الحارث , أو سمعته منه.
وفيه ردٌّ على من زعم: أنّ ابن أبي مُلَيكة لَم يسمع من عقبة بن الحارث، وقد حكاه ابن عبد البرّ , ولعل قائل ذلك أخذه من رواية البخاري في النّكاح من طريق ابن عليّة عن أيّوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث , قال ابن أبي مُلَيكة: وقد سمعته من عقبة , ولكنّي لحديث عبيدٍ أحفظ.
وأخرجه أبو داود من طريق حمّاد عن أيّوب، ولفظه: عن ابن أبي مُلَيكة عن عقبة بن الحارث قال: وحدّثنيه صاحبٌ لي عنه , وأنا لحديث صاحبي أحفظ. ولَم يسمّه.
وفيه إشارةٌ إلى التّفرقة في صيغ الأداء بين الإفراد والجمع , أو بين القصد إلى التّحديث وعدمه , فيقول الرّاوي فيما سمعه وحده من لفظ الشّيخ، أو قصد الشّيخ تحديثه بذلك: حدّثني. بالإفراد.
وفيما عدا ذلك: حدّثنا. بالجمع أو: سمعت فلاناً يقول.
ووقع عند الدّارقطنيّ من هذا الوجه: حدّثني عقبة بن الحارث. ثمّ قال: لَم يحدّثني , ولكنّي سمعته يحدّث.
وهذا يعيّن أحد الاحتمالين.
وقد اعتمد ذلك النّسائيّ فيما يرويه عن الحارث بن مسكينٍ فيقول " الحارث بن مسكينٍ قراءةً عليه وأنا أسمع " ولا يقول حدّثني , ولا أخبرني؛ لأنّه لَم يقصده بالتّحديث , وإنّما كان يسمعه من غير أن يشعر به.
стр. 3012
قوله: (تزوج أمّ يحيى بنت أبي إهابٍ) في رواية للبخاري " أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز " اسمها غنيّة - بفتح المعجمة وكسر النّون بعدها ياء تحتانيّة مشدّدة - وكنيتها أمّ يحيى.
وهجم الكرمانيّ فقال: لا يعرف اسمها.
ثمّ وجدت في النّسائيّ , أنّ اسمها زينب , فلعلَّ غنيّة لقبها أو كان اسمها فغيّر بزينب كما غيّر اسم غيرها
وأبو إهاب بكسر الهمزة لا أعرف اسمه، وهو مذكور في الصّحابة، وعزيز بفتح العين المهملة وكسر الزّاي وآخره زاي أيضاً. وزن عظيم. ومَن قاله بضمّ أوّله فقد حرّف.
ووقع عند أبي ذرٍّ عن المستملي والحمويّ عُزير بزاي , وآخره راء مصغّر. والأوّل أصوب
قوله: (فجاءت أمةٌ سوداء) لَم أقف على اسمها.
قوله: (قد أرضعتكما) زاد الدّارقطنيّ من طريق أيّوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عقبة: فدخلتْ علينا امرأة سوداء , فسألتْ فأبطأنا عليها , فقالت: تصدّقوا عليّ فوالله لقد أرضعتكما جميعاً.
زاد البخاريّ في " العلم " من طريق عمر بن سعيد بن أبي حسين عن ابن أبي مُلَيكة " فقال لها عقبة: ما أرضعتني ولا أخبرتني " أي: بذلك قبل التّزوّج كأنّه اتّهمها.
زاد في " باب إذا شهد بشيءٍ فقال آخر: ما علمت ذلك " (١). وفي
стр. 3013
" العلم " فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله " وترجم عليه " الرّحلة في المسألة النّازلة ".
وزاد في النّكاح " فقالت لي: قد أرضعتكما. وهي كاذبة ".
قوله:: (فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ) في رواية للبخاري " فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله ".
قوله " فركب " أي: من مكّة , لأنّها كانت دار إقامته.
قوله: (فأعرض عني) زاد البخاري في رواية له " وتبسّم النّبيّ ﷺ ".
قوله: (فتنحّيت، فذكرتُ ذلك له) في رواية للبخاري " فأعرض عنّي فأتيته من قِبَل وجهه فقلت: إنّها كاذبة " , وفي رواية الدّارقطنيّ " ثمّ سألته فأعرض عنّي , وقال في الثّالثة أو الرّابعة ".
قوله: (وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ فنهاه عنها) في رواية للبخاري " دعها عنك " , زاد الدّارقطنيّ في رواية أيّوب في آخره " لا خيرَ لك فيها. وللبخاري أيضا " كيف وقد قيل؟ ففارقَها ونكحت زوجاً غيره ".
اسم هذا الزّوج. ظُرَيْب بضمّ المعجمة المشالة وفتح الرّاء وآخره
стр. 3014
موحّدة مصغّراً.
القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنّ شهادة الإماء والعبيد لا تقبل مطلقاً.
القول الثاني: تقبل في الشّيء اليسير. وهو قول الشّعبيّ وشريح والنّخعيّ والحسن.
فأخرج ابن أبي شيبة من رواية منصور عن إبراهيم قال: كانوا يجيزونها في الشّيء الخفيف. ومن طريق أشعث الحمرانيّ عن الحسن نحوه.
القول الثالث: تقبل مطلقاً. وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور.
لحديث عقبة , ووجه الدّلالة منه أنّه ﷺ أمر عقبة بفراق امرأته بقول الأمة المذكورة , فلو لَم تكن شهادتها مقبولة ما عمل بها.
واحتجّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ممّن ترضون من الشّهداء﴾ قالوا: فإن كان الذي في الرّقّ رضاً فهو داخلٌ في ذلك.
وأجيب عن الآية: بأنّه تعالى قال في آخرها: ﴿ولا يأب الشّهداء إذا ما دعوا﴾ والإباء إنّما يتأتّى من الأحرار لاشتغال الرّقيق بحقّ السّيّد , وفي الاستدلال بهذا القدر نظرٌ.
وأجاب الإسماعيليّ عن حديث الباب. فقال: قد جاء في بعض طرقه " فجاءت مولاةٌ لأهل مكّة " قال: وهذا اللفظ يطلق على الحرّة التي عليها الولاء فلا دلالة فيه على أنّها كانت رقيقة.
وتعقّب: بأنّ رواية حديث الباب فيه التّصريح بأنّها أمةٌ فتعيّن أنّها
стр. 3015
ليست بحرّة.
وقد قال ابن دقيق العيد: إن أخذنا بظاهر حديث الباب فلا بدّ من القول بشهادة الأمة، وقد سبق إلى الجزم بأنّها كانت أمةً , أحمدُ بنُ حنبل. رواه عنه جماعة كأبي طالب ومهنّا وحرب وغيرهم.
وأخرج ابن أبي شيبة من رواية المختار بن فلفل قال: سألت أنساً عن شهادة العبيد , فقال: جائزة.
وروى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أشعث عن الشّعبيّ: كان شُريح لا يجيز شهادة العبد , فقال عليٌّ: لكنّنا نجيزها , فكان شُريح بعد ذلك يجيزها إلَّا لسيّده.
واحتجّ بالحديث مَن قَبِل شهادة المرضعة وحدها.
قال عليّ بن سعد: سمعت أحمد يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرّضاع , قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث.
وهو قول الأوزاعيّ. ونُقل عن عثمان وابن عبّاس والزّهريّ والحسن وإسحاق.
وروى عبد الرّزّاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: فرّق عثمان بين ناسٍ تناكحوا بقول امرأةٍ سوداء أنّها أرضعتهم , قال ابن شهاب: النّاس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم.
واختاره أبو عبيدٍ إلَّا أنّه قال: إن شهِدتْ المرضعة وحدها وجب على الزّوج مفارقة المرأة , ولا يجب عليه الحكم بذلك، وإن شهِدتْ معها أخرى وجب الحكم به.
стр. 3016
واحتجّ أيضاً بأنّه ﷺ لَم يلزم عقبة بفراق امرأته بل قال له " دعها عنك " وفي رواية ابن جريج " كيف وقد زعمت؟ " فأشار إلى أنّ ذلك على التّنزيه.
وذهب الجمهور. إلى أنّه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة؛ لأنّها شهادةٌ على فعل نفسها.
وقد أخرج أبو عبيد من طريق عمر والمغيرة بن شعبة وعليّ بن أبي طالب وابن عبّاس , أنّهم امتنعوا من التّفرقة بين الزّوجين بذلك , فقال عمر: فرِّق بينهما إن جاءت بيّنة , وإلا فخلّ بين الرّجل وامرأته إلَّا أن يتنزّها , ولو فتح هذا الباب لَم تشأ امرأةٌ أن تفرّق بين الزّوجين إلَّا فعلتْ.
وقال الشّعبيّ: تقبل مع ثلاث نسوة, شرط أن لا تتعرّض نسوة لطلب أجرةٍ.
وقيل: لا تقبل مطلقاً.
وقيل: تقبل في ثبوت المحرميّة دون ثبوت الأجرة لها على ذلك.
قال مالك: تقبل مع أخرى.
وعن أبي حنيفة: لا تقبل في الرّضاع شهادة النّساء المُتمَحِّضات، وعكَسَه الاصطخريّ من الشّافعيّة.
وأجاب من لَم يقبل شهادة المرضعة وحدها: بحمل النّهي في قوله: " فنهاه عنها " على التّنزيه , ويحمل الأمر في قوله: " دعها عنك " على الإرشاد.
стр. 3017
وأغرب ابن بطَّال. فنقل الإجماع على أنّ شهادة المرأة وحدها لا تجوز في الرّضاع وشبهه.
وهو عجيبٌ منه. فإنّه قول جماعة من السّلف حتّى إنّ عند المالكيّة رواية أنّها تقبل وحدها , لكن بشرط فشوّ ذلك في الجيران.
وفي الحديث جواز إعراض المفتي , ليتنبّه المستفتي على أنّ الحكم فيما سأله الكفّ عنه، وجواز تكرار السّؤال لمن لَم يفهم المراد والسّؤال عن السّبب المقتضي لرفع النّكاح.
стр. 3018
الحديث السادس والثلاثون
٣٤٠ - عن البراء بن عازبٍ ﵁ , قال: خرج رسول الله ﷺ يعني من مكة فتبعتهم ابنة حمزة، تنادي: يا عمّ، يا عمّ فتناولها عليٌ، فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمّك، حَمَلتْها، فاختصم فيها عليٌ، وزيدٌ، وجعفرٌ، فقال عليٌ: أنا أحقّ بها، وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيدٌ: بنت أخي، فقضى بها النبيّ ﷺ لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأمّ، وقال لعليٍ: أنت منّي، وأنا منك، وقال لجعفرٍ: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، وقال لزيدٍ: أنت أخونا ومولانا. (١)
قوله: (خرج النّبيّ ﷺ يعني من مكّة) في عمرة القضاء.
ففي البخاري عن البراء قال: اعتمر النّبيّ ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكّة أن يدعوه يدخل مكّة حتّى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيّامٍ .. وفيه. فلمّا دخلها ومضى الأجل، أتوا عليّاً فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنّا، فقد مضى الأجل، فخرج النّبيّ ﷺ ، فتبعتهم
стр. 3019
ابنة حمزة .. الحديث.
قوله: (ابنة حمزة) اسمها عمارة , وقيل: فاطمة , وقيل: أُمامة , وقيل: أمة الله وقيل: سلمى، وقيل: عائشة , وقيل: يعلى والأوّل هو المشهور.
وذكر الحاكم في " الإكليل " وأبو سعيد في " شرف المصطفى " من حديث ابن عبّاس بسندٍ ضعيفٍ , أنّ النّبيّ ﷺ كان آخى بين حمزة وزيد بن حارثة، وأنّ عمارة بنت حمزة كانت مع أمّها بمكّة.
وحكى المزّيّ في أسمائها أمّ الفضل , لكن صرّح ابن بشكوالٍ. بأنّها كُنية.
قوله: (تنادي يا عمّ) كأنّها خاطبت النّبيّ ﷺ بذلك إجلالاً له، وإلا فهو ابن عمّها، أو بالنّسبة إلى كون حمزة - وإن كان عمّه من النّسب - فهو أخوه من الرّضاعة، وقد أقرّها على ذلك بقوله لفاطمة بنت رسول الله ﷺ : دونك ابنة عمّك.
وفي ديوان حسان بن ثابت , لأبي سعيد السّكّريّ , أنّ عليّاً هو الذي قال لفاطمة. ولفظه " فأخذ عليٌّ أُمامة , فدفعها إلى فاطمة " وذكر أنّ مخاصمة عليّ وجعفر وزيد إلى النّبيّ ﷺ كانت بعد أن وصلوا إلى مرّ الظّهران.
قوله: (دونك) هي كلمة من أسماء الأفعال تدل على الأمر بأخذ الشّيء المشار إليه.
стр. 3020
قوله: (حَمَلتْها) (١) كذا للأكثر بصيغة الفعل الماضي , وكأنّ الفاء سقطت.
قلت: وقد ثبتت في رواية النّسائيّ من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ. وكذا لأبي داود من طريق إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئٍ وهبيرة عن عليٍّ، وكذا لأحمد في حديث عليٍّ.
ووقع في رواية أبي ذرّ عن السّرخسيّ والكشميهني " حمّليها " بتشديد الميم المكسورة وبالتّحتانيّة بصيغة الأمر، وللكشميهنيّ " احمليها " بألفٍ بدل التّشديد.
وعند الحاكم من مرسل الحسن " فقال عليٌّ لفاطمة وهي في هودجها: أمسكيها عندك ".
وعند ابن سعد من مرسل محمّد بن عليّ بن الحسين الباقر بإسنادٍ صحيحٍ إليه: بينما بنت حمزة تطوف في الرّحال , إذ أخذ عليّ بيدها فألقاها إلى فاطمة في هودجها.
قوله: (فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر) أي: أخوه , وزيد بن حارثة , أي: في أيّهم تكون عنده، زاد في رواية ابن سعدٍ " حتّى ارتفعت أصواتهم فأيقظوا النّبيّ ﷺ من نومه ".
وكانت خصومتهم في ذلك بعد أن قدموا المدينة، ثبت ذلك في
стр. 3021
حديث عليٍّ عند أحمد والحاكم.
وفي " المغازي " لأبي الأسود عن عروة في هذه القصّة " فلمّا دنوا من المدينة كلّمه فيها زيد بن حارثة , وكان وصيّ حمزة وأخاه "
وهذا لا ينفي أنّ المخاصمة إنّما وقعت بالمدينة، فلعلَّ زيداً سأل النّبيّ ﷺ في ذلك , ووقعت المنازعة بعد.
ووقع في مغازي سليمان التّيميّ , أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا رجع إلى رحله وجد بنت حمزة فقال لها: ما أخرجك؟ قالت: رجلٌ من أهلك، ولَم يكن رسول الله ﷺ أمر بإخراجها. وفي حديث عليّ عند أبي داود , أنّ زيد بن حارثة أخرجها من مكّة.
وفي حديث ابن عبّاس المذكور " فقال له عليّ: كيف تترك ابنة عمّك مقيمةً بين ظهراني المشركين؟ " وهذا يشعر بأنّ أمّها إمّا لم تكن أسلمت. فإنّ في حديث ابن عبّاسٍ المذكور , أنّها سلمى بنت عميسٍ - وهي معدودة في الصّحابة - وإمّا أن تكون ماتت. إن لَم يثبت حديث ابن عبّاس.
وإنّما أقرّهم على أخذها مع اشتراط المشركين أن لا يخرج بأحدٍ من أهلها أراد الخروج، لأنّهم لَم يطلبوها، وأيضاً فإنّ النّساء المؤمنات لَم يدخلن في ذلك، لكن إنّما نزل القرآن في ذلك بعد رجوعهم إلى المدينة.
ووقع في رواية أبي سعيدٍ السّكّريّ , أنّ فاطمة قالت لعليٍّ: إنّ رسول الله ﷺ آلَى أن لا يصيب منهم أحداً إلَّا ردّه عليهم، فقال لها
стр. 3022
عليّ: إنّها ليست منهم إنّما هي منّا.
قوله: (فقال عليٌ: أنا أحقّ بها، وهي ابنة عمي) في رواية للبخاري " قال عليّ: أنا أخرجتها وهي بنت عمّي. زاد في حديث عليٍّ عند أبي داود " وعندي ابنة رسول الله ﷺ وهي أحقّ بها ".
قوله: (وقال جعفر: ابنت عمي , وخالتها تحتيّ) أي: زوجتي. وفي رواية الحاكم " عنديّ " واسم خالتها أسماء بنت عميسٍ , وصرّح باسمها في حديث عليٍّ عند أحمد.
وكان لكلٍّ من هؤلاء الثّلاثة فيها شُبهة:
أمّا زيد فللأخوّة التي ذكرتها , ولكونه بدأ بإخراجها من مكّة.
وأمّا عليٌّ فلأنّه ابن عمّها , وحملها مع زوجته.
وأمّا جعفر فلكونه ابن عمّها , وخالتها عنده.
فيترجّح جانب جعفر باجتماع قرابة الرّجل والمرأة منها دون الآخرين.
قوله: (وقال زيد: بنت أخي) زاد في حديث عليٍّ " إنّما خرجت إليها ".
قوله: (فقضى بها النّبيّ ﷺ لخالتها) في حديث ابن عبّاس المذكور فقال النّبيّ ﷺ : جعفر أولى بها. وفي حديث عليّ عند أبي داود وأحمد " أمّا الجارية فلأقضى بها لجعفر ".
وفي رواية أبي سعيد السّكّريّ: ادفعاها إلى جعفر فإنّه أوسع منكم. وهذا سببٌ ثالثٌ.
стр. 3023
قوله: (وقال: الخالة بمنزلة الأمّ) أي: في هذا الحكم الخاصّ , لأنّها تقرب منها في الحنوّ والشّفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد لِمَا دلَّ عليه السّياق.
فلا حجّة فيه لمن زعم أنّ الخالة ترث لأنّ الأمّ ترث، وفي حديث عليّ. وفي مرسل الباقر: الخالة والدة، وإنّما الخالة أمّ. وهي بمعنى قوله " بمنزلة الأمّ " لا أنّها أمٌّ حقيقيّةٌ.
ويؤخذ منه أنّ الخالة في الحضانة مقدّمةٌ على العمّة , لأنّ صفيّة بنت عبد المطّلب كانت موجودة حينئذٍ، وإذا قدّمت على العمّة مع كونها أقرب العصبات من النّساء فهي مقدّمة على غيرها.
ويؤخذ منه تقديم أقارب الأمّ على أقارب الأب.
وعن أحمد رواية: أنّ العمّة مقدّمة في الحضانة على الخالة.
وأجيب عن هذه القصّة: بأنّ العمّة لَم تطلب، فإن قيل: والخالة لَم تطلب، قيل: قد طلب لها زوجها، فكما أنّ للقريب المحضون أن يمنع الحاضنة إذا تزوّجت فللزّوج أيضاً أن يمنعها من أخذه، فإذا وقع الرّضا سقط الحرج.
وفيه من الفوائد أيضاً.
تعظيم صلة الرّحم. بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التّوصّل إليها، وأنّ الحاكم يبيّن دليل الحكم للخصم، وأنّ الخصم يدلي بحجّته.
وفيه أنّ الحاضنة إذا تزوّجت بقريب المحضونة لا تسقط حضانتها
стр. 3024
إذا كانت المحضونة أنثى أخذاً بظاهر هذا الحديث. قاله أحمد.
وعنه: لا فرق بين الأنثى والذّكر، ولا يشترط كونه محرماً , لكن يشترط أن يكون فيه مأموناً. وأنّ الصّغيرة لا تشتهى، ولا تسقط إلَّا إذا تزوّجت بأجنبيٍّ.
والمعروف عن الشّافعيّة والمالكيّة. اشتراط كون الزّوج جَدّاً للمحضون.
وأجابوا عن هذه القصّة: بأنّ العمّة لَم يطلب , وأنّ الزّوج رضي بإقامتها عنده، وكل من طلبت حضانتها لها كانت متزوّجة , فرجح جانب جعفر بكونه تزوّج الخالة.
قوله: (وقال لعليٍّ: أنت منّي وأنا منك) أي: في النّسب والصّهر والمسابقة والمحبّة وغير ذلك من المزايا، ولَم يرد محض القرابة وإلَّا فجعفر شريكه فيها.
قوله: (وقال لجعفر) هو أخو عليٍّ شقيقه , وكان أسنَّ منه بعشر سنين , واستشهد بمؤتة , وقد جاوز الأربعين.
قوله: (أشبهت خَلْقي وخُلقي) بفتح الخاء الأولى وضمّ الثّانية، في مرسل ابن سيرين عند ابن سعد " أشبه خلقك خلقي، وخلقك خلقي.
وهي منقبةٌ عظيمةٌ لجعفرٍ.
أمّا الخلْق فالمراد به الصّورة. فقد شاركه فيها جماعة ممّن رأى النّبيّ ﷺ ، منهم الحسن والحسين , وجعفر بن أبي طالب , وابنه عبد الله بن
стр. 3025
جعفر وقُثَم - بالقاف - ابن العبّاس بن عبد المطّلب , وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب , ومسلم بن عقيل بن أبي طالب.
ومن غير بني هاشم السّائب بن يزيد المطّلبيّ الجدّ الأعلى للإمام الشّافعيّ , وعبد الله بن عامر بن كريز العبشميّ , وكابس بن ربيعة بن عديّ.
فهؤلاء عشرة أنفسٍ غير فاطمة ﵍.
وقد كنت نظمت إذ ذاك بيتين في ذلك (١). ووقفت بعد ذلك في حديث أنس , على أنّ إبراهيم وَلَد النّبيّ ﷺ كان يشبهه، وكذا في قصّة جعفر بن أبي طالب , أنّ ولَدَيْه عبدَ الله وعوناً كانا يشبهانه. فغيّرتُ البيتين الأوّلين بالزّيادة فأصلحتهما، ورأيت إعادتهما ليكتبهما من لَم يكن كتبهما إذ ذاك:
شبه النّبيّ ليج (٢) سائب وأبي ... سفيان والحسنين الخال أمّهما
وجعفر ولداه وابن عامر هم ... ومسلم كابس يتلوه مع قثما
ووقع في تراجم الرّجال وأهل البيت ممّن كان يشبهه ﷺ من غير هؤلاء عدّة منهم: إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب،
стр. 3026
ويحيى بن القاسم بن محمّد بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ. وكان يقال له الشّبيه، والقاسم بن عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب. وعليّ بن عليّ بن عبّاد بن رفاعة الرّفاعيّ - شيخ بصريّ من أتباع التّابعين - ذكر ابن سعد عن عفّان قال: كان يشبه النّبيّ ﷺ .
وإنّما لَم أدخل هؤلاء في النّظم لبُعد عهدهم عن عصر النّبيّ ﷺ , فاقتصرت على من أدركه. والله أعلم.
وأمّا شبهه في الخُلُق - بالضّمّ - فخصوصيّة لجعفرٍ , إلَّا أن يقال إنّ مثل ذلك حصل لفاطمة ﵍، فإنّ في حديث عائشة ما يقتضي ذلك (١) , ولكن ليس بصريحٍ كما في قصّة جعفرٍ هذه.
وهي منقبةٌ عظيمةٌ لجعفرٍ، قال الله تعالى: ﴿وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ﴾.
стр. 3027
قوله: (وقال لزيد: أنت أخونا) أي: في الإيمان
قوله: (ومولانا) أي: من جهة أنّه أعتقه.
وفي البخاري عن أنس , أنَّ النبي ﷺ قال: إنّ مولى القوم من أنفسهم " فوقع منه ﷺ تطييب خواطر الجميع , وإن كان قضى لجعفرٍ فقد بيّن وجه ذلك.
وحاصله أنّ المقضيّ له في الحقيقة الخالة وجعفر تبعٌ لها , لأنّه كان القائم في الطّلب لها.
وفي حديث عليّ عند أحمد. وكذا في مرسل الباقر " فقام جعفر فحَجِل حول النّبيّ ﷺ دار عليه، فقال النّبيّ ﷺ : ما هذا؟ قال: شيءٌ رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم ". وفي حديث ابن عبّاس (١) , أنّ النّجاشيّ كان إذا رضّى أحداً من أصحابه. قام فحجل حوله.
وحجِل بفتح المهملة وكسر الجيم. أي: وقف على رجلٍ واحدة , وهو الرّقص بهيئةٍ مخصوصةٍ.
وفي حديث عليٍّ المذكور أنّ الثّلاثة فعلوا ذلك. ووقع في رواية أبي سعيدٍ السّكّريّ " فدفعناها إلى جعفر , فلم تزل عنده حتّى قُتل، فأوصى بها جعفرٌ إلى عليٍّ فمكثت عنده حتّى بلغت.
стр. 3028
كتاب القصاص
القصاص بكسر القاف وبمهملتين , مأخوذ من القصِّ وهو القطع , أو من اقتصاص الأثر , وهو تتبعه , لأنَّ المُقتصَّ يتتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها , يقال: اقتصَّ من غريمه , واقتصَّ الحاكمُ لفلان من فلان.
الحديث الأول
٣٤١ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ , قال: قال النبيّ ﷺ : لا يَحِلُّ دم امرئٍ مسلمٍ، يشهد أن لا إله إلَّا الله، وأني رسول الله، إلَّا بإحدى ثلاثٍ، الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. (١)
قوله: (قال رسول الله ﷺ : لا يحلّ) وقع في رواية سفيان الثّوريّ عن الأعمش. عند مسلم والنّسائيّ زيادة في أوّله. وهي: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: والذي لا إله غيره. لا يحلّ.
وظاهر قوله " لا يحلّ " إثبات إباحة قتل من استثني، وهو كذلك
стр. 3029
بالنّسبة لتحريم قتل غيرهم , وإن كان قتل من أبيح قتله منهم واجباً في الحكم.
قوله: (دم امرئٍ مسلم) في رواية الثّوريّ " دم رجلٍ " والمراد لا يحلّ إراقة دمه , أي: كلّه وهو كناية عن قتله. ولو لَم يرق دمه.
قوله: (يشهد أن لا إله إلَّا الله) هي صفة ثانية ذُكرت لبيان أنّ المراد بالمسلم هو الآتي بالشّهادتين.
أو هي حال مقيّدةٌ للموصوف إشعاراً بأنّ الشّهادة هي العمدة في حقن الدّم، وهذا رجّحه الطّيبيّ , واستشهد بحديث أسامة " كيف تصنع بلا إله إلَّا الله " (١).
قوله: (إلَّا بإحدى ثلاث) أي: خصال ثلاث، ووقع في رواية الثّوريّ " إلَّا ثلاثة نفر ".
قوله: (النّفس بالنّفس) أي: من قتل عمداً بغير حقّ قتل بشرطه، ووقع في حديث عثمان عند النسائي " قتل عمداً فعليه القود ". وفي حديث جابر عند البزّار " ومن قتل نفساً ظلماً ".
قوله: (والثّيّب الزّاني) أي: فيحلّ قتله بالرّجم، وقد وقع في حديث عثمان المذكور بلفظ " رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرّجم ".
قال النّوويّ: الزّاني يجوز فيه إثبات الياء وحذفها , وإثباتها أشهر.
قوله: (والتارك لدينه المفارق للجماعة) وللبخاري " والمفارق
стр. 3030
لدينه التّارك للجماعة " كذا في رواية أبي ذرّ عن الكشميهنيّ، وللباقين " والمارق من الدّين " لكن عند النّسفيّ والسّرخسيّ والمستملي " والمارق لدينه ".
قال الطّيبيّ: المارق لدينه هو التّارك له، من المروق وهو الخروج , زاد مسلم: قال الأعمش: فحدّثت به إبراهيم يعني النّخعيّ فحدّثني عن الأسود يعني: ابن يزيد عن عائشة بمثله.
قلت: وهذه الطّريق أغفل المزّيّ في الأطراف ذكرها في مسند عائشة. وأغفل التّنبيه عليها في ترجمة عبد الله بن مرّة عن مسروق عن ابن مسعود.
وقد أخرجه مسلم أيضاً بعده من طريق شيبان بن عبد الرّحمن عن الأعمش. ولَم يسق لفظه , لكن قال: بالإسنادين جميعاً. ولَم يقل " والذي لا إله غيره " وأفرده أبو عوانة في " صحيحه " من طريق شيبان باللفظ المذكور سواء.
والمراد بالجماعة جماعة المسلمين. أي: فارقهم أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتّارك أو المفارق لا صفة مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعاً، وهو كقوله قبل ذلك " مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله " فإنّها صفة مفسّرة لقوله " مسلم " وليست قيداً فيه إذ لا يكون مسلماً إلَّا بذلك.
ويؤيّد ما قلته أنّه وقع في حديث عثمان " أو يكفر بعد إسلامه " أخرجه النّسائيّ بسندٍ صحيح، وفي لفظ له صحيح أيضاً " ارتدّ بعد
стр. 3031
إسلامه " , وله من طريق عمرو بن غالب عن عائشة " أو كفر بعد ما أسلم ". وفي حديث ابن عبّاس عند الطبراني (١) " مرتدّ بعد إيمان ".
قال ابن دقيق العيد: الرّدّة سبب لإباحة دم المسلم بالإجماع في الرّجل، وأمّا المرأة ففيها خلاف. وقد استدل بهذا الحديث للجمهور في أنّ حكمها حكم الرّجل لاستواء حكمهما في الزّنا.
وتعقّب: بأنّها دلالة اقتران وهي ضعيفة.
وقال البيضاويّ (٢): التّارك لدينه صفة مؤكّدة للمارق , أي الذي ترك جماعة المسلمين وخرج من جملتهم.
قال: وفي الحديث دليل لمن زعم أنّه لا يقتل أحدٌ دخل في الإسلام بشيءٍ غير الذي عدّد كترك الصّلاة ولَم ينفصل عن ذلك، وتبعه الطّيبيّ.
وقال ابن دقيق العيد: قد يؤخذ من قوله " المفارق للجماعة " أنّ المراد المخالف لأهل الإجماع. فيكون متمسَّكاً لمن يقول: مخالف الإجماع كافرٌ، وقد نسب ذلك إلى بعض النّاس، وليس ذلك بالهيّن ,
стр. 3032
فإنّ المسائل الإجماعيّة تارة يصحبها التّواتر بالنّقل عن صاحب الشّرع كوجوب الصّلاة مثلاً , وتارة لا يصحبها التّواتر، فالأوّل يكفّر جاحده لمخالفة التّواتر لا لمخالفة الإجماع، والثّاني لا يكفّر به.
قال شيخنا في شرح التّرمذيّ: الصّحيح في تكفير منكِر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدّين بالضّرورة كالصّلوات الخمس.
ومنهم من عبّر بإنكار ما علم وجوبه بالتّواتر , ومنه القول بحدوث العالم، وقد حكى عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم.
وقال ابن دقيق العيد: وقع هنا من يدّعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظنّ أنّ المخالف في حدوث العالم لا يكفّر , لأنّه من قبيل مخالفة الإجماع، وتمسّك بقولنا: إنّ منكر الإجماع لا يكفّر على الإطلاق حتّى يثبت النّقل بذلك متواتراً عن صاحب الشّرع.
قال: وهو تمسّكٌ ساقط إمّا عن عمىً في البصيرة أو تعامٍ , لأنّ حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتّواتر بالنّقل.
وقال النّوويّ: قوله " التّارك لدينه ": عامٌّ في كلّ من ارتدّ بأيّ ردّة كانت فيجب قتله إن لَم يرجع إلى الإسلام، وقوله " المفارق للجماعة " يتناول كلّ خارج عن الجماعة ببدعةٍ أو نفي إجماع كالرّوافض والخوارج وغيرهم.
كذا قال، وسيأتي البحث فيه.
стр. 3033
وقال القرطبيّ في المفهم: ظاهر قوله " المفارق للجماعة " أنّه نعت للتّارك لدينه، لأنّه إذا ارتدّ فارق جماعة المسلمين، غير أنّه يلتحق به كل من خرج عن جماعة المسلمين وإن لَم يرتدّ. كمن يمتنع من إقامة الحدّ عليه إذا وجب ويقاتل على ذلك كأهل البغي وقطّاع الطّريق والمحاربين من الخوارج وغيرهم.
قال: فيتناولهم لفظ المفارق للجماعة بطريق العموم، ولو لَم يكن كذلك لَم يصحّ الحصر , لأنّه يلزم أن ينفي من ذكر ودمه حلال فلا يصحّ الحصر، وكلام الشّارع منزّه عن ذلك، فدلَّ على أنّ وصف المفارقة للجماعة يعمّ جميع هؤلاء.
قال: وتحقيقه أنّ كل من فارق الجماعة ترك دينه، غير أنّ المرتدّ ترك كلّه والمفارق بغير ردّة ترك بعضه. انتهى.
وفيه مناقشة. لأنّ أصل الخصلة الثّالثة الارتداد فلا بدّ من وجوده، والمفارق بغير ردّة لا يسمّى مرتدّاً فيلزم الخلف في الحصر.
والتّحقيق في جواب ذلك: أنّ الحصر فيمن يجب قتله عيناً، وأمّا من ذكرهم فإنّ قتل الواحد منهم إنّما يباح إذا وقع حال المحاربة والمقاتلة، بدليل أنّه لو أسر لَم يجز قتله صبراً اتّفاقاً في غير المحاربين، وعلى الرّاجح في المحاربين أيضاً.
لكن يرِد على ذلك قتل تارك الصّلاة، وقد تعرّض له ابن دقيق العيد فقال: استدل بهذا الحديث , أنّ تارك الصّلاة لا يقتل بتركها. لكونه ليس من الأمور الثّلاثة، وبذلك استدل شيخُ والدي الحافظ
стр. 3034
أبو الحسن بن المفضّل المقدسيّ في أبياته المشهورة، ثمّ ساقها. ومنها وهو كافٍ في تحصيل المقصود هنا. والرّأي عندي أن يعزّره الإمام بكل تعزيرٍ يراه صواباً , فالأصل عصمته إلى أن يمتطي إحدى الثّلاث إلى الهلاك ركابا.
قال: فهذا من المالكيّة اختار خلاف مذهبه، وكذا استشكله إمام الحرمين من الشّافعيّة.
قلت: تارك الصّلاة اختلف فيه.
القول الأول: ذهب أحمد وإسحاق وبعض المالكيّة , ومن الشّافعيّة ابن خزيمة وأبو الطّيّب بن سلمة وأبو عبيد بن جويرية ومنصور الفقيه وأبو جعفر التّرمذيّ , إلى أنّه يكفر بذلك , ولو لَم يجحد وجوبها. وذهب الجمهور (١). إلى أنّه يقتل حدّاً
القول الثاني: ذهب الحنفيّة ووافقهم المزنيّ. إلى أنّه لا يكفر , ولا يقتل.
ومن أقوى ما يستدلّ به على عدم كفره حديث عبادة رفعه: خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد. الحديث. وفيه. ومن لَم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذّبه , وإن شاء أدخله الجنّة.
أخرجه مالك وأصحاب السّنن وصحّحه ابن حبّان وابن السّكن وغيرهما.
وتمسّك أحمد ومن وافقه , بظواهر أحاديث وردتْ بتكفيره ,
стр. 3035
وحملها من خالفهم على المستحلّ جمعاً بين الأخبار. والله أعلم.
وقال ابن دقيق العيد: وأراد بعض من أدركنا زمانه أن يزيل الإشكال , فاستدل بحديث " أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة " ووجه الدّليل منه أنّه وقف العصمة على المجموع، والمرتّب على أشياء لا يحصل إلَّا بحصول مجموعها وينتفي بانتفاء بعضها.
قال: وهذا إن قصد الاستدلال بمنطوقه - وهو " أقاتل النّاس إلخ " - فإنّه يقتضي الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد ذهل للفرق بين المقاتلة على الشّيء والقتل عليه، فإنّ المقاتلة مفاعلةٌ تقتضي الحصول من الجانبين فلا يلزم من إباحة المقاتلة على الصّلاة إباحة قتل الممتنع من فعلها إذا لَم يقاتل.
وليس النّزاع في أنّ قوماً لو تركوا الصّلاة ونصبوا القتال أنّه يجب قتالهم، وإنّما النّظر فيما إذا تركها إنسان من غير نصب قتال هل يقتل أو لا، والفرق بين المقاتلة على الشّيء والقتل عليه ظاهرٌ.
وإن كان أخذه من آخر الحديث وهو ترتّب العصمة على فعل ذلك , فإنّ مفهومه يدلّ على أنّها لا تترتّب على فعل بعضه هان الأمر لأنّها دلالة مفهوم، ومخالفه في هذه المسألة لا يقول بالمفهوم، وأمّا من يقول به فله أن يدفع حجّته بأنّه عارضته دلالة المنطوق في حديث الباب. وهي أرجح من دلالة المفهوم , فيقدّم عليها. انتهى
واستدل به بعض الشّافعيّة لقتل تارك الصّلاة , لأنّه تاركٌ للدّين
стр. 3036
الذي هو العمل، وإنّما لَم يقولوا بقتل تارك الزّكاة لإمكان انتزاعها منه قهراً، ولا يقتل تارك الصّيام لإمكان منعه المفطرات , فيحتاج هو أن ينوي الصّيام لأنّه يعتقد وجوبه.
واستدل به على أنّ الحرّ لا يقتل بالعبد , لأنّ العبد لا يرجم إذا زنى ولو كان ثيّباً حكاه ابن التّين قال: وليس لأحدٍ أن يفرّق ما جمعه الله إلَّا بدليلٍ من كتاب أو سنّة. قال: وهذا بخلاف الخصلة الثّالثة , فإنّ الإجماع انعقد على أنّ العبد والحرّ في الرّدّة سواء، فكأنّه جعل أنّ الأصل العمل بدلالة الاقتران ما لَم يأت دليل يخالفه.
وقال شيخنا في شرح التّرمذيّ: استثنى بعضهم من الثّلاثة قتل الصّائل فإنّه يجوز قتله للدّفع، وأشار بذلك إلى قول النّوويّ يخصّ من عموم الثّلاثة الصّائل ونحوه فيباح قتله في الدّفع.
وقد يجاب: بأنّه داخل في المفارق للجماعة , أو يكون المراد لا يحلّ تعمّد قتله. بمعنى أنّه لا يحلّ قتله إلَّا مدافعة بخلاف الثّلاثة.
واستحسنه الطّيبيّ , وقال: هو أولى من تقرير البيضاويّ , لأنّه فسّر قوله ﴿النّفس بالنّفس﴾ يحلّ قتل النّفس قصاصاً للنّفس التي قتلها عدواناً , فاقتضى خروج الصّائل ولو لَم يقصد الدّافع قتله.
قلت: والجواب الثّاني هو المعتمد، وأمّا الأوّل فتقدّم الجواب عنه.
وحكى ابن التّين عن الدّاوديّ: أنّ هذا الحديث منسوخ بآية المحاربة ﴿من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض﴾.
قال: فأباح القتل بمجرّد الفساد في الأرض.
стр. 3037
قال: وقد ورد في القتل بغير الثّلاث أشياء:
منها قوله تعالى ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾. وحديث " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه " (١) , وحديث " من أتى بهيمةً فاقتلوه " وحديث " من خرج وأمر النّاس جميعٌ يريد تفرّقهم فاقتلوه " (٢).
وقول عمر " تغرّة أن يقتلا " (٣) وقول جماعة من الأئمّة: إن تاب أهل القدر وإلا قتلوا. وقال جماعة من الأئمّة: يضرب المبتدع حتّى يرجع أو يموت، وقول جماعة من الأئمّة يقتل تارك الصّلاة.
قال: وهذا كلّه زائد على الثّلاث.
стр. 3038
قلت: وزاد غيره قتلَ من طلب أخذ مال إنسان أو حريمه بغير حقّ، ومانع الزّكاة المفروضة، ومن ارتدّ ولَم يفارق الجماعة، ومن خالف الإجماع وأظهر الشّقاق والخلاف، والزّنديق إذا تاب على رأي، والسّاحر.
والجواب عن ذلك كلّه: أنّ الأكثر في المحاربة أنّه إن قَتل قُتل.
وبأنّ حكم الآية في الباغي أن يقاتل لا أن يقصد إلى قتله.
وبأنّ الخبرين في اللواط وإتيان البهيمة لَم يصحّا.
وعلى تقدير الصّحّة فهما داخلان في الزّنا، وحديث الخارج عن المسلمين المراد بقتله حبسه ومنعه من الخروج، وأثر عمر من هذا القبيل. والقول في القدريّة وسائر المبتدعة مفرّع على القول بتكفيرهم.
وبأنّ قتل تارك الصّلاة عند من لا يكفّره مختلف فيه كما تقدّم إيضاحه.
وأمّا من طلب المال أو الحريم فمن حكم دفع الصّائل، ومانع الزّكاة تقدّم جوابه، ومخالف الإجماع داخل في مفارق الجماعة، وقتل الزّنديق لاستصحاب حكم كفره، وكذا السّاحر، والعلم عند الله تعالى.
وقد حكى ابن العربيّ عن بعض أشياخه: أنّ أسباب القتل عشرة، قال ابن العربيّ: ولا تخرج عن هذه الثّلاثة بحالٍ، فإنّ من سحر أو سبّ نبيّ الله كفّر فهو داخل في التّارك لدينه. والله أعلم.
واستُدل بقوله ﴿النّفس بالنّفس﴾ على تساوي النّفوس في القتل
стр. 3039
العمد , فيقاد لكل مقتول من قاتله سواء كان حرّاً أو عبداً، وتمسّك به الحنفيّة. وادّعوا أنّ آية المائدة ﴿أنَّ النفسَ بالنفس والعينَ بالعين .. الآية﴾ ناسخة لآية البقرة ﴿كُتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد﴾.
ومنهم. من فرّق بين عبد الجاني وعبد غيره , فأقاد من عبد غيره , دون عبد نفسه.
وقال الجمهور: آية البقرة مفسّرة لآية المائدة , فيقتل العبد بالحرّ ولا يقتل الحرّ بالعبد لنقصه.
وقال الشّافعيّ: ليس بين العبد والحرّ قصاص إلَّا أن يشاء الحرّ.
واحتجّ للجمهور: بأنّ العبد سلعة , فلا يجب فيه إلَّا القيمة لو قتل خطأ.
واستدل بعمومه على جواز قتل المسلم بالكافر المستأمن والمعاهد، وأمَّا ترك قتل المسلم بالكافر. فأخذ به الجمهور، لحديث عليّ " لا يقتل مؤمنٌ بكافرٍ " متفق عليه.
قال إسماعيل القاضي في " أحكام القرآن ": الجمع بين الآيتين أولى، فتحمل النّفس على المكافئة، ويؤيّده اتّفاقهم على أنّ الحرّ لو قذف عبداً لَم يجب عليه حدّ القذف.
قال: ويؤخذ الحكم من الآية نفسها , فإنّ في آخرها (فمن تصدّق به فهو كفّارة له) والكافر لا يسمّى متصدّقاً ولا مكفّراً عنه، وكذلك العبد لا يتصدّق بجرحه لأنّ الحقّ لسيّده.
стр. 3040
وقال أبو ثور: لَمَّا اتّفقوا على أنّه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النّفس كانت النّفس أولى بذلك.
وفي الحديث. جواز وصف الشّخص بما كان عليه ولو انتقل عنه لاستثنائه المرتدّ من المسلمين، وهو باعتبار ما كان.
стр. 3041
الحديث الثاني
٣٤٢ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : أوّل ما يُقضى بين الناس يوم القيامة، في الدماء. (١)
قوله: (أول ما يقضى ... إلخ) أي: التي وقعت بين النّاس في الدّنيا، والمعنى أوّل القضايا القضاء في الدّماء.
ويحتمل: أن يكون التّقدير , أوّل ما يقضى فيه الأمر الكائن في الدّماء.
ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رفعه: إنّ أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته. الحديث أخرجه أصحاب السّنن.
لأنّ الأوّل محمولٌ على ما يتعلق بمعاملات الخلق.
والثّاني فيما يتعلق بعبادة الخالق.
وقد جمع النّسائيّ في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين. ولفظه " أوّل ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأوّل ما يقضى بين النّاس في الدّماء ".
وجاء في صحيح البخاري ذِكْرُ هذه الأوّليّة بأخصّ ممّا في حديث الباب. فروى عن عليٍّ قال: أنا أوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة. يعني: هو ورفيقاه حمزة وعبيدة , وخصومهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة
стр. 3042
والوليد بن عتبة الذين بارزوا يوم بدر، قال أبو ذرٍّ: فيهم نزلت ﴿هذان خصمان اختصموا في ربّهم﴾ الآية.
وفي حديث الصّور الطّويل عن أبي هريرة رفعه: أوّل ما يقضى بين النّاس في الدّماء، ويأتي كلّ قتيل قد حمل رأسه , فيقول: يا ربّ سل هذا فيم قتلني. الحديث.
وفي حديث نافع بن جبيرٍ عن ابن عبّاس رفعه: يأتي المقتول معلقاً رأسه بإحدى يديه ملبِّباً قاتله بيده الأخرى , تشخب أوداجه دماً حتّى يقفا بين يدي الله. (١) الحديث، ونحوه عند ابن المبارك عن عبد الله بن مسعودٍ موقوفاً.
وأمّا كيفيّة القصاص فيما عدا ذلك. فيعلم من حديث أبى هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلّله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لَم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه، فطرحت عليه. أخرجه البخاري.
وأخرج ابن ماجه عن ابن عبّاسٍ رفعه: نحن آخر الأمم وأوّل من يحاسب يوم القيامة.
وفي الحديث عظم أمر الدّم، فإنّ البداءة إنّما تكون بالأهمّ،
стр. 3043
والذّنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانيّة غاية في ذلك.
وقد ورد في التّغليظ في أمر القتل آياتٌ كثيرةٌ وآثارٌ شهيرةٌ.
و" ما " في هذا الحديث موصولة وهو موصول حرفيّ , ويتعلق الجارّ بمحذوفٍ. أي: أوّل القضاء يوم القيامة القضاء في الدّماء. أي: في الأمر المتعلق بالدّماء.
وقد استدل به. على أنّ القضاء يختصّ بالنّاس ولا مدخل فيه للبهائم، وهو غلط , لأنّ مفاده حصر الأوّليّة في القضاء بين النّاس , وليس فيه نفي القضاء بين البهائم بعد القضاء بين النّاس.
стр. 3044
باب القسامة
بفتح القاف وتخفيف المهملة هي مصدر أقسم قسماً وقسامة، وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدّم أو على المدّعى عليهم الدّم، وخصّ القسم على الدّم بلفظ القسامة.
وقال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان.
وقال في المحكم: القسامة الجماعة يقسمون على الشّيء أو يشهدون به. ويمين القسامة منسوب إليهم ثمّ أطلقت على الأيمان نفسها.
الحديث الثالث
٣٤٣ - عن سهل بن أبي حثمة، قال: انطلق عبد الله بن سهلٍ، ومحيّصة بن مسعودٍ إلى خيبر - وهي يومئذٍ صلحٌ - فتفرَّقا، فأتى محيّصة إلى عبد الله بن سهلٍ - وهو يتشحّط في دمه قتيلاً - فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهلٍ ومحيّصة وحويّصة ابنا مسعودٍ إلى النبيّ ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلَّم، فقال ﷺ : كبّر كبّر وهو أحدث القوم فسكت، فتكلَّما، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف، ولَم نشهد، ولَم نرَ؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً، فقالوا: كيف نأخذ بأيمان قومٍ كفارٍ؟ فعَقَلَه النبيّ ﷺ من عنده. (١)
стр. 3045
وفي حديث حماد بن زيدٍ، فقال رسول الله ﷺ : يُقسم خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيُدفع برُمّتِه، قالوا: أمرٌ لَم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتُبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسولَ الله قومٌ كفارٌ؟ فوداه رسول الله ﷺ من قِبَله. (١)
وفي حديث سعيد بن عبيدٍ، فكره رسول الله ﷺ أن يُبطل دمه، فوداه بمائةٍ من إبل الصّدقة. (٢)
قوله: (سهل بن أبي حثمة) واسم أبي حثمة عامر بن ساعدة بن عامر , ويقال: اسم أبيه عبد الله , فاشتهر هو بالنّسبة إلى جدّه , وهو من بني حارثة بطن من الأوس. (٣)
стр. 3046
قوله: (انطلق عبد الله بن سهلٍ، ومحيّصة بن مسعودٍ إلى خيبر) وللبخاري " انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر ".
ومحيّصة - بضمّ الميم وفتح المهملة وتشديد التّحتانيّة مكسورة بعدها صاد مهملة - وكذا ضبط أخيه حويّصة.
وحكي: التّخفيف في الاسمين معاً , ورجّحه طائفة.
(تنبيه): قوله في نسب محيصة بن مسعود " ابن زيد " يقال: إن الصواب " كعب " بدل زيد. (١)
قوله: (وهي يومئذٍ صلحٌ) المراد مصالحة أهلها اليهود مع المسلمين.
قال تعالى ﴿وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها﴾ , وهذه الآية دالة على مشروعيّة المصالحة مع المشركين، وجنحوا. أي: طلبوا. قاله البخاري.
وقال غيره: معنى جنحوا مالوا.
وقال أبو عبيدة: السّلم والسِّلم واحد. وهو الصّلح.
وقال أبو عمرو: السّلم بالفتح الصّلح، والسّلم بالكسر الإسلام.
стр. 3047
ومعنى الشّرط في الآية , أنّ الأمر بالصّلح مقيّد بما إذا كان الأحظّ للإسلام المصالحة، أمّا إذا كان الإسلام ظاهراً على الكفر , ولَم تظهر المصلحة في المصالحة فلا.
وأمّا أصل المسألة فاختلف فيه.
فقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيّ عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على مال يؤدّونه إليهم؟ فقال: لا يصلح ذلك إلَّا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم. وقال: لا بأس أن يصالحهم على غير شيء يؤدّونه إليهم كما وقع في الحديبية.
وقال الشّافعيّ: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم، لأنّ القتل للمسلمين شهادة، وإنّ الإسلام أعزّ من أن يعطى المشركون على أن يكفُّوا عنهم، إلَّا في حالة مخافة اصطلام (١) المسلمين لكثرة العدوّ، لأنّ ذلك من معاني الضّرورات، وكذلك إذا أُسر رجلٌ مسلمٌ فلم يطلق إلَّا بفدية جاز.
قوله: (فتفرّقا) وللشيخين من رواية سعيد بن عبيدٍ عن بشير بن يسارٍ الأنصاريّ عن سهل بن أبي حثمة الأنصاريّ , أنّه أخبره , أنّ نفراً منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرّقوا فيها. وتُحمل أنّه كان معهما تابعٌ لهما.
وقد وقع في رواية محمد بن إسحاق عن بشير بن يسار عند (٢) ابن
стр. 3048
أبي عاصم: خرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يمتارون تمراً.
زاد سليمان بن بلال عند مسلم في روايته عن يحيى بن سعيد عن بشير " في زمن رسول الله ﷺ , وهي يومئذٍ صلح. وأهلها يهود ".
والمراد أنّ ذلك وقع بعد فتحها، فإنّها لَمَّا فتحت أقرّ النّبيّ ﷺ أهلها فيها على أن يعملوا في المزارع بالشّطر ممّا يخرج منها. كما تقدّم بيانه (١).
وفي رواية أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة عند الشيخين " خرجا إلى خيبر.
قوله: (فأتى محيّصة إلى عبد الله بن سهلٍ , وهو يتشحّط في دمه قتيلاً فدَفَنَه) أي: يضطرب فيتمرّغ في دمه فدفنه، وفي رواية الليث عن يحيى بن سعيد عند مسلم " فإذا محيّصة يجد عبد الله بن سهل قتيلاً فدفنه ".
وفي رواية سليمان بن بلال " فوجد عبد الله بن سهل مقتولاً في شَرَبة (٢) فدفنه صاحبه " وفي رواية سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار عند البخاري " فقالوا للذين وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً.
стр. 3049
وفي رواية أبي ليلى " فأخبر محيّصة , أنّ عبد الله قتل وطرح في فقير- بفاءٍ مفتوحة ثمّ قاف مكسورة. أي: حفيرة - فأتى محيّصة يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه "
قوله: (فانطلق عبد الرحمن بن سهلٍ ومحيّصة وحويّصة ابنا مسعودٍ إلى النبيّ ﷺ ) في رواية حمّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد " فجاء عبد الرّحمن بن سهل وحويّصة ومحيّصة ابنا مسعود إلى النّبيّ ﷺ فتكلَّموا في أمر صاحبهم ".
وفي رواية سليمان بن بلال " فأتى أخو المقتول عبد الرّحمن ومحيّصة وحويّصة , فذكروا لرسول الله ﷺ شأن عبد الله حيث قتل "
زاد أبو ليلى في روايته " وهو - أي حويّصة - أكبر منه، أي: من محيّصة.
قوله: (كبّر كبّر , وهو أحدث القوم فسكت) بتكرار الأمر، وكذا في رواية أبي ليلى. وزاد " يريد السّنّ " وللبخاري من رواية سعيد بن عبيد فقال " الكُبْر الكُبْر " بضمّ الكاف وسكون الموحّدة وبالنّصب فيهما على الإغراء.
زاد في رواية يحيى بن سعيد " فبدأ عبد الرّحمن يتكلم , وكان أصغر القوم " زاد حمّاد بن زيد عن يحيى عند مسلم " في أمر أخيه " وفي رواية الليث " فذهب عبد الرّحمن يتكلم , فقال: كبّر الكبر " الأولى أمرٌ , والأخرى كالأوّل، ومثله في رواية حمّاد بن زيد. وزاد " أو قال: يبدأ الأكبر ". وفي رواية الليث " فسكت , وتكلم صاحباه ".
стр. 3050
والمراد الأكبر في السّنّ إذا وقع التّساوي في الفضل , وإلَّا فيقدّم الفاضل في الفقه والعلم إذا عارضه السن.
قوله: (فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم؟) وللبخاري " تأتون بالبيّنة على من قتله، قالوا: ما لنا بيّنة " كذا في رواية سعيد بن عبيد.
ولَم يقع في رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ , ولا في رواية أبي قلابة عند البخاري (١) للبيّنة ذِكْرٌ , وإنّما قال يحيى في رواية " أتحلفون وتستحقّون قاتلكم أو صاحبكم " هذه رواية بشر بن المفضّل عنه ,