← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

فأحرى أن لا يجوز غائبٌ بغائب. وأمّا الحديث الذي أخرجه أصحاب السّنن عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع: أبيع بالدّنانير وآخذ الدّراهم، وأبيع بالدّراهم وآخذ الدّنانير. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك , فقال: لا بأس به إذا كان بسعر يومه , ولَم تفترقا وبينكما شيء. فلا يدخل في بيع الذّهب بالورق ديناً، لأنّ النّهي بقبض الدّراهم عن الدّنانير لَم يقصد إلى التّأخير في الصّرف. قاله ابن بطّالٍ. واستُدلّ بقوله " مثلاً بمثلٍ " على بطلان البيع بقاعدة مدّ عجوة , وهو أن يبيع مدّ عجوة وديناراً بدينارين مثلاً. وأصرح من ذلك في الاستدلال على المنع حديث فضالة بن عبيد. في ردّ البيع في القلادة التي فيها خرز وذهب حتّى تُفصلَ. أخرجه مسلم (١)، وفي رواية أبي داود " فقلتُ: إنّما أردت الحجارة، فقال: لا حتّى تميّز بينهما ". الحديث الرابع والعشرون

стр. 2347

٢٨٠ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , قال: جاء بلالٌ إلى النبيّ ﷺ بتمرٍ برنيٍّ، فقال له النبيّ ﷺ : من أين هذا؟ قال بلالٌ: كان عندي تمرٌ رديءٌ، فبعت منه صاعين بصاعٍ ليطعم النبيّ ﷺ , فقال النبيّ ﷺ عند ذلك: أوّه، أوّه! عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر، ثم اشتر به. (١) قوله: (جاء بلال إلى النّبيّ ﷺ بتمر برنيّ) بفتح الموحّدة وسكون الرّاء بعدها نون ثمّ تحتانيّة مشدّدة ضربٌ من التّمر معروف، قيل له ذلك , لأنّ كل تمرة تشبه البرنيّة. وقد وقع عند أحمد مرفوعاً: خير تمراتكم البرنيّ، يذهب الدّاء , ولا داء فيه.

стр. 2348

قوله: (كان عندي) في رواية الكشميهنيّ " عندنا " (١). قوله: (رديء) بالهمزة وزن عظيم. قوله: (لنُطعم النّبيّ ﷺ ) بالنّون المضمومة، ولغير أبي ذرّ (٢) بالتّحتانيّة المفتوحة والعين مفتوحة أيضاً، وفي رواية مسلم " لمطعم النّبيّ ﷺ " بالميم. قوله: (أوّه أوّه) كلمة تقال عند التّوجّع - وهي مشدّدة الواو مفتوحة. وقد تكسر والهاء ساكنة - وربّما حذفوها، ويقال بسكون الواو وكسر الهاء، وحكى بعضهم مدّ الهمزة بدل التّشديد. قال ابن التّين: إنّما تأوّه ليكون أبلغ في الزّجر، وقاله. إمّا للتّألم من هذا الفعل , وإمّا من سوء الفهم. قوله: (عين الرّبا) وللبخاري " عين الرّبا عين الرّبا " كذا فيه بالتّكرار مرّتين. ووقع في مسلم مرّة واحدة، ومراده بعين الرّبا نفسه. قوله: (لا تفعل , ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر، ثم اشتر به) في رواية مسلم " ولكن إذا أردت أن تشتري التّمر فبعه ببيعٍ آخر , ثمّ اشتره ". وبينهما مغايرة , لأنّ التّمر في رواية الباب المراد به التّمر الرّديء ,

стр. 2349

والضّمير في به يعود إلى التّمر. أي: بالتّمر الرّديء والمفعول محذوف. أي: اشتر به تمراً جيّداً. وأمّا رواية مسلم فالمراد بالتّمر الجيّد، والضّمير في قوله " ثمّ اشتره " للجيّد. وفي الحديث البحث عمّا يستريب به الشّخص حتّى ينكشف حاله. وفيه النّصّ على تحريم ربا الفضل. واهتمام الإمام بأمر الدّين وتعليمه لمن لا يعلمه، وإرشاده إلى التّوصّل إلى المباحات وغيرها، واهتمام التّابع بأمر متبوعه. وفيه أنّ صفقة الرّبا لا تصحّ، ولمسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصّة فقال " هذا الرّبا فردّه ". وعند الطّبريّ من طريق سعيد بن المسيّب عن بلال قال: كان عندي تمرٌ دونٌ، فابتعت منه تمراً أجود منه. الحديث. وفيه , فقال النّبيّ ﷺ : هذا الرّبا بعينه، انطلِق فردّه على صاحبه , وخذ تمرك وبعه بحنطةٍ أو شعير , ثمّ اشتر به من هذا التّمر , ثمّ جئني به. قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين أهل العلم فيه , كلٌ يقول على أصله: إنّ كل ما دخله الرّبا من جهة التّفاضل فالكيل والوزن فيه واحدٌ، ولكن ما كان أصله الكيل لا يباع إلَّا كيلاً وكذا الوزن، ثمّ ما كان أصله الوزن لا يصحّ أن يباع بالكيل، بخلاف ما كان أصله الكيل. فإنّ بعضهم يجيز فيه الوزن , ويقول: إنّ المماثلة تدرك بالوزن في كل شيءٍ.

стр. 2350

قال: وأجمعوا على أنّ التّمر بالتّمر لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ إلَّا مثلاً بمثلٍ، وسواءٌ فيه الطّيّب والدّون، وأنّه كله على اختلاف أنواعه جنسٌ واحدٌ. انتهى وفي الحديث قيام عذر من لا يعلم التّحريم حتّى يعلمه. وفيه جواز الرّفق بالنّفس وترك الحمل على النّفس لاختيار أكل الطّيّب على الرّديء خلافاً لمن منع ذلك من المتزهّدين. واستدل به على جواز بيع العيّنة وهو أن يبيع السّلعة من رجلٍ بنقدٍ , ثمّ يشتريها منه بأقل من الثّمن , لأنّه لَم يخصّ بقوله " ثمّ اشتر بالدّراهم جنيباً " (١) غيرَ الذي باع له الجمع. وتعقّب: بأنّه مطلقٌ. والمطلق لا يشمل , ولكن يشيع فإذا عمل به في صورةٍ سقط الاحتجاج به فيما عداها. ولا يصحّ الاستدلال به على جواز الشّراء ممّن باعه تلك السّلعة بعينها. وقيل: إنّ وجه الاستدلال به لذلك من جهة ترك الاستفصال، ولا يخفى ما فيه. وقال القرطبيّ: استدل بهذا الحديث من لَم يقل بسدّ الذّرائع، لأنّ بعض صور هذا البيع يؤدّي إلى بيع التّمر بالتّمر متفاضلاً ويكون الثّمن لغواً.

стр. 2351

قال: ولا حجّة في هذا الحديث , لأنّه لَم ينصّ على جواز شراء التّمر الثّاني ممّن باعه التّمر الأوّل، ولا يتناوله ظاهر السّياق بعمومه بل بإطلاقه , والمطلق يحتمل التّقييد إجمالاً فوجب الاستفسار، وإذا كان كذلك فتقييده بأدنى دليلٍ كافٍ، وقد دلَّ الدّليل على سدّ الذّرائع , فلتكن هذه الصّورة ممنوعةً. واستدل بعضهم على الجواز: بما أخرجه سعيد بن منصورٍ من طريق ابن سيرين , أنّ عمر خطب , فقال: إنّ الدّرهم بالدّرهم سواءٌ بسواءٍ يداً بيدٍ، فقال له ابن عوفٍ: فنعطي الجنيب ونأخذ غيره؟ قال: لا، ولكن ابتع بهذا عرضاً فإذا قبضته وكان له فيه نيّةٌ فاهضم ما شئت , وخذ أيّ نقدٍ شئت. واستدل أيضاً بالاتّفاق على أنّ من باع السّلعة التي اشتراها ممّن اشتراها منه بعد مدّةٍ فالبيع صحيحٌ , فلا فرق بين التّعجيل في ذلك والتّأجيل، فدلَّ على أنّ المعتبر في ذلك وجود الشّرط في أصل العقد وعدمه , فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد فهو باطلٌ، أو قبله ثمّ وقع العقد بغير شرطٍ فهو صحيحٌ. ولا يخفى الورع. وقال بعضهم: ولا يضرّ إرادة الشّراء إذا كان بغير شرطٍ، وهو كمن أراد أن يزني بامرأةٍ ثمّ عدل عن ذلك فخطبها وتزوّجها فإنّه عدل عن الحرام إلى الحلال بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع. والله أعلم. وفي الحديث جواز الوكالة في البيع وغيره.

стр. 2352

وفيه أنّ البيوع الفاسدة تردّ. وفيه حجّةٌ على مَن قال إنّ بيع الرّبا جائزٌ بأصله من حيث إنّه بيعٌ , ممنوعٌ بوصفه من حيث إنّه رباً، فعلى هذا يسقط الرّبا , ويصحّ البيع. قاله القرطبيّ. قال: ووجه الرّدّ أنّه لو كان كذلك لَمَا ردّ النّبيّ ﷺ هذه الصّفقة، ولأمره بردّ الزّيادة على الصّاع.

стр. 2353

الحديث الخامس والعشرون ٢٨١ - عن أبي المنهال، قال: سألت البراء بن عازبٍ وزيد بن أرقم ﵃ عن الصّرف، فكل واحدٍ منهما يقول: هذا خيرٌ منّي، وكلاهما يقول: نَهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق ديناً. (١) الحديث السادس والعشرون ٢٨٢ - عن أبي بكرة ﵁ , قال: نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلَّا سواء بسواءٍ، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب، كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة، كيف شئنا، قال: فسأله رجلٌ، فقال: يداً بيد؟ فقال: هكذا سمعت. (٢) قوله: (عن أبي المنهال) أبو المنهال المذكور في هذا الإسناد غير أبي المنهال صاحب أبي برزة الأسلميّ في حديث المواقيت (٣). واسم هذا عبد الرّحمن بن مطعمٍ , واسم صاحب أبي برزة سيّار بن سلامة. قوله: (عن الصّرف) أي: بيع الدّراهم بالذّهب أو عكسه.

стр. 2354

وسمّي به: لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التّفاضل فيه. وقيل: من الصّريف وهو تصويتهما في الميزان. وفي الصحيحين من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: باع شريك لي دراهم - أي بذهب - في السّوق نسيئة، فقلت: سبحان الله. أيصلح هذا؟ فقال: لقد بعتها في السّوق فما عابه عليَّ أحدٌ، فسألت البراء بن عازب. فذكره. وللصرف شرطان: الأول: منع النّسيئة مع اتّفاق النّوع واختلافه. وهو المجمع عليه. الثاني: منع التّفاضل في النّوع الواحد منهما , وهو قول الجمهور. وخالف فيه ابن عمر ثمّ رجع، وابن عبّاس , واختلف في رجوعه. فروى مسلم عن أبي نضرة , قال: سألت ابن عمر وابن عبّاسٍ عن الصّرف. فلم يرَيَا به بأساً , فإنّي لقاعدٌ عند أبي سعيدٍ الخدريّ. فسألته عن الصّرف , فقال: ما زاد فهو رباً فأنكرت ذلك لقولهما , فقال: لا أحدّثك إلَّا ما سمعت من رسول الله ﷺ , جاءه صاحب نخله بصاعٍ من تمرٍ طيّبٍ , وكان تمر النّبيّ ﷺ هذا اللون , فقال له النّبيّ ﷺ : أنّى لك هذا؟. قال: انطلقت بصاعين فاشتريت به هذا الصّاع , فإنّ سعرَ هذا في السّوق كذا وسعر هذا كذا , فقال رسول الله ﷺ : ويلك أربيتَ. إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعةٍ , ثمّ اشتر بسلعتك أيّ تمرٍ شئت , قال أبو سعيدٍ: فالتّمر بالتّمر أحقّ أن يكون رباً أم الفضّة بالفضّة؟ قال:

стр. 2355

فأتيت ابن عمر بعد فنهاني , ولَم آت ابن عبّاسٍ , قال: فحدّثني أبو الصّهباء , أنّه سأل ابن عبّاسٍ عنه بمكّة , فكرِهَه. وقد روى الحاكم من طريق حيّان العدويّ - وهو بالمهملة والتّحتانيّة - سألت أبا مجلز عن الصّرف , فقال: كان ابن عبّاس لا يرى به بأساً زماناً من عمره ما كان منه عيناً بعين يداً بيد، وكان يقول: إنّما الرّبا في النّسيئة , فلقيه أبو سعيد. فذكر القصّة والحديث، وفيه: التّمر بالتّمر والحنطة بالحنطة والشّعير بالشّعير والذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة يداً بيدٍ مثلاً بمثل، فمن زاد فهو رباً، فقال ابن عبّاس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشدّ النّهي. واتّفق العلماء على صحّة حديث أسامة " لا ربا إلَّا في النسيئة ". واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد (١) الوجه الأول: منسوخ، لكنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال. الوجه الثاني: المعنى في قوله " لا رباً " الرّبا الأغلظ الشّديد التّحريم المتوعّد عليه بالعقاب الشّديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلَّا زيدٌ. مع أنّ فيها علماء غيره، وإنّما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل. وأيضاً فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنّما هو بالمفهوم،

стр. 2356

فيقدّم عليه حديث أبي سعيد لأنّ دلالته بالمنطوق. ويُحمل حديث أسامة على الرّبا الأكبر كما تقدّم. والله أعلم. الوجه الثالث: قال الطّبريّ: معنى حديث أسامة " لا رباً إلَّا في النّسيئة " إذا اختلفت أنواع البيع والفضل فيه يداً بيد رباً. جمعاً بينه وبين حديث أبي سعيد. قوله: (هذا خير منّي) في رواية سفيان المذكورة. قال: فالْقَ زيدَ بن أرقم فاسأله فإنّه كان أعظمنا تجارة، فسألته. فذكره. وفي رواية الحميديّ في " مسنده " من هذا الوجه عن سفيان , فقال: صدق البراء. وللبخاري من وجهٍ آخر عن أبي المنهال بلفظ " إن كان يداً بيدٍ فلا بأس، وإن كان نسيئاً فلا يصلح " , وله أيضاً من وجه آخر عن أبي المنهال " ما كان يداً بيدٍ فخذوه , وما كان نسيئةً فردّوه ". واستدل به على جواز تفريق الصّفقة , فيصحّ الصّحيح منها ويبطل ما لا يصحّ. وفيه نظرٌ , لاحتمال أن يكون أشار إلى عقدين مختلفين. ويؤيّد هذا الاحتمال ما أخرجه البخاري من وجهٍ آخر عن أبي المنهال قال: باع شريك لي دراهم في السّوق نسيئة إلى الموسم " فذكر الحديث. وفيه: قدم النّبيّ ﷺ المدينة ونحن نتبايع هذا البيع , فقال: ما كان يداً بيدٍ فليس به بأس، وما كان نسيئةً فلا يصلح. فعلى هذا فمعنى قوله: " ما كان يداً بيدٍ فخذوه " أي: ما وقع لكم

стр. 2357

فيه التّقابض في المجلس فهو صحيحٌ فأمضوه، وما لَم يقع لكم فيه التّقابض فليس بصحيحٍ فاتركوه، ولا يلزم من ذلك أن يكونا جميعاً في عقدٍ واحدٍ. وفي الحديث ما كان عليه الصّحابة من التّواضع، وإنصاف بعضهم بعضاً، ومعرفة أحدهم حقّ الآخر، واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم. فائدة: البيع كله إمّا بالنّقد أو بالعرض حالاً أو مؤجّلاً، فهي أربعة أقسام: فبيع النّقد إمّا بمثله وهو المراطلة، أو بنقدٍ غيره وهو الصّرف. وبيع العرض بنقدٍ يسمّى النّقد ثمناً والعرض عوضاً، وبيع العرض بالعرض يسمّى مقايضة. والحلول في جميع ذلك جائز. وأمّا التّأجيل , فإن كان النّقد بالنّقد مؤخّراً فلا يجوز، وإن كان العرض جاز، وإن كان العرض مؤخّراً فهو السّلم، وإن كانا مؤخّرين فهو بيع الدّين بالدّين وليس بجائزٍ إلَّا في الحوالة عند من يقول إنّها بيع، والله أعلم. قوله: (عن أبي بكرة) اسمه نفيع بن الحارث. وكان مولى الحارث بن كلدة الثقفي فتدلَّى من حصن الطائف ببكرة فكُنِّي أبا بكرة لذلك. أخرج ذلك الطبراني بسند لا بأس به من حديث أبي بكرة. وكان ممن نزل من حصن الطائف من عبيدهم فأسلم. وروى ابن

стр. 2358

أبي شيبة وأحمد من حديث ابن عباس قال: أعتق رسول الله ﷺ يوم الطائف كلَّ من خرج إليه من رقيق المشركين. وأخرجه ابن سعد مرسلاً من وجه آخر. فوله: (نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة) تقدّم حكمه. قوله: (وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا) وللبخاري " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا سواء بسواء والفضة بالفضة إلَّا سواء بسواء , وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم ". وساقه أبو عوانة في " مستخرجه " , فقال في آخره " والفضّة بالذّهب كيف شئتم يداً بيد ". واشتراط القبض في الصّرف متّفق عليه، وإنّما وقع الاختلاف في التّفاضل بين الجنس الواحد. واستدل به على بيع الرّبويّات بعضها ببعضٍ إذا كان يداً بيد. وأصرح منه حديث عبادة بن الصّامت عند مسلم بلفظ " فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم ".

стр. 2359

باب الرهن وغيره (١) قال الله تعالى " وإن كنتم على سفرٍ ولَم تجدوا كاتباً فرهانٌ مقبوضةٌ " والرّهن بفتح أوّله وسكون الهاء: في اللغة الاحتباس من قولهم رهن الشّيء إذا دام وثبت، ومنه: (كل نفسٍ بما كسبت رهينة). وفي الشّرع: جعل مال وثيقة على دين. ويطلق أيضاً على العين المرهونة تسميةً للمفعول باسم المصدر. وأمّا الرُّهُن بضمّتين فالجمع، ويجمع أيضاً على رهانٍ بكسر الرّاء ككتب وكتاب، وقرئ بهما. والتّقييد بالسّفر في الآية خرج للغالب , فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيّته في الحضر , وهو قول الجمهور. واحتجّوا له من حيث المعنى , بأنّ الرّهن شرع توثقة على الدّين لقوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً) فإنّه يشير إلى أنّ المراد بالرّهن الاستيثاق، وإنّما قيّده بالسّفر لأنّه مظنّة فقد الكاتب فأخرجه مخرج الغالب. وخالف في ذلك مجاهد والضّحّاك فيما نقله الطّبريّ عنهما. فقالا: لا يُشرع إلَّا في السّفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل

стр. 2360

الظّاهر. وقال ابن حزم: إن شرط المرتهن الرّهن في الحضر لَم يكن له ذلك، وإن تبرّع به الرّاهن جاز، وحمل حديث أنس في البخاري , أنَّ النبي ﷺ رهن درعاً له بالمدينة عند يهوديّ. على ذلك.

стр. 2361

الحديث السابع والعشرون ٢٨٣ - عن عائشة ﵂، أنّ رسول الله ﷺ اشترى من يهوديٍّ طعاماً، ورهنه درعاً من حديدٍ. (١) قوله: (اشترى من يهوديٍّ) وللبخاري من طريق هشام الدّستوائيّ عن قتادة عن أنسٍ ﵁ قال: رهن النّبيّ ﷺ درعاً له بالمدينة عند يهوديٍّ. وأَخذَ منه شعيراً لأهله ". وهذا اليهوديّ هو أبو الشّحم (٢)، بيّنه الشّافعيّ , ثمّ البيهقيّ من طريق جعفر بن محمّد عن أبيه , أنّ النّبيّ ﷺ رهن درعاً له عند أبي الشّحم اليهوديّ رجلٍ من بني ظفر في شعير. وأبو الشّحم - بفتح المعجمة وسكون المهملة - اسمه كنيته، وظفر - بفتح الظّاء والفاء - بطن من الأوس , وكان حليفاً لهم. وضبطه بعض المتأخّرين بهمزةٍ موحّدةٍ ممدودة ومكسورة اسم الفاعل من الإباء، وكأنّه التبس عليه بأبي اللحم الصّحابيّ. وكان قدر الشّعير المذكور ثلاثين صاعاً كما في البخاري من حديث

стр. 2362

عائشة , وكذلك رواه أحمد وابن ماجه والطّبرانيّ وغيرهم من طريق عكرمة عن ابن عبّاس. وأخرجه التّرمذيّ والنّسائيّ من هذا الوجه فقالا: " بعشرين " ولعله كان دون الثّلاثين فجبر الكسر تارةً , وألغى أخرى. ووقع لابن حبّان من طريق شيبان عن قتادة عن أنس " أنّ قيمة الطّعام كانت ديناراً " , وزاد أحمد من طريق شيبان في آخره " فما وجد ما يفتكّها به حتّى مات ". قوله: (طعاماً) زاد الشيخان في رواية لهما " إلى أجل ". ولهما أيضاً " بنسيئةٍ " بكسر المهملة والمدّ. أي: بالأجل. وفي صحيح ابن حبّان من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش , أنّه سنة. وللبخاري من طريق سفيان عن الأعمش , قالت: توفّي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونةٌ عند يهوديٍّ بثلاثين صاعاً من شعيرٍ. قال ابن بطّال: الشّراء بالنّسيئة جائز بالإجماع. انتهى تكميل: قال البخاري " باب من اشترى بالدّين وليس عنده ثمنه أو ليس بحضرته " أي: فهو جائز، وكأنّه يشير إلى ضعف ما جاء عن ابن عبّاس مرفوعاً " لا أشتري ما ليس عندي ثمنه " وهو حديث أخرجه أبو داود والحاكم من طريق سماك عن عكرمة عنه , في أثناء حديث تفرّد به شريك عن سماك , واختلف في وصله وإرساله. ثمّ أورد فيه حديث جابر " في شراء النّبيّ ﷺ منه جمله في السّفر

стр. 2363

وقضائه ثمنه في المدينة (١)، وهو مطابقٌ للرّكن الثّاني من التّرجمة. وحديث عائشة في شرائه ﷺ من اليهوديّ الطّعام إلى أجل، وهو مطابقٌ للرّكن الأوّل. قال ابن المنير: وجه الدّلالة منه أنّه ﷺ لو حضره الثّمن ما أخّره , وكذا ثمن الطّعام لو حضره لَم يرتّب في ذمّته ديناً، لِمَا عُرف من عادته الشّريفة من المبادرة إلى إخراج ما يلزمه إخراجه. قوله: (ورهنه درعاً من حديدٍ) الدّرع بكسر المهملة يذكّر ويؤنّث , وجمعه أدراع. وهو القميص المتّخذ من الزّرد. (٢) ووقع في البخاري من طريق الثّوريّ عن الأعمش بلفظ: توفّي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونةٌ. وفي حديث أنسٍ عند أحمد " فما وجد ما يفتكّها به " وفيه دليلٌ على أنّ المرادَ بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: نفس المؤمن معلقةٌ بدينه حتّى يقضى عنه ". وهو حديث صحَّحه ابن حبّان وغيره , مَن لَم يترك عند صاحب الدّين ما يحصل له به الوفاء , وإليه جنح الماورديّ.

стр. 2364

وقيل: هذا محله في غير نفس الأنبياء. فإنّها لا تكون معلقةً بدينٍ فهي خصوصيّةٌ. وذكر ابن الطّلاع في " الأقضية النّبويّة " أنّ أبا بكر افتكّ الدّرع بعد النّبيّ ﷺ ، لكن روى ابن سعد عن جابر , أنّ أبا بكر قضى عِدات النّبيّ ﷺ , وأنّ عليّاً قضى ديونه. وروى إسحاق بن راهويه في " مسنده " عن الشّعبيّ مرسلاً , أنّ أبا بكر افتكّ الدّرع , وسلَّمها لعليّ بن أبي طالب. وأمّا من أجاب: بأنّه ﷺ افتكّها قبل موته , فمعارَض بحديث عائشة ﵂. وفي الحديث الرّدّ على مَن قال: إنّ الرّهن في السّلم لا يجوز، وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق ابن نمير عن الأعمش " أنّ رجلاً قال لإبراهيم النّخعيّ: إن سعيد بن جبير يقول: إنّ الرّهن في السّلم هو الرّبا المضمون، فردّ عليه إبراهيم بهذا الحديث. قال المُوفّق: رويت كراهة ذلك عن ابن عمر والحسن والأوزاعيّ وإحدى الرّوايتين عن أحمد، ورخّص فيه الباقون. والحجّة فيه قوله تعالى (إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمّىً فاكتبوه - إلى أن قال - فرهانٌ مقبوضةٌ) , واللفظ عامّ فيدخل السّلم في عمومه , لأنّه أحد نوعي البيع. واستدل لأحمد بما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد: من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره.

стр. 2365

ووجه الدّلالة منه أنّه لا يأمن هلاك الرّهن في يده بعدوانٍ فيصير مستوفياً لحقّه من غير المسلم فيه. وروى الدّارقطنيّ من حديث ابن عمر رفعه: من أسلف في شيء فلا يشترط على صاحبه غير قضائه. وإسناده ضعيف , ولو صحّ فهو محمول على شرط ينافي مقتضى العقد. وفيه جواز معاملة الكفّار فيما لَم يتحقّق تحريم عين المتعامل فيه , وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم، واستنبط منه جواز معاملة من أكثر ماله حرام. وفيه جواز بيع السّلاح ورهنه وإجارته وغير ذلك من الكافر ما لَم يكن حربيّاً. وفيه ثبوت أملاك أهل الذّمّة في أيديهم , وجواز الشّراء بالثّمن المؤجّل واتّخاذ الدّروع والعدد وغيرها من آلات الحرب وأنّه غير قادحٍ في التّوكّل، وأنّ قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها. قاله ابن المنير. وأنّ أكثر قوت ذلك العصر الشّعير. قاله الدّاوديّ. وأنّ القول قول المرتهن في قيمة المرهون مع يمينه. حكاه ابن التّين. وفيه ما كان عليه النّبيّ ﷺ من التّواضع والزّهد في الدّنيا والتّقلل منها مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادّخار حتّى احتاج إلى رهن درعه، والصّبر على ضيق العيش والقناعة باليسير، وفضيلة لأزواجه لصبرهنّ معه على ذلك، وفيه غير ذلك ممّا مضى

стр. 2366

ويأتي. قال العلماء: الحكمة في عدوله ﷺ عن معاملة مياسير الصّحابة إلى معاملة اليهود إمّا لبيان الجواز، أو لأنّهم لَم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم , أو خشي أنّهم لا يأخذون منه ثمناً , أو عوضاً. فلم يرد التّضييق عليهم، فإنّه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر على ذلك وأكثر منه , فلعله لَم يطلعهم على ذلك , وإنّما أطلع عليه من لَم يكن موسراً به ممّن نقل ذلك. والله أعلم.

стр. 2367

باب الحوالة الحوالة بفتح الحاء وقد تكسر. مشتقّة من التّحويل أو من الحئول، تقول حال عن العهد إذا انتقل عنه حئولاً. وهي عند الفقهاء نقل دين من ذمّة إلى ذمّة. واختلفوا. هل هي بيع دين بدينٍ رخّص فيه فاستثني من النّهي عن بيع الدّين بالدّين، أو هي استيفاء؟. وقيل: هي عقد إرفاق مستقل. ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند بعض شذّ. ويشترط أيضاً تماثل الحقّين في الصّفات، وأن يكون في شيء معلوم. ومنهم من خصّها بالنّقدين ومنعها في الطّعام , لأنّه بيع طعام قبل أن يستوفى.

стр. 2368

الحديث الثامن والعشرون ٢٨٤ - وعن أبي هريرة ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: مطل الغنيّ ظلمٌ، وإذا أتبع أحدكم على مليءٍ فليتبع. (١) قوله: (عن أبي هريرة) رواه همّام والأعرج عن أبي هريرة، ورواه ابن عمر وجابر مع أبي هريرة. قوله: (مطل الغنيّ ظلم) في رواية ابن عيينة عن أبي الزّناد عند النّسائيّ وابن ماجه " المطل ظلم الغنيّ " والمعنى أنّه من الظّلم، وأطلق ذلك للمبالغة في التّنفير عن المطل. وقد رواه الجوزقيّ من طريق همّام عن أبي هريرة بلفظ " إنّ من الظّلم مطل الغنيّ " وهو يفسّر الذي قبله. وأصل المطل المدّ، قال ابن فارس: مطلت الحديدة أمطلها مطلاً إذا مددتها لتطول. وقال الأزهريّ: المطل المدافعة، والمراد هنا تأخير ما استحقّ أداؤه بغير عذر. والغنيّ مختلف في تفريعه , ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء

стр. 2369

فأخّره - ولو كان فقيراً - كما سيأتي البحث فيه. وهل يتّصف بالمطل من ليس القدر الذي استحقّ عليه حاضراً عنده , لكنّه قادر على تحصيله بالتّكسّب مثلاً؟. أطلق أكثر الشّافعيّة عدم الوجوب. وصرّح بعضهم بالوجوب مطلقاً. وفصّل آخرون. بين أن يكون أصل الدّين وجب بسببٍ يعصى به فيجب وإلا فلا. وقوله " مطل الغنيّ " هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور. والمعنى أنّه يحرم على الغنيّ القادر أن يمطل بالدّين بعد استحقاقه بخلاف العاجز. وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى أنّه يجب وفاء الدّين - ولو كان مستحقّه غنيّاً - ولا يكون غناه سبباً لتأخير حقّه عنه، وإذا كان كذلك في حقّ الغنيّ فهو في حقّ الفقير أولى، ولا يخفى بعد هذا التّأويل. قوله: (وإذا أتبع أحدكم على مليٍّ فليتبع) المشهور في الرّواية واللغة كما قال النّوويّ: إسكان المثنّاة في " أتبع " وفي " فليتبع " وهو على البناء للمجهول مثل إذا أعلم فليعلم، تقول تبعت الرّجل بحقّي أتبعه تباعة بالفتح إذا طلبته. وقال القرطبيّ: أمّا أتبع فبضمّ الهمزة وسكون التّاء مبنيّاً لمالم يسمّ فاعله عند الجميع، وأمّا فليتبع فالأكثر على التّخفيف، وقيّده بعضهم

стр. 2370

بالتّشديد، والأوّل أجود. انتهى. وما ادّعاه من الاتّفاق على أتبع. يردّه قول الخطّابيّ: إنّ أكثر المحدّثين يقولونه بتشديد التّاء , والصّواب التّخفيف. ومعنى قوله " أتبع فليتبع " أي: أحيل فليحتل، وقد رواه بهذا اللفظ (١) أحمد عن وكيع عن سفيان الثّوريّ عن أبي الزّناد. وأخرج البيهقيّ مثله من طريق مُعلَّى بن منصور عن ابن أبي الزّناد عن أبيه. وأشار إلى تفرّد مُعلَّى بذلك. (٢) ولَم يتفرّد به كما تراه، ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ " فإذا أُحلت على مليء فاتّبعه " وهذا بتشديد التّاء بلا خلاف. والمليء , بالهمز مأخوذ من الملاء. يقال ملؤ الرّجل بضمّ اللام. أي: صار مليّاً. وقال الكرمانيّ: المليّ كالغنيّ لفظاً ومعنىً، فاقتضى أنّه بغير همز. وليس كذلك فقد قال الخطّابيّ: أنّه في الأصل بالهمز ومن رواه بتركها فقد سهّله. والأمر في قوله " فليتبع ".

стр. 2371

القول الأول: للاستحباب عند الجمهور، ووهِم من نقل فيه الإجماع. القول الثاني: هو أمر إباحة وإرشاد. وهو شاذّ. القول الثالث: حمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظّاهر على ظاهره. وعبارة الخرقيّ: ومن أحيل بحقّه على مليء فواجب عليه أن يحتال. تنبيهٌ: ادّعى الرّافعيّ أنّ الأشهر في الرّوايات " وإذا أتبع " وأنّهما جملتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى. وزعم بعض المتأخّرين أنّه لَم يرد إلَّا بالواو. وغفل عمّا في صحيح البخاريّ هنا , فإنّه بالفاء في جميع الرّوايات، وهو كالتّوطئة والعلة لقبول الحوالة، أي: إذا كان المطل ظلماً فليقبل من يحتال بدينه عليه، فإنّ المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظّلم فلا يمطل. نعم. رواه مسلم بالواو , وكذا البخاريّ في الباب الذي بعده , لكن قال " ومن أتبع " ومناسبة الجملة للتي قبلها أنّه لَمَّا دلَّ على أنّ مطل الغنيّ ظلم عقّبه بأنّه ينبغي قبول الحوالة على المليء لِمَا في قبولها من دفع الظّلم الحاصل بالمطل، فإنّه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على المحتال دون المحيل ففي قبول الحوالة إعانة على كفّه عن الظّلم. وفي الحديث الزّجر عن المطل، واختلف. هل يعدّ فعله عمداً

стр. 2372

كبيرة أم لا؟. فالجمهور. على أنّ فاعله يفسق. لكن هل يثبت فسقه بمطله مرّة واحدة أم لا؟. قال النّوويّ: مقتضى مذهبنا اشتراط التّكرار، وردّه السّبكيّ في " شرح المنهاج " بأنّ مقتضى مذهبنا عدمه. واستدل بأنّ منع الحقّ بعد طلبه وابتغاء العذر عن أدائه كالغصب والغصب كبيرة، وتسميته ظلماً يشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التّكرار. نعم لا يحكم عليه بذلك إلَّا بعد أن يظهر عدم عذره. انتهى. واختلفوا هل يفسق بالتّأخير مع القدرة قبل الطّلب أم لا؟. فالذي يشعر به حديث الباب التّوقّف على الطّلب , لأنّ المطل يشعر به، ويدخل في المطل كل من لزمه حقّ كالزّوج لزوجته والسّيّد لعبده والحاكم لرعيّته وبالعكس. واستدل به على أنّ العاجز عن الأداء لا يدخل في الظّلم، وهو بطريق المفهوم لأنّ تعليق الحكم بصفةٍ من صفات الذّات يدل على نفي الحكم عن الذّات عند انتفاء تلك الصّفة، ومن لَم يقل بالمفهوم أجاب: بأنّ العاجز لا يسمّى ماطلاً، وعلى أنّ الغنيّ الذي ماله غائب عنه لا يدخل في الظّلم، وهل هو مخصوص من عموم الغنيّ , أو ليس هو في الحكم بغنيٍّ؟. الأظهر الثّاني , لأنّه في تلك الحالة يجوز إعطاؤه من سهم الفقراء

стр. 2373

من الزّكاة، فلو كان في الحكم غنيّاً لَم يجز ذلك. واستنبط منه أنّ المعسر لا يحبس , ولا يطالب حتّى يوسر. قال الشّافعيّ: لو جازت مؤاخذته لكان ظالماً، والفرض أنّه ليس بظالمٍ لعجَزَه. وقال بعض العلماء: له أن يحبسه. وقال آخرون: له أن يلازمه. واستُدلّ به على أنّ الحوالة إذا صحّت ثمّ تعذّر القبض بحدوث حادث كموتٍ أو فلسٍ لَم يكن للمحتال الرّجوع على المحيل، لأنّه لو كان له الرّجوع لَم يكن لاشتراط الغنى فائدة، فلمّا شرطت علم أنّه انتقل انتقالاً لا رجوع له كما لو عوّضه عن دينه بعوضٍ , ثمّ تلف العوض في يد صاحب الدّين فليس له رجوع. وقال الحنفيّة: يرجع عند التّعذّر، وشبّهوه بالضّمان. وأخرج ابن أبي شيبة والأثرم - واللفظ له - عن قتادة والحسن , أنّهما سُئلا عن رجل احتال على رجل فأفلس، قالا: إنْ كان مليّاً يوم احتال عليه فليس له أن يرجع. وقيّده أحمد , بما إذا لَم يعلم المحتال بإفلاس المحال عليه. وعن الحَكَم: لا يرجع إلَّا إذا مات المحال عليه. وعن الثّوريّ: يرجع بالموت , وأمّا بالفلس فلا يرجع إلَّا بمحضر المحيل والمحال عليه. وقال أبو حنيفة: يرجع بالفلس مطلقاً سواء عاش أو مات , ولا

стр. 2374

يرجع بغير الفلس. وقال مالك: لا يرجع إلَّا إن غرّه كأن علم فلس المحال عليه , ولَم يعلمه بذلك. وقال الحسن وشريحٌ وزفر: الحوالة كالكفالة فيرجع على أيّهما شاء، وبه يشعر إدخال البخاريّ أبواب الكفالة في كتاب الحوالة. وذهب الجمهور إلى عدم الرّجوع مطلقاً. واحتجّ الشّافعيّ: بأنّ معنى قول الرّجل أحلته وأبرأني حوّلت حقّه عنّي وأثبتّه على غيري. وذكر أنّ محمّد بن الحسن احتجّ لقوله (١) بحديث عثمان , أنّه قال في الحوالة أو الكفالة: يرجع صاحبها لا توى (أي: لا هلاك) على مُسلمٍ " قال: فسألته عن إسناده. فذكره عن رجل مجهول عن آخر معروف. لكنّه منقطع بينه وبين عثمان. فبطل الاحتجاج به من أوجه. قال البيهقيّ: أشار الشّافعيّ بذلك إلى ما رواه شعبة عن خليد بن جعفر عن معاوية بن قرّة عن عثمان، فالمجهول خليد , والانقطاع بين معاوية بن قرّة وعثمان، وليس الحديث مع ذلك مرفوعاً، وقد شكّ راويه. هل هو في الحوالة أو الكفالة؟. واستُدل به على ملازمة المماطل وإلزامه بدفع الدّين والتّوصّل إليه بكل طريق وأخذه منه قهراً.

стр. 2375

واستُدل به على اعتبار رضا المحيل والمحتال دون المحال عليه , لكونه لَم يذكر في الحديث، وبه قال الجمهور. وعن الحنفيّة: يشترط أيضاً، وبه قال الإصطخريّ من الشّافعيّة. وفيه الإرشاد إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب لأنّه زجر عن المماطلة. وهي تؤدّي إلى ذلك. فائدة: أخرج أحمد وإسحاق في " مسنديهما " وأبو داود والنّسائيّ من حديث عمرو بن الشّريد بن أوس الثّقفيّ عن أبيه عن النّبيّ ﷺ . قال: لَيُّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته. وإسناده حسن، وذكر الطّبرانيّ أنّه لا يروى إلَّا بهذا الإسناد. الليّ بالفتح المطل، لوى يلوي. والواجد بالجيم الغنيّ، من الوجد بالضّمّ بمعنى القدرة. ويحل بضمّ أوّله. أي: يجوّز وصفه بكونه ظالماً. قال سفيان: عرضه يقول مطلني , وعقوبته الحبس.

стр. 2376

باب الفلس الحديث التاسع والعشرون ٢٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلس، فهو أحقّ به من غيره. (١) قوله: (قال رسول الله ﷺ أو قال سمعت رسول الله ﷺ ) هو شكٌّ من أحد رواته , وأظنّه من زهير، فإنّي لَم أر في رواية أحد ممّن رواه عن يحيى بن سعيد - مع كثرتهم فيه - التّصريح بالسّماع، وهذا مشعر بأنّه كان لا يرى الرّواية بالمعنى أصلاً. قوله: (من أدرك ماله بعينه) استدل به على أنّ شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لَم يتغيّر , ولَم يتبدّل، وإلَّا فإن تغيّرت العين في ذاتها بالنّقص مثلاً , أو في صفةٍ من صفاتها فهي أسوةٌ للغرماء. وأصرح منه رواية مسلم من طريق ابن أبي حسين عن أبي بكر بن

стр. 2377

محمّد بن عمرو بن حزمٍ. بلفظ: إذا وجد عنده المتاع ولَم يفرّقه. ووقع في رواية مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث مرسلاً: أيّما رجلٍ باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه , ولَم يقبض البائع من ثمنه شيئاً , فوجده بعينه فهو أحقّ به. فمفهومه أنّه إذا قبض من ثمنه شيئاً كان أسوة الغرماء , وبه صرّح ابن شهاب فيما رواه عبد الرّزّاق عن معمرٍ عنه، وهذا - وإن كان مرسلاً - فقد وصله عبد الرّزّاق في " مصنّفه " عن مالك , لكنّ المشهور عن مالك إرساله، وكذا عن الزّهريّ، وقد وصله الزّبيديّ عن الزّهريّ , أخرجه أبو داود وابن خزيمة وابن الجارود. ولابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز - أحد رواة هذا الحديث - قال: قضى رسول الله ﷺ أنّه أحقّ به من الغرماء إلَّا أن يكون اقتضى من ماله شيئاً فهو أسوة الغرماء. وإليه يشير اختيار البخاريّ لاستشهاده بأثر عثمان (١) , وكذلك رواه عبد الرّزّاق عن طاوس وعطاء صحيحاً. وبذلك قال جمهورُ مَن أخذ بعموم حديث الباب. إلَّا أنّ للشّافعيّ

стр. 2378

قولاً هو الرّاجح في مذهبه , أن لا فرق بين تغيّر السّلعة أو بقائها، ولا بين قبض بعض ثمنها أو عدم قبض شيءٍ منه , على التّفاصيل المشروحة في كتب الفروع. قوله: (عند رجلٍ أو إنسان) شكٌّ من الرّاوي أيضاً. قوله: (قد أفلس) أي: تبيّن إفلاسه. والمفلس شرعاً من تزيد ديونه على موجوده. سُمّي مفلساً: لأنّه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير إشارةً إلى أنّه صار لا يملك إلَّا أدنى الأموال وهي الفلوس. أو سُمّي بذلك: لأنّه يمنع التّصرّف إلَّا في الشّيء التّافه كالفلوس , لأنّهم ما كانوا يتعاملون بها إلَّا في الأشياء الحقيرة. أو سُمّي لأنّه صار إلى حالةٍ لا يملك فيها فلساً، فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسّلب. قوله: (فهو أحقّ به من غيره) أي: كائناً من كان وارثاً وغريماً. وبهذا قال جمهور العلماء. وهو القول الأول. القول الثاني: خالف الحنفيّة: فتأوّلوه لكونه خبر واحد خالف الأصول، لأنّ السّلعة صارت بالبيع ملكاً للمشتري ومن ضمانه، واستحقاق البائع أخذها منه نقضٌ لملكه. وحملوا الحديث على صورةٍ , وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عاريّة أو لقطة. وتعقّب: بأنّه لو كان كذلك لَم يقيّد بالفلس ولا جعل أحقّ بها لِما

стр. 2379

يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، وأيضاً فما ذكروه ينتقض بالشّفعة. وأيضاً فقد ورد التّنصيص في حديث الباب على أنّه في صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان الثّوريّ في " جامعه ". وأخرجه من طريقه ابن خزيمة وابن حبّان وغيرهما عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد بلفظ " إذا ابتاع الرّجل سلعةً ثمّ أفلس وهي عنده بعينها فهو أحقّ بها من الغرماء ". ولابن حبّان من طريق هشام بن يحيى المخزوميّ عن أبي هريرة بلفظ " إذا أفلس الرّجل فوجد البائع سلعته " والباقي مثله. ولمسلمٍ في رواية ابن أبي حسين المشار إليها قبل " إذا وجد عنده المتاع أنّه لصاحبه الذي باعه ". وفي مرسل ابن أبي مُلَيكة عند عبد الرّزّاق " من باع سلعةً من رجلٍ لَم ينقده , ثمّ أفلس الرّجل فوجدها بعينها. فليأخذها من بين الغرماء " وفي مرسل مالكٍ المشار إليه " أيّما رجلٍ باع متاعاً ". وكذا هو عند من قدّمنا أنّه وصله. فظهر أنّ الحديث واردٌ في صورة البيع، ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر من باب الأولى. تنبيهٌ: وقع في الرّافعيّ سياق الحديث بلفظ الثّوريّ الذي قدّمته. فقال السّبكيّ في " شرح المنهاج ": هذا الحديث أخرجه مسلم بهذا اللفظ , وهو صريحٌ في المقصود , فإنّ اللفظ المشهور. أي: الذي في البخاريّ عامٌّ أو محتمل، بخلاف لفظ البيع فإنّه نصٌّ لا احتمال فيه.

стр. 2380

وهو لفظ مسلم، قال: وجاء بلفظه بسندٍ آخر صحيحٍ. انتهى واللفظ المذكور ما هو في صحيح مسلمٍ , وإنّما فيه ما قدّمته. والله المستعان. وحمله بعض الحنفيّة أيضاً على ما إذا أفلس المشتري قبل أن يقبض السّلعة. وتعقّب: بقوله في حديث الباب " عند رجل " ولابن حبّان من طريق سفيان الثّوريّ عن يحيى بن سعيد " ثمّ أفلس وهي عنده ". وللبيهقيّ من طريق ابن شهاب عن يحيى " إذا أفلس الرّجل وعنده متاع " فلو كان لَم يقبضه ما نصّ في الخبر على أنّه عنده. واعتذارهم بكونه خبر واحدٍ فيه نظرٌ، فإنّه مشهورٌ من غير هذا الوجه، أخرجه ابن حبّان من حديث ابن عمر. وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد وأبو داود من حديث سمرة. وإسناده حسن. وقضى به عثمان وعمر بن عبد العزيز كما مضى , وبدون هذا يخرج الخبر عن كونه فرداً غريباً. قال ابن المنذر: لا نعرف لعثمان في هذا مخالفاً من الصّحابة. وتعقّب: بما روى ابن أبي شيبة عن عليّ , أنّه أسوة الغرماء. وأجيب: بأنّه اختلف على عليٍّ في ذلك بخلاف عثمان. وقال القرطبيّ في " المفهم ": تعسّف بعض الحنفيّة في تأويل هذا الحديث بتأويلاتٍ لا تقوم على أساس. وقال النّوويّ: تأوّله بتأويلاتٍ ضعيفةٍ مردودةٍ. انتهى.

стр. 2381

واختلف القائلون في صورةٍ. وهي ما إذا مات ووُجدت السّلعة. القول الأول: قال الشّافعيّ: الْحُكم كذلك , وصاحب السّلعة أحقّ بها من غيره. القول الثاني: قال مالك وأحمد: هو أسوة الغرماء. واحتجّا بما في مرسل مالكٍ " وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء " وفرّقوا بين الفلس والموت. بأنّ الميّت خربت ذمّته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك، بخلاف المفلس. واحتجّ الشّافعيّ: بما رواه من طريق عمر بن خلدة - قاضي المدينة - عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ أيّما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه إذا وجده بعينه " وهو حديث حسنٌ يحتجّ بمثله. أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود وابن ماجه وصحَّحه الحاكم، وزاد بعضهم في آخره " إلَّا أن يترك صاحبه وفاء ". ورجّحه الشّافعيّ على المرسل. وقال: يحتمل أن يكون آخره من رأي أبي بكر بن عبد الرّحمن , لأنّ الذين وصلوه عنه لَم يذكروا قضيّة الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة , وغيره لَم يذكروا ذلك، بل صرّح ابن خلدة عن أبي هريرة بالتّسوية بين الإفلاس والموت فتعيّن المصير إليه , لأنّها زيادةٌ من ثقة. وجزم ابن العربيّ المالكيّ: بأنّ الزّيادة التي في مرسل مالكٍ من قول الرّاوي. وجمع الشّافعيّ أيضاً بين الحديثين بحمل حديث ابن خلدة على ما

стр. 2382

إذا مات مفلساً , وحديث أبي بكر بن عبد الرّحمن على ما إذا مات مليئاً. والله أعلم. ومن فروع المسألة: ما إذا أراد الغرماء , أو الورثة إعطاء صاحب السّلعة الثّمن. فقال مالك: يلزمه القبول. وقال الشّافعيّ وأحمد: لا يلزمه ذلك لِما فيه من المنّة، ولأنّه ربّما ظهر غريم آخر فزاحمه فيما أخذ. وأغرب ابن التّين فحكى عن الشّافعيّ أنّه قال: لا يجوز له ذلك، ليس له إلَّا سلعته. ويلتحق بالمبيع المؤجّر. فيرجع مكتري الدّابّة أو الدّار إلى عين دابّته وداره ونحو ذلك، وهذا هو الصّحيح عن الشّافعيّة والمالكيّة. وإدراج الإجارة في هذا الحكم متوقّف على أنّ المنافع يُطلق عليها اسم المتاع أو المال، أو يقال اقتضى الحديث أن يكون أحقّ بالعين , ومن لوازم ذلك الرّجوع في المنافع فثبت بطريق اللزوم. واستدل به على حلول الدّين المؤجّل بالفلس من حيث إنّ صاحب الدّين أدرك متاعه بعينه فيكون أحقّ به، ومن لوازم ذلك أن يجوز له المطالبة بالمؤجّل. وهو قول الجمهور. لكنّ الرّاجح عند الشّافعيّة أنّ المؤجّل لا يحل بذلك , لأنّ الأجل حقّ مقصود له فلا يفوت. واستدل به على أنّ لصاحب المتاع أن يأخذه , وهو الأصحّ من قولي

стр. 2383

العلماء. والقول الآخر: يتوقّف على حكم الحاكم كما يتوقّف ثبوت الفلس. واستدل به على فسخ البيع إذا امتنع المشتري من أداء الثّمن مع قدرته بمطلٍ أو هربٍ قياساً على الفلس بجامع تعذّر الوصول إليه حالاً، والأصحّ من قولي العلماء أنّه لا يفسخ. واستدل به على أنّ الرّجوع إنّما يقع في عين المتاع دون زوائده المنفصلة , لأنّها حدثت على ملك المشتري. وليست بمتاع البائع. والله أعلم.

стр. 2384

باب الشفعة الشّفعة: بضمّ المعجمة وسكون الفاء. وغلط من حرّكها. وهي مأخوذة لغة من الشّفع وهو الزّوج. وقيل: من الزّيادة. وقيل: من الإعانة. وفي الشّرع: انتقال حصّة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبيّ بمثل العوض المسمّى. ولَم يختلف العلماء في مشروعيّتها , إلَّا ما نقل عن أبي بكر الأصمّ من إنكارها.

стр. 2385

الحديث الثلاثون ٢٨٦ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , قال: جعل , وفي لفظ: قضى النبيّ ﷺ بالشّفعة في كل مالٍ لَم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطّرق فلا شفعة. (١) قوله: (في كل مالٍ لَم يُقسم) وللبخاري من رواية عبد الواحد بن زيادٍ وهشام بن يوسف عن معمرٍ عن الزهري " كل ما لَم يقسم ". وله أيضاً من رواية عبد الرّزّاق عن معمرٍ " كل مالٍ " , وكذا قال عبد الرّحمن بن إسحاق عن الزّهريّ، أخرجه مسدّدٌ في " مسنده " عن بشر بن المفضّل عنه. ووقع عند السّرخسيّ (٢) في رواية عبد الرّزّاق , وفي رواية عبد
следующие страницы →