← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

الحنفيّة , وذكره الرّافعيّ من الشّافعيّة. وقد استشكل من جهة طول الفصل بين الاستيجاب والإيجاب وفراق الرّجل المجلس لالتماس ما يُصْدقها إيّاه. وأجاب المُهلَّب: بأنّ بساط القصّة أغنى عن ذلك، وكذا كلّ راغب في التّزويج إذا استوجب فأجيب بشيءٍ معيّن وسكت كفى إذا ظهر قرينة القبول، وإلا فيشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور. واستدل به على جواز ثبوت العقد بدون لفظ النّكاح والتّزويج، وخالف ذلك الشّافعيّ ومن المالكيّة ابن دينار وغيره. والمشهور عن المالكيّة جوازه بكل لفظ دلَّ على معناه إذا قرن بذكر الصّداق أو قصد النّكاح كالتّمليك والهبة والصّدقة والبيع. ولا يصحّ عندهم بلفظ الإجارة ولا العارية ولا الوصيّة، واختلف عندهم في الإحلال والإباحة. وأجازه الحنفيّة بكل لفظ يقتضي التّأبيد مع القصد، وموضع الدّليل من هذا الحديث ورود قوله ﷺ " ملكتكها "، لكن ورد أيضاً بلفظ " زوّجتكها ". قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصّة واحدة واختلف فيها مع اتّحاد مخرج الحديث، فالظّاهر أنّ الواقع من النّبيّ ﷺ أحد الألفاظ المذكورة، فالصّواب في مثل هذا النّظر إلى التّرجيح، وقد نُقل عن الدّارقطنيّ , أنّ الصّواب رواية من روى " زوّجتكها " وأنّهم أكثر وأحفظ.

стр. 2767

قال: وقال بعض المتأخّرين: يحتمل صحّة اللفظين , ويكون قال لفظ التّزويج أوّلاً ثمّ قال " اذهب فقد ملكتكها " بالتّزويج السّابق. قال ابن دقيق العيد: وهذا بعيد , لأنّ سياق الحديث يقتضي تعيين لفظة قبلت لا تعدّدها , وأنّها هي التي انعقد بها النّكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النّكاح، والذي قاله بعيد جدّاً. وأيضاً فلخصمه أن يعكس ويدّعي أنّ العقد وقع بلفظ التّمليك ثمّ قال زوّجتكها بالتّمليك السّابق. قال: ثمّ إنّه لَم يتعرّض لرواية " أمكنّاكها " مع ثبوتها، وكلّ هذا يقتضي تعيّن المصير إلى التّرجيح. انتهى وأشار بالمتأخّر إلى النّوويّ , فإنّه كذلك قال في شرح مسلم. وقد قال ابن التّين: لا يجوز أن يكون النّبيّ ﷺ عقد بلفظ التّمليك والتّزويج معاً في وقت واحد. فليس أحد اللفظين بأولى من الآخر فسقط الاحتجاج به، هذا على تقدير تساوي الرّوايتين فكيف مع التّرجيح؟. قال: ومن زعم أنّ معمراً وهِمَ فيه وَرَدَ عليه أنّ البخاريّ أخرجه في غير موضع من رواية غير معمر مثل معمر. انتهى وزعم ابن الجوزيّ في " التّحقيق " أنّ رواية أبي غسّان " أنكحتكها " ورواية الباقين " زوّجتكها " إلَّا ثلاثة أنفس وهم معمر ويعقوب وابن أبي حازم، قال: ومعمر كثير الغلط. والآخران لَم يكونا حافظين. انتهى.

стр. 2768

وقد غلِط في رواية أبي غسّان فإنّها بلفظ " أمكنّاكها " في جميع نسخ البخاريّ، نعم. وقعت بلفظ " زوّجتكها " عند الإسماعيليّ من طريق حسين بن محمّد عن أبي غسّان، والبخاريّ أخرجه عن سعيد بن أبي مريم عن أبي غسّان بلفظ " أمكنّاكها ". وقد أخرجه أبو نعيم في " المستخرج " من طريق يحيى بن عثمان بن صالح عن سعيد - شيخ البخاريّ فيه - بلفظ " أنكحتكها " فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسّان، ورواية " أنكحتكها " في البخاريّ لابن عيينة كما حرّرته. وما ذكره من الطّعن في الثّلاثة مردودٌ , ولا سيّما عبد العزيز فإنّ روايته تترجّح يكون الحديث عن أبيه. وآل المرء أعرف بحديثه من غيرهم. نعم. الذي تحرّر ممّا قدّمته أنّ الذين رووه بلفظ التّزويج أكثر عدداً ممّن رواه بغير لفظ التّزويج، ولا سيّما وفيهم من الحفّاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن عيينة " أنكحتكها " مساوية لروايتهم، ومثلها رواية زائدة. وعدّ ابن الجوزيّ فيمن رواه بلفظ التّزويج حمّاد بن زيد. وروايته بهذا اللفظ عند البخاري في فضائل القرآن، وأمّا في النّكاح فبلفظ " ملكتكها ". وقد تبِع الحافظُ صلاحُ الدّين العلائيُّ ابنَ الجوزيّ , فقال في ترجيح رواية التّزويج: ولا سيّما وفيهم مالك وحمّاد بن زيد. انتهى

стр. 2769

وقد تحرّر أنّه اختلف على حمّاد فيها كما اختلف على الثّوريّ , فظهر أنّ رواية التّمليك وقعت في إحدى الرّوايتين عن الثّوريّ , وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرّحمن وحمّاد بن زيد، وفي رواية معمر " ملكتكها ". وهي بمعناها. وانفرد أبو غسّان برواية " أمكنّاكها " وأخلق بها أن تكون تصحيفاً من ملكناكها. فرواية التّزويج أو الإنكاح أرجح، وعلى تقدير أنّ تساوي الرّوايات يقف الاستدلال بها لكلٍّ من الفريقين. وقد قال البغويّ في " شرح السّنّة ": لا حجّة في هذا الحديث لمن أجاز انعقاد النّكاح بلفظ التّمليك , لأنّ العقد كان واحداً فلم يكن اللفظ إلَّا واحداً، واختلف الرّواة في اللفظ الواقع، والذي يظهر أنّه كان بلفظ التّزويج على وفق قول الخاطب: زوّجنيها. إذ هو الغالب في أمر العقود , إذ قلَّما يختلف فيه لفظ المتعاقدين؛ ومن روى بلفظٍ غير لفظ التّزويج لَم يقصد مراعاة اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنّما أراد الخبر عن جريان العقد على تعليم القرآن. وقيل: إنّ بعضهم رواه بلفظ الإمكان، وقد اتّفقوا على أنّ هذا العقد بهذا اللفظ لا يصحّ. كذا قال. وما ذكر كافٍ في دفع احتجاج المخالف بانعقاد النّكاح بالتّمليك ونحوه. وقال العلائيّ: من المعلوم أنّ النّبيّ ﷺ لَم يقل هذه الألفاظ كلّها

стр. 2770

تلك السّاعة، فلم يبق إلَّا أن يكون قال لفظة منها وعبّر عنه بقيّة الرّواة بالمعنى، فمَن قال: بأنّ النّكاح ينعقد بلفظ التّمليك ثمّ احتجّ بمجيئه في هذا الحديث. إذا عورض ببقيّة الألفاظ لَم ينتهض احتجاجه، فإن جزم بأنّه هو الذي تلفّظ به النّبيّ ﷺ , ومَن قال: غيره ذكره بالمعنى. قلبه عليه مخالفه , وادّعى ضدّ دعواه , فلم يبق إلَّا التّرجيح بأمرٍ خارجيّ، ولكنّ القلب إلى ترجيح رواية التّزويج أميل , لكونها رواية الأكثرين، ولقرينة قول الرّجل الخاطب " زوّجنيها يا رسولَ الله ".انتهى قلت: وقد تقدّم النّقل عن الدّارقطنيّ , أنّه رجّح رواية مَن قال " زوّجتكها ". وبالغ ابن التّين. فقال. أجمع أهل الحديث على أنّ الصّحيح رواية " زوّجتكها " وأنّ رواية " ملكتكها ". وهمٌ. وتعلَّق بعض المتأخّرين: بأنّ الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمّة فلولا أنّ هذه الألفاظ عندهم مترادفة ما عبّروا بها. فدلَّ على أنّ كان لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجواز انعقاد النّكاح بكل لفظة منها، إلَّا أنّ ذلك لا يدفع مطالبتهم بدليل الحصر في اللفظين مع الاتّفاق على إيقاع الطّلاق بالكنايات بشرطها , ولا حصر في الصّريح. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنّ النّكاح ينعقد بكل لفظ يدلّ عليه. وهو قول الحنفيّة والمالكيّة وإحدى الرّوايتين عن أحمد، واختلف

стр. 2771

التّرجيح في مذهبه. فأكثر نصوصه تدلّ على موافقة الجمهور. واختار ابن حامد وأتباعه الرّواية الأخرى الموافقة للشّافعيّة. واستدل ابن عقيل منهم لصحّة الرّواية الأولى بحديث " أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها " فإنّ أحمد نصّ على أنّ مَن قال: أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها أنّه ينعقد نكاحها بذلك. واشترط من ذهب إلى الرّواية الأخرى. بأنّه لا بدّ أن يقول في مثل هذه الصّورة تزوّجتها، وهي زيادة على ما في الخبر وعلى نصّ أحمد، وأصوله تشهد بأنّ العقود تنعقد بما يدلّ على مقصودها من قول أو فعل. وفيه أنّ من رغب تزويج من هو أعلى قدراً منه لا لوم عليه , لأنّه بصدد أن يجاب إلَّا إن كان ممّا تقطع العادة بردّه كالسّوقيّ يخطب من السّلطان بنته أو أخته. وأنّ من رغبت في تزويج من هو أعلى منها لا عار عليها أصلاً , ولا سيّما إن كان هناك غرض صحيح أو قصد صالح , إمّا لفضلٍ دينيّ في المخطوب , أو لهوىً فيه يخشى من السّكوت عنه الوقوع في محذور. واستدل به على صحّة قول من جعل عتق الأمة عوضاً عن بضعها، كذا ذكره الخطّابيّ، ولفظه: إنّ من أعتق أمة كان له أن يتزوّجها ويجعل عتقها عوضاً عن بضعها. وفي أخذه من هذا الحديث بُعدٌ، وقد تقدّم البحث فيه مفصّلاً قبل

стр. 2772

هذا (١). وفيه أنّ سكوت من عقد عليها. وهي ساكتة لازم إذا لَم يمنع من كلامها خوف أو حياء أو غيرهما. وفيه جواز نكاح المرأة دون أن تُسأل. هل لها وليّ خاصّ أو لا؟، ودون أن تسأل هل هي في عصمة رجل أو في عدّته؟. قال الخطّابيّ: ذهب إلى ذلك جماعة حملاً على ظاهر الحال، ولكنّ الحكّام يحتاطون في ذلك ويسألونها. قلت: وفي أخذ هذا الحكم من هذه القصّة نظرٌ، لاحتمال أن يكون النّبيّ ﷺ اطّلع على جليّة أمرها , أو أخبره بذلك من حضر مجلسه ممّن يعرفها , ومع هذا الاحتمال لا ينتهض الاستدلال به. وقد نصّ الشّافعيّ على أنّه ليس للحاكم أن يزوّج امرأة حتّى يشهد عدلان أنّها ليس لها وليّ خاصّ , ولا أنّها في عصمة رجل , ولا في عدّته. لكن اختلف أصحابه. هل هذا على سبيل الاشتراط أو الاحتياط؟. والثّاني المصحّح عندهم. وفي الحديث. وهو القول الأول: أنّه لا يشترط في صحّة العقد تقدّم الخطبة , إذ لَم يقع في شيء من طريق هذا الحديث وقوع حمد ولا تشهّد ولا غيرهما

стр. 2773

من أركان الخطبة. القول الثاني: خالف في ذلك الظّاهريّة. فجعلوها واجبة، ووافقهم من الشّافعيّة أبو عوانة فترجم في صحيحه " باب وجوب الخطبة عند العقد ". وفيه أنّ الكفاءة في الحرّيّة وفي الدّين وفي النّسب لا في المال، لأنّ الرّجل كان لا شيء له وقد رضيت به، كذا قاله ابن بطّال. وما أدري من أين له أنّ المرأة كانت ذات مال؟. وفيه أنّ طالب الحاجة لا ينبغي له أن يلحّ في طلبها , بل يطلبها برفقٍ وتأنٍّ، ويدخل في ذلك طالب الدّنيا والدّين من مستفتٍ وسائل وباحث عن علمٍ. وفيه أنّ الفقير يجوز له نكاح من علمت بحاله ورضيت به إذا كان واجداً للمهر وكان عاجزاً عن غيره من الحقوق، لأنّ المراجعة وقعت في وجدان المهر وفقده لا في قدرٍ زائد. قاله الباجيّ. وتعقّب: باحتمال أن يكون النّبيّ ﷺ اطّلع من حال الرّجل على أنّه يقدر على اكتساب قوته وقوت امرأته، ولا سيّما مع ما كان عليه أهل ذلك العصر من قلة الشّيء والقناعة باليسير. واستدل به على صحّة النّكاح بغير شهود، وردّ بأنّ ذلك وقع بحضرة جماعة من الصّحابة كما تقدّم ظاهراً في أوّل الحديث. وقال ابن حبيب: هو منسوخ بحديث " لا نكاح إلَّا بوليٍّ وشاهدي عدل " وتعقّب.

стр. 2774

واستدل به على صحّة النّكاح بغير وليّ. وتعقّب: باحتمال أنّه لَم يكن لها وليّ خاصّ , والإمام وليّ من لا وليّ له. واستدل به على جواز استمتاع الرّجل بشُورة (١) امرأته وما يشتري بصداقها , لقوله " إن لبسته " من أنّ النّصف لها، ولَم يمنعه مع ذلك من الاستمتاع بنصفه الذي وجب لها , بل جوّز له لبسه كلّه، وإنّما وقع المنع لكونه لَم يكن له ثوب آخر , قاله أبو محمّد بن أبي زيد. وتعقّبه عياض وغيره: بأنّ السّياق يرشد إلى أنّ المراد تعذّر الاكتفاء بنصف الإزار لا في إباحة لبسه كلّه، وما المانع أن يكون المراد أنّ كلاً منهما يلبسه مهايأة (٢) لثبوت حقّه فيه، لكن لَمَّا لَم يكن للرّجل ما يستتر به إذا جاءت نوبتها في لبسه قال له " إن لبسَتْه جلستَ ولا إزار لك " وفيه نَظَرُ الإمامِ في مصالح رعيّته وإرشاده إلى ما يصلحهم. وفي الحديث أيضاً المراوضة في الصّداق، وخطبة المرء لنفسه، وأنّه

стр. 2775

لا يجب إعفاف المسلم بالنّكاح كوجوب إطعامه الطّعام والشّراب.

стр. 2776

الحديث السادس عشر ٣٢٠ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ رأى عبد الرحمن بن عوفٍ وعليه ردع زعفرانٍ، فقال النبيّ ﷺ : مهيم؟ فقال: يا رسولَ الله، تزوجت امرأةً، فقال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواةٍ من ذهبٍ، قال رسول الله ﷺ : بارك الله لك، أولم ولو بشاةٍ. (١) قوله: (رأى عبد الرحمن بن عوفٍ وعليه ردع زعفرانٍ) في رواية زهير عن حميد عن أنس عند البخاري " فمكثنا ما شاء الله، ثمّ جاء وعليه وضر صفرة " , ونحوه لابن عليّة عند أحمد. وفي رواية الثّوريّ عند البخاري , والأنصاريّ عند ابن سعد عن حميد " فلقيه النّبيّ ﷺ " زاد ابن سعد " في سكّة من سكك المدينة وعليه وضرٌ من صفرة ". وفي رواية حمّاد بن زيد عن ثابت في الصحيحين , أنّ النّبيّ ﷺ رأى على عبد الرّحمن بن عوف أثر صفرة. وفي رواية معمر عن ثابت عن أنس عند أحمد " وعليه وضر من خلوق ".

стр. 2777

وأوّل حديث مالك عن حميد عند البخاري , أنّ عبد الرّحمن بن عوف جاء إلى النّبيّ ﷺ وعليه أثر صفرة. ونحوه في رواية عبد الرّحمن نفسه. عند البخاري. وفي رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس في الصحيحين: فرأى النّبيّ ﷺ بشاشة العرس. والوضر: بفتح الواو والضّاد المعجمة وآخره راء. هو في الأصل الأثر. والرّدع بمهملاتٍ - مفتوح الأوّل ساكن الثّاني - هو أثر الزّعفران، والمراد بالصّفرة صفرة الخلوق والخلوق طيب يصنع من زعفران وغيره. قوله: (فقال النبيّ ﷺ : مهيم؟) معناه ما شأنك أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهام مبنيّة على السّكون، وهل هي بسيطة أو مركبة؟ قولان لأهل اللغة. وقال ابن مالك: هي اسم فعل بمعنى أخبر. ووقع في رواية للطّبرانيّ في " الأوسط " (فقال له: مهيم؟ وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشّيء) ووقع في رواية ابن السّكن " مهين " بنونٍ آخره بدل الميم والأوّل هو المعروف. ووقع في رواية حمّاد بن زيد عن ثابت عند البخاري , وكذا في رواية عبد العزيز بن صهيب عند أبي عوانة " قال: ما هذا؟. وقال في جوابه: تزوّجت امرأة من الأنصار ". وللطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث أبي هريرة بسندٍ فيه ضعف , أنّ عبد الرّحمن بن عوف أتى رسول الله ﷺ وقد خضب بالصّفرة ,

стр. 2778

فقال: ما هذا الخضاب، أعرست؟ قال: نعم. الحديث. قوله: (يا رسولَ الله، تزوجت امرأةً) في رواية لهما " تزوّجت امرأةً من الأنصار ". هذه المرأة جزم الزّبير بن بكّارٍ في " كتاب النّسب " , أنّها بنت أبي الحيسر أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل. وفي ترجمة عبد الرّحمن بن عوف من طبقات ابن سعد " أنّها بنت أبي الحشّاش " وساق نسبه. وأظنّهما ثنتين، فإنّ في رواية الزّبير قال " ولَدَتْ لعبد الرّحمن القاسمَ وعبد الله " وفي رواية ابن سعد " ولَدَتْ له إسماعيل وعبد الله ". وذكر ابن القدّاح في " نسب الأوس " أنّها أمّ إياس بنت أبي الحيسر بفتح المهملتين بينهما تحتانيّة ساكنة وآخره راء. واسمه أنس بن رافع الأوسيّ. قوله: (فقال: ما أصدقتها؟) في رواية لهما عن حميد عن أنس " كم أصدقتها؟ " كذا في رواية حمّاد بن سلمة ومعمر عن ثابت. وفي رواية الطّبرانيّ " على كم ". وفي رواية الثّوريّ وزهير في البخاري " ما سُقتَ إليها؟ ". وكذا في رواية عبد الرّحمن نفسه في البخاري، وفي رواية مالك عن حميد عند البخاري " كم سقت إليها؟ ". قوله: (وزن نواة) بنصب النّون على تقدير فعل. أي: أصدقتها،

стр. 2779

ويجوز الرّفع على تقدير مبتدأ. أي: الذي أصدقتها هو. قوله: (من ذهبٍ) كذا وقع الجزم به في رواية ابن عيينة والثّوريّ، وكذا في رواية حمّاد بن سلمة عن ثابت وحميدٍ عند أحمد، وفي رواية زهير وابن عليّة " نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب ". وكذا في رواية عبد الرّحمن نفسه في البخاري بالشّكّ. وفي رواية شعبة عن عبد العزيز بن صهيب " على وزن نواة " وعن قتادة " على وزن نواة من ذهب " ومثل الأخير في رواية حمّاد بن زيد عن ثابت، وكذا أخرجه مسلم من طريق أبي عوانة عن قتادة. ولمسلمٍ من رواية شعبة عن أبي حمزة عن أنس " على وزن نواة. قال فقال رجلٌ من ولد عبد الرّحمن: من ذهب ". ورجّح الدّاوديّ رواية مَن قال " على نواة من ذهب " واستنكر رواية من روى " وزن نواة " واستنكاره هو المنكر , لأنّ الذين جزموا بذلك أئمّة حفّاظ. قال عياض: لا وهْمَ في الرّواية , لأنّها إن كانت نواة تمر أو غيره , أو كان للنّواة قدر معلوم. صلح أن يقال في كلّ ذلك وزن نواة. واختلف في المراد بقوله " نواة " فقيل: المراد واحدة نوى التّمر كما يوزن بنوى الخرّوب , وأنّ القيمة عنها يومئذٍ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذٍ ربع دينار، ورُدّ: بأنّ نوى التّمر يختلف في الوزن. فكيف يجعل معياراً لِما يوزن به؟.

стр. 2780

وقيل: لفظ النّواة من ذهب عبارة عمّا قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطّابيّ. واختاره الأزهريّ , ونقله عياض عن أكثر العلماء. ويؤيّده أنّ في روايةٍ للبيهقيّ من طريق سعيد بن بشر عن قتادة " وزن نواة من ذهب. قوّمت خمسة دراهم ". وقيل: وزنها من الذّهب خمسة دراهم. حكاه ابن قتيبة , وجزم به ابن فارس، وجعله البيضاويّ الظّاهر، واستُبعد , لأنّه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفاً. ووقع في رواية حجّاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقيّ " قوّمت ثلاثة دراهم وثلثاً " وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد. وقيل: ثلاثة ونصف، وقيل: ثلاثة وربع. وعن بعض المالكيّة: النّواة عند أهل المدينة ربع دينار. ويؤيّد هذا ما وقع عند الطّبرانيّ في " الأوسط " في آخر حديث قال أنس: جاء وزنها ربع دينار. وقد قال الشّافعيّ: النّواة ربع النّشّ. والنّشّ نصف أوقيّة , والأوقيّة أربعون درهماً فيكون خمسة دراهم. وكذا قال أبو عبيد: إنّ عبد الرّحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمّى نواة كما تسمّى الأربعون أوقيّة، وبه جزم أبو عوانة وآخرون. قوله: (بارك الله لك) في رواية حمّاد بن سلمة عن ثابت وحميدٍ عند

стр. 2781

أحمد , وزاد في آخر الحديث " قال عبد الرّحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً أو فضّة ". فكأنّه قال ذلك , إشارة إلى إجابة الدّعوة النّبويّة بأن يبارك الله له. قال ابن بطّال: إنّما أراد البخاري بهذا الباب (كيف يدعى للمتزوّج؟) والله أعلم ردّ قول العامّة عند العرس بالرّفاء والبنين. فكأنّه أشار إلى تضعيفه، ونحو ذلك كحديث معاذ بن جبل , أنّه شهد إملاك رجل من الأنصار. فخطب رسول الله ﷺ وأنكح الأنصاريّ , وقال: على الألفة والخير والبركة والطّير الميمون والسّعة في الرّزق. الحديث. أخرجه الطّبرانيّ في " الكبير " بسندٍ ضعيف، وأخرجه في " الأوسط " بسندٍ أضعف منه. وأخرجه أبو عمرو البرقانيّ في كتاب " معاشرة الأهلين " من حديث أنس. وزاد فيه " والرّفاء والبنين " وفي سنده أبان العبديّ وهو ضعيف. وأقوى من ذلك. ما أخرجه أصحاب السّنن وصحَّحه التّرمذيّ وابن حبّان والحاكم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفّأ إنساناً قال: بارك الله لك وبارك عليك. وجمع بينكما في خير. وقوله " رفّأ " بفتح الرّاء وتشديد الفاء مهموز. معناه: دعا له في موضع قولهم بالرّفاء والبنين، وكانت كلمة تقولها أهل الجاهليّة فورد النّهي عنها. كما روى بقيّ بن مخلد من طريق غالب عن الحسن عن

стр. 2782

رجلٍ من بني تميم قال: كنّا نقول في الجاهليّة بالرّفاء والبنين , فلمّا جاء الإسلام علَّمنا نبيّنا , قال: قولوا بارك الله لكم وبارك فيكم وبارك عليكم. وأخرج النّسائيّ والطّبرانيّ من طريق أخرى عن الحسن عن عقيل بن أبي طالب , أنّه قدم البصرة فتزوّج امرأة , فقالوا له: بالرّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا هكذا , وقولوا كما قال رسول الله ﷺ : اللهمّ بارك لهم وبارك عليهم. ورجاله ثقات إلَّا أنّ الحسن لَم يسمع من عقيل فيما يُقال. ودلَّ حديث أبي هريرة على أنّ اللفظ كان مشهوراً عندهم غالباً حتّى سمّي كلّ دعاء للمتزوّج ترفئة. واختلف في عِلَّة النّهي عن ذلك. فقيل: لأنّه لا حمد فيه ولا ثناء ولا ذكرٌ لله. وقيل: لِمَا فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذّكر. وأمّا الرّفاء فمعناه الالتئام. من رفأت الثّوب ورفوته رفواً ورفاء , وهو دعاء للزّوج بالالتئام والائتلاف فلا كراهة فيه. وقال ابن المنيّر: الذي يظهر أنّه ﷺ كره اللفظ لِمَا فيه من موافقة الجاهليّة , لأنّهم كانوا يقولونه تفاؤلاً لا دعاء، فيظهر أنّه لو قيل للمتزوّج بصورة الدّعاء لَم يكره كأن يقول: اللهمّ ألِّف بينهما وارزقهما بنين صالحين مثلاً، أو ألَّف الله بينكما ورزقكما ولداً ذكراً. ونحو

стр. 2783

ذلك. وأمّا ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عمر بن قيس الماضي قال: شهدت شُريحاً وأتاه رجلٌ من أهل الشّام , فقال: إنّي تزوّجت امرأة، فقال: بالرّفاء والبنين " الحديث، وأخرجه عبد الرّزّاق من طريق عديّ بن أرطاة قال: حدّثت شريحاً أنّي تزوّجت امرأة , فقال: بالرّفاء والبنين ". فهو محمول على أنّ شريحاً لَم يبلغه النّهي عن ذلك. ودلَّ صنيع البخاري على أنّ الدّعاء للمتزوّج بالبركة هو المشروع، ولا شكّ أنّها لفظة جامعة يدخل فيها كلّ مقصود من ولد وغيره. ويؤيّد ذلك ما أخرجه البخاري من حديث جابر , أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا قال له: تزوّجتَ بكراً أو ثيّباً؟ قال له بارك الله لك " (١). والأحاديث في ذلك معروفة. قوله: (فقال النّبيّ ﷺ : أولم ولو بشاةٍ) ليست " لو " هذه الامتناعيّة وإنّما هي التي للتّقليل، ووقع في حديث أبي هريرة بعد قوله أعرست " قال: نعم. قال: أولمت؟ قال: لا. فرمى إليه رسول

стр. 2784

الله ﷺ بنواةٍ من ذهب , فقال: أولم ولو بشاةٍ. وهذا لو صحّ كان فيه أنّ الشّاة من إعانة النّبيّ ﷺ ، وكان يعكّر على من استدل به على أنّ الشّاة أقلّ ما يشرع للموسر، ولكنّ الإسناد ضعيف كما تقدّم وفي رواية معمر عن ثابت عند أحمد " قال أنس: فلقد رأيته قسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف. قلت: مات عن أربع نسوة. فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف، وهذا بالنّسبة لتركة الزّبير قليل جدّاً. فيحتمل أن تكون هذه دنانير وتلك دراهم , لأنّ كثرة مال عبد الرّحمن مشهورة جدّاً. واستدل به على توكيد أمر الوليمة. فأخرج الطّبرانيّ من حديث وحشيّ بن حربٍ رفعه: الوليمة حقٌّ والثّانية معروفٌ والثّالثة فخرٌ. ولمسلمٍ من طريق الزّهريّ عن الأعرج وعن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: شرّ الطّعام طعام الوليمة. يُدعى الغنيّ ويترك المسكين وهي حقٌّ. الحديث. ولأبي الشّيخ والطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق مجاهدٍ عن أبي هريرة رفعه: الوليمة حقٌّ وسنّةٌ , فمن دعي فلم يجب , فقد عصى .. الحديث. وأخرج أبو داود والنّسائيّ من طريق قتادة عن عبد الله بن عثمان الثّقفيّ عن رجلٍ من ثقيفٍ , كان يثنى عليه - إن لَم يكن اسمه زهير

стр. 2785

بن عثمان فلا أدري ما اسمه - يقوله قتادة , قال: قال رسول الله ﷺ : الوليمة أوّل يومٍ حقٌّ , والثّاني معروفٌ , والثّالث رياءٌ وسمعةٌ. قال البخاريّ: لا يصحّ إسناده , ولا يصحّ له صحبةٌ يعني لزهير. انتهى وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد , وإن كان كلٌّ منها لا يخلو عن مقالٍ , فمجموعها يدلُّ على أنّ للحديث أصلاً. وروى أحمد من حديث بريدة , قال: لَمَّا خطب عليٌّ فاطمةَ , قال رسول الله ﷺ : إنّه لا بدّ للعروس من وليمةٍ. وسنده لا بأس به. قال ابن بطّالٍ: قوله " الوليمة حقٌّ " أي: ليست بباطلٍ , بل يندب إليها وهي سنّةٌ فضيلةٌ , وليس المراد بالحقّ الوجوب ثمّ قال: ولا أعلم أحداً أوجبها. كذا قال , وغفل عن روايةٍ في مذهبه بوجوبها نقلها القرطبيّ , وقال: إنّ مشهور المذهب أنّها مندوبة , وابن التّين عن أحمد , لكن الذي في المُغني أنّها سنة , بل وافق ابن بطّالٍ في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك. قال: وقال بعض الشّافعيّة: هي واجبةٌ , لأنّ النّبيّ ﷺ أمر بها عبد الرّحمن بن عوفٍ , ولأنّ الإجابة إليها واجبةٌ فكانت واجبةً. وأجاب: بأنّه طعامٌ لسرورٍ حادثٍ فأشبه سائر الأطعمة , والأمر محمولٌ على الاستحباب بدليل ما ذكرناه , ولكونه أمره بشاةٍ وهي غير واجبةٍ اتّفاقاً , وأمّا البناء فلا أصل له.

стр. 2786

والبعض الذي أشار إليه من الشّافعيّة هو وجهٌ معروفٌ عندهم , وقد جزم به سليمٌ الرّازيّ , وقال: إنّه ظاهر نصّ الأمّ , ونقله عن النّصّ أيضاً الشّيخ أبو إسحاق في المهذّب , وهو قول أهل الظّاهر كما صرح به ابن حزمٍ. واستدل به على أنّها تكون بعد الدّخول، ولا دلالة فيه , وإنّما فيه أنّها تستدرك إذا فاتت بعد الدّخول. وقد اختلف السّلف في وقتها. هل هو عند العقد أو عقبه أو عند الدّخول أو عقبه أو موسّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدّخول؟. على أقوالٍ. قال النّوويّ: اختلفوا. فحكى عياضٌ أنّ الأصحّ عند المالكيّة استحبابه بعد الدّخول , وعن جماعةٍ منهم. أنّه عند العقد , وعند ابن حبيب: عند العقد وبعد الدّخول , وقال في موضعٌ آخر: يجوز قبل الدّخول وبعده. وذكر ابن السّبكيّ. أنّ أباه قال: لَم أر في كلام الأصحاب تعيّن وقتها. وأنّه استنبط من قول البغويّ: ضرب الدّفّ في النّكاح جائزٌ في العقد والزّفاف قبلُ وبعدُ قريباً منه. أنّ وقتها موسّعٌ من حين العقد. قال: والمنقول من فعل النّبيّ ﷺ أنّها بعد الدّخول , كأنّه يشير إلى قصّة زينب بنت جحشٍ , وقد ترجم عليه البيهقيّ في وقت الوليمة. انتهى وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقّبٌ بأنّ الماورديّ صرّح بأنّها

стр. 2787

عند الدّخول , وحديث أنسٍ في البخاري صريحٌ في أنّها بعد الدّخول لقوله فيه: أصبح عروساً بزينب فدعا القوم. واستحبّ بعض المالكيّة أن تكون عند البناء ويقع الدّخول عقبها , وعليه عمل النّاس اليوم. ويؤيّد كونها للدّخول لا للإملاك , أنّ الصّحابة بعد الوليمة تردّدوا هل هي زوجةٌ أو سرّيّةٌ؟ (١). فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنّها زوجةٌ , لأنّ السّرّيّة لا وليمة لها. فدلَّ على أنّها عند الدّخول أو بعده. واستدل به على أنّ الشّاة أقلّ ما تجزئ عن الموسر، ولولا ثبوت أنّه ﷺ أولم على بعض نسائه بأقلّ من الشّاة (٢).

стр. 2788

لكان يمكن أن يستدلّ به على أنّ الشّاة أقلّ ما تجزئ في الوليمة، ومع ذلك فلا بدّ من تقييده بالقادر عليها. وأيضاً. فيعكّر على الاستدلال أنّه خطاب واحد، وفيه اختلاف هل يستلزم العموم أو لا؟. وقد أشار إلى ذلك الشّافعيّ. فيما نقله البيهقيّ عنه قال: لا أعلمه أمر بذلك غير عبد الرّحمن، ولا أعلمه أنّه ﷺ ترك الوليمة , فجعل ذلك مستنداً في كون الوليمة ليست بحتم. ويستفاد من السّياق طلب تكثير الوليمة لمن يقدر. قال عياض: وأجمعوا على أن لا حدّ لأكثرها، وأمّا أقلّها فكذلك، ومهما تيسّر أجزأ، والمستحبّ أنّها على قدر حال الزّوج، وقد تيسّر على الموسر الشّاة فما فوقها. وفيه استحباب الدّعاء للمتزوّج، وسؤال الإمام والكبير أصحابه وأتباعه عن أحوالهم، ولا سيّما إذا رأى منهم ما لَم يعهد. وجواز خروج العروس وعليه أثر العرس من خلوق وغيره. واستدل به على جواز التّزعفر للعروس، وخصّ به عموم النّهي عن التّزعفر للرّجال كما في الصحيحين عن أنس ﵁. وتعقّب: باحتمال أن تكون تلك الصّفرة كانت في ثيابه دون جسده، وهذا الجواب للمالكيّة على طريقتهم في جوازه في الثّوب دون البدن، وقد نقل ذلك مالك عن علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى رفعه: لا يقبل الله صلاةَ رجلٍ في جسده شيء من خلوق. أخرجه أبو داود

стр. 2789

، فإنّ مفهومه أنّ ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد. ومنع من ذلك أبو حنيفة والشّافعيّ ومن تبعهما في الثّوب أيضاً، وتمسّكوا بالأحاديث في ذلك وهي صحيحة، وفيها ما هو صريح في المدّعى كما سيأتي بيانه. وعلى هذا فأجيب عن قصّة عبد الرّحمن بأجوبة: أحدها: أنّ ذلك كان قبل النّهي. وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويؤيّده أنّ سياق قصّة عبد الرّحمن يشعر بأنّها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النّهي ممّن تأخّرت هجرته. ثانيها: أنّ أثر الصّفرة التي كانت على عبد الرّحمن تعلّقت به من جهة زوجته. فكان ذلك غير مقصود له، ورجّحه النّوويّ وعزاه للمحقّقين. وجعله البيضاويّ أصلاً ردّ إليه أحد الاحتمالين أبداهما في قوله " مهيم " فقال: معناه ما السّبب في الذي أراه عليك؟ فلذلك أجاب بأنّه تزوّج. قال: ويحتمل أن يكون استفهام إنكار لِمَا تقدّم من النّهي عن التّضمّخ بالخلوق، فأجاب بقوله تزوّجت، أي: فتعلق بي منها. ولَم أقصد إليه. ثالثها: أنّه كان قد احتاج إلى التّطيّب للدّخول على أهله فلم يجد من طيب الرّجال حينئذٍ شيئاً فتطيّب من طيب المرأة، وصادف أنّه

стр. 2790

كان فيه صفرة فاستباح القليل منه عند عدم غيره جمعاً بين الدّليلين، وقد ورد الأمر في التّطيّب للجمعة. ولو من طيب المرأة (١) فبقي أثر ذلك عليه. رابعها: كان يسيراً ولَم يبق إلَّا أثره. فلذلك لَم ينكر. خامسها: وبه جزم الباجيّ. أنّ الذي يكره من ذلك ما كان من زعفران وغيره من أنواع الطّيب، وأمّا ما كان ليس بطيبٍ فهو جائز. سادسها: أنّ النّهي عن التّزعفر للرّجال ليس على التّحريم , بدلالة تقريره لعبد الرّحمن بن عوف في هذا الحديث. سابعها: أنّ العروس يستثنى من ذلك ولا سيّما إذا كان شابّاً، ذكر ذلك أبو عبيد قال: وكانوا يرخّصون للشّابّ في ذلك أيّام عرسه، قال: وقيل: كان في أوّل الإسلام من تزوّج لبس ثوباً مصبوغاً علامة لزواجه ليعان على وليمة عرسه، قال: وهذا غير معروف. قلت: وفي استفهام النّبيّ ﷺ له عن ذلك. دلالة على أنّه لا يختصّ بالتّزويج، لكن وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة من طريق شعبة عن حميدٍ بلفظ " فأتيت النّبيّ ﷺ فرأى عليّ بشاشة العرس فقال: أتزوّجت؟ قلت: تزوّجت امرأة من الأنصار " فقد يتمسّك بهذا السّياق للمُدّعى.

стр. 2791

ولكنّ القصّة واحدة، وفي أكثر الرّوايات أنّه قال له " مهيم أو ما هذا؟ " فهو المعتمد. وبشاشة العرس أثره وحسنه أو فرحه وسروره، يقال: بشّ فلان بفلانٍ. أي: أقبل عليه فرحاً به ملطّفاً به. واختلف في النّهي عن التّزعفر. هل هو لرائحته لكونه من طيب النّساء؟ ولهذا جاء الزّجر عن الخلوق. أو للونه فيلتحق به كلّ صفرة؟. وقد نقل البيهقيّ عن الشّافعيّ أنّه قال: أنهى الرّجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله. قال: وأرخّص في المعصفر , لأنّني لَم أجد أحداً يحكي عنه إلَّا ما قال عليٌّ: نهاني , ولا أقول أنهاكم. (١). قال البيهقيّ: قد ورد ذلك عن غير عليّ، وساق حديث عبد الله بن عمرو قال: رأى عليّ النّبيّ ﷺ ثوبين معصفرين فقال: إنّ هذه من ثياب الكفّار فلا تلبسهما. أخرجه مسلم، وفي لفظ له " فقلت أغسلهما؟ قال: لا. بل احرقهما. قال البيهقيّ: فلو بلغ ذلك الشّافعيّ لقال به اتّباعاً للسّنّة كعادته. وقد كره المعصفرَ جماعةٌ من السّلف ورخّص فيه جماعة، وممَن قال

стр. 2792

بكراهته من أصحابنا الحليميّ، واتّباع السّنّة هو الأولى. انتهى. وقال النّوويّ في " شرح مسلم ": أتقن البيهقيّ المسألة. والله أعلم. ورخّص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت, وكرهه في المحافل. وقد أخرج أبو داود والتّرمذيّ في " الشّمائل " والنّسائيّ في " الكبرى " من طريق سلْم العلويّ عن أنس: دخل رجلٌ على النّبيّ ﷺ وعليه أثر صفرة، فكرِه ذلك، وقلَّما كان يواجه أحداً بشيءٍ يكرهه، فلمّا قام , قال: لو أمرتم هذا أن يترك هذه الصّفرة. وسلْم بفتح المهملة وسكون اللام. فيه لين. ولأبي داود من حديث عمّار رفعه: لا تحضر الملائكة جنازة كافر ولا المتضمّخ بالزّعفران. وأخرج أيضاً من حديث عمّار قال: قدمتُ على أهلي ليلاً وقد تشقّقت يداي، فخلَّقوني بزعفرانٍ، فسلَّمت على النّبيّ ﷺ فلم يُرحِّب بي , وقال: اذهب فاغسل عنك هذا. واستدل به على أنّ النّكاح لا بدّ فيه من صداق لاستفهامه على الكميّة، ولَم يقل هل أصدقها أو لا؟. ويشعر ظاهره بأنّه يحتاج إلى تقدير لإطلاق لفظ " كم " الموضوعة للتّقدير. كذا قال بعض المالكيّة، وفيه نظرٌ. لاحتمال أن يكون المراد الاستخبار عن الكثرة أو القلة فيخبره بعد ذلك بما يليق بحال مثله، فلمّا قال له القدر لَم ينكر عليه بل أقرّه.

стр. 2793

واستدل به على استحباب تقليل الصّداق , لأنّ عبد الرّحمن بن عوف كان من مياسير الصّحابة , وقد أقرّه النّبيّ ﷺ على إصداقه وزن نواة من ذهبٍ. وتعقّب: بأنّ ذلك كان في أوّل الأمر حين قدم المدينة , وإنّما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التّجارة حتّى ظهرت منه من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر، وذلك ببركة دعاء النّبيّ ﷺ له كما تقدَّم.

стр. 2794

فتح السلام شرح عمدة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني «مأخوذ من كتابه فتح الباري» جمعه وهذبه وحققه أبو محمد: عبد السلام بن محمد العامر [المجلد السادس] «كتاب الطلاق واللعان والرضاع والقصاص والحدود»

стр. 2795

كتاب الطلاق الطّلاق في اللغة. حلُّ الوثاق مشتقّ من الإطلاق وهو الإرسال والتّرك. وفلان طلق اليد بالخير. أي: كثير البذل. وفي الشّرع: حلُّ عقدة التّزويج فقط، وهو موافق لبعض أفراد مدلوله اللغويّ. قال إمام الحرمين (١): هو لفظ جاهليّ ورد الشّرع بتقريره. وطَلُقت المرأة بفتح الطّاء وضمّ اللام وبفتحها أيضاً وهو أفصح، وطُلِّقت أيضاً بضمّ أوّله وكسر اللام الثّقيلة، فإن خفّفت فهو خاصّ بالولادة والمضارع فيهما بضمّ اللام، والمصدر في الولادة طلْقاً ساكنة اللام، فهي طالق فيهما. ثمّ الطّلاق قد يكون حراماً , أو مكروهاً , أو واجباً , أو مندوباً , أو جائزاً. أمّا الأوّل: ففيما إذا كان بدعيّاً وله صور. وأمّا الثّاني: ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال. وأمّا الثّالث: ففي صور منها الشّقاق إذا رأى ذلك الحكمان. وأمّا الرّابع: ففيما إذا كانت غير عفيفة. وأمّا الخامس: فنفاه النّوويّ (٢). وصوّره غيره بما إذا كان لا يريدها,

стр. 2796

ولا تطيب نفسه أن يتحمّل مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع، فقد صرّح الإمام أنّ الطّلاق في هذه الصّورة لا يكره. وقد قسَّم الفقهاء الطّلاق إلى سُنّيّ وبدعيّ، وإلى قسم ثالث لا وصف له. الأوّل: أن يطلقها طاهراً من غير جماع. الثّاني: أن يطلق في الحيض أو في طهر جامعها فيه , ولَم يتبيّن أمرها. أحملت أم لا؟. ومنهم من أضاف له أن يزيد على طلقة. ومنهم من أضاف له الخلع. الثّالث: تطليق الصّغيرة والآيسة والحامل التي قربت ولادتها، وكذا إذا وقع السّؤال منها في وجهٍ بشرط أن تكون عالمةً بالأمر، وكذا إذا وقع الخلع بسؤالها وقلنا إنّه طلاق. ويستثنى من تحريم طلاق الحائض صور: منها: ما لو كانت حاملاً ورأت الدّم , وقلنا الحامل تحيض فلا يكون طلاقها بدعيّاً ولا سيّما إن وقع بقرب الولادة. ومنها: إذا طلق الحاكم على المُولي واتّفق وقوع ذلك في الحيض. ومنها: في صورة الحَكَمَين إذا تعيّن ذلك طريقاً لرفع الشّقاق، وكذلك الخلع. والله أعلم.

стр. 2797

الحديث السابع عشر (١) ٣٢١ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنه طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فذَكر ذلك عمرُ لرسول الله ﷺ . فتغيّظ فيه رسول الله ﷺ , قال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليُطلّقها طاهراً قبل أن يَمسّها، فتلك العدّة كما أمر الله . (٢) وفي لفظ: حتى تحيض حيضةً أخرى مستقبلةً، سوى حيضتها التي طلَّقها فيها. وفي لفظ: فحُسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله بن عمر كما أمره رسول الله ﷺ . (٣) قوله: (أنّه طلق امرأته) في مسلم من رواية الليث عن نافع , أنّ ابن عمر طلق امرأةً له ". وعنده من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: طلقت امرأتي ". وكذا في رواية شعبة عن أنس بن

стр. 2798

سيرين عن ابن عمر. قال النّوويّ في تهذيبه: اسمها آمنة بنت غفّار. قاله ابن باطيشٍ، ونقله عن النّوويّ جماعة ممّن بعده منهم الذّهبيّ في " تجريد الصّحابة " , لكن قال في مبهماته: فكأنّه أراد مبهمات التّهذيب. وأوردها الذّهبيّ في آمنة - بالمدّ وكسر الميم ثمّ نون - وأبوها غفار ضبطه ابن نقطة بكسر المعجمة وتخفيف الفاء. ولكنّي رأيت مستند ابن باطيشٍ في " أحاديث قتيبة " جمع سعيد العيّار بسندٍ فيه ابن لهيعة " أنّ ابن عمر طلَّق امرأته آمنة بنت عمّار " كذا رأيتها في بعض الأصول - بمهملةٍ مفتوحة ثمّ ميم ثقيلة - والأوّل أولى. وأقوى من ذلك ما رأيته في مسند أحمد قال: حدّثنا يونس حدّثنا الليث عن نافع , أنّ عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال عمر: يا رسولَ الله إنّ عبد الله طلَّق امرأته النّوار، فأمره أن يراجعها " الحديث، وهذا الإسناد على شرط الشّيخين، ويونس شيخ أحمد هو ابن محمّد المؤدّب من رجالهما. وقد أخرجه الشّيخان عن قتيبة عن الليث , ولكن لَم تُسمّ عندهما. ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة ولقبها النّوار. قوله: (وهي حائض) في رواية قاسم بن أصبغ من طريق عبد الحميد بن جعفر عن نافع عن ابن عمر , أنّه طلّق امرأته وهي في دمها حائض. وعند البيهقيّ من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر , أنّه

стр. 2799

طلَّق امرأته في حيضها. وفي رواية للشيخين من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر " وهي حائضٌ في عهد رسول الله ﷺ " ومثله عند مسلم من رواية أبي الزّبير عن ابن عمر. وأكثر الرّواة لَم يذكروا ذلك استغناءً بما في الخبر , أنّ عمر سأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، فاستلزم أنّ ذلك وقع في عهده. وزاد الليث عن نافع " تطليقة واحدة " أخرجه مسلم، وقال في آخره: جوّد الليث في قوله " تطليقة واحدة ". وكذا وقع عند مسلم من طريق محمّد بن سيرين قال: مكثت عشرين سنةً يحدّثني من لا أتّهم , أنّ ابن عمر طلَّق امرأته ثلاثاً. وهي حائض فأُمر أن يراجعها، فكنت لا أتّهمهم , ولا أعرف وجه الحديث، حتّى لقيتُ أبا غلاب يونس بن جبير - وكان ذا ثبتٍ - فحدّثني أنّه سأل ابن عمر , فحدّثه , أنّه طلَّق امرأته تطليقة وهي حائض ". وأخرجه الدّارقطنيّ والبيهقيّ من طريق الشّعبيّ , قال: طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض واحدةً. ومن طريق عطاء الخراسانيّ عن الحسن عن ابن عمر , أنّه طلَّق امرأته تطليقة وهي حائض. قوله: (فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ ) في رواية مالك " فسأل عمر بن الخطّاب رسول الله ﷺ عن ذلك " وفي رواية ابن أبي ذئب عن نافع: فأتى عمر النّبيّ ﷺ فذكر له ذلك. أخرجه الدّارقطنيّ.

стр. 2800

وكذا للبخاري من رواية قتادة عن يونس بن جبير عن ابن عمر، وكذا عند مسلم من رواية يونس بن عبيد عن محمّد بن سيرين عن يونس بن جبير، وكذا عنده في رواية طاوسٍ عن ابن عمر، وكذا في رواية الشّعبيّ المذكورة. وقد روى أحمد والأربعة وصحّحه التّرمذيّ وابن حبّان والحاكم من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كان تحتي امرأةٌ أُحبّها، وكان عمر يكرهها , فقال: طلِّقها، فأتيت النّبيّ ﷺ فقال: أطع أباك. فيحتمل أن تكون هي هذه، ولعلَّ عمر لَمَّا أمره بطلاقها. وشاور النّبيّ ﷺ فامتثل أمره , اتّفق أنّ الطّلاق وقع وهي في الحيض , فعلم عمر بذلك. فكان ذلك هو السّرّ في توليه السّؤال عن ذلك , لكونه وقع من قبله. قوله: (فتغيّظ فيه رسول الله ﷺ ) هكذا زاد الزهري عن سالم , ولَم أر هذه الزّيادة في رواية غير سالم، وهو أجلُّ مَن روى الحديث عن ابن عمر. وفيه إشعار بأنّ الطّلاق في الحيض كان تقدّم النّهي عنه. وإلَّا لَم يقع التّغيّظ على أمر لَم يسبق النّهي عنه. ولا يعكّر على ذلك مبادرة عمر بالسّؤال عن ذلك , لاحتمال أن يكون عرف حكم الطّلاق في الحيض , وأنّه منهيّ عنه , ولَم يعرف ماذا يصنع من وقع له ذلك.

стр. 2801

قال ابن العربيّ: سؤال عمر مُحتمل لأَنْ يكون أنّهم لَم يروا قبلها مثلها فسأل ليعلم. ويحتمل: أن يكون لَمَّا رأى في القرآن قوله (فطلقوهنّ لعدّتهنّ) وقوله (يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء) أراد أن يعلم أنّ هذا قرء أم لا. ويحتمل: أن يكون سمع من النّبيّ ﷺ النّهي فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك. وقال ابن دقيق العيد (١): وتغيُّظ النّبيّ ﷺ , إمّا لأنّ المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهراً فكان مقتضى الحال التّثبّت في ذلك، أو لأنّه كان مقتضى الحال مشاورة النّبيّ ﷺ في ذلك إذا عزم عليه. قوله: (ليراجعها) في رواية مالك " مره فليراجعها ". قال ابن دقيق العيد: يتعلق به مسألة أصوليّة، وهي أنّ الأمر بالأمر بالشّيء هل هو أمر بذلك أم لا؟ فإنّه ﷺ قال لعمر: مُره، فأمره بأن يأمره. قلت: هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب فقال: الأمر بالأمر بالشّيء ليس أمراً بذلك الشّيء لنا لو كان. لكان مر عبدك بكذا تعدّياً، ولكان يناقض قولك للعبد لا تفعل. قالوا: فهم ذلك من أمر الله ورسوله , ومن قول الملك لوزيره قل لفلانٍ افعل. قلنا للعلم بأنّه مبلغ. قلت: والحاصل أنّ النّفي إنّما هو حيث تجرّد الأمر، وأمّا إذا وجدت قرينة تدلّ على أنّ الآمر الأوّل أمر المأمور الأوّل أن يبلغ

стр. 2802

المأمور الثّاني فلا، وينبغي أن ينزّل كلام الفريقين على هذا التّفصيل فيرتفع الخلاف. ومنهم: من فرّق بين الأمرين , فقال: إن كان الأمر الأوّل بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثّاني فهو آمر له. وإلَّا فلا. وهذا قويّ، وهو مستفاد من الدّليل الذي استدلَّ به ابن الحاجب على النّفي، لأنّه لا يكون متعدّياً إلَّا إذا أمر من لا حكم له عليه , لئلا يصير متصرّفاً في ملك غيره بغير إذنه، والشّارع حاكم على الآمر والمأمور فوجد فيه سلطان التّكليف على الفريقين، ومنه قوله تعالى (وأمر أهلك بالصّلاة) فإنّ كلّ أحد يفهم منه أمر الله لأهل بيته بالصّلاة، ومثله حديث الباب، فإنّ عمر إنّما استفتى النّبيّ ﷺ عن ذلك ليمتثل ما يأمره به ويلزم ابنه به. فمن مثّل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالطٌ، فإنّ القرينة واضحة في أنّ عمرَ في هذه الكائنة كان مأموراً بالتّبليغ، ولهذا وقع في رواية أيّوب عن نافع " فأمره أن يراجعها ". وفي رواية أنس بن سيرين ويونس بن جبير وطاوسٍ عن ابن عمر , وفي رواية الزّهريّ عن سالم " فليراجعها ". وفي رواية لمسلمٍ " فراجعها عبد الله كما أمره رسول الله ﷺ " وفي رواية الليث عن نافع عن ابن عمر , فإنّ النّبيّ ﷺ أمرني بهذا. وقد اقتضى كلام سليمٍ الرّازيّ في " التّقريب " أنّه يجب على الثّاني الفعل جزماً , وإنّما الخلاف في تسميته آمراً فرجع الخلاف عنده لفظيّاً.

стр. 2803

وقال الفخر الرّازيّ في " المحصول ": الحقّ أنّ الله تعالى إذا قال لزيدٍ: أوجبت على عمرو كذا , وقال لعمرٍو: كلّ ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك , كان الأمر بالأمر بالشّيء أمراً بالشّيء. قلت: وهذا يمكن أن يؤخذ منه التّفرقة بين الأمر الصّادر من رسول الله ﷺ ومن غيره، فمهما أمر الرّسول أحداً أن يأمر به غيره وجب , لأنّ الله أوجب طاعته وهو أوجب طاعة أميره كما ثبت في الصّحيح " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ". وأمّا غيره ممّن بعده فلا، وفيهم تظهر صورة التّعدّي التي أشار إليها ابن الحاجب. وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردّد في اقتضاء ذلك الطّلب، وإنّما ينبغي أن ينظر في أنّ لوازم صيغة الأمر. هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمر أو لا؟ بمعنى أنّهما يستويان في الدّلالة على الطّلب من وجه واحد أو لا. قلت: وهو حسن، فإنّ أصل المسألة التي انبنى عليها هذا الخلاف حديث " مروا أولادكم بالصّلاة لسبعٍ " فإنّ الأولاد ليسوا بمكلفين فلا يتّجه عليهم الوجوب، وإنّما الطّلب متوجّه على أوليائهم أن يعلموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطّريق وليس مساوياً للأمر الأوّل، وهذا إنّما عرض من أمر خارج وهو امتناع توجّه الأمر على غير المكلف، وهو بخلاف القصّة التي في حديث الباب. والحاصل: أنّ الخطاب إذا توجّه لمكلفٍ أن يأمر مكلفاً آخر بفعل

стр. 2804

شيء كان المكلف الأوّل مبلغاً محضاً , والثّاني مأمور من قبل الشّارع، وهذا كقوله لمالك بن الحويرث وأصحابه " ومروهم بصلاة كذا في حين كذا " (١) , وقوله لرسول ابنته ﷺ " مرها فلتصبر ولتحتسب " (٢) ونظائره كثيرة. فإذا أمَرَ الأوّلُ الثّاني بذلك فلم يمتثله كان عاصياً، وإن توجّه الخطاب من الشّارع لمكلفٍ أن يأمر غير مكلف أو توجّه الخطاب من غير الشّارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأوّل عليه لَم يكن الأمر بالأمر بالشّيء أمراً بالشّيء. فالصّورة الأولى: هي التي نشأ عنها الاختلاف , وهو أمر أولياء الصّبيان أن يأمروا الصّبيان. والصّورة الثّانية: هي التي يتصوّر فيها أن يكون الأمر متعدّياً بأمره للأوّل أن يأمر الثّاني، فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة. والله المستعان. واختلف في وجوب المراجعة. القول الأول: ذهب إلى الوجوب مالك وأحمد في رواية.

стр. 2805

القول الثاني: المشهور عن أحمد - وهو قول الجمهور - أنّها مستحبّة. واحتجّوا: بأنّ ابتداء النّكاح لا يجب فاستدامته كذلك، لكن صحّح صاحب " الهداية " من الحنفيّة أنّها واجبة. والحجّة لِمن قال بالوجوب: ورود الأمر بها، ولأنّ الطّلاق لَمَّا كان محرّماً في الحيض كانت استدامة النّكاح فيه واجبة. فلو تمادى الذي طلَّق في الحيض حتّى طهرت. قال مالك وأكثر أصحابه: يجبر على الرّجعة أيضاً. وقال أشهب منهم: إذا طهرت انتهى الأمر بالرّجعة. واتّفقوا على أنّها إذا انقضت عدّتها أن لا رجعة، وأنّه لو طلَّق في طهر قد مسّها فيه لا يؤمر بمراجعتها. كذا نقله ابن بطّالٍ (١) وغيره. لكنّ الخلاف فيه ثابت قد حكاه الحنّاطيّ من الشّافعيّة وجهاً. واتّفقوا على أنّه لو طلَّق قبل الدّخول وهي حائض لَم يؤمر بالمراجعة , إلَّا ما نُقل عن زفر. فطرد الباب. قوله: (ثمّ يمسكها) أي: يستمرّ بها في عصمته. قوله: (حتّى تطهر ثمّ تحيض فتطهر) في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع " ثمّ ليدعها حتّى تطهر، ثمّ تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت فليطلقها " ونحوه في رواية الليث وأيّوب عن نافع، وكذا
следующие страницы →