← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قوله: (جاءت أم سليم) هي بنت ملحان والدة أنس بن مالك. وقد سألتْ عن هذه المسألة أيضاً خولة بنت حكيم عند أحمد والنّسائيّ وابن ماجه , وفي آخره " كما ليس على الرّجل غسل إذا رأى ذلك , فلم ينزل " , وسهلة بنت سهيل عند الطّبرانيّ , وبسرة بنت صفوان عند ابن أبي شيبة. قوله: (إنّ الله لا يستحيي من الحقّ) قدّمتْ هذا القول تمهيداً لعذرها في ذكر ما يُستحى منه. والمراد بالحياء هنا. معناه اللّغويّ إذ الحياء الشّرعيّ خير كلّه , وهو الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود. وأمّا ما يقع سبباً لترك أمر شرعيّ فهو مذموم، وليس هو بحياءٍ شرعيّ، وإنّما هو ضعف ومهانة، وهو المراد بقول مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيٍ. (١) وهو بإسكان الحاء. و " لا " في كلامه نافية لا ناهية؛ ولهذا كانت ميم يتعلم مضمومة، وكأنّه أراد تحريض المتعلمين على ترك العجز والتّكبّر لِمَا يؤثّر كلّ منهما من النّقص في التّعليم. والحياء لغة: تغيّر وانكسار , وهو مستحيلٌ في حقّ الله تعالى , فيُحمل هنا على أنّ المراد , أنّ الله لا يأمر بالحياء في الحقّ , أو لا يمنع

стр. 317

من ذكر الحقّ. وقد يقال إنّما يحتاج إلى التّأويل في الإثبات (١) ولا يشترط في النّفي أن يكون ممكناً , لكن لَمّا كان المفهوم يقتضي أنّه يستحيي من غير الحقّ عاد إلى جانب الإثبات , فاحتيج إلى تأويله. قاله ابن دقيق العيد. قوله: (هل على المرأة من غسل) " من " زائدة , وقد سقطت في رواية البخاري في الأدب. (٢) قوله: (احتلَمَتْ) الاحتلام افتعال من الحلم - بضمّ المهملة وسكون اللام - وهو ما يراه النّائم في نومه , يقال: منه حلم بالفتح واحتلم , والمراد به هنا أمر خاصّ منه وهو الجماع. وفي رواية أحمد من حديث أمّ سليمٍ , أنّها قالت: يا رسولَ الله إذا رأت المرأة أنّ زوجها يجامعها في المنام. أتغتسل؟. وفيه الرّدّ على من منع من الاحتلام في حقّ المرأة دون الرّجل. كما حكاه ابن المنذر وغيره عن إبراهيم النّخعيّ , واستبعد النّوويّ في " شرح المهذّب " صحّته عنه. لكن رواه ابن أبي شيبة عنه. بإسنادٍ جيّدٍ.

стр. 318

قوله: (إذا رأتِ الماء) أي: المنيّ بعد الاستيقاظ , وفي رواية الحميديّ عن سفيان عن هشام " إذا رأت إحداكنّ الماء فلتغتسل. وزاد. فقالت أمّ سلمة: وهل تحتلم المرأة؟ " وكذلك روى هذه الزّيادة أصحاب هشامٍ عنه غير مالكٍ فلم يذكرها. وقد أخرجه البخاري من رواية أبي معاوية عن هشام , وفيه " أَوَتحتلم المرأة؟ " وهو معطوفٌ على مقدّرٍ يظهر من السّياق , أي: أترى المرأة الماء وتحتلم؟ وفيه " فغطّت أمّ سلمة وجهها " وللبخاري من رواية يحيى القطّان عن هشام " فضحكت أمّ سلمة ". ويجمع بينهما. بأنّها تبسّمت تعجّباً , وغطّت وجهها حياء. ولمسلمٍ من رواية وكيع عن هشام " فقالت لها: يا أمّ سليمٍ فضحت النّساء " وكذا لأحمد من حديث أمّ سليمٍ. وهذا يدلّ على أنّ كتمان مثل ذلك من عادتهنّ؛ لأنّه يدلّ على شدّة شهوتهنّ للرّجال. وقال ابن بطّالٍ: فيه دليل على أنّ كل النّساء يحتلمن. وعَكَسَه غيره , فقال: فيه دليل على أنّ بعض النّساء لا يحتلمن , والظّاهر أنّ مراد ابن بطّالٍ الجواز لا الوقوع , أي: فيهنّ قابليّة ذلك. وفيه دليلٌ على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال , ونفى ابن بطّالٍ الخلاف فيه , وقد قدّمناه عن النّخعيّ. وكأنّ أمّ سليمٍ لَم تسمع حديث " الماء من الماء " (١) أو سمعِتْه وقام

стр. 319

عندها ما يوهم خروج المرأة عن ذلك , وهو ندور بروز الماء منها. وقد روى أحمد من حديث أمّ سليمٍ في هذه القصّة , أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسولَ الله: وهل للمرأة ماء؟ فقال: هنّ شقائق الرّجال. وروى عبد الرّزّاق في هذه القصّة " إذا رأت إحداكنّ الماء كما يراه الرّجل ". وروى أحمد من حديث خولة بنت حكيم في نحو هذه القصّة " ليس عليها غسل حتّى تُنزل كما يُنزل الرّجل ". وفيه ردٌّ على من زعم أنّ ماء المرأة لا يبرز، وإنّما يعرف إنزالها بشهوتها , وحمل قوله " إذا رأت الماء " أي: علِمت به (١) لأنّ وجود العلم هنا متعذّرٌ. لأنّه إذا أراد به علمها بذلك وهي نائمةٌ فلا يثبت به حكمٌ؛ لأنّ الرّجل لو رأى أنّه جامع , وعلم أنّه أنزل في النّوم ثمّ استيقظ فلم ير بَلَلاً , لَم يجب عليه الغسل اتّفاقاً , فكذلك المرأة. وإن أراد به علمها بذلك بعد أن استيقظت فلا يصحّ؛ لأنّه لا يستمرّ في اليقظة ما كان في النّوم إن كان مشاهداً , فحَمْل الرّؤية على ظاهرها هو الصّواب. وفيه استفتاء المرأة بنفسها , وسياق صور الأحوال في الوقائع الشّرعيّة لِمَا يستفاد من ذلك. وفيه جواز التّبسّم في التّعجّب.

стр. 320

الحديث السابع والثلاثون ٣٧ - عن عائشة ﵂ , قالت: كنت أغسل الجنابةَ من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصّلاة , وإنّ بُقع الماء في ثوبه. (١) وفي لفظٍ لمسلمٍ: لقد كنت أفرُكُه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً , فيُصلِّي فيه. (٢) قوله: (عن عائشة) للبخاري عن سليمان بن يسار قال: سألت عائشة عن المني يصيب الثوب. فذكرت الحديث , ولَم يخرّج البخاريّ حديثَ الفرك , بل اكتفى بالإشارة إليه في التّرجمة (٣) على عادته , لأنّه ورد من حديث عائشة أيضاً كما سنذكره. وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض؛ لأنّ الجمع بينهما واضحٌ على القول بطهارة المنيّ , بأن يُحمل الغسل على الاستحباب للتّنظيف لا على الوجوب , وهذه طريقة الشّافعيّ وأحمد وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته , بأن يُحمل الغسل على ما

стр. 321

كان رطباً , والفرك على ما كان يابساً , وهذه طريقة الحنفيّة. والطّريقة الأولى أرجح؛ لأنّ فيها العمل بالخبر والقياس معاً؛ لأنّه لو كان نجساً لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدّم وغيره , وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدّم بالفرك. ويردّ الطّريقة الثّانية أيضاً ما في رواية ابن خزيمة من طريقٍ أخرى عن عائشة , كانت تسلت المنيّ من ثوبه بعرق الإذخر , ثمّ يُصلِّي فيه , وتحكّه من ثوبه يابساً , ثمّ يُصلِّي فيه. فإنّه يتضمّن ترك الغسل في الحالتين. وأمّا مالكٌ. فلم يعرف الفرك , وقال: إنّ العمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النّجاسات. وحديث الفرك حجّة عليهم. حمل بعض أصحابه الفرك على الدّلك بالماء , وهو مردودٌ بما في إحدى روايات مسلمٍ عن عائشة: لقد رأيتني وإنّي لأحكّه من ثوب رسول الله ﷺ يابساً بظفري. وبما صحَّحه التّرمذيّ من حديث همّام بن الحارث , أنّ عائشة أنكرتْ على ضيفها غسله الثّوب , فقالت: لِمَ أفسد علينا ثوبنا؟ إنّما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه , فربّما فركْتُه من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي. وقال بعضهم: الثّوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النّوم , والثّوب الذي غسلته ثوب الصّلاة. وهو مردودٌ أيضاً بما في إحدى روايات مسلمٍ من حديثها أيضاً: لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيُصلِّي فيه. وهذا

стр. 322

التّعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلّل الغسل بين الفرك والصّلاة. وأصرح منه رواية ابن خزيمة " أنّها كانت تحكّه من ثوبه ﷺ , وهو يُصلِّي ". وعلى تقدير عدم ورود شيءٍ من ذلك , فليس في حديث الباب ما يدلّ على نجاسة المنيّ؛ لأنّ غسلها فعلٌ , وهو لا يدلّ على الوجوب بمجرّده. والله أعلم. وطعن بعضهم في الاستدلال بحديث الفرك على طهارة المنيّ , بأنّ منيّ النّبيّ ﷺ طاهر دون غيره كسائر فضلاته. والجواب: على تقدير صحّة كونه من الخصائص , أنّ منيّه كان عن جماعٍ , فيخالط منيّ المرأة , فلو كان منيّها نجساً لَم يكتف فيه بالفرك. وبهذا احتجّ الشّيخ الموفّق وغيره على طهارة رطوبة فرجها , قال: ومَن قال إنّ المنيّ لا يسلم من المذي فيتنجّس به لَم يُصب؛ لأنّ الشّهوة إذا اشتدّت خرج المنيّ دون المذي , والبول كحالة الاحتلام. والله أعلم. قوله: (أغسل الجنابة) أي: أثر الجنابة , فيكون على حذف مضافٍ أو أطلق اسم الجنابة على المنيّ مجازاً. قوله: (بقع) بضمّ الموحّدة وفتح القاف جمع بقعة , قال أهل اللّغة: البقع اختلاف اللونين. وفي الحديث جواز سؤال النّساء عمّا يستحى منه لمصلحة تعلّم الأحكام , وفيه خدمة الزّوجات للأزواج.

стр. 323

واستدل به البخاري على أنّ بقاء الأثر بعد زوال العين في إزالة النّجاسة وغيرها لا يضرّ , فلهذا ترجم " باب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره " , وأعاد الضّمير مذكّراً على المعنى , أي: فلم يذهب أثر الشّيء المغسول. ومراده أنّ ذلك لا يضرّ. وذكر في الباب حديث الجنابة , وأَلْحَقَ غيرها بها قياساً. أو أشار بذلك إلى ما رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة , أنّ خولة بنت يسار قالت: يا رسولَ الله ليس لي إلاَّ ثوب واحد , وأنا أحيض فيه. فكيف أصنع؟ قال: إذا طهرتِ فاغسليه , ثمّ صلّي فيه , قالت: فإن لَم يخرج الدّم؟ قال: يكفيك الماء , ولا يضرّك أثره. وفي إسناده ضعفٌ , وله شاهدٌ مرسلٌ ذكره البيهقيّ. والمراد بالأثر ما تعسّر إزالته جمعاً بين هذا وبين حديث أمّ قيس: حكّيه بضلعٍ واغسليه بماء وسدر. أخرجه أبو داود أيضاً وإسناده حسن. ولَمَّا لَم يكن هذا الحديث على شرط البخاري , استنبط من الحديث الذي على شرطه ما يدلّ على ذلك المعنى كعادته.

стр. 324

الحديث الثامن والثلاثون ٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ النّبيّ ﷺ قال: إذا جلس بين شُعَبِها الأربع , ثمّ جَهَدَها , فقد وجب الغسل , وفي لفظٍ لمسلم: وإن لَم يُنزل. (١) قوله: (إذا جلس) الضمير المستتر فيه وفي قوله " جهد " للرّجل , والضّميران البارزان في قوله " شعبها " و " جهدها " للمرأة، وترك إظهار ذلك للمعرفة به، وقد وقع مصرّحاً به في روايةٍ لابن المنذر من وجهٍ آخر عن أبي هريرة قال " إذا غشي الرّجل امرأته فقعد بين شعبها " الحديث. قوله: (شعبها الأربع) الشّعب جمع شعبة , وهي القطعة من الشّيء. قيل: المراد هنا يداها ورجلاها , وقيل: رجلاها وفخذاها , وقيل: ساقاها وفخذاها , وقيل: فخذاها وإسكتاها , وقيل: فخذاها وشفراها , وقيل: نواحي فرجها الأربع. قال الأزهريّ: الإسكتان ناحيتا الفرج، والشّفران طرف النّاحيتين. ورجّح القاضي عياض الأخير. واختار ابن دقيق العيد الأوّل، قال: لأنّه أقرب إلى الحقيقة , أو هو حقيقةٌ في الجلوس , وهو كنايةٌ عن

стр. 325

الجماع , فاكتفى به عن التّصريح. قوله: (ثمّ جهدها) بفتح الجيم والهاء , يقال جهد وأجهد , أي: بلغ المشقّة , قيل: معناه كدّها بحركته أو بلغ جهده في العمل بها. ولمسلمٍ من طريق شعبة عن قتادة " ثمّ اجتهد ". ورواه أبو داود من طريق شعبة وهشام معاً عن قتادة بلفظ " وألزق الختان بالختان " بدل قوله ثمّ جهدها , وهذا يدلّ على أنّ الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج. ورواه البيهقيّ من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة مختصراً. ولفظه " إذا التقى الختانان (١) فقد وجب الغسل ". وروي أيضاً بهذا اللفظ من حديث عائشة. أخرجه الشّافعيّ من طريق سعيد بن المسيّب عنها , وفي إسناده عليّ بن زيد وهو ضعيف , وابن ماجه من طريق القاسم بن محمّد عنها , ورجاله ثقات. ورواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعريّ عنها بلفظ " ومسّ الختان الختان ". والمراد بالمسّ والالتقاء المحاذاة , ويدلّ عليه رواية التّرمذيّ بلفظ " إذا جاوز " وليس المراد بالمسّ حقيقته؛ لأنّه لا يتصوّر عند غيبة الحشفة , ولو حصل المسّ قبل الإيلاج لَم يجب الغسل بالإجماع.

стр. 326

قال النّوويّ: معنى الحديث أنّ إيجاب الغسل لا يتوقّف على الإنزال. وتعقّب: بأنّه يحتمل أن يراد بالجهد الإنزال؛ لأنّه هو الغاية في الأمر فلا يكون فيه دليل. والجواب: أنّ التّصريح بعدم التّوقّف على الإنزال , قد ورد في بعض طرق الحديث المذكور فانتفى الاحتمال , ففي رواية مسلمٍ من طريق مطر الورّاق عن الحسن في آخر هذا الحديث " وإن لَم ينزل ". ووقع ذلك في رواية قتادة أيضاً رواه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " عن عفّان , قال: حدّثنا همّام وأبان. قالا: حدّثنا قتادة به , وزاد في آخره " أنزل أو لَم ينزل " , وكذا رواه الدّارقطنيّ. وصحَّحه من طريق عليّ بن سهل عن عفّان، وكذا ذكرها أبو داود الطّيالسيّ عن حمّاد بن سلمة عن قتادة. وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ ما دلَّ عليه ما رواه البخاري عن زيد بن خالد الجهني , أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيتَ إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة , ويغسل ذكره. قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ . (١)

стр. 327

مِن الاكتفاء بالوضوء إذا لم يُنزل الْمُجامع منسوخ بما دلَّ عليه حديث أبي هريرة وعائشة المذكوران. والدليل على النسخ ما رواه أحمد وغيره من طريق الزهري عن سهل بن سعد قال: حدثني أبيُّ بنُ كعب , أنَّ الفتيا التي كانوا يقولون " الماء من الماء " رخصةٌ كان رسول الله ﷺ رخَّص بها في أول

стр. 328

الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد. صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان. وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري. كذا قال. وكأنَّه لم يطلع على علته. فقد اختلفوا في كون الزهري سمعه من سهل. نعم. أخرجه أبو داود وابن خزيمة أيضاً من طريق أبي حازم عن سهل. ولهذا الإسناد أيضاً علةٌ أخرى. ذكرها ابن أبي حاتم. وفي الجملة هو إسنادٌ صالحٌ لأنْ يُحتج به. وهو صريحٌ في النسخ. على أنَّ حديث الغسل " وإن لم ينزل " أرجح من حديث " الماء من الماء " لأَنَّه بالمنطوق وترك الغسل من حديث الماء بالمفهوم أو بالمنطوق أيضاً , لكن ذاك أصرح منه. وروى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس , أنه حمل حديثَ " الماء من الماء " على صورة مخصوصة. وهي ما يقع في المنام من رؤية الجماع. وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض. تنبيه: في قوله " الماء من الماء " جناس تام , والمراد بالماء الأول ماء الغسل وبالثاني المني. وذكر الشافعي , أنَّ كلام العرب يقتضي أنَّ الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن معه إنزال فإنَّ كلَّ من خوطب بأنَّ فلاناً أجنب من فلانة عقل أنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يُختلف أنَّ الزنا الذي يجب به الحد هو الجماع , ولو لم يكن معه إنزال. وقال ابن العربي: إيجاب الغسل بالإيلاج بالنسبة إلى الإنزال نظير

стр. 329

إيجاب الوضوء بمس الذكر بالنسبة إلى خروج البول فهما متفقان دليلا وتعليلا، والله أعلم. وقال أيضاً: إيجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم وما خالف فيه إلاَّ داود , ولا عبرة بخلافه. انتهى أما نفي ابن العربي الخلاف فمعترَض فإنه مشهور بين الصحابة ثبت عن جماعة منهم , لكن ادعى ابن القصار أنَّ الخلاف ارتفع بين التابعين. وهو معترض أيضاً. فقد قال الخطابي: أنه قال به من الصحابة جماعةٌ فسمَّى بعضهم. قال: ومن التابعين الأعمش وتبعه عياض , لكن قال: لم يقل به أحدٌ بعد الصحابة غيره. وهو معترَض أيضاً , فقد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وهو في سنن أبي داود بإسناد صحيح, وعن هشام بن عروة عند عبد الرزاق بإسناد صحيح. وقال عبد الرزاق أيضاً: عن ابن جريج عن عطاء , أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى اغتسل من أجل اختلاف الناس لأخْذِنا بالعروة الوثقى. وقال الشافعي في اختلاف الحديث: حديث " الماء من الماء " ثابت لكنه منسوخ. إلى أن قال: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا - يعني من الحجازيين - فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل. انتهى. فعرف بهذا أنَّ الخلاف كان مشهوراً بين التابعين ومن بعدهم , لكن الجمهور على إيجاب الغسل. وهو الصواب. والله أعلم.

стр. 330

الحديث التاسع والثلاثون ٣٩ - عن أبي جعفرٍ محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبٍ ﵃ , أنّه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله , وعنده قومه (١) , فسألوه عن الغُسل؟ فقال: صاعٌ يكفيك، فقال رجلٌ: ما يكفيني , فقال جابرٌ: كان يكفي مَن هو أوفى منك شعراً , وخيراً منك - يريد رسول الله ﷺ ثمّ أَمَّنا في ثوبٍ. وفي لفظٍ: كان رسول الله ﷺ يُفْرِغ الماء على رأسه ثلاثاً. (٢) قال المصنف: الرجل الذي قال (ما يكفيني) هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁. وأبوه محمد بن الحنفية. قوله: (عن أبي جعفر) المعروف بالباقر. قوله: (هو وأبوه) أي: عليّ بن الحسين قوله: (عند جابر بن عبد الله) (٣) الأنصاري الصحابي المشهور ,

стр. 331

عاش إلى سنة سبع وسبعين على الصحيح , وقيل: مات في التي بعدها , وقيل قبل ذلك. قوله: (وعنده) أي: عند جابر. قوله: (قومه) وللبخاري " وعنده قومٌ " كذا في النّسخ التي وقفت عليها من البخاريّ , ووقع في العمدة " وعنده قومه " بزيادة الهاء , وجعلها شرّاحها ضميراً يعود على جابر , وفيه ما فيه. وليست هذه الرّواية في مسلمٍ أصلاً , وذلك وارد أيضاً على قوله. إنّه يُخرِّج المتّفق عليه. قوله: (فسألوه عن الغسل) أفاد إسحاق بن راهويه في " مسنده " , أنّ متولي السّؤال هو أبو جعفر الرّاوي , فأخرج من طريق جعفر بن محمّد عن أبيه قال: سألت جابراً عن غسل الجنابة. وبيّن النّسائيّ في روايته سبب السّؤال , فأخرج من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي جعفر , قال: تمارَينا في الغسل عند جابر , فكان أبو جعفر تولى السّؤال. ونسب السّؤال في هذه الرّواية إلى الجميع مجازاً؛ لقصدهم ذلك ,

стр. 332

ولهذا أفرد جابر الجواب فقال " يكفيك " وهو بفتح أوّله؛ لأنّ ذلك كان عن الكمّيّة كما أشعر بذلك قوله في الجواب " يكفيك صاع ". وللبخاري عن أبي جعفر، قال: قال لي جابر بن عبد الله. وأتاني ابن عمك يُعرِّض بالحسن بن محمد ابن الحنفية. قال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثةَ أكفٍّ , ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده. فقال لي الحسن: إني رجلٌ كثيرُ الشعر، فقلت: كان النبي ﷺ أكثر منك شعراً. وهذا عن الكيفيّة , وهو ظاهرٌ من قوله " كيف الغسل " ولكنّ الحسن بن محمّد في المسألتين جميعاً هو المنازع لجابر في ذلك , فقال في جواب الكمّيّة " ما يكفيني " أي: الصّاع , ولَم يُعلِّل , وقال في جواب الكيفيّة " إنّي كثير الشّعر " أي: فأحتاج إلى أكثر من ثلاث غرفات , فقال له جابر في جواب الكيفيّة: كان رسول الله ﷺ أكثر شعراً منك وأطيب. أي: واكتفى بالثّلاث , فاقتضى أنّ الإنقاء يحصل بها , وقال في جواب الكمّيّة ما تقدّم. وناسب ذكر الخيريّة؛ لأنّ طلب الازدياد من الماء يلحظ فيه التّحرّي في إيصال الماء إلى جميع الجسد , وكان ﷺ سيّد الورعين , وأتقى النّاس لله وأعلمهم به. وقد اكتفى بالصّاع فأشار جابر إلى أنّ الزّيادة على ما اكتفى به تنطّعٌ , قد يكون مثاره الوسوسة فلا يلتفت إليه. قوله: (يكفيك الصاع) هو إناء يسع خمسة أرطال وثلثا بالبغدادي

стр. 333

، وقال بعض الحنفية ثمانية. (١) قوله: (فقال رجلٌ) زاد الإسماعيليّ " منهم " أي: من القوم , وهذا يؤيّد ما ثبت في روايتنا؛ أنّ هذا القائل هو الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب الذي يعرف أبوه بابن الحنفيّة كما جزم به صاحب العمدة , وليس هو من قوم جابر؛ لأنّه هاشميّ وجابر أنصاريّ. قوله: (أَوفَى) يحتمل الصّفة والمقدار. أي: أطول وأكثر. قوله: (وخيرٌ منك) بالرّفع عطفاً على أوفى المخبر به عن هو , وفي رواية الأصيليّ " أو خيراً " بالنّصب عطفاً على الموصول. قوله: (ثمّ أمَّنا) فاعل أمّنا هو جابر كما أخرج البخاري ذلك واضحاً من فعله في كتاب الصّلاة , ولا التفات إلى من جعله من مقوله , والفاعل رسول الله ﷺ . وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه السّلف من الاحتجاج بأفعال النّبيّ ﷺ والانقياد إلى ذلك , وفيه جواز الرّدّ بعنفٍ على من يماري بغير علمٍ إذا قصد الرادُّ إيضاحَ الحقّ وتحذير السّامعين من مثل ذلك , وفيه كراهية التّنطّع والإسراف في الماء. فائدة: أخرج ابن أبي شيبة من طريق هلال بن يساف - أحد التابعين - قال: كان يقال: من الوضوء إسراف ولو كنت على شاطئ نهر. وأخرج نحوه عن أبي الدرداء وابن مسعود.

стр. 334

وروي في معناه حديث مرفوع. أخرجه أحمد وابن ماجه بإسنادٍ لين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (١) قوله: (يفرغ) بضمّ أوّله. قوله: (ثلاثاً) أي: غرفات. زاد الإسماعيليّ " قال شعبة: أظنّه من غسل الجنابة " وفيه " وقال رجلٌ من بني هاشم: إنّ شعري كثير فقال جابر: شعر رسول الله ﷺ كان أكثر من شعرك وأطيب ". وللبخاري " كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكفٍّ " وهي جمع كفٍّ , والكفّ تذكّر وتؤنّث , والمراد أنّه يأخذ في كل مرّة كفّين , ويدلّ على ذلك رواية إسحاق بن راهويه من طريق الحسن بن صالح عن جعفر بن محمّد عن أبيه. قال في آخر الحديث " وبسط يديه ". ويؤيّده حديث جبير بن مطعم , قال رسول الله ﷺ : أمّا أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً، وأشار بيديه كلتيهما. أخرجاه. والكفّ اسم جنسٍ فيحمل على الاثنين. ويحتمل: أن تكون هذه الغرفات الثّلاث للتّكرار. ويحتمل: أن يكون لكل جهةٍ من الرّأس غَرفةٌ كما تقدم في حديث القاسم بن محمّد عن عائشة (٢).

стр. 335

فائدة: روى البخاري ومسلم عن أنس: كان النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد " (١) قوله: (إلى خمسة أمداد) أي: كان ربما اقتصر على الصاع - وهو أربعة أمداد - وربما زاد عليها إلى خمسة، فكأن أنساً لم يطّلع على أنه استعمل في الغسل أكثر من ذلك لأنه جعلها النهاية. وقد روى مسلم من حديث عائشة ﵂ , أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد هو الفرق. قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع، وروى مسلم أيضا من حديثها , أنه ﷺ كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد. فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة، وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديث أنس كابن شعبان من المالكية، وكذا من قال به من الحنفية مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع. وحمله الجمهور على الاستحباب , لأنَّ أكثر من قدر وضوءه وغسله ﷺ من الصحابة قدرهما بذلك، ففي مسلم عن سفينة مثله، ولأحمد وأبي داود بإسناد صحيح عن جابر مثله، وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وغيرهم.

стр. 336

وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة، وهو أيضاً في حق من يكون خلقه معتدلاً، وإلى هذا أشار البخاري في أول كتاب الوضوء بقوله " وكره أهل العلم الإسراف فيه وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ ".

стр. 337

باب التّيمّم التّيمّم في اللّغة القصد، قال امرؤ القيس: تيمّمتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالي. أي قصدتها. وفي الشّرع القصد إلى الصّعيد لمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصّلاة ونحوها. وقال ابن السّكّيت: قوله: (فتيمّموا صعيداً) أي: اقصدوا الصّعيد، ثمّ كثر استعمالهم حتّى صار التّيمّم مسح الوجه واليدين بالتّراب. انتهى فعلى هذا هو مجازٌ لغويٌّ، وعلى الأوّل هو حقيقةٌ شرعيّةٌ. واختلف في التّيمّم. هل هو عزيمةٌ أو رخصة؟. وفصّل بعضهم , فقال: هو لعدم الماء عزيمة، وللعذر رخصة. فائدة: استدل بالآية على وجوب النية في التيمم؛ لأن معنى (فتيمَّموا) اقصدوا كما تقدَّم، وهو قول فقهاء الأمصار إلا الأوزاعي. وعلى أنه يجب نقل التراب , ولا يكفي هبوب الريح به بخلاف الوضوء كما لو أصابه مطر فنوى الوضوء به فإنه يجزئ. والأظهر الإجزاء لمن قصد التراب من الريح الهابَّة، بخلاف من لَم يقصد، وهو اختيار الشيخ أبي حامد. وعلى تعيين الصعيد الطيب للتيمم، لكن اختلف العلماء في المراد بالصعيد الطيب كما سيأتي قريباً. وعلى أنه يجب التيمم لكل فريضة، وسنذكر توجيهه وما يرد عليه.

стр. 338

الحديث الأربعون ٤٠ - عن عمران بن حصينٍ ﵁: أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً , لَم يُصَلِّ في القوم؟ فقال: يا فلان , ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسولَ الله أصابتني جنابةٌ ولا ماء , فقال: عليك بالصّعيد , فإنّه يكفيك. (١) قوله: (عن عمران بن حصين) (٢) الخزاعي. وقد ثبت عنه , أنه كان يسمع كلام الملائكة. قوله: (إذا هو برجلٍ) لَم أقف على تسميته، ووقع في شرح العمدة للشّيخ سراج الدّين بن الملقّن ما نصّه: هذا الرّجل هو خلاد بن رافع

стр. 339

بن مالك الأنصاريّ أخو رفاعة، شهد بدراً، قال ابن الكلبيّ: وقتل يومئذٍ، وقال غيره: له رواية. وهذا يدلّ على أنّه عاش بعد النّبيّ ﷺ . قلت: أمّا على قول ابن الكلبيّ فيستحيل أن يكون هو صاحب هذه القصّة لتقدّم وقعة بدر على هذه القصّة بمدّةٍ طويلة بلا خلاف، فكيف يحضر هذه القصّة بعد قتله؟. وأمّا على قول غير ابن الكلبيّ. فيحتمل أن يكون هو، لكن لا يلزم من كونه له رواية أن يكون عاش بعد النّبيّ ﷺ لاحتمال أن تكون الرّواية عنه منقطعة، أو متّصلة لكن نقلها عنه صحابيّ آخر ونحوه. وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين مَن قال: إنّه قتل ببدرٍ , إلاَّ أن تجيء رواية عن تابعيّ غير مخضرم , وصرّح فيها بسماعه منه , فحينئذٍ يلزم أن يكون عاش بعد النّبيّ ﷺ ، لكن لا يلزم أن يكون هو صاحب هذه القصّة، إلاَّ إن وردت رواية مخصوصة بذلك، ولَم أقف عليها إلى الآن. قوله: (أصابتني جنابة ولا ماء) بفتح الهمزة، أي: معي أو موجود، وهو أبلغ في إقامة عذره. وفي هذه القصّة مشروعيّة تيمّم الجنب، وسيأتي القول فيه في الحديث الذي بعده. وفيها جواز الاجتهاد بحضرة النّبيّ ﷺ ؛ لأنّ سياق القصّة يدلّ على أنّ التّيمّم كان معلوماً عندهم، لكنّه صريح في الآية عن الحدث الأصغر، بناء على أنّ المراد بالملامسة ما دون الجماع، وأمّا الحدث

стр. 340

الأكبر فليست صريحة فيه، فكأنّه كان يعتقد أنّ الجنب لا يتيمّم، فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النّبيّ ﷺ عن هذا الحكم. ويحتمل: أنّه كان لا يعلم مشروعيّة التّيمّم أصلاً. فكان حكمه حكم فاقد الطّهورين. ويؤخذ من هذه القصّة. أنّ للعالم إذا رأى فعلاً محتملاً أن يسأل فاعله عن الحال فيه ليوضّح له وجه الصّواب. وفيه التّحريض على الصّلاة في الجماعة، وأنّ ترك الشّخص الصّلاة بحضرة المصلين معيبٌ على فاعله بغير عذر. وفيه حسن الملاطفة، والرّفق في الإنكار. قوله: (عليك بالصّعيد) وفي رواية سلم بن زرير " فأمره أن يتيمّم بالصّعيد " واللام فيه للعهد المذكور في الآية الكريمة. ويؤخذ منه الاكتفاء في البيان بما يحصل به المقصود من الإفهام؛ لأنّه أحاله على الكيفيّة المعلومة من الآية، ولَم يصرّح له بها. قوله: (يكفيك) دليلٌ على أنّ المتيمّم في مثل هذه الحالة لا يلزمه القضاء. ويحتمل: أن يكون المراد بقوله " يكفيك " أي: للأداء، فلا يدلّ على ترك القضاء. تكميل: أخرج البزار من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً: الصعيد الطيب وضوء المسلم. الحديث. وصحَّحه ابن القطان، لكن قال الدارقطني: إنَّ الصواب

стр. 341

إرساله. وروى أحمد وأصحاب السنن من طريق أبي قلابة عن عمرو بن بُجدان - وهو بضم الموحدة وسكون الجيم - أبي ذر نحوه، ولفظه: إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لَم يجد الماء عشر سنين. وصحَّحه الترمذي وابن حبان والدارقطني. وروى سعيد بن منصور عن الحسن قال: التيمم بمنزلة الوضوء، إذا تيممت فأنت على وضوء حتى تحدث. وأخرجه حماد بن سلمة في " مصنفه " عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: تصلِّي الصلوات كلها بتيمم واحد مثل الوضوء ما لَم تحدث. وأمَّ ابن عباس وهو متيمم. أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما. وإسناده صحيح. وأشار البخاري (١) إلى أنَّ التيمم يقوم مقام الوضوء. ولو كانت الطهارة به ضعيفة لَمَا أمَّ ابن عباس وهو متيمم مَن كان متوضئاً. وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور. وذهب بعضهم - من التابعين وغيرهم - إلى خلاف ذلك. وحجتهم أنَّ التيمم طهارة ضرورية لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت، ولذلك أعطى النبيُّ ﷺ الذي أجنب فلم يصل الإناء من الماء ليغتسل به بعد أن قال له: عليك بالصعيد فإنه يكفيك؛ لأنه

стр. 342

وجد الماء فبطل تيممه. وفي الاستدلال بهذا على عدم جواز أكثر من فريضة بتيمم واحد نظرٌ. وقد أبيح عند الأكثر بالتيمم الواحد النوافل مع الفريضة، إلاَّ أنَّ مالكاً ﵀ يشترط تقدم الفريضة. وشذَّ شريحٌ القاضي , فقال: لا يصلَّى بالتيمم الواحد أكثر من صلاة واحدة فرضاً كانت أو نفلا. قال ابن المنذر: إذا صحَّت النوافل بالتيمم الواحد صحَّت الفرائض؛ لأن جميع ما يشترط للفرائض مشترط للنوافل إلا بدليل. انتهى. وقد اعترف البيهقي بأنه ليس في المسألة حديثٌ صحيحٌ من الطرفين. قال: لكن صحَّ عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة، ولا يُعلم له مخالف من الصحابة. وتعقب: بما رواه ابن المنذر عن ابن عباس , أنه لا يجب. واحتج البخاري لعدم الوجوب بعموم قوله " فإنه يكفيك " أي: ما لَم تحدث أو تجد الماء. وحمله الجمهور على الفريضة التي تيمَّم من أجلها , ويصلي به ما شاء من النوافل، فإذا حضرت فريضة أخرى وجب طلب الماء، فإن لَم يجد تيمم. والله أعلم

стр. 343

الحديث الواحد والأربعون ٤١ - عن عمّار بن ياسرٍ ﵁ , قال: بعثني النّبيّ ﷺ في حاجةٍ , فأجنبتُ فلم أجد الماء , فتمرَّغتُ في الصّعيد , كما تَمرَّغ الدابَّة , ثمّ أتيتُ النّبيَّ ﷺ فذكرتُ ذلك له , فقال: إنّما يكفيك أنْ تقول بيديك هكذا - ثمّ ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدةً , ثمّ مسح الشّمال على اليمين , وظاهر كفّيه ووجهه. (١) قوله: (عن عمار بن ياسر) يكنى أبا اليقظان العنسي بالنون، وأمه سمية بالمهملة مصغر، أسلم هو وأبوه قديماً، وعُذِّبوا لأجل الإسلام، وقتلَ أبو جهل أمَّه فكانت أول شهيد في الإسلام , ومات أبوه قديماً.

стр. 344

وعاش هو إلى أن قُتل بصفين مع علي ﵃، وكان قد وَلِي شيئاً من أمور الكوفة لعمر فلهذا نسبه أبو الدرداء إليها. وقال: أليس فيكم الذي أجاره الله على لسان رسوله ﷺ من الشيطان. يعني: عماراً. أخرجه البخاري. وزعم ابن التين أنَّ المراد بقوله: " على لسان نبيه " قول النبي ﷺ : ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " وهو محتمل. ويحتمل: أن يكون المراد بذلك حديث عائشة مرفوعاً: ما خُيّر عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما. أخرجه الترمذي، ولأحمد من حديث ابن مسعود مثله. أخرجهما الحاكم، فكونه يختار أرشد الأمرين دائماً يقتضي أنه قد أجير من الشيطان الذي من شأنه الأمر بالغيِّ. وروى البزار من حديث عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ملئ إيمانا إلى مشاشه. يعني: عماراً. وإسناده صحيح. ولابن سعد في " الطبقات " من طريق الحسن قال: قال عمار: نزلنا منزلا فأخذت قربتي ودلوي لأستقي، فقال النبي ﷺ : سيأتيك من يمنعك من الماء، فلمَّا كنت على رأس الماء إذا رجلٌ أسود كأنه مرس، فصرعته " فذكر الحديث، وفيه قول النبي ﷺ : ذاك الشيطان " فلعلَّ ابن مسعود (١) أشار إلى هذه القصة.

стр. 345

ويحتمل: أن تكون الإشارة بالإجارة المذكورة إلى ثباته على الإيمان لَمَّا أكرهه المشركون على النطق بكلمة الكفر، فنزلت فيه: (إلاَّ مَن أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان). وقد جاء في حديث آخر " إنَّ عماراً مُلئ إيمانا إلى مشاشه " أخرجه النسائي بسند صحيح، والمشاش: بضم الميم ومعجمتين الأولى خفيفة. وهذه الصفة لا تقع إلاَّ ممن أجاره الله من الشيطان قوله: (فتمرّغت) بالغين المعجمة , أي: تقلبت , وفي رواية لهما " فتمعكت " وكأنّ عمّاراً استعمل القياس في هذه المسألة؛ لأنّه لَمّا رأى أنّ التّيمّم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء رأى أنّ التّيمّم عن الغسل يقع على هيئة الغسل. ويستفاد من هذا الحديث وقوع اجتهاد الصّحابة في زمن النّبيّ ﷺ ، وأنّ المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وإن لَم يصب الحقّ، وأنّه إذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة. وفي تركه أمر عمر أيضاً بقضائها مُتمسّكٌ لِمَن قال: إنّ فاقد الطّهورين لا يُصلِّي ولا قضاء عليه. (١)

стр. 346

قوله: (كما تمرّغ) بفتح المثنّاة وضمّ الغين المعجمة , وأصله تتمرّغ. فحذفت إحدى التّاءين. قوله: (إنّما كان يكفيك) وللبخاري " يكفيك الوجه والكفان " وفيه دليلٌ على أنّ الواجب في التّيمّم هي الصّفة المشروحة في هذا الحديث، والزّيادة على ذلك لو ثبتت بالأمر دلّت على النّسخ ولزم قبولها، لكن إنّما وردت بالفعل فتحمل على الأكمل، وهذا هو الأظهر من حيث الدّليل. والأحاديث الواردة في صفة التّيمّم لَم يصحّ منها سوى حديث أبي جهيم (١) وعمّار، وما عداهما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعه ووقفه، والرّاجح عدم رفعه.

стр. 347

فأمّا حديث أبي جهيم. فورد بذكر اليدين مجملاً. وأمّا حديث عمّار. فورد بذكر الكفّين في الصّحيحين. وبذكر المرفقين في السّنن، وفي رواية إلى نصف الذّراع، وفي رواية إلى الآباط. فأمّا رواية المرفقين وكذا نصف الذّراع. ففيهما مقال. وأمّا رواية الآباط. فقال الشّافعيّ وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النّبيّ ﷺ فكلّ تيمّم صحّ للنّبيّ ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجّة فيما أمر به. وممّا يقوّي رواية الصّحيحين في الاقتصار على الوجه والكفّين كون عمّار كان يفتي بعد النّبيّ ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره , ولا سيّما الصّحابيّ المجتهد. وإليه ذهب أحمد وإسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن خزيمة، ونقله ابن الجهم وغيره عن مالك، ونقله الخطّابيّ عن أصحاب الحديث. وقال النّوويّ: رواه أبو ثور وغيره عن الشّافعيّ في القديم، وأنكر ذلك الماورديّ وغيره. قال: وهو إنكار مردود؛ لأنّ أبا ثور إمام ثقة. قال: وهذا القول - وإن كان مرجوحاً - فهو القويّ في الدّليل. انتهى كلامه في شرح المهذّب. وقال في شرح مسلم في الجواب عن هذا الحديث: إنّ المراد به بيان صورة الضّرب للتّعليم، وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التّيمّم.

стр. 348

وتعقّب: بأنّ سياق القصّة يدلّ على أنّ المراد به بيان جميع ذلك؛ لأنّ ذلك هو الظّاهر من قوله " إنّما يكفيك ". وأمّا ما استدل به من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين , من أنّ ذلك مشترط في الوضوء. فجوابه أنّه قياس في مقابلة النّصّ، فهو فاسد الاعتبار وقد عارضه من لَم يشترط ذلك بقياسٍ آخر، وهو الإطلاق في آية السّرقة، ولا حاجة لذلك مع وجود هذا النّصّ. قوله: (وضرب بيديه الأرض ضربة واحدةً) فيه الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ في التّيمّم، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره. وفيه أنّ التّرتيب غير مشترط في التّيمّم. قال ابن دقيق العيد: اختلف في لفظ هذا الحديث. فوقع عند البخاريّ بلفظ " ثمّ " وفي سياقه اختصارٌ , ولمسلمٍ بالواو. ولفظه " ثمّ مسح الشّمال على اليمين وظاهر كفّيه ووجهه " وللإسماعيليّ ما هو أصرح من ذلك. قلت: ولفظه من طريق هارون الحمّال عن أبي معاوية " إنّما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض , ثمّ تنفضهما ثمّ تمسح بيمينك على شمالك وشمالك على يمينك , ثمّ تمسح على وجهك ". قال الكرمانيّ: في هذه الرّواية إشكالٌ من خمسة أوجه: أحدها: الضّربة الواحدة، وفي الطّرق الأخرى ضربتان، وقد قال النّوويّ: الأصحّ المنصوص ضربتان. قلت: مراد النّوويّ ما يتعلق بنقل المذهب.

стр. 349

قوله: (ثمّ مسح الشّمال على اليمين , وظاهر كفّيه ووجهه) وللبخاري " فضرب بكفّه ضربةً على الأرض، ثمّ نفضها، ثمّ مسح بهما ظهر كفّه بشماله أو ظهر شماله بكفّه، ثمّ مسح بهما وجهه ".كذا في جميع الرّوايات بالشّكّ. وفي رواية أبي داود تحرير ذلك من طريق أبي معاوية أيضاً , ولفظه " ثمّ ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفّين ثمّ مسح وجهه ". وللبخاري " ونفخ فيهما ثمّ مسح بهما وجهه وكفّيه " وله أيضاً " ثمّ أدناهما من فيه " وهي كناية عن النّفخ، وفيها إشارة إلى أنّه كان نفخاً خفيفاً. وفي رواية سليمان بن حرب عند البخاري " تفل فيهما " والتّفل. قال أهل اللّغة: هو دون البزق، والنّفث دونه. وسياق هؤلاء يدلّ على أنّ التّعليم وقع بالفعل. ولمسلمٍ من طريق يحيى بن سعيد، وللإسماعيليّ من طريق يزيد بن هارون وغيره - كلّهم عن شعبة - أنّ التّعليم وقع بالقول، ولفظهم " إنّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض " زاد يحيى " ثمّ تنفخ , ثمّ تمسح بهما وجهك وكفّيك ". واستدل بالنّفخ على استحباب تخفيف التّراب. والنّفخ. يحتمل: أن يكون لشيءٍ علق بيده خشي أن يصيب وجهه الكريم.

стр. 350

ويحتمل: أنه علِق بيده من التّراب شيء له كثرة فأراد تخفيفه , لئلا يبقى له أثر في وجهه. ويحتمل: أن يكون لبيان التّشريع، ومن ثَمَّ تمسّك به من أجاز التّيمّم بغير التّراب زاعماً أنّ نفخه يدلّ على أنّ المشترط في التّيمّم الضّرب من غير زيادة على ذلك، فلمّا كان هذا الفعل محتملاً لَمَا ذكر. أورد البخاري الترجمة بلفظ الاستفهام بقوله: المتيمم هل ينفخ فيهما؟. ليعرف النّاظر أنّ للبحث فيه مجالاً. واستدل به أيضاً على سقوط استحباب التّكرار في التّيمّم؛ لأنّ التّكرار يستلزم عدم التّخفيف. وعلى أنّ من غسل رأسه بدل المسح في الوضوء أجزأه أخذاً من كون عمّار تمرّغ في التّراب للتّيمّم, وأجزأه ذلك، ومن هنا يؤخذ جواز الزّيادة على الضّربتين في التّيمّم، وسقوط إيجاب التّرتيب في التّيمّم عن الجنابة.

стр. 351

الحديث الثاني والأربعون ٤٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ , قال: أُعطِيتُ خمساً , لَم يُعطَهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصرتُ بالرّعب مسيرةَ شهرٍ , وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً , فأيّما رجلٍ من أمّتي أدركته الصّلاة. فلْيصلِّ , وأُحلِّتْ لي المغانم , ولَم تحلِّ لأحدٍ قبلي , وأُعطيتُ الشّفاعة، وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً , وبُعثت إلى النّاس عامّةً. (١) تمهيد: مدار حديث جابر هذا على هشيم , أخبرنا سيّار أبو الحكم العنزي عن يزيد الفقير عن جابر. وله شواهد من حديث ابن عبّاس وأبي موسى وأبي ذرٍّ، من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، رواها كلّها أحمد بأسانيد حسان. قوله: (أعطيت خمساً) بيّن في رواية عمرو بن شعيب , أنّ ذلك كان في غزوة تبوك , وهي آخر غزوات رسول الله ﷺ . قوله: (لَم يُعطَهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي) وفي حديث ابن عبّاس " لا أقولهنّ فخراً " ومفهومه أنّه لَم يختصّ بغير الخمس المذكورة، لكن روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: فضّلت على الأنبياء

стр. 352

بستٍّ. فذكر أربعاً من هذه الخمس , وزاد ثنتين. كما سيأتي بعد. وطريق الجمع أن يقال: لعله اطّلع أوّلاً على بعض ما اختصّ به , ثمّ اطّلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجّةً يدفع هذا الإشكال من أصله. وظاهر الحديث يقتضي أنّ كلّ واحدة من الخمس المذكورات لَم تكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك، ولا يعترض بأنّ نوحاً ﵇ كان مبعوثاً إلى أهل الأرض بعد الطّوفان؛ لأنّه لَم يبق إلاَّ من كان مؤمناً معه. وقد كان مرسلاً إليهم؛ لأنّ هذا العموم لَم يكن في أصل بعثته , وإنّما اتّفق بالحادث الذي وقع - وهو انحصار الخلق في الموجودين - بعد هلاك سائر النّاس، وأمّا نبيّنا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك. وأمّا قول أهل الموقف لِنُوحِ ﵇ كما صحّ في حديث الشّفاعة " أنت أوّل رسول إلى أهل الأرض " (١) فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أوّليّة إرساله، وعلى تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه في عدّة آياتٍ على أنّ إرسال نوح كان إلى قومه , ولَم يذكر أنّه أرسل إلى غيرهم. واستدلَّ بعضهم لعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلاَّ أهل السّفينة، ولو لَم يكن مبعوثاً إليهم لَمَا أهلكوا

стр. 353

لقوله تعالى (وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً). وقد ثبت أنّه أوّل الرّسل. وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدّة نوح , وعلم نوحٌ بأنّهم لَم يؤمنوا فدعا على من لَم يؤمن من قومه ومن غيرهم فأجيب. وهذا جوابٌ حسنٌ، لكن لَم ينقل أنّه نُبِّئ في زمن نوحٍ غيره. ويحتمل: أن يكون معنى الخصوصيّة لنبيّنا ﷺ في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوحٌ وغيره بصدد أن يُبعث نبيٌّ في زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته. ويحتمل: أن يكون دعاؤه قومه إلى التّوحيد بلغ بقيّة النّاس فتمادوا على الشّرك فاستحقّوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطيّة في تفسير سورة هود , قال: وغير ممكن أن تكون نبوّته لَم تبلغ القريب والبعيد لطول مدّته. ووجّهه ابن دقيق العيد. بأنّ توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامّاً في حقّ بعض الأنبياء , وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامّاً؛ لأنّ منهم من قاتل غير قومه على الشّرك، ولو لَم يكن التّوحيد لازماً لهم لَم يقاتلهم. ويحتمل: أنّه لَم يكن في الأرض عند إرسال نوحٍ إلاَّ قوم نوحٍ (١)

стр. 354

فبعثته خاصّةٌ لكونها إلى قومه فقط , وهي عامّةٌ في الصّورة لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتّفق وجود غيرهم لَم يكن مبعوثاً إليهم. وغفل الدّاوديّ الشّارح (١) غفلة عظيمة فقال: قوله " لَم يعطهنّ أحدٌ " يعني لَم تجمع لأحدٍ قبله؛ لأنّ نوحاً بعث إلى كافّة النّاس، وأمّا الأربع فلم يعط أحدٌ واحدةً منهنّ. وكأنّه نظر في أوّل الحديث , وغفل عن آخره؛ لأنّه نصّ ﷺ على خصوصيّته بهذه أيضاً لقوله " وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة " وفي رواية مسلم " وكان كلّ نبيّ ... إلخ ". قوله: (نُصرتُ بالرُّعب) زاد أبو أمامة " يقذف في قلوب أعدائي " أخرجه أحمد. قوله: (مسيرة شهر) مفهومه أنّه لَم يوجد لغيره النّصر بالرّعب في هذه المدّة ولا في أكثر منها، أمّا ما دونها فلا، لكنّ لفظ رواية عمرو بن شعيب " ونصرت على العدوّ بالرّعب , ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر " فالظّاهر اختصاصه به مطلقاً. وإنّما جعل الغاية شهراً؛ لأنّه لَم يكن بين بلده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصيّة حاصلةٌ له على الإطلاق حتّى لو كان

стр. 355

وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمّته من بعده؟. فيه احتمالٌ. قوله: (وجُعِلتْ لي الأرض مسجداً) أي: موضع سجود، لا يختصّ السّجود منها بموضعٍ دون غيره، ويمكن أن يكون مجازاً عن المكان المبنيّ للصّلاة، وهو من مجاز التّشبيه؛ لأنّه لَمّا جازت الصّلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك. قال ابن التّين: قيل المراد جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وجعلت لغيري مسجداً ولَم تجعل له طهوراً؛ لأنّ عيسى كان يسيح في الأرض , ويُصلِّي حيث أدركته الصّلاة. كذا قال. وسبقه إلى ذلك الدّاوديّ. وقيل: إنّما أبيحت لهم في موضع يتيقّنون طهارته، بخلاف هذه الأمّة فأبيح لها في جميع الأرض إلاَّ فيما تيقّنوا نجاسته. والأظهر ما قاله الخطّابيّ , وهو أنّ من قبله إنّما أبيحت لهم الصّلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصّوامع. ويؤيّده رواية عمرو بن شعيب بلفظ " وكان من قبلي إنّما كانوا يصلّون في كنائسهم " وهذا نصٌّ في موضع النّزاع فثبتت الخصوصيّة. ويؤيّده ما أخرجه البزّار من حديث ابن عبّاس نحو حديث الباب. وفيه " ولَم يكن من الأنبياء أحدٌ يُصلِّي حتّى يبلغ محرابه ". قوله: (وطهوراً) استدل به على أنّ الطّهور هو المطهّر لغيره؛ لأنّ الطّهور لو كان المراد به الطّاهر لَم تثبت الخصوصيّة، والحديث إنّما سيق لإثباتها.
следующие страницы →