في نفس الأمر مرفوعاً، فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم من رواية أبي أسامة وابن نمير عن عبيد الله بن عمر أيضاً (١) عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة مثله سواء.
قال: وزاد ابن نمير " والشّغار أن يقول الرّجل للرّجل زوّجني ابنتك وأزوّجك ابنتي وزوّجني أختك وأزوّجك أختي "
وهذا يحتمل: أن يكون من كلام عبيد الله بن عمر فيرجع إلى نافع.
ويحتمل: أن يكون تلقّاه عن أبي الزّناد.
ويؤيّد الاحتمال الثّاني. وروده في حديث أنس وجابر وغيرهما أيضاً.
فأخرج عبد الرّزّاق عن معمر عن ثابت وأبان عن أنس مرفوعاً: لا شغار في الإسلام، والشّغار أن يزوّج الرّجل الرّجل أخته بأخته.
وروى البيهقيّ من طريق نافع بن يزيد عن ابن جريجٍ عن أبي الزّبير عن جابر مرفوعاً: نهي عن الشّغار، والشّغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق، بضع هذه صداق هذه وبضع هذه صداق هذه.
وأخرج أبو الشّيخ في " كتاب النّكاح " من حديث أبي ريحانة , أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن المشاغرة، والمشاغرة أن يقول: زوِّج هذا من هذه , وهذه من هذا. بلا مهر.
стр. 2662
قال القرطبيّ: تفسير الشّغار صحيح موافق لِمَا ذكره أهل اللغة , فإن كان مرفوعاً فهو المقصود، وإن كان من قول الصّحابيّ فمقبول أيضاً , لأنّه أعلم بالمقال وأقعد بالحال. انتهى
وقد اختلف الفقهاء. هل يُعتبر في الشّغار الممنوع؟.
ظاهر الحديث في تفسيره، فإنّ فيه وصفين.
أحدهما: تزويج من الوليّين وليّته للآخر بشرط أن يزوّجه وليّته.
الثّاني: خلوّ بُضعِ كلٍّ منهما من الصّداق.
فمنهم: من اعتبرهما معاً حتّى لا يمنع مثلاً إذا زوّج كلّ منهما الآخر بغير شرط وإن لَم يذكر الصّداق، أو زوّج كلّ منهما الآخر بالشّرط وذكر الصّداق.
وذهب أكثر الشّافعيّة. إلى أنّ عِلَّة النّهي الاشتراك في البضع , لأنّ بضع كلّ منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقاً مخالف لا يراد عقد النّكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصّداق , لأنّ النّكاح يصحّ بدون تسمية الصّداق.
واختلفوا فيما إذا لَم يصرّحا بذكر البضع.
فالأصحّ عندهم الصّحّة، ولكن وجد نصّ الشّافعيّ على خلافه , ولفظه: إذا زوّج الرّجل ابنته أو المرأة يلي أمرها من كانت لآخر على أنّ صداق كلّ واحدة بضع الأخرى , أو على أن ينكحه الأخرى ولَم يسمّ أحدٌ منهما لواحدةٍ منهما صداقاً فهذا الشّغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وهو منسوخ، هكذا ساقه البيهقيّ بإسناده الصّحيح
стр. 2663
عن الشّافعيّ.
قال: وهو الموافق للتّفسير المنقول في الحديث.
واختلف نصّ الشّافعيّ فيما إذا سمّى مع ذلك مهراً. فنصّ في " الإملاء " على البطلان، وظاهر نصّه في " المختصر " الصّحّة، وعلى ذلك اقتصر في النّقل عن الشّافعيّ من ينقل الخلاف من أهل المذاهب.
وقال القفّال: العلة في البطلان التّعليق والتّوقيف، فكأنّه يقول لا ينعقد لك نكاح بنتي حتّى ينعقد لي نكاح بنتك.
وقال الخطّابيّ: كان ابن أبي هريرة يُشبِّه برجلٍ تزوّج امرأة ويستثني عضواً من أعضائها. وهو ممّا لا خلاف في فساده، وتقرير ذلك أنّه يزوّج وليّته , ويستثني بضعها حيث يجعله صداقاً للأخرى.
وقال الغزاليّ في " الوسيط ": صورته الكاملة أن يقول زوّجتك ابنتي على أن تزوّجني ابنتك على أن يكون بضع كلّ واحدة منهما صداقاً للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك.
قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ " ينبغي أن يزاد: ولا يكون مع البضع شيء آخر ليكون متّفقاً على تحريمه في المذهب. ونقل الخرقيّ , أنّ أحمد نصّ على أنّ عِلَّة البطلان ترك ذكر المهر، ورجّح ابن تيمية في " المحرّر " أنّ العلة التّشريك في البضع.
وقال ابن دقيق العيد: ما نصّ عليه أحمد هو ظاهر التّفسير المذكور في الحديث لقوله فيه " ولا صداق بينهما " فإنّه يشعر بأنّ جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد.
стр. 2664
ثمّ قال: وعلى الجملة ففيه شعور بأنّ عدم الصّداق له مدخل في النّهي، ويؤيّده حديث أبي ريحانة الذي تقدّم ذكره.
وقال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على أنّ نكاح الشّغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحّته.
القول الأول: الجمهور على البطلان.
القول الثاني: في روايةٍ عن مالك: يفسخ قبل الدّخول لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ.
القول الثالث: ذهب الحنفيّة: إلى صحّته ووجوب مهر المثل، وهو قول الزّهريّ ومكحول والثّوريّ والليث ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول على مذهب الشّافعيّ، لاختلاف الجهة.
لكن قال الشّافعيّ: إنّ النّساء محرّمات إلَّا ما أحل الله أو ملك يمين، فإذا ورد النّهي عن نكاح تأكّد التّحريم
قال ابن بطّال: لا يكون البضع صداقاً عند أحد من العلماء , وإنّما قالوا: ينعقد النّكاح بمهر المثل إذا اجتمعت شروطه والصّداق ليس بركنٍ فيه، فهو كما لو عقد بغير صداق ثمّ ذكر الصّداق فصار ذكر البضع كلا ذكرٍ. انتهى.
وهذا محصّل ما قاله أبو زيد وغيره من أئمّة الحنفيّة.
وتعقّبه ابن السّمعانيّ فقال: ليس الشّغار إلَّا النّكاح الذي اختلفنا فيه , وقد ثبت النّهي عنه والنّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه , لأنّ العقد الشّرعيّ إنّما يجوز بالشّرع وإذا كان منهيّاً لَم يكن مشروعاً، ومن جهة
стр. 2665
المعنى أنّه يمنع تمام الإيجاب في البضع للزّوج والنّكاح لا ينعقد إلَّا بإيجابٍ كامل.
ووجه قولنا يمنع أنّ الذي أوجبه للزّوج نكاحاً هو الذي أوجبه للمرأة صداقاً، وإذا لَم يحصل كمال الإيجاب لا يصحّ فإنّه جعل عين ما أوجبه للزّوج صداقاً للمرأة فهو كمن جعل الشّيء لشخصٍ في عقد ثمّ جعل عينه لشخصٍ آخر فإنّه لا يكمل الجعل الأوّل.
قال: ولا يعارض هذا ما لو زوّج أمته آخر. فإنّ الزّوج يملك التّمتّع بالفرج والسّيّد يملك رقبة الفرج بدليل أنّها لو وطئت بعدُ بشبهةٍ يكون المهر للسّيّد، والفرق أنّ الذي جعله السّيّد للزّوج لَم يبقه لنفسه , لأنّه ملك التّمتّع بالأمة للزّوج وما عدا ذلك باقٍ له، وفي مسألة الشّغار جعل ملك التّمتّع الذي جعله للزّوج بعينه صداقاً للمرأة الأخرى ورقبة البُضع لا تدخل تحت ملك اليمين حتّى يصحّ جعله صداقاً.
تنبيهٌ: ذكر البنت في تفسير الشّغار مثال، وقد تقدّم في رواية أخرى ذكر الأخت.
قال النّوويّ: أجمعوا على أنّ غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهنّ كالبنات في ذلك، والله أعلم
تكميل: بوّب البخاريُّ على الحديث في كتاب الحيل " باب الحيلة في النكاح ".
قال ابن المنير: إدخال البخاريّ الشّغار في باب الحيل مع أنّ القائل
стр. 2666
بالجواز يبطل الشّغار ويوجب مهر المثل مشكلٌ، ويمكن أن يقال إنّه أخذه ممّا نقل أنّ العرب كانت تأنف من التّلفّظ بالنّكاح من جانب المرأة فرجعوا إلى التّلفّظ بالشّغار لوجود المساواة التي تدفع الأنفة، فمحا الشّرع رسم الجاهليّة فحرّم الشّغار وشدّد فيه ما لَم يشدّد في النّكاح الخالي عن ذكر الصّداق، فلو صحّحنا النّكاح بلفظ الشّغار وأوجبنا مهر المثل أبقينا غرض الجاهليّة بهذه الحيلة. انتهى.
وفيه نظرٌ. لأنّ الذي نقله عن العرب لا أصل له، لأنّ الشّغار في العرب بالنّسبة إلى غيره قليل، وقضيّة ما ذكره أن تكون أنكحتهم كلّها كانت شغاراً لوجود الأنفة في جميعهم.
والذي يظهر لي. أنّ الحيلة في الشّغار تتصوّر في موسر أراد تزويج بنت فقير فامتنع أو اشتطّ في المهر فخدعه بأن قال له: زوّجنيها وأنا أزوّجك بنتي فرغب الفقير في ذلك لسهولة ذلك عليه. فلمّا وقع العقد على ذلك وقيل له إنّ العقد يصحّ ويلزم لكلٍّ منهما مهر المثل , فإنّه يندم إذ لا قدرة له على مهر المثل لبنت الموسر وحصل للموسر مقصوده بالتّزويج لسهولة مهر المثل عليه، فإذا أبطل الشّغار من أصله بطلت هذه الحيلة.
стр. 2667
الحديث الثامن
٣١٢ - عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁، أنّ النبيّ ﷺ نهى عن نكاح المُتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحُمر الأهليّة. (١)
قوله: (عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁) وللبخاري من طريق يحيى، عن عبيد الله بن عمر حدّثنا الزّهريّ , أنّ عليّاً ﵁ قيل له: إنّ ابن عبّاسٍ لا يرى بمتعة النّساء بأساً، فقال: إنّ رسول الله ﷺ نهى .. فذكره.
وفي رواية الثّوريّ ويحيى بن سعيد كلاهما عن مالك عن الزهري عند الدّارقطنيّ " أنّ عليّاً سمع ابن عبّاس وهو يفتي في متعة النّساء فقال: أما علمت.
وأخرجه سعيد بن منصور عن هشيمٍ " عن يحيى بن سعيد عن الزّهريّ بدون ذكر مالك. ولفظه " أنّ عليّاً مرّ بابن عبّاس وهو يفتي في متعة النّساء أنّه لا بأس بها ".
ولمسلمٍ من طريق جويرية عن مالك بسنده , أنّه سمع عليّ بن أبي طالب يقول لفلانٍ: إنّك رجل تائه. وفي رواية الدّارقطنيّ من طريق الثّوريّ أيضاً " تكلَّم عليّ وابن عبّاس في متعة النّساء , فقال له عليّ:
стр. 2668
إنّك امرؤ تائه "
ولمسلمٍ من وجه آخر , أنّه سمع ابن عبّاس يلين في متعة النّساء , فقال له: مهلاً يا ابن عبّاس " ولأحمد من طريق معمر " رخّص في متعة النّساء ".
قوله: (نهى عن نكاح المتعة) (١) المتعة تزويج المرأة إلى أجلٍ فإذا انقضى وقعت الفرقة.
وقد وردت عدّة أحاديث صحيحة صريحة بالنّهي عنها بعد الإذن فيها.
وأقرب ما فيها عهداً بالوفاة النّبويّة. ما أخرجه أبو داود من طريق الزّهريّ قال: كنّا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النّساء، فقال رجلٌ يقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أَبِي أنّه حدّث , أنّ رسول الله ﷺ نهى عنها في حجّة الوداع.
وسأذكر الاختلاف في حديث سبرة هذا - وهو ابن معبد - بعدُ.
وقد اختلف السّلف في نكاح المتعة.
قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرّخصة فيها، ولا أعلم اليوم أحداً يجيزها إلَّا بعض الرّافضة، ولا معنى لقولٍ يخالف كتاب الله وسنّة رسوله.
стр. 2669
وقال عياض: ثمّ وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلَّا الرّوافض. وأمّا ابن عبّاس فروي عنه أنّه أباحها، وروي عنه أنّه رجع عن ذلك.
قال ابن بطّال: روى أهل مكّة واليمن عن ابن عبّاس إباحة المتعة، وروي عنه الرّجوع بأسانيد ضعيفة , وإجازة المتعة عنه أصحّ، وهو مذهب الشّيعة.
قال: وأجمعوا على أنّه متى وقع الآن أبطل سواء كان قبل الدّخول أم بعده، إلَّا قول زفر إنّه جعلها كالشّروط الفاسدة، ويردّه قوله ﷺ : فمن كان عنده منهنّ شيء فليخل سبيلها.
قلت: وهو في حديث الرّبيع بن سبرة عن أبيه عند مسلم.
وقال الخطّابيّ: تحريم المتعة كالإجماع إلَّا عن بعض الشّيعة، ولا يصحّ على قاعدتهم في الرّجوع في المختلفات إلى عليّ وآل بيته , فقد صحّ عن عليّ أنّها نسخت. ونقل البيهقيّ عن جعفر بن محمّد , أنّه سئل عن المتعة فقال: هي الزّنا بعينه. قال الخطّابيّ: ويُحكى عن ابن جريجٍ جوازها. انتهى.
وقد نقل أبو عوانة في " صحيحه " عن ابن جريجٍ , أنّه رجع عنها بعد أن روى بالبصرة في إباحتها ثمانية عشر حديثاً.
وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفيّة عن مالك من الجواز خطأ، فقد بالغ المالكيّة في منع النّكاح المؤقّت حتّى أبطلوا توقيت الحلّ بسببه فقالوا: لو علّق على وقت لا بدّ من مجيئه وقع الطّلاق الآن ,
стр. 2670
لأنّه توقيت للحل فيكون في معنى نكاح المتعة.
قال عياض: وأجمعوا على أنّ شرط البطلان التّصريح بالشّرط، فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدّة صحّ نكاحه، إلَّا الأوزاعيّ فأبطله.
واختلفوا هل يحدّ ناكح المتعة أو يعزّر؟.
على قولين , مأخذهما أنّ الاتّفاق بعد الخلاف. هل يرفع الخلاف المتقدّم.
وقال القرطبيّ: الرّوايات كلّها متّفقة على أنّ زمن إباحة المتعة لَم يطِل وأنّه حرّم، ثمّ أجمع السّلف والخلف على تحريمها إلَّا من لا يلتفت إليه من الرّوافض. وجزم جماعة من الأئمّة بتفرّد ابن عبّاس بإباحتها , فهي من المسألة المشهورة وهي ندرة المخالف.
ولكن قال ابن عبد البرّ: أصحاب ابن عبّاس من أهل مكّة واليمن على إباحتها، ثمّ اتّفق فقهاء الأمصار على تحريمها.
وقال ابن حزم: ثبت على إباحتها بعد رسول الله ﷺ ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عبّاس وسلمة ومعبد ابنا أُميَّة بن خلف وجابر وعمرو بن حريثٍ , ورواه جابر عن جميع الصّحابة مدّة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر.
قال: ومن التّابعين طاوسٌ وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكّة.
قلت: وفي جميع ما أطلقه نظرٌ.
стр. 2671
أمّا ابن مسعود. فمستنده ما في الصحيحين عنه , قال: كنّا نغزو مع رسول الله ﷺ ، ليس لنا نساءٌ، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثّوب إلى أجلٍ "، ثمّ قرأ عبد الله: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين﴾.
وظاهر استشهاد ابن مسعود بهذه الآية هنا يشعر بأنّه كان يرى بجواز المتعة، فقال القرطبيّ: لعله لَم يكن حينئذٍ بلغه النّاسخ، ثمّ بلغه فرجع بعد.
قلت: يؤيّده ما ذكره الإسماعيليّ أنّه وقع في رواية أبي معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد " ففعله ثمّ ترك ذلك " أخرجه أبو عوانة قال: وفي رواية لابن عيينة عن إسماعيل " ثمّ جاء تحريمها بعد " وفي رواية معمر عن إسماعيل " ثمّ نسخ "
وأمّا معاوية. فأخرجه عبد الرّزّاق من طريق صفوان بن يعلى بن أُميَّة أخبرني يعلى , أنّ معاوية استمتع بامرأةٍ بالطّائف. وإسناده صحيح.
لكن في رواية أبي الزّبير عن جابر عند عبد الرّزّاق أيضاً أنّ ذلك كان قديماً. ولفظه " استمتع معاوية مقدمه الطّائف بمولاةٍ لبني الحضرميّ يقال لها معانة، قال جابر: ثمّ عاشت معانة إلى خلافة معاوية , فكان يرسل إليها بجائزةٍ كلّ عام.
وقد كان معاوية متّبعاً لعمر مقتدياً به. فلا يشكّ أنّه عمل بقوله
стр. 2672
بعد النّهي، ومن ثَمَّ قال الطّحاويّ: خطب عمر فنهى عن المتعة، ونقل ذلك عن النّبيّ ﷺ فلم ينكر عليه ذلك منكر.
وفي هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه.
فأخرج ابن ماجه من طريق أبي بكر بن حفص عن ابن عمر قال: لَمَّا ولي عمر خطب فقال: إنّ رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثمّ حرّمها.
وأخرج ابن المنذر والبيهقيّ من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: صعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة بعد نهي رسول الله ﷺ عنها.
وأمّا أبو سعيد. فأخرج عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ أنّ عطاء قال: أخبَرَني مَن شئت عن أبي سعيد قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سويقاً ".
وهذا مع كونه ضعيفاً للجهل بأحد رواته. ليس فيه التّصريح بأنّه كان بعد النّبيّ ﷺ .
وأمّا ابن عبّاس. فأخرج البخاري عن أبي جمرة، قال: سمعت ابن عبّاسٍ: سئل عن متعة النّساء فرخّص، فقال له مولىً له: إنّما ذلك في الحال الشّديد، وفي النّساء قلةٌ؟ أو نحوه، فقال ابن عبّاسٍ: نعم. في رواية الإسماعيليّ " صدق ".
وعند مسلم من طريق الزّهريّ عن خالد بن المهاجر أو ابن أبي عمرة الأنصاريّ , قال رجل - يعني لابن عبّاس، وصرّح به البيهقيّ
стр. 2673
في روايته - إنّما كانت - يعني المتعة - رخصة في أوّل الإسلام لمن اضطرّ إليها كالميتة والدّم ولحم الخنزير.
ويؤيّده ما أخرجه الخطّابيّ والفاكهيّ من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبّاس لقد سارت بفتياك الرّكبان، وقال فيها الشّعراء، يعني في المتعة. فقال: والله ما بهذا أفتيتُ وما هي إلَّا كالميتة لا تحلّ إلَّا للمضطرّ.
وأخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن سعيد بن جبير. وزاد في آخره: ألا إنّما هي كالميتة والدّم ولحم الخنزير. وأخرجه محمّد بن خلف المعروف بوكيع في كتاب " الغرر من الأخبار " بإسنادٍ أحسن منه عن سعيد بن جبير بالقصّة، لكن ليس في آخره قول ابن عبّاس المذكور.
وفي حديث سهل بن سعد الذي سيأتي قريباً نحوه
فهذه أخبار يقوى بعضُها ببعضٍ , وحاصلها أنّ المتعة إنّما رخّص فيها بسبب العزبة في حال السّفر , وهو يوافق حديث ابن مسعود الماضي. وأخرج البيهقيّ من حديث أبي ذرّ بإسنادٍ حسن: إنّما كانت المتعة لحربنا وخوفنا.
وأمّا ما أخرجه التّرمذيّ من طريق محمّد بن كعبٍ عن ابن عبّاس قال: إنّما كانت المتعة في أوّل الإسلام، كان الرّجل يقدم البلد ليس له فيها معرفة، فيتزوّج المرأة بقدر ما يقيم فتحفظ له متاعه.
فإسناده ضعيف، وهو شاذّ مخالف لِمَا تقدّم من عِلَّة إباحتها.
وأمّا سلمة ومعبد. فقصّتهما واحدة اختلف فيها. هل وقعت لهذا
стр. 2674
أو لهذا؟.
فروى عبد الرّزّاق بسندٍ صحيح عن عمرو بن دينار عن طاوسٍ عن ابن عبّاس قال: لَم يرع عمر إلَّا أمّ أراكة قد خرجت حبلى، فسألها عمر فقالت: استمتع بي سلمة بن أُميَّة.
وأخرج من طريق أبي الزّبير عن طاوسٍ فسمّاه معبد بن أُميَّة.
وأمّا جابر. فمستنده قوله " فعلناها " وقد بيّنته قبل، ووقع في رواية أبي نصرة عن جابر عند مسلم " فنهانا عمر فلم نفعله بعد ".
فإن كان قوله " فعلنا " يعمّ جميع الصّحابة فقوله " ثمّ لَم نعد " يعمّ جميع الصّحابة فيكون إجماعاً، وقد ظهر أنّ مستنده الأحاديث الصّحيحة التي بيّناها.
وأمّا عمرو بن حريثٍ وكذا قوله: رواه جابر عن جميع الصّحابة. فعجيب، وإنّما قال جابر: فعلناها. وذلك لا يقتضي تعميم جميع الصّحابة , بل يصدق على فعل نفسه وحده.
وأمّا ما ذكره عن التّابعين. فهو عند عبد الرّزّاق عنهم بأسانيد صحيحة، وقد ثبت عن جابر عند مسلم: فعلناها مع رسول الله ﷺ , ثمّ نهانا عمر فلم نعد لها. فهذا يردّ عدّه جابراً فيمن ثبت على تحليلها، وقد اعترف ابن حزم مع ذلك بتحريمها لثبوت قوله ﷺ : إنّها حرام إلى يوم القيامة. قال: فأمنّا بهذا القول نسخ التّحريم. والله أعلم
قوله: (يوم خيبر) هكذا لجميع الرّواة عن الزّهريّ " خيبر " بالمعجمة أوّله والرّاء آخره إلَّا ما رواه عبد الوهّاب الثّقفيّ عن يحيى
стр. 2675
بن سعيد عن مالك في هذا الحديث فإنّه قال " حنين " بمهملةٍ أوّله ونونين. أخرجه النّسائيّ والدّارقطنيّ , ونبّها على أنّه وهمٌ تفرّد به عبد الوهّاب، وأخرجه الدّارقطنيّ من طريق أخرى عن يحيى بن سعيد فقال " خيبر " على الصّواب.
وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد عن الزّهريّ عنه بلفظ " نهى في غزوة تبوك عن نكاح المتعة " وهو خطأ أيضاً.
قوله: (يوم خيبر) وللبخاري من طريق ابن عيينة، أنّه سمع الزّهريّ، بلفظ " نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهليّة زمن خيبر ". وقوله " زمن خيبر " الظّاهر أنّه ظرف للأمرين.
وحكى البيهقيّ عن الحميديّ , أنّ سفيان بن عيينة كان يقول: قوله " يوم خيبر " يتعلق بالحمر الأهليّة لا بالمتعة.
قال البيهقيّ: وما قاله محتمل يعني في روايته هذه، وأمّا غيره فصرّح أنّ الظّرف يتعلق بالمتعة.
وللبخاري من طريق مالك عن الزهري بلفظ " نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن متعة النّساء , وعن لحوم الحمر الأهليّة " وهكذا أخرجه مسلم من رواية ابن عيينة أيضاً، وللبخاري من رواية عبيد الله بن عمر عن الزّهريّ " أنّ رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر ". وكذا أخرجه مسلم , وزاد من طريقه. فقال: مهلاً يا ابن عبّاس ".
ولأحمد من طريق معمر بسنده , أنّه بلغه أنّ ابن عبّاس رخّص في متعة النّساء، فقال له: إنّ رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وعن
стр. 2676
لحوم الحمر الأهليّة. وأخرجه مسلم من رواية يونس بن يزيد عن الزّهريّ مثل رواية مالك، والدّارقطنيّ من طريق ابن وهب عن مالك ويونس وأسامة بن زيد ثلاثتهم عن الزّهريّ كذلك.
وذكر السّهيليّ: أنّ ابن عيينة رواه عن الزّهريّ بلفظ " نهى عن أكل الحمر الأهليّة عام خيبر، وعن المتعة بعد ذلك , أو في غير ذلك اليوم " انتهى
وهذا اللفظ الذي ذكره لَم أره من رواية ابن عيينة، فقد أخرجه أحمد وابن أبي عمر والحميديّ وإسحاق في " مسانيدهم " عن ابن عيينة باللفظ الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، لكن منهم من زاد لفظ " نكاح " وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة وإبراهيم بن موسى والعبّاس بن الوليد.
وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمّد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب جميعاً عن ابن عيينة بمثل لفظ مالك، وكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة لكن قال " زمن " بدل " يوم "
قال السّهيليّ: ويتّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال , لأنّ فيه النّهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السّير ورواة الأثر، قال: فالذي يظهر أنّه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزّهريّ. انتهى
وهذا الذي قاله. سبقه إليه غيره في النّقل عن ابن عيينة، فذكر ابن عبد البرّ من طريق قاسم بن أصبغ , أنّ الحميديّ ذكر عن ابن عيينة أنّ
стр. 2677
النّهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، وأمّا المتعة فكان في غير يوم خيبر.
ثمّ راجعتُ " مسند الحميديّ " من طريق قاسم بن أصبغ عن أبي إسماعيل السّلميّ عنه فقال بعد سياق الحديث: قال ابن عيينة: يعني أنّه نهى عن لحوم الحمر الأهليّة زمن خيبر، ولا يعني نكاح المتعة.
قال ابن عبد البرّ: وعلى هذا أكثر النّاس.
وقال البيهقيّ: يشبه أن يكون كما قال. لصحّة الحديث في أنّه ﷺ رخّص فيها بعد ذلك ثمّ نهى عنها، فلا يتمّ احتجاج عليّ إلَّا إذا وقع النّهي أخيراً لتقوم به الحجّة على ابن عبّاس.
وقال أبو عوانة في " صحيحه ": سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث عليّ أنّه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأمّا المتعة فسكت عنها , وإنّما نهى عنها يوم الفتح. انتهى.
والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرّخصة فيها بعد زمن خيبر كما أشار إليه البيهقيّ.
لكن يمكن الانفصال عن ذلك. بأنّ عليّاً لَم تبلغه الرّخصة فيها يوم الفتح لوقوع النّهي عنها عن قربٍ. كما سيأتي بيانه.
ويؤيّد ظاهر حديث عليّ ما أخرجه أبو عوانة وصحَّحه من طريق سالم بن عبد الله , أنّ رجلاً سأل ابن عمر عن المتعة فقال: حرام. فقال: إنّ فلاناً يقول فيها. فقال: والله لقد علم أنّ رسول الله ﷺ حرّمها يوم خيبر. وما كنّا مسافحين.
стр. 2678
قال السّهيليّ: وقد اختلف في وقت تحريم نكاح المتعة. فأغربُ ما روي في ذلك رواية مَن قال في غزوة تبوك، ثمّ رواية الحسن أنّ ذلك كان في عمرة القضاء، والمشهور في تحريمها أنّ ذلك في غزوة الفتح , كما أخرجه مسلم من حديث الرّبيع بن سبرة عن أبيه. وفي روايةٍ عن الرّبيع أخرجها أبو داود. أنّه كان في حجّة الوداع.
قال: ومَن قال من الرّواة كان في غزوة أوطاسٍ , فهو موافق لمَن قال عام الفتح. انتهى.
فتحصّل ممّا أشار إليه ستّة مواطن: خيبر، ثمّ عمرة القضاء، ثمّ الفتح، ثمّ أوطاس، ثمّ تبوك، ثمّ حجّة الوداع.
وبقي عليه حنين , لأنّها وقعت في رواية قد نبّهت عليها قبل، فإمّا أن يكون ذهل عنها , أو تركها عمداً لخطأ رواتها، أو لكون غزوة أوطاسٍ وحنين واحدة.
فأمّا رواية تبوك: فأخرجها إسحاق بن راهويه وابن حبّان من طريقه من حديث أبي هريرة , أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا نزل بثنيّة الوداع رأى مصابيح وسمع نساء يبكين، فقال: ما هذا؟ فقالوا: يا رسولَ الله، نساء كانوا تمتّعوا منهنّ. فقال: هدم المتعة النّكاح والطّلاق والميراث.
وأخرجه الحازميّ من حديث جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك حتّى إذا كنّا عند العقبة ممّا يلي الشّام جاءت نسوة قد كنّا تمتّعنا بهنّ يطفن برحالنا، فجاء رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، قال: فغضب وقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه , ونهى عن المتعة،
стр. 2679
فتوادعنا يومئذٍ فسمّيت ثنيّة الوداع.
وأمّا رواية الحسن وهو البصريّ. فأخرجها عبد الرّزّاق من طريقه وزاد " ما كانت قبلها ولا بعدها " وهذه الزّيادة منكرة من راويها عمرو بن عبيد، وهو ساقط الحديث، وقد أخرجه سعيد بن منصور من طريق صحيحة عن الحسن بدون هذه الزّيادة.
وأمّا غزوة الفتح: فثبتت في صحيح مسلم كما قال.
وأمّا أوطاس: فثبتت في مسلم أيضاً من حديث سلمة بن الأكوع.
وأمّا حجّة الوداع: فوقع عند أبي داود من حديث الرّبيع بن سبرة عن أبيه.
وأمّا قوله " لا مخالفة بين أوطاس والفتح "
ففيه نظرٌ، لأنّ الفتح كان في رمضان ثمّ خرجوا إلى أوطاسٍ في شوّال، وفي سياق مسلم أنّهم لَم يخرجوا من مكّة حتّى حرمت، ولفظة " إنّه غزا مع رسول الله ﷺ الفتح، فأذن لنا في متعة النّساء، فخرجت أنا ورجلٌ من قومي - فذكر قصّة المرأة، إلى أن قال: ثمّ استمتعت منها، فلم أخرج حتّى حرّمها "
وفي لفظ له " رأيت رسول الله ﷺ قائماً بين الرّكن والباب وهو يقول " بمثل حديث ابن نمير , وكان تقدّم في حديث ابن نمير أنّه قال: يا أيّها النّاس إنّي قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النّساء، وأنّ الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة ".
وفي رواية " أمرنا بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكّة، ثمّ لَم نخرج
стр. 2680
حتّى نهانا عنها " وفي رواية له " أمر أصحابه بالتّمتّع من النّساء - فذكر القصّة - قال: فكنّ معنا ثلاثاً، ثمّ أمرنا رسول الله ﷺ بفراقهنّ " وفي لفظ " فقال إنّها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة "
فأمّا أوطاس: فلفظ مسلم " رخّص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثاً، ثمّ نهى عنها "
وظاهر الحديثين المغايرة، لكن يحتمل أن يكون أطلق على عام الفتح عام أوطاس لتقاربهما، ولو وقع في سياقه أنّهم تمتّعوا من النّساء في غزوة أوطاس لَمَّا حسن هذا الجمع.
نعم. ويبعد أن يقع الإذن في غزوة أوطاس بعد أن يقع التّصريح قبلها في غزوة الفتح بأنّها حرمت إلى يوم القيامة.
وإذا تقرّر ذلك , فلا يصحّ من الرّوايات شيء بغير عِلَّة إلَّا غزوة الفتح.
وأمّا غزوة خيبر: وإن كانت طرق الحديث فيها صحيحة ففيها من كلام أهل العلم ما تقدّم.
وأمّا عمرة القضاء: فلا يصحّ الأثر فيها , لكونه من مرسل الحسن ومراسيله ضعيفة , لأنّه كان يأخذ عن كلّ أحد.
وعلى تقدير ثبوته فلعله أراد أيّام خيبر لأنّهما كانا في سنة واحدة في الفتح وأوطاس سواء.
وأمّا قصّة تبوك: فليس في حديث أبي هريرة التّصريح بأنّهم استمتعوا منهنّ في تلك الحالة.
стр. 2681
فيحتمل أن يكون ذلك وقع قديماً ثمّ وقع التّوديع منهنّ حينئذٍ والنّهي.
أو كان النّهي وقع قديماً فلم يبلغ بعضهم فاستمرّ على الرّخصة، فلذلك قرن النّهي بالغضب لتقدّم النّهي في ذلك.
على أنّ في حديث أبي هريرة مقالاً، فإنّه من رواية مؤمّل بن إسماعيل عن عكرمة بن عمّار وفي كلٍّ منهما مقال.
وأمّا حديث جابر فلا يصحّ فإنّه من طريق عبّاد بن كثير. وهو متروك.
وأمّا حجّة الوداع: فهو اختلاف على الرّبيع بن سبرة، والرّواية عنه بأنّها في الفتح أصحّ وأشهر، فإن كان حفظه فليس في سياق أبي داود سوى مجرّد النّهي، فلعله ﷺ أراد إعادة النّهي ليشيع ويسمعه من لَم يسمعه قبل ذلك.
فلم يبق من المواطن كما قلنا صحيحاً صريحاً سوى غزوة خيبر وغزوة الفتح، وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدّم.
وزاد ابن القيّم في " الهدي " أنّ الصّحابة لَم يكونوا يستمتعون باليهوديّات، يعني فيقوى أنّ النّهي لَم يقع يوم خيبر أو لَم يقع هناك نكاح متعة , لكن يمكن أن يجاب: بأنّ يهود خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام فيجوز أن يكون هناك من نسائهم من وقع التّمتّع بهنّ. فلا ينهض الاستدلال بما قال.
قال الماورديّ في " الحاوي ": في تعيين موضع تحريم المتعة وجهان.
стр. 2682
أحدهما: أنّ التّحريم تكرّر ليكون أظهر وأنشر حتّى يعلمه من لَم يكن علمه , لأنّه قد يحضر في بعض المواطن من لا يحضر في غيرها.
الثّاني: أنّها أبيحت مراراً، ولهذا قال في المرّة الأخيرة " إلى يوم القيامة " إشارة إلى أنّ التّحريم الماضي كان مؤذناً بأنّ الإباحة تعقبه، بخلاف هذا فإنّه تحريم مؤبّد لا تعقبه إباحة أصلاً.
وهذا الثّاني هو المعتمد.
ويردّ الأوّل التّصريح بالإذن فيها في الموطن المتأخّر عن الموطن الذي وقع التّصريح فيه بتحريمها كما في غزوة خيبر ثمّ الفتح.
وقال النّوويّ: الصّواب أنّ تحريمها وإباحتها وقعا مرّتين فكانت مباحة قبل خيبر ثمّ حرّمت فيها ثمّ أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس ثمّ حرّمت تحريماً مؤبّداً.
قال: ولا مانع من تكرير الإباحة.
ونقل غيره عن الشّافعيّ أنّ المتعة نسخت مرّتين.
وقد تقدّم حديث ابن مسعود , في سبب الإذن في نكاح المتعة , وأنّهم كانوا إذا غزوا اشتدّت عليهم العزبة فأذن لهم في الاستمتاع , فلعل النّهي كان يتكرّر في كلّ مواطن بعد الإذن، فلمّا وقع في المرّة الأخيرة أنّها حرّمت إلى يوم القيامة لَم يقع بعد ذلك إذن. والله أعلم.
والحكمة في جمع عليٍّ بين النّهي عن الحمر والمتعة , أنّ ابن عبّاس كان يرخّص في الأمرين معاً، وسيأتي النّقل عنه في الرّخصة في الحمر الأهليّة، فردّ عليه عليٌّ في الأمرين معاً وأنّ ذلك يوم خيبر.
стр. 2683
فإمّا أن يكون على ظاهره , وأنّ النّهي عنهما وقع في زمن واحد.
وإمّا أن يكون الإذن الذي وقع عام الفتح لَم يبلغ عليّاً لقصر مدّة الإذن. وهو ثلاثة أيّام. كما تقدّم.
والحديث في قصّة تبوك على نسخ الجواز في السّفر , لأنّه نهى عنها في أوائل إنشاء السّفر مع أنّه كان سفراً بعيداً والمشقّة فيه شديدة كما صرّح به في الحديث في توبة كعب، وكان عِلَّة الإباحة وهي الحاجة الشّديدة انتهت من بعد فتح خيبر وما بعدها. والله أعلم.
والجواب عن قول السّهيليّ: أنّه لَم يكن في خيبر نساء يستمتع بهنّ , ظاهر ممّا بيّنته من الجواب عن قول ابن القيّم. لَم تكن الصّحابة يتمتّعون باليهوديّات.
وأيضاً فيقال كما تقدّم: لَم يقع في الحديث التّصريح بأنّهم استمتعوا في خيبر، وإنّما فيه مجرّد النّهي، فيؤخذ منه أنّ التّمتّع من النّساء كان حلالاً.
وسبب تحليله ما أخرجه البخاري في حديث ابن مسعود حيث قال: كنّا نغزو وليس لنا شيء - ثمّ قال - فرخّص لنا أن ننكح المرأة بالثّوب " فأشار إلى سبب ذلك , وهو الحاجة مع قلة الشّيء.
وكذا في حديث سهل بن سعد الذي أخرجه ابن عبد البرّ بلفظ " إنّما رخّص النّبيّ ﷺ في المتعة لعزبةٍ كانت بالنّاس شديدة، ثمّ نهى عنها ".
فلمّا فتحت خيبر وسّع عليهم من المال ومن السّبي فناسب النّهي
стр. 2684
عن المتعة لارتفاع سبب الإباحة، وكان ذلك من تمام شكر نعمة الله على التّوسعة بعد الضّيق.
أو كانت الإباحة إنّما تقع في المغازي التي يكون في المسافة إليها بُعدٌ ومشقّة، وخيبر بخلاف ذلك , لأنّها بقرب المدينة فوقع النّهي عن المتعة فيها إشارة إلى ذلك من غير تقدّم إذن فيها، ثمّ لَمَّا عادوا إلى سفرة بعيدة المدّة وهي غزاة الفتح وشقّت عليهم العزوبة أذن لهم في المتعة , لكن مقيّداً بثلاثة أيّام فقط دفعاً للحاجة، ثمّ نهاهم بعد انقضائها عنها كما في صحيح مسلم من رواية سلمة عن رسول الله ﷺ قال: رخّص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ثمّ نهى عنها.
وهكذا يجاب عن كلّ سفرةٍ ثبت فيها النّهي بعد الإذن.
وأمّا حجّة الوداع. فالذي يظهر أنّه وقع فيها النّهي مجرّداً إن ثبت الخبر في ذلك، لأنّ الصّحابة حجّوا فيها بنسائهم بعد أن وسّع عليهم فلم يكونوا في شدّة ولا طول عزبةٍ، وإلَّا فمخرج حديث سبرة راويه هو من طريق ابنه الرّبيع عنه، وقد اختلف عليه في تعيينها؛ والحديث واحد في قصّة واحدة فتعيّن التّرجيح.
والطّريق التي أخرجها مسلم مصرّحة بأنّها في زمن الفتح أرجح فتعيّن المصير إليها. والله أعلم.
قوله: (وعن لحوم الحمر الأهليّة) في رواية للشيخين " الحمر الأنسيّة " والإنسيّة بكسر الهمزة وسكون النّون منسوبة إلى الإنس.
стр. 2685
ويقال فيه: أنسيّة بفتحتين، وزعم ابن الأثير: أنّ في كلام أبي موسى المدينيّ ما يقتضي أنّها بالضّمّ ثمّ السّكون لقوله الأنسيّة هي التي تألف البيوت، والأنس ضدّ الوحشة.
ولا حجّة في ذلك , لأنّ أبا موسى إنّما قاله بفتحتين، وقد صرّح الجوهريّ. أنّ الأنس بفتحتين ضدّ الوحشة.
ولَم يقع في شيء من روايات الحديث بضمٍّ ثمّ سكون مع احتمال جوازه، نعم. زيّف أبو موسى الرّواية بكسر أوّله ثمّ السّكون.
فقال ابن الأثير: إن أراد من جهة الرّواية فعسى، وإلا فهو ثابت في اللغة. ونسبتها إلى الإنس.
وقد وقع في حديث أبي ثعلبة وغيره " الأهليّة " بدل الإنسيّة.
ويؤخذ من التّقييد بها جواز أكل الحمر الوحشيّة، وقد تقدّم صريحاً في حديث أبي قتادة في الحجّ (١).
стр. 2686
الحديث التاسع
٣١٣ - عن أبي هريرة ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال: لا تنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسولَ الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكتَ. (١)
قوله: (لا تنكح) بكسر الحاء للنّهي، وبرفعها للخبر. وهو أبلغ في المنع.
والأيّم وهي التي يموت زوجها أو تبين منه وتنقضي عدّتها، وأكثر ما تطلق على من مات زوجها.
وقال ابن بطّال: العرب تطلق على كلّ امرأة لا زوج لها وكلّ رجل لا امرأة له أيّماً، زاد في " المشارق " وإن كان بكراً.
وظاهر هذا الحديث. أنّ الأيّم هي الثّيّب التي فارقت زوجها بموتٍ أو طلاق لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في الأيّم، ومنه قولهم " الغزو مأيمة " أي: يقتل الرّجال فتصير النّساء أيامى.
وقد تطلق على من لا زوج لها أصلاً، ونقله عياض عن إبراهيم الحربيّ وإسماعيل القاضي وغيرهما أنّه يطلق على كلّ من لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة بكراً كانت أو ثيّباً.
стр. 2687
وحكى الماورديّ القولين لأهل اللغة.
وقد وقع في رواية الأوزاعيّ عن يحيى في هذا الحديث عند ابن المنذر والدّارميّ والدّارقطنيّ " لا تنكح الثّيّب " ووقع عند ابن المنذر في رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه في هذا الحديث " الثّيّب تشاور ".
قوله: (حتّى تستأمر) أصل الاستئمار طلب الأمر، فالمعنى لا يعقد عليها حتّى يطلب الأمر منها.
ويؤخذ من قوله " تستأمر " أنّه لا يعقد إلَّا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الوليّ في حقّها، بل فيه إشعار باشتراطه.
قوله: (ولا تنكح البكر حتّى تستأذن) كذا وقع في هذه الرّواية التّفرقة بين الثّيّب والبكر، فعبّر للثّيّب بالاستئمار , وللبكر بالاستئذان.
فيؤخذ منه فرقٌ بينهما من جهة أنّ الاستئمار يدلّ على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الوليّ إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرّحت بمنعه امتنع اتّفاقاً والبكر بخلاف ذلك.
والإذن دائر بين القول والسّكوت بخلاف الأمر فإنّه صريح في القول , وإنّما جعل السّكوت إذناً في حقّ البكر , لأنّها قد تستحي أن تفصح.
قوله: (قالوا: يا رسولَ الله) في رواية عمر بن أبي سلمة " قلنا ".
وحديث عائشة في البخاري صريح في أنّها هي السّائلة عن ذلك.
стр. 2688
قوله: (كيف إذنها؟) وللبخاري من طريق ابن جريجٍ عن ابن أبي مُلَيكة عن أبي عمرٍو هو ذكوان عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسولَ الله، يستأمر النّساء في أبضاعهنّ؟ قال: نعم. قلت: فإنّ البكر تستأمر فتستحيي فتسكت؟ قال: سكاتها إذنها.
وفي رواية مسلم من هذا الوجه: سألتُ رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا؟ قال: نعم تستأمر. قلت: فإنّها تستحي.
قوله: (قال: أن تسكت) في رواية ابن جريجٍ عند البخاري " قال: سكاتها إذنها " وفي لفظ له " قال: إذنها صماتها " وفي رواية مسلم من طريق ابن جريجٍ أيضاً " قال: فذلك إذنها إذا هي سكتت ".
ودلَّت رواية البخاريّ على أنّ المراد بالجارية في رواية مسلم البكر دون الثّيّب. وعند مسلم أيضاً من حديث ابن عبّاس: والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها. وفي لفظ له " والبكر يستأذنها أبوها في نفسها ".
قال ابن المنذر: يستحبّ إعلام البكر أنّ سكوتها إذن، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أنّ صمتي إذن لَم يبطل العقد بذلك عند الجمهور.
وأبطله بعض المالكيّة، وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثاً إن رضيتِ فاسكتي وإن كرهتِ فانطقي.
وقال بعضهم: يطال المقام عندها لئلا تخجل فيمنعها ذلك من
стр. 2689
المسارعة.
واختلفوا فيما إذا لَم تتكلم , بل ظهرت منها قرينة السّخط أو الرّضا بالتّبسّم مثلاً أو البكاء.
القول الأول: عند المالكيّة. إن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدلّ على الكراهة , لَم تزوّج.
القول الثاني: عند الشّافعيّة. لا أثر لشيءٍ من ذلك في المنع , إلَّا إن قرنت مع البكاء الصّياح ونحوه.
القول الثالث: فرّق بعضهم بين الدّمع , فإن كان حارّاً دلَّ على المنع , وإن كان بارداً دلَّ على الرّضا.
قال: وفي هذا الحديث إشارة إلى أنّ البكر التي أمر باستئذانها هي البالغ، إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها.
ونقل ابن عبد البرّ عن مالك , أنّ سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها وتفويضها لا يكون رضاً منها، بخلاف ما إذا كان بعد تقويضها إلى وليّها.
وخصّ بعض الشّافعيّة: الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنّسبة إلى الأب والجدّ دون غيرهما، لأنّها تستحي منهما أكثر من غيرهما.
والصّحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنّسبة لجميع الأولياء.
واختلفوا في الأب يزوّج البكر البالغ بغير إذنها.
стр. 2690
القول الأول: قال الأوزاعيّ والثّوريّ والحنفيّة ووافقهم أبو ثور: يشترط استئذانها، فلو عقد عليها بغير استئذان لَم يصحّ.
القول الثاني: يجوز للأب أن يزوّجها ولو كانت بالغاً بغير استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والليث والشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
ومن حجّتهم: مفهوم حديث الباب , لأنّه جعل الثّيّب أحقّ بنفسها من وليّها، فدلَّ على أنّ وليّ البكر أحقّ بها منها.
واحتجّ بعضهم: بحديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بُرْدة عن أبي موسى مرفوعاً " تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها " قال: فقيّد ذلك باليتيمة فيحمل المطلق عليه.
وفيه نظرٌ: لحديث ابن عبّاس الذي ذكرته بلفظ " يستأذنها أبوها " فنصّ على ذكر الأب.
وأجاب الشّافعيّ: بأنّ المؤامرة قد تكون عن استطابة النّفس.
ويؤيّده حديث ابن عمر رفعه: وآمروا النّساء في بناتهنّ. أخرجه أبو داود.
قال الشّافعيّ: لا خلاف أنّه ليس للأمّ أمر، لكنّه على معنى استطابة النّفس.
وقال البيهقيّ: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عبّاس غير محفوظة، قال الشّافعيّ: زادها ابن عيينة في حديثه، وكان ابن عمر والقاسم وسالم يزوّجون الأبكار لا يستأمرونهنّ.
قال البيهقيّ: والمحفوظ في حديث ابن عبّاس " البكر تستأمر "
стр. 2691
ورواه صالح بن كيسان بلفظ " واليتيمة تستأمر " وكذلك رواه أبو بُرْدة عن أبي موسى ومحمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. فدلَّ على أنّ المراد بالبكر اليتيمة.
قلت. وهذا لا يدفع زيادة الثّقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائل: بل المراد باليتيمة البكر لَم يدفع. وتستأمر بضمّ أوّله يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الرّوايات.
ويبقى النّظر في أنّ الاستئمار. هل هو شرط في صحّة العقد أو مستحبّ على معنى استطابة النّفس. كما قال الشّافعيّ؟ كلٌّ من الأمرين محتمل.
واستدل به.
وهو القول الأول: على أنّ الصّغيرة الثّيّب لا إجبار عليها. لعموم كونها أحقّ بنفسها من وليّها، وعلى أنّ من زالتْ بكارتها بوطءٍ - ولو كان زناً - لا إجبار عليها لأبٍ ولا غيره لعموم قوله " الثّيّب أحقّ بنفسها ".
القول الثاني: قال أبو حنيفة: هي كالبكر، وخالفه حتّى صاحباه.
واحتجّ له: بأنّ عِلَّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء , وهو باقٍ في هذه لأنّ المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطءٍ , لا فيمن اتّخذت الزّنا ديدناً وعادة.
وأجيب: بأنّ الحديث نصّ على أنّ الحياء يتعلق بالبكر وقابلها بالثّيّب , فدلَّ على أنّ حكمهما مختلف، وهذه ثيّب لغة وشرعاً , بدليل
стр. 2692
أنّه لو أوصى بعتق كلّ ثيّب في ملكه دخلت إجماعاً.
وأمّا بقاء حيائها كالبكر فممنوع , لأنّها تستحي من ذكر وقوع الفجور منها، وأمّا ثبوت الحياء من أصل النّكاح فليست فيه كالبكر التي لَم تجرّبه قطّ، والله أعلم.
واستدل به لمَن قال: إنّ للثّيّب أن تتزوّج بغير وليّ، ولكنّها لا تزوّج نفسها بل تجعل أمرها إلى رجل فيزوّجها، حكاه ابن حزم عن داود.
وتعقّبه بحديث عائشة: أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل. وهو حديث صحيح. أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وحسّنه وصحَّحه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم.
وهو يبيّن أنّ معنى قوله " أحقّ بنفسها من وليّها أنّه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها ولا يجبرها، فإذا أرادت أن تتزوّج لَم يجز لها إلَّا بإذن وليّها.
واستدل به على أنّ البكر إذا أعلنت بالمنع لَم يجز النّكاح، وإلى هذا أشار البخاري في التّرجمة، (١) وإن أعلنت بالرّضا فيجوز بطريق الأولى. وشذّ بعض أهل الظّاهر فقال: لا يجوز أيضاً , وقوفاً عند ظاهر قوله " وإذنها أن تسكت "
تكميل: للتزوج أربع صور: تزويج الأب البكر، وتزويج الأب
стр. 2693
الثّيّب، وتزويج غير الأب البكر، وتزويج غير الأب الثّيّب. وإذا اعتبرت الكبر والصّغر زادت الصّور.
فالثّيّب البالغ: لا يزوّجها الأب ولا غيره إلَّا برضاها اتّفاقاً إلَّا من شذّ.
والبكر الصّغيرة: يزوّجها أبوها اتّفاقاً إلَّا من شذّ.
والثّيّب غير البالغ: اختلف فيها.
القول الأول: قال مالك وأبو حنيفة: يزوّجها أبوها كما يزوّج البكر.
القول الثاني: قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمّد: لا يزوّجها إذا زالت البكارة بالوطء لا بغيره، والعلة عندهم أنّ إزالة البكارة تزيل الحياء الذي في البكر، والبكر البالغ يزوّجها أبوها وكذا غيره من الأولياء.
واختلف في استئمارها. والحديث دالٌ على أنّه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وحكاه التّرمذيّ عن أكثر أهل العلم. وقد ألحق الشّافعيّ الجدّ بالأب.
وقال أبو حنيفة والأوزاعيّ. في الثّيّب الصّغيرة: يزوّجها كلّ وليّ، فإذا بلغت ثبت الخِيَار.
وقال أحمد: إذا بلغت تسعاً جاز للأولياء غير الأب نكاحها، وكأنّه أقام المظنّة مقام المئنّة.
وعن مالك: يلتحق بالأب في ذلك وصيّ الأب دون بقيّة الأولياء ,
стр. 2694
لأنّه أقامه مقامه.
والذي يقتضيه ظاهر الحديث، اشتراط رضا المزوّجة بكراً كانت أو ثيّباً صغيرة كانت أو كبيرة، لكن تستثنى الصّغيرة من حيث المعنى لأنّها لا عبارة لها.
стр. 2695
الحديث العاشر
٣١٤ - عن عائشة ﵂، قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظيّ إلى النبيّ ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة القرظيّ، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير، وإنما معه مثل هدبة الثّوب، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك، قالت: وأبو بكر عنده، وخالد بن سعيدٍ بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: يا أبا بكرٍ ألا تسمع إلى هذه، ما تجهر به عند رسول الله ﷺ . (١)
قوله: (جاءت امرأة رفاعة القرظيّ إلى النبيّ ﷺ ) وللبخاري " أنَّ رفاعة القرظي تزوّج امرأةً " وعند الإسماعيليّ " تزوّج امرأة من بني قريظة ".
وسمّاها مالك من حديث عبد الرّحمن بن الزَّبير نفسه كما أخرجه ابن وهب والطّبرانيّ والدّارقطنيّ في " الغرائب " موصولاً , وهو في " الموطّأ " مرسل " تميمة بنت وهب " وهي بمثنّاةٍ.
واختلف هل هي بفتحها أو بالتّصغير؟.
والثّاني أرجح , ووقع مجزوماً به في النّكاح لسعيد بن أبي عروبة من
стр. 2696
روايته عن قتادة
وقيل: اسمها سهيمة - بسينٍ مهملةٍ مصغّر -. أخرجه أبو نعيمٍ. وكأنّه تصحيف، وعند ابن منده. أميمة بألفٍ. أخرجها من طريق أبي صالح عن ابن عبّاس , وسَمّى أباها الحارث.
وهي واحدة اختلف في التّلفّظ باسمها والرّاجح الأوّل.
قوله: (كنت عند رفاعة القرظيّ) هو رفاعة القرظيّ بن سموأل بفتح المهملة والميم وسكون الواو بعدها همزة ثمّ لامٌ.
والقرظيّ بالقاف والظّاء المعجمة.
قوله: (فطلقني، فبتّ طلاقي) ظاهر في أنّه قال لها: أنت طالق البتّة.
ويحتمل: أن يكون المراد أنّه طلَّقها طلاقاً حصل به قطع عصمتها منه، وهو أعمّ من أن يكون طلَّقها ثلاثاً مجموعة أو مفرّقة.
ويؤيّد الثّاني ما في الصحيحين من وجه آخر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنّها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات.
قوله: (فتزوجَتْ بعده عبدَ الرحمن بن الزّبير) الزّبير بفتح الزّاي.
واتّفقت الرّوايات كلّها عن هشام بن عروة , أنّ الزّوج الأوّل رفاعة والثّاني عبد الرّحمن، وكذا قال عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة في كتاب النّكاح له عن قتادة , أنّ تميمة بنت أبي عبيد القرظيّة كانت تحت رفاعة فطلَّقها فخلف عليها عبد الرّحمن بن الزّبير ".
стр. 2697
وتسميته لأبيها لا تنافي رواية مالك , فلعل اسمه وهب وكنيته أبو عبيد. إلَّا ما وقع عند ابن إسحاق في " المغازي " من رواية سلمة بن الفضل عنه , وتفرّد به عنه عن هشام عن أبيه , قال: كانت امرأة من قريظة يقال لها تميمة تحت عبد الرّحمن بن الزّبير فطلقها. فتزوّجها رفاعة ثمّ فارقها، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرّحمن بن الزّبير.
وهو مع إرساله مقلوب. والمحفوظ ما اتّفق عليه الجماعة عن هشام.
وقد وقع لامرأة أخرى قريبٌ من قصّتها , فأخرج النّسائيّ من طريق سليمان بن يسار عن عبيد الله بن العبّاس. أي: ابن عبد المطّلب , أنّ الغميصاء أو الرّميصاء أتت النّبيّ ﷺ تشكو من زوجها أنّه لا يصِلُ إليها، فلم يلبث أن جاء فقال: إنّها كاذبة , ولكنّها تريد أن ترجع إلى زوجها الأوّل، فقال: ليس ذلك لها حتّى تذوق عسيلته " ورجاله ثقات , لكن اختلف فيه على سليمان بن يسار.
ووقع عند شيخنا في شرح التّرمذيّ " عبد الله بن عبّاس " مكبّر , وتعقَّبَ على ابن عساكر والمزّيّ , أنّهما لَم يذكرا هذا الحديث في " الأطراف ".
ولا تعقّب عليهما: فإنّهما ذكراه في مسند عبيد الله بالتّصغير وهو الصّواب، وقد اختلف في سماعه من النّبيّ ﷺ إلَّا أنّه ولد في عصره فذُكر لذلك في الصّحابة.
واسم زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم. أخرجه الطّبرانيّ وأبو
стр. 2698
مسلم الكجّيّ وأبو نعيمٍ في الصّحابة من طريق حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة , أنّ عمرو بن حزم طلق الغميصاء , فتزوّجها رجلٌ قبل أن يمسّها , فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأوّل .. الحديث.
ولَم أعرف اسم زوجها الثّاني.
ووقعت لثالثةٍ قصّةٌ أخرى مع رفاعة رجلٍ آخر غير الأوّل. والزّوج الثّاني عبد الرّحمن بن الزّبير أيضاً , أخرجه مقاتل بن حيّان في " تفسيره " , ومن طريقه ابن شاهين في " الصّحابة " ثمّ أبو موسى , قوله تعالى (فلا تحلُّ له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره) قال: نزلت في عائشة بنت عبد الرّحمن بن عقيل النّضريّة , كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك - وهو ابن عمّها - فطلَّقها طلاقاً بائناً فتزوّجت بعده عبد الرّحمن بن الزّبير , ثمّ طلَّقها , فأتت النّبيّ ﷺ فقالت: إنّه طلَّقني قبل أن يمسّني , أفأرجع إلى ابن عمّي زوجي الأوّل؟ قال: لا " الحديث.
وهذا الحديث - إن كان محفوظاً - فالواضح من سياقه أنّها قصّة أخرى , وأنّ كلاً من رفاعة القرظيّ ورفاعة النّضريّ وقع له مع زوجة له طلاقٌ , فتزوّج كلاً منهما عبد الرّحمن بن الزّبير فطلَّقها قبل أن يمسّها. فالحكم في قصّتهما متّحدٌ مع تغاير الأشخاص.
وبهذا يتبيّن خطأ من وحّد بينهما. ظنّاً منه أنّ رفاعة بن سموأل هو رفاعة بن وهب , فقال: اختلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال،
стр. 2699
فذكر الاختلاف في النّطق بتميمة وضمّ إليها عائشة.
والتّحقيق ما تقدّم.
ووقعت لأبي ركانة قصّة أخرى سأذكرها آخر هذا الحديث
قوله: (وإنما معه مثل هدبة الثّوب) بضمّ الهاء وسكون المهملة بعدها موحّدة مفتوحة , هو طرف الثّوب الذي لَم ينسج مأخوذ من هدب العين وهو شعر الجفن.
وأرادت أنّ ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار.
وعند البخاري من طريق أبي معاوية عن هشام: فتزوّجت زوجاً غيره فلم يصل منها إلى شيء يريده. وعند أبي عوانة من طريق الدّراورديّ عن هشام " فنكحها عبد الرّحمن بن الزّبير فاعترض عنها ". وكذا في رواية مالك عن عبد الرّحمن بن الزّبير نفسه. وزاد " فلم يستطع أن يمسّها "
وقوله " فاعترض " بضمّ المثنّاة وآخره ضاد معجمة , أي: حصل له عارض حال بينه وبين إتيانها , إمّا من الجنّ وإمّا من المرض.
ووقع في رواية أبي معاوية عن هشام " فلم يقربني إلَّا هنةً واحدة , ولَم يصل منّي إلى شيء " والهنة بفتح الهاء وتخفيف النّون. المرّة الواحدة الحقيرة.
واستدل به على أنّ وطء الزّوج الثّاني لا يكون محللاً ارتجاع الزّوج الأوّل للمرأة إلَّا إن كان حال وطئه منتشراً , فلو كان ذكره أشلّ أو كان هو عنّيناً أو طفلاً لَم يكف على أصحّ قولي العلماء، وهو الأصحّ
стр. 2700
عند الشّافعيّة أيضاً.
قوله: (وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا) وقع في رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة " ولَم يكن معه إلَّا مثل الهدبة فلم يقربني إلَّا هنة واحدة ولَم يصل منّي إلى شيء. أفأحلُّ لزوجي الأوّل؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تحلين لزوجك الأوّل. الحديث.
وللبخاري من طريق أيّوب عن عكرمة , أنّ رفاعة طلَّق امرأته فتزوّجها عبد الرّحمن بن الزّبير، قالت عائشة: فجاءت وعليها خمار أخضر. فشكت إليها - أي إلى عائشة - من زوجها وأرتها خضرة بجلدها، فلمّا جاء رسول الله ﷺ والنّساء يبصرن بعضهنّ بعضاً قالت عائشة: ما رأيت ما يلقى المؤمنات، لَجلدها أشدّ خضرة من ثوبها. وسمع زوجها فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله مالي إليه من ذنب إلَّا أنّ ما معه ليس بأغنى عنّي من هذه - وأخذت هدبة من ثوبها - فقال: كذبتْ والله يا رسولَ الله، إنّي لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشزة تريد رفاعة. قال: فإن كان ذلك لَم تحلّ له " الحديث.
وكأنّ هذه المراجعة بينهما هي التي حملت خالد بن سعيد بن العاص على قوله الذي وقع في رواية الزّهريّ عن عروة في البخاري من طريق شعيب عنه قال: فسمع خالد بن سعيد قولها - وهو بالباب - فقال: يا أبا بكر ألا تنهي هذه عمّا تجهر به عند رسول الله ﷺ ؟ , فوالله ما يزيد رسول الله ﷺ على التّبسّم.
قوله: (قالت: وأبو بكر عنده، وخالد بن سعيدٍ بالباب ... ما