً قد أحله الله في كتابه وأذن فيه. ثمّ قرأ (يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمّىً فاكتبوه). وأخرجه الحاكم من هذا الوجه وصحَّحه.
وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عبّاس قال:
стр. 2274
لا تسلف إلى العطاء , ولا إلى الحصاد , واضرب أجلاً. ومن طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عبّاس بلفظٍ: إذا سمّيت في السّلم قفيزاً وأجلاً فلا بأس.
وأخرج عبد الرّزّاق من طريق نبيح - بنونٍ وموحّدة ومهملة مصغّر - وهو العنزيّ - بفتح المهملة والنّون ثمّ الزّاي - الكوفيّ عن أبي سعيد الخدريّ قال: السّلم بما يقوم به السّعر رباً، ولكن أسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
وأخرج مالك في " الموطّأ " عن نافع عن ابن عمر قال: لا بأس أن يسلف الرّجل في الطّعام الموصوف بسعرٍ معلوم إلى أجل معلوم , ما لَم يكن ذلك في زرع لَم يبد صلاحه أو ثمرة لَم يبد صلاحها. وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع نحوه.
وروى ابن أبي شيبة من طريق الثّوريّ عن أبي إسحاق عن الأسود قال: سألته عن السّلم في الطّعام , فقال: لا بأس به، كيل معلوم إلى أجل معلوم.
وأجاز السّلمَ الحالَّ الشّافعيّة، وذهب الأكثر إلى المنع.
وحمل مَن أجاز الأمر في قوله " إلى أجل معلوم " على العلم بالأجل فقط، فالتّقدير عندهم من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم لا مجهول، وأمّا السّلم لا إلى أجل فجوازه بطريق الأولى , لأنّه إذا جاز مع الأجل وفيه الغرر. فمع الحال أولى لكونه أبعد عن الغرر.
وتعقّب: بالكتابة.
стр. 2275
وأجيب: بالفرق , لأنّ الأجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد غالباً.
واستدلَّ بقول ابن عبّاس الماضي " لا تسلف إلى العطاء " لاشتراط تعيين وقت الأجل بشيءٍ لا يختلف، فإنّ زمن الحصاد يختلف ولو بيومٍ , وكذلك خروج العطاء , ومثله قدوم الحاجّ، وأجاز ذلك مالك ووافقه أبو ثور.
واختار ابن خزيمة من الشّافعيّة تأقيته إلى الميسرة.
واحتجّ بحديث عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ بعث إلى يهوديّ ابعث لي ثوبين إلى الميسرة. وأخرجه النّسائيّ، وطعن ابن المنذر في صحّته بما وهم فيه.
والحقّ أنّه لا دلالة فيه على المطلوب , لأنّه ليس في الحديث إلَّا مجرّد الاستدعاء فلا يمتنع أنّه إذا وقع العقد قيّد بشروطه , ولذلك لَم يصف الثّوبين.
فائدة: أخرج البخاري عن أبي البختريّ سألت ابن عمر ﵁ عن السّلم في النّخل , فقال: نهى النّبيّ ﷺ عن بيع الثّمر حتّى يصلح .. , وسألت ابن عبّاسٍ , فقال: نهى النّبيّ ﷺ عن بيع النّخل حتّى يأكل أو يؤكل وحتّى يوزن , قلت: وما يوزن؟ قال رجلٌ عنده: حتّى يحرز.
واستدل به على جواز السّلم في النّخل المعيّن من البستان المعيّن , لكن بعد بدوّ صلاحه. وهو قول المالكيّة.
стр. 2276
وقد روى أبو داود وابن ماجه من طريق النّجرانيّ عن ابن عمر قال: لا يُسلم في نخل قبل أن يطلع، فإنّ رجلاً أسلم في حديقة نخلٍ قبل أن تطلع فلم تطلع ذلك العام شيئاً، فقال المشتري: هو لي حتّى تطلع، وقال البائع: إنّما بعتك هذه السّنة، فاختصما إلى رسول الله ﷺ . فقال: اردد عليه ما أخذت منه , ولا تسلموا في نخلٍ حتّى يبدو صلاحه. وهذا الحديث فيه ضعف.
ونقل ابن المنذر اتّفاق الأكثر على منع السّلم في بستان معيّن , لأنّه غرر.
وقد حمل الأكثر الحديث المذكور على السّلم الحال، وقد روى ابن حبّان والحاكم والبيهقيّ من حديث عبد الله بن سلام في قصّة إسلام زيد بن سعنة - بفتح السّين المهملة وسكون العين المهملة بعدها نون - أنّه قال لرسول الله ﷺ : هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً إلى أجل معلوم من حائط بني فلان؟. قال: لا أبيعك من حائط مسمّىً، بل أبيعك أوسقاً مسمّاة إلى أجل مسمّىً.
стр. 2277
باب الشروط في البيع
الحديث التاسع عشر
٢٧٥ - عن عائشة ﵂، قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كل عام أوقيّةٌ، فأعينيني، فقلت: إن أحبّ أهلك أن أعدّها لهم، ويكون ولاؤكِ لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت: لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول الله ﷺ جالسٌ، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلَّا أن يكون لهم الولاء، فسمع النبيّ ﷺ فأخبرت عائشة النبيّ ﷺ , فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فما بال رجالٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرطٍ، قضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق. (١)
стр. 2278
قوله: (جاءتني بريرة) هي بفتح الموحّدة بوزن فعيلة، مشتقّة من البرير وهو ثمر الأراك.
وقيل: إنّها فعيلة من البرّ بمعنى مفعولة كمبرورةٍ، أو بمعنى فاعلة كرحيمةٍ، هكذا وجّهه القرطبيّ.
والأوّل أولى , لأنّه ﷺ غيّر اسم جويرية. وكان اسمها برّة (١). وقال: لا تزكّوا أنفسكم. (٢) فلو كانت بريرة من البرّ لشاركتها في ذلك.
وكانت بريرة لناسٍ من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم، وقيل: لناسٍ من بني هلال. قاله ابن عبد البرّ، ويمكن الجمع.
وكانت تخدم عائشة قبل أن تعتق كما في حديث الإفك، وعاشت إلى خلافة معاوية، وتفرّست في عبد الملك بن مروان أنّه يلي الخلافة فبشّرته بذلك. وروى هو ذلك عنها (٣).
стр. 2279
قوله: (كاتبت أهلي على تسع أواقٍ) وللبخاري معلقاً. وقال الليث عن يونس عن ابن شهابٍ، قال عروة: قالت عائشة: وعليها خمسة أواقٍ نجّمت عليها في خمس سنين .. " (١).
وقد وقع في هذه الرّواية المعلَّقة مخالفة للرّوايات , فالمشهور ما في رواية هشام بن عروة عن أبيه " أنّها كاتبت على تسع أواقٍ في كلّ عام أوقيّة " وكذا في رواية ابن وهب عن يونس عند مسلم.
وقد جزم الإسماعيليّ , بأنّ الرّواية المعلَّقة غلطٌ.
ويمكن الجمع: بأنّ التّسع أصلٌ , والخمس كانت بقيت عليها، وبهذا جزم القرطبيّ والمحبّ الطّبريّ.
ويعكّر عليه قوله في رواية قتيبة عن الليث عند البخاري " ولَم تكن أدّت من كتابتها شيئاً ".
ويجاب: بأنّها كانت حصلت الأربع أواقٍ قبل أن تستعين عائشة، ثمّ جاءتها وقد بقي عليها خمس.
стр. 2280
وقال القرطبيّ: يجاب. بأنّ الخمس هي التي كانت استحقّت عليها بحلول نجومها من جملة التّسع الأواقي المذكورة في حديث هشام، ويؤيّده قوله في رواية عمرة عن عائشة عند البخاري " فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى ".
وذكر الإسماعيليّ: أنّه رأى في الأصل المسموع على الفربريّ في هذه الطّريق أنّها كاتبت على خمسة أوساق , وقال: إن كان مضبوطاً فهو يدفع سائر الأخبار.
قلت: لَم يقع في شيءٍ من النّسخ المعتمدة التي وقفنا عليها إلَّا الأواقي، وكذا في نسخة النّسفيّ عن البخاريّ، وكان يمكن على تقدير صحّته أن يجمع بأنّ قيمة الأوساق الخمسة تسع أواقٍ، لكن يعكّر عليه قوله " في خمس سنين " فيتعيّن المصير إلى الجمع الأوّل.
فائدة: روى ابن إسحاق عن خاله عبد الله بن صبيح - بفتح المهملة - عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزّى، فسألته الكتابة فأبى، فنزلت: (والذين يبتغون الكتاب) الآية " أخرجه ابن السّكن وغيره في ترجمة صبيح في الصّحابة.
قوله: (فأعينيني) كذا للأكثر بصيغة الأمر للمؤنّث من الإعانة، وفي رواية الكشميهنيّ " فأعيتني " بصيغة الخبر الماضي من الإعياء، والضّمير للأواقي، وهو متّجه المعنى، أي: أعجَزَتني عن تحصيلها.
وفي رواية حمّاد بن سلمة عن هشام عند ابن خزيمة وغيره " فأعتقيني " بصيغة الأمر للمؤنّث بالعتق، إلَّا أنّ الثّابت في طريق