← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

واستحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات. وكان سبب ذهاب أبي هريرة. أنّه ﷺ كان إذا لقي أحداً من أصحابه ماسحه ودعا له. هكذا رواه النّسائيّ وابن حبّان من حديث حذيفة , فلمّا ظنّ أبو هريرة أنّ الجنب ينجس بالحدث خشي أن يماسحه ﷺ كعادته , فبادر إلى الاغتسال , وإنّما أنكر عليه النّبيّ ﷺ قوله: وأنا على غير طهارة. وفيه استحباب استئذان التّابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه؛ لقوله " أين كنت؟ " فأشار إلى أنّه كان ينبغي له أن لا يفارقه حتّى يعلمه. وفيه استحباب تنبيه المتبوع لتابعه على الصّواب وإن لَم يسأله. وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أوّل وقت وجوبه , وبوّب عليه ابن حبّان " الرّدّ على من زعم أنّ الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أنّ ماء البئر ينجس ". واستدل به البخاريّ على طهارة عَرَقِ الجنب؛ لأنّ بدنه لا ينجس بالجنابة فكذلك ما تحلب منه. وعلى جواز تصرّف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: يحتجم الجنب، ويُقلِّم أظفاره، ويحلق رأسه، ويَطلي بالنورة. وإن لم يتوضأ. وقد خالف عطاءً غيرُه كما رواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصري وغيره , فقالوا: يستحب له الوضوء.

стр. 282

وحديث أنس , أنَّ نبي الله ﷺ كان يطوف على نسائه، في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة. يقوِّي اختيار عطاء , لأنه لم يذكر فيه أنه توضأ. فكأنَّ البخاري (١) أورده ليستدلَّ له لا ليستدلَّ به.

стр. 283

الحديث الثاني والثلاثون ٣٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النّبيّ ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه , ثمّ توضّأ وضوءه للصّلاة , ثمّ اغتسل , ثمّ يُخلِّل بيديه شعره , حتّى إذا ظنّ أنّه قد أَرْوى بشرته , أفاض عليه الماء ثلاث مرّاتٍ , ثمّ غسل سائر جسده. (١) تمهيد: قال الشّافعيّ ﵀ في الأمّ: فرض الله تعالى الغسل مطلقاً لَم يذكر فيه شيئاً يبدأ به قبل شيء , فكيفما جاء به المغتسل أجزأه إذا أتى بغسل جميع بدنه. والاختيار في الغسل ما روت عائشة , ثمّ روى حديث الباب عن مالكٍ عن هشام عن أبيه عن عائشة , وهو في الموطّأ كذلك. قال ابن عبد البرّ: هو من أحسن حديث روي في ذلك. قلت: وقد رواه عن هشام - وهو ابن عروة - جماعة من الحفّاظ غير مالكٍ , كما سنشير إليه. قوله: (كان إذا اغتسل) أي: شرع في الفعل و " من " في قوله " من الجنابة " سببيّة. قوله: (غسل يديه) وللبخاري " بدأ فغسل يديه ".

стр. 284

يحتمل: أن يكون غسلهما للتّنظيف ممّا بهما من مستقذرٍ , وسيأتي في حديث ميمونة تقوية ذلك. ويحتمل: أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النّوم. ويدلّ عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام " قبل أن يدخلهما في الإناء " رواه الشّافعيّ والتّرمذيّ. وزاد أيضاً " ثمّ يغسل فرجه " وكذا لمسلمٍ من رواية أبي معاوية , ولأبي داود من رواية حمّاد بن زيد كلاهما عن هشام. وهي زيادةٌ جليلةٌ؛ لأنّ بتقديم غسله يحصل الأمن من مسّه في أثناء الغسل. قوله: (يتوضّأ وضوءه للصّلاة) فيه احتراز عن الوضوء اللّغويّ. ويحتمل: أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنّة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقيّة الجسد في الغسل. ويحتمل: أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نيّة غسل الجنابة في أوّل عضوٍ. وإنّما قدّم غسل أعضاء الوضوء تشريفاً لها , ولتحصل له صورة الطّهارتين الصّغرى والكبرى , وإلى هذا جنح الدّاوديّ شارح المختصر من الشّافعيّة , فقال: يقدّم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء , لكن بنيّة غسل الجنابة. ونقل ابن بطّالٍ الإجماع على أنّ الوضوء لا يجب مع الغسل. وهو مردودٌ. فقد ذهب جماعة منهم أبو ثورٍ وداود وغيرهما إلى أنّ

стр. 285

الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. قوله: (ثم يُخلِّل بيديه) وللبخاري " ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها " أي: بأصابعه التي أدخلها في الماء. ولمسلم " ثمّ يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشّعر " وللتّرمذيّ والنّسائيّ من طريق أبي عيينة " ثمّ يشرّب شعره الماء ". قوله: (شعره) وفي رواية لهما " أصول الشعر " أي: شعر رأسه , ويدلّ عليه رواية حمّاد بن سلمة عن هشام عند البيهقيّ " يخلِّل بها شقّ رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشّعر , ثمّ يفعل بشقّ رأسه الأيسر كذلك ". وقال القاضي عياض: احتجّ به بعضهم على تخليل شعر الجسد في الغسل , إمّا لعموم قوله " أصول الشّعر " , وإمّا بالقياس على شعر الرّأس , وفائدة التّخليل إيصال الماء إلى الشّعر والبشرة ومباشرة الشّعر باليد ليحصل تعميمه بالماء , وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصّبّ ما تتأذّى به. ثمّ هذا التّخليل غير واجب اتّفاقاً , إلاَّ إن كان الشّعر ملبّداً بشيءٍ يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله، والله أعلم. قوله: (إذا ظنّ) يحتمل: أن يكون على بابه ويكتفى فيه بالغلبة. ويحتمل: أن يكون بمعنى علم. قوله: (أروى) هو فعلٌ ماضٍ من الإرواء , يقال: أرواه إذا جعله ريّاناً , والمراد بالبشرة هنا ما تحت الشّعر.

стр. 286

قوله: (أفاض عليه) أي: على شعره. والإفاضة الإسالة. واستدل به من لَم يشترط الدّلك وهو ظاهرٌ. وقال المازريّ: لا حجّة فيه؛ لأنّ أفاض بمعنى غسل، والخلاف في الغسل قائم. قلت: ولا يخفى ما فيه. والله أعلم. وقال القاضي عياض: لَم يأت في شيءٍ من الرّوايات في وضوء الغسل ذكر التّكرار. قلت: بل ورد ذلك من طريقٍ صحيحةٍ أخرجها النّسائيّ والبيهقيّ من رواية أبي سلمة عن عائشة , أنّها وصفت غسل رسول الله ﷺ من الجنابة. الحديث، وفيه: ثمّ يتمضمض ثلاثاً , ويستنشق ثلاثاً , ويغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً , ثمّ يفيض على رأسه ثلاثاً. قوله: (ثلاث مرات) وللبخاري " ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه " بضمّ المعجمة وفتح الرّاء جمع غرفةٍ , وهي قدر ما يغرف من الماء بالكفّ , وللكشميهنيّ " ثلاث غرفات " وهو المشهور في جمع القلة. وفيه استحباب التّثليث في الغسل قال النّوويّ: ولا نعلم فيه خلافاً إلاَّ ما تفرّد به الماورديّ. فإنّه قال: لا يستحبّ التّكرار في الغسل. قلت: وكذا قال الشّيخ أبو عليّ السّنجيّ في شرح الفروع , وكذا قال القرطبيّ. وحمل التّثليث في هذه الرّواية على رواية القاسم عن

стр. 287

عائشة في الصحيحين , قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، دعا بشيءٍ نحو الحلاب فأخذ بكفّه، بدأ بشقّ رأسه الأيمن، ثمّ الأيسر، ثمّ أخذ بكفّيه، فقال بهما على رأسه " فإنّ مقتضاها أنّ كل غرفةٍ كانت في جهةٍ من جهات الرّأس. وسيأتي في آخر الكلام على حديث ميمونة زيادة في هذه المسألة. قوله: (ثمّ غسل سائر جسده) أي: بقيّة جسده , وللبخاري " على جلده كلّه " وهذا التّأكيد يدلّ على أنّه عمّم جميع جسده بالغسل بعدما تقدّم , وهو يؤيّد الاحتمال الأوّل , أنّ الوضوء سنّةٌ مستقلة قبل الغسل , وعلى هذا فينوي المغتسل الوضوء إن كان محدثاً وإلا فسنّة الغسل. واستدل بهذا الحديث. على استحباب إكمال الوضوء قبل الغسل , ولا يؤخّر غسل الرّجلين إلى فراغه , وهو ظاهرٌ من قولها " كما يتوضّأ للصّلاة " وهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من هذا الوجه. لكن رواه مسلم من رواية أبي معاوية عن هشام فقال في آخره " ثمّ أفاض على سائر جسده , ثمّ غسل رجليه ". وهذه الزّيادة تفرّد بها أبو معاوية دون أصحاب هشامٍ. قال البيهقيّ: هي غريبةٌ صحيحةٌ. قلت: لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقالٌ. نعم. له شاهدٌ من رواية أبي سلمة عن عائشة. أخرجه أبو داود الطّيالسيّ. فذكر حديث الغسل كما تقدّم عند النّسائيّ , وزاد في آخره

стр. 288

" فإذا فرغ غسل رجليه ". فإمّا أن تُحمل الرّوايات عن عائشة على أنّ المراد بقولها " وضوءه للصّلاة " أي: أكثره , وهو ما سوى الرّجلين. أو يُحمل على ظاهره , ويستدلّ برواية أبي معاوية على جواز تفريق الوضوء. ويحتمل: أن يكون قوله في رواية أبي معاوية " ثمّ غسل رجليه " أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء , فيوافق قوله " ثمّ يفيض على جلده كلّه "

стр. 289

الحديث الثالث والثلاثون ٣٣ - عن عائشة كانت تقول: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ , نَغْترفُ منه جميعاً. (١) قوله: (أنا ورسول الله) يحتمل: أن يكون مفعولاً معه , ويحتمل: أن يكون عطفاً على الضّمير. وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب لكونها هي السّبب في الاغتسال , فكأنّها أصلٌ في الباب. قوله: (من إناءٍ واحدٍ) وللبخاري عن الأسود عنها " كلانا جنب " ولمسلم عن أبي سلمة عنها " ونحن جنبان " وللبخاري " من إناء واحد من قدح يقال له الفرَقَ " من الأولى: ابتدائيّة , والثّانية: بيانيّة. ويحتمل: أن يكون " قدح " بدلاً من إناءٍ بتكرار حرف الجرّ. وقال ابن التّين: كان هذا الإناء من شبهٍ - وهو بفتح المعجمة والموحّدة - كما تقدّم توضيحه في صفة الوضوء من حديث عبد الله بن زيد (٢).

стр. 290

وكأنّ مستنده ما رواه الحاكم من طريق حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه ولفظه " تور من شبهٍ ". وقوله " يقال له الفرق " قال ابن التّين: الفرق بتسكين الرّاء ورويناه بفتحها وجوّز بعضهم الأمرين. وقال القتيبيّ وغيره: هو بالفتح. وقال النّوويّ: الفتح أفصح وأشهر، وزعم أبو الوليد الباجيّ أنّه الصّواب , قال: وليس كما قال بل هما لغتان. قلت: لعل مستند الباجيّ ما حكاه الأزهريّ عن ثعلب وغيره: الفرق بالفتح والمحدّثون يسكّنونه، وكلام العرب بالفتح. انتهى. وقد حكى الإسكانَ أبو زيد وابن دريد وغيرهما من أهل اللّغة , والذي في روايتنا هو الفتح. والله أعلم. وحكى ابن الأثير. أنّ الفَرَق بالفتح ستّة عشر رطلاً , وبالإسكان مائة وعشرون رطلاً , وهو غريب. وأمّا مقداره , فعند مسلم في آخر رواية ابن عيينة عن الزّهريّ في هذا الحديث قال سفيان يعني ابن عيينة: الفَرَق ثلاثة آصعٍ. قال النّوويّ: وكذا قال الجماهير. وقيل: الفَرَق صاعان. لكن نقل أبو عبيد الاتّفاق على أنّ الفَرَق ثلاثة آصعٍ , وعلى أنّ الفرق ستّة عشر رطلاً. ولعله يريد اتّفاق أهل اللّغة , وإلاَّ فقد قال بعض الفقهاء من الحنفيّة وغيرهم: إنّ الصّاع ثمانية أرطال.

стр. 291

وتمسّكوا بما روي عن مجاهدٍ في الحديث عن عائشة , أنّه حزَرَ الإناء ثمانية أرطال. والصّحيح الأوّل. فإنّ الحزْرَ لا يُعارَض به التّحديد. وأيضاً فلم يصرّح مجاهد بأنّ الإناء المذكور صاع , فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها. ويؤيّد كون الفرق ثلاثة آصعٍ. ما رواه ابن حبّان من طريق عطاءٍ عن عائشة بلفظ " قدر ستّة أقساط ". والقِسط بكسر القاف. وهو باتّفاق أهل اللّغة نصف صاع , والاختلاف بينهم أنّ الفرق ستّة عشر رطلاً , فصحّ أنّ الصّاع خمسة أرطال وثلث. وتوسّط بعض الشّافعيّة , فقال: الصّاع الذي لِماء الغُسل ثمانية أرطال , والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث. وهو ضعيف. ونقل الطّحاويّ ثمّ القرطبيّ والنّوويّ الاتّفاق على جواز اغتسال الرّجل والمرأة من الإناء الواحد. وفيه نظرٌ، لِمَا حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنّه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البرّ عن قوم، وهذا الحديث حجّة عليهم. ونقل النّوويّ أيضاً الاتّفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرّجل دون العكس. وفيه نظرٌ أيضاً. فقد أثبت الخلاف فيه الطّحاويّ، وثبت عن ابن عمر والشّعبيّ والأوزاعيّ المنع , لكن مقيّداً بما إذا كانت حائضاً.

стр. 292

وأمّا عكسه. فصحّ عن عبد الله بن سرجس الصّحابيّ وسعيد بن المسيّب والحسن البصريّ أنّهما منعوا التّطهّر بفضل المرأة. وبه قال أحمد وإسحاق، لكن قيّداه بما إذا خلت به , لأنّ أحاديث الباب ظاهرة في الجواز إذا اجتمعا. ونقل الميمونيّ عن أحمد: أنّ الأحاديث الواردة في منع التّطهّر بفضل المرأة وفي جواز ذلك مضطربة، قال: لكن صحّ عن عدّة من الصّحابة المنع فيما إذا خلت به، وعورض بصحّة الجواز عن جماعة من الصّحابة منهم ابن عبّاس. والله أعلم وأشهر الأحاديث في ذلك من الجهتين. حديث الحكم بن عمرو الغفاريّ في المنع، وحديث ميمونة في الجواز. أمّا حديث الحكم بن عمرو (١) , فأخرجه أصحاب السّنن وحسّنه التّرمذيّ. وصحَّحه ابن حبّان. وأغرب النّوويّ , فقال: اتّفق الحفّاظ على تضعيفه. وأمّا حديث ميمونة , فأخرجه مسلم (٢)، لكن أعلَّه قوم لتردّدٍ وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال: علمي والذي يخطر على بالي , أنّ

стр. 293

أبا الشّعثاء أخبرني. فذكر الحديث. وقد ورد طريق أخرى بلا تردّد , لكنّ راويها غير ضابط وقد خولف. والمحفوظ ما أخرجه الشّيخان (١) بلفظ: أنّ النّبيّ ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد. وفي المنع أيضاً ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ من طريق حميد بن عبد الرّحمن الحميريّ , قال: لقيت رجلاً صحب النّبيّ ﷺ أربع سنين , فقال: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرّجل , أو يغتسل الرّجل بفضل المرأة , وليغترفا جميعاً. رجاله ثقات، ولَم أقف لمن أعلَّه على حجّة قويّة. ودعوى البيهقيّ: أنّه في معنى المرسل مردودة , لأنّ إبهام الصّحابيّ لا يضرّ، وقد صرّح التّابعيّ بأنّه لقيه. ودعوى ابن حزم: أنّ داود راويه عن حميد بن عبد الرّحمن هو ابن يزيد الأوديّ وهو ضعيف. مردودةٌ، فإنّه ابن عبد الله الأوديّ وهو ثقة، وقد صرّح باسم أبيه أبو داود وغيره. ومن أحاديث الجواز. ما أخرجه أصحاب السّنن والدّارقطنيّ وصحَّحه التّرمذيّ وابن خزيمة وغيرهما من حديث ابن عبّاس عن

стр. 294

ميمونة , قالت: أجنبتُ فاغتسلتُ من جفنة، ففضلتْ فيها فضلة، فجاء النّبيّ ﷺ يغتسل منه، فقلت له , فقال: الماء ليس عليه جنابة , واغتسل منه. لفظ الدّارقطنيّ. وقد أعلّه قومٌ بسماك بن حرب راويه عن عكرمة , لأنّه كان يقبل التّلقين، لكن قد رواه عنه شعبة , وهو لا يحمل عن مشايخه إلاَّ صحيح حديثهم. وقول أحمد: إنّ الأحاديث من الطّريقين مضطربة , إنّما يصار إليه عند تعذّر الجمع، وهو ممكن بأن تحمل أحاديث النّهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطّابيّ. أو يحمل النّهي على التّنزيه جمعاً بين الأدلة. والله أعلم. واستدل به الدّاوديّ. على جواز نظر الرّجل إلى عورة امرأته وعكسه , ويؤيّده ما رواه ابن حبّان من طريق سليمان بن موسى , أنّه سئل عن الرّجل ينظر إلى فرج امرأته , فقال: سألت عطاء , فقال: سألت عائشة. فذكَرتْ هذا الحديث بمعناه " وهو نصٌّ في المسألة. والله أعلم. قوله: (نغترف منه جميعاً) وللبخاري " نغرف " بإسكان المعجمة بعدها راء مكسورة , وله أيضاً " نشرع فيه جميعاً " وفي رواية لهما " تختلف فيه أيدينا " ولمسلمٍ من طريق معاذة عن عائشة " فيبادرني حتّى أقول: دع لي " زاد النّسائيّ " وأبادره حتّى يقول: دعي لي. وفي هذا الحديث جواز اغتراف الجنب من الماء القليل , وأنّ ذلك

стр. 295

لا يمنع من التّطهّر بذلك الماء ولا بما يفضل منه، ويدلّ على أنّ النّهي عن انغماس الجنب في الماء الدّائم إنّما هو للتّنزيه كراهية أن يستقذر لا لكونه يصير نجساً بانغماس الجنب فيه؛ لأنّه لا فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضوٍ من أعضائه. وأمّا توجيه الاستدلال به لترجمة البخاري (باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها , إذا لَم يكن على يده قذرٌ غير الجنابة). فلأنّ الجنب لَمّا جاز له أن يدخل يده في الإناء؛ ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه لتمام الغسل كما في حديث الباب , دلَّ على أنّ الأمر بغسل يده قبل إدخالها ليس لأمرٍ يرجع إلى الجنابة , بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسةٍ متيقّنةٍ أو مظنونة.

стр. 296

الحديث الرابع والثلاثون ٣٤ - عن ميمونة بنت الحارث (١) ﵂ زوج النّبيّ ﷺ , أنّها قالت: وضعتُ (٢) لرسول الله ﷺ وضوءَ الجنابة , فأكفَأَ بيمينه على يساره مرّتين أو ثلاثاً ثمّ غسل فرجه , ثمّ ضرب يده بالأرض , أو الحائط , مرّتين أو ثلاثاً ثمّ تمضمض واستنشق , وغسل وجهه وذراعيه , ثمّ أفاض على رأسه الماء , ثمّ غسل جسده , ثمّ تنحّى , فغسل رجليه. فأتيته بِخِرْقةٍ فلم يُرِدْها , فجعل ينفض الماء بيده. (٣)

стр. 297

قوله: (وضوءَ الجنابة) كذا للأكثر بالإضافة , ولكريمة وضوءاً بالتنوين لجنابة بلام واحدة , وللكشميهني للجنابة , ولرفيقه وضع على البناء للمفعول لرسول الله بزيادة اللام. أي: لأجله. وضوء بالرفع والتنوين. وللبخاري " صببت للنبي ﷺ غسلاً " بضم أوّله. أي ماء الاغتسال. كما في رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عند البخاري " ماءً الغسل " قوله: (فأكفأ) أي: قَلَبَ قوله: (مرتين أو ثلاثاً) الشّكّ من الأعمش كما عند البخاري من رواية أبي عوانة عنه عن سالم " فغسلها مرّةً أو مرّتين قال: سليمان لا أدري، أذكر الثّالثة أم لا " , وفاعل " أذكر " سالم بن أبي الجعد. وفي رواية عبد الواحد وغيره عن الأعمش " فغسل يديه مرّتين أو ثلاثاً " ولابن فضيلٍ عن الأعمش " فصبّ على يديه ثلاثاً " ولَم يشكّ , أخرجه أبو عوانة في " مستخرجه ". فكأنّ الأعمش كان يشكّ فيه ثمّ تذكّر فجزم؛ لأنّ سماع ابن فضيلٍ

стр. 298

منه متأخّر. وغفل الكرمانيّ , فقال: الشّكّ من ميمونة. قوله: (ثم غسل فرجه) زاد البخاري " وما أصابه من أذى " , وله أيضاً " فغسل مذاكيره " وهو جمع ذكرٍ على غير قياس , وقيل: واحده مذكار , وكأنّهم فرّقوا بين العضو وبين خلاف الأنثى. قال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له , وقيل: واحده مذكار. وقال ابن خروف: إنّما جمعه مع أنّه ليس في الجسد إلاَّ واحد , بالنّظر إلى ما يتّصل به , وأطلق على الكل اسمه , فكأنّه جعل كل جزءٍ من المجموع كالذّكر في حكم الغسل. قوله: (ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط) وللبخاري " ثم دلك يده بالأرض " ولمسلم " فدلكها دلكاً شديداً ". قوله: (ثمّ غسل جسده) قال ابن بطال: حديث عائشة الذي في الباب قبله أليق بالترجمة (١)؛ لأن فيه " ثم غسل سائر جسده " وأما حديث الباب ففيه " ثم غسل جسده " فدخل في عمومه مواضع الوضوء. فلا يطابق قوله " ولم يعد غسل مواضع الوضوء ". وأجاب ابن المنير: بأن قرينة الحال والعُرف من سياق الكلام يخص أعضاء الوضوء. فإن تقديم غسل أعضاء الوضوء وعرف الناس من مفهوم الجسد إذا أطلق بعده يعطي ذلك. انتهى.

стр. 299

ولا يخفى تكلّفه. وأجاب ابن التين: بأنَّ مراد البخاري أن يبين أنَّ المراد بقوله في هذه الرواية " ثم غسل جسده " أي ما بقي من جسده بدليل الرواية الأخرى. وهذا فيه نظر؛ لأن هذه القصة غير تلك القصة كما قدمنا في أوائل الغسل. وقال الكرماني: لفظ " جسده " شامل لجميع أعضاء البدن فيُحمل عليه الحديث السابق , أو المراد هنا بسائر جسده. أي باقيه بعد الرأس لا أعضاء الوضوء. قلت: ومِن لازم هذا التقدير أنَّ الحديث غير مطابق للترجمة. والذي يظهر لي أنَّ البخاري حمل قوله " ثم غسل جسده " على المجاز. أي: ما بقي بعدما تقدم ذكره , ودليل ذلك قوله بعد " فغسل رجليه " إذ لو كان قوله " غسل جسده " محمولاً على عمومه لم يحتج لغسل رجليه ثانياً؛ لأن غسلهما كان يدخل في العموم. وهذا أشبه بتصرفات البخاري , إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى. واستنبط ابن بطال من كونه لم يعد غسل مواضع الوضوء. إجزاء غسل الجمعة عن غسل الجنابة وإجزاء الصلاة بالوضوء المجدد لِمن تبيَّن أنه كان قبل التجديد محدثاً. والاستنباط المذكور مبنيٌ عنده على أنَّ الوضوء الواقع في غسل الجنابة سنة وأجزأ مع ذلك عن غسل تلك الأعضاء بعده. وهي

стр. 300

دعوى مردودة؛ لأن ذلك يختلف باختلاف النية. فمَن نوى غسل الجنابة وقدم أعضاء الوضوء لفضيلته ثم غسله وإلاَّ فلا يصح البناء المذكور، والله أعلم. قوله: (ثمّ تنحّى , فغسل رجليه) وللبخاري " توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصّلاة غير رجليه " فيه التّصريح بتأخير الرّجلين في وضوء الغسل , وهو مخالفٌ لظاهر رواية عائشة. ويمكن الجمع بينهما , إمّا بحمل رواية عائشة على المجاز كما تقدّم , وإمّا بحمله على حالةٍ أخرى. وبحسب اختلاف هاتين الحالتين. اختلف نظرُ العلماء. القول الأول: ذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرّجلين في الغسل. القول الثاني: عن مالكٍ إن كان المكان غير نظيفٍ , فالمستحبّ تأخيرهما , وإلاَّ فالتّقديم. وعند الشّافعيّة في الأفضل قولان. قال النّوويّ: أصحّهما وأشهرهما ومختارهما , أنّه يكمل وضوءه , قال: لأنّ أكثر الرّوايات عن عائشة وميمونة كذلك. انتهى. كذا قال , وليس في شيءٍ من الرّوايات عنهما التّصريح بذلك , بل هي إمّا محتملة كرواية " توضّأ وضوءه للصّلاة " أو ظاهرة تأخيرهما

стр. 301

كرواية أبي معاوية المتقدّمة (١) , وشاهدها من طريق أبي سلمة , ويوافقها أكثر الرّوايات عن ميمونة , أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب , وراويها مقدّم في الحفظ والفقه على جميع مَن رواه عن الأعمش. وقول مَن قال " إنّما فعل ذلك مرّةً لبيان الجواز " متعقّبٌ: فإنّ في رواية أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش ما يدلّ على المواظبة، ولفظه " كان إذا اغتسل من الجنابة , يبدأ فيغسل يديه , ثمّ يفرغ بيمينه على شماله , فيغسل فرجه " فذكر الحديث وفي آخره " ثمّ يتنحّى فيغسل رجليه ". قال القرطبيّ: الحكمة في تأخير غسل الرّجلين , ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء. قوله: (فلم يُرِدْها) ضمّ أوّله وإسكان الدّال من الإرادة , والأصل " يريدها " لكن جُزم بلم. ومَن قالها بفتح أوّله وتشديد الدّال فقد صحّف وأفسد المعنى , وقد حكى في المطالع , أنّها رواية ابن السّكن قال: وهي وهمٌ. وقد رواه الإمام أحمد عن عفّان عن أبي عوانة بهذا الإسناد , وقال في آخره , فقال: هكذا. وأشار بيده أن لا أريدها. وللبخاري في رواية أبي حمزة عن الأعمش " فناولته ثوباً فلم يأخذه " والله أعلم.

стр. 302

واستدل البخاريّ بحديث ميمونة هذا. على جواز تفريق الوضوء , وهو قول الشّافعيّ في الجديد. واحتجّ له بأنّ الله تعالى أوجب غسل أعضائه , فمن غسلها فقد أتى بما وجب عليه فرّقها أو نسقها. ثمّ أيّد ذلك بفعل ابن عمر (١). وبذلك قال ابن المسيّب وعطاء وجماعة. وقال ربيعة ومالك: من تعمّد ذلك فعليه الإعادة , ومن نسي فلا. وعن مالكٍ. إن قرب التّفريق بَنى , وإن طال أعاد. وقال قتادة والأوزاعيّ: لا يعيد إلاَّ إن جفّ. وأجازه النّخعيّ مطلقاً في الغسل دون الوضوء. ذكر جميع ذلك ابن المنذر , وقال: ليس مع من جعل الجفاف حدّاً لذلك حجّة. وقال الطّحاويّ: الجفاف ليس بحدثٍ فينقض , كما لو جفّ جميع أعضاء الوضوء لَم تبطل الطّهارة. واستدل به أيضاً على استحباب الإفراغ باليمين على الشّمال

стр. 303

للمغترف من الماء , لقوله في رواية أبي عوانة وحفصٍ وغيرهما " ثمّ أفرغ بيمينه على شماله " وعلى مشروعيّة المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة , لقوله فيها " ثمّ تمضمض واستنشق " , وتمسّك به الحنفيّة للقول بوجوبهما. وتعقّب: بأنّ الفعل المجرّد لا يدلّ على الوجوب إلاَّ إذا كان بياناً لمجملٍ تعلق به الوجوب , وليس الأمر هنا كذلك (١). قاله ابن دقيق العيد. وعلى استحباب مسح اليد بالتّراب من الحائط أو الأرض , لقوله في الرّوايات المذكورة " ثمّ دلك يده بالأرض أو بالحائط " قال ابن دقيق العيد: وقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلةٍ واحدةٍ لإزالة النّجاسة والغسل من الجنابة؛ لأنّ الأصل عدم التّكرار وفيه خلاف. انتهى. وصحّح النّوويّ وغيره , أنّه يجزئ , لكن لَم يتعيّن في هذا الحديث أنّ ذلك كان لإزالة النّجاسة , بل يحتمل أن يكون للتّنظيف فلا يدلّ على الاكتفاء , وأمّا دلك اليد بالأرض فللمبالغة فيه , ليكون أنقى. كما قال البخاريّ.

стр. 304

وأبعد من استدل به على نجاسة المنيّ (١) , أو على نجاسة رطوبة الفرج؛ لأنّ الغسل ليس مقصوراً على إزالة النّجاسة. وقوله في حديث الباب " وما أصابه من أذىً " ليس بظاهرٍ في النّجاسة أيضاً. واستدل به البخاريّ أيضاً على أنّ الواجب في غسل الجنابة مرّة واحدة , وعلى أنّ من توضّأ بنيّة الغسل , أكمل باقي أعضاء بدنه , لا يشرع له تجديد الوضوء من غير حدثٍ. وعلى جواز نفض اليدين من ماء الغسل وكذا الوضوء. وفيه حديثٌ ضعيفٌ أورده الرّافعيّ وغيره. ولفظه: لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنّها مراوح الشّيطان. وقال ابن الصّلاح: لَم أجده. وتبعه النّوويّ. وقد أخرجه ابن حبّان في " الضّعفاء " , وابن أبي حاتم في " العلل " من حديث أبي هريرة , ولو لَم يعارضه هذا الحديث الصّحيح لَم يكن صالحاً أن يحتجّ به. وعلى استحباب التّستّر في الغسل , ولو كان في البيت , وقد عقد البخاري لكل مسألة باباً. وأخرج هذا الحديث فيه بمغايرة الطّرق , ومدارها على الأعمش. وعند بعض الرّواة عنه ما ليس عند الآخر (٢) , وقد جمعت فوائدها في هذا الحديث.

стр. 305

وفي الحديث من الفوائد أيضاً. جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل والوضوء , لقولها في رواية حفص وغيره " وضعت لرسول الله ﷺ غسلاً " وفي رواية عبد الواحد " ما يغتسل به ". وفيه خدمة الزّوجات لأزواجهنّ , وفيه الصّبّ باليمين على الشّمال لغسل الفرج بها. وفيه تقديم غسل الكفّين على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف , لئلا يدخلهما في الماء وفيهما ما لعله يستقذر , فأمّا إذا كان الماء في إبريقٍ مثلاً فالأولى تقديم غسل الفرج لتوالي أعضاء الوضوء. ولَم يقع في شيءٍ من طرق هذا الحديث التّنصيص على مسح الرّأس في هذا الوضوء , وتمسّك به المالكيّة لقولهم: إنّ وضوء الغسل لا يمسح فيه الرّأس , بل يُكتفى عنه بغسله. واستدل بعضهم بقولها في رواية أبي حمزة وغيره " فناولتُه ثوباً فلم يأخذه " على كراهة التّنشيف بعد الغسل. ولا حجّة فيه؛ لأنّها واقعة حالٍ يتطرّق إليها الاحتمال. فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمرٍ آخر لا يتعلق بكراهة التّنشيف , بل لأمرٍ يتعلق بالخرقة , أو لكونه كان مستعجلاً أو غير ذلك. قال المُهلَّب: يحتمل تركه الثّوب؛ لإبقاء بركة الماء , أو للتّواضع , أو لشيءٍ رآه في الثّوب من حريرٍ أو وسخ. وقد وقع عند أحمد والإسماعيليّ من رواية أبي عوانة في هذا الحديث

стр. 306

عن الأعمش قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيم النّخعيّ , فقال: لا بأس بالمنديل , وإنّما ردّه مخافة أن يصير عادة. وقال التّيميّ في شرحه: في هذا الحديث دليل على أنّه كان يتنشّف , ولولا ذلك لَم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدلّ على أن لا كراهة في التّنشيف؛ لأنّ كلاً منهما إزالة. وقال النّوويّ: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه. أشهرها: أنّ المستحبّ تركه , وقيل: مكروه , وقيل: مباحٌ , وقيل: مستحبّ , وقيل: مكروه في الصّيف مباح في الشّتاء. واستدل به على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهّر , خلافاً لمن غلا من الحنفيّة فقال بنجاسته. تكميل: قال البخاري (باب الغسل مرة واحدة) ثم ذكر الحديث. قال بن بطال: يستفاد ذلك من قوله " ثم أفاض على جسده " لأنه لم يقيد بعدد فيُحمل على أقلّ ما يُسمى. وهو المرة الواحدة , لأنَّ الأصل عدم الزيادة عليها. انتهى تكميل آخر: زاد البخاري في آخره من طريق سفيان عن الأعمش (هذه غسله من الجنابة). قوله " هذه غسله " الإشارة إلى الأفعال المذكورة , أو التقدير هذه صفة غسله , وللكشميهني " هذا غسله " وهو ظاهر. وأشار الإسماعيلي إلى أنَّ هذه الجملة الأخيرة مُدرجة من قول سالم

стр. 307

بن أبي الجعد , وأن زائدة بن قدامة بيَّن ذلك في روايته عن الأعمش. انتهى (١)

стр. 308

الحديث الخامس والثلاثون ٣٥ - عن عبد الله بن عمر , أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ , قال: يا رسولَ الله , أيرقدُ أحدنا وهو جنبٌ؟ قال: نعم , إذا توضّأ أحدكم فليَرقُد. (١) قوله: (عن عبد الله بن عمر , أنَّ عمر) ظاهره أنّ ابن عمر حضر هذا السّؤال , فيكون الحديث من مسنده , وهو المشهور من رواية نافع. وروي عن أيّوب عن نافعٍ عن ابن عمر عن عمر أنّه قال: يا رسولَ الله. أخرجه النّسائيّ. وعلى هذا فهو من مسند عمر. وكذا رواه مسلم من طريق يحيى القطّان عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عن ابن عمر عن عمر , لكن ليس في هذا الاختلاف ما يقدح في صحّة الحديث. (٢)

стр. 309

قوله: (إذا توضأ) ولهما. وللفظ لمسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضّأ وضوءه للصّلاة " أي: توضّأ وضوءاً كما للصّلاة , وليس المعنى أنّه توضّأ لأداء الصّلاة , وإنّما المراد توضّأ وضوءاً شرعيّاً لا لغويّاً. قوله: (إذا توضّأ أحدكم فليرقد) ولهما " توضأ واغسل ذكرك , ثم نَم " وفي رواية أبي نوح عن مالك عند النسائي " اغسل ذكرك , ثمّ توضّأ , ثمّ نَم " وهو يردّ على من حمله على ظاهره , فقال: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذّكر؛ لأنّه ليس بوضوءٍ يرفع الحدث , وإنّما هو للتّعبّد , إذ الجنابة أشدّ من مسّ الذّكر. فتبيّن من رواية أبي نوح , أنّ غسله مقدّم على الوضوء , ويمكن أن يؤخذ عنه بشرط أن لا يمسّه على القول بأنّ مسّه ينقض. وقال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بصيغة الأمر وجاء بصيغة الشّرط , وهو مُتمسّكٌ لِمَن قال بوجوبه. وقال ابن عبد البرّ: ذهب الجمهور إلى أنّه للاستحباب , وذهب أهل الظّاهر إلى إيجابه. وهو شذوذ. وقال ابن العربيّ: قال مالك والشّافعيّ: لا يجوز للجنب أن ينام

стр. 310

قبل أن يتوضّأ. واستنكر بعض المتأخّرين هذا النّقل , وقال: لَم يقل الشّافعيّ بوجوبه , ولا يعرف ذلك أصحابه. وهو كما قال , لكنّ كلام ابن العربيّ محمولٌ على أنّه أراد نفي الإباحة المستوية الطّرفين لا إثبات الوجوب. أو أراد بأنّه واجب وجوب سنّة , أي متأكّد الاستحباب , ويدلّ عليه أنّه قابله بقول ابن حبيب: هو واجبٌ وجوب الفرائض , وهذا موجود في عبارة المالكيّة كثيراً. وأشار ابن العربيّ إلى تقوية قول ابن حبيب، وبوّب عليه أبو عوانة في صحيحه " إيجاب الوضوء عن الجنب إذا أراد النّوم " ثمّ استدل بعد ذلك هو وابن خزيمة على عدم الوجوب بحديث ابن عبّاس مرفوعاً: إنّما أُمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصّلاة. وقد قدح في هذا الاستدلال ابنُ رُشد المالكيّ , وهو واضح. ونقل الطّحاويّ عن أبي يوسف , أنّه ذهب إلى عدم الاستحباب. وتمسّك بما رواه أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة ﵂ , أنّه ﷺ كان يجنب , ثمّ ينام , ولا يمسّ ماءً. رواه أبو داود وغيره. وتعقّب: بأنّ الحفّاظ قالوا: إنّ أبا إسحاق غلط فيه. (١) وبأنّه لو

стр. 311

صحّ حمل على أنّه ترك الوضوء لبيان الجواز , لئلا يعتقد وجوبه. أو أنّ معنى قوله " لا يمسّ ماءً " أي: للغسل. وأورد الطّحاويّ من الطّريق المذكورة عن أبي إسحاق ما يدلّ على ذلك , ثمّ جنح الطّحاويّ إلى أنّ المراد بالوضوء التّنظيف. واحتجّ بأنّ ابن عمر راوي الحديث وهو صاحب القصّة " كان يتوضّأ وهو جنبٌ , ولا يغسل رجليه " كما رواه مالك في " الموطّأ "

стр. 312

عن نافع. وأجيب: بأنّه ثبت تقييد الوضوء بالصّلاة من روايته , ومن رواية عائشة كما تقدّم فيعتمد , ويُحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه على أنّ ذلك كان لعذر. وقال جمهور العلماء: المراد بالوضوء هنا الشّرعيّ. والحكمة فيه. أنّه يخفّف الحدث , ولا سيّما على القول بجواز تفريق الغسل , فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصّحيح. ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ رجاله ثقات عن شدّاد بن أوس الصّحابيّ قال: إذا أجنب أحدكم من الليل , ثمّ أراد أن ينام فليتوضّأ , فإنّه نصف غسل الجنابة. وقيل: الحكمة فيه. أنّه إحدى الطّهارتين , فعلى هذا يقوم التيمّم مقامه. وقد روى البيهقيّ بإسنادٍ حسنٍ عن عائشة , أنّه ﷺ كان إذا أجنب , فأراد أن ينام توضّأ أو تيمّم. ويُحتمل: أن يكون التّيمّم هنا عند عسر وجود الماء. وقيل: الحكمة فيه. أنّه ينشط إلى العود (١) أو إلى الغُسل فيبيت على

стр. 313

طهارة كاملة. وقال ابن دقيق العيد: نصّ الشّافعيّ ﵀ على أنّ ذلك ليس على الحائض؛ لأنّها لو اغتسلت لَم يرتفع حدثها بخلاف الجنب , لكن إذا انقطع دمها استحبّ لها ذلك. وفي الحديث أنّ غسل الجنابة ليس على الفور , وإنّما يتضيّق عند القيام إلى الصّلاة واستحباب التّنظيف عند النّوم. قال ابن الجوزيّ: والحكمة فيه. أنّ الملائكة تبعد عن الوسخ والرّيح الكريهة بخلاف الشّياطين , فإنّها تقرب من ذلك. والله أعلم. ومطابقة الحديث لترجمة البخاري (باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل) من جهة أنّ جواز رقاد الجنب في البيت يقتضي جواز استقراره فيه يقظان لعدم الفرق , أو لأنّ نومه يستلزم الجواز لحصول اليقظة بين وضوئه ونومه , ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير. قيل: أشار البخاري بهذه التّرجمة إلى تضعيف ما ورد عن عليٍّ مرفوعاً: إنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ ولا جنبٌ. رواه أبو داود وغيره. وفيه نُجي - بضمّ النّون وفتح الجيم - الحضرميّ. ما روى عنه غير ابنه عبد الله فهو مجهول , لكن وثّقه العجليّ. وصحّح حديثَه ابنُ حبّان والحاكم.

стр. 314

فيحتمل كما قال الخطّابيّ. أنّ المراد بالجنب من يتهاون بالاغتسال , ويتّخذ تركه عادةً لا من يؤخّره ليفعله قال: ويقوّيه , أنّ المراد بالكلب غير ما أذن في اتّخاذه , وبالصّورة ما فيه روح وما لا يمتهن. قال النّوويّ: وفي الكلب نظرٌ. انتهى. ويحتمل: أن يكون المراد بالجنب في حديث عليٍّ من لَم يرتفع حدثه كلّه ولا بعضه , وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنّه إذا توضّأ ارتفع بعضُ حدثِه على الصّحيح كما تقدَّم تصويره.

стр. 315

الحديث السادس والثلاثون ٣٦ - عن أمّ سلمة ﵂ زوج النّبيّ ﷺ , قالت: جاءت أمّ سليمٍ امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ , فقالت: يا رسولَ الله , إنّ الله لا يستحيي من الحقّ , فهل على المرأة من غُسلٍ إذا هي احتَلَمتْ؟ , فقال رسول الله ﷺ : نعم , إذا رأتِ الماء. (١) قوله: (عن أمّ سلمة) هي هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين. (٢)

стр. 316

قوله: (جاءت أم سليم) هي بنت ملحان والدة أنس بن مالك. وقد سألتْ عن هذه المسألة أيضاً خولة بنت حكيم عند أحمد والنّسائيّ وابن ماجه , وفي آخره " كما ليس على الرّجل غسل إذا رأى ذلك , فلم ينزل " , وسهلة بنت سهيل عند الطّبرانيّ , وبسرة بنت صفوان عند ابن أبي شيبة. قوله: (إنّ الله لا يستحيي من الحقّ) قدّمتْ هذا القول تمهيداً لعذرها في ذكر ما يُستحى منه. والمراد بالحياء هنا. معناه اللّغويّ إذ الحياء الشّرعيّ خير كلّه , وهو الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود. وأمّا ما يقع سبباً لترك أمر شرعيّ فهو مذموم، وليس هو بحياءٍ شرعيّ، وإنّما هو ضعف ومهانة، وهو المراد بقول مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيٍ. (١) وهو بإسكان الحاء. و " لا " في كلامه نافية لا ناهية؛ ولهذا كانت ميم يتعلم مضمومة، وكأنّه أراد تحريض المتعلمين على ترك العجز والتّكبّر لِمَا يؤثّر كلّ منهما من النّقص في التّعليم. والحياء لغة: تغيّر وانكسار , وهو مستحيلٌ في حقّ الله تعالى , فيُحمل هنا على أنّ المراد , أنّ الله لا يأمر بالحياء في الحقّ , أو لا يمنع

стр. 317

من ذكر الحقّ. وقد يقال إنّما يحتاج إلى التّأويل في الإثبات (١) ولا يشترط في النّفي أن يكون ممكناً , لكن لَمّا كان المفهوم يقتضي أنّه يستحيي من غير الحقّ عاد إلى جانب الإثبات , فاحتيج إلى تأويله. قاله ابن دقيق العيد. قوله: (هل على المرأة من غسل) " من " زائدة , وقد سقطت في رواية البخاري في الأدب. (٢) قوله: (احتلَمَتْ) الاحتلام افتعال من الحلم - بضمّ المهملة وسكون اللام - وهو ما يراه النّائم في نومه , يقال: منه حلم بالفتح واحتلم , والمراد به هنا أمر خاصّ منه وهو الجماع. وفي رواية أحمد من حديث أمّ سليمٍ , أنّها قالت: يا رسولَ الله إذا رأت المرأة أنّ زوجها يجامعها في المنام. أتغتسل؟. وفيه الرّدّ على من منع من الاحتلام في حقّ المرأة دون الرّجل. كما حكاه ابن المنذر وغيره عن إبراهيم النّخعيّ , واستبعد النّوويّ في " شرح المهذّب " صحّته عنه. لكن رواه ابن أبي شيبة عنه. بإسنادٍ جيّدٍ.

стр. 318

قوله: (إذا رأتِ الماء) أي: المنيّ بعد الاستيقاظ , وفي رواية الحميديّ عن سفيان عن هشام " إذا رأت إحداكنّ الماء فلتغتسل. وزاد. فقالت أمّ سلمة: وهل تحتلم المرأة؟ " وكذلك روى هذه الزّيادة أصحاب هشامٍ عنه غير مالكٍ فلم يذكرها. وقد أخرجه البخاري من رواية أبي معاوية عن هشام , وفيه " أَوَتحتلم المرأة؟ " وهو معطوفٌ على مقدّرٍ يظهر من السّياق , أي: أترى المرأة الماء وتحتلم؟ وفيه " فغطّت أمّ سلمة وجهها " وللبخاري من رواية يحيى القطّان عن هشام " فضحكت أمّ سلمة ". ويجمع بينهما. بأنّها تبسّمت تعجّباً , وغطّت وجهها حياء. ولمسلمٍ من رواية وكيع عن هشام " فقالت لها: يا أمّ سليمٍ فضحت النّساء " وكذا لأحمد من حديث أمّ سليمٍ. وهذا يدلّ على أنّ كتمان مثل ذلك من عادتهنّ؛ لأنّه يدلّ على شدّة شهوتهنّ للرّجال. وقال ابن بطّالٍ: فيه دليل على أنّ كل النّساء يحتلمن. وعَكَسَه غيره , فقال: فيه دليل على أنّ بعض النّساء لا يحتلمن , والظّاهر أنّ مراد ابن بطّالٍ الجواز لا الوقوع , أي: فيهنّ قابليّة ذلك. وفيه دليلٌ على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال , ونفى ابن بطّالٍ الخلاف فيه , وقد قدّمناه عن النّخعيّ. وكأنّ أمّ سليمٍ لَم تسمع حديث " الماء من الماء " (١) أو سمعِتْه وقام

стр. 319

عندها ما يوهم خروج المرأة عن ذلك , وهو ندور بروز الماء منها. وقد روى أحمد من حديث أمّ سليمٍ في هذه القصّة , أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسولَ الله: وهل للمرأة ماء؟ فقال: هنّ شقائق الرّجال. وروى عبد الرّزّاق في هذه القصّة " إذا رأت إحداكنّ الماء كما يراه الرّجل ". وروى أحمد من حديث خولة بنت حكيم في نحو هذه القصّة " ليس عليها غسل حتّى تُنزل كما يُنزل الرّجل ". وفيه ردٌّ على من زعم أنّ ماء المرأة لا يبرز، وإنّما يعرف إنزالها بشهوتها , وحمل قوله " إذا رأت الماء " أي: علِمت به (١) لأنّ وجود العلم هنا متعذّرٌ. لأنّه إذا أراد به علمها بذلك وهي نائمةٌ فلا يثبت به حكمٌ؛ لأنّ الرّجل لو رأى أنّه جامع , وعلم أنّه أنزل في النّوم ثمّ استيقظ فلم ير بَلَلاً , لَم يجب عليه الغسل اتّفاقاً , فكذلك المرأة. وإن أراد به علمها بذلك بعد أن استيقظت فلا يصحّ؛ لأنّه لا يستمرّ في اليقظة ما كان في النّوم إن كان مشاهداً , فحَمْل الرّؤية على ظاهرها هو الصّواب. وفيه استفتاء المرأة بنفسها , وسياق صور الأحوال في الوقائع الشّرعيّة لِمَا يستفاد من ذلك. وفيه جواز التّبسّم في التّعجّب.

стр. 320

الحديث السابع والثلاثون ٣٧ - عن عائشة ﵂ , قالت: كنت أغسل الجنابةَ من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصّلاة , وإنّ بُقع الماء في ثوبه. (١) وفي لفظٍ لمسلمٍ: لقد كنت أفرُكُه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً , فيُصلِّي فيه. (٢) قوله: (عن عائشة) للبخاري عن سليمان بن يسار قال: سألت عائشة عن المني يصيب الثوب. فذكرت الحديث , ولَم يخرّج البخاريّ حديثَ الفرك , بل اكتفى بالإشارة إليه في التّرجمة (٣) على عادته , لأنّه ورد من حديث عائشة أيضاً كما سنذكره. وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض؛ لأنّ الجمع بينهما واضحٌ على القول بطهارة المنيّ , بأن يُحمل الغسل على الاستحباب للتّنظيف لا على الوجوب , وهذه طريقة الشّافعيّ وأحمد وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته , بأن يُحمل الغسل على ما
следующие страницы →