← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وصلاحاً ونعمة وولاء وغير ذلك، ويزداد التّحريم بزيادة المفسدة المترتّبة على ذلك. واستدل به ابن دقيق العيد للمالكيّة , في تصحيحهم الدّعوى على الغائب بغير مسخّر (١) لدخول المسخّر في دعوى ما ليس له وهو يعلم أنّه ليس له، والقاضي الذي يقيمه أيضاً يعلم أنّ دعواه باطلة. قال: وليس هذا القانون منصوصاً في الشّرع حتّى يخصّ به عموم هذا الوعيد، وإنّما المقصود إيصال الحقّ لمستحقّه فترك مراعاة هذا القدر، وتحصيل المقصود من إيصال الحقّ لمستحقّه أولى من الدّخول تحت هذا الوعيد العظيم. قوله: (ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: يا عدوّ الله، وليس كذلك إلَّا حار عليه) وللبخاري " لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق , ولا يرميه بالكفر إلَّا ارتدّت عليه , إن لَم يكن صاحبه كما قال " وفي رواية للإسماعيليّ " إلَّا ارتدّت عليه " يعني رجعت عليه. و " حار " بمهملتين أي: رجع. وهذا يقتضي أنّ مَن قال لآخر: أنت فاسق , أو قال له: أنت كافر , فإن كان ليس كما قال , كان هو المستحقّ للوصف المذكور، وأنّه إذا كان كما قال , لَم يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال، ولكن لا يلزم

стр. 2977

من كونه لا يصير بذلك فاسقاً ولا كافراً أن لا يكون آثماً في صورة قوله له , أنت فاسق. بل في هذه الصّورة تفصيل: إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز، وإن قصد تعييره وشهرته بذلك ومحض أذاه لَم يجز؛ لأنّه مأمور بالسّتر عليه وتعليمه وعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرّفق , لا يجوز له أن يفعله بالعنف , لأنّه قد يكون سبباً لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل كما في طبع كثير من النّاس من الأنفة، ولا سيّما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة. ووقع في رواية مسلم بلفظ " ومن دعا رجلاً بالكفر , أو قال عدوّ الله , وليس كذلك إلَّا حار عليه ". وقد أخرج البخاري هذا المتن من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر بلفظ " فقد باء بها أحدهما " (١) وهو بمعنى رجع أيضاً. قال النّوويّ: اختلف في تأويل هذا الرّجوع. فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلاً، وهذا بعيد من سياق الخبر. وقيل: محمول على الخوارج , لأنّهم يكفّرون المؤمنين. هكذا نقله عياض عن مالك وهو ضعيف. لأنّ الصّحيح عند الأكثرين , أنّ

стр. 2978

الخوارج لا يكفرون ببدعتهم. قلت: ولِما قاله مالك وجهٌ، وهو أنّ منهم من يكفّر كثيراً من الصّحابة ممّن شهد له رسول الله ﷺ بالجنّة وبالإيمان , فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشّهادة المذكورة , لا من مجرّد صدور التّكفير منهم بتأويل. والتّحقيق: أنّ الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم. وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به. وقيل: يخشى عليه أن يئول به ذلك إلى الكفر كما قيل: المعاصي بريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصرّ عليها سوء الخاتمة. وأرجح من الجميع , أنّ مَن قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام , ولَم يقم له شبهة في زعمه أنّه كافر , فإنّه يكفر بذلك. كما سيأتي تقريره. فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالرّاجع التّكفير لا الكفر، فكأنّه كفَّر نفسه لكونه كفَّر مَن هو مثله، ومن لا يكفّره إلَّا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام. ويؤيّده أنّ في بعض طرقه " وجب الكفر على أحدهما ". (١)

стр. 2979

وقال القرطبيّ: حيث جاء الكفر في لسان الشّرع , فهو جحد المعلوم من دين الإسلام بالضّرورة الشّرعيّة، وقد ورد الكفر في الشّرع بمعنى جحد النّعم , وترك شكر المنعم والقيام بحقّه كما تقدّم تقريره. (١) قال: وقوله " باء بها أحدهما " أي: رجع بإثمها ولازم ذلك، وأصل البوء اللزوم، ومنه: " أبوء بنعمتك " أي: ألزمها نفسي وأقرّ بها. قال: والهاء في قوله: " بها " راجع إلى التّكفيرة الواحدة التي هي أقل ما يدلّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة. والحاصل أنّ المقول له إن كان كافراً كفراً شرعيّاً فقد صدق القائل وذهب بها المقول له، وإن لَم يكن رجعت للقائل معرّة ذلك القول وإثمه. كذا اقتصر على هذا التّأويل في رجع، وهو من أعدل الأجوبة. وقد أخرج أبو داود عن أبي الدّرداء بسندٍ جيّد رفعه: إنّ العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثمّ تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لَم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها.

стр. 2980

وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود بسندٍ حسن , وآخر عند أبي داود والتّرمذيّ عن ابن عبّاس. ورواته ثقات، ولكنّه أعل بالإرسال.

стр. 2981

كتاب الرّضاع الحديث الواحد والثلاثون ٣٣٥ - عن ابن عباسٍ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة: لا تحل لي، يحرم من الرّضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة. (١) قوله: (بنت حمزة) اسمها عمارة , وقيل: فاطمة , وقيل: أُمامة , وقيل: أمة الله , وقيل: سلمى، وقيل: عائشة , وقيل: يعلى. والأوّل هو المشهور. وذكر الحاكم في " الإكليل " وأبو سعيد في " شرف المصطفى " من حديث ابن عبّاس بسندٍ ضعيفٍ , أنّ النّبيّ ﷺ كان آخى بين حمزة وزيد بن حارثة، وأنّ عمارة بنت حمزة كانت مع أمّها بمكّة. وحكى المزّيّ في أسمائها أمّ الفضل , لكن صرّح ابن بشكوالٍ بأنّها كنية. قوله: (يحرم من الرّضاع ما يحرم من النسب) قال العلماء: يستثنى من عموم قوله " يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب " أربع نسوة يحرمن في النّسب مطلقاً. وفي الرّضاع قد لا يَحرُمن: الأولى: أمّ الأخ في النّسب حرام , لأنّها إمّا أمّ وإمّا زوج أب.

стр. 2982

وفي الرّضاع قد تكون أجنبيّة فترضع الأخ فلا تحرم على أخيه. الثّانية: أمّ الحَفِيد. حرام في النّسب , لأنّها إمّا بنت أو زوج ابن. وفي الرّضاع قد تكون أجنبيّة فترضع الحَفِيد فلا تحرم على جدّه. الثّالثة: جدّة الولد في النّسب حرام , لأنّها إمّا أمّ أو أمّ زوجة. وفي الرّضاع قد تكون أجنبيّة أرضعت الولد فيجوز لوالده أن يتزوّجها. الرّابعة: أخت الولد حرام في النّسب , لأنّها بنت أو ربيبة. وفي الرّضاع قد تكون أجنبيّة فترضع الولد فلا تحرم على الوالد. وهذه الصّور الأربع اقتصر عليها جماعة. ولَم يستثن الجمهور شيئاً من ذلك. وفي التّحقيق لا يستثنى شيء من ذلك , لأنّهنّ لَم يحرمن من جهة النّسب , وإنّما حُرمْن من جهة المصاهرة. واستدرك بعض المتأخّرين. أمّ العمّ وأمّ العمّة وأمّ الخال وأمّ الخالة , فإنّهنّ يحرمن في النّسب لا في الرّضاع , وليس ذلك على عمومه. والله أعلم قوله: (وهي ابنة أخي من الرضاعة) قال مصعب الزّبيريّ: كانت ثويبة أرضعت النّبيّ ﷺ بعدما أرضعت حمزة ثمّ أرضعت أبا سلمة. (١)

стр. 2983

الحديث الثاني والثلاثون ٣٣٦ - عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : إنّ الرضاعة تحرّم ما يَحرُم من الولادة (١). قوله: (إنّ الرضاعة تحرّم ما يَحرُم من الولادة) أي: وتبيح ما تبيح، وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النّكاح وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرّضيع وأولاد المرضعة وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النّظر والخلوة والمسافرة. ولكن لا يترتّب عليه باقي أحكام الأمومة من التّوارث ووجوب الإنفاق والعتق بالملك والشّهادة والعقل وإسقاط القصاص. قال القرطبيّ: ووقع في رواية " ما تحرّم الولادة " وفي رواية " ما يحرم من النّسب " (٢) وهو دالٌ على جواز نقل الرّواية بالمعنى. قال: ويحتمل أن يكون ﷺ , قال اللفظين في وقتين.

стр. 2984

قلت: الثّاني هو المعتمد، فإنّ الحديثين مختلفان في القصّة والسّبب والرّاوي، وإنّما يأتي ما قال إذا اتّحد ذلك. وقد وقع عند أحمد من وجهٍ آخر عن عائشة: يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب من خال أو عمّ أو أخ. قال القرطبيّ: في الحديث دلالة على أنّ الرّضاع ينشر الحرمة بين الرّضيع والمرضعة وزوجها، يعني الذي وقع الإرضاع بين ولده منها أو السّيّد، فتحرم على الصّبيّ لأنّها تصير أمّه، وأمّها لأنّها جدّته فصاعداً، وأختها لأنّها خالته، وبنتها لأنّها أخته، وبنت بنتها فنازلاً لأنّها بنت أخته، وبنت صاحب اللبن لأنّها أخته، وبنت بنته فنازلاً لأنّها بنت أخته، وأمّه فصاعداً لأنّها جدّته، وأخته لأنّها عمّته. ولا يتعدّى التّحريم إلى أحد من قرابة الرّضيع، فليست أخته من الرّضاعة أختاً لأخيه ولا بنتاً لأبيه إذ لا رضاع بينهم. والحكمة في ذلك أنّ سبب التّحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وزوجها وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرّضيع صار جزءاً من أجزائهما فانتشر التّحريم بينهم، بخلاف قرابات الرّضيع لأنّه ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسبٌ ولا سبب، والله أعلم.

стр. 2985

الحديث الثالث والثلاثون ٣٣٧ - عن عائشة ﵂ قالت: إنّ أفلح أخا أبي القُعيس استأذن عليّ بعد ما أنزل الحجاب، فقلتُ: والله لا آذن له، حتى أستأذن النبيّ ﷺ فإنّ أخا أبي القعيس، ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقلت: يا رسولَ الله، إنّ الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال: ائذني له، فإنه عمّك تربت يمينك. قال عروة بن الزبير: فبذلك كانت عائشة تقول: حرِّموا من الرضاع، ما يحرم من النسب (١) وفي لفظ: استأذن عليّ أفلح، فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك.! فقلت: كيف ذلك؟! قال: أرضعتك امرأة أخي، بلبن أخي، قالت: فسألت رسول الله ﷺ فقال: صدق أفلح، ائذني له. (٢) قوله: (إنّ أفلح أخا أبي القعيس) بقافٍ وعين وسين مهملتين

стр. 2986

مصغّر، وللبخاري من طريق الحكم عن عراك بن مالك عن عروة " استأذن عليّ أفلح فلم آذن له ". وفي رواية مسلم من هذا الوجه " أفلح بن قعيس " , والمحفوظ أفلح أخو أبي القعيس. ويحتمل: أن يكون اسم أبيه قعيساً أو اسم جدّه فنسب إليه , فتكون كنية أبي القعيس وافقت اسم أبيه أو اسم جدّه. ويؤيّده ما في البخاري من طريق عقيل عن الزّهريّ عن عروة بلفظ " فإنّ أخا بني القعيس ". وكذا وقع عند النّسائيّ من طريق وهب بن كيسان عن عروة، وللبخاري من طريق شعيب عن ابن شهاب بلفظ " إنّ أفلح أخا أبي القعيس " وكذا لمسلمٍ من طريق يونس ومعمر عن الزّهريّ. وهو المحفوظ عن أصحاب الزّهريّ. لكن وقع عند مسلم من رواية ابن عيينة عن الزّهريّ " أفلح بن أبي القعيس ". وكذا لأبي داود من طريق الثّوريّ عن هشام بن عروة عن أبيه. ولمسلمٍ من طريق ابن جريجٍ عن عطاء أخبرني عروة , أنّ عائشة , قالت: استأذن عليّ عمّي من الرّضاعة أبو الجعد " قال: فقال لي هشام: إنّما هو أبو القعيس. وكذا وقع عند مسلم من طريق أبي معاوية عن هشام " استأذن عليها أبو القعيس ". وسائر الرّواة عن هشام قالوا: أفلح أخو أبي القعيس كما هو المشهور، وكذا قال سائر أصحاب عروة. ووقع عند سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمّد " أنّ أبا

стр. 2987

قعيس أتى عائشة يستأذن عليها " وأخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق القاسم عن أبي قعيس. والمحفوظ أنّ الذي استأذن هو أفلح. وأبو القعيس هو أخوه. قال القرطبيّ: كلّ ما جاء من الرّوايات وهمٌ إلَّا مَن قال " أفلح أخو أبي القعيس " أو قال " أبو الجعد " لأنّها كنية أفلح. قلت: وإذا تدبّرت ما حرّرت , عرفتَ أنّ كثيراً من الرّوايات لا وهْم فيه , ولَم يخطئ عطاء في قوله " أبو الجعد " فإنّه يحتمل أن يكون حفظ كنية أفلح. وأمّا اسم أبي القعيس , فلم أقف عليه إلَّا في كلام الدّارقطنيّ فقال: هو وائل بن أفلح الأشعريّ، وحكى هذا ابن عبد البرّ , ثمّ حكى أيضاً أنّ اسمه الجعد. فعلى هذا يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه. ويحتمل: أن يكون أبو القعيس نُسب لجدّه , ويكون اسمه وائل بن قعيس بن أفلح بن القعيس، وأخوه أفلح بن قعيس بن أفلح أبو الجعد. قال ابن عبد البرّ في " الاستيعاب ": لا أعلم لأبي القعيس ذكراً إلَّا في هذا الحديث. قوله: (استأذن عليّ بعد ما أُنزل الحجاب) وللبخاري من طريق مالك عن الزهري " وهو عمّها من الرّضاعة بعد أن نزل الحجاب " فيه التفات، وكان السّياق يقتضي أن يقول " وهو عمّي " وكذا وقع

стр. 2988

عند النّسائيّ من طريق معنٍ عن مالك، وفي رواية يونس عن الزّهريّ عند مسلم " وكان أبو القعيس أخا عائشة من الرّضاعة ". وكان الحجاب في ذي القعدة سنة أربعٍ عند جماعةٍ. أمّا قول الواقديّ: إنّ الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمسٍ , فمردودٌ , وقد جزم خليفةٌ وأبو عبيدة وغير واحدٍ , بأنّه كان سنة ثلاثٍ فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوالٍ , أشهرها سنة أربعٍ. والله أعلم قال عياض: فرض الحجاب ممّا اختصصن به , فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه والكفّين، فلا يجوز لهنّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها , ولا إظهار شخوصهنّ , وإن كنّ مستترات إلَّا ما دعت إليه ضرورة من براز. ثمّ استدل بما في " الموطّأ ": أنّ حفصة لَمَّا توفّي عمر سترها النّساء عن أن يرى شخصها؛ وأنّ زينب بنت جحش , جعلت لها القبّة فوق نعشها ليستر شخصها. انتهى. وليس فيما ذكره دليل على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهنّ، وقد كنّ بعد النّبيّ ﷺ يحججن ويطفن، وكان الصّحابة ومن بعدهم يسمعون منهنّ الحديث وهنّ مستترات الأبدان لا الأشخاص. وفي البخاري عن ابن جريجٍ , قلت لعطاءٍ لَمَّا ذُكر له طواف عائشة: أقبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب. (١)

стр. 2989

قوله: (والله لا آذن له، حتى أستأذن النبيّ ﷺ فإنّ أخا أبي القعيس، ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس) في رواية مالك " فأبيت أن آذن له " وفي رواية معمر عن الزّهريّ عن مسلم " وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة ". قوله: (ائذني له، فإنه عمّك) في رواية مالك عن ابن شهاب " فأمرني أن آذن له " وفي رواية مالك عن هشام بن عروة " إنّه عمّك فليلج عليك ". ووقع في رواية سفيان الثّوريّ عن هشام عند أبي داود " دخل عليّ أفلح فاستترت منه فقال: أتستترين منّي وأنا عمّك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قلت: إنّما أرضعتني المرأة ولَم يرضعني الرّجل. الحديث. ويُجمع بأنّه دخل عليها أوّلاً فاستترت ودار بينهما الكلام، ثمّ جاء يستأذن ظنّاً منه أنّها قبِلَت قوله فلم تأذن له حتّى تستأذن رسول الله ﷺ . ووقع في رواية شعيب في آخره من الزّيادة. قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرّموا من الرّضاع ما يحرم من النّسب " , ووقع في رواية سفيان بن عيينة " ما تحرّمون من النّسب " وهذا ظاهره

стр. 2990

الوقف. وقد أخرجه مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عراك عن عروة في هذه القصّة " فقال النّبيّ ﷺ : لا تحتجبي منه، فإنّه يحرم من الرّضاعة ما يحرم من النّسب ". وقد تقدّمت هذه الزّيادة عن عائشة أيضاً مرفوعة من وجه آخر (١) وفي الحديث أنّ لبن الفحل يحرّم. فتنتشر الحرمة من ارتضع الصّغير بلبنه، فلا تحلّ له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلاً. وفيه خلاف قديم القول الأول: حكي عن ابن عمر وابن الزّبير ورافع بن خديج وزينب بنت أمّ سلمة وغيرهم، ونقله ابن بطّال عن عائشة. وفيه نظرٌ. ومن التّابعين عن سعيد بن المسيّب وأبي سلمة والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والشّعبيّ وإبراهيم النّخعيّ وأبي قلابة وإياس بن معاوية. أخرجها ابن أبي شيبة وعبد الرّزّاق وسعيد بن منصور وابن المنذر. وعن ابن سيرين: نبّئت أنّ ناساً من أهل المدينة اختلفوا فيه , وعن زينب بنت أبي سلمة , أنّها سألت والصّحابة متوافرون وأمّهات المؤمنين , فقالوا: الرّضاعة من قبل الرّجل لا تحرّم شيئاً.

стр. 2991

وقال به من الفقهاء ربيعة الرّأي وإبراهيم بن عليّة وابن بنت الشّافعيّ وداود وأتباعه. وأغرب عياض ومن تبعه , في تخصيصهم ذلك بداود وإبراهيم , مع وجود الرّواية عمّن ذكرنا بذلك. وحجّتهم في ذلك: قوله تعالى ﴿وأمّهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ ولَم يذكر العمّة ولا البنت كما ذكرهما في النّسب. وأجيبوا: بأنّ تخصيص الشّيء بالذّكر لا يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه، ولا سيّما وقد جاءت الأحاديث الصّحيحة. واحتجّ بعضهم من حيث النّظر: بأنّ اللبن لا ينفصل من الرّجل وإنّما ينفصل من المرأة , فكيف تنتشر الحرمة إلى الرّجل؟. والجواب: أنّه قياس في مقابلة النّصّ فلا يلتفت إليه. وأيضاً فإنّ سبب اللبن هو ماء الرّجل والمرأة معاً , فوجب أن يكون الرّضاع منهما كالجدّ لمَّا كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده. وإلى هذا أشار ابن عبّاس بقوله في هذه المسألة " اللقاح واحد " أخرجه ابن أبي شيبة. وأيضاً , فإنّ الوطء يدرّ اللبن فللفحل فيه نصيب. القول الثاني: ذهب الجمهور من الصّحابة والتّابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعيّ في أهل الشّام والثّوريّ وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة , وابن جريجٍ في أهل مكّة , ومالك في أهل المدينة ,

стр. 2992

والشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم , إلى أنّ لبن الفحل يُحرّم. وحجّتهم هذا الحديث الصّحيح. وألزم الشّافعيُّ المالكيّةَ في هذه المسألة بردّ أصلهم بتقديم عمل أهل المدينة , ولو خالف الحديث الصّحيح إذا كان من الآحاد. لِمَا رواه عن عبد العزيز بن محمّد عن ربيعة , من أنّ لبن الفحل لا يحرّم، قال عبد العزيز بن محمّد: وهذا رأي فقهائنا إلَّا الزّهريّ. فقال الشّافعيّ: لا نعلم شيئاً من علم الخاصّة أولى بأن يكون عامّاً ظاهراً من هذا، وقد تركوه للخبر الوارد، فيلزمهم على هذا. إمّا أن يردّوا هذا الخبر وهم لَم يردّوه , أو يردّوا ما خالف الخبر، وعلى كلّ حالٍ هو المطلوب. قال القاضي عبد الوهّاب: يتصوّر تجريد لبن الفحل برجلٍ له امرأتان ترضع إحداهما صبيّاً والأخرى صبيّة , فالجمهور قالوا: يحرم على الصّبيّ تزويج الصّبيّة. وقال من خالفهم: يجوز. واستدل به على أنّ من ادّعى الرّضاع وصدّقه الرّضيع , يثبت حكم الرّضاع بينهما ولا يحتاج إلى بيّنة، لأنّ أفلح ادّعى وصدّقته عائشة وأذن الشّارع بمجرّد ذلك. وتعقّب: باحتمال أن يكون الشّارع اطّلع على ذلك من غير دعوى أفلح وتسليم عائشة. واستدل به على أنّ قليل الرّضاع يُحرّم كما يُحرّم كثيره. لعدم

стр. 2993

الاستفصال فيه (١). ولا حجّة فيه , لأنّ عدم الذّكر لا يدلّ على العدم المحض. وفيه أنّ من شكّ في حكم يتوقّف عن العمل حتّى يسأل العلماء عنه، وأنّ من اشتبه عليه الشّيء طالب المدّعي ببيانه ليرجع إليه أحدهما، وأنّ العالم إذا سئل يصدّق مَن قال الصّواب فيها. وفيه وجوب احتجاب المرأة من الرّجال الأجانب ومشروعيّة استئذان المحرم على محرمه، وأنّ المرأة لا تأذن في بيت الرّجل إلَّا بإذنه. وفيه جواز التّسمية بأفلح (٢). ويؤخذ منه أنّ المستفتي إذا بادر بالتّعليل قبل سماع الفتوى أنكر عليه لقوله لها " تربت يمينك " فإنّ فيه إشارة إلى أنّه كان من حقّها أن

стр. 2994

تسأل عن الحكم فقط , ولا تعلل. وألزم به بعضُهم مَن أطلق من الحنفيّة القائلين: أنّ الصّحابيّ إذا روى عن النّبيّ ﷺ حديثاً وصحّ عنه , ثمّ صحّ عنه العمل بخلافه أنّ العمل بما رأى لا بما روى، لأنّ عائشة صحّ عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل. ذكره مالك في " الموطّأ " وسعيد بن منصور في " السّنن " , وأبو عبيد في " كتاب النّكاح " بإسنادٍ حسنٍ. وأخذ الجمهور ومنهم الحنفيّة بخلاف ذلك , وعملوا بروايتها في قصّة أخي أبي القعيس وحرّموه بلبن الفحل , فكان يلزمهم على قاعدتهم أن يتّبعوا عمل عائشة ويعرضوا عن روايتها، ولو كان روى هذا الحكم غير عائشة لكان لهم معذرة , لكنّه لَم يروه غيرها، وهو إلزام قويّ. وفي الحديث الرّدّ على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمّها أو خالها، كما أخرجه الطّبريّ من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة والشّعبيّ أنّه قيل لهما: لِمَ لَمْ يُذكر العمّ والخال في هذه الآية؟ فقالا: لأنّهما ينعتاها لأبنائهما، وكرها لذلك أن تضع خمارها عند عمّها أو خالها. وحديث عائشة في قصّة أفلح يردّ عليهما , وهذا من دقائق ما في تراجم البخاريّ (١).

стр. 2995

قوله: (تربت يمينك) في رواية سفيان عن الزهري عند مسلم " يداك أو يمينك " أي: لصقتا بالتّراب , وهي كناية عن الفقر. وهو خبر بمعنى الدّعاء، لكن لا يراد به حقيقته، وبهذا جزم صاحب " العمدة ". زاد غيره , أنّ صدور ذلك من النّبيّ ﷺ في حقّ مسلم لا يستجاب لشرطه ذلك على ربّه (١). وقال النّحّاس: معناه إن لَم تفعل لَم يحصل في يديك إلَّا التّراب. وحكى ابن العربيّ: أنّ معناه استغنت، وردّ بأنّ المعروف أترب إذا استغنى وترب إذا افتقر، ووجّه بأنّ الغنى النّاشئ عن المال تراب , لأنّ جميع ما في الدّنيا تراب , ولا يخفى بعده. وقيل: معناه ضعف عقلك. وقيل: افتقرت من العلم. وقيل: فيه تقدير شرط أي: وقع لك ذلك إن لَم تفعل. ورجّحه ابن العربيّ. وقيل: معنى افتقرت حابت.

стр. 2996

وقيل: هي كلمة تستعمل في المدح عند المبالغة كما قالوا للشّاعر: قاتله الله لقد أجاد. وصحّفه بعضهم , فقاله بالثّاء المثلثة , ووجّهه. بأنّ معنى ثربت تفرّقت وهو مثل حديث " نهى عن الصّلاة إذا صارت الشّمس كالأثارب " (١) وهو جمع ثروب وأثرب مثل فلوس وأفلس. وهي جمع ثرْب بفتح أوّله وسكون الرّاء , وهو الشّحم الرّقيق المتفرّق الذي يغشى الكرش.

стр. 2997

الحديث الرابع والثلاثون ٣٣٨ - عن عائشة ﵂، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجلٌ، فقال: يا عائشة، مَنْ هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة، فقال: يا عائشة، انظرن مَن إخوانكنّ، فإنما الرضاعةُ من المَجاعة. (١) قوله: (دخل عليّ رسول الله ﷺ . وعندي رجلٌ) لَم أقف على اسمه , وأظنّه ابناً لأبي القعيس. وغلط مَن قال هو عبد الله بن يزيد رضيع عائشة , لأنّ عبد الله هذا تابعيّ باتّفاق الأئمّة. وكأنّ أمّه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النّبيّ ﷺ فولدته , فلهذا قيل له رضيع عائشة. قوله: (فقال: يا عائشة، مَن هذا؟) وللبخاري من طريق شعبة عن أشعث " فكأنّه تغيّر وجهه كأنّه كره ذلك " كذا فيه، ووقع في رواية مسلم من طريق أبي الأحوص عن أشعث " وعندي رجلٌ قاعدٌ فاشتدّ ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه " وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر عن شعبة " فشقّ ذلك عليه وتغيّر وجهه " قوله: (انظرن مَنْ إخوانكنّ) في رواية شعبة " ما إخوانكنّ " والأولى أوجه. والمعنى تأمّلن ما وقع من ذلك , هل هو رضاع صحيح بشرطه:

стр. 2998

من وقوعه في زمن الرّضاعة، ومقدار الارتضاع , فإنّ الحكم الذي ينشأ من الرّضاع إنّما يكون إذا وقع الرّضاع المشترط. قال المُهلَّب: معناه انظرن ما سبب هذه الأخوّة، فإنّ حرمة الرّضاع إنّما هي في الصّغر حتّى تسدّ الرّضاعة المجاعة. وقال أبو عبيد: معناه أنّ الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرّضاع , لا حيث يكون الغذاء بغير الرّضاع. قوله: (فإنّما الرّضاعة من المجاعة) فيه تعليل الباعث على إمعان النّظر والفكر، لأنّ الرّضاعة تثبت النّسب وتجعل الرّضيع محرّماً. قوله: (من المجاعة) أي: الرّضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحلّ بها الخلوة هي حيث يكون الرّضيع طفلاً لسدّ اللبن جوعته، لأنّ معدته ضعيفة يكفيها اللبن , وينبت بذلك لحمه فيصير كجزءٍ من المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنّه قال: لا رضاعة معتبرة إلَّا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة، كقوله تعالى ﴿أطعمهم من جوع﴾. ومن شواهده حديث ابن مسعود: لا رضاع إلَّا ما شدّ العظم وأنبت اللحم. أخرجه أبو داود مرفوعاً وموقوفاً. وحديث أمّ سلمة: لا يحرّم من الرّضاع إلَّا ما فتق الأمعاء. أخرجه التّرمذيّ وصحّحه. ويمكن أن يستدلّ به على أنّ الرّضعة الواحدة لا تحرّم. لأنّها لا تغني من جوع، وإذا كان يحتاج إلى تقدير فأولى ما يؤخذ به ما قدّرته

стр. 2999

الشّريعة وهو خمس رضعات. واستُدل به. وهو القول الأول: على أنّ التّغذية بلبن المُرضعة , يحرّم سواء كان بشربٍ أم أكلٍ بأيّ صفة كان، حتّى الوجور والسّعوط والثّرد والطّبخ وغير ذلك إذا وقع ذلك بالشّرط المذكور من العدد لأنّ ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذكر فيوافق الخبر والمعنى. وبهذا قال الجمهور. لكن استثنى الحنفيّة الحقنةَ. القول الثاني: خالف في ذلك الليث وأهل الظّاهر , فقالوا: إنّ الرّضاعة المُحرّمة إنّما تكون بالتقام الثّدي ومصّ اللبن منه. وأُوردَ على ابن حزم (١) أنّه يلزم على قولهم. إشكال في التقام سالم ثدي سهلة - وهي أجنبيّة منه - فإنّ عياضاً أجاب عن الإشكال باحتمال أنّها حلبته ثمّ شربه من غير أن يمسّ ثديها. قال النّوويّ: وهو احتمال حسن، لكنّه لا يفيد ابن حزم، لأنّه لا يكتفى في الرّضاع إلَّا بالتقام الثّدي. لكن أجاب النّوويّ: بأنّه عفي عن ذلك للحاجة. وأمّا ابن حزم فاستدل بقصّة سالم على جواز مسّ الأجنبيّ ثدي الأجنبيّة والتقام ثديها إذا أراد أن يرتضع منها مطلقاً. واستُدل به على أنّ الرّضاعة إنّما تعتبر في حال الصّغر , لأنّها الحال الذي يمكن طرد الجوع فيها باللبن بخلاف حال الكبر، وضابط

стр. 3000

ذلك تمام الحولين. لقوله (حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة). وقال الحنفيّة: إنّ أقصى مدّة الرّضاع ثلاثون شهراً. وحجّتهم قوله تعالى ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ أي: المدّة المذكورة لكلٍّ من الحمل والفصال. وهذا تأويل غريب. والمشهور عند الجمهور , أنّها تقدير مدّة أقلّ الحمل وأكثر مدّة الرّضاع، وإلى ذلك صار أبو يوسف ومحمّد بن الحسن، ويؤيّد ذلك أنّ أبا حنيفة لا يقول إنّ أقصى الحمل سنتان ونصف. وعند المالكيّة رواية توافق قول الحنفيّة , لكنّ منزعهم في ذلك أنّه يغتفر بعد الحولين مدّة يدمن الطّفل فيها على الفطام، لأنّ العادة أنّ الصّبيّ لا يفطم دفعة واحدة بل على التّدريج في أيّام قليلات، فللأيّام التي يحاول فيها فطامه حكم الحولين. ثمّ اختلفوا في تقدير تلك المدّة. قيل: يغتفر نصف سنة، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونحوه. وقيل: أيّام يسيرة، وقيل: شهر. وقيل: لا يزاد على الحولين , وهي رواية ابن وهب عن مالك. وبه قال الجمهور. ومن حجّتهم. حديث ابن عبّاس رفعه " لا رضاع إلَّا ما كان في الحولين " أخرجه الدّارقطنيّ، وقال: لَم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. وأخرجه ابن عديّ. وقال: غير الهيثم يوقفه على ابن عبّاس. وهو

стр. 3001

المحفوظ. وأيضاً حديث أمّ سلمة: لا رضاع إلَّا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام. وصحّحه التّرمذيّ وابن حبّان. وعندهم متى وقع الرّضاع بعد الحولين , ولو بلحظةٍ لَم يترتّب عليه حكم. وعند الشّافعيّة: لو ابتدأ الوضع في أثناء الشّهر جبر المنكسر من شهر آخر ثلاثين يوماً. وقال زُفر: يستمرّ إلى ثلاث سنين , إذا كان يجتزئ باللبن ولا يجتزئ بالطّعام، وحكى ابن عبد البرّ عنه , أنّه يشترط مع ذلك أن يكون يجتزئ باللبن، وحكى عن الأوزاعيّ مثله , لكن قال: بشرط أن لا يفطم، فمتى فُطم ولو قبل الحولين , فما رضع بعده لا يكون رضاعاً. قال القرطبيّ: في قوله " فإنّما الرّضاعة من المجاعة ": تثبيت قاعدة كليّة صريحة في اعتبار الرّضاع في الزّمن الذي يستغني به الرّضيع عن الطّعام باللبن، ويعتضد بقوله تعالى ﴿لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة﴾ فإنّه يدلّ على أنّ هذه المدّة أقصى مدّة الرّضاع المحتاج إليه عادة المعتبر شرعاً، فما زاد عليه لا يحتاج إليه عادة فلا يعتبر شرعاً، إذ لا حكم للنّادر. وفي اعتبار إرضاع الكبير انتهاك حرمة المرأة بارتضاع الأجنبيّ منها لاطّلاعه على عورتها ولو بالتقامه ثديها. قلت: وهذا الأخير على الغالب , وعلى مذهب من يشترط التقام

стр. 3002

الثّدي. وسيأتي أنّ عائشة كانت لا تفرّق في حكم الرّضاع بين حال الصّغر والكبر. وقد استشكل ذلك مع كون هذا الحديث من روايتها , واحتجّت هي بقصّة سالم مولى أبي حذيفة , فلعلها فهمت من قوله " إنّما الرّضاعة من المجاعة " اعتبار مقدار ما يسدّ الجوعة من لبن المرضعة لمن يرتضع منها، وذلك أعمّ من أن يكون المرتضع صغيراً أو كبيراً , فلا يكون الحديث نصّاً في منع اعتبار رضاع الكبير. وحديث ابن عبّاس مع تقدير ثبوته , ليس نصّاً في ذلك , ولا حديث أمّ سلمة. لجواز أن يكون المراد أنّ الرّضاع بعد الفطام ممنوع، ثمّ لو وقع رتّب عليه حكم التّحريم، فما في الأحاديث المذكورة ما يدفع هذا الاحتمال، فلهذا عملت عائشة بذلك. وحكاه النّوويّ تبعاً لابن الصّبّاغ وغيره عن داود. وفيه نظرٌ. وكذا نقل القرطبيّ عن داود , أنّ رضاع الكبير يفيد رفع الاحتجاب منه، ومال إلى هذا القول ابن الموّاز من المالكيّة. وفي نسبة ذلك لداود نظرٌ , فإنّ ابن حزم ذكر عن داود أنّه مع الجمهور، وكذا نقل غيره من أهل الظّاهر. وهُم أخبر بمذهب صاحبهم. وإنّما الذي نصر مذهبَ عائشة هذا , وبالغ في ذلك هو ابن حزم ونقله عن عليّ، وهو من رواية الحارث الأعور عنه، ولذلك ضعّفه

стр. 3003

ابن عبد البرّ. وقال عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ: قال رجل لعطاءٍ: إنّ امرأة سقتني من لبنها بعدما كبرت أفأنكحها؟ قال: لا. قال ابن جريجٍ: فقلت له: هذا رأيك؟ قال: نعم. كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها. وهو قول الليث بن سعد، وقال ابن عبد البرّ: لَم يختلف عنه في ذلك. قلت: وذكر الطّبريّ في " تهذيب الآثار " في مسند عليٍّ هذه المسألة. وساق بإسناده الصّحيح عن حفصة مثل قول عائشة، وهو ممّا يخصّ به عموم قول أمّ سلمة: أَبَى سائر أزواج النّبيّ ﷺ أن يدخلن عليهنّ بتلك الرّضاعة أحداً. أخرجه مسلم وغيره. ونقله الطّبريّ أيضاً عن عبد الله بن الزّبير والقاسم بن محمّد وعروة في آخرين. وفيه تعقّب على القرطبيّ حيث خصّ الجواز بعد عائشة بداود. وذهب الجمهور إلى اعتبار الصّغر في الرّضاع المحرّم. وقد تقدّم ضبطه. وأجابوا عن قصّة سالم بأجوبةٍ: الجواب الأول: أنّه حكمٌ منسوخ. وبه جزم المحبّ الطّبريّ في أحكامه، وقرّره بعضهم بأنّ قصّة سالم كانت في أوائل الهجرة , والأحاديث الدّالة على اعتبار الحولين من

стр. 3004

رواية أحداث الصّحابة فدلَّ على تأخّرها. وهو مستندٌ ضعيف إذ لا يلزم من تأخّر إسلام الرّاوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدّماً. وأيضاً ففي سياق قصّة سالم ما يشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين. لقول امرأة أبي حذيفة في بعض طرقه (١) حيث قال لها النّبيّ ﷺ : أرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجلٌ كبير؟ فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: قد علمتُ أنّه رجلٌ كبير. وفي رواية لمسلمٍ قالت: إنّه ذو لحية، قال: أرضعيه. وهذا يشعر بأنّها كانت تعرف أنّ الصّغر معتبر في الرّضاع المحرّم. الجواب الثاني: دعوى الخصوصيّة بسالمٍ وامرأة أبي حذيفة. والأصل فيه قول أمّ سلمة وأزواج النّبيّ ﷺ : ما نرى هذا إلَّا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالمٍ خاصّة. وقرّره ابن الصّبّاغ وغيره: بأنّ أصل قصّة سالم , ما كان وقع من التّبنّي الذي أدّى إلى اختلاط سالم بسهلة، فلمّا نزل الاحتجاب ومنعوا من التّبنّي شقّ ذلك على سهلة فوقع التّرخيص لها في ذلك لرفع ما حصل لها من المشقّة. وهذا فيه نظرٌ , لأنّه يقتضي إلحاق من يساوي سهلة في المشقّة والاحتجاج بها , فتنفي الخصوصيّة ويثبت مذهب المخالف، لكن يفيد الاحتجاج.

стр. 3005

وقرّره آخرون: بأنّ الأصل أنّ الرّضاع لا يحرّم، فلمّا ثبت ذلك في الصّغر خولف الأصل له وبقي ما عداه على الأصل، وقصّة سالم واقعة عين يطرقها احتمال الخصوصيّة فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها. ورأيت بخطّ تاج الدّين السّبكيّ , أنّه رأى في تصنيف لمحمّد بن خليل الأندلسيّ في هذه المسألة , أنّه توقّف في أنّ عائشة وإنْ صحّ عنها الفتيا بذلك , لكن لَم يقع منها إدخال أحد من الأجانب بتلك الرّضاعة. قال تاج الدّين: ظاهر الأحاديث تردّ عليه، وليس عندي فيه قول جازم لا من قطع , ولا من ظنٍّ غالب. كذا قال، وفيه غفلة عمّا ثبت عند أبي داود في هذه القصّة " فكانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبّت أن يدخل عليها ويراها , وإن كان كبيراً خمس رضعات ثمّ يدخل عليها " وإسناده صحيح، وهو صريح، فأيّ ظنٍّ غالب وراء هذا؟ والله أعلم. وفي الحديث أيضاً جواز دخول من اعترفت المرأة بالرّضاعة معه عليها , وأنّه يصير أخاً لها وقبول قولها فيمن اعترفت به. وأنّ الزّوج يسأل زوجته عن سبب إدخال الرّجال بيته والاحتياط في ذلك والنّظر فيه. وفي قصّة سالم جواز الإرشاد إلى الحيل.

стр. 3006

وقال ابن الرّفعة: يؤخذ منه جواز تعاطي ما يحصّل الحلّ في المستقبل , وإن كان ليس حلالاً في الحال. وتمسّك بعموم الوارد في الأخبار مثل حديث الباب وغيره. وهو القول الأول: تحريم قليل الرّضاع وكثيره , وهذا قول مالك وأبي حنيفة والثّوريّ والأوزاعيّ والليث، وهو المشهور عند أحمد. القول الثاني: ذهب آخرون إلى أنّ الذي يحرّم ما زاد على الرّضعة الواحدة. ثمّ اختلفوا: القول الأول: جاء عن عائشة " عشر رضعات ". أخرجه مالك في " الموطّأ "، وعن حفصة كذلك. القول الثاني: جاء عن عائشة أيضاً " سبع رضعات " أخرجه ابن أبي خيثمة بإسنادٍ صحيح عن عبد الله بن الزّبير عنها، وعبد الرّزّاق من طريق عروة " كانت عائشة تقول: لا يحرّم دون سبع رضعات , أو خمس رضعات ". القول الثالث: جاء عن عائشة أيضاً " خمس رضعات. فعند مسلم عنها " كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات، ثمّ نسخت بخمس رضعات معلومات. فتوفّي رسول الله ﷺ وهنّ ممّا يقرأ " وعند عبد الرّزّاق بإسنادٍ صحيح عنها قالت: لا يحرّم دون خمس رضعات معلومات. وإلى هذا ذهب الشّافعيّ، وهي رواية عن أحمد، وقال به ابن حزم.

стр. 3007

القول الرابع: ذهب أحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وداود وأتباعه - إلَّا ابن حزم - إلى أنّ الذي يحرّم ثلاث رضعات لقوله ﷺ : لا تحرّم الرّضعة والرّضعتان. فإنّ مفهومه أنّ الثّلاث تحرّم. وأغرب القرطبيّ. فقال: لَم يقل به إلَّا داود. ويخرج ممّا أخرجه البيهقيّ عن زيد بن ثابت بإسنادٍ صحيح أنّه يقول: لا تحرّم الرّضعة والرّضعتان والثّلاث، وأنّ الأربع هي التي تحرّم. والثّابت من الأحاديث حديث عائشة في الخمس. وأمّا حديث " لا تحرّم الرّضعة والرّضعتان " فلعله مثال لِمَا دون الخمس، وإلا فالتّحريم بالثّلاث فما فوقها إنّما يؤخذ من الحديث بالمفهوم، وقد عارضه مفهوم الحديث الآخر المخرّج عند مسلم وهو الخمس، فمفهوم " لا تحرّم المصّة ولا المصّتان " أنّ الثّلاث تحرّم، ومفهوم خمس رضعات أنّ الذي دون الأربع لا يحرّم فتعارضا، فيرجع إلى التّرجيح بين المفهومين. وحديث الخمس جاء من طرق صحيحة. وحديث المصّتان جاء أيضاً من طرق صحيحة، لكن قد قال بعضهم: إنّه مضطرب , لأنّه اختلف فيه. هل هو عن عائشة أو عن الزّبير أو عن ابن الزّبير أو عن أمّ الفضل؟. لكن لَم يقدح الاضطراب عند مسلم. فأخرجه من حديث أمّ

стр. 3008

الفضل زوج العبّاس , أنّ رجلاً من بني عامر قال: يا رسولَ الله. هل تحرّم الرّضعة الواحدة؟ قال: لا. وفي رواية له عنها " لا تحرّم الرّضعة ولا الرّضعتان ولا المصّة ولا المصّتان ". قال القرطبيّ: هو أنصّ ما في الباب، إلَّا أنّه يمكن حمله على ما إذا لَم يتحقّق وصوله إلى جوف الرّضيع، وقوى مذهب الجمهور بأنّ الأخبار اختلفت في العدد، وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك , فوجب الرّجوع إلى أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، ويعضده من حيث النّظر أنّه معنىً طارئ يقتضي تأييد التّحريم فلا يشترط فيه العدد كالصّهر، أو يقال مائع يلج الباطن فيحرّم. فلا يشترط فيه العدد كالمنيّ. والله أعلم. وأيضاً فقول عائشة " عشر رضعات معلومات , ثمّ نسخن بخمسٍ معلومات , فمات النّبيّ ﷺ وهنّ ممّا يقرأ " لا ينتهض للاحتجاج على الأصحّ من قولي الأصوليّين، لأنّ القرآن لا يثبت إلَّا بالتّواتر، والرّاوي روى هذا على أنّه قرآن لا خبر فلم يثبت كونه قرآناً , ولا ذكر الرّاوي أنّه خبر ليقبل قوله فيه. والله أعلم. تكميل: عقد البخاري ترجمةً لشهادة الاستفاضة، وذكر منها النّسب والرّضاعة والموت القديم. فأمّا النّسب فيستفاد من أحاديث الرّضاعة فإنّه من لازمه وقد نقل فيه الإجماع. وأمّا الرّضاعة فيستفاد ثبوتها بالاستفاضة من أحاديث الباب ,

стр. 3009

فإنّها كانت في الجاهليّة , وكان ذلك مستفيضاً عند من وقع له. وأمّا الموت القديم فيستفاد منه حكمه بالإلحاق , قاله ابن المنير. واحترز بالقديم عن الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزّمان عليه , وحدّه بعض المالكيّة بخمسين سنةً , وقيل: بأربعين. واختلف العلماء في ضابط ما تقبل فيه الشّهادة بالاستفاضة. فتصحّ عند الشّافعيّة في النّسب قطعاً، والولادة , وفي الموت والعتق والولاء والوقف والولاية والعزل والنّكاح وتوابعه والتّعديل والتّجريح والوصيّة والرّشد والسّفه والملك على الرّاجح في جميع ذلك. وبلغها بعض المتأخّرين من الشّافعيّة بضعة وعشرين موضعاً. وهي مستوفاةٌ في " قواعد العلائيّ ". وعن أبي حنيفة: تجوز في النّسب والموت والنّكاح والدّخول، وكونه قاضياً، زاد أبو يوسف: والولاء , زاد محمّد: والوقف. قال صاحب " الهداية " وإنّما أجيز استحساناً , وإلَّا فالأصل أنّ الشّهادة لا بدّ فيها من المشاهدة. وشرط قبولها أن يسمعها من جمعٍ يؤمن تواطؤهم على الكذب. وقيل: أقل ذلك أربعة أنفس، وقيل: يكفي من عدلين. وقيل: يكفي من عدلٍ واحدٍ إذا سكن القلب إليه.

стр. 3010

الحديث الخامس والثلاثون ٣٣٩ - عن عقبة بن الحارث ﵁ أنه تزوَّج أمّ يحيى بنت أبي إهابٍ، فجاءت أمةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرتُ ذلك للنبيّ ﷺ ، قال: فأعرض عني، قال: فتنحّيت، فذكرت ذلك له، فقال: وكيف وقد زعَمَتْ أنْ قد أرضعتكما؟ فنهاه عنها (١). قوله: (عن عقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل النوفلي. مِن مسلمة الفتح. (٢). وقع للبخاري في " الشهادات " عن ابن أبي مُلَيكة حدّثني عقبة بن

стр. 3011

الحارث , أو سمعته منه. وفيه ردٌّ على من زعم: أنّ ابن أبي مُلَيكة لَم يسمع من عقبة بن الحارث، وقد حكاه ابن عبد البرّ , ولعل قائل ذلك أخذه من رواية البخاري في النّكاح من طريق ابن عليّة عن أيّوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث , قال ابن أبي مُلَيكة: وقد سمعته من عقبة , ولكنّي لحديث عبيدٍ أحفظ. وأخرجه أبو داود من طريق حمّاد عن أيّوب، ولفظه: عن ابن أبي مُلَيكة عن عقبة بن الحارث قال: وحدّثنيه صاحبٌ لي عنه , وأنا لحديث صاحبي أحفظ. ولَم يسمّه. وفيه إشارةٌ إلى التّفرقة في صيغ الأداء بين الإفراد والجمع , أو بين القصد إلى التّحديث وعدمه , فيقول الرّاوي فيما سمعه وحده من لفظ الشّيخ، أو قصد الشّيخ تحديثه بذلك: حدّثني. بالإفراد. وفيما عدا ذلك: حدّثنا. بالجمع أو: سمعت فلاناً يقول. ووقع عند الدّارقطنيّ من هذا الوجه: حدّثني عقبة بن الحارث. ثمّ قال: لَم يحدّثني , ولكنّي سمعته يحدّث. وهذا يعيّن أحد الاحتمالين. وقد اعتمد ذلك النّسائيّ فيما يرويه عن الحارث بن مسكينٍ فيقول " الحارث بن مسكينٍ قراءةً عليه وأنا أسمع " ولا يقول حدّثني , ولا أخبرني؛ لأنّه لَم يقصده بالتّحديث , وإنّما كان يسمعه من غير أن يشعر به.

стр. 3012

قوله: (تزوج أمّ يحيى بنت أبي إهابٍ) في رواية للبخاري " أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز " اسمها غنيّة - بفتح المعجمة وكسر النّون بعدها ياء تحتانيّة مشدّدة - وكنيتها أمّ يحيى. وهجم الكرمانيّ فقال: لا يعرف اسمها. ثمّ وجدت في النّسائيّ , أنّ اسمها زينب , فلعلَّ غنيّة لقبها أو كان اسمها فغيّر بزينب كما غيّر اسم غيرها وأبو إهاب بكسر الهمزة لا أعرف اسمه، وهو مذكور في الصّحابة، وعزيز بفتح العين المهملة وكسر الزّاي وآخره زاي أيضاً. وزن عظيم. ومَن قاله بضمّ أوّله فقد حرّف. ووقع عند أبي ذرٍّ عن المستملي والحمويّ عُزير بزاي , وآخره راء مصغّر. والأوّل أصوب قوله: (فجاءت أمةٌ سوداء) لَم أقف على اسمها. قوله: (قد أرضعتكما) زاد الدّارقطنيّ من طريق أيّوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عقبة: فدخلتْ علينا امرأة سوداء , فسألتْ فأبطأنا عليها , فقالت: تصدّقوا عليّ فوالله لقد أرضعتكما جميعاً. زاد البخاريّ في " العلم " من طريق عمر بن سعيد بن أبي حسين عن ابن أبي مُلَيكة " فقال لها عقبة: ما أرضعتني ولا أخبرتني " أي: بذلك قبل التّزوّج كأنّه اتّهمها. زاد في " باب إذا شهد بشيءٍ فقال آخر: ما علمت ذلك " (١). وفي

стр. 3013

" العلم " فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله " وترجم عليه " الرّحلة في المسألة النّازلة ". وزاد في النّكاح " فقالت لي: قد أرضعتكما. وهي كاذبة ". قوله:: (فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ) في رواية للبخاري " فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله ". قوله " فركب " أي: من مكّة , لأنّها كانت دار إقامته. قوله: (فأعرض عني) زاد البخاري في رواية له " وتبسّم النّبيّ ﷺ ". قوله: (فتنحّيت، فذكرتُ ذلك له) في رواية للبخاري " فأعرض عنّي فأتيته من قِبَل وجهه فقلت: إنّها كاذبة " , وفي رواية الدّارقطنيّ " ثمّ سألته فأعرض عنّي , وقال في الثّالثة أو الرّابعة ". قوله: (وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ فنهاه عنها) في رواية للبخاري " دعها عنك " , زاد الدّارقطنيّ في رواية أيّوب في آخره " لا خيرَ لك فيها. وللبخاري أيضا " كيف وقد قيل؟ ففارقَها ونكحت زوجاً غيره ". اسم هذا الزّوج. ظُرَيْب بضمّ المعجمة المشالة وفتح الرّاء وآخره

стр. 3014

موحّدة مصغّراً. القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنّ شهادة الإماء والعبيد لا تقبل مطلقاً. القول الثاني: تقبل في الشّيء اليسير. وهو قول الشّعبيّ وشريح والنّخعيّ والحسن. فأخرج ابن أبي شيبة من رواية منصور عن إبراهيم قال: كانوا يجيزونها في الشّيء الخفيف. ومن طريق أشعث الحمرانيّ عن الحسن نحوه. القول الثالث: تقبل مطلقاً. وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. لحديث عقبة , ووجه الدّلالة منه أنّه ﷺ أمر عقبة بفراق امرأته بقول الأمة المذكورة , فلو لَم تكن شهادتها مقبولة ما عمل بها. واحتجّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ممّن ترضون من الشّهداء﴾ قالوا: فإن كان الذي في الرّقّ رضاً فهو داخلٌ في ذلك. وأجيب عن الآية: بأنّه تعالى قال في آخرها: ﴿ولا يأب الشّهداء إذا ما دعوا﴾ والإباء إنّما يتأتّى من الأحرار لاشتغال الرّقيق بحقّ السّيّد , وفي الاستدلال بهذا القدر نظرٌ. وأجاب الإسماعيليّ عن حديث الباب. فقال: قد جاء في بعض طرقه " فجاءت مولاةٌ لأهل مكّة " قال: وهذا اللفظ يطلق على الحرّة التي عليها الولاء فلا دلالة فيه على أنّها كانت رقيقة. وتعقّب: بأنّ رواية حديث الباب فيه التّصريح بأنّها أمةٌ فتعيّن أنّها

стр. 3015

ليست بحرّة. وقد قال ابن دقيق العيد: إن أخذنا بظاهر حديث الباب فلا بدّ من القول بشهادة الأمة، وقد سبق إلى الجزم بأنّها كانت أمةً , أحمدُ بنُ حنبل. رواه عنه جماعة كأبي طالب ومهنّا وحرب وغيرهم. وأخرج ابن أبي شيبة من رواية المختار بن فلفل قال: سألت أنساً عن شهادة العبيد , فقال: جائزة. وروى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أشعث عن الشّعبيّ: كان شُريح لا يجيز شهادة العبد , فقال عليٌّ: لكنّنا نجيزها , فكان شُريح بعد ذلك يجيزها إلَّا لسيّده. واحتجّ بالحديث مَن قَبِل شهادة المرضعة وحدها. قال عليّ بن سعد: سمعت أحمد يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرّضاع , قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث. وهو قول الأوزاعيّ. ونُقل عن عثمان وابن عبّاس والزّهريّ والحسن وإسحاق. وروى عبد الرّزّاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: فرّق عثمان بين ناسٍ تناكحوا بقول امرأةٍ سوداء أنّها أرضعتهم , قال ابن شهاب: النّاس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم. واختاره أبو عبيدٍ إلَّا أنّه قال: إن شهِدتْ المرضعة وحدها وجب على الزّوج مفارقة المرأة , ولا يجب عليه الحكم بذلك، وإن شهِدتْ معها أخرى وجب الحكم به.
следующие страницы →