قال ابن العربيّ: سؤال عمر مُحتمل لأَنْ يكون أنّهم لَم يروا قبلها مثلها فسأل ليعلم.
ويحتمل: أن يكون لَمَّا رأى في القرآن قوله (فطلقوهنّ لعدّتهنّ) وقوله (يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء) أراد أن يعلم أنّ هذا قرء أم لا.
ويحتمل: أن يكون سمع من النّبيّ ﷺ النّهي فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك.
وقال ابن دقيق العيد (١): وتغيُّظ النّبيّ ﷺ , إمّا لأنّ المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهراً فكان مقتضى الحال التّثبّت في ذلك، أو لأنّه كان مقتضى الحال مشاورة النّبيّ ﷺ في ذلك إذا عزم عليه.
قوله: (ليراجعها) في رواية مالك " مره فليراجعها ".
قال ابن دقيق العيد: يتعلق به مسألة أصوليّة، وهي أنّ الأمر بالأمر بالشّيء هل هو أمر بذلك أم لا؟ فإنّه ﷺ قال لعمر: مُره، فأمره بأن يأمره.
قلت: هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب فقال: الأمر بالأمر بالشّيء ليس أمراً بذلك الشّيء لنا لو كان. لكان مر عبدك بكذا تعدّياً، ولكان يناقض قولك للعبد لا تفعل. قالوا: فهم ذلك من أمر الله ورسوله , ومن قول الملك لوزيره قل لفلانٍ افعل. قلنا للعلم بأنّه مبلغ.
قلت: والحاصل أنّ النّفي إنّما هو حيث تجرّد الأمر، وأمّا إذا وجدت قرينة تدلّ على أنّ الآمر الأوّل أمر المأمور الأوّل أن يبلغ
стр. 2802
المأمور الثّاني فلا، وينبغي أن ينزّل كلام الفريقين على هذا التّفصيل فيرتفع الخلاف.
ومنهم: من فرّق بين الأمرين , فقال: إن كان الأمر الأوّل بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثّاني فهو آمر له. وإلَّا فلا.
وهذا قويّ، وهو مستفاد من الدّليل الذي استدلَّ به ابن الحاجب على النّفي، لأنّه لا يكون متعدّياً إلَّا إذا أمر من لا حكم له عليه , لئلا يصير متصرّفاً في ملك غيره بغير إذنه، والشّارع حاكم على الآمر والمأمور فوجد فيه سلطان التّكليف على الفريقين، ومنه قوله تعالى (وأمر أهلك بالصّلاة) فإنّ كلّ أحد يفهم منه أمر الله لأهل بيته بالصّلاة، ومثله حديث الباب، فإنّ عمر إنّما استفتى النّبيّ ﷺ عن ذلك ليمتثل ما يأمره به ويلزم ابنه به.
فمن مثّل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالطٌ، فإنّ القرينة واضحة في أنّ عمرَ في هذه الكائنة كان مأموراً بالتّبليغ، ولهذا وقع في رواية أيّوب عن نافع " فأمره أن يراجعها ".
وفي رواية أنس بن سيرين ويونس بن جبير وطاوسٍ عن ابن عمر , وفي رواية الزّهريّ عن سالم " فليراجعها ".
وفي رواية لمسلمٍ " فراجعها عبد الله كما أمره رسول الله ﷺ " وفي رواية الليث عن نافع عن ابن عمر , فإنّ النّبيّ ﷺ أمرني بهذا.
وقد اقتضى كلام سليمٍ الرّازيّ في " التّقريب " أنّه يجب على الثّاني الفعل جزماً , وإنّما الخلاف في تسميته آمراً فرجع الخلاف عنده لفظيّاً.
стр. 2803
وقال الفخر الرّازيّ في " المحصول ": الحقّ أنّ الله تعالى إذا قال لزيدٍ: أوجبت على عمرو كذا , وقال لعمرٍو: كلّ ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك , كان الأمر بالأمر بالشّيء أمراً بالشّيء.
قلت: وهذا يمكن أن يؤخذ منه التّفرقة بين الأمر الصّادر من رسول الله ﷺ ومن غيره، فمهما أمر الرّسول أحداً أن يأمر به غيره وجب , لأنّ الله أوجب طاعته وهو أوجب طاعة أميره كما ثبت في الصّحيح " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ". وأمّا غيره ممّن بعده فلا، وفيهم تظهر صورة التّعدّي التي أشار إليها ابن الحاجب.
وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردّد في اقتضاء ذلك الطّلب، وإنّما ينبغي أن ينظر في أنّ لوازم صيغة الأمر. هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمر أو لا؟ بمعنى أنّهما يستويان في الدّلالة على الطّلب من وجه واحد أو لا.
قلت: وهو حسن، فإنّ أصل المسألة التي انبنى عليها هذا الخلاف حديث " مروا أولادكم بالصّلاة لسبعٍ " فإنّ الأولاد ليسوا بمكلفين فلا يتّجه عليهم الوجوب، وإنّما الطّلب متوجّه على أوليائهم أن يعلموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطّريق وليس مساوياً للأمر الأوّل، وهذا إنّما عرض من أمر خارج وهو امتناع توجّه الأمر على غير المكلف، وهو بخلاف القصّة التي في حديث الباب.
والحاصل: أنّ الخطاب إذا توجّه لمكلفٍ أن يأمر مكلفاً آخر بفعل
стр. 2804
شيء كان المكلف الأوّل مبلغاً محضاً , والثّاني مأمور من قبل الشّارع، وهذا كقوله لمالك بن الحويرث وأصحابه " ومروهم بصلاة كذا في حين كذا " (١) , وقوله لرسول ابنته ﷺ " مرها فلتصبر ولتحتسب " (٢) ونظائره كثيرة.
فإذا أمَرَ الأوّلُ الثّاني بذلك فلم يمتثله كان عاصياً، وإن توجّه الخطاب من الشّارع لمكلفٍ أن يأمر غير مكلف أو توجّه الخطاب من غير الشّارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأوّل عليه لَم يكن الأمر بالأمر بالشّيء أمراً بالشّيء.
فالصّورة الأولى: هي التي نشأ عنها الاختلاف , وهو أمر أولياء الصّبيان أن يأمروا الصّبيان.
والصّورة الثّانية: هي التي يتصوّر فيها أن يكون الأمر متعدّياً بأمره للأوّل أن يأمر الثّاني، فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة. والله المستعان.
واختلف في وجوب المراجعة.
القول الأول: ذهب إلى الوجوب مالك وأحمد في رواية.
стр. 2805
القول الثاني: المشهور عن أحمد - وهو قول الجمهور - أنّها مستحبّة.
واحتجّوا: بأنّ ابتداء النّكاح لا يجب فاستدامته كذلك، لكن صحّح صاحب " الهداية " من الحنفيّة أنّها واجبة.
والحجّة لِمن قال بالوجوب: ورود الأمر بها، ولأنّ الطّلاق لَمَّا كان محرّماً في الحيض كانت استدامة النّكاح فيه واجبة.
فلو تمادى الذي طلَّق في الحيض حتّى طهرت.
قال مالك وأكثر أصحابه: يجبر على الرّجعة أيضاً.
وقال أشهب منهم: إذا طهرت انتهى الأمر بالرّجعة.
واتّفقوا على أنّها إذا انقضت عدّتها أن لا رجعة، وأنّه لو طلَّق في طهر قد مسّها فيه لا يؤمر بمراجعتها.
كذا نقله ابن بطّالٍ (١) وغيره. لكنّ الخلاف فيه ثابت قد حكاه الحنّاطيّ من الشّافعيّة وجهاً.
واتّفقوا على أنّه لو طلَّق قبل الدّخول وهي حائض لَم يؤمر بالمراجعة , إلَّا ما نُقل عن زفر. فطرد الباب.
قوله: (ثمّ يمسكها) أي: يستمرّ بها في عصمته.
قوله: (حتّى تطهر ثمّ تحيض فتطهر) في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع " ثمّ ليدعها حتّى تطهر، ثمّ تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت فليطلقها " ونحوه في رواية الليث وأيّوب عن نافع، وكذا
стр. 2806
عند مسلم من رواية عبد الله بن دينار، وكذا عندهما من رواية الزّهريّ عن سالم، وعند مسلم من رواية محمّد بن عبد الرّحمن عن سالم بلفظ " مره فليراجعها، ثمّ ليطلقها طاهراً أو حاملاً ".
قال الشّافعيّ: غير نافع إنّما روى " حتّى تطهر من الحيضة التي طلَّقها فيها , ثمّ إن شاء أمسك وإن شاء طلَّق " رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسالم.
قلت: وهو كما قال، لكنّ رواية الزّهريّ عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نبّه على ذلك أبو داود، والزّيادة من الثّقة مقبولة. ولا سيّما إذا كان حافظاً.
وقد اختلف في الحكمة في ذلك.
فقال الشّافعيّ: يحتمل أن يكون أراد بذلك - أي بما في رواية نافع - أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلَّقها فيها بطهرٍ تامّ , ثمّ حيض تامّ. ليكون تطليقها وهي تعلم عدّتها إمّا بحملٍ أو بحيضٍ.
أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع , إذ يرغب فيمسك للحمل , أو ليكون إن كانت سألت الطّلاق غير حامل أن تكفّ عنه.
وقيل: الحكمة فيه أن لا تصير الرّجعة لغرض الطّلاق، فإذا أمسكها زماناً يحلّ له فيه طلاقها ظهرت فائدة الرّجعة، لأنّه قد يطول مقامه معها، فقد يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها.
стр. 2807
وقيل: إنّ الطّهر الذي يلي الحيض الذي طلَّقها فيه كقرءٍ واحد، فلو طلَّقها فيه لكان كمن طلق في الحيض، وهو ممتنع من الطّلاق في الحيض، فلزم أن يتأخّر إلى الطّهر الثّاني.
واختلف في جواز تطليقها في الطّهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطّلاق والرّجعة.
وفيه للشّافعيّة وجهان أصحّهما المنع، وبه قطع المتولي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزّيادة التي في الحديث.
وعبارة الغزاليّ في " الوسيط " وتبعه مجلي: هل يجوز أن يطلّق في هذا الطّهر؟ وجهان. وكلام المالكيّة يقتضي أنّ التّأخير مستحبّ.
وقال ابن تيميّة في " المحرّر ": ولا يطلقها في الطّهر المتعقّب له فإنّه بدعة، وعنه - أي عن أحمد - جواز ذلك.
وفي كتب الحنفيّة عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمّد المنع.
ووجه الجواز: أنّ التّحريم إنّما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التّحريم فجاز طلاقها في هذا الطّهر كما يجوز في الطّهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطّهر إن لَم يتقدّم طلاق في الحيض.
وقد ذكرنا حُجج المانعين.
ومنها: أنّه لو طلَّقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرّجعة فإنّها شرعت لإيواء المرأة , ولهذا سمّاها إمساكاً فأمره أن يمسكها في ذلك الطّهر , وأن لا يطلق فيه حتّى
стр. 2808
تحيض حيضة أخرى ثمّ تطهر لتكون الرّجعة للإمساك لا للطّلاق.
ويؤيّد ذلك: أنّ الشّارع أكّد هذا المعنى حيث أمر بأن يمسكها في الطّهر الذي يلي الحيض الذي طلَّقها فيه، لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر " مُره أن يراجعها فإذا طهرت أمسكها حتّى إذا طهرت أخرى , فإن شاء طلَّقها وإن شاء أمسكها " فإذا كان قد أمره بأن يمسكها في ذلك الطّهر. فكيف يبيح له أن يطلقها فيه؟ , وقد ثبت النّهي عن الطّلاق في طهر جامعها فيه.
قوله: (فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسّها) في رواية مالك " ثمّ إن شاء أمسك بعد , وإن شاء طلق قبل أن يمسّ " وفي رواية أيّوب " ثمّ يطلقها قبل أن يمسّها " وفي رواية عبيد الله بن عمر " فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها أو يمسكها " ونحوه في رواية الليث.
وفي رواية محمّد بن عبد الرّحمن عن سالم " ثمّ ليطلقها طاهراً أو حاملاً ". وتمسّك بهذه الزّيادة من استثنى من تحريم الطّلاق في طهر جامع فيه ما إذا ظهر الحمل فإنّه لا يحرم.
والحكمة فيه: أنّه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة فلا يندم على الطّلاق، وأيضاً فإنّ زمن الحمل زمن الرّغبة في الوطء فإقدامه على الطّلاق فيه يدلّ على رغبته عنها، ومحلّ ذلك أن يكون الحمل من المطلق، فلو كان من غيره بأن نكح حاملاً من زناً ووطئها ثمّ طلَّقها أو وطئت منكوحة بشبهةٍ ثمّ حملت منه فطلقها زوجها فإنّ
стр. 2809
الطّلاق يكون بدعيّاً، لأنّ عدّة الطّلاق تقع بعد وضع الحمل والنّقاء من النّفاس، فلا تشرع عقب الطّلاق في العدّة كما في الحامل منه.
قال الخطّابيّ (١): في قوله " ثمّ إن شاء أمسك وإن شاء طلق " دليل على أنّ مَن قال لزوجته وهي حائض: إذا طهرت فأنت طالق لا يكون مطلقاً للسّنّة، لأنّ المطلق للسّنّة هو الذي يكون مخيّراً عند وقوع طلاقه بين إيقاع الطّلاق وتركه.
واستدل بقوله " قبل أن يمسّ " على أنّ الطّلاق في طهر جامع فيه حرامٌ، وبه صرّح الجمهور، فلو طلق هل يجبر على الرّجعة كما يجبر عليها إذا طلَّقها وهي حائض؟
طرده بعض المالكيّة فيهما، والمشهور عنهم إجباره في الحائض دون الطّاهر، وقالوا فيما إذا طلَّقها وهي حائض: يجبر على الرّجعة، فإن امتنع أدّبه الحاكم، فإن أصرّ ارتجع الحاكم عليه.
وهل يجوز له وطؤها بذلك؟.
روايتان لهم أصحّهما الجواز، وعن داود يجبر على الرّجعة إذا طلَّقها حائضاً , ولا يجبر إذا طلَّقها نفساء؛ وهو جمود.
ووقع فيه رواية مسلم من طريق محمّد بن عبد الرّحمن مولى آل طلحة عن سالم عن ابن عمر " ثمّ ليطلقها طاهراً أو حاملاً " وفي روايته من طريق ابن أخي الزّهريّ عن الزّهريّ " فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً من حيضها ".
стр. 2810
واختلف الفقهاء في المراد بقوله " طاهراً ". هل المراد به انقطاع الدّم , أو التّطهّر بالغسل؟.
على قولين، وهما روايتان عن أحمد.
والرّاجح الثّاني، لِما أخرجه النّسائيّ من طريق معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذه القصّة قال: مُرْ عبدَ الله فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسّها حتّى يُطلّقها، وإن شاء يمسكها فليمسكها. وهذا مفسّرٌ لقوله " فإذا طهرت " فليحمل عليه.
ويتفرّع من هذا , أنّ العدّة هل تنقضي بانقطاع الدّم وترتفع الرّجعة؟، أو لا بدّ من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضاً.
والحاصل أنّ الأحكام المرتّبة على الحيض نوعان:
الأوّل: يزول بانقطاع الدّم كصحّة الغسل والصّوم وترتّب الصّلاة في الذّمّة.
الثّاني: لا يزول إلَّا بالغسل كصحّة الصّلاة والطّواف وجواز اللبث في المسجد، فهل يكون الطّلاق من النّوع الأوّل أو من الثّاني؟.
وتمسّك بقوله " ثمّ ليطلقها طاهراً أو حاملاً " من ذهب إلى أنّ طلاق الحامل سنّيٌّ، وهو قول الجمهور.
وعن أحمد رواية: أنّه ليس بسنّيٍّ ولا بدعيّ.
قوله: (فتلك العدّة كما أمر الله في رواية مالك عن نافع " فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النّساء " أي: أذن، وهذا بيان
стр. 2811
لمراد الآية. وهي قوله تعالى (يا أيّها النّبيّ إذا طلقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ).
وصرّح معمر في روايته عن أيّوب عن نافع , بأنّ هذا الكلام عن النّبيّ ﷺ ، وفي رواية الزّبير عند مسلم قال ابن عمر: وقرأ النّبيّ ﷺ (يا أيّها النّبيّ إذا طلقتم النّساء) الآية ".
وروى الطّبريّ بسندٍ صحيح عن ابن مسعود في قوله تعالى (فطلقوهنّ لعدّتهنّ) قال: في الطّهر من غير جماع، وأخرجه عن جمعٍ من الصّحابة ومن بعدهم كذلك، وهو عند التّرمذيّ أيضاً.
واستدل به من ذهب إلى أنّ الأقراء أطهار للأمر بطلاقها في الطّهر، وقوله (فطلقوهنّ لعدّتهنّ) أي: وقت ابتداء عدّتهنّ، وقد جعل للمطلقة تربّص ثلاثة قروء، فلمّا نهى عن الطّلاق في الحيض.
وقال: إنّ الطّلاق في الطّهر هو الطّلاق المأذون فيه علم أنّ الأقراء الأطهار، قاله ابن عبد البرّ.
وقال أيضاً: وقد اتّفق علماء المدينة من الصّحابة فمن بعدهم , وكذا الشّافعيّ ومالك وأحمد وأتباعهم على أنّها إذا طعنت في الحيضة الثّالثة طهرت بشرط أن يقع طلاقها في الطّهر، وأمّا لو وقع في الحيض لَم تعتدّ بتلك الحيضة. انتهى.
قال أبو عبيدة معمرٌ: يقال: أقرأت المرأة إذا دنا حيضها، وأقرأت إذا دنا طهرها، وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا صارت ذات حيض، والقرء انقضاء الحيض. ويقال: هو الحيض نفسه، ويقال: هو من
стр. 2812
الأضداد.
ومراد أبي عبيدة. أنّ القرء يكون بمعنى الطّهر وبمعنى الحيض وبمعنى الضّمّ والجمع. وهو كذلك.
وجزم به ابن بطّالٍ , وقال: لَمَّا احتملت الآية واختلف العلماء في المراد بالأقراء فيها , ترجّح قول مَن قال: إنّ الأقراء الأطهار بحديث ابن عمر , حيث أمره رسول الله ﷺ أن يطلق في الطّهر، وقال في حديثه " فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النّساء " فدلَّ على أنّ المراد بالأقراء الأطهار.
قوله: (فحُسِبت من طلاقها) وللبخاري عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عمر , قال: حسبت عليَّ بتطليقةٍ. ولهما عن يونس بن جبير سمعت ابن عمر يقول: طلَّقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمرُ النّبيَّ ﷺ فذكر ذلك له فقال: ليراجعها، فإذا طهرت فإن شاء فليطلّقها. قال: قلت لابن عمر: أفيحسب بها؟ قال: ما يمنعه؟ أرأيت إن عجَزَ واستحمق.
ولأحمد قال: قلت لابن عمر: أفتحتسب طلاقها ذلك طلاقاً؟ قال: نعم، أرأيت إن عجَزَ واستحمق.
وقد رواه البخاريّ من رواية همّام عن قتادة بطوله. وفيه " قلت: فهل عدّ ذلك طلاقاً؟ قال: أرأيت إن عجَزَ واستحمق ".
وله من طريق محمّد بن سيرين عن يونس بن جبير مختصراً. وفيه " قلت: فتعتدّ بتلك التّطليقة؟ قال: أرأيت إن عجَزَ واستحمق ".
стр. 2813
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن محمّد بن سيرين مطوّلاً. ولفظه " فقلت له: إذا طلَّق الرّجل امرأته وهي حائض أيعتدّ بتلك التّطليقة؟ قال: فمه. أَوَ إن عجَزَ واستحمق " وفي رواية له " فقلت: أفتحتسب عليه " والباقي مثله.
وقوله " فمه " أصله فما، وهو استفهام فيه اكتفاء. أي: فما يكون إن لَم تحتسب.
ويحتمل: أن تكون الهاء أصليّة , وهي كلمة تقال للزّجر , أي: كُفّ عن هذا الكلام , فإنّه لا بدّ من وقوع الطّلاق بذلك.
قال ابن عبد البرّ: قول ابن عمر " فمه " معناه فأيّ شيءٍ يكون إذا لَم يعتدّ بها؟ إنكاراً لقول السّائل " أيعتدّ بها " فكأنّه قال: وهل من ذلك بدٌّ؟.
وقوله " أرأيت إن عجَزَ واستحمق " أي: إن عجَزَ عن فرضٍ فلم يقمه، أو استحمق فلم يأت به أيكون ذلك عذراً له.
وقال الخطّابيّ: في الكلام حذفٌ، أي: أرأيت إن عجَزَ واستحمق أيسقط عنه الطّلاق حمقه أو يبطله عجَزَه؟ وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه.
وقال الكرمانيّ (١): يحتمل أن تكون " إن " نافية بمعنى. ما. أي لَم يعجر ابن عمر ولا استحمق، لأنّه ليس بطفلٍ ولا مجنون. قال: وإن كانت الرّواية بفتح ألف أن فمعناه أظهر، والتّاء من استحمق
стр. 2814
مفتوحة. قاله ابن الخشّاب
وقال: المعنى فعل فعلاً يصيّره أحمق عاجزاً فيسقط عنه حكم الطّلاق عجَزَه أو حمقه، والسّين والتّاء فيه إشارة إلى أنّه تَكلَّف الحُمق بما فعله من تطليق امرأته وهي حائض. وقد وقع في بعض الأصول بضمّ التّاء مبنيّاً للمجهول، أي: إنّ النّاس استحمقوه بما فعل، وهو موجّهٌ.
وقال المُهلَّب (١): معنى قوله " إن عجَزَ واستحمق " يعني عجَزَ في المراجعة التي أمر بها عن إيقاع الطّلاق , أو فقد عقله فلم تمكن منه الرّجعة , أتبقى المرأة معلقةً لا ذات بعلٍ ولا مطلقةً؟ وقد نهى الله عن ذلك، فلا بدّ أن تحتسب بتلك التّطليقة التي أوقعها على غير وجهها، كما أنّه لو عجَزَ عن فرض آخر لله فلم يقمه واستحمق فلم يأت به ما كان يعذر بذلك ويسقط عنه.
قال النّوويّ: شذّ بعض أهل الظّاهر فقال: إذا طلق الحائض لَم يقع الطّلاق , لأنّه غير مأذون فيه فأشبه طلاق الأجنبيّة , وحكاه الخطّابيّ عن الخوارج والرّوافض.
وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلَّا أهل البدع والضّلال. يعني: الآن. قال: وروي مثله عن بعض التّابعين وهو شذوذ.
وحكاه ابن العربيّ وغيره عن ابن عُليّة. يعني: إبراهيم بن إسماعيل بن عُليّة الذي قال الشّافعيّ في حقّه: إبراهيم ضالّ، جلس في باب
стр. 2815
الضّوالّ يضلّ النّاس. وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها. وكان من فقهاء المعتزلة. وقد غلِط فيه من ظنّ أنّ المنقول عنه المسائل الشّاذّة أبوه، وحاشاه، فإنّه من كبار أهل السّنّة.
وكأنّ النّوويّ أراد ببعض الظّاهريّة ابن حزم، فإنّه ممّن جرّد القول بذلك وانتصر له وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة , بأنّ ابن عمر كان اجتنبها فأمره أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة , فحمل المراجعة على معناها اللغويّ.
وتُعقّب: بأنّ الحمل على الحقيقة الشّرعيّة مقدّم على اللغويّة اتّفاقاً.
وأجاب عن قول ابن عمر " حسبت عليّ بتطليقةٍ " بأنّه لَم يصرّح بمن حسبها عليه، ولا حجّة في أحد دون رسول الله ﷺ .
وتعقّب: بأنّه مثل قول الصّحابيّ " أمرنا في عهد رسول الله ﷺ بكذا " فإنّه ينصرف إلى من له الأمر حينئذٍ وهو النّبيّ ﷺ . كذا قال بعض الشّرّاح.
وعندي أنّه لا ينبغي أن يجئ فيه الخلاف الذي في قول الصّحابيّ أمرنا بكذا , فإنّ ذاك محلّه حيث يكون اطّلاع النّبيّ ﷺ على ذلك ليس صريحاً، وليس كذلك في قصّة ابن عمر هذه , فإنّ النّبيّ ﷺ هو الآمر بالمراجعة , وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك.
وإذا أخبر ابن عمر أنّ الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقةٍ كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النّبيّ ﷺ بعيداً جدّاً مع
стр. 2816
احتفاف القرائن في هذه القصّة بذلك، كيف يتخيّل أنّ ابن عمر يفعل في القصّة شيئاً برأيه. وهو ينقل أنّ النّبيّ ﷺ تغيّظ من صنيعه؟. كيف لَم يشاوره فيما يفعل في القصّة المذكورة؟.
وقد أخرج ابن وهب في " مسنده " عن ابن أبي ذئب , أنّ نافعاً أخبره , أنّ ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: مُره فليراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر.
قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النّبيّ ﷺ : وهي واحدة.
قال ابن أبي ذئب: وحدّثني حنظلة بن أبي سفيان , أنّه سمع سالماً يحدّث عن أبيه عن النّبيّ ﷺ بذلك.
وأخرجه الدّارقطنيّ من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعاً عن نافع عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ قال: هي واحدة.
وهذا نصّ في موضع الخلاف فيجب المصير إليه.
وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم , فأجابه بأنّ قوله " هي واحدة " لعله ليس من كلام النّبيّ ﷺ ، فألزمه بأنّه نقض أصله , لأنّ الأصل لا يدفع بالاحتمال.
وعند الدّارقطنيّ في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصّة: فقال عمر: يا رسولَ الله: أفتحتسب بتلك التّطليقة؟ قال: نعم. ورجاله إلى شعبة ثقات.
وعنده من طريق سعيد بن عبد الرّحمن الجمحيّ عن عبيد الله بن
стр. 2817
عمر عن نافع عن ابن عمر , أنّ رجلاً قال: إنّي طلَّقت امرأتي البتّة وهي حائض، فقال: عصيت ربّك، وفارقت امرأتك. قال: فإنّ رسول الله ﷺ أمر ابن عمر أن يراجع امرأته، قال: إنّه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاقٍ بقي له، وأنت لَم تبق ما ترتجع به امرأتك.
وفي هذا السّياق ردٌّ على من حَمل الرّجعة في قصّة ابن عمر على المعنى اللغويّ.
وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخّرين ابنُ تيميّة (١)، وله كلامٌ طويل في تقرير ذلك والانتصار له.
وأعظم ما احتجّوا به: ما وقع في رواية أبي الزّبير عن ابن عمر عند مسلم وأبي داود والنّسائيّ. وفيه " فقال له رسول الله ﷺ : ليراجعها، فردّها , وقال: إذا طهرت فليطلق أو يمسك " لفظ مسلم.
وللنّسائيّ وأبي داود " فردّها عليّ " زاد أبو داود " ولَم يرها شيئاً ". وإسناده على شرط الصّحيح. فإنّ مسلماً أخرجه من رواية حجّاج بن محمّد عن ابن جريجٍ، وساقه على لفظه , ثمّ أخرجه من رواية أبي عاصم عنه , وقال نحو هذه القصّة، ثمّ أخرجه من رواية عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ قال: مثل حديث حجّاج. وفيه بعض الزّيادة، فأشار إلى هذه الزّيادة، ولعله طوى ذكرها عمداً.
وقد أخرج أحمد الحديث عن روح بن عبادة عن ابن جريجٍ فذكرها، فلا يتخيّل انفراد عبد الرّزّاق بها.
стр. 2818
قال أبو داود: روى هذا الحديث عنه ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلّها على خلاف ما قال أبو الزّبير.
وقال ابن عبد البرّ: قوله " ولَم يرها شيئاً " منكرٌ لَم يقله غير أبي الزّبير، وليس بحجّةٍ فيما خالفه فيه مثله. فكيف بمن هو أثبت منه؟!.
ولو صحّ فمعناه عندي - والله أعلم -: ولَم يرها شيئاً مستقيماً لكونها لَم تقع على السّنّة.
وقال الخطّابيّ: قال أهل الحديث: لَم يرو أبو الزّبير حديثاً أنكر من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه: ولَم يرها شيئاً تحرم معه المراجعة، أو لَم يرها شيئاً جائزاً في السّنّة ماضياً في الاختيار , وإن كان لازماً له مع الكراهة.
ونقل البيهقيّ في " المعرفة " عن الشّافعيّ أنّه ذكر رواية أبي الزّبير , فقال: نافع أثبت من أبي الزّبير والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعاً غيره من أهل الثّبت.
قال: وبسط الشّافعيّ القولَ في ذلك , وحمل قوله " لَم يرها شيئاً " على أنّه لَم يعدّها شيئاً صواباً غير خطأ، بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه لأنّه أمره بالمراجعة، ولو كان طلَّقها طاهراً لَم يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرّجل إذا أخطأ في فعله أو أخطأ في جوابه: لَم يصنع شيئاً. أي: لَم يصنع شيئاً صواباً.
قال ابن عبد البرّ: واحتجّ بعض من ذهب إلى أنّ الطّلاق لا يقع ,بما روي عن الشّعبيّ قال: إذا طلق الرّجل امرأته وهي حائض لَم يعتدّ
стр. 2819
بها في قول ابن عمر.
قال ابن عبد البرّ: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنّما معناه , لَم تعتدّ المرأة بتلك الحيضة في العدّة، كما روي ذلك عنه منصوصاً أنّه قال: يقع عليها الطّلاق , ولا تعتدّ بتلك الحيضة. انتهى
وقد روى عبد الوهّاب الثّقفيّ عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر نحواً مما نقله ابن عبد البرّ عن الشّعبيّ , أخرجه ابن حزم بإسنادٍ صحيح، والجواب عنه مثله.
وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك عن ابن عمر , أنّه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك بشيءٍ.
وهذه متابعات لأبي الزّبير، إلَّا أنّها قابلة للتّأويل، وهو أولى من إلغاء الصّريح في قول ابن عمر إنّها حسبت عليه بتطليقةٍ.
وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البرّ وغيره يتعيّن، وهو أولى من تغليظ بعض الثّقات.
وأمّا قول ابن عمر " إنّها حسبت عليه بتطليقةٍ " فإنّه وإن لَم يصرّح برفع ذلك إلى النّبيّ ﷺ فإنّ فيه تسليم أنّ ابن عمر قال: إنّها حسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله " إنّه لَم يعتدّ بها " أو " لَم يرها شيئاً " على المعنى الذي ذهب إليه المخالف؟.
لأنّه إنْ جعل الضّمير للنّبيّ ﷺ لزم منه أنّ ابن عمر خالف ما حكم به النّبيّ ﷺ في هذه القصّة بخصوصها , لأنّه قال " إنّها حسبت عليه بتطليقةٍ " فيكون من حسبها عليه خالف كونه لَم يرها شيئاً،
стр. 2820
وكيف يظنّ به ذلك مع اهتمامه واهتمام أبيه بسؤال النّبيّ ﷺ عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟.
وإنْ جعل الضّمير في " لَم يعتدّ بها أو لَم يرها " لابن عمر لزم منه التّناقض في القصّة الواحدة فيفتقر إلى التّرجيح، ولا شكّ أنّ الأخذ بما رواه الأكثر والأحفظ أولى من مقابله عند تعذّر الجمع عند الجمهور. والله أعلم.
واحتجّ ابن القيّم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسةٍ ترجع إلى مسألة أنّ النّهي يقتضي الفساد.
فقال: الطّلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أنّ حرامه باطل كالنّكاح وسائر العقود، وأيضاً فكما أنّ النّهي يقتضي التّحريم فكذلك يقتضي الفساد، وأيضاً فهو طلاق منع منه الشّرع فأفاد منعه عدم جواز إيقاعه. فكذلك يفيد عدم نفوذه وإلَّا لَم يكن للمنع فائدة، لأنّ الزّوج لو وكّل رجلاً أن يطلق امرأته على وجه فطلقها على غير الوجه المأذون فيه لَم ينفذ، فكذلك لَم يأذن الشّارع للمكلف في الطّلاق إلَّا إذا كان مباحاً , فإذا طلق طلاقاً محرّماً لَم يصحّ.
وأيضاً فكلّ ما حرّمه الله من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرّمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلوم أنّ الحلال المأذون فيه ليس الحرام الممنوع منه.
ثمّ أطال من هذا الجنس بمعارضاتٍ كثيرةٍ لا تنهض مع التّنصيص على صريح الأمر بالرّجعة. فإنّها فرع وقوع الطّلاق على تصريح
стр. 2821
صاحب القصّة بأنّها حسبت عليه تطليقة، والقياس في معارضة النّصّ فاسد الاعتبار. والله أعلم.
وقد عورض بقياسٍ أحسن من قياسه.
فقال ابن عبد البرّ: ليس الطّلاق من أعمال البرّ التي يتقرّب بها، وإنّما هو إزالة عصمة فيها حقّ آدميّ، فكيفما أوقعه وقع، سواء أجر في ذلك أم أثم، ولو لزم المطيع ولَم يلزم العاصي لكان العاصي أخفّ حالاً من المطيع.
ثمّ قال ابن القيّم: لَم يرد التّصريح بأنّ ابن عمر احتسب بتلك التّطليقة إلَّا في رواية سعيد بن جبير عنه عند البخاريّ، وليس فيها تصريح بالرّفع.
قال: فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزّبير بقوله " لَم يرها شيئاً "، فإمّا أن يتساقطا , وإمّا أن ترجّح رواية أبي الزّبير لتصريحها بالرّفع، وتحمل رواية سعيد بن جبير على أنّ أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النّبيّ ﷺ في الوقت الذي ألزم النّاس فيه بالطّلاق الثّلاث بعد أن كانوا في زمن النّبيّ ﷺ لا يحتسب عليهم به ثلاثاً إذا كان بلفظٍ واحد.
قلت: وغفل ﵀ عمّا ثبت في صحيح مسلم من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يشعر بأنّه إنّما راجعها في زمن النّبيّ ﷺ ولفظه " سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق. فقال: طلقتها وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنّبيّ ﷺ فقال:
стр. 2822
مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها لطهرها، قال: فراجعتها ثمّ طلَّقها لطهرها , قلت: فاعتددت بتلك التّطليقة وهي حائض؟ فقال: ما لي لا اعتدّ بها. وإن كنت عجَزَت واستحمقت "
وعند مسلم أيضاً من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمّه عن سالم في حديث الباب " وكان عبد الله بن عمر طلَّقها تطليقة فحسبت من طلاقها , فراجعها كما أمره رسول الله ﷺ ".
وله من رواية الزّبيديّ عن ابن شهاب , قال ابن عمر: فراجعتها وحسبت لها التّطليقة التي طلقتها.
وعند الشّافعيّ عن مسلم بن خالد عن ابن جريجٍ , أنّهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد النّبيّ ﷺ ؟ فقال: نعم.
وفي حديث ابن عمر من الفوائد غير ما تقدّم.
أنّ الرّجعة يستقلّ بها الزّوج دون الوليّ ورضا المرأة، لأنّه جعل ذلك إليه دون غيره، وهو كقوله تعالى (وبعولتهنّ أحقّ بردّهنّ في ذلك).
وفيه أنّ الأب يقوم عن ابنه البالغ الرّشيد في الأمور التي تقع له ممّا يحتشم الابن من ذكره، ويتلقّى عنه ما لعله يلحقه من العتاب على فعله شفقة منه وبرّاً.
وفيه أنّ طلاق الطّاهرة لا يكره , لأنّه أنكر إيقاعه في الحيض لا في غيره، ولقوله في آخر الحديث " فإن شاء أمسك وإن شاء طلق ".
стр. 2823
وفيه أنّ الحامل لا تحيض. لقوله في طريق سالم المتقدّمة " ثمّ ليطلقها طاهراً أو حاملاً " فحرّم ﷺ الطّلاق في زمن الحيض وأباحه في زمن الحمل، فدلَّ على أنّهما لا يجتمعان.
وأجيب: بأنّ حيض الحامل لَمَّا لَم يكن له تأثير في تطويل العدّة ولا تخفيفها لأنّها بوضع الحمل فأباح الشّارع طلاقها حاملاً مطلقاً.
وأمّا غير الحامل ففرّق بين الحائض والطّاهر , لأنّ الحيض يؤثّر في العدّة فالفرق بين الحامل وغيرها إنّما هو بسبب الحمل لا بسبب الحيض ولا الطّهر. (١)
стр. 2824
وفيه تحريم الطّلاق في طهر جامعها فيه. وبه قال الجمهور.
وقال المالكيّة: لا يحرم؛ وفي رواية كالجمهور، ورجّحها الفاكهانيّ لكونه شرط في الإذن في الطّلاق عدم المسيس، والمعلق بشرطٍ معدومٌ عند عدمه
قوله: (وراجعها عبد الله بن عمر كما أمره رسول الله ﷺ ) قال ابن بطّالٍ ما ملخّصه: المراجعة على ضربين.
الأول: إمّا في العدّة فهي على ما في حديث ابن عمر , لأنّ النّبيّ ﷺ أمره بمراجعتها , ولَم يذكر أنّه احتاج إلى عقد جديد.
والثاني: إمّا بعد العدّة فعلى ما في حديث معقل (١).
وقد أجمعوا على أنّ الحرّ إذا طلق الحرّة بعد الدّخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحقّ برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك، فإن لَم يراجع حتّى انقضت العدّة فتصير أجنبيّة فلا تحلّ له إلَّا بنكاحٍ مستأنف.
واختلف السّلف فيما يكون به الرّجل مراجعاً.
فقال الأوزاعيّ: إذا جامعها فقد راجعها , وجاء ذلك عن بعض
стр. 2825
التّابعين , وبه قال مالك وإسحاق. بشرط أن ينوي به الرّجعة.
وقال الكوفيّون كالأوزاعيّ. وزادوا: ولو لمسها بشهوةٍ أو نظر إلى فرجها بشهوةٍ
وقال الشّافعيّ: لا تكون الرّجعة إلَّا بالكلام.
وانبنى على هذا الخلاف جواز الوطء وتحريمه.
وحجّة الشّافعيّ: أنّ الطّلاق مزيل للنّكاح، وأقرب ما يظهر ذلك في حلّ الوطء وعدمه، لأنّ الحلّ معنىً يجوز أن يرجع في النّكاح ويعود كما في إسلام أحد المشركين ثمّ إسلام الآخر في العدّة، وكما يرتفع بالصّوم والإحرام والحيض ثمّ يعود بزوال هذه المعاني.
وحجّة من أجاز: أنّ النّكاح لو زال لَم تعد المرأة إلَّا بعقدٍ جديد وبصحّة الخلع في الرّجعيّة ولوقوع الطّلقة الثّانية.
والجواب عن كلّ ذلك: أنّ النّكاح ما زال أصله , وإنّما زال وصفه.
وقال ابن السّمعانيّ: الحقّ أنّ القياس يقتضي أنّ الطّلاق إذا وقع زال النّكاح كالعتق، لكنّ الشّرع أثبت الرّجعة في النّكاح دون العتق فافترقا.
стр. 2826
الحديث الثامن عشر
٣٢٢ - عن فاطمة بنت قيسٍ ﵂، أنَّ أبا عمرو بن حفصٍ طلَّقها ألبتّة، وهو غائبٌ , وفي روايةٍ: طلَّقها ثلاثاً. فأرسل إليها وكيله بشعيرٍ، فسخِطَتْه، فقال: والله ما لكِ علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقةٌ. وفي لفظ: ولا سكنى , فأمرها أن تَعتدّ في بيت أمّ شريكٍ، ثم قال: تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدّي عند ابن أمّ مكتوم، فإنه رجلٌ أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللتِ فآذنيني.
قالت: فلمَّا حللتُ، ذكرتُ له ذلك، وأنَّ معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهمٍ خطَبَاني، فقال رسول الله ﷺ : أما أبو جهمٍ فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصُعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيدٍ، فكرهْتُه، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، فنكحتُه، فجعل الله فيه خيراً، واغتبطت به. (١)
стр. 2827
قوله: (فاطمة بنت قيسٍ) هي بنت قيس بن خالد من بني محارب بن فهر بن مالك، وهي أخت الضّحّاك بن قيس الذي ولِيَ العراق ليزيد بن معاوية , وقُتل بمرج راهط، وهو من صغار الصّحابة، وهي أسنّ منه.
وكانت من المهاجرات الأُوَل، وكان لها عقل وجمال.
وتزوّجها أبو عمرو بن حفص , ويقال: أبو حفص بن عمرو بن المغيرة المخزوميّ - وهو ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة - فخرج مع عليّ لَمَّا بعثه النّبيّ ﷺ إلى اليمن فبعث إليها بتطليقةٍ ثالثةٍ بقيت لها، وأَمرَ ابني عمّيه الحارث بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة أنْ يدفعا لها تمراً وشعيراً، فاستقلَّت ذلك , وشَكَتْ إلى النّبيّ ﷺ فقال لها: ليس لكِ سُكنى ولا نفقة.
قوله: (أنَّ أبا عمرو بن حفصٍ طلَّقها البتّة، وهو غائبٌ) اتّفقت الرّوايات عن فاطمة على كثرتها عنها أنّها بانت بالطّلاق.
ووقع في آخر صحيح مسلم في حديث الجسّاسة عن فاطمة بنت قيس " نكحتُ ابن المغيرة، وهو من خِيَار شباب قريش يومئذٍ، فأصيب في الجهاد مع رسول الله ﷺ فلمّا تأيّمت خطبني أبو جهم. الحديث.
وهذه الرّواية وهْم، ولكن أوّلَها بعضهم على أنّ المراد أصيب بجراحةٍ أو أصيب في ماله أو نحو ذلك. حكاه النّوويّ وغيره.
والذي يظهر أنّ المراد بقولها " أصيب " أي: مات على ظاهره،
стр. 2828
وكان في بعث عليّ إلى اليمن، فيصدق أنّه أصيب في الجهاد مع رسول الله ﷺ أي: في طاعة رسول الله ﷺ , ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت بل بالطّلاق السّابق على الموت.
فقد ذهب جمعٌ جمٌّ إلى أنّه مات مع عليٍّ باليمن , وذلك بعد أن أرسل إليها بطلاقها، فإذا جمع بين الرّوايتين استقام هذا التّأويل وارتفع الوهْم، ولكن يبعد بذلك قول مَن قال: إنّه بقي إلى خلافة عمر.
قوله: (فأرسل إليها وكيله بشعيرٍ، فسَخِطَتْه ... فجاءتْ رسول الله ﷺ ، فذكرتْ ذلك له) قال ابن دقيق العيد: سياق الحديث يقتضي أنّ سبب الحكم أنّها اختلفت مع الوكيل بسبب استقلالها ما أعطاها، وأنّها لَمَّا قال لها الوكيل " لا نفقة لك " سألت النّبيّ ﷺ , فأجابها بأنّها لا نفقة لها ولا سكنى، فاقتضى أنّ التّعليل إنّما هو بسبب ما جرى من الاختلاف لا بسبب الاقتحام والبذاءة، فإن قام دليل أقوى من هذا الظّاهر عمل به.
قلت: المتّفق عليه في جميع طرقه أنّ الاختلاف كان في النّفقة، ثمّ اختلفت الرّوايات: ففي بعضها " فقال: لا نفقة لك ولا سكنى " وفي بعضها أنّه لَمَّا قال لها " لا نفقة لك " استأذنته في الانتقال فأذن لها، وكلّها في صحيح مسلم.
فإذا جمعت ألفاظ الحديث من جميع طرقه خرج منها أنّ سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها ومنها، واستقام
стр. 2829
الاستدلال حينئذٍ على أنّ السّكنى لَم تسقط لذاتها , وإنّما سقطت للسّبب المذكور.
نعم. كانت فاطمة بنت قيس تجزم بإسقاط سكنى البائن ونفقتها وتستدلّ لذلك كما سيأتي ذكره، ولهذا كانت عائشة تنكر عليها.
فأخرج الشيخان واللفظ للبخاري عن عائشة أنّها قالت: ما لفاطمة ألا تتّقي الله. يعني في قولها لا سكنى ولا نفقة " وفي رواية للشيخين قالت: أما إنّه ليس لها خيرٌ في ذكر هذا الحديث ". كأنّها تشير إلى أنّ سبب الإذن في انتقال فاطمة ما وقع بينها وبين أقارب زوجها من الشّرّ.
ويؤيّده ما أخرج النّسائيّ من طريق ميمون بن مهران قال: قدمتُ المدينة , فقلتُ لسعيد بن المسيّب: إنّ فاطمة بنت قيس طُلّقت فخرجت من بيتها، فقال: إنّها كانت لَسِنةً. ولأبي داود من طريق سليمان بن يسار: إنّما كان ذلك من سوء الخلق.
وللبخاري مُعلقاً عن ابن أبي الزّناد عن هشامٍ عن أبيه , عابتْ عائشة أشدّ العيب , وقالت: إنّ فاطمة كانت في مكانٍ وحشٍ فخيف على ناحيتها , فلذلك أرخص لها النّبيّ ﷺ .
ووصله أبو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرّحمن بن أبي الزّناد بلفظ " لقد عابتْ " وقوله " وحْش " بفتح الواو وسكون المهملة بعدها معجمة. أي: خالٍ لا أنيس به.
стр. 2830
ولرواية ابن أبي الزّناد هذه شاهد من رواية أبي أسامة (١) عن هشام بن عروة , لكن قال: عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت: قلت: يا رسولَ الله إنّ زوجيّ طلقني ثلاثاً فأخاف أن يقتحم عليّ، فأمرها فتحوّلت.
وقد أخذ البخاريّ الترجمةَ من مجموع ما ورد في قصّة فاطمة فرتّب الجواز على أحد الأمرين:
الأول: إمّا خشية الاقتحام عليها.
والثاني: إمّا أن يقع منها على أهل مطلقها فُحش من القول، ولَم ير بين الأمرين في قصّة فاطمة معارضةً لاحتمال وقوعهما معاً في شأنها.
تنْبيهٌ: طعن أبو محمّد بن حزم في رواية ابن أبي الزّناد المعلَّقة.
فقال: عبد الرّحمن بن أبي الزّناد ضعيف جدّاً، وحكم على روايته هذه بالبطلان.
وتعقّب: بأنّه مختلف فيه، ومن طعن فيه لَم يذكر ما يدلّ على تركه فضلاً عن بطلان روايته، وقد جزم يحيى بن معين بأنّه أثبت النّاس في هشام بن عروة، وهذا من روايته عن هشام.
стр. 2831
فلله درّ البخاريّ ما أكثر استحضاره وأحسن تصرّفه في الحديث والفقه.
قوله: (ليس لك عليه نفقةٌ , وفي لفظ: ولا سكنى).
اختلف السّلف في نفقة المطلقة البائن وسكناها.
القول الأول: قال الجمهور: لا نفقة لها. ولها السّكنى.
واحتجّوا لإثبات السّكنى: بقوله تعالى (أسكنوهنّ من حيث سكنتم من وجدكم) ولإسقاط النّفقة بمفهوم قوله تعالى (وإن كنّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتّى يضعن حملهنّ) فإنّ مفهومه أنّ غير الحامل لا نفقة لها وإلا لَم يكن لتخصيصها بالذّكر معنىً، والسّياق يفهم أنّها في غير الرّجعيّة، لأنّ نفقة الرّجعيّة واجبة لو لَم تكن حاملاً.
القول الثاني: ذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور. إلى أنّه لا نفقة لها ولا سكنى على ظاهر حديث فاطمة بنت قيس، ونازعوا في تناول الآية الأولى المطلقة البائن.
وقد احتجّت فاطمة بنت قيس صاحبة القصّة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى (لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ - إلى قوله - يحدث بعد ذلك أمراً) قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأيّ أمر يحدث بعد الثّلاث؟ وإذا لَم يكن لها نفقة وليست حاملاً. فعلامَ يحبسونها؟ (١)
стр. 2832
وقد وافق فاطمةَ على أنّ المراد بقوله تعالى (يُحدثُ بعد ذلك أمراً) المراجعة قتادةُ والحسنُ والسّدّيّ والضّحّاك. أخرجه الطّبريّ عنهم. ولَم يحك عن أحدٍ غيرهم خلافه.
وحكى غيره: أنّ المراد بالأمر ما يأتي من قِبَل الله تعالى من نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك فلم ينحصر ذلك في المراجعة.
وأمّا ما أخرجه أحمد من طريق الشّعبيّ عن فاطمة في آخر حديثها مرفوعاً " إنّما السّكنى والنّفقة لمن يملك الرّجعة " فهو من أكثر الرّوايات موقوف عليها.
وقد بيّن الخطيب في " المدرج " أنّ مجالد بن سعيد تفرّد برفعه. وهو ضعيف، ومن أدخله في رواية غير رواية مجالد عن الشّعبيّ فقد أدرجه.
وهو كما قال، وقد تابع بعضُ الرّواة عن الشّعبيّ في رفعه مجالداً , لكنّه أضعف منه.
وأمّا قولها " إذا لَم يكن لها نفقة فعلام يحبسونها "؟.
فأجاب بعض العلماء عنه: بأنّ السّكنى التي تتبعها النّفقة هو حال الزّوجيّة الذي يمكن معه الاستمتاع ولو كانت رجعيّة.
وأمّا السّكنى بعد البينونة فهو حقّ لله تعالى , بدليل أنّ الزّوجين لو اتّفقا على إسقاط العدّة لَم تسقط بخلاف الرّجعيّة , فدلَّ على أن لا ملازمة بين السّكنى والنّفقة. وقد قال بمثل قول فاطمة أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأتباعهم.
стр. 2833
القول الثالث: ذهب أهل الكوفة من الحنفيّة وغيرهم إلى أنّ لها النّفقة والكسوة.
وأجابوا عن الآية. بأنّه تعالى إنّما قيّد النّفقة بحالة الحمل ليدلّ على إيجابها في غير حالة الحمل بطريق الأولى، لأنّ مدّة الحمل تطول غالباً.
وردّه ابن السّمعانيّ: بمنع العلة في طول مدّة الحمل، بل تكون مدّة الحمل أقصر من غيرها تارة وأطول أخرى فلا أولويّة؛ وبأنّ قياس الحائل على الحامل فاسد، لأنّه يتضمّن إسقاط تقييد ورد به النّصّ في القرآن والسّنّة.
وأمّا قول بعضهم: إنّ حديث فاطمة أنكره السّلف عليها كما تقدّم من كلام عائشة، وكما أخرج مسلم من طريق أبي إسحاق: كنت مع الأسود بن يزيد في المسجد فحدّث الشّعبيّ بحديث فاطمة بنت قيس , أنّ رسول الله ﷺ لَم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفّاً من حصى. فحصبه به , وقال: ويلك تحدّث بهذا؟ قال عمر: لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى (لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ).
فالجواب عنه: أنّ الدّارقطنيّ قال: قوله في حديث عمر " وسنّة نبيّنا " غير محفوظ. والمحفوظ " لا ندع كتاب ربّنا ".
وكأنّ الحامل له على ذلك أنّ أكثر الرّوايات ليست فيها هذه الزّيادة، لكن ذلك لا يردّ رواية النّفقة، ولعلَّ عمر أراد بسنّة النّبيّ ﷺ ما
стр. 2834
دلَّت عليه أحكامه من اتّباع كتاب الله، لا أنّه أراد سنّة مخصوصة في هذا، ولقد كان الحقّ ينطق على لسان عمر، فإنّ قوله " لا ندري حفظت أو نسيت " , قد ظهر مصداقه في أنّها أطلقت في موضع التّقييد أو عمّمت في موضع التّخصيص كما تقدّم بيانه.
وأيضاً فليس في كلام عمر ما يقتضي إيجاب النّفقة , وإنّما أنكر إسقاط السّكنى.
وادّعى بعض الحنفيّة: أنّ في بعض طرق حديث عمر " للمطلقة ثلاثاً السّكنى والنّفقة ".
وردّه ابن السّمعانيّ: بأنّه من قول بعض المجازفين فلا تحلّ روايته.
وقد أنكر أحمد ثبوت ذلك عن عمر أصلاً، ولعله أراد ما ورد من طريق إبراهيم النّخعيّ عن عمر لكونه لَم يلقه.
وقد بالغ الطّحاويّ في تقرير مذهبه. فقال: خالفت فاطمةُ سنّةَ رسول الله ﷺ , لأنّ عمر روى خلاف ما روت، فخرج المعنى الذي أنكر عليها عمر خروجاً صحيحاً، وبطل حديث فاطمة فلم يجب العمل به أصلاً.
وعمدته على ما ذكر من المخالفة ما روى عمر بن الخطّاب، فإنّه أورده من طريق إبراهيم النّخعيّ عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لها السّكنى والنّفقة.
وهذا منقطعٌ لا تقوم به حجّة.
قوله: (ذكرت له ذلك، وأن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهمٍ
стр. 2835
خطباني) تقدّم الكلام عليه (١).
قوله: (أما أبو جهمٍ فلا يضع العصا عن عاتقه) (٢)
قوله: (واغتبطت به) (٣)
стр. 2836
باب العدّة
الحديث التاسع عشر
٣٢٣ - عن سُبيعة الأسلميّة ﵂، أنها كانت تحت سعد بن خولة - وهو من بني عامر بن لؤيٍ، وكان ممن شهد بدراً - فتوفّي عنها في حجة الوداع، وهي حاملٌ، فلم تنشب أنْ وضعتْ حملَها بعد وفاته، فلما تعلَّت من نفاسها تجمّلت للخطّاب، فدخل عليها أبو السّنابل بن بعككٍ - رجلٌ من بني عبد الدار - فقال لها: مالِي أراكِ مُتجمِّلةً؟ لعلك ترجّين النكاح، والله ما أنت بناكحٍ حتى تمرّ عليك أربعة أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعة: فلمَّا قال لي ذلك، جمعتُ عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأنِي قد حللتُ حين وضعت حملي، وأمرني بالتّزويج إن بدا لي.
قال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوَّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها، حتى تطهر. (١)
стр. 2837
قوله: (سبيعة الأسلميّة) هي بمهملة وموحّدة ثمّ مهملة تصغير سبع، ووقع في البخاري " سبيعة بنت الحارث " وذكرها ابن سعد في المهاجرات.
ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد " سبيعة بنت أبي برزة الأسلميّ " فإن كان محفوظاً فهو أبو برزة آخر غير الصّحابيّ المشهور، وهو إمّا كنية للحارث والد سبيعة , أو نُسبت في الرّواية المذكورة إلى جدٍّ لها.
قوله: (كانت تحت سعد بن خولة) تقدّم الكلام عليه (١)
قوله: (فتوفّي عنها في حجة الوداع) نقل ابن عبد البرّ الاتّفاق على ذلك، وفي ذلك نظرٌ. فقد ذكر: محمّد بن سعد أنّه مات قبل الفتح، وذكر الطّبريّ أنّه مات سنة سبع، وقد ذكرتُ شيئاً من ذلك في كتاب الوصايا (٢).
وفي البخاري " أنّه قتل " ومعظم الرّوايات على أنّه مات. وهو المعتمد.
ووقع للكرمانيّ: لعل سبيعة قالت: قتل , بناء على ظنّ منها في ذلك فتبيّن أنّه لَم يقتل.
وهذا الجمع يمجّه السّمع، وإذا ظنّت سبيعة أنّه قتل , ثمّ تبيّن لها
стр. 2838
أنّه لَم يُقتل , فكيف تجزم بعد دهر طويل بأنّه قتل؟ (١).
فالمعتمد أنّ الرّواية التي فيها قتل - إن كانت محفوظة - ترجّحت , لأنّها لا تنافي مات أو توفّي، وإن لَم يكن في نفس الأمر قتل فهي رواية شاذّة.
قوله: (وهي حاملٌ) ذكر الكرمانيّ: أنّه وقع في بعض طرق حديث سبيعة , أنّ زوجها مات وهي حاملةٌ وفي معظمها حاملٌ , وهو الأشهر , لأنّ الحمل من صفات النّساء فلا يحتاج إلى علامة التّأنيث.
ووجه الأوّل: أنّه أريد بأنّها ذات حملٍ بالفعل كما قيل في قوله تعالى (تذهل كل مرضعة) فلو أريد أنّ الإرضاع من شأنها لقيل كل مرضعٍ. انتهى.
والذي وقفنا عليه في جميع الرّوايات , وهي حاملٌ , وفي كلام أبي السّنابل لست بناكحٍ.
стр. 2839
قوله: (فلم تنشب أنْ وضعت حملها بعد وفاته) وللبخاري عن المسور " بعد وفاة زوجها بليالٍ " ووقع في رواية محمّد بن إبراهيم التّيميّ عن أبي سلمة عن سبيعة عند أحمد " فلم أمكث إلَّا شهرين حتّى وضعت " وفي رواية داود بن أبي عاصم " فولَدتُ لأدنى من أربعة أشهر ". وهذا أيضاً مبهمٌ.
وفي رواية يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة عند البخاري " فوضعت بعد موته بأربعين ليلةٍ " كذا في رواية شيبان عنه , وفي رواية حجّاجٍ الصّوّاف عند النّسائيّ " بعشرين ليلةً ".
ووقع عند ابن أبي حاتمٍ من رواية أيّوب عن يحيى " بعشرين ليلة أو خمس عشرة " ووقعت في رواية الأسود " فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثةٍ وعشرين يوماً أو خمسةٍ وعشرين يوماً " كذا عند التّرمذيّ والنّسائيّ.
وعند ابن ماجه " ببضعٍ وعشرين ليلةً " وكأنّ الرّاوي ألغى الشّك , وأتى بلفظ يشمل الامرين , ووقع في رواية عبد ربّه بن سعيدٍ " بنصف شهرٍ " وكذا في رواية شعبة بلفظ " خمسة عشر نصف شهر " وكذا في حديث ابن مسعودٍ عند أحمد.
والجمع بين هذه الرّوايات متعذرٌ لاتّحاد القصّة , ولعلَّ هذا هو السّرّ في إبهام من أبهم المدّة إذ محل الخلاف أنْ تضع لدون أربعة أشهر وعشر , وهو هنا كذلك , فأقل ما قيل في هذه الرّوايات " نصف شهرٍ ".
стр. 2840
وأمّا ما وقع في بعض الشّروح , أنّ في البخاريّ رواية " عشر ليالٍ " وفي روايةٍ للطّبرانيّ " ثمانٍ أو سبعٍ " فهو في مدّة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النّبيّ ﷺ , لا في مدّة بقيّة الحمل , وأكثر ما قيل فيه بالتّصريح , شهرين وبغيره دون أربعة أشهرٍ.
قوله: (أبو السّنابل بن بعككٍ) بمهملةٍ ونون ثمّ موحّدة جمع سنبلة.
اختلف في اسمه. فقيل: عمرو. قاله ابن البرقيّ عن ابن هشام عمّن يثق به عن الزّهريّ. وقيل: عامر. روي عن ابن إسحاق، وقيل: حبّة بموحّدة بعد المهملة، وقيل: بنونٍ , وقيل: لبيدُ ربِّه، وقيل: أصرم، وقيل: عبد الله.
ووقع في بعض الشّروح , وقيل: بغيض.
قلت: وهو غلط. والسّبب فيه أنّ بعض الأئمّة سئل عن اسمه , فقال: بغيض يسأل عن بغيض، فظنّ الشّارح أنّه اسمه، وليس كذلك , لأنّ في بقيّة الخبر اسمه لبيدُ ربِّه، وجزم العسكريّ بأنّ اسمه كنيته.
وبعكك بموحّدةٍ ثمّ مهملة ثمّ كافين بوزن جعفر بن الحارث بن عميلة بن السّبّاق بن عبد الدّار، وكذا نسبه ابن إسحاق.
وقيل: هو ابن بعكك بن الحجّاج بن الحارث بن السّبّاق. نقل ذلك عن ابن الكلبيّ ابنُ عبد البرّ. قال: وكان من المؤلَّفة , وسكن الكوفة، وكان شاعراً.