بن حمزة عن الدّراورديّ كرواية إسماعيل بن جعفرٍ الآتي ذكرها. ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضّل عن حميدٍ فقال فيه " قال: أفرأيت إلخ " قال: فلا أدري أنسٌ قال: بِمَ يستحل , أو حدّث به عن النّبيّ ﷺ " أخرجه الخطيب في " المدرج " ورواه إسماعيل بن جعفرٍ عن حميدٍ فعطفه على كلام أنسٍ في تفسير قوله " تزهي " وظاهره الوقف.
وأخرجه الجوزقيّ من طريق يزيد بن هارون , والخطيب من طريق أبي خالدٍ الأحمر كلاهما عن حميدٍ بلفظ " قال أنسٌ: أرأيت إن منع الله الثّمرة " الحديث.
ورواه ابن المبارك وهشيمٌ عند البخاري عن حميدٍ , فلم يذكر هذا القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعةٌ من أصحاب حميدٍ عنه على ذلك.
قلت: وليس في جميع ما تقدّم ما يمنع أن يكون التّفسير مرفوعاً، لأنّ مع الذي رفعه زيادةٌ على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه.
وقد روى مسلمٌ من طريق أبي الزّبير عن جابرٍ ما يقوّي رواية الرّفع في حديث أنسٍ ولفظه: قال رسول الله ﷺ : لو بعتَ من أخيك ثَمَراً فأصابته عاهةٌ فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئاً، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حقٍّ؟.
واستدل بهذا على وضع الجوائح في الثّمر يشترى بعد بدوّ صلاحه , ثمّ تصيبه جائحةٌ. فقال مالكٌ: يضع عنه الثّلث.
стр. 2207
وقال أحمد وأبو عبيدٍ: يضع الجميع.
وقال الشّافعيّ والليث والكوفيّون: لا يرجع على البائع بشيءٍ , وقالوا: إنّما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثّمرة قبل بدوّ صلاحها بغير شرط القطع , فيحمل مطلق الحديث في رواية جابرٍ. على ما قيّد به في حديث أنسٍ. والله أعلم
واستدل الطّحاويّ بحديث أبي سعيدٍ: أصيب رجلٌ في ثمارٍ ابتاعها فكثر دينه، فقال النّبيّ ﷺ : تصدّقوا عليه. فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال: خذوا ما وجدتم. وليس لكم إلَّا ذلك. أخرجه مسلمٌ وأصحاب السّنن.
قال: فلمّا لَم يبطل دين الغرماء بذهاب الثّمار , وفيهم باعتها ولَم يؤخذ الثّمن منهم , دلَّ على أنّ الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه. والله أعلم.
قوله: (بِمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟) أي: لو تلف الثّمر لانتفى في مقابلته العوض فكيف يأكله بغير عوضٍ؟.
وفيه إجراء الحكم على الغالب، لأنّ تطرّق التّلف إلى ما بدا صلاحه ممكنٌ، وعدم التّطرّق إلى ما لَم يبد صلاحه ممكنٌ، فأنيط الحكم بالغالب في الحالتين.
стр. 2208
الحديث الثامن
٢٦٤ - وعن عبد الله بن عباسٍ ﵁ , قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُتلقّى الرّكبان، وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ، قال: فقلت لابن عباسٍ: ما قوله حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمساراً. (١)
قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن تُتلقّى الرّكبان) زاد الكشميهني (٢) " للبيع " وتقدّم الكلام عليه (٣).
قوله: (وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ) قال ابن المنير وغيره: حمل البخاري النّهي عن بيع الحاضر للبادي على معنىً خاصٍّ وهو البيع بالأجر أخذاً من تفسير ابن عبّاس، وقوّى ذلك بعموم أحاديث " الدّين النّصيحة " (٤) , لأنّ الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالباً , وإنّما غرضه تحصيل الأجرة. فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرةٍ من باب النّصيحة.
стр. 2209
قلت: ويؤيده ما رواه أحمد من حديث عطاء بن السّائب عن حكيم بن أبى يزيد عن أبيه حدّثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : دعوا النّاس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرّجل الرّجل فلينصح له " ورواه البيهقيّ من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي الزّبير عن جابر مرفوعاً مثله.
وقد أخرجه مسلم من طريق أبي خيثمة عن أبي الزّبير بلفظ " لا يبيع حاضرٌ لبادٍ , دعوا النّاس يرزق الله بعضهم من بعض " وكذلك ما أخرجه أبو داود من طريق سالمٍ المكّيّ , أنّ أعرابيّاً حدّثه أنّه قدم بحلوبةٍ له على طلحة بن عبيد الله، فقال له: إنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولكن اذهب إلى السّوق فانظر من يبايعك فشاورني حتّى آمرك وأنهاك.
ورخّص عطاء في بيع الحاضر للبادي، فروى عبد الرّزّاق عن الثّوريّ عن عبد الله بن عثمان. أي: ابن خثيمٍ عن عطاء بن أبي رباح قال: سألته عن أعرابيٍّ أبيع له؟ فرخّص لي.
وأمّا ما رواه سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهدٍ قال: إنّما نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبادٍ , لأنّه أراد أن يصيب المسلمون غرّتهم، فأمّا اليوم فلا بأس. فقال عطاء: لا يصلح اليوم. فقال مجاهد. ما أرى أبا محمّد إلَّا لو أتاه ظئر له من أهل البادية إلَّا سيبيع له.
فالجمع بين الرّوايتين عن عطاءٍ: أن يُحمل قوله هذا على كراهة
стр. 2210
التّنزيه , ولهذا نسب إليه مجاهد ما نسب، وأخذ بقول مجاهدٍ في ذلك أبو حنيفة.
وتمسّكوا بعموم قوله ﷺ " الدّين النّصيحة " وزعموا أنّه ناسخٌ لحديث النّهي.
وحمل الجمهور حديث " الدّين النّصيحة " على عمومه , إلَّا في بيع الحاضر للبادي , فهو خاصٌّ فيقضى على العامّ، والنّسخ لا يثبت بالاحتمال.
وجمع البخاريّ بينهما: بتخصيص النّهي بمن يبيع له بالأجرة كالسّمسار، وأمّا من ينصحه فيعلمه بأنّ السّعر كذا مثلاً فلا يدخل في النّهي عنده. والله أعلم
قوله: (لا يكون له سمساراً) بمهملتين. هو في الأصل القيّم بالأمر والحافظ له، ثمّ استعمل في متولي البيع والشّراء لغيره.
وفي هذا التّفسير تعقّب على من فسّر الحاضر بالبادي , بأنّ المراد نهي الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئاً يحتاج إليه أهل البلد. فهذا مذكور في كتب الحنفيّة.
وقال غيرهم: صورته أن يجيء البلد غريبٌ بسلعته يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه بلديٌّ فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التّدريج بأغلى من هذا السّعر، فجعلوا الحكم منوطاً بالبادي ومن شاركه في معناه.
قال: وإنّما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب فألحق به من
стр. 2211
يشاركه في عدم معرفة السّعر الحاضر وإضرار أهل البلد بالإشارة عليه بأن لا يبادر بالبيع، وهذا تفسير الشّافعيّة والحنابلة.
وجعل المالكيّة البداوة قيداً، وعن مالكٍ لا يلتحق بالبدويّ في ذلك إلَّا من كان يشبهه، قال: فأمّا أهل القرى الذين يعرفون أثمان السّلع والأسواق , فليسوا داخلين في ذلك.
قال ابن المنذر: اختلفوا في هذا النّهي.
فالجمهور أنّه على التّحريم , بشرط العلم بالنّهي , وأن يكون المتاع المجلوب ممّا يحتاج إليه , وأن يعرض الحضريّ ذلك على البدويّ، فلو عرضه البدويّ على الحضريّ لَم يمنع.
وزاد بعض الشّافعيّة عموم الحاجة , وأن يظهر ببيع ذلك المتاع السّعة في تلك البلد.
قال ابن دقيق العيد: أكثر هذه الشّروط تدور بين اتّباع المعنى أو اللفظ، والذي ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظّهور والخفاء فحيث يظهر يخصّص النّصّ أو يعمّم، وحيث يخفى فاتّباع اللفظ أولى، فأمّا اشتراط أن يلتمس البلديّ ذلك فلا يقوى لعدم دلالة اللفظ عليه وعدم ظهور المعنى فيه، فإنّ الضّرر الذي علل به النّهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلديّ وعدمه، وأمّا اشتراط أن يكون الطّعام ممّا تدعو الحاجة إليه فمتوسّط بين الظّهور وعدمه، وأمّا اشتراط ظهور السّعة فكذلك أيضاً لاحتمال أن يكون المقصود مجرّد تفويت الرّبح والرّزق على أهل البلد، وأمّا اشتراط العلم بالنّهي فلا إشكال فيه.
стр. 2212
وقال السّبكيّ: شرط حاجة النّاس إليه معتبر، ولَم يذكر جماعةٌ عمومها وإنّما ذكره الرّافعيّ تبعاً للبغويّ. ويحتاج إلى دليل.
واختلفوا أيضاً فيما إذا وقع البيع مع وجود الشّروط المذكورة. هل يصحّ مع التّحريم أو لا يصحّ؟ على القاعدة المشهورة.
وقوله في تفسير المنع لبيع الحاضر للبادي " أن لا يكون له سمساراً " مفهومه أنّه يجوز أن يكون سمساراً في بيع الحاضر للحاضر , ولكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومة.
وعن أبي حنيفة , إن دفع له ألفاً على أن يشتري بها بزّاً بأجرة عشرة فهو فاسد، فإن اشترى فله أجرة المثل ولا يجوز ما سمّى من الأجرة.
وعن أبي ثور , إذا جعل له في كلّ ألف شيئاً معلوماً لَم يجز , لأنّ ذلك غير معلوم فإن عمل فله أجر مثله.
وحجّة من منع: أنّها إجارة في أمر لأمد غير معلوم، وحجّة من أجازه أنّه إذا عيّن له الأجرة كفى ويكون من باب الجعالة. والله أعلم.
تكميل: روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين وإبراهيم قالا: لا بأس بأجر السّمسار إذا اشترى يداً بيدٍ. وروى ابن أبي شيبة: سئل عطاء عن السّمسرة فقال: لا بأس بها.
وكأنّ البخاري (١) أشار إلى الرّدّ على من كرهها، وقد نقله ابن
стр. 2213
المنذر عن الكوفيّين.
وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء، عن ابن عباس , أنه كان لا يرى بأساً أن يعطي الرجل الرجل الثوب , فيقول: بعه بكذا وكذا فما ازددت فلك. وهذه أجر سمسرة , لكنّها مجهولة. ولذلك لَم يُجزها الجمهور. وقالوا: إن باع له على ذلك فله أجر مثله.
وحمل بعضهم إجازة ابن عبّاس على أنّه أجراه مجرى المُقارض، وبذلك أجاب أحمد وإسحاق.
ونقل ابن التّين: أنّ بعضهم شرط في جوازه أن يعلم النّاس ذلك الوقت أنّ ثمن السّلعة يساوي أكثر ممّا سمّى له.
وتعقّبه: بأنّ الجهل بمقدار الأجرة باقٍ.
стр. 2214
الحديث التاسع
٢٦٥ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُزابنة: أن يبيع ثمر حائطه، إن كان نخلاً: بتمرٍ كيلاً، وإن كرماً، أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيلٍ طعامٍ، نهى عن ذلك كله. (١)
قوله: (المُزابنة) بالزّاي والموحّدة والنّون، مفاعلة من الزّبن بفتح الزّاي وسكون الموحّدة وهو الدّفع الشّديد، ومنه سمّيت الحرب الزّبون لشدّة الدّفع فيها.
وقيل: للبيع المخصوص المزابنة , لأنّ كلّ واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقّه، أو لأنّ أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع.
قوله: (أن يبيع ثمر) بالمثلثة وتحريك الميم، وفي رواية مسلم " والمزابنة بيع ثمر النّخل " وهو المراد هنا، وليس المراد التّمر من غير النّخل فإنّه يجوز بيعه بالتّمر بالمثنّاة والسّكون، وإنّما وقع النّهي عن الرّطب بالتّمر لكونه متفاضلاً من جنسه.
أورد البخاري حديث ابن عمر من رواية ابنه سالم (٢) ومن رواية
стр. 2215
نافعٍ كلاهما عنه، ثمّ حديث أبي سعيد في ذلك (١). وفي طريق نافع تفسير المزابنة، وظاهره أنّها من المرفوع. ومثله في حديث أبي سعيد في الباب، وأخرجه مسلم من حديث جابر كذلك.
ويؤيّد كونه مرفوعاً , رواية سالم. وإن لَم يتعرّض فيها لذكر المزابنة، وعلى تقدير أن يكون التّفسير من هؤلاء الصّحابة فهم أعرف بتفسيره من غيرهم.
وقال ابن عبد البرّ: لا مخالف لهم في أنّ مثل هذا مزابنة، وإنّما اختلفوا. هل يلتحق بذلك كلّ ما لا يجوز إلَّا مثلاً بمثلٍ. فلا يجوز فيه كيل بجزاف ولا جزاف بجزاف؟ فالجمهور على الإلحاق. وقيل: يختصّ ذلك بالنّخل والكرم. والله أعلم.
قوله: (حائطه) أي: البستان.
قوله: (إنْ كان نخلاً بتمرٍ) بالمثنّاة والسّكون.
قوله: (كيلاً) في حديث أبي سعيد في الصحيحين " والمزابنة اشتراء الثّمر بالتّمر في رؤوس النّخل كيلاً " وذِكْر الكيل ليس بقيدٍ في هذه الصّورة , بل لأنّه صورة المبايعة التي وقعت إذ ذاك فلا مفهوم له لخروجه على سببٍ أوّله مفهومٌ، لكنّه مفهوم الموافقة , لأنّ المسكوت عنه أولى بالمنع من المنطوق، ويستفاد منه أنّ معيار التّمر والزّبيب الكيل.
стр. 2216
قوله: (وإن كرماً، أن يبيعه بزبيب كيلاً) في رواية مسلم " وبيع العنب بالزّبيب كيلاً " والكرم بفتح الكاف وسكون الرّاء , هو شجر العنب , والمراد منه هنا نفس العنب كما أوضحته رواية مسلم. وهذا أصل المزابنة.
وألحق الشّافعيّ بذلك كلّ بيعٍ مجهولٍ بمجهولٍ، أو بمعلومٍ من جنسٍ يجري الرّبا في نقده.
قال: وأمّا مَن قال: أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعاً مثلاً فما زاد فلي وما نقص فعليّ فهو من القمار. وليس من المزابنة.
قلت: لكن أخرج البخاري من طريق أيّوب عن نافعٍ عن ابن عمر " والمزابنة أن يبيع الثّمر بكيلٍ إن زاد فلي , وإن نقص فعليّ ".
فثبت أنّ من صور المزابنة أيضاً هذه الصّورة من القمار، ولا يلزم من كونها قماراً أن لا تسمّى مزابنة.
ومن صور المزابنة أيضاً بيع الزّرع بالحنطة كيلاً، وقد رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافعٍ بلفظ " والمزابنة بيع ثمر النّخل بالتّمر كيلاً، وبيع العنب بالزّبيب كيلاً، وبيع الزّرع بالحنطة كيلاً ".
وأخرج البخاري هذه الزّيادة من طريق الليث عن نافعٍ.
وقال مالك: المزابنة كلّ شيءٍ من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيءٍ مسمّىً من الكيل وغيره، سواء كان من جنسٍ يجري الرّبا في نقده أم لا. وسبب النّهي عنه ما يدخله من القمار والغرر.
стр. 2217
قال ابن عبد البرّ: نَظَرَ مالكٌ إلى معنى المزابنة لغة - وهي المدافعة - ويدخل فيها القمار والمخاطرة، وفسّر بعضهم المزابنة بأنّها بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه، وهو خطأٌ فالمغايرة بينهما ظاهرة في حديث ابن عمر عند البخاري , أنّ رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الثّمر حتّى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثّمر بالتّمر.
وقيل: هي المزارعة على الجزء. وقيل: غير ذلك.
والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها أولى.
واستدل بأحاديث الباب على تحريم بيع الرّطب باليابس منه ولو تساويا في الكيل والوزن , لأنّ الاعتبار بالتّساوي إنّما يصحّ حالة الكمال , والرّطب قد ينقص إذا جفّ عن اليابس نقصاً لا يتقدّر. وهو قول الجمهور.
وعن أبي حنيفة: الاكتفاء بالمساواة حالة الرّطوبة، وخالفه صاحباه في ذلك لصحّة الأحاديث الواردة في النّهي عن ذلك.
وأصرح من ذلك حديث سعد بن أبي وقّاصٍ , أنّ النّبيّ ﷺ سئل عن بيع الرّطب بالتّمر فقال: أينقص الرّطب إذا جفّ؟ قالوا نعم، قال: فلا إذاً. أخرجه مالك وأصحاب السّنن وصحَّحه التّرمذيّ وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم.
وفيه جواز تسمية العنب كرماً، وقد ورد النّهي عنه كما في البخاري من رواية معمر عن الزّهريّ عن أبي سلمة بلفظ: لا تسمّوا العنب كرماً. وهي رواية ابن سيرين عن أبي هريرة عند مسلم، وعنده من
стр. 2218
طريق همّام عن أبي هريرة: لا يقل أحدكم للعنب الكرم، إنّما الكرم الرّجل المسلم. وله من حديث وائل بن حجرٍ: لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا العنب والحبلة.
ويُجمع بينهما: بحمل النّهي على التّنزيه , ويكون ذكره هنا لبيان الجواز، وهذا كلّه بناءً على أنّ تفسير المزابنة من كلام النّبيّ ﷺ .
وعلى تقدير كونه موقوفاً فلا حجّة على الجواز. فيحمل النّهي على حقيقته.
واختلف السّلف: هل يُلحق العنب أو غيره بالرّطب في العرايا؟.
القول الأول: لا. وهو قول أهل الظّاهر , واختاره بعض الشّافعيّة. منهم المحبّ الطّبريّ.
القول الثاني: يلحق العنب خاصّةً. وهو مشهور مذهب الشّافعيّ.
القول الثالث: يلحق كل ما يدّخر. وهو قول المالكيّة.
القول الرابع: يلحق كل ثمرةٍ وهو منقولٌ عن الشّافعيّ أيضاً.
قوله: (وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيلٍ طعامٍ) قال ابن بطّالٍ: أجمع العلماء على أنّه لا يجوز بيع الزّرع قبل أن يقطع بالطّعام، لأنّه بيع مجهولٍ بمعلومٍ، وأمّا بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة. فالجمهور لا يجيزون بيع شيءٍ من ذلك بجنسه لا متفاضلاً ولا متماثلاً. انتهى.
واحتجّ الطّحاويّ لأبي حنيفة في جواز بيع الزّرع الرّطب بالحبّ اليابس , بأنّهم أجمعوا على جواز بيع الرّطب بالرّطب مثلاً بمثلٍ , مع
стр. 2219
أنّ رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر , بل تختلف اختلافاً متبايناً.
وتعقّب: بأنّه قياسٌ في مقابلة النّصّ فهو فاسدٌ، وبأنّ الرّطب بالرّطب وإن تفاوت لكنّه نقصانٌ يسيرٌ فعفي عنه لقلته بخلاف الرّطب بالتّمر فإنّ تفاوته تفاوتٌ كثيرٌ، والله أعلم.
стр. 2220
الحديث العاشر
٢٦٦ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , قال: نهى النبيّ ﷺ عن المخابرة والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وأن لا تباع إلَّا بالدينار والدّرهم، إلَّا العرايا. (١)
قال المصنف: المحاقلة: الحِنطة في سُنبلها بحنطة.
قوله: (المخابرة) قال ابن الأعرابيّ اللغويّ: إنّ أصل المخابرة معاملة أهل خيبر، فاستعمل ذلك حتّى صار إذا قيل خابرهم , عرف أنّه عاملهم نظير معاملة أهل خيبر. (٢)
قوله: (والمحاقلة) قال أبو عبيدٍ: هو بيع الطّعام في سنبله بالبرّ مأخوذٌ من الحقل، وقال الليث: الحقل الزّرع إذا تشعّب من قبل أن يغلظ سوقه، والمنهيّ عنه بيع الزّرع قبل إدراكه.
وقيل: بيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها.
وقيل: بيع ما في رءوس النّخل بالتّمر.
وعن مالكٍ هو كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعامٍ أو إدامٍ.
والمشهور أنّ المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت.
стр. 2221
وسيأتي البحث فيه إن شاء الله. (١)
قوله: (وعن المُزابنة) تقدّم الكلام عليه في الحديث السابق.
قوله: (وعن بيع الثمرة) الثمر بفتح المثلّثة. أي: الرطب.
قوله: (حتى يبدو صلاحها) في رواية لهما: نهى النبي ﷺ عن بيع الثمر حتى يطيب. وفي رواية لهما من وجه آخر عن سعيد بن ميناء عن جابر بلفظ " نهى النّبىّ ﷺ أن تباع الثّمرة حتّى تشقّح. فقيل: ما تشقح؟ قال: تحمارّ وتصفارّ ويؤكل منها ".
قوله " حتّى تشقح " بضمّ أوّله من الرّباعيّ. يقال: أشقح ثمر النّخل إشقاحاً إذا احمرّ أو اصفرّ، والاسم الشّقح. بضمّ المعجمة وسكون القاف بعدها مهملةٌ، وذكره مسلمٌ من وجهٍ آخر عن جابرٍ بلفظ " حتّى تشقه " فأبدل من الحاء هاءً لقربها منها.
وقوله " فقيل: وما تشقح؟ " هذا التّفسير من قول سعيد بن ميناء راوي الحديث، بيّن ذلك أحمد في روايته لهذا الحديث عن بهز بن أسدٍ عن سليم بن حيّان , أنّه هو الذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك فأجابه بذلك، وكذلك أخرجه مسلمٌ من طريق بهز، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق عبد الرّحمن بن مهديٍّ عن سليم بن حيّان , فقال في روايته: قلت لجابرٍ: ما تشقح .. إلخ.
فظهر أنّ السّائل عن ذلك هو سعيدٌ، والذي فسّره هو جابرٌ.
стр. 2222
وقد أخرج مسلمٌ الحديث من طريق زيد بن أبي أنيسة عن أبي الوليد عن جابرٍ مطوّلاً وفيه " وأن يشتري النّخل حتّى يشقه، والإشقاء أن يحمرّ أو يصفرّ. أو يؤكل منه شيءٌ. وفي آخره. فقال زيدٌ: فقلت لعطاءٍ: أسمعت جابراً يذكر هذا عن النّبيّ ﷺ ؟ قال: نعم.
وهو يحتمل: أن يكون مراده بقوله هذا جميع الحديث فيدخل فيه التّفسير، ويحتمل: أن يكون مراده أصل الحديث لا التّفسير فيكون التّفسير من كلام الرّاوي، وقد ظهر من رواية ابن مهديٍّ أنّه جابرٌ. والله أعلم.
وممّا يقوّي كونه مرفوعاً وقوع ذلك في حديث أنسٍ أيضاً (١).
وفيه دليلٌ على أنّ المراد ببدوّ الصّلاح قدرٌ زائدٌ على ظهور الثّمرة، وسبب النّهي عن ذلك خوف الغرر لكثرة الجوائح فيها، وقد بيّن ذلك في حديث أنسٍ الماضي "
فإذا احمرّت وأُكل منها أمنت العاهة عليها " أي: غالباً.
وقوله " تحمارّ وتصفارّ " قال الخطّابيّ: لَم يرد بذلك اللون الخالص من الصّفرة والحمرة، وإنّما أراد حمرةً أو صفرةً بكمودةٍ فلذلك قال: تحمارّ وتصفارّ , قال: ولو أراد اللون الخالص لقال تحمرّ وتصفرّ.
وقال ابن التّين: التّشقيح تغيّر لونها إلى الصّفرة والحمرة، فأراد بقوله تحمارّ وتصفارّ ظهور أوائل الحمرة والصّفرة قبل أن تشبع، قال
стр. 2223
: وإنّما يقال تفعال في اللون الغير المتمكّن إذا كان يتلوّن.
وأنكر هذا بعض أهل اللغة وقال: لا فرق بين تحمرّ وتصفرّ وتحمارّ وتصفارّ، ويحتمل: أن يكون المراد المبالغة في احمرارها واصفرارها، كما تقرّر أنّ الزّيادة تدل على التّكثير والمبالغة.
قوله: (وأن لا تباع إلَّا بالدينار والدّرهم) قال ابن بطّال: إنّما اقتصر على الذّهب والفضّة لأنّهما جل ما يتعامل به النّاس، وإلا فلا خلاف بين الأمّة في جواز بيعه بالعروض يعني بشرطه.
قوله: (إلَّا العرايا) زاد الطحاوي " فإنّ رسول الله ﷺ رخّص فيها " أي: فيجوز بيع الرّطب فيها بعد أن يخرص ويعرف قدره بقدر ذلك من الثّمر كما سيأتي البحث فيه (١).
قال ابن المنذر: ادّعى الكوفيّون أنّ بيع العرايا منسوخ بنهيه ﷺ عن بيع الثّمر بالتّمر , وهذا مردود , لأنّ الذي روى النّهي عن بيع الثّمر بالتّمر هو الذي روى الرّخصة في العرايا فأثبت النّهي والرّخصة معاً.
قلت: ورواية سالم الماضية في البخاري تدل على أنّ الرّخصة في بيع العرايا وقع بعد النّهي عن بيع الثّمر بالتّمر، ولفظه عن ابن عمر مرفوعاً: ولا تبيعوا الثّمر بالتّمر. قال: وعن زيد بن ثابت , أنّه ﷺ رخّص بعد ذلك في بيع العريّة.
стр. 2224
وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرّخصة , فإنّها تكون بعد منعٍ، وكذلك بقيّة الأحاديث التي وقع فيها استثناء العرايا بعد ذكر بيع الثّمر بالتّمر.
стр. 2225
الحديث الحادي عشر
٢٦٧ - عن أبي مسعودٍ الأنصاريّ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغيّ، وحلوان الكاهن. (١)
الحديث الثاني عشر
٢٦٨ - عن رافع بن خديج ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: ثمن الكلب خبيثٌ، ومهر البغيّ خبيثٌ، وكسب الْحجّام خبيثٌ. (٢)
قوله: (نهى عن ثمن الكلب).
القول الأول: ظاهر النّهي تحريم بيعه، وهو عامّ في كل كلب معلَّماً كان أو غيره ممّا يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومِن لازم ذلك أن لا قيمة على مُتلِفه، وبذلك قال الجمهور.
القول الثاني: قال مالك: لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه، وعنه كالجمهور.
القول الثالث: وعن مالك كقول أبي حنيفة يجوز , وتجب القيمة.
القول الرابع: قال عطاء والنّخعيّ: يجوز بيع كلب الصّيد دون
стр. 2226
غيره , وروى أبو داود من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب , وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفّه تراباً. وإسناده صحيح.
وروى أيضاً بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة مرفوعاً: لا يحل ثمن الكلب , ولا حلوان الكاهن , ولا مهر البغيّ.
والعلة في تحريم بيعه عند الشّافعيّ نجاسته مطلقاً , وهي قائمة في المعلم وغيره، وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النّهي عن اتّخاذه والأمر بقتله , ولذلك خصّ منه ما أذن في اتّخاذه.
ويدل عليه حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلَّا كلب صيد. أخرجه النّسائيّ بإسنادٍ رجاله ثقات إلَّا أنّه طعن في صحّته.
وقد وقع في حديث ابن عمر عند ابن أبي حاتم بلفظ " نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضارياً " يعني ممّا يصيد. وسنده ضعيف، قال أبو حاتم: هو منكر.
وفي رواية لأحمد " نهى عن ثمن الكلب , وقال: طعمة جاهليّة " ونحوه للطّبرانيّ من حديث ميمونة بنت سعد.
وقال القرطبيّ: مشهور مذهب مالك جواز اتّخاذ الكلب وكراهية بيعه ولا يفسخ إن وقع، وكأنّه لَمَّا لَم يكن عنده نجساً وأذن في اتّخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشّرع نهى عن بيعه تنزيهاً لأنّه ليس من مكارم الأخلاق.
стр. 2227
قال: وأمّا تسويته في النّهي بينه وبين مهر البغيّ وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لَم يؤذن في اتّخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنّهي في هذه الثّلاثة في القدر المشترك من الكراهة أعمّ من التّنزيه والتّحريم، إذ كان واحد منهما منهيّاً عنه , ثمّ تؤخذ خصوصيّة كل واحد منهما من دليل آخر، فإنّا عرفنا تحريم مهر البغيّ وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرّد النّهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه إذ قد يعطف الأمر على النّهي والإيجاب على النّفي
قوله: (ومهر البغيّ) وهو ما تأخذه الزّانية على الزّنا. سمّاه مهراً مجازاً.
والبغيّ: بفتح الموحّدة وكسر المعجمة وتشديد التّحتانيّة. وهو فعيل بمعنى فاعلة , وجمع البغيّ بغايا، والبغاء بكسر أوّله الزّنا والفجور، وأصل البغاء الطّلب غير أنّه أكثر ما يستعمل في الفساد، يستوي في لفظه المذكّر والمؤنّث.
قال الكرمانيّ (١): وقيل وزنه فعول، لأنّ أصله بغوي أبدلت الواو ياء ثمّ كسرت الغين لأجل الياء التي بعدها.
واستُدل به على أنّ الأمة إذا أكرهت على الزّنا فلا مهر لها، وفي وجه للشّافعيّة يجب للسّيّد
стр. 2228
قوله: (وحلوان) وهو حرام بالإجماع لِمَا فيه من أخذ العوض على أمر باطل، وفي معناه التّنجيم والضّرب بالحصى وغير ذلك ممّا يتعاناه العرّافون من استطلاع الغيب.
والحلوان مصدر حلوته حلواناً إذا أعطيته، وأصله من الحلاوة شبّه بالشّيء الحلو من حيث إنّه يأخذه سهلاً بلا كلفة ولا مشقّة , يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو، والحلوان أيضاً الرّشوة، والحلوان أيضاً أخذ الرّجل مهر ابنته لنفسه.
قوله: (الكاهن) الكهانة بفتح الكاف ويجوز كسرها ادّعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيها استراق السّمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذن الكاهن.
والكاهن لفظ يطلق على العرّاف، والذي يضرب بالحصى، والمنجّم، ويطلق على من يقوم بأمرٍ آخر ويسعى في قضاء حوائجه.
وقال في " المحكم ": الكاهن القاضي بالغيب. وقال في " الجامع ": العرب تسمّي كل من أذن بشيءٍ قبل وقوعه كاهناً.
وقال الخطّابيّ: الكهنة قوم لهم أذهان حادّة ونفوس شرّيرة وطباع ناريّة، فألفتهم الشّياطين لِمَا بينهم من التّناسب في هذه الأمور، وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه.
وكانت الكهانة في الجاهليّة فاشية خصوصاً في العرب لانقطاع النّبوّة فيهم. وهي على أصناف:
الأول: ما يتلقّونه من الجنّ، فإنّ الجنّ كانوا يصعدون إلى جهة
стр. 2229
السّماء فيركب بعضهم بعضاً إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي يليه، إلى أن يتلقّاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه، فلمّا جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السّماء من الشّياطين، وأرسلت عليهم الشّهب، فبقي من استراقهم ما يتخطّفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشّهاب، إلى ذلك الإشارة بقوله تعالى (إلَّا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب).
وكانت إصابة الكهّان قبل الإسلام كثيرة جدّاً كما جاء في أخبار شقّ وسطيح ونحوهما، وأمّا في الإسلام فقد ندر ذلك جدّاً حتّى كاد يضمحل ولله الحمد.
ثانيها: ما يخبر الجنّيّ به من يواليه بما غاب عن غيره ممّا لا يطّلع عليه الإنسان غالباً، أو يطّلع عليه من قرب منه لا من بعد.
ثالثها: ما يستند إلى ظنّ وتخمين وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض النّاس قوّة مع كثرة الكذب فيه.
رابعها: ما يستند إلى التّجربة والعادة، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السّحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزّجر والطّرق والنّجوم، وكل ذلك مذموم شرعاً.
وورد في ذمّ الكهانة. ما أخرجه أصحاب السّنن وصحَّحه الحاكم من حديث أبي هريرة رفعه " من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه بما يقول , فقد كفر بما أنزل على محمّد " , وله شاهد من حديث جابر وعمران بن حصينٍ. أخرجهما البزّار بسندين جيّدين ولفظهما " من أتى كاهناً ".
стр. 2230
وأخرجه مسلم من حديث امرأة من أزواج النّبيّ ﷺ ومن الرّواة من سمّاها حفصة - بلفظ: من أتى عرّافاً. وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسندٍ جيّد، لكن لَم يصرّح برفعه، ومثله لا يقال بالرّأي، ولفظه: من أتى عرّافاً أو ساحراً أو كاهناً.
واتّفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة، إلَّا حديث مسلم فقال فيه: لَم يقبل لهما صلاة أربعين يوماً.
ووقع عند الطّبرانيّ من حديث أنس بسندٍ ليّن مرفوعاً بلفظ: من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول , فقد برئ ممّا أنزل على محمّد، ومن أتاه غير مصدّق له لَم تقبل صلاته أربعين يوماً.
والأحاديث الأُوَل مع صحّتها وكثرتها أولى من هذا، والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصّلاة وتارة بالتّكفير، فيحمل على حالين من الآتي. أشار إلى ذلك القرطبيّ
والعرّاف: بفتح المهملة وتشديد الرّاء من يستخرج الوقوف على المغيبات بضربٍ من فعل أو قول.
قوله في حديث رافع ﵁: (ثمن الكلب خبيثٌ، ومهر البغيّ خبيثٌ) تقدّم في الحديث الذي قبله
قوله: (وكسب الحجّام خبيثٌ)
اختلف العلماء في هذه المسألة.
القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنّه حلال.
стр. 2231
واحتجّوا بحديث ابن عبّاس في الصحيحين قال: احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجّام أجره , وللبخاري " ولو علم كراهية لَم يعطه " , ولمسلم " ولو كان سحتاً لَم يعطه النبي ﷺ ".
وقالوا: هو كسب فيه دناءة وليس بمحرّمٍ، فحملوا الزّجر عنه على التّنزيه.
ومنهم: من ادّعى النّسخ , وأنّه كان حراماً ثمّ أبيح. وجنح إلى ذلك الطّحاويّ، والنّسخ لا يثبت بالاحتمال.
القول الثاني: ذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحرّ والعبد. فكرهوا للحرّ الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها , ويجوز له الإنفاق على الرّقيق والدّوابّ منها وأباحوها للعبد مطلقاً.
وعمدتهم حديث محيّصة , أنّه سأل النّبيّ ﷺ عن كسب الحجّام فنهاه، فذكر له الحاجة. فقال: اعلفه نواضحك. أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السّنن. ورجاله ثقات.
وذكر ابن الجوزيّ: أنّ أجر الحجّام إنّما كره لأنّه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانة له عند الاحتياج له، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجراً.
وجمع ابن العربيّ بين قوله ﷺ " كسب الحجّام خبيث " وبين " إعطائه الحجّام أجرته " بأنّ محل الجواز ما إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، ويحمل الزّجر على ما إذا كان على عمل مجهول.
стр. 2232
باب العرايا وغير ذلك
هي جمع عريّةٍ , وهي عطيّة ثمر النّخل دون الرّقبة.
كان العرب في الجدب يتطوّع أهل النّخل بذلك على من لا ثمر له كما يتطوّع صاحب الشّاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطيّة اللبن دون الرّقبة، قاله حسّان بن ثابت فيما ذكر ابن التّين , وقال غيره: هي لسويد بن الصّلت:
ليست بسنهاءٍ ولا رجبيّةٍ ... ولكن عرايا في السّنين الجوائح
ومعنى " سنهاء " أن تحمل سنةً دون سنة , و " الرّجبيّة " التي تدعم حين تميل من الضّعف، والعريّة فعيلة بمعنى مفعولة أو فاعلة.
يقال: عرّى النّخل بفتح العين والرّاء بالتّعدية يعروها إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها. وتبقى رقبتها لمعطيها.
ويقال: عريت النّخل بفتح العين وكسر الرّاء تعرى على أنّه قاصرٌ , فكأنّها عريت عن حكم أخواتها واستثبتت بالعطيّة.
стр. 2233
الحديث الثالث عشر
٢٦٩ - عن زيد بن ثابتٍ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ رخّص لصاحب العريّة أن يبيعها بخرصها. (١)
ولمسلم: بخرصها تمراً، يأكلونها رُطباً. (٢)
قوله: (عن زيد بن ثابتٍ ﵁) بن الضحاك بن زيد بن لوذان من بني مالك بن النجار. كاتب الوحي , وأحد فقهاء الصحابة. مات سنة خمس وأربعين (٣).
стр. 2234
قوله: (رخّص لصاحب العريّة) بفتح المهملة وكسر الرّاء وتشديد التّحتانيّة الجمع عرايا، وقد ذكرنا تفسيرها لغة.
وللشيخين من رواية سالم عن أبيه عن زيد بن ثابتٍ , أنّ رسول الله ﷺ رخّص بعد ذلك في بيع العريّة بالرّطب أو بالتّمر، ولَم يرخّص في غيره.
قوله " رخّص بعد ذلك " أي: بعد النّهي عن بيع التّمر بالثّمر.
وهذا من أصرح ما ورد في الرّدّ على من حمل من الحنفيّة النّهي عن بيع الثّمر بالتّمر على عمومه , ومنع أن يكون بيع العرايا مستثنىً منه , وزعم أنّهما حكمان مختلفان وردا في سياقٍ واحدٍ.
وكذلك من زعم منهم كما حكاه ابن المنذر عنهم , أنّ بيع العرايا منسوخ بالنّهي عن بيع الثّمر بالتّمر , لأنّ المنسوخ لا يكون بعد النّاسخ.
قوله " بالرّطب أو بالتّمر " كذا عند البخاريّ ومسلم من رواية عقيل عن الزّهريّ عن سالم بلفظ " أو ".
стр. 2235
وهي محتملةٌ أن تكون للتّخيير , وأن تكون للشّكّ.
وأخرجه النّسائيّ والطّبرانيّ من طريق صالح بن كيسان , والبيهقيّ من طريق الأوزاعيّ كلاهما عن الزّهريّ بلفظ " بالرّطب وبالتّمر , ولَم يرخّص في غير ذلك ". هكذا ذكره بالواو , وهذا يؤيّد كون " أو " بمعنى التّخيير لا الشّكّ بخلاف ما جزم به النّوويّ.
وكذلك أخرجه أبو داود من طريق الزّهريّ أيضاً عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه. وإسناده صحيح، وليس هو اختلافاً على الزّهريّ , فإنّ ابن وهبٍ رواه عن يونس عن الزّهريّ بالإسنادين. أخرجهما النّسائيّ وفرّقهما.
وإذا ثبتت هذه الرّواية , كانت فيها حجّة للوجه الصّائر إلى جواز بيع الرّطب المخروص على رءوس النّخل بالرّطب المخروص أيضاً على الأرض , وهو رأي ابن خيران من الشّافعيّة.
وقيل: لا يجوز , وهو رأي الإصطخريّ وصحَّحه جماعة.
وقيل: إن كانا نوعاً واحداً لَم يجز إذ لا حاجة إليه، وإن كان نوعين جاز , وهو رأي أبي إسحاق وصحَّحه ابن أبي عصرون.
وهذا كلّه فيما إذا كان أحدهما على النّخل والآخر على الأرض.
وقيل: ومثله ما إذا كانا معاً على النّخل.
وقيل: إنّ محله فيما إذا كانا نوعين.
وفي ذلك فروعٌ أخر يطول ذكرها. وصرّح الماورديّ بإلحاق البسر في ذلك بالرّطب.
стр. 2236
قوله: (أن يبيعها بخرصها) زاد الطّبرانيّ عن عليّ بن عبد العزيز عن القعنبيّ - شيخ البخاريّ فيه - عن مالك عن نافع " كيلاً " ومثله للبخاري من رواية موسى بن عقبة عن نافع، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالكٍ فقال " بخرصها من التّمر " , ونحوه للبخاري من رواية يحيى بن سعيد عن نافعٍ في كتاب الشّرب.
ولمسلمٍ من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد بلفظ: رخّص في العريّة يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً. ومن طريق الليث عن يحيى بن سعيد بلفظ " رخّص في بيع العريّة بخرصها تمراً ".
قال يحيى: العريّة أن يشتري الرّجل تمر النّخلات بطعام أهله رطباً بخرصها تمراً.
وهذه الرّواية تبيّن أنّ في رواية سليمان إدراجاً، وأخرجه الطّبرانيّ من طريق حمّاد بن سلمة عن أيّوب وعبيد الله بن عمر عن نافعٍ بلفظ: رخّص في العرايا، النّخلة والنّخلتان يوهبان للرّجل فيبيعهما بخرصهما تمراً. زاد فيه " يوهبان للرّجل " وليس بقيدٍ عند الجمهور. كما سيأتي شرحه.
واختلف في المراد بالعرية شرعاً.
فقال مالك: العريّة أن يعري الرّجل الرّجل النّخلة , ثمّ يتأذّى بدخوله عليه فرخّص له - أي للواهب - أن يشتريها منه بتمر ". رواه ابن عبد البرّ من طريق ابن وهبٍ عن مالك.
стр. 2237
وروى الطّحاويّ من طريق ابن نافع عن مالكٍ: أنّ العريّة النّخلة للرّجل في حائط غيره، وكانت العادة أنّهم يخرجون بأهليهم في وقت الثّمار إلى البساتين فيكره صاحب النّخل الكثير دخول الآخر عليه فيقول له: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمراً فرخّص له في ذلك.
ومن شرط العريّة عند مالك.
أولاً. أنّها لا تكون بهذه المعاملة إلَّا مع المُعرَى خاصّةً لِما يدخل على المالك من الضّرر بدخول حائطه، أو ليدفع الضّرر عن الآخر بقيام صاحب النّخل بالسّقي والكلف.
ثانياً. أن يكون البيع بعد بدوّ الصّلاح.
ثالثاً. أن يكون بتمر مؤجّل.
وخالفه الشّافعيّ في الشّرط الأخير , فقال: يشترط التّقابض.
وروى الإمام أحمد في حديث سفيان بن حسين عن الزّهريّ عن سالمٍ عن أبيه عن زيد بن ثابت مرفوعاً في العرايا , قال سفيان بن حسين: العرايا نخلٌ كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها. فرخّص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التّمر. وهذه إحدى الصّور الآتية.
واحتجّ لمالكٍ في قصر العريّة على ما ذكره بحديث سهل بن أبي حثمة عند البخاري , أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثّمر بالتّمر، ورخّص في العريّة أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً.
فتمسّك بقوله " أهلها " والظّاهر أنّه الذي أعراها , ويحتمل: أن
стр. 2238
يراد بالأهل من تصير إليه بالشّراء.
والأحسن في الجواب: أنّ حديث سهل دلَّ على صورة من صور العريّة , وليس فيه التّعرّض لكون غيرها ليس عريّة , وحكي عن الشّافعيّ تقييدها بالمساكين على ما في حديث سفيان بن حسين وهو اختيار المزنيّ.
وأنكر الشّيخ أبو حامد نقله عن الشّافعيّ، ولعل مستند من أثبته ما ذكره الشّافعيّ في " اختلاف الحديث " عن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ قال: فلان وأصحابه شكوا إلى رسول الله ﷺ , أنّ الرّطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا فضّة يشترون بها منه وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم، فرخّص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التّمر يأكلونها رطباً.
قال الشّافعيّ: وحديث سفيان يدل لهذا، فإنّ قوله " يأكله أهلها رطباً " يشعر بأنّ مشتري العريّة يشتريها ليأكلها وأنّه ليس له رطبٌ يأكله غيرها، ولو كان المرخّص له في ذلك صاحب الحائط يعني كما قال مالك , لكان لصاحب الحائط في حائطه من الرّطب ما يأكله غيرها ولَم يفتقر إلى بيع العريّة.
وقال ابن المنذر: هذا الكلام لا أعرف أحداً ذكره غير الشّافعيّ.
وقال السّبكيّ: هذا الحديث لَم يذكر الشّافعيّ إسناده، وكلّ من ذكره إنّما حكاه عن الشّافعيّ، ولَم يجد البيهقيّ في " المعرفة " له إسناداً، قال: ولعل الشّافعيّ أخذه من السّير، يعني سير الواقديّ.
стр. 2239
قال: وعلى تقدير صحّته فليس فيه حجّة للتّقييد بالفقير , لأنّه لَم يقع في كلام الشّارع وإنّما ذكره في القصّة.
فيحتمل: أن تكون الرّخصة وقعت لأجل الحاجة المذكورة.
ويحتمل: أن يكون للسّؤال فلا يتمّ الاستدلال مع إطلاق الأحاديث المنصوصة من الشّارع.
وقد اعتبر هذا القيد الحنابلة مضموماً إلى ما اعتبره مالك، فعندهم لا تجوز العريّة إلَّا لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو لحاجة المشتري إلى الرّطب.
ثمّ إنّ صور العريّة كثيرة:
منها: أن يقول الرّجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلاتٍ بأعيانها بخرصها من التّمر. فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التّمر ويسلم إليه النّخلات بالتّخلية فينتفع برطبها.
ومنها: أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلاتٍ معلومة من حائطه، ثمّ يتضرّر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمرٍ يعجّله له.
ومنها: أن يهبه إيّاها فيتضرّر الموهوب له بانتظار صيرورة الرّطب تمراً ولا يحبّ أكلها رطباً لاحتياجه إلى التّمر فيبيع ذلك الرّطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمرٍ يأخذه معجّلاً.
ومنها: أن يبيع الرّجل تمر حائطه بعد بدوّ صلاحه , ويستثني منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عفّ له عن خرصها
стр. 2240
في الصّدقة.
وسمّيت عرايا لأنّها أعريت من أن تخرص في الصّدقة فرخّص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التّمر من رطب تلك النّخلات بخرصها.
ومنها: أن يعري رجلاً تمر نخلاتٍ يبيح له أكلها والتّصرّف فيها، وهذه هبة مخصوصة.
ومنها: أن يعري عامل الصّدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصّدقة.
وهاتان الصّورتان من العرايا لا يبيع فيها.
وجميع هذه الصّور صحيحة عند الشّافعيّ والجمهور.
وقصر مالك العريّة في البيع على الصّورة الثّانية، وقصرها أبو عبيد على الصّورة الأخيرة من صور البيع , وزاد أنّه رخّص لهم أن يأكلوا الرّطب ولا يشتروه لتجارة ولا ادّخار.
ومنع أبو حنيفة صور البيع كلّها وقصر العريّة على الهبة، وهو أن يُعري الرّجل تمر نخلة من نخله ولا يسلم ذلك له , ثمّ يبدو له في ارتجاع تلك الهبة فرخّص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرّطب بخرصه تمراً، وحمله على ذلك أخذه بعموم النّهي عن بيع الثّمر بالتّمر.
стр. 2241
وتعقّب: بالتّصريح باستثناء العرايا في حديث ابن عمر كما تقدّم (١) وفي حديث غيره.
وحكى الطّحاويّ عن عيسى بن أبان من أصحابهم: أنّ معنى الرّخصة أنّ الذي وهبت له العريّة لَم يملكها , لأنّ الهبة لا تملك إلَّا بالقبض، فلمّا جاز له أن يعطي بدلها تمراً - وهو لَم يملك المبدل منه حتّى يستحقّ البدل - كان ذلك مستثنىً , وكان رخصة.
وقال الطّحاويّ: بل معنى الرّخصة فيه أنّ المرء مأمورٌ بإمضاء ما وعد به ويعطي بدله ولو لَم يكن واجباً عليه، فلمّا أذن له أن يحبس ما وعد به ويعطي بدله ولا يكون في حكم من أخلف وعده ظهر بذلك معنى الرّخصة.
واحتجّ لمذهبه بأشياء تدل على أنّ العريّة العطيّة. ولا حجّة في شيءٍ منها , لأنّه لا يلزم من كون أصل العريّة العطيّة أن لا تطلق العريّة شرعاً على صورٍ أخرى.
قال ابن المنذر: الذي رخّص في العريّة هو الذي نهى عن بيع الثّمر بالتّمر في لفظٍ واحدٍ من رواية جماعةٍ من الصّحابة، قال: ونظير ذلك الإذن في السّلم مع قوله ﷺ : لا تبع ما ليس عندك ".
قال: فمن أجاز المُسلَم مع كونه مستثنىً من بيع ما ليس عندك ومنع العريّة مع كونها مستثناةً من بيع الثّمر بالتّمر فقد تناقض.
стр. 2242
وأمّا حملهم الرّخصة على الهبة فبعيدٌ مع تصريح الحديث بالبيع واستثناء العرايا منه، فلو كان المراد الهبة لَمَا استثنيت العريّة من البيع، ولأنّه عبّر بالرّخصة والرّخصة لا تكون إلَّا بعد ممنوع , والمنع إنّما كان في البيع لا الهبة , وبأنّ الرّخصة قيّدت بخمسة أوسق أو ما دونها والهبة لا تتقيّد , لأنّهم لَم يفرّقوا في الرّجوع في الهبة بين ذي رحمٍ وغيره، وبأنّه لو كان الرّجوع جائزاً فليس إعطاؤه بالتّمر بدل الرّطب , بل هو تجديد هبة أخرى فإنّ الرّجوع لا يجوز فلا يصحّ تأويلهم.
تكميل: قال البخاري قبل إيراد حديث الباب " باب الرّجل يكون له ممرٌّ، أو شربٌ في حائطٍ أو في نخلٍ. قال النّبىّ ﷺ : من باع نخلاً بعد أن تؤبّر فثمرتها للبائع " (١) فللبائع الممرّ والسّقي حتّى يرفع , وكذلك ربّ العريّة.
قال ابن المنير: وجه دخول هذه التّرجمة في الفقه: التّنبيه على إمكان اجتماع الحقوق في العين الواحدة، هذا له الملك وهذا له الانتفاع، وهو مأخوذٌ من استحقاق البائع الثّمرة دون الأصل فيكون له حقّ الاستطراق لاقتطافها في أرضٍ مملوكةٍ لغيره، وكذلك صاحب العريّة.
قال: وعندنا خلافٌ فيمن يسقي العريّة، هل هو على الواهب أو الموهوبة له؟ وكذلك سقي الثّمرة المستثناة في البيع قيل على البائع ,
стр. 2243
وقيل على المشتري، فلا تغترّ بنقل ابن بطّالٍ الإجماع في ذلك. انتهى
стр. 2244
الحديث الرابع عشر
٢٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ النبيّ ﷺ رخّص في بيع العرايا في خمسة أوسقٍ، أو دون خمسة أوسقٍ (١).
قوله: (رخّص) كذا للأكثر بالتّشديد وللكشميهنيّ " أرخص ".
قوله: (في بيع العرايا) أي في بيع ثمر العرايا لأنّ العريّة هي النّخلة والعرايا جمع عريّة كما تقدّم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
قوله: (في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق) شكّ من الرّاوي، بيّن مسلم في روايته أنّ الشّكّ فيه من داود بن الحصين، وللبخاري من وجهٍ آخر عن مالك مثله.
وذكر ابن التّين تبعاً لغيره: أنّ داود تفرّد بهذا الإسناد , قال: وما رواه عنه إلَّا مالك بن أنس.
والوسق ستّون صاعاً بالاتفاق. كما تقدّم في الزكاة (٢) وقد اعتبر مَن قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا العدد ومنعوا ما زاد عليه.
واختلفوا في جواز الخمسة لأجل الشّكّ المذكور.
стр. 2245
والخلاف عند المالكيّة والشّافعيّة، والرّاجح عند المالكيّة الجواز في الخمسة فما دونها، وعند الشّافعيّة الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة، وهو قول الحنابلة وأهل الظّاهر.
فمأخذ المنع: أنّ الأصل التّحريم وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقّق منه الجواز ويلغي ما وقع فيه الشّكّ.
وسبب الخلاف: أنّ النّهي عن بيع المزابنة , هل ورد متقدّماً ثمّ وقعت الرّخصة في العرايا، أو النّهي عن بيع المزابنة وقع مقروناً بالرّخصة في بيع العرايا؟
فعلى الأوّل: لا يجوز في الخمسة للشّكّ في رفع التّحريم.
وعلى الثّاني: يجوز للشّكّ في قدر التّحريم، ويرجّح الأوّل رواية سالمٍ المذكورة في الحديث قبله.
واحتجّ بعض المالكيّة: بأنّ لفظة " دون " صالحةٌ لجميع ما تحت الخمسة، فلو عملنا بها للزم رفع هذه الرّخصة.
وتعقّب: بأنّ العمل بها ممكنٌ بأن يحمل على أقل ما تصدّق عليه , وهو المفتى به في مذهب الشّافعيّ.
وقد روى التّرمذيّ حديث الباب من طريق زيد بن الحباب عن مالكٍ عن داود عن أبي سفيان عن أبي هريرة بلفظ " أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق " ولَم يتردّد في ذلك.
وزعم المازريّ: أنّ ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق لوروده في حديث جابر من غير شكٍّ فيه فتعيّن طرح الرّواية التي وقع