تقولها العرب: افعل كذا والله يغفر لك ". ولأحمد , قال سليمان - يعني بعض رواته -: فلا أدري كم من مرّة. يعني قال له: والله يغفر لك.
وللنّسائيّ من طريق أبي الزّبير عن جابر: استغفَرَ لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمساً وعشرين مرّة. وفي رواية وهب بن كيسان عن جابر عند أحمد " أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: بل أهبه لك. قال: لا، ولكن بعنيه ".
وفي كلّ ذلك ردّ لقول ابن التّين: إنّ قوله " لا " ليس بمحفوظٍ في هذه القصّة.
قوله: (ثم قال: بعنيه، فبعته بأوقيّةٍ) في رواية زكريا " بعنيه بوقيّةٍ " وفي رواية سالم عن جابر عند أحمد " فقال بعنيه، قلت: هو لك، قال: قد أخذته بوقيّةٍ ".
ولابن سعد وأبي عوانة من هذا الوجه " فلمّا أكثر عليّ قلت: إنّ لرجلٍ عليّ أوقيّة من ذهب هو لك بها، قال: نعم ".
وقال أبو إسحاق عن سالم عن جابر " بمائتي درهم " , وفي رواية أبي نضرة عن جابر " اشتراه بعشرين ديناراً " رواه ابن ماجه من طريق الجريريّ عنه بلفظ " فما زال يزيدني ديناراً ديناراً حتّى بلغ عشرين ديناراً " وأخرجه مسلم والنّسائيّ من طريق أبي نضرة فأبهم الثّمن.
والوقيّة من الفضّة كانت في عُرف ذلك الزّمان أربعين درهماً.
وفي عُرف النّاس بعد ذلك عشرة دراهم.
стр. 2312
وفي عُرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهماً.
وفي رواية ابن إسحاق عن وهب عند أحمد وأبي يعلى والبزّار مطوّلة. وفيها , قال: قد أخذته بدرهمٍ، قلت: إذاً تغبنني يا رسولَ الله، قال: فبدرهمين؟ قلت: لا، فلم يزل يرفع لي حتّى بلغ أوقيّة. الحديث.
وكذا عبيد الله عن وهب عند البخاري " فاشتراه منّي بأوقية ". وتابعه زيد بن أسلم عن جابر في ذكر الأوقيّة. عند البيهقيّ.
وللبخاري من رواية ابن جريجٍ عن عطاء وغيره عن جابر: أخذته بأربعة دنانير ".
وقال البخاري: وهذا يكون أوقيّة على حساب الدّينار بعشرةٍ. انتهى
قصَد به الجمع بين الرّوايتين، وهو كما قال بناء على أنّ المراد بالأوقيّة. أي: من الفضّة وهي أربعون درهماً.
وقوله: " الدّينار " مبتدأ , وقوله: " بعشرة " خبره. أي: دينار ذهب بعشرة دراهم فضّة.
ونسب شيخنا ابن الملقّن هذا الكلام إلى رواية عطاء , ولَم أر ذلك في شيء من الطّرق لا في البخاريّ ولا في غيره، وإنّما هو من كلام البخاريّ.
قال البخاري: ولَم يبيّن الثّمن مغيرة عن الشّعبيّ عن جابر، وابن المنكدر وأبو الزّبير عن جابر. انتهى
стр. 2313
قوله " وابن المنكدر " معطوف على مغيرة، وأراد أنّ هؤلاء الثّلاثة لَم يعيّنوا الثّمن في روايتهم.
فأمّا رواية مغيرة ففي البخاري , وليس فيها ذكر الثّمن، وكذا أخرجه مسلم والنّسائيّ وغيرهما.
وأمّا ابن المنكدر , فوصله الطّبرانيّ. وليس فيه التّعيين أيضاً.
وأمّا أبو الزّبير فوصله النّسائيّ. ولَم يعيّن الثّمن، لكن أخرجه مسلم فعيّن الثّمن. ولفظه " فبعته منه بخمس أواقٍ، قلت: على أنّ لي ظهره إلى المدينة " وكذلك أخرجه ابن سعد، وروّيناه في " فوائد تمّام " من طريق سلمة بن كهيل عن أبي الزّبير فقال فيه: " أخذته منك بأربعين درهماً ".
قال البخاري: وقول الشّعبيّ: بأوقيّةٍ أكثر. انتهى
أي: موافقة لغيره من الأقوال، والحاصل من الرّوايات أوقيّة وهي رواية الأكثر، وأربعة دنانير وهي لا تخالفها كما تقدّم، وأوقيّة ذهب وأربع أواقٍ وخمس أواقٍ ومائتا درهم وعشرون ديناراً. هذا ما ذكر البخاري.
ووقع عند أحمد والبزّار من رواية عليّ بن زيد عن أبي المتوكّل " ثلاثة عشر ديناراً ".
وقد جمع عياض وغيره بين هذه الرّوايات , فقال: سبب الاختلاف أنّهم رووا بالمعنى، والمراد أوقيّة الذّهب، والأربع أواقٍ والخمس بقدر ثمن الأوقيّة الذّهب، والأربعة دنانير مع العشرين ديناراً محمولة
стр. 2314
على اختلاف الوزن والعدد، وكذلك رواية الأربعين درهماً مع المائتي درهم، قال: وكأنّ الإخبار بالفضّة عمّا وقع عليه العقد، وبالذّهب عمّا حصل به الوفاء أو بالعكس. انتهى ملخّصاً.
وقال الدّاوديّ: المراد أوقيّة ذهب، ويحمل عليها قول من أطلق، ومَن قال خمس أواقٍ أو أربع أراد من فضّة وقيمتها يومئذٍ أوقيّة ذهب.
قال: ويحتمل أن يكون سبب الاختلاف ما وقع من الزّيادة على الأوقيّة، ولا يخفى ما فيه من التّعسّف.
قال القرطبيّ: اختلفوا في ثمن الجمل اختلافاً لا يقبل التّلفيق، وتكلّف ذلك بعيد عن التّحقيق، وهو مبنيّ على أمر لَم يصحّ نقله , ولا استقام ضبطه، مع أنّه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنّما تحصّل من مجموع الرّوايات أنّه باعه البعير بثمنٍ معلوم بينهما , وزاده عند الوفاء زيادة معلومة، ولا يضرّ عدم العلم بتحقيق ذلك.
قال الإسماعيليّ: ليس اختلافهم في قدر الثّمن بضارٍّ، لأنّ الغرض الذي سبق الحديث لأجله بيان كرمه ﷺ وتواضعه وحنوّه على أصحابه وبركة دعائه وغير ذلك، ولا يلزم من وهْم بعضهم في قدر الثّمن توهينه لأصل الحديث.
قلت: وما جنح إليه البخاريّ من التّرجيح أقعد، وبالرّجوع إلى التّحقيق أسعد، فليعتمد ذلك. وبالله التّوفيق.
قوله: (واستثنيت حُملانه إلى أهلي) الْحُملان بضمّ المهملة الحمل
стр. 2315
والمفعول محذوف، أي: استثنيت حمله إيّاي، وقد رواه الإسماعيليّ بلفظ " واستثنيت ظهره إلى أن نقدم ". ولأحمد من طريق شريك عن مغيرة " اشترى منّي بعيراً على أن يفقرني ظهره سفري ذلك ".
وللبيهقي من رواية يحيى بن أبي كثير عن شعبة عن مغيرة " أفقرني ظهره " بتقديم الفاء على القاف. أي: حملني على فقاره، والفقار عظام الظّهر.
وفي رواية إسحاق بن إبراهيم عن جرير عن مغيرة: فبعته على أنّ لي فقار ظهره حتّى أبلغ المدينة " وهذه الرّواية في البخاري، وهي دالة على الاشتراط، بخلاف رواية شعبة عن مغيرة فإنّها لا تدلّ عليه، وقد رواه أبو عوانة عن مغيرة عند النّسائيّ بلفظٍ محتمل قال فيه: " قال: بعنيه ولك ظهره حتّى تقدم ".
ووافق زكريّا على ذكر الاشتراط فيه يسارٌ عن الشّعبيّ , أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " بلفظ " فاشترى منّي بعيراً على أنّ لي ظهره حتّى أقدم المدينة.
وللبخاري عن عطاء وغيره عن جابر ولفظه " قال: بعنيه، قلت: هو لك، قال: قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة " وليس فيها أيضاً دلالة على الاشتراط.
وللبيهقيّ من طريق المنكدر بن محمّد بن المنكدر عن أبيه عن جابر: شرط لي ظهره إلى المدينة " ورواه الطّبرانيّ من طريق عثمان بن محمّد الأخنسيّ عن محمّد بن المنكدر بلفظ " فبعته إيّاه وشرطته - أي ركوبه
стр. 2316
- إلى المدينة ".
وللطّبرانيّ والبيهقيّ من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جابر: ولك ظهره حتّى ترجع " وقال أبو الزّبير عن جابر: أفقرناك ظهره إلى المدينة " رواه البيهقيّ من طريق حمّاد بن زيد عن أيّوب عن أبي الزّبير به.
وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ " فبعته منه بخمس أواقٍ، قلت: على أنّ لي ظهره إلى المدينة؟ قال: ولك ظهره إلى المدينة " وللنّسائيّ من طريق ابن عيينة عن أيّوب قال: قد أخذته بكذا وكذا. وقد أعرتك ظهره إلى المدينة.
وقال الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر " تبلغ به إلى أهلك " رواه أحمد ومسلم وعبد بن حميدٍ وغيرهم. وهذا لفظ عبد بن حميدٍ، ولفظ ابن سعد والبيهقيّ " تبلغ عليه إلى أهلك ".
ولفظ مسلم " فتبلغ عليه إلى المدينة " ولفظ أحمد " قد أخذته بوقيّةٍ، اركبه، فإذا قدمت فائتنا به " وهي متقاربة.
قال البخاري: الاشتراط أكثر وأصحّ عندي. انتهى
أي: أكثر طرقاً وأصحّ مخرجاً.
وأشار بذلك إلى أنّ الرّواة اختلفوا عن جابر في هذه الواقعة. هل وقع الشّرط في العقد عند البيع , أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحةً من النّبيّ ﷺ بعد شرائه على طريق العارية؟.
وأصرح ما وقع في ذلك رواية النّسائيّ المذكورة، لكن اختلف فيها
стр. 2317
حمّاد بن زيد وسفيان بن عيينة، وحمّاد أعرف بحديث أيّوب من سفيان.
والحاصل أنّ الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عدداً من الذين خالفوهم , وهذا وجه من وجوه التّرجيح فيكون أصحّ.
ويترجّح أيضاً: بأنّ الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهم حفّاظ فتكون حجّة.
وليس رواية من لَم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره، لأنّ قوله " لك ظهره " و " أفقرناك ظهره " و " تبلغ عليه " لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك.
وقد رواه عن جابر بمعنى الاشتراط أيضاً أبو المتوكّل عند أحمد. ولفظه " فبعني ولك ظهره إلى المدينة " لكن أخرجه البخاري من طريق أخرى عن أبي المتوكّل , فلم يتعرّض للشّرط إثباتاً ولا نفياً، ورواه أحمد من هذا الوجه بلفظ " أتبيعني جملك؟ قلت: نعم. قال: أقدم عليه المدينة ".
ورواه أحمد من طريق أبي هبيرة عن جابر بلفظ " فاشترى منّي بعيراً فجعل لي ظهره حتّى أقدم المدينة " ورواه ابن ماجه وغيره من طريق أبي نضرة عن جابر بلفظ " فقلت: يا رسولَ الله هو ناضحك إذا أتيت المدينة ".
ورواه أيضاً عن جابر نبيح العنزيّ عند أحمد , فلم يذكر الشّرط ولفظه " قد أخذته بوقيّةٍ، قال: فنزلت إلى الأرض فقال: مالك؟
стр. 2318
قلت: جملك. قال: اركب، فركبت حتّى أتيت المدينة ".
ورواه أيضاً من طريق وهب بن كيسان عن جابر فلم يذكر الشّرط. قال فيه " حتّى بلغ أوقيّة، قلت: قد رضيت؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: قد أخذته. ثمّ قال: يا جابر هل تزوّجت؟ " الحديث.
وما جنح إليه البخاري من ترجيح رواية الاشتراط. هو الجاري على طريقة المحقّقين من أهل الحديث , لأنّهم لا يتوقّفون عن تصحيح المتن إذا وقع فيه الاختلاف إلَّا إذا تكافأت الرّوايات، وهو شرط الاضطراب الذي يُردّ به الخبر، وهو مفقود هنا مع إمكان التّرجيح.
قال ابن دقيق العيد: إذا اختلفت الرّوايات , وكانت الحجّة ببعضها دون بعض توقّف الاحتجاج بشرط تعادل الرّوايات، أمّا إذا وقع التّرجيح لبعضها بأن تكون رواتها أكثر عدداً أو أتقن حفظاً فيتعيّن العمل بالرّاجح، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التّمسّك بالرّاجح.
وقد جنح الطّحاويّ إلى تصحيح الاشتراط , لكن تأوّله: بأنّ البيع المذكور لَم يكن على الحقيقة لقوله في آخره " أتراني ماكستك إلخ ".
قال: فإنّه يشعر بأنّ القول المتقدّم لَم يكن على التّبايع حقيقة.
وردّه القرطبيّ: بأنّه دعوى مجرّدة وتغيير وتحريف لا تأويل.
قال: وكيف يصنع قائله في قوله: " بعته منك بأوقيّةٍ " بعد المساومة؟ وقوله: " قد أخذته " وغير ذلك من الألفاظ المنصوصة
стр. 2319
في ذلك.
واحتجّ بعضهم: بأنّ الرّكوب إن كان من مال المشتري فالبيع فاسد , لأنّه شرط لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كان من ماله ففاسد , لأنّ المشتري لَم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنّما ملكها لأنّها طرأت في ملكه.
وتعقّب: بأنّ المنفعة المذكورة قدّرت بقدرٍ من ثمن المبيع , ووقع البيع بما عداها، ونظيره من باع نخلاً قد أبّرت واستثنى ثمرتها، والممتنع إنّما هو استثناء شيء مجهول للبائع والمشتري، أمّا لو علماه معاً فلا مانع، فيحمل ما وقع في هذه القصّة على ذلك.
وأغرب ابن حزم: فزعم أنّه يؤخذ من الحديث أنّ البيع لَم يتمّ , لأنّ البائع بعد عقد البيع مخيّر قبل التّفرّق، فلمّا قال في آخره " أتراني ماكستك " دلَّ على أنّه كان اختار ترك الأخذ، وإنّما اشترط لجابرٍ ركوب جمل نفسه، فليس فيه حجّة لمن أجاز الشّرط في البيع.
ولا يخفى ما في هذا التّأويل من التّكلف.
وقال الإسماعيليّ: قوله " ولك ظهره " وعدٌ قام مقام الشّرط , لأنّ وعده لا خلف فيه وهبته لا رجوع فيها لتنزيه الله تعالى له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ لبعض الرّواة أن يعبّر عنه بالشّرط، ولا يلزم أن يجوز ذلك في حقّ غيره.
وحاصله: أنّ الشّرط لَم يقع في نفس العقد وإنّما وقع سابقاً أو لاحقاً، فتبرّع بمنفعته أوّلاً كما تبرّع برقبته آخراً.
стр. 2320
ووقع في كلام القاضي أبي الطّيّب الطّبريّ من الشّافعيّة , أنّ في بعض طرق هذا الخبر " فلمّا نقدني الثّمن شرطت حملاني إلى المدينة " واستدلَّ بها على أنّ الشّرط تأخّر عن العقد.
لكن لَم أقف على الرّواية المذكورة، وإن ثبتت فيتعيّن تأويلها على أنّ معنى " نقدني الثّمن " أي: قرّره لي واتّفقا على تعيينه، لأنّ الرّوايات الصّحيحة صريحة في أنّ قبضه الثّمن إنّما كان بالمدينة.
وكذلك يتعيّن تأويل رواية الطّحاويّ " أتبيعني جملك هذا إذا قدمنا المدينة بدينارٍ " الحديث، فالمعنى أتبيعني بدينارٍ أُوفيكه إذا قدمنا المدينة.
وقال المُهلَّب (١): ينبغي تأويل ما وقع في بعض الرّوايات من ذكر الشّرط على أنّه شرطُ تفضِّل لا شرط في أصل البيع ليوافق رواية من روى " أفقرناك ظهره " و " أعرتك ظهره " وغير ذلك ممّا تقدّم.
قال: ويؤيّده أنّ القصّة جرت كلّها على وجه التّفضّل والرّفق بجابرٍ، ويؤيّده أيضاً قول جابر " هو لك، قال: لا بل بعنيه " فلم يقبل منه إلَّا بثمنٍ رفقاً به.
وسبق الإسماعيليُّ إلى نحو هذا، وزعم: أنّ النّكتة في ذكر البيع , أنّه ﷺ أراد أن يبرّ جابراً على وجه لا يحصل لغيره طمع في مثله ,
стр. 2321
فبايعه في جمله على اسم البيع ليتوفّر عليه برّه , ويبقى البعير قائماً على ملكه فيكون ذلك أهنأ لمعروفه.
قال: وعلى هذا المعنى أمره بلالاً أن يزيده على الثّمن زيادة مهمّة في الظّاهر، فإنّه قصد بذلك زيادة الإحسان إليه من غير أن يحصل لغيره تأميل في نظير ذلك.
وتعقّب: بأنّه لو كان المعنى ما ذكر لكان الحال باقياً في التّأميل المذكور عند ردّه عليه البعير المذكور والثّمن معاً.
وأجيب: بأنّ حالة السّفر غالباً تقتضي قلة الشّيء بخلاف حالة الحضر فلا مبالاة عند التّوسعة من طمع الآمل.
وأقوى هذه الوجوه في نظري ما تقدّم نقله عن الإسماعيليّ من أنّه وعْدٌ حلَّ محلّ الشّرط.
وأبدى السّهيليّ في قصّة جابر مناسبة لطيفة غير ما ذكره الإسماعيليّ، ملخّصها: أنّه ﷺ لَمَّا أخبر جابراً بعد قتل أبيه بأُحدٍ أنّ الله أحياه. وقال: ما تشتهي فأزيدك. أكّد ﷺ الخبر بما يشتهيه فاشترى منه الجمل - وهو مطيّته - بثمنٍ معلوم، ثمّ وفّر عليه الجمل والثّمن وزاده على الثّمن، كما اشترى الله من المؤمنين أنفسهم بثمنٍ هو الجنّة , ثمّ ردّ عليهم أنفسهم وزادهم كما قال تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).
قوله: (فلمّا بلغت) في رواية زكريا " فلمّا قدمنا " زاد مغيرة عن الشّعبيّ كما في البخاري " فلمّا دنونا من المدينة استأذنته فقال:
стр. 2322
تزوّجت بكراً أم ثيّباً ". وزاد فيه " فقدمت المدينة فأخبرت خالي ببيع الجمل فلامني ".
ووقع عند أحمد من رواية نبيح المذكورة " فأتيت عمّتي بالمدينة فقلت لها: أَلَم تري أنّي بعت ناضحنا، فما رأيتها أعجبها ذلك ".
وجزم ابن نقطة (١) بأنّ خاله جدّ - بفتح الجيم وتشديد الدّال - ابن قيس، وأمّا عمّته فاسمها هند بنت عمرو، ويحتمل: أنّهما جميعاً لَم يعجبهما بيعه , لأنّه لَم يكن عنده ناضح غيره.
وأخرجه البخاري من هذا الوجه بلفظ " ثمّ قال: ائت أهلك، فتقدّمت النّاس إلى المدينة ". وفي رواية وهب بن كيسان فيه أيضاً " وقدم رسول الله ﷺ المدينة قبلي، وقدمت بالغداة فجئت إلى المسجد فوجدته , فقال: الآن قدمت؟ قلتُ: نعم، قال: فدع الجمل. وادخل فصلِّ ركعتين ".
стр. 2323
وظاهرهما التّناقض، لأنّ في إحداهما أنّه تقدّم النّاس إلى المدينة , وفي الأخرى أنّ النّبيّ ﷺ قدم قبله.
فيحتمل في الجمع بينهما أن يقال: أنّه لا يلزم من قوله " فتقدّمت النّاس " أن يستمرّ سبقه لهم لاحتمال أن يكونوا لحقوه بعد أن تقدّمهم. إمّا لنزوله لراحةٍ أو نوم أو غير ذلك، ولعله امتثل أمره ﷺ بأن لا يدخل ليلاً فبات دون المدينة , واستمرّ النّبيّ ﷺ إلى أن دخلها سحراً , ولَم يدخلها جابر حتّى طلع النّهار، والعلم عند الله تعالى.
قوله: (أتيته بالجمل) في رواية مغيرة " فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة غدوت إليه بالبعير " , ولأبي المتوكّل عن جابر كما في البخاري " فدخلت - يعني المسجد - إليه وعقلتُ الجمل , فقلت: هذا جملك، فخرج فجعل يطيف بالجمل , ويقول: جملنا، فبعث إليّ أواقٍ من ذهب , ثمّ قال: استوفيت الثّمن؟ قلتُ: نعم ".
قوله: (فنقدني ثمنه، ثم رجعت) في رواية زكريا " ونقدني ثمنه ثمّ انصرفت " وفي رواية مغيرة عند البخاري " فأعطاني ثمنَ الجملِ والجملَ وسهمي مع القوم " وفي روايته أيضاً في الجهاد " فأعطاني ثمنه وردّه عليّ ".
وهي كلّها بطريق المجاز , لأنّ العطيّة إنّما وقعت له بواسطة بلال كما رواه مسلم من هذا الوجه " فلمّا قدمت المدينة , قال لبلالٍ: أعطه أوقيّة من ذهب وزده، قال: فأعطاني أوقيّة وزادني قيراطاً، فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ . الحديث، وفيه ذكر أخذ أهل الشّام له
стр. 2324
يوم الحرّة، ونحوه للبخاري من طريق عطاء وغيره عن جابر.
ولأحمد وأبي عوانة من طريق وهب بن كيسان " فوالله ما زال ينمي ويزيد عندنا ونرى مكانه من بيتنا , حتّى أصيب أمس فيما أصيب للنّاس يوم الحرّة " وفي رواية أبي الزّبير عن جابر عند النّسائيّ " فقال: يا بلال أعطه ثمنه، فلمّا أدبرت دعاني فخفت أن يردّه عليّ فقال: هو لك ".
وفي رواية وهب بن كيسان في البخاري " فأمر بلالاً أن يزن لي أوقيّة فوزن بلال وأرجح لي في الميزان، فانطلقت حتّى وليت , فقال: ادع جابراً، فقلت: الآن يردّ عليّ الجمل، ولَم يكن شيء أبغض إليّ منه , فقال: خذ جملك ولك ثمنه "
وهذه الرّواية مشكلة مع قوله عند الشيخين " ولَم يكن لنا ناضح غيره " , وقوله " وكانت لي إليه حاجة شديدة , ولكنّي استحييت منه " ومع تنديم خاله له على بيعه.
ويمكن الجمع: بأنّ ذلك كان في أوّل الحال، وكان الثّمن أوفر من قيمته , وعرف أنّه يمكن أن يشتري به أحسن منه , ويبقى له بعض الثّمن فلذلك صار يكره ردّه عليه.
ولأحمد من طريق أبي هبيرة عن جابر , فلمّا أتيته دفع إليّ البعير , وقال: هو لك، فمررت برجلٍ من اليهود فأخبرته فجعل يعجب , ويقول: اشترى منك البعير ودفع إليك الثّمن , ثمّ وهبه لك؟ قلت: نعم.
стр. 2325
قوله: (فقال: أتراني ما كسْتُك لآخذ جملَك؟، خذ جملَك ودارهمَك، فهو لك) في رواية زكريا عند البخاري " ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك " كذا وقع هنا، وقد رواه عليّ بن عبد العزيز عن أبي نعيم - شيخ البخاريّ فيه - بلفظ " أتراني إنّما ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك هما لك " أخرجه أبو نعيم في " المستخرج " عن الطّبرانيّ عنه. وكذا أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن نمير عن زكريّا، لكن قال في آخره " فهو لك ".
وعليها اقتصر صاحب " العمدة ".
ووقع لأحمد عن يحيى القطّان عن زكريّا بلفظ " فقال: أظننت حين ماكستك أذهب بجملك؟ خذ جملك وثمنه فهما لك " وهذه الرّواية وكذلك رواية البخاريّ توضّح أنّ اللام في قوله " لآخذ " للتّعليل وبعدها همزة ممدودة.
ووقع لبعض رواة مسلم كما حكاه عياض " لا " بصيغة النّفي " خذ " بصيغة الأمر، ويلزم عليه التّكرار في قوله: " خذ جملك " وقوله: " ماكستك " هو من المماكسة. أي: المناقصة في الثّمن، وأشار بذلك إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع. كما تقدّم.
قال ابن الجوزيّ: هذا من أحسن التّكرّم، لأنّ من باع شيئاً فهو في الغالب محتاج لثمنه، فإذا تعوّض من الثّمن بقي في قلبه من المبيع أسف على فراقه كما قيل:
وقد تخرج الحاجات يا أمّ مالك ... نفائس من ربّ بهنّ ضنين
стр. 2326
فإذا ردّ عليه المبيع مع ثمنه ذهب الهمّ عنه , وثبت فرحه وقضيت حاجته، فكيف مع ما انضمّ إلى ذلك من الزّيادة في الثّمن؟.
وفي الحديث جواز المساومة لمن يعرض سلعته للبيع، والمماكسة في المبيع قبل استقرار العقد، وابتداء المشتري بذكر الثّمن، وأنّ القبض ليس شرطاً في صحّة البيع، وأنّ إجابة الكبير بقول " لا " جائز في الأمر الجائز، والتّحدّث بالعمل الصّالح للإتيان بالقصّة على وجهها لا على وجه تزكية النّفس وإرادة الفخر.
وفيه تفقّد الإمام والكبير لأصحابه وسؤاله عمّا ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسّر من حال أو مال أو دعاء، وتواضعه ﷺ .
وفيه جواز ضرب الدّابّة للسّير وإن كانت غير مكلفة، ومحلّه ما إذا لَم يتحقّق أنّ ذلك منها من فرط تعب وإعياء.
وفيه توقير التّابع لرئيسه. وفيه الوكالة في وفاء الدّيون، والوزن على المشتري، والشّراء بالنّسيئة.
وفيه ردّ العطيّة قبل القبض لقول جابر " هو لك، قال: لا بل بعنيه " وفيه جواز إدخال الدّوابّ والأمتعة إلى رحاب المسجد وحواليه.
واستدل من ذلك على طهارة أبوال الإبل، ولا حجّة فيه.
وفيه المحافظة على ما يتبرّك به لقول جابر: لا تفارقني الزّيادة.
وفيه جواز الزّيادة في الثّمن عند الأداء، والرّجحان في الوزن لكن برضا المالك، وهي هبة مستأنفة حتّى لو ردّت السّلعة بعيبٍ مثلاً لَم
стр. 2327
يجب ردّها، أو هي تابعة للثّمن حتّى تردّ فيه احتمال.
وفيه فضيلة لجابرٍ حيث ترك حظّ نفسه وامتثل أمر النّبيّ ﷺ له ببيع جمله مع احتياجه إليه. وفيه معجَزَة ظاهرة للنّبيّ ﷺ .
وجواز إضافة الشّيء إلى من كان مالكه قبل ذلك باعتبار ما كان.
واستدل به على صحّة البيع بغير تصريح بإيجابٍ ولا قبول، لقوله فيه: " قال بعنيه بأوقيّةٍ، فبعته " ولَم يذكر صيغة.
ولا حجّة فيه , لأنّ عدم الذّكر لا يستلزم عدم الوقوع.
وقد وقع في رواية عطاء عند البخاري " قال بعنيه، قال: قد أخذته بأربعة دنانير " فهذا فيه القبول، ولا إيجاب فيه، وفي رواية جرير عند البخاري " قال بل بعنيه، قلت: لرجلٍ عليّ أوقيّة ذهب فهو لك بها، قال: قد أخذته " ففيه الإيجاب والقبول معاً.
وأبين منها رواية ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عند أحمد , قلت: قد رضيت، قال: نعم، قلت: فهو لك بها، قال: قد أخذته ".
فيستدلّ بها على الاكتفاء في صيغ العقود بالكنايات.
تكميل: آلَ أمر جمل جابر هذا لِمَا تقدّم له من بركة النّبيّ ﷺ إلى مآلٍ حسن.
فرأيت في ترجمة جابر من " تاريخ ابن عساكر " (١) بسنده إلى أبي الزّبير عن جابر قال: فأقام الجمل عندي زمان النّبيّ ﷺ وأبي بكر
стр. 2328
وعمر، فعجَزَ، فأتيت به عمر فعرف قصّته , فقال: اجعله في إبل الصّدقة وفي أطيب المراعي، ففعل به ذلك إلى أن مات.
стр. 2329
الحديث الواحد والعشرون
٢٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولا تناجشوا، ولا يبع الرّجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها. (١)
قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولا تناجشوا، ولا يبع الرّجل على بيع أخيه) تقدّم الكلام عليه (٢)
قوله: (ولا يخطب) بالجزم على النّهي، أي: وقال لا يخطب.
ويجوز الرّفع على أنّه نفي، وسياق ذلك بصيغة الخبر أبلغ في المنع.
ويجوز النّصب عطفاً على قوله " يبيع " على أنّ لا في قوله " ولا يخطب " زائدة.
قوله: (على خطبة) بالكسر , وهو التّكلم في النّكاح , وأما في الجمعة والعيد وغيرهما فبضم أوله
قوله: (أخيه) زاد البخاري من رواية الأعرج عن أبي هريرة " حتّى ينكح أو يترك ". وأخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر بلفظ " حتّى يذر ".
стр. 2330
وقد أخرجه أبو الشّيخ في " كتاب النّكاح " من طريق عبد الوارث عن هشام بن حسّان عن محمّد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ " حتّى ينكح أو يدع " وإسناده صحيح. (١)
وقوله " حتّى ينكح " أي: حتّى يتزوّج الخاطب الأوّل فيحصل اليأس المحض وقوله " أو يترك " أي: الخاطب الأوّل التّزويج فيجوز حينئذٍ للثّاني الخطبة، فالغايتان مختلفتان:
الأولى: ترجع إلى اليأس.
والثّانية: ترجع إلى الرّجاء.
ونظير الأولى , قوله تعالى (حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط).
قال الجمهور: هذا النّهي للتّحريم.
وقال الخطّابيّ: هذا النّهي للتّأديب , وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند الفقهاء.
كذا قال، ولا ملازمة بين كونه للتّحريم وبين البطلان عند الجمهور , بل هو عندهم للتّحريم , ولا يبطل العقد. بل حكى النّوويّ: أنّ النّهي فيه للتّحريم بالإجماع.
ولكن اختلفوا في شروطه:
فقال الشّافعيّة والحنابلة: محلّ التّحريم ما إذا صرّحت المخطوبة أو
стр. 2331
وليّها الذي أذنت له حيث يكون إذنها معتبراً بالإجابة، فلو وقع التّصريح بالرّدّ فلا تحريم.
فلو لَم يعلم الثّاني بالحال فيجوز الهجوم على الخطبة , لأنّ الأصل الإباحة , وعند الحنابلة في ذلك روايتان.
وإن وقعت الإجابة بالتّعريض كقولها: لا رغبة عنك. فقولان عند الشّافعيّة، الأصحّ وهو قول المالكيّة والحنفيّة: لا يحرم أيضاً.
وإذا لَم تردّ , ولَم تقبل فيجوز , والحجّة فيه قول فاطمة (١): خطبني معاوية وأبو جهم. فلم ينكر النّبيّ ﷺ ذلك عليهما , بل خطبها لأسامة.
وأشار النّوويّ وغيره: إلى أنّه لا حجّة فيه لاحتمال أن يكونا خطبا معاً , أو لَم يعلم الثّاني بخطبة الأوّل، والنّبيّ ﷺ أشار بأسامة ولَم يخطب، وعلى تقدير أن يكون خطب فكأنّه لَمَّا ذكر لها ما في معاوية وأبي جهم ظهر منها الرّغبة عنهما. فخطبها لأسامة.
وحكى التّرمذيّ عن الشّافعيّ , أنّ معنى حديث الباب إذا خطب الرّجل المرأة فرضيت به وركنت إليه فليس لأحدٍ أن يخطب على خطبته، فإذا لَم يعلم برضاها ولا ركونها فلا بأس أن يخطبها.
والحجّة فيه قصّة فاطمة بنت قيس , فإنّها لَم تخبره برضاها بواحدٍ منهما , ولو أخبرته بذلك لَم يشر عليها بغير من اختارت فلو لَم توجد
стр. 2332
منها إجابة ولا ردّ. فقطع بعض الشّافعيّة بالجواز، ومنهم من أجرى القولين، ونصّ الشّافعيّ في البكر على أنّ سكوتها رضاً بالخاطب.
وعن بعض المالكيّة , لا تمنع الخطبة إلَّا على خطبة من وقع بينهما التّراضي على الصّداق.
وإذا وُجدت شروط التّحريم , ووقع العقد للثّاني.
القول الأول: قال الجمهور: يصحّ مع ارتكاب التّحريم.
القول الثاني: قال داود: يفسخ النّكاح قبل الدّخول وبعده، وعند المالكيّة خلاف كالقولين.
القول الثالث: قال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده.
وحجّة الجمهور: أنّ المنهيّ عنه الخطبة , والخطبة ليست شرطاً صحّة النّكاح. فلا يفسخ النّكاح بوقوعها غير صحيحة.
وحكى الطّبريّ: أنّ بعض العلماء قال: أنّ هذا النّهي منسوخ بقصّة فاطمة بنت قيس، ثمّ ردّه وغلَّطه: بأنّها جاءت مستشيرة فأشير عليها بما هو الأولى , ولَم يكن هناك خطبة على خطبة كما تقدّم، ثمّ إنّ دعوى النّسخ في مثل هذا غلط، لأنّ الشّارع أشار إلى عِلَّة النّهي في حديث عقبة بن عامر بالأخوّة، وهي صفة لازمة وعلة مطلوبة للدّوام فلا يصحّ أن يلحقها النّسخ. والله أعلم.
واستدلّ به على أنّ الخاطب الأوّل إذا أذن للخاطب الثّاني في التّزويج ارتفع التّحريم، ولكن هل يختصّ ذلك بالمأذون له , أو يتعدّى لغيره؟ لأنّ مجرّد الإذن الصّادر من الخاطب الأوّل دالٌ على
стр. 2333
إعراضه عن تزويج تلك المرأة , وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها.
الظّاهر الثّاني , فيكون الجواز للمأذون له بالتّنصيص ولغير المأذون له بالإلحاق، ويؤيّده قوله في الحديث " أو يترك ".
وصرّح الرّويانيّ من الشّافعيّة: بأنّ محلّ التّحريم إذا كانت الخطبة من الأوّل جائزة، فإن كانت ممنوعة كخطبة المعتدّة لَم يضرّ الثّاني بعد انقضاء العدّة أن يخطبها.
وهو واضح , لأنّ الأوّل لَم يثبت له بذلك حقّ.
واستدل بقوله " على خطبة أخيه " أنّ محلّ التّحريم إذا كان الخاطب مسلماً , فلو خطب الذّمّيّ ذمّيّة فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقاً، وهو قول الأوزاعيّ ووافقه من الشّافعيّة ابن المنذر وابن جويريّة والخطّابيّ.
ويؤيّده قوله في أوّل حديث عقبة بن عامر عند مسلم: المؤمن أخو المؤمن فلا يحلّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه , ولا يخطب على خطبته حتّى يذر.
وقال الخطّابيّ: قطَعَ اللهُ الأخوّةَ بين الكافر والمسلم. فيختصّ النّهي بالمسلم.
وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتّى يرد المنع، وقد ورد المنع مقيّداً بالمسلم فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة.
وذهب الجمهور: إلى إلحاق الذّمّيّ بالمسلم في ذلك , وأنّ التّعبير بأخيه خرّج على الغالب فلا مفهوم له، وهو كقوله تعالى (ولا تقتلوا
стр. 2334
أولادكم) وكقوله (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ونحو ذلك.
وبناه بعضهم على أنّ هذا المنهيّ عنه. هل هو من حقوق العقد واحترامه , أو من حقوق المتعاقدين؟
فعلى الأوّل , فالرّاجح ما قال الخطّابيّ.
وعلى الثّاني , فالرّاجح ما قال غيره.
وقريبٌ من هذا البناء. اختلافهم في ثبوت الشّفعة للكافر , فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له , ومن جعلها من حقوق المالك منع.
وقريبٌ من هذا البحث ما نقل عن ابن القاسم صاحب مالك , أنّ الخاطب الأوّل إذا كان فاسقاً جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، ورجّحه ابن العربيّ منهم , وهو متّجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة فيكون الفاسق غير كفء لها فتكون خطبته كلا خطبة.
ولَم يعتبرِ الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول، وقد أطلق بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول.
ويلتحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز. إذا لَم يكن الخاطب الأوّل أهلاً في العادة لخطبة تلك المرأة. كما لو خطب سُوقيّ بنتَ ملِكٍ , وهذا يرجع إلى التّكافؤ.
واستدل به على تحريم خطبة المرأة على خطبة امرأة أخرى إلحاقاً لحكم النّساء بحكم الرّجال.
وصورته أن ترغب امرأة في رجل وتدعوه إلى تزويجها فيجيبها ,
стр. 2335
فتجيء امرأة أخرى فتدعوه وترغّبه في نفسها وتزهّده في التي قبلها، وقد صرّحوا باستحباب خطبة أهل الفضل من الرّجال.
ولا يخفى أنّ محلّ هذا إذا كان المخطوب عزم أن لا يتزوّج إلَّا بواحدةٍ، فأمّا إذا جمع بينهما فلا تحريم.
قوله: (ولا تسأل المرأة طلاق) في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عند البخاري " لا يحل لمرأة تسأل " وأخرجه أبو نعيم في " المستخرج " من طريق ابن الجنيد عن عبيد الله بن موسى - شيخ البخاريّ فيه - بلفظ " لا يصلح لامرأة أن تشترط طلاق أختها لتكفئ إناءها ". وكذلك أخرجه البيهقيّ من طريق أبي حاتم الرّازيّ عن عبيد الله بن موسى , لكن قال " لا ينبغي " بدل " لا يصلح " وقال " لتكفئ "
وقوله " لا يحلُّ " ظاهر في تحريم ذلك، وهو محمول على ما إذا لَم يكن هناك سبب يجوّز ذلك. كريبةٍ في المرأة لا ينبغي معها أن تستمرّ في عصمة الزّوج , ويكون ذلك على سبيل النّصيحة المحضة أو لضررٍ يحصل لها من الزّوج أو للزّوج منها , أو يكون سؤالها ذلك بعوضٍ وللزّوج رغبة في ذلك فيكون كالخلع مع الأجنبيّ , إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة.
وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النّهي على النّدب، فلو فعل ذلك لَم يفسخ النّكاح.
وتعقّبه ابن بطّال: بأنّ نفي الحلّ صريح في التّحريم، ولكن لا يلزم
стр. 2336
منه فسخ النّكاح، وإنّما فيه التّغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولترض بما قسم الله لها.
قوله: (أختها) قال النّوويّ: معنى هذا الحديث نهي المرأة الأجنبيّة أن تسأل رجلاً طلاق زوجته , وأن يتزوّجها هي فيصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ما كان للمطلقة، فعبّر عن ذلك بقوله " تكفئ ما في صحفتها ".
قال: والمراد بأختها غيرها. سواء كانت أختها من النّسب أو الرّضاع أو الدّين، ويلحق بذلك الكافرة في الحكم وإن لَم تكن أختاً في الدّين , إمّا لأنّ المراد الغالب , أو أنّها أختها في الجنس الآدميّ.
وحمل ابن عبد البرّ الأختَ هنا على الضّرّة , فقال: فيه من الفقه أنّه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرّتها لتنفرد به.
وهذا يمكن في الرّواية التي وقعت بلفظ " لا تسأل المرأة طلاق أختها "، وأمّا الرّواية التي فيها لفظ الشّرط فظاهرها أنّها في الأجنبيّة.
ويؤيّده. قوله فيها " ولتنكح " أي: ولتتزوّج الزّوج المذكور من غير أن يشترط أن يطلق التي قبلها.
وعلى هذا فالمراد هنا بالأخت الأخت في الدّين.
ويؤيّده زيادة ابن حبّان في آخره من طريق أبي كثير عن أبي هريرة بلفظ " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها. فإنّ المسلمة أخت المسلمة ".
стр. 2337
وقد تقدّم نقل الخلاف عن الأوزاعيّ وبعض الشّافعيّة , أنّ ذلك مخصوص بالمسلمة، وبه جزم أبو الشّيخ في " كتاب النّكاح "، ويأتي مثله هنا.
ويجيء على رأي ابن القاسم. أن يستثنى ما إذا كان المسئول طلاقها فاسقة، وعند الجمهور لا فرق.
قوله: (لتكفأ ما في إنائها) في رواية أبي سلمة " لتستفرغ صحفتها فإنما لها ما قدر لها " وهو يفسّر المراد بقوله " تكتفئ " (١) وهو بالهمز افتعال من كفأت الإناء إذا قلبته , وأفرغت ما فيه، وكذا يكفأ وهو بفتح أوّله وسكون الكاف وبالهمز.
وجاء أكفأت الإناء إذا أملته. وهو في رواية ابن المسيّب " لتكفئ " بضمّ أوّله من أكفأت. وهي بمعنى أمَلْتُه.
ويقال: بمعنى أكببته أيضاً، والمراد بالصّحفة ما يحصل من الزّوج كما تقدّم من كلام النّوويّ.
وقال صاحب النّهاية: الصّحفة إناء كالقصعة المبسوطة، قال: وهذا مثلٌ، يريد الاستئثار عليها بحظّها فيكون كمن قلب إناء غيره في إنائه.
وقال الطّيبيّ (٢): هذه استعارة مستملحة تمثيليّة، شبّه النّصيب
стр. 2338
والبخت بالصّحفة وحظوظها وتمتّعاتها بما يوضع في الصّحفة من الأطعمة اللذيذة، وشبّه الافتراق المسبّب عن الطّلاق باستفراغ الصّحفة عن تلك الأطعمة، ثمّ أدخل المشبّه في جنس المشبّه به واستعمل في المشبّه ما كان مستعملاً في المشبّه به.
تكميل: زاد البخاري من رواية الأعرج عن أبي هريرة بعد قوله لتستفرغ صحفتها " ولتنكح فإنما لها ما قُدِّر لها ".
قوله " ولتنكح " بكسر اللام وبإسكانها وبسكون الحاء على الأمر.
ويحتمل: النّصب عطفاً على قوله " لتكتفئ " فيكون تعليلاً لسؤال طلاقها، ويتعيّن على هذا كسر اللام.
ثمّ يحتمل: أنّ المراد ولتنكح ذلك الرّجل من غير أن تتعرّض لإخراج الضّرّة من عصمته , بل تكِلَ الأمر في ذلك إلى ما يقدّره الله، ولهذا ختم بقوله " فإنّما لها ما قدّر لها " إشارة إلى أنّها - وإن سألت ذلك وألحّت فيه , واشترطته - فإنّه لا يقع من ذلك إلَّا ما قدّره الله، فينبغي أن لا تتعرّض هي لهذا المحذور الذي لا يقع منه شيء بمجرّد إرادتها، وهذا ممّا يؤيّد أنّ الأخت من النّسب أو الرّضاع لا تدخل في هذا.
ويحتمل: أن يكون المراد ولتنكح غيره وتعرض عن هذا الرّجل.
أو المراد ما يشمل الأمرين، والمعنى ولتنكح من تيسّر لها فإن كانت التي قبلها أجنبيّة فلتنكح الرّجل المذكور , وإن كانت أختها فلتنكح غيره، والله أعلم
стр. 2339
باب الربا والصرف
قال الله (يا أيّها الذين آمنوا لا تأكلوا الرّبا أضعافاً مضاعفةً .. الآية) , وروى مالك عن زيد بن أسلم في تفسير الآية , قال: كان الرّبا في الجاهليّة أن يكون للرّجل على الرّجل حقٌّ إلى أجلٍ، فإذا حلَّ قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذ , وإلَّا زاده في حقّه , وزاده الآخر في الأجل.
وروى الطّبريّ من طريق عطاء , ومن طريق مجاهدٍ نحوه، ومن طريق قتادة , إنّ ربا أهل الجاهليّة يبيع الرّجل البيع إلى أجل مسمّى، فإذا حلَّ الأجل - ولَم يكن عند صاحبه قضاءٌ - زاد , وأخّر عنه.
والرّبا مقصورٌ، وحكي: مدّه. وهو شاذٌّ، وهو من ربا يربو فيكتب بالألف، ولكن قد وقع في خطّ المصحف بالواو.
وأصل الرّبا الزّيادة. إمّا في نفس الشّيء كقوله تعالى (اهتزّت وربت). وإمّا في مقابلةٍ كدرهمٍ بدرهمين، فقيل: هو حقيقةٌ فيهما.
وقيل: حقيقةٌ في الأوّل مجازٌ في الثّاني.
زاد ابن سريج , أنّه في الثّاني حقيقةٌ شرعيّةٌ، ويطلق الرّبا على كل بيعٍ محرّمٍ.
والصرف: بيع الدّراهم بالذّهب أو عكسه، وسمّي به: لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التّفاضل فيه.
وقيل: من الصّريف. وهو تصويتهما في الميزان.
стр. 2340
الحديث الثاني والعشرون
٢٧٨ - عن عمر بن الخطاب ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا، إلَّا هاء وهاء، والفضة بالفضة رباً، إلَّا هاء وهاء، والبرّ بالبرّ رباً، إلَّا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا، إلَّا هاء وهاء. (١)
قوله: (عن عمر بن الخطاب ﵁) ولهما عن مالك بن أوس , أنه التمس صرفاً بمائة دينار , فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني , فأخذ الذهب يقلبها في يده. ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة , وعمر يسمع ذلك , فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه , قال رسول الله ﷺ : الذهب بالورق .. فذكره.
قوله: (الذهب بالذهب) وللبخاري عن عبد الله بن يوسف أخبرنا مالكٌ عن ابن شهابٍ بلفظ " الذهب بالورق ". (٢)
стр. 2341
قال ابن عبد البرّ: لَم يختلف على مالك فيه , وحمله عنه الحفّاظ حتّى رواه يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعيّ عن مالك، وتابعه معمر والليث وغيرهما، وكذلك رواه الحفّاظ عن ابن عيينة. وشذّ أبو نعيم عنه فقال " الذّهب بالذّهب " كذلك رواه ابن إسحاق عن الزّهريّ. انتهى.
ويجوز في قوله " الذّهب بالورق " الرّفع. أي: بيع الذّهب بالورق. فحذف المضاف للعلم به، أو المعنى الذّهب يباع بالذّهب.
ويجوز النّصب. أي: بيعوا الذّهب.
والذّهب يطلق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها، والذّهب يذكّر ويؤنّث. فيقال ذهبٌ وذهبةٌ.
والوَرِق: الفضّة. وهو بفتح الواو وكسر الرّاء وبإسكانها على المشهور ويجوز فتحهما، وقيل: بكسر الواو المضروبة وبفتحها المال، والمراد هنا جميع أنواع الفضّة مضروبةً وغير مضروبةٍ.
قوله: (إلَّا هاء وهاء) بالمدّ فيهما وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسّكون، وحكي: القصر بغير همز. وخطّأها الخطّابيّ.
وردّ عليه النّوويّ , وقال: هي صحيحةٌ , لكن قليلة. والمعنى خذ وهات، وحكي " هاك " بزيادة كاف مكسورة , ويقال " هاء " بكسر الهمزة بمعنى هات , وبفتحها بمعنى خذ بغير تنوين.
стр. 2342
وقال ابن الأثير: هاء وهاء هو أن يقول كل واحد من البيّعين: هاء فيعطيه ما في يده كالحديث الآخر " إلَّا يداً بيد " يعني مقابضةً في المجلس.
وقيل: معناه خذ وأعط، قال: وغير الخطّابيّ يجيز فيها السّكون على حذف العوض , ويتنزّل منزلة " ها " التي للتّنبيه.
وقال ابن مالك: ها اسم فعلٍ بمعنى خذ، وإن وقعت بعد إلَّا فيجب تقدير قولٍ قبله يكون به محكيّاً , فكأنّه قيل: ولا الذّهب بالذّهب إلَّا مقولاً عنده من المتبايعين هاء وهاء.
وقال الخليل: كلمةٌ تستعمل عند المناولة، والمقصود من قوله " هاء وهاء " أن يقول كل واحدٍ من المتعاقدين لصاحبه: هاء فيتقابضان في المجلس.
قال ابن مالك: حقّها أن لا تقع بعد إلَّا كما لا يقع بعدها خذ.
قال: فالتّقدير لا تبيعوا الذّهب بالورق إلَّا مقولاً بين المتعاقدين هاء وهاء.
واستدل به على اشتراط التّقابض في الصّرف في المجلس. وهو قول أبي حنيفة والشّافعيّ.
وعن مالكٍ: لا يجوز الصّرف إلَّا عند الإيجاب بالكلام، ولو انتقلا من ذلك الموضع إلى آخر لَم يصحّ تقابضهما، ومذهبه أنّه لا يجوز عنده تراخي القبض في الصّرف سواء كانا في المجلس أو تفرّقا.
وحمَلَ قولَ عمر " لا يفارقه " على الفور حتّى لو أخّر الصّيرفيّ
стр. 2343
القبض حتّى يقوم إلى قعر دكّانه ثمّ يفتح صندوقه لَمَا جاز.
قوله: (والبرّ بالبرّ ربا ... إلخ) بضمّ الموحّدة ثمّ راء من أسماء الحنطة. والشّعير بفتح أوّله معروف , وحكي: جواز كسره.
واستدل به على أنّ البرّ والشّعير صنفان. وهو قول الجمهور.
وخالف في ذلك مالك والليث والأوزاعيّ , فقالوا: هما صنف واحد.
قال ابن عبد البرّ: فيه أنّ النّسيئة لا تجوز في بيع الذّهب بالورق، وإذا لَم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنّسيئة , فأحرى أن لا يجوز في الذّهب بالذّهب وهو جنسٌ واحدٌ، وكذا الورق بالورق، يعني إذا لَم تكن رواية ابن إسحاق ومن تابعه محفوظةً فيؤخذ الحكم من دليل الخطاب.
وقد نقل ابن عبد البرّ وغيره الإجماع على هذا الحكم، أي: التّسوية في المنع بين الذّهب بالذّهب وبين الذّهب بالورق فيستغنى حينئذٍ بذلك عن القياس.
стр. 2344
الحديث الثالث والعشرون
٢٧٩ - وعن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا مثلاً بمثلٍ، ولا تُشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلَّا مثلاً بمثلٍ، ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجزٍ. (١)
وفي لفظ: إلَّا يداً بيدٍ. (٢)
وفي لفظ: إلَّا وزناً بوزنٍ، مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ. (٣)
قوله: (عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁) ولمسلم من طريق الليث عن نافع , أنّ ابن عمر قال له رجلٌ من بني ليث: إنّ أبا سعيد الخدريّ يأثر هذا عن رسول الله ﷺ ، قال نافع: فذهب عبد الله وأنا معه والليثيُّ حتّى دخل على أبي سعيد الخدريّ فقال: إنّ هذا أخبرني أنّك تخبر , أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الورق بالورق إلَّا مثلاً بمثل. الحديث، فأشار أبو سعيد بإصبعيه إلى عينيه وأذنيه , فقال: أبصرتْ عينايَ وسمعتْ أذنايَ رسول الله ﷺ , يقول: لا تبيعوا الورق بالورق إلَّا مثلاً بمثل. الحديث.
стр. 2345
ولمسلمٍ من طريق أبي نضرة في هذه القصّة لابن عمر مع أبي سعيد , إنّ ابن عمر نهى عن ذلك بعد أن كان أفتى به لَمَّا حدّثه أبو سعيد بنهي النّبيّ ﷺ .
قوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب) يدخل في الذّهب جميع أصنافه , من مضروبٍ ومنقوشٍ , وجيّدٍ ورديءٍ , وصحيحٍ ومكسّرٍ , وحليٍّ وتبر , وخالص ومغشوش، ونقل النّوويّ تبعاً لغيره في ذلك الإجماع.
قوله: (إلَّا مثلا بمثل) هو مصدرٌ في موضع الحال , أي: الذّهب يباع بالذّهب موزوناً بموزون، أو مصدر مؤكّد. أي: يوزن وزناً بوزن، وزاد مسلم في رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي سعيد " إلَّا وزناً بوزنٍ مثلاً بمثلٍ سواء بسواء ".
قوله: (ولا تُشفّوا) بضمّ أوّله وكسر الشّين المعجمة وتشديد الفاء. أي: تفضّلوا، وهو رباعيّ من أشفّ، والشّفّ بالكسر الزّيادة، وتطلق على النّقص.
قوله: (ولا تبيعوا منها غائباً بناجزٍ) بنون وجيم وزاي. مؤجّلاً بحال، أي: والمراد بالغائب أعمّ من المؤجّل كالغائب عن المجلس مطلقاً. مؤجّلاً كان أو حالاً , والنّاجز الحاضر.
قال ابن بطّال: فيه حجّةٌ للشّافعيّ في قوله: من كان له على رجلٍ دراهم ولآخر عليه دنانير لَم يجز أن يقاصّ أحدهما الآخر بما له , لأنّه يدخل في معنى بيع الذّهب بالورق ديناً، لأنّه إذا لَم يجز غائب بناجز
стр. 2346
فأحرى أن لا يجوز غائبٌ بغائب.
وأمّا الحديث الذي أخرجه أصحاب السّنن عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع: أبيع بالدّنانير وآخذ الدّراهم، وأبيع بالدّراهم وآخذ الدّنانير. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك , فقال: لا بأس به إذا كان بسعر يومه , ولَم تفترقا وبينكما شيء.
فلا يدخل في بيع الذّهب بالورق ديناً، لأنّ النّهي بقبض الدّراهم عن الدّنانير لَم يقصد إلى التّأخير في الصّرف. قاله ابن بطّالٍ.
واستُدلّ بقوله " مثلاً بمثلٍ " على بطلان البيع بقاعدة مدّ عجوة , وهو أن يبيع مدّ عجوة وديناراً بدينارين مثلاً.
وأصرح من ذلك في الاستدلال على المنع حديث فضالة بن عبيد. في ردّ البيع في القلادة التي فيها خرز وذهب حتّى تُفصلَ. أخرجه مسلم (١)، وفي رواية أبي داود " فقلتُ: إنّما أردت الحجارة، فقال: لا حتّى تميّز بينهما ".
الحديث الرابع والعشرون
стр. 2347
٢٨٠ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , قال: جاء بلالٌ إلى النبيّ ﷺ بتمرٍ برنيٍّ، فقال له النبيّ ﷺ : من أين هذا؟ قال بلالٌ: كان عندي تمرٌ رديءٌ، فبعت منه صاعين بصاعٍ ليطعم النبيّ ﷺ , فقال النبيّ ﷺ عند ذلك: أوّه، أوّه! عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر، ثم اشتر به. (١)
قوله: (جاء بلال إلى النّبيّ ﷺ بتمر برنيّ) بفتح الموحّدة وسكون الرّاء بعدها نون ثمّ تحتانيّة مشدّدة ضربٌ من التّمر معروف، قيل له ذلك , لأنّ كل تمرة تشبه البرنيّة. وقد وقع عند أحمد مرفوعاً: خير تمراتكم البرنيّ، يذهب الدّاء , ولا داء فيه.
стр. 2348
قوله: (كان عندي) في رواية الكشميهنيّ " عندنا " (١).
قوله: (رديء) بالهمزة وزن عظيم.
قوله: (لنُطعم النّبيّ ﷺ ) بالنّون المضمومة، ولغير أبي ذرّ (٢) بالتّحتانيّة المفتوحة والعين مفتوحة أيضاً، وفي رواية مسلم " لمطعم النّبيّ ﷺ " بالميم.
قوله: (أوّه أوّه) كلمة تقال عند التّوجّع - وهي مشدّدة الواو مفتوحة. وقد تكسر والهاء ساكنة - وربّما حذفوها، ويقال بسكون الواو وكسر الهاء، وحكى بعضهم مدّ الهمزة بدل التّشديد.
قال ابن التّين: إنّما تأوّه ليكون أبلغ في الزّجر، وقاله. إمّا للتّألم من هذا الفعل , وإمّا من سوء الفهم.
قوله: (عين الرّبا) وللبخاري " عين الرّبا عين الرّبا " كذا فيه بالتّكرار مرّتين. ووقع في مسلم مرّة واحدة، ومراده بعين الرّبا نفسه.
قوله: (لا تفعل , ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر، ثم اشتر به) في رواية مسلم " ولكن إذا أردت أن تشتري التّمر فبعه ببيعٍ آخر , ثمّ اشتره ".
وبينهما مغايرة , لأنّ التّمر في رواية الباب المراد به التّمر الرّديء ,
стр. 2349
والضّمير في به يعود إلى التّمر. أي: بالتّمر الرّديء والمفعول محذوف. أي: اشتر به تمراً جيّداً.
وأمّا رواية مسلم فالمراد بالتّمر الجيّد، والضّمير في قوله " ثمّ اشتره " للجيّد.
وفي الحديث البحث عمّا يستريب به الشّخص حتّى ينكشف حاله.
وفيه النّصّ على تحريم ربا الفضل. واهتمام الإمام بأمر الدّين وتعليمه لمن لا يعلمه، وإرشاده إلى التّوصّل إلى المباحات وغيرها، واهتمام التّابع بأمر متبوعه.
وفيه أنّ صفقة الرّبا لا تصحّ، ولمسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصّة فقال " هذا الرّبا فردّه ".
وعند الطّبريّ من طريق سعيد بن المسيّب عن بلال قال: كان عندي تمرٌ دونٌ، فابتعت منه تمراً أجود منه. الحديث. وفيه , فقال النّبيّ ﷺ : هذا الرّبا بعينه، انطلِق فردّه على صاحبه , وخذ تمرك وبعه بحنطةٍ أو شعير , ثمّ اشتر به من هذا التّمر , ثمّ جئني به.
قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين أهل العلم فيه , كلٌ يقول على أصله: إنّ كل ما دخله الرّبا من جهة التّفاضل فالكيل والوزن فيه واحدٌ، ولكن ما كان أصله الكيل لا يباع إلَّا كيلاً وكذا الوزن، ثمّ ما كان أصله الوزن لا يصحّ أن يباع بالكيل، بخلاف ما كان أصله الكيل. فإنّ بعضهم يجيز فيه الوزن , ويقول: إنّ المماثلة تدرك بالوزن في كل شيءٍ.
стр. 2350
قال: وأجمعوا على أنّ التّمر بالتّمر لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ إلَّا مثلاً بمثلٍ، وسواءٌ فيه الطّيّب والدّون، وأنّه كله على اختلاف أنواعه جنسٌ واحدٌ. انتهى
وفي الحديث قيام عذر من لا يعلم التّحريم حتّى يعلمه.
وفيه جواز الرّفق بالنّفس وترك الحمل على النّفس لاختيار أكل الطّيّب على الرّديء خلافاً لمن منع ذلك من المتزهّدين.
واستدل به على جواز بيع العيّنة وهو أن يبيع السّلعة من رجلٍ بنقدٍ , ثمّ يشتريها منه بأقل من الثّمن , لأنّه لَم يخصّ بقوله " ثمّ اشتر بالدّراهم جنيباً " (١) غيرَ الذي باع له الجمع.
وتعقّب: بأنّه مطلقٌ. والمطلق لا يشمل , ولكن يشيع فإذا عمل به في صورةٍ سقط الاحتجاج به فيما عداها.
ولا يصحّ الاستدلال به على جواز الشّراء ممّن باعه تلك السّلعة بعينها. وقيل: إنّ وجه الاستدلال به لذلك من جهة ترك الاستفصال، ولا يخفى ما فيه.
وقال القرطبيّ: استدل بهذا الحديث من لَم يقل بسدّ الذّرائع، لأنّ بعض صور هذا البيع يؤدّي إلى بيع التّمر بالتّمر متفاضلاً ويكون الثّمن لغواً.