روايته عن قتادة
وقيل: اسمها سهيمة - بسينٍ مهملةٍ مصغّر -. أخرجه أبو نعيمٍ. وكأنّه تصحيف، وعند ابن منده. أميمة بألفٍ. أخرجها من طريق أبي صالح عن ابن عبّاس , وسَمّى أباها الحارث.
وهي واحدة اختلف في التّلفّظ باسمها والرّاجح الأوّل.
قوله: (كنت عند رفاعة القرظيّ) هو رفاعة القرظيّ بن سموأل بفتح المهملة والميم وسكون الواو بعدها همزة ثمّ لامٌ.
والقرظيّ بالقاف والظّاء المعجمة.
قوله: (فطلقني، فبتّ طلاقي) ظاهر في أنّه قال لها: أنت طالق البتّة.
ويحتمل: أن يكون المراد أنّه طلَّقها طلاقاً حصل به قطع عصمتها منه، وهو أعمّ من أن يكون طلَّقها ثلاثاً مجموعة أو مفرّقة.
ويؤيّد الثّاني ما في الصحيحين من وجه آخر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنّها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات.
قوله: (فتزوجَتْ بعده عبدَ الرحمن بن الزّبير) الزّبير بفتح الزّاي.
واتّفقت الرّوايات كلّها عن هشام بن عروة , أنّ الزّوج الأوّل رفاعة والثّاني عبد الرّحمن، وكذا قال عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة في كتاب النّكاح له عن قتادة , أنّ تميمة بنت أبي عبيد القرظيّة كانت تحت رفاعة فطلَّقها فخلف عليها عبد الرّحمن بن الزّبير ".
стр. 2697
وتسميته لأبيها لا تنافي رواية مالك , فلعل اسمه وهب وكنيته أبو عبيد. إلَّا ما وقع عند ابن إسحاق في " المغازي " من رواية سلمة بن الفضل عنه , وتفرّد به عنه عن هشام عن أبيه , قال: كانت امرأة من قريظة يقال لها تميمة تحت عبد الرّحمن بن الزّبير فطلقها. فتزوّجها رفاعة ثمّ فارقها، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرّحمن بن الزّبير.
وهو مع إرساله مقلوب. والمحفوظ ما اتّفق عليه الجماعة عن هشام.
وقد وقع لامرأة أخرى قريبٌ من قصّتها , فأخرج النّسائيّ من طريق سليمان بن يسار عن عبيد الله بن العبّاس. أي: ابن عبد المطّلب , أنّ الغميصاء أو الرّميصاء أتت النّبيّ ﷺ تشكو من زوجها أنّه لا يصِلُ إليها، فلم يلبث أن جاء فقال: إنّها كاذبة , ولكنّها تريد أن ترجع إلى زوجها الأوّل، فقال: ليس ذلك لها حتّى تذوق عسيلته " ورجاله ثقات , لكن اختلف فيه على سليمان بن يسار.
ووقع عند شيخنا في شرح التّرمذيّ " عبد الله بن عبّاس " مكبّر , وتعقَّبَ على ابن عساكر والمزّيّ , أنّهما لَم يذكرا هذا الحديث في " الأطراف ".
ولا تعقّب عليهما: فإنّهما ذكراه في مسند عبيد الله بالتّصغير وهو الصّواب، وقد اختلف في سماعه من النّبيّ ﷺ إلَّا أنّه ولد في عصره فذُكر لذلك في الصّحابة.
واسم زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم. أخرجه الطّبرانيّ وأبو
стр. 2698
مسلم الكجّيّ وأبو نعيمٍ في الصّحابة من طريق حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة , أنّ عمرو بن حزم طلق الغميصاء , فتزوّجها رجلٌ قبل أن يمسّها , فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأوّل .. الحديث.
ولَم أعرف اسم زوجها الثّاني.
ووقعت لثالثةٍ قصّةٌ أخرى مع رفاعة رجلٍ آخر غير الأوّل. والزّوج الثّاني عبد الرّحمن بن الزّبير أيضاً , أخرجه مقاتل بن حيّان في " تفسيره " , ومن طريقه ابن شاهين في " الصّحابة " ثمّ أبو موسى , قوله تعالى (فلا تحلُّ له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره) قال: نزلت في عائشة بنت عبد الرّحمن بن عقيل النّضريّة , كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك - وهو ابن عمّها - فطلَّقها طلاقاً بائناً فتزوّجت بعده عبد الرّحمن بن الزّبير , ثمّ طلَّقها , فأتت النّبيّ ﷺ فقالت: إنّه طلَّقني قبل أن يمسّني , أفأرجع إلى ابن عمّي زوجي الأوّل؟ قال: لا " الحديث.
وهذا الحديث - إن كان محفوظاً - فالواضح من سياقه أنّها قصّة أخرى , وأنّ كلاً من رفاعة القرظيّ ورفاعة النّضريّ وقع له مع زوجة له طلاقٌ , فتزوّج كلاً منهما عبد الرّحمن بن الزّبير فطلَّقها قبل أن يمسّها. فالحكم في قصّتهما متّحدٌ مع تغاير الأشخاص.
وبهذا يتبيّن خطأ من وحّد بينهما. ظنّاً منه أنّ رفاعة بن سموأل هو رفاعة بن وهب , فقال: اختلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال،
стр. 2699
فذكر الاختلاف في النّطق بتميمة وضمّ إليها عائشة.
والتّحقيق ما تقدّم.
ووقعت لأبي ركانة قصّة أخرى سأذكرها آخر هذا الحديث
قوله: (وإنما معه مثل هدبة الثّوب) بضمّ الهاء وسكون المهملة بعدها موحّدة مفتوحة , هو طرف الثّوب الذي لَم ينسج مأخوذ من هدب العين وهو شعر الجفن.
وأرادت أنّ ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار.
وعند البخاري من طريق أبي معاوية عن هشام: فتزوّجت زوجاً غيره فلم يصل منها إلى شيء يريده. وعند أبي عوانة من طريق الدّراورديّ عن هشام " فنكحها عبد الرّحمن بن الزّبير فاعترض عنها ". وكذا في رواية مالك عن عبد الرّحمن بن الزّبير نفسه. وزاد " فلم يستطع أن يمسّها "
وقوله " فاعترض " بضمّ المثنّاة وآخره ضاد معجمة , أي: حصل له عارض حال بينه وبين إتيانها , إمّا من الجنّ وإمّا من المرض.
ووقع في رواية أبي معاوية عن هشام " فلم يقربني إلَّا هنةً واحدة , ولَم يصل منّي إلى شيء " والهنة بفتح الهاء وتخفيف النّون. المرّة الواحدة الحقيرة.
واستدل به على أنّ وطء الزّوج الثّاني لا يكون محللاً ارتجاع الزّوج الأوّل للمرأة إلَّا إن كان حال وطئه منتشراً , فلو كان ذكره أشلّ أو كان هو عنّيناً أو طفلاً لَم يكف على أصحّ قولي العلماء، وهو الأصحّ
стр. 2700
عند الشّافعيّة أيضاً.
قوله: (وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا) وقع في رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة " ولَم يكن معه إلَّا مثل الهدبة فلم يقربني إلَّا هنة واحدة ولَم يصل منّي إلى شيء. أفأحلُّ لزوجي الأوّل؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تحلين لزوجك الأوّل. الحديث.
وللبخاري من طريق أيّوب عن عكرمة , أنّ رفاعة طلَّق امرأته فتزوّجها عبد الرّحمن بن الزّبير، قالت عائشة: فجاءت وعليها خمار أخضر. فشكت إليها - أي إلى عائشة - من زوجها وأرتها خضرة بجلدها، فلمّا جاء رسول الله ﷺ والنّساء يبصرن بعضهنّ بعضاً قالت عائشة: ما رأيت ما يلقى المؤمنات، لَجلدها أشدّ خضرة من ثوبها. وسمع زوجها فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله مالي إليه من ذنب إلَّا أنّ ما معه ليس بأغنى عنّي من هذه - وأخذت هدبة من ثوبها - فقال: كذبتْ والله يا رسولَ الله، إنّي لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشزة تريد رفاعة. قال: فإن كان ذلك لَم تحلّ له " الحديث.
وكأنّ هذه المراجعة بينهما هي التي حملت خالد بن سعيد بن العاص على قوله الذي وقع في رواية الزّهريّ عن عروة في البخاري من طريق شعيب عنه قال: فسمع خالد بن سعيد قولها - وهو بالباب - فقال: يا أبا بكر ألا تنهي هذه عمّا تجهر به عند رسول الله ﷺ ؟ , فوالله ما يزيد رسول الله ﷺ على التّبسّم.
قوله: (قالت: وأبو بكر عنده، وخالد بن سعيدٍ بالباب ... ما
стр. 2701
تجهر به عند رسول الله ﷺ ) وللبخاري " يا أبا بكر ألا تنهى هذه عمّا تجهر به عند رسول الله ﷺ ؟ فوالله ما يزيد رسول الله ﷺ على التّبسّم ".
وفيه ما كان الصّحابة عليه من سلوك الأدب بحضرة النّبيّ ﷺ , وإنكارهم على من خالف ذلك بفعله أو قوله. لقول خالد بن سعيد لأبي بكر الصّدّيق وهو جالس: ألا تنهى هذه؟.
وإنّما قال خالد ذلك , لأنّه كان خارج الحجرة، فاحتمل عنده أن يكون هناك ما يمنعه من مباشرة نهيها بنفسه، فأمر به أبا بكر لكونه كان جالساً عند النّبيّ ﷺ مشاهداً لصورة الحال، ولذلك لَمَّا رأى أبو بكر النّبيّ ﷺ يتبسّم عند مقالتها لَم يزجرها.
وتبسّمه ﷺ كان تعجّباً منها، إمّا لتصريحها بما يستحي النّساء من التّصريح به غالباً، وإمّا لضعف عقل النّساء لكون الحامل لها على ذلك شدّة بغضها في الزّوج الثّاني ومحبّتها في الرّجوع إلى الزّوج الأوّل، ويستفاد منه جواز وقوع ذلك.
تنبيهٌ: وقع في جميع الطّرق من قول خالد بن سعيد لأبي بكر: ألا تنهى هذه عمّا تجهر به؟ أي: ترفع به صوتها.
وذكره الدّاوديّ بلفظ " تهجر " بتقديم التّاء على الجيم، والهجر بضمّ الهاء الفحش من القول، والمعنى هنا عليه، لكنّ الثّابت في الرّوايات ما ذكرته، وذكر عياض أنّه وقع كذلك في غير الصّحيح.
واستدل بكلام خالد هذا لجواز الشّهادة على الصّوت، والغرض
стр. 2702
منه إنكاره على امرأة رفاعة ما كانت تكلم به عند النّبيّ ﷺ مع كونه محجوباً عنها خارج الباب , ولَم ينكر النّبيّ ﷺ عليه ذلك , فاعتماد خالدٍ على سماع صوتها حتّى أنكر عليها هو حاصل ما يقع من شهادة السّمع.
قوله: (حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) كذا في الموضعين بالتّصغير. واختلف في توجيهه.
فقيل: هي تصغير العسل , لأنّ العسل مؤنّث، جزم به القزّاز ثمّ قال: وأحسب التّذكير لغة.
وقال الأزهريّ: يذكّر ويؤنّث.
وقيل: لأنّ العرب إذا حقرت الشّيء أدخلت فيه هاء التّأنيث، ومن ذلك قولهم دريهمات. فجمعوا الدّرهم جمع المؤنّث عند إرادة التّحقير، وقالوا أيضاً في تصغير هند: هنيدة.
وقيل: التّأنيث باعتبار الوطأة. إشارة إلى أنّها تكفي في المقصود من تحليلها للزّوج الأوّل
وقيل: المراد قطعة من العسل , والتّصغير للتّقليل إشارة إلى أنّ القدر القليل كافٍ في تحصيل الحلّ.
قال الأزهريّ: الصّواب أنّ معنى العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، وأنّث تشبيهاً بقطعةٍ من عسلٍ.
وقال الدّاوديّ: صغّرت لشدّة شبهها بالعسل.
وقيل: معنى العسيلة النّطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصريّ.
стр. 2703
وقال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة , وهو تغييب حشفة الرّجل في فرج المرأة.
وزاد الحسن البصريّ: حصول الإنزال. وهذا الشّرط انفرد به عن الجماعة. قاله ابن المنذر وآخرون.
وقال ابن بطّالٍ: شذّ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء , وقالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحدّ ويحصن الشّخص ويوجب كمال الصّداق ويفسد الحجّ والصّوم.
قال أبو عبيد: العسيلة لذّة الجماع , والعرب تسمّي كلّ شيء تستلذّه عسلاً، وهو في التّشديد يقابل قول سعيد بن المسيّب في الرّخصة، ويردّ قول الحسن أنّ الإنزال لو كان شرطاً لكان كافياً، وليس كذلك , لأنّ كلاً منهما إذا كان بعيد العهد بالجماع مثلاً أنزل قبل تمام الإيلاج، وإذا أنزل كلّ منهما قبل تمام الإيلاج لَم يذق عسيلة صاحبه، لا إن فسّرت العسيلة بالإمناء ولا بلذّة الجماع.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلّ للأوّل، إلَّا سعيد بن المسيّب. ثمّ ساق بسنده الصّحيح عنه قال: يقول النّاس لا تحلّ للأوّل حتّى يجامعها الثّاني، وأنا أقول: إذا تزوّجها تزويجاً صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها للأوّل فلا بأس أن يتزوّجها الأوّل. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور.
وفيه تعقّب على من استبعد صحّته عن سعيد.
قال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحداً وافقه عليه إلَّا طائفة من
стр. 2704
الخوارج، ولعلَّه لَم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن.
قلت: سياق كلامه يشعر بذلك. وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك. وهو ما أخرجه النّسائيّ من رواية شعبة عن علقمة بن مرثد عن سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيّب عن ابن عمر رفعه , في الرّجل تكون له المرأة فيطلقها ثمّ يتزوّجها آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها فترجع إلى الأوّل، فقال: لا، حتّى تذوق العسيلة.
وقد أخرجه النّسائيّ أيضاً من رواية سفيان الثّوريّ عن علقمة بن مرثد فقال: عن رزين بن سليمان الأحمريّ عن ابن عمر نحوه.
قال النّسائيّ: هذا أولى بالصّواب، وإنّما قال ذلك , لأنّ الثّوريّ أتقن وأحفظ من شعبة، وروايته أولى بالصّواب من وجهين:
أحدهما: أنّ شيخ علقمة شيخهما هو رزين بن سليمان كما قال الثّوريّ , لا سالم بن رزين كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن علقمة كذلك، منهم غيلان بن جامع أحد الثّقات.
ثانيهما: أنّ الحديث لو كان عند سعيد بن المسيّب عن ابن عمر مرفوعاً ما نسبه إلى مقالة النّاس الذين خالفهم.
ويؤخذ من كلام ابن المنذر , أنّ نقل أبي جعفر النّحّاس في " معاني القرآن " وتبعه عبد الوهّاب المالكيّ في " شرح الرّسالة " القول بذلك عن سعيد بن جبير وهمٌ.
стр. 2705
وأعجب منه أنّ أبا حبّان جزم به عن السّعيدين (١) سعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير، ولا يعرف له سندٌ عن سعيد بن جبير في شيء من المصنّفات، وكفى قول ابن المنذر حجّة في ذلك.
وحكى ابن الجوزيّ عن داود أنّه وافق سعيد بن المسيّب على ذلك.
قال القرطبيّ: ويستفاد من الحديث على قول الجمهور أنّ الحكم يتعلق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم، خلافاً لمَن قال لا بدّ من حصول جميعه. وفي قوله " حتّى تذوقي عسيلته إلخ " إشعار بإمكان ذلك.
لكن قولها " ليس معه إلَّا مثل هذه الهدبة " ظاهر في تعذّر الجماع المشترط.
فأجاب الكرمانيّ: بأنّ مرادها بالهدبة التّشبيه بها في الدّقّة والرّقّة , لا في الرّخاوة وعدم الحركة واستبعد ما قال.
وسياق الخبر يعطي بأنّها شكَتْ منه عدم الانتشار، ولا يمنع من ذلك قوله ﷺ " حتّى تذوقي " لأنّه علقه على الإمكان وهو جائز الوقوع، فكأنّه قال: اصبري حتّى يتأتّى منه ذلك، وإن تفارقا فلا بدّ لها من إرادة الرّجوع إلى رفاعة من زوج آخر يحصل لها منه ذلك.
واستدل بإطلاق وجود الذّوق منهما , الاشتراط على الزّوجين به حتّى لو وطئها نائمة أو مغمىً عليها لَم يكف ولو أنزل هو.
стр. 2706
وبالغ ابن المنذر فنقله عن جميع الفقهاء. وتُعقّب.
وقال القرطبيّ: فيه حجّة لأحد القولين في أنّه لو وطئها نائمة أو مغمىً عليها لَم تحلّ. وجزم ابن القاسم بأنّ وطء المجنون يحلل، وخالفه أشهب.
واستدل به على جواز رجوعها لزوجها الأوّل إذا حصل الجماع من الثّاني، لكن شرط المالكيّة. ونُقل عن عثمان وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزّوج الثّاني , ولا إرادة تحليلها للأوّل.
وقال الأكثر: إن شرط ذلك في العقد فسد , وإلا فلا.
واتّفقوا على أنّه إذا كان في نكاح فاسدٍ لَم يحلل.
وشذّ الحَكَم , فقال: يكفي، وأنّ من تزوّج أمة , ثمّ بتّ طلاقها , ثمّ ملكها لَم يحلّ له أن يطأها حتّى تتزوّج غيره.
وقال ابن عبّاس وبعض أصحابه والحسن البصريّ: تحلّ له بملك اليمين.
واختلفوا فيما إذا وطئها حائضاً , أو بعد أن طهرت قبل أن تطهر , أو أحدهما صائم أو محرم.
وقال ابن حزم: أخذ الحنفيّة بالشّرط الذي في هذا الحديث عن عائشة، وهو زائد على ظاهر القرآن، ولَم يأخذوا بحديثها في اشتراط خمس رضعات لأنّه زائد على ما في القرآن، فيلزمهم الأخذ به أو ترك حديث الباب.
وأجابوا: بأنّ النّكاح عندهم حقيقة في الوطء , فالحديث موافق
стр. 2707
لظاهر القرآن.
واستدل بقولها " بتّ طلاقي " على أنّ البتّة ثلاث تطليقات.
وهو عجبٌ ممّن استدل به فإنّ البتّ بمعنى القطع والمراد به قطع العصمة، وهو أعمّ من أن يكون بالثّلاث مجموعة أو بوقوع الثّالثة التي هي آخر ثلاث تطليقات.
وتقدّم صريحاً " أنّه طلَّقها آخر ثلاث تطليقات " فبطل الاحتجاج به.
ونقل ابن العربيّ عن بعضهم , أنّه أورد على حديث الباب ما ملخّصه , أنّه يلزم من القول به.
أولاً. إمّا الزّيادة بخبر الواحد على ما في القرآن فيستلزم نسخ القرآن بالسّنّة التي لَم تتواتر.
ثانياً. أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين مع ما فيه من الإلباس.
والجواب عن الأوّل: أنّ الشّرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لَم تكن إضافته نسخاً ولا زيادة.
والجواب عن الثّاني: أنّ النّكاح في الآية أضيف إليها , وهي لا تتولى العقد بمجرّدها فتعيّن أنّ المراد به في حقّها الوطء، ومن شرطه اتّفاقاً أن يكون وطئاً مباحاً فيحتاج إلى سبق العقد.
ويمكن أن يقال: لَمَّا كان اللفظ محتملاً للمعنيين بيّنت السّنّة أنّه لا بدّ من حصولهما، فاستدل به على أنّ المرأة لا حقّ لها في الجماع , لأنّ
стр. 2708
هذه المرأة شكت أنّ زوجها لا يطؤها , وأنّ ذكره لا ينتشر , وأنّه ليس معه ما يغني عنها , ولَم يفسخ النّبيّ ﷺ نكاحها بذلك.
ومن ثَمَّ قال إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة وداود بن عليّ: لا يفسخ بالعنّة , ولا يُضرب للعنّين أجلٌ.
وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرّجل بالجماع.
فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرّة واحدة لَم يؤجّل أجل العنّين، وهو قول الأوزاعيّ والثّوريّ وأبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وإسحاق.
وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلةٍ أجّل له سنة، وإن كان لغير عِلَّة فلا تأجيل.
وقال عياض: اتّفق كافّة العلماء على أنّ للمرأة حقّاً في الجماع، فيثبت الخِيَار لها إذا تزوّجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعنّين أجل سنة لاحتمال زوال ما به.
وأمّا استدلال داود ومن يقول بقوله بقصّة امرأة رفاعة فلا حجّة فيها، لأنّ في بعض طرقه أنّ الزّوج الثّاني كان أيضاً طلَّقها كما وقع عند مسلم صريحاً من طريق القاسم عن عائشة قالت: طلّق رجلٌ امرأتَه ثلاثاً فتزوّجها رجلٌ آخر فطلَّقها قبل أن يدخل بها , فأراد زوجها الأوّل أن يتزوّجها، فسئل النّبيّ ﷺ عن ذلك فقال: لا. الحديث، وأصله عند البخاريّ.
ووقع في حديث الزّهريّ عن عروة كما في البخاري في آخر الحديث
стр. 2709
بعد قوله: لا حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " قال: ففارقته بعد " زاد ابن جريجٍ عن الزّهريّ في هذا الحديث: أنّها جاءت بعد ذلك إلى النّبيّ ﷺ فقالت إنّه - يعني زوجها الثّاني -: مسّها فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأوّل.
وصرّح مقاتل بن حيّان في " تفسيره " مرسلاً , أنّها قالت: يا رسولَ الله: إنّه كان مسّني، فقال: كذبتِ بقولكِ الأوّل فلن أصدّقكِ في الآخر، وأنّها أتت أبا بكر ثمّ عمر فمنعاها.
وكذا وقعت هذه الزّيادة الأخيرة في رواية ابن جريجٍ المذكورة. أخرجها عبد الرّزّاق عنه.
ووقع عند مالك في " الموطّأ " عن المسور بن رفاعة عن الزّبير بن عبد الرّحمن بن الزّبير، زاد خارج الموطّأ فيما رواه ابن وهب عنه , وتابعه إبراهيم بن طهمان عن مالك عند الدّارقطنيّ في " الغرائب " عن أبيه , أنّ رفاعة طلَّق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثاً، فنكحها عبد الرّحمن، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسّها ففارقها، فأراد رفاعة أن يتزوّجها. الحديث.
ووقع عند أبي داود من طريق الأسود عن عائشة. سئل رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته فتزوّجت غيره فدخل بها وطلَّقها قبل أن يواقعها. أتحل للأوّل؟ قال: لا. الحديث.
وأخرج الطّبريّ وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة نحوه، والطّبريّ أيضاً والبيهقيّ من حديث أنسٍ كذلك، وكذا وقع في رواية
стр. 2710
حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة , أنّ عمرو بن حزم طلَّق الغميصاء فنكحها رجلٌ فطلّقها قبل أن يمسّها، فسألت النّبيّ ﷺ فقال: لا، حتّى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته. وأخرجه الطّبرانيّ. ورواته ثقات.
فإن كان حمّاد بن سلمة حفظه فهو حديث آخر لعائشة في قصّة أخرى غير قصّة امرأة رفاعة، وله شاهد من حديث عبيد الله - بالتّصغير - ابن عبّاس عند النّسائيّ في ذكره الغميصاء، لكنّ سياقه يشبه قصّة رفاعة. كما تقدّم في أوّل شرح هذا الحديث.
وقد قدّمت أنّه وقع لكلٍّ من رفاعة بن سموأل ورفاعة بن وهب أنّه طلق امرأته , وأنّ كلاً منهما تزوّجها عبد الرّحمن بن الزّبير , وأنّ كلاً منهما شكَتْ أنّه ليس معه إلَّا مثل الهدبة.
فلعل إحدى المرأتين شكته قبل أن يفارقها , والأخرى بعد أن فارقها.
ويحتمل: أن تكون القصّة واحدة. ووقع الوهم من بعض الرّواة في التّسمية أو في النّسبة , وتكون المرأة شكت مرّتين من قبل المفارقة ومن بعدها، والله أعلم
وأمّا ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عبّاس قال: طلَّق عبد يزيد أبو ركانة أمّ ركانة ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النّبيّ ﷺ فقالت: ما يغني عنّي إلَّا كما تغني هذه الشّعرة - لشعرةٍ أخذتها من رأسها - ففرّق بيني وبينه، قال: فقال النّبيّ ﷺ لعبد يزيد: طلَّقها
стр. 2711
وراجع أمّ ركانة، ففعل.
فليس فيه حجّة لمسألة العنّين، والله أعلم بالصّواب.
стр. 2712
الحديث الحادي عشر
٣١٥ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: من السُّنة إذا تزوّج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً، ثم قسم، وإذا تزوج الثيب، أقام عندها ثلاثاً، ثم قسم، قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إنَّ أنساً رفعه إلى النبيّ ﷺ . (١)
قوله: (قال: من السُّنّة) أي: سنّة النّبيّ ﷺ ، هذا الذي يتبادر للفهم من قول الصّحابيّ، وقد روى البخاري قول سالم بن عبد الله بن عمر لَمَّا سأله الزّهريّ عن قول ابن عمر للحجّاج " إن كنت تريد السّنّة هل تريد سنّة النّبيّ ﷺ ؟ فقال له سالم: وهل يعنون بذلك إلَّا سنّته.
قوله: (إذا تزوّج الرّجل البكر على الثّيّب) أي: يكون عنده امرأة فيتزوّج معها بكراً كما سيأتي البحث عنه.
قوله: (أقام عندها سبعاً ثم قسم وإذا تزوّج الثيب: أقام عندها ثلاثاً ثمّ قسم) وفي البخاريّ عن يوسف بن راشدٍ حدّثنا أبو أسامة عن سفيان حدّثنا أيّوب وخالدٌ: وفيه. بالواو في الأولى , وبلفظ " ثمّ " في الثّانية.
стр. 2713
ووقع عند الإسماعيليّ وأبي نعيم من طريق حمزة بن عون عن أبي أسامة بلفظ " ثمّ " في الموضعين.
واستدل به على أنّ هذا العدل يختصّ بمن له زوجة قبل الجديدة.
وقال ابن عبد البرّ: جمهور العلماء على أنّ ذلك حقّ للمرأة بسبب الزّفاف , وسواء كان عنده زوجة أم لا.
وحكى النّوويّ: أنّه يستحبّ إذا لَم يكن عنده غيرها وإلَّا فيجب. وهذا يوافق كلام أكثر الأصحاب، واختار النّوويّ. أن لا فرق، وإطلاق الشّافعيّ يعضّده.
ولكن يشهد للأوّل. قوله في حديث الباب " إذا تزوّج البكر على الثّيّب ".
ويمكن أن يتمسّك للآخر بسياق بشرٍ عن خالد عند البخاري. فإنّه قال: إذا تزوّج البكر أقام عندها سبعاً. الحديث , ولَم يقيّده بما إذا تزوّجها على غيرها، لكنّ القاعدة أنّ المطلق محمول على المقيّد، بل ثبت في رواية خالد التّقييد، فعند مسلم من طريق هشيمٍ عن خالد " إذا تزوّج البكر على الثّيّب " الحديث.
ويؤيّده أيضاً قوله في حديث الباب " ثمّ قسم " , لأنّ القسم إنّما يكون لمن عنده زوجة أخرى.
وفيه حجّة على الكوفيّين في قولهم: إنّ البكر والثّيّب سواء في الثّلاث، وعلى الأوزاعيّ في قوله: للبكر ثلاث وللثّيّب يومان، وفيه حديث مرفوع عن عائشة أخرجه الدّارقطنيّ بسندٍ ضعيف جدّاً.
стр. 2714
وخُصّ من عموم حديث الباب , ما لو أرادت الثيّب أن يكمل لها السّبع , فإنّه إذا أجابها سقط حقّها من الثّلاث وقضى السّبع لغيرها، لِما أخرجه مسلم من حديث أمّ سلمة , أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا تزوّجها أقام عندها ثلاثاً , وقال: إنّه ليس بك على أهلك هوان، إن شئتِ سبّعت لك، وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي.
وفي رواية له " إن شئتِ ثلَّثت ثمّ درت، قالت: ثلّث ".
وحكى الشّيخ أبو إسحاق في " المهذّب ": وجهين في أنّه يقضي السّبع أو الأربع المزيدة، والذي قطع به الأكثر. إن اختار السّبع قضاها كلّها , وإن أقامها بغير اختيارها قضى الأربع المزيدة.
تنبيهٌ: يكره أن يتأخّر في السّبع أو الثّلاث عن صلاة الجماعة وسائر أعمال البرّ التي كان يفعلها؛ نصّ عليه الشّافعيّ.
وقال الرّافعيّ: هذا في النّهار، وأمّا في الليل فلا، لأنّ المندوب لا يترك له الواجب، وقد قال الأصحاب: يسوّي بين الزّوجات في الخروج إلى الجماعة وفي سائر أعمال البرّ، فيخرج في ليالي الكلّ أو لا يخرج أصلاً، فإن خصّص حرم عليه، وعدّوا هذا من الأعذار في ترك الجماعة.
وقال ابن دقيق العيد: أفرط بعض الفقهاء فجعل مقامه عندها عذراً في إسقاط الجمعة، وبالغ في التّشنيع.
وأجيب: بأنّه قياس قول من يقول بوجوب المقام عندها وهو قول الشّافعيّة، ورواه ابن القاسم عن مالك، وعنه يستحبّ وهو وجه
стр. 2715
للشّافعيّة. فعلى الأصحّ يتعارض عنده الواجبان، فقدّم حقّ الآدميّ، هذا توجيهه، فليس بشنيعٍ. وإن كان مرجوحاً.
وتجب الموالاة في السّبع وفي الثّلاث، فلو فرّق لَم يحسب على الرّاجح لأنّ الحشمة لا تزول به.
ثمّ لا فرق في ذلك بين الحرّة والأمة، وقيل: هي على النّصف من الحرّة ويجبر الكسر.
قوله: (قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت أنّ أنساً رفعه إلى النّبيّ ﷺ ) كأنّه يشير إلى أنّه لو صرّح برفعه إلى النّبيّ ﷺ لكان صادقاً , ويكون روي بالمعنى وهو جائز عنده، لكنّه رأى أنّ المحافظة على اللفظ أولى.
وقال ابن دقيق العيد: قول أبي قلابة يحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون ظنّ أنّه سمعه عن أنس مرفوعاً لفظاً فتحرّز عنه تورّعاً.
الثّاني: أن يكون رأى أنّ قول أنس " من السّنّة " في حكم المرفوع، فلو عبّر عنه بأنّه مرفوع على حسب اعتقاده لصحّ لأنّه في حكم المرفوع.
قال: والأوّل أقرب، لأنّ قوله " من السّنّة " يقتضي أن يكون مرفوعاً بطريقٍ اجتهاديّ محتمل، وقوله " أنّه رفعه " نصّ في رفعه , وليس للرّاوي أن ينقل ما هو ظاهر محتمل إلى ما هو نصّ غير محتمل. انتهى.
стр. 2716
وهو بحث متّجه، ولَم يصب من ردّه بأنّ الأكثر على أنّ قول الصّحابيّ " من السّنّة كذا " في حكم المرفوع , لاتّجاه الفرق بين ما هو مرفوع وما هو في حكم المرفوع، لكن باب الرّواية بالمعنى متّسع.
وقد وافق هذه الرّواية ابنُ عليّة عن خالد في نسبة هذا القول إلى أبي قلابة , أخرجه الإسماعيليّ , ونسبه بشر بن المفضّل (١) وهشيم إلى خالد.
وقد اختلف على سفيان الثّوريّ في تعيين قائل ذلك , هل هو خالد أو شيخه أبو قلابة؟.
ولا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون كلّ منهما قال ذلك.
قال البخاري عقبه: وقال عبد الرّزّاق أخبرنا سفيان عن أيّوب وخالد، قال خالد: ولو شئت لقلتُ رفعه إلى النّبيّ ﷺ .
كأنّ البخاريّ أراد أن يبيّن أنّ الرّواية عن سفيان الثّوريّ اختلفت في نسبة هذا القول. هل هو قول أبي قلابة أو قول خالد؟.
ويظهر لي أنّ هذه الزّيادة في رواية خالد عن أبي قلابة دون رواية أيّوب.
ويؤيّده أنّه أخرجه من وجه آخر عن خالد. وذكر الزّيادة في صدر
стр. 2717
الحديث.
وقد وصل طريقَ عبد الرّزّاق المذكورة مسلمٌ , فقال: حدّثني محمّد بن رافع حدّثنا عبد الرّزّاق ولفظه: من السّنّة أن يقيم عند البكر سبعاً، قال خالد .. إلخ " وقد رواه أبو داود الحفريّ والقاسم بن يزيد الجرميّ عن الثّوريّ عنهما , أخرجه الإسماعيليّ، ورواه عبد الله بن الوليد العدنيّ عن سفيان كذلك. أخرجه البيهقيّ.
وشذّ أبو قلابة الرّقاشيّ فرواه عن أبي عاصم عن سفيان عن خالد وأيّوب جميعاً , وقال فيه: قال ﷺ . أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " عنه , وقال: حدّثناه الصّغانيّ عن أبي قلابة , وقال: هو غريب لا أعلم مَن قاله غير أبي قلابة. انتهى
وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق أيّوب من رواية عبد الوهّاب الثّقفيّ عنه عن أبي قلابة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ . فصرّح برفعه، وهو يؤيّد ما ذكرته أنّ السّياق في رواية سفيان لخالد.
ورواية أيّوب هذه - إن كانت محفوظة - احتمل أن يكون أبو قلابة لَمَّا حدّث به أيّوب جزم برفعه إلى النّبيّ ﷺ ، وقد أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " , وأخرجه ابن حبّان أيضاً عنه عن عبد الجبّار بن العلاء عن سفيان بن عيينة عن أيّوب. وصرّح برفعه، وأخرجه الدّارميّ والدّارقطنيّ من طريق محمّد بن إسحاق عن أيّوب مثله، فبيّنتْ أنّ رواية خالد هي التي قال فيها " من السّنّة " وأنّ رواية أيّوب قال فيها " قال النّبيّ ﷺ ".
стр. 2718
الحديث الثاني عشر
٣١٦ - عن ابن عباسٍ ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : لو أنّ أحدَكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: بسم الله، اللهم جنِّبنا الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إنْ يُقدّر بينهما ولدٌ في ذلك، لَم يضرّه الشيطان أبداً. (١)
قوله: (لو أنّ أحدكم) وللبخاري من طريق همّام عن منصورٍ " أما إنّ أحدكم إذا أتى أهله ".
ورواية الباب مفسّرة لغيرها من الرّوايات دالَّة على أنّ القول قبل الشّروع.
قوله: (إذا أراد أن يأتي أهله) في رواية إسرائيل عن منصور عند الإسماعيليّ " أما إنّ أحدكم لو يقول حين يجامع أهله " وهو ظاهر أنّ القول يكون مع الفعل، لكن يمكن حمله على المجاز.
وعنده في رواية روح بن القاسم عن منصور " لو أنّ أحدهم إذا جامع امرأته ذكر الله ".
قوله: (بسم الله، اللهمّ جنّبنا) في رواية روحٍ " ذكر الله ثمّ قال: اللهمّ جنّبني " وفي رواية شعبة عن منصور في البخاري " جنّبني "
стр. 2719
بالإفراد أيضاً.
قوله: (الشّيطان) في حديث أبي أُمامة عند الطّبرانيّ " جنّبني وجنّب ما رزقتني من الشّيطان الرّجيم "
قوله: (فإنه إنْ يُقدّر بينهما ولدٌ في ذلك) وللبخاري من رواية شيبان عن منصور " ثمّ قدّر بينهما ولدٌ أو قضي ولد " كذا بالشّكّ، وزاد في رواية الكشميهنيّ " ثمّ قدّر بينهما في ذلك - أي الحال - ولد ".
وفي رواية سفيان بن عيينة عن منصور " فإن قضى الله بينهما ولداً ". ومثله في رواية إسرائيل، وفي رواية شعبة " فإن كان بينهما ولد " , وفي رواية جرير " ثمّ قدّر أن يكون " والباقي مثله، ونحوه في رواية روح بن القاسم. وفي رواية همّام " فرزقا ولداً ".
قوله: (لَم يضرّه الشيطان أبداً) كذا من رواية همّام. وفي رواية شعبة عند مسلم وأحمد " لَم يسلّط عليه الشّيطان , أو لَم يضرّه الشّيطان ". وكذا في رواية سفيان بن عيينة وإسرائيل وروح بن القاسم بلفظ " الشّيطان " واللام للعهد المذكور في لفظ الدّعاء. ولأحمد عن عبد العزيز العمّيّ عن منصور " لَم يضرّ ذلك الولدَ الشّيطانُ أبداً ".
وفي مرسل الحسن عن عبد الرّزّاق " إذا أتى الرّجل أهله , فليقل: بسم الله اللهمّ بارك لنا فيما رزقتنا , ولا تجعل للشّيطان نصيباً فيما رزقتنا، فكان يرجى إن حملت أن يكون ولداً صالحاً ".
وللبخاري من رواية شيبان " شيطان أبداً " بالتّنكير، ومثله في
стр. 2720
رواية جرير.
واختلف في الضّرر المنفيّ. بعد الاتّفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضّرر، وإن كان ظاهراً في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النّفي مع التّأبيد.
وكان سبب ذلك ما أخرجه الشيخان " إنّ كلّ بني آدم يطعن الشّيطان في بطنه حين يولد " (١) إلَّا من استثنى. فإنّ في هذا الطّعن نوعَ ضررٍ في الجملة، مع أنّ ذلك سبب صراخه. ثمّ اختلفوا:
فقيل: المعنى لَم يسلط عليه من أجل بركة التّسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم (إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان).
ويؤيّده مرسل الحسن المذكور.
وقيل: المراد لَم يطعن في بطنه، وهو بعيد لمنابذته ظاهر الحديث المتقدّم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا.
وقيل: المراد لَم يصرعه. وقيل: لَم يضرّه في بدنه.
وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن لا يضرّه في دينه أيضاً، ولكن يبعده انتفاء العصمة
стр. 2721
وتعقّب: بأنّ اختصاص من خصّ بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز، فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمداً. وإن لَم يكن ذلك واجباً له.
وقال الدّاوديّ: معنى " لَم يضرّه " أي: لَم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية.
وقيل: لَم يضرّه بمشاركة أبيه في جماع أمّه كما جاء عن مجاهد: أنّ الذي يجامع ولا يُسمّي , يلتفّ الشّيطان على إحليله فيجامع معه. (١).
ولعل هذا أقرب الأجوبة.
ويتأيّد الحمل على الأوّل بأنّ الكثير ممّن يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه عند إرادة المواقعة , والقليل الذي قد يستحضره ويفعله لا يقع معه الحمل، فإذا كان ذلك نادراً لَم يبعد.
وفي الحديث من الفوائد أيضاً.
استحباب التّسمية والدّعاء والمحافظة على ذلك حتّى في حالة الملاذ كالوقاع، وقد ترجم عليه البخاري (باب التّسمية على كلّ حال وعند الوقاع) أي: الجماع، وعطفُه عليه من عطف الخاصّ على العامّ
стр. 2722
للاهتمام به، وليس العموم ظاهراً من الحديث الذي أورده، لكن يستفاد من باب الأولى , لأنّه إذا شرع في حالة الجماع - وهي ممّا أمر فيه بالصّمت - فغيره أولى.
وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله في حالين. الخلاء والوقاع، لكن على تقدير صحّته لا ينافي حديث الباب , لأنّه يُحمل على حال إرادة الجماع.
ويقيّد ما أطلقه البخاري. ما رواه ابن أبي شيبة من طريق علقمة عن ابن مسعود , وكان إذا غشي أهله فأنزل , قال: اللهمّ لا تجعل للشّيطان فيما رزقتني نصيباً.
وفيه الاعتصام بذكر الله ودعائه من الشّيطان , والتّبرّك باسمه والاستعاذة به من جميع الأسواء , وفيه الاستشعار بأنّه الميسّر لذلك العمل والمعين عليه. وفيه إشارة إلى أنّ الشّيطان ملازم لابن آدم لا ينطرد عنه إلَّا إذا ذكر الله.
وفيه ردّ على منع المحدث أن يذكر الله، ويخدش فيه الرّواية المتقدّمة " إذا أراد أن يأتي " وهو نظير ما وقع من القول عند الخلاء.
وقد ذكر البخاري ذلك. وأشار إلى الرّواية التي فيها " إذا أراد أن يدخل " وتقدّم البحث فيه في كتاب الطّهارة بما يغني عن إعادته (١).
стр. 2723
الحديث الثالث عشر
٣١٧ - عن عقبة بن عامرٍ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: إياكم والدخول على النساء، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسولَ الله، أفرأيت الْحمو؟ قال: الْحمو الموت. (١)
ولمسلمٍ عن أبي الطاهر عن ابن وهبٍ، قال: سمعت الليث يقول: الْحمو أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العمّ ونحوه.
قوله: (إيّاكم والدّخول) بالنّصب على التّحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليحترز عنه كما قيل إيّاك والأسد.
وقوله " إيّاكم " مفعول بفعل مضمر تقديره اتّقوا، وتقدير الكلام. اتّقوا أنفسكم أن تدخلوا على النّساء والنّساء أن يدخلن عليكم.
ووقع في رواية ابن وهب عن عمرو بن الحارث والليث وحيوة، أنّ يزيد بن أبي حبيبٍ حدّثهم. عند مسلم بلفظ " لا تدخلوا على النّساء. وتضمّن منع الدّخول منع الخلوة بها بطريق الأولى.
وأخرج الشيخان عن ابن عبّاسٍ عن النّبيّ ﷺ قال: لا يخلونّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا مع ذي محرمٍ , فقام رجلٌ , فقال: يا رسولَ الله امرأتي
стр. 2724
خرجت حاجّةً , واكتتبت في غزوة كذا وكذا , قال: ارجع فحجّ مع امرأتك.
وأخرج التّرمذيّ من حديث جابر رفعه: لا تدخلوا على المغيبات , فإنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم. ورجاله موثّقون، لكنّ مجالد بن سعيد مختلف فيه.
ولمسلمٍ من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: لا يدخل رجلٌ على مُغيبة إلَّا ومعه رجل أو اثنان. ذكره في أثناء حديث.
والمغيبة: بضمّ الميم ثمّ غين معجمة مكسورة ثمّ تحتانيّة ساكنة ثمّ موحّدة: من غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة إذا غاب زوجها.
قوله: (فقال رجلٌ من الأنصار) لَم أقف على تسميته.
قوله: (أفرأيت الحمو) وقع عند التّرمذيّ بعد تخريج الحديث , قال التّرمذيّ: يقال هو أخو الزّوج، كره له أن يخلو بها. قال: ومعنى الحديث على نحو ما روي. لا يخلونّ رجل بامرأةٍ فإنّ ثالثهما الشّيطان. انتهى.
وهذا الحديث الذي أشار إليه. أخرجه أحمد من حديث عامر بن ربيعة.
وقال النّوويّ: اتّفق أهل العلم باللغة على أنّ الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وعمّه وأخيه وابن أخيه وابن عمّه ونحوهم، وأنّ الأَختان أقارب زوجة الرّجل، وأنّ الأصهار تقع على النّوعين. انتهى.
стр. 2725
وقد اقتصر أبو عبيد وتبعه ابن فارس والدّاوديّ على أنّ الحمو أبو الزّوجة، زاد ابن فارس: وأبو الزّوج، يعني أنّ والد الزّوج حمو المرأة ووالد الزّوجة حمو الرّجل، وهذا الذي عليه عرف النّاس اليوم.
وقال الأصمعيّ وتبعه الطّبريّ والخطّابيّ ما نقله النّوويّ، وكذا نقل عن الخليل.
ويؤيّده قول عائشة: ما كان بيني وبين عليّ إلَّا ما كان بين المرأة وأحمائها. (١)
وقد قال النّوويّ: المراد في الحديث أقارب الزّوج غير آبائه وأبنائه، لأنّهم محارم للزّوجة يجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت.
قال: وإنّما المراد الأخ وابن الأخ والعمّ وابن العمّ وابن الأخت ونحوهم ممّا يحلّ لها تزويجه لو لَم تكن متزوّجة، وجرت العادة بالتّساهل فيه. فيخلو الأخ بامرأة أخيه , فشبّهه بالموت وهو أولى بالمنع من الأجنبيّ. انتهى.
وقد جزم التّرمذيّ وغيره كما تقدّم وتبعه المازريّ: بأنّ الحمو أبو الزّوج، وأشار المازريّ إلى أنّه ذكر للتّنبيه على منع غيره بطريق الأولى، وتبعه ابن الأثير في " النّهاية ".
стр. 2726
وردّه النّوويّ , فقال: هذا كلامٌ فاسدٌ مردودٌ لا يجوز حمل الحديث عليه. انتهى
وسيظهر في كلام الأئمّة في تفسير المراد بقوله " الحمو الموت " ما تبيّن منه أنّ كلام المازريّ ليس بفاسدٍ.
واختلف في ضبط الحمو.
فصرّح القرطبيّ: بأنّ الذي وقع في هذا الحديث حمء بالهمز.
وأمّا الخطّابيّ. فضبطه بواوٍ بغير همز , لأنّه قال وزن دلو، وهو الذي اقتصر عليه أبو عبيد الهرويّ وابن الأثير وغيرهما، وهو الذي ثبت عندنا في روايات البخاريّ.
وفيه لغتان أخريان: إحداهما: حم بوزن أخ. والأخرى: حمى بوزن عصا، ويخرج من ضبط المهموز بتحريك الميم لغة أخرى خامسة. حكاها صاحب المحكم.
قوله: (الحمو الموت) قيل: المراد أنّ الخلوة بالحمو قد تؤدّي إلى هلاك الدّين إن وقعت المعصية، أو إلى الموت إن وقعت المعصية ووجب الرّجم، أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها إذا حملته الغيرة على تطليقها، أشار إلى ذلك كلّه القرطبيّ
وقال الطّبريّ: المعنى أنّ خلوة الرّجل بامرأة أخيه أو ابن أخيه تنزل منزلة الموت، والعرب تصف الشّيء المكروه بالموت.
قال ابن الأعرابيّ: هي كلمة تقولها العرب مثلاً. كما تقول: الأسد الموت. أي: لقاؤه فيه الموت، والمعنى احذروه كما تحذرون الموت.
стр. 2727
وقال صاحب " مجمع الغرائب ": يحتمل أن يكون المراد أنّ المرأة إذا خلت فهي محلّ الآفة , ولا يؤمن عليها أحدٌ فليكن حموها الموت، أي: لا يجوز لأحدٍ أن يخلو بها إلَّا الموت كما قيل نعم الصّهر القبر، وهذا لائق بكمال الغيرة والحميّة.
وقال أبو عبيد: معنى قوله " الحمو الموت " أي: فليمت ولا يفعل هذا.
وتعقّبه النّوويّ فقال: هذا كلام فاسد , وإنّما المراد أنّ الخلوة بقريب الزّوج أكثر من الخلوة بغيره. والشّرّ يتوقّع منه أكثر من غيره , والفتنة به أمكن لتمكّنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكير عليه بخلاف الأجنبيّ.
وقال عياض: معناه أنّ الخلوة بالأحماء مؤدّية إلى الفتنة والهلاك في الدّين , فجعله كهلاك الموت وأورد الكلام مورد التّغليظ.
وقال القرطبيّ في " المفهم ": المعنى أنّ دخول قريب الزّوج على امرأة الزّوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي: فهو محرّم معلوم التّحريم، وإنّما بالغ في الزّجر عنه وشبّهه بالموت لتسامح النّاس به من جهة الزّوج والزّوجة لإلْفِهم بذلك حتّى كأنّه ليس بأجنبيٍّ من المرأة , فخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت، أي: لقاؤه يفضي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى موت الدّين , أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزّوج , أو إلى الرّجم إن وقعت الفاحشة.
стр. 2728
وقال ابن الأثير في النّهاية: المعنى أنّ خلوة المَحرم بها أشدّ من خلوة غيره من الأجانب، لأنّه ربّما حسّن لها أشياء وحملها على أمور تثقل على الزّوج من التماس ما ليس في وسعه، فتسوء العشرة بين الزّوجين بذلك، ولأنّ الزّوج قد لا يؤثر أن يطّلع والد زوجته أو أخوها على باطن حاله ولا على ما اشتمل عليه. انتهى.
فكأنّه قال: الحمو الموت. أي: لا بدّ منه ولا يمكن حجبه عنها، كما أنّه لا بدّ من الموت، وأشار إلى هذا الأخير الشّيخ تقي الدّين في شرح العمدة.
تنبيهٌ: محرم المرأة من حرُم عليه نكاحها على التّأبيد إلَّا أمّ الموطوءة بشبهةٍ والملاعنة فإنّهما حرامان على التّأبيد ولا محرميّة هناك، وكذا أمّهات المؤمنين، وأخرجهنّ بعضهم بقوله في التّعريف بسببٍ مباح لا لحرمتها.
وخرج بقيد التّأبيد أخت المرأة وعمّتها وخالتها وبنتها إذا عقد على الأمّ ولَم يدخل بها.
стр. 2729
باب الصّداق
الحديث الرابع عشر
٣١٨ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها. (١)
قوله: (وجعل عتقها صداقها) أخذ بظاهره من القدماء سعيد بن المسيّب وإبراهيم وطاوسٌ والزّهريّ، ومن فقهاء الأمصار الثّوريّ وأبو يوسف وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صحّ العقد والعتق والمهر. على ظاهر الحديث.
وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبةٍ.
أقربها: أي: لفظ الحديث. أنّه أعتقها بشرط أن يتزوّجها , فوجبت له عليها قيمتها , وكانت معلومة فتزوّجها بها.
ويؤيّده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب سمعت أنساً قال: سبى النّبيّ ﷺ صفيّة فأعتقها وتزوّجها. فقال ثابت لأنسٍ: ما أصدقها؟ قال نفسها، فأعتقها. هكذا أخرجه البخاري.
وله في رواية حمّاد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس في حديث. قال: وصارت صفيّة لرسول الله ﷺ ، ثمّ تزوّجها وجعل عتقها صداقها،
стр. 2730
فقال عبد العزيز لثابتٍ: يا أبا محمّد، أنت سألت أنساً ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها. فتبسّم. فهو ظاهر جدّاً في أنّ المجهول مهراً هو نفس العتق.
فالتّأويل الأوّل لا بأس به، فإنّه لا منافاة بينه وبين القواعد حتّى لو كانت القيمة مجهولة، فإنّ في صحّة العقد بالشّرط المذكور وجهاً عند الشّافعيّة.
وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر، ولكنّه من خصائصه وممّن جزم بذلك الماورديّ.
وقال آخرون: قوله " أعتقها وتزوّجها " معناه أعتقها ثمّ تزوّجها، فلمّا لَم يعلم أنّه ساق لها صداقاً قال: أصدقها نفسها، أي: لَم يصدقها شيئاً فيما أعلم، ولَم ينف أصل الصّداق.
ومن ثَمَّ قال أبو الطّيّب الطّبريّ من الشّافعيّة وابن المرابط من المالكيّة ومن تبعهما: إنّه قول أنس، قاله ظنّاً من قبل نفسه ولَم يرفعه.
وربّما تأيّد ذلك عندهم. بما أخرجه البيهقيّ من حديث أميمة - ويقال أمة الله - بنت رزينة عن أمّها , أنّ النّبيّ ﷺ أعتق صفيّة وخطبها وتزوّجها وأمهرها رزينة، وكان أتى بها مسبيّة من قريظة والنّضير.
وهذا لا يقوم به حجّة لضعف إسناده.
ويعارضه. ما أخرجه الطّبرانيّ وأبو الشّيخ من حديث صفيّة نفسها , قالت: أعتقني النّبيّ ﷺ وجعل عتقي صداقي. وهذا موافق
стр. 2731
لحديث أنس. وفيه ردّ على مَن قال: إنّ أنساً قال ذلك بناء على ما ظنّه.
وقد خالف هذا الحديث أيضاً. ما عليه كافّة أهل السّير أنّ صفيّة من سبي خيبر.
ويحتمل: أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاصّ بالنّبيّ ﷺ دون غيره.
وقيل يحتمل: أنّه أعتقها بغير عوض , وتزوّجها بغير مهر في الحال ولا في المآل.
قال ابن الصّلاح: معناه أنّ العتق يحلّ محلّ الصّداق وإن لَم يكن صداقاً. قال: وهذا كقولهم " الجوع زاد من لا زاد له ".
قال: وهذا الوجه أصحّ الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النّوويّ في " الرّوضة ".
ومن المستغربات قول التّرمذيّ بعد أن أخرج الحديث: وهو قول الشّافعيّ وأحمد وإسحاق، قال: وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتّى يجعل لها مهراً سوى العتق، والقول الأوّل أصحّ.
وكذا نقل ابن حزم عن الشّافعيّ.
والمعروف عند الشّافعيّة أنّ ذلك لا يصحّ، لكن لعل مراد من نقله عنه صورة الاحتمال الأوّل، ولا سيّما نصّ الشّافعيّ على أنّ من أعتق أمته على أن يتزوّجها فقبلت عتقت ولَم يلزمها أن تتزوّج به، لكن يلزمها له قيمتها، لأنّه لَم يرض بعتقها مجّاناً فصار كسائر الشّروط
стр. 2732
الفاسدة، فإن رضيت وتزوّجته على مهر يتّفقان عليه كان لها ذلك المسمّى وعليها له قيمتها. فإن اتّحدا تقاصّا.
وممَن قال بقول أحمد من الشّافعيّة ابن حبّان صرّح بذلك في " صحيحه ".
قال ابن دقيق العيد: الظّاهر مع أحمد ومن وافقه، والقياس مع الآخرين؛ فيتردّد الحال بين ظنّ نشأ عن قياس وبين ظنّ نشأ عن ظاهر الخبر مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصيّة، وهي وإن كانت على خلاف الأصل , لكن يتقوّى ذلك بكثرة خصائص النّبيّ ﷺ في النّكاح، وخصوصاً خصوصيّته بتزويج الواهبة من قوله تعالى (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنّبيّ) الآية.
وممّن جزم بأنّ ذلك كان من الخصائص يحيى بن أكثم. فيما أخرجه البيهقيّ قال: وكذا نقله المزنيّ عن الشّافعيّ.
قال: وموضع الخصوصيّة أنّه أعتقها مطلقاً وتزوّجها بغير مهر ولا وليّ ولا شهود، وهذا بخلاف غيره.
وقد أخرج عبد الرّزّاق جواز ذلك عن عليّ وجماعة من التّابعين. ومن طريق إبراهيم النّخعيّ قال: كانوا يكرهون أن يعتق أمته ثمّ يتزوّجها، ولا يرون بأساً أن يجعل عتقها صداقها ".
وقال القرطبيّ: منع من ذلك مالك وأبو حنيفة لاستحالته، وتقرّر استحالته بوجهين:
أحدهما: أنّ عقدها على نفسها , إمّا أن يقع قبل عتقها وهو محال
стр. 2733
لتناقض الحكمين الحرّيّة والرّقّ، فإنّ الحرّيّة حكمها الاستقلال والرّقّ ضدّه، وأمّا بعد العتق فلزوال حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى وحينئذٍ لا تنكح إلَّا برضاها.
الثّاني: أنّا إذا جعلنا العتق صداقاً. فإمّا أن يتقرّر العتق حالة الرّقّ وهو محال لتناقضهما، أو حالة الحرّيّة فيلزم أسبقيّته على العقد، فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه وهو محال، لأنّ الصّداق لا بدّ أن يتقدّم تقرّره على الزّوج إمّا نصّاً وإمّا حكماً حتّى تملك الزّوجة طلبه.
فإن اعتلّوا بنكاح التّفويض فقد تحرّزنا عنه بقولنا حكماً، فإنّها وإن لَم يتعيّن لها حالة العقد شيء لكنّها تملك المطالبة فثبت أنّه يثبت لها حالة العقد شيء تطالب به الزّوج، ولا يتأتّى مثل ذلك في العتق فاستحال أن يكون صداقاً.
وتعقّب: ما ادّعاه من الاستحالة بجواز تعليق الصّداق على شرط إذا وجد استحقّته المرأة كأن يقول: تزوّجتك على ما سيستحقّ لي عند فلان وهو كذا، فإذا حلَّ المال الذي وقع العقد عليه استحقّته.
وقد أخرج الطّحاويّ من طريق نافع عن ابن عمر في قصّة جويريّة بنت الحارث , أنّ النّبيّ ﷺ جعل عتقها صداقها.
وهو ممّا يتأيّد به حديث أنس، لكن أخرج أبو داود من طريق عروة عن عائشة في قصّة جويريّة , أنّ النّبيّ ﷺ قال لها لَمَّا جاءت تستعين به في كتابتها: هل لك أن أقضي عنك كتابتك وأتزوّجك؟ قالت: قد فعلت.
стр. 2734
وقد استشكله ابن حزم: بأنّه يلزم منه إن كان أدّى عنها كتابتها أن يصير ولاؤها لمكاتبها.
وأجيب: بأنّه ليس في الحديث التّصريح بذلك، لأنّ معنى قولها " قد فعلت " رضيت.
فيحتمل أن يكون ﷺ عوّض ثابت بن قيس عنها فصارت له فأعتقها وتزوّجها كما صنع في قصّة صفيّة.
أو يكون ثابت لَمَّا بلغته رغبة النّبيّ ﷺ وهبها له.
وفي الحديث: للسّيّد تزويج أمته إذا أعتقها من نفسه , ولا يحتاج إلى وليٍّ ولا حاكم. وفيه اختلاف.
قال ابن الجوزيّ: فإن قيل ثواب العتق عظيم، فكيف فوّته حيث جعله مهراً؟ وكان يمكن جعل المهر غيره، فالجواب: أنّ صفيّة بنت ملكٍ، ومثلها لا يقنع إلَّا بالمهر الكثير، ولَم يكن عنده ﷺ إذ ذاك ما يرضيها به، ولَم ير أن يقتصر، فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من المال الكثير.
стр. 2735
الحديث الخامس عشر
٣١٩ - عن سهل بن سعدٍ السّاعديّ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ جاءته امرأةٌ، فقالت: إني وهبت نفسي لك، فقامت طويلاً، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله زوّجنيها، إن لَم يكن لك بها حاجةٌ، فقال: هل عندك من شيءٍ تصدقها؟ فقال: ما عندي إلَّا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : إن أعطيتها إزارك جلستَ ولا إزار لك، فالتمس شيئاً، قال: ما أجد، قال: فالتمِس ولو خاتماً من حديدٍ، فالتمَس فلم يجد شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : هل معك شيءٌ من القرآن؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : زوجتكها بما معك من القرآن. (١)
تمهيد: أخرجه البخاري من طريق سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن سهل، وقد ذكره أيضاً من رواية سفيان الثّوريّ , لكن باختصارٍ، وأخرجه ابن ماجه من روايته أتمّ منه، والإسماعيليّ أتمّ من ابن ماجه، والطّبرانيّ مقروناً برواية معمر؛ وأخرج رواية ابن عيينة أيضاً مسلم والنّسائيّ.
وهذا الحديث مداره على أبي حازم سلمة بن دينار المدنيّ - وهو من صغار التّابعين - حدّث به كبار الأئمّة عنه مثل مالك، كما في