← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وقال ابن التّين: أجاب بعض الحنفيّة: بأنّ هذا الحديث لا دلالة فيه على المماثلة في القصاص، لأنّ المرأة كانت حيّة والقود لا يكون في حيّ، وتعقّبه , بأنّه إنّما أمر بقتله بعد موتها , لأنّ في الحديث " أفلان قتلك؟ " فدلَّ على أنّها ماتت حينئذٍ لأنّها كانت تجود بنفسها، فلمّا ماتت اقتصّ منه. وادّعى ابن المرابط من المالكيّة: أنّ هذا الحكم كان في أوّل الإسلام , وهو قبول قول القتيل، وأمّا ما جاء أنّه اعترف فهو في رواية قتادة ولَم يقله غيره وهذا ممّا عدّ عليه. انتهى. ولا يخفى فساد هذه الدّعوى , فقتادة حافظٌ زيادته مقبولة , لأنّ غيره لَم يتعرّض لنفيها فلم يتعارضا، والنّسخ لا يثبت بالاحتمال. قال ابن المنذر: قال الأكثر: إذا قتله بشيءٍ يقتل مثله غالباً فهو عمد. وقال ابن أبي ليلى: إن قتل بالحجر أو العصا نُظر. إن كرّر ذلك فهو عمد , وإلا فلا. وقال عطاء وطاوسٌ: شرط العمد أن يكون بسلاحٍ. وقال الحسن البصريّ والشّعبيّ والنّخعيّ والحكم وأبو حنيفة ومن تبعهم: شرطه أن يكون بحديدةٍ. واختلف فيمن قتل بعصاً, فأقيد بالضّرب بالعصا فلم يَمُت. هل يكرّر عليه؟ فقيل: لَم يكرّر. وقيل: إن لَم يمت قتل بالسّيف , وكذا فيمن قتل

стр. 3082

بالتّجويع. وقال ابن العربيّ: يستثنى من المماثلة ما كان فيه معصية كالخمر واللواط والتّحريق، وفي الثّالثة خلاف عند الشّافعيّة، والأوّلان بالاتّفاق، لكن قال بعضهم: يقتل بما يقوم مقام ذلك. انتهى. ومن أدلة المانعين حديث المرأة التي رمتْ ضرّتها بعمود الفسطاط فقتلتها، فإنّ النّبيّ ﷺ جعل فيها الدّية (١). وفي حديث أنس في قصّة اليهوديّ. وهو القول الأول: حجّة للجمهور. في أنّه لا يشترط في الإقرار بالقتل أن يتكرّر، وهو مأخوذ من إطلاق قوله " فأخذ اليهوديّ فاعترف " فإنّه لَم يذكر فيه عدداً والأصل عدمه. القول الثاني: ذهب الكوفيّون: إلى اشتراط تكرار الإقرار بالقتل مرّتين قياساً على اشتراط تكرار الإقرار بالزّنا أربعاً. تبعاً لعدد الشّهود في الموضعين. قوله: (على أوضاحٍ) فمعناه بسبب أوضاح - وهي بالضّاد المعجمة والحاء المهملة جمع وضحٍ - قال أبو عبيد: هي حليّ الفضّة. ونقل عياض: أنّها حليّ من حجارة، ولعله أراد حجارة الفضّة احترازاً من الفضّة المضروبة أو المنقوشة. قوله: (فأقاده بها رسول الله ﷺ ) قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنّ العبد يقتل بالحرّ , وأنّ الأنثى تقتل بالذّكر ويقتل بها. إلَّا أنّه ورد عن

стр. 3083

بعض الصّحابة كعليٍّ , والتّابعين كالحسن البصريّ , أنّ الذّكر إذا قتل الأنثى فشاء أولياؤها قتله وجب عليهم نصف الدّية , وإلَّا فلهم الدّية كاملة. قال: ولا يثبت عن عليّ , لكن هو قول عثمان البتّيّ أحد فقهاء البصرة، ويدلّ على التّكافؤ بين الذّكر والأنثى , أنّهم اتّفقوا على أنّ مقطوع اليد والأعور لو قتله الصّحيح عمداً لوجب عليه القصاص. ولَم يجب له بسبب عينه أو يده دية. انتهى قال ابن المنذر: أجمعوا على أنّ الرّجل يقتل بالمرأة والمرأة بالرّجل , إلَّا رواية عن عليّ وعن الحسن وعطاء. وخالف الحنفيّة فيما دون النّفس. واحتجّ بعضهم: بأنّ اليد الصّحيحة لا تقطع باليد الشّلاء بخلاف النّفس. فإنّ النّفس الصّحيحة تقاد بالمريضة اتّفاقاً. وأجاب ابن القصّار: بأنّ اليد الشّلاء في حكم الميّتة والحيّ لا يقاد بالميّت. وقال ابن المنذر: لَمَّا أجمعوا على القصاص في النّفس , واختلفوا فيما دونها , وجب ردّ المختلف إلى المتّفق. وقال البخاري: وقال أهل العلم: يقتل الرّجل بالمرأة. انتهى. المراد الجمهور، أو أطلق إشارةً إلى وهْيِ (١) الطّريق إلى عليّ. أو إلى أنّه من ندرة المخالف.

стр. 3084

الحديث الخامس ٣٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: لَمَّا فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكة، قتلتْ خزاعةُ رجلاً من بني ليثٍ بقتيلٍ كان لهم في الجاهلية، فقام النبيّ ﷺ , فقال: إنّ الله قد حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، أَلَا وإنها لَم تحلُّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحلِّتْ لي ساعةً من نهارٍ، وإنها ساعتي هذه، حرامٌ، لا يُعضد شجرها، ولا يُختلى شوكها، ولا تُلتقط ساقطتها إلَّا لمنشدٍ، ومن قُتل له قتيلٌ، فهو بخير النّظرين، إما أن يقتل، وإما أن يفدى، فقام رجلٌ من أهل اليمن يقال له أبو شاهٍ , فقال: يا رسولَ الله اكتبوا لي، فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لأبي شاهٍ، ثم قام العباس، فقال: يا رسولَ الله إلَّا الإذخر، فإنا نجعله في بيوتنا، وقبورنا، فقال رسول الله ﷺ : إلَّا الإذخر. (١) قوله: (لَمَّا فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكة قتلت) في رواية لهما " لَمَّا فتح الله على رسوله ﷺ مكّة , قام في النّاس ". ظاهره أنّ الخطبة وقعت عقب الفتح، وليس كذلك , بل وقعت قبل الفتح عقب قتل رجلٍ من خزاعة رجلاً من بني ليث، ففي السّياق حذف هذا بيانه.

стр. 3085

ففي الصحيحين من وجه آخر عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير " إنَّ خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه , فأُخبر بذلك رسول الله ﷺ فركب راحلته فخطب. فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل. الحديث ووقع في رواية ابن أبي ذئب عن سعيد المقبريّ عن أبي شُرْيح , أنّ النّبيّ ﷺ قال: إنّ الله حرّم مكّة. فذكر الحديث. وفيه. ثمّ إنّكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرّجل من هذيل، وإنّي عاقله. وقع نحو ذلك في رواية ابن إسحاق عن المقبريّ. كما أوردته في كتاب الحجّ. (١) قوله: (قتلتْ خزاعة) أي: القبيلة المشهورة. اختلف في نسبهم. من مضر أم اليمن؟. مع الاتّفاق على أنّهم من ولد عمرو بن لحيّ - باللام والمهملة مصغّر – وهو ابن حارثة بن عمرو بن عامر بن ماء السّماء. قال ابن الكلبيّ،: لَمَّا تفرّق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له غسّان، فمن أقام به منهم فهو غسّانيّ، وانخزعت منهم عمرو بن لحيّ عن قومهم فنزلوا مكّة وما حولها فسُمّوا خزاعة، وتفرّقت سائر الأزد. وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت: ولَمَّا نزلنا بطن مرّ تخزّعت ... خزاعة منّا في جموع كراكر

стр. 3086

قوله: (رجلاً من بني ليثٍ بقتيلٍ كان لهم في الجاهلية) بنو ليث قبيلةٌ مشهورةٌ يُنسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر وأمّا هذيل فقبيلة كبيرة يُنسبون إلى هذيل , وهم بنو مدركة بن إلياس بن مضر، وكانت هذيل وبكر من سكّان مكّة , وكانوا في ظواهرها خارجين من الحرم. وأمّا خزاعة. فكانوا غلبوا على مكّة وحكموا فيها , ثمّ أُخرجوا منها فصاروا في ظاهرها، وكانت بينهم وبين بني بكر عداوة ظاهرة في الجاهليّة، وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النّبيّ ﷺ ، وكان بنو بكر حلفاء قريش. وقد ذكرت في كتاب العلم (١) , أنّ اسم القاتل من خزاعة خراش – بمعجمتين - ابن أُميَّة الخزاعيّ، وأنّ المقتول منهم في الجاهليّة كان اسمه أحمر. وأنّ المقتول من بني ليث لَم يسمّ. وكذا القاتل. ثمّ رأيت في " السّيرة النّبويّة " لابن إسحاق , أنّ الخزاعيّ المقتول اسمه منبّه. قال ابن إسحاق في " المغازي ": حدّثني سعيد بن أبي سندر الأسلميّ عن رجل من قومه , قال: كان معنا رجلٌ يقال له أحمر , كان شجاعاً , وكان إذا نام غطّ فإذا طرقهم شيء صاحوا به فيثور مثل الأسد، فغزاهم قومٌ من هذيل في الجاهليّة , فقال لهم ابن الأثوع -

стр. 3087

وهو بالثّاء المثلثة والعين المهملة -: لا تعجلوا حتّى أنظر. فإن كان أحمر فيهم فلا سبيل إليهم، فاستمع فإذا غطيط أحمر فمشى إليه حتّى وضع السّيف في صدره فقتله وأغاروا على الحيّ، فلمّا كان عام الفتح. وكان الغد من يوم الفتح. أتى ابن الأثوع الهذليّ حتّى دخل مكّة وهو على شركه، فرأتْه خزاعة فعرفوه فأقبل خراش بن أُميَّة , فقال: أفرجوا عن الرّجل فطعنه بالسّيف في بطنه فوقع قتيلاً، فقال رسول الله ﷺ : يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، ولقد قتلتم قتيلاً لَأَدِيَنّه. قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الرّحمن بن حرملة الأسلميّ عن سعيد بن المسيّب قال: لَمَّا بلغ النّبيّ ﷺ ما صنع خراش بن أُميَّة , قال: إنّ خراشاً لقتّالٌ. يعيبه بذلك. ثمّ ذكر حديث أبي شُرْيح الخزاعيّ كما تقدّم. فهذا قصّة الهذليّ. وأمّا قصّة المقتول من بني ليث فكأنّها أخرى، وقد ذكر ابن هشام , أنّ المقتول من بني ليث اسمه جندب بن الأدلع. وقال: بلغني أنّ أوّل قتيل وداه رسول الله ﷺ يوم الفتح , جندب بن الأدلع قتله بنو كعب فوداه بمائة ناقة، لكن ذكر الواقديّ أنّ اسمه جندب بن الأدلع، فرآه جندب بن الأعجب الأسلميّ فخرج يستجيش عليه فجاء خراش فقتله. فظهر أنّ القصّة واحدة , فلعله كان هذليّاً حالف بني ليث أو

стр. 3088

بالعكس. ورأيت في آخر الجزء الثّالث من " فوائد أبي عليّ بن خزيمة " أنّ اسم الخزاعيّ القاتل هلال بن أُميَّة، فإن ثبت فلعل هلالاً لقب خراش. والله أعلم. قوله: (فقام النبي ﷺ ) في رواية شيبان (١) عن يحيى بن أبي كثير: فأخبر النّبيّ ﷺ بذلك فركب راحلته فخطب. قوله: (إنّ الله حبس) أي: منع. قوله: (عن مكّة الفيل) وللبخاري " القتل أو الفيل " القتل. أي: بالقاف والمثنّاة من فوق , أو الفيل. أي: بالفاء المكسورة بعدها ياء تحتانيّة. وهو الصواب اسم الحيوان المشهور. وأشار بحبسه عن مكّة إلى قصّة الحبشة , وهي مشهورة ساقها ابن إسحاق مبسوطة. وحاصل ما ساقه , أنّ أبرهة الحبشيّ لَمَّا غلب على اليمن - وكان نصرانيّاً - بنى كنيسة وألزم النّاس بالحجّ إليها، فعَمَد بعضُ العرب فاستغفل الحَجَبَة وتغوّط فهرب، فغضب أبرهة وعزم على تخريب الكعبة، فتجهّز في جيش كثيف واستصحب معه فيلاً عظيماً. فلمّا قرب من مكّة خرج إليه عبد المطّلب فأعظمه وكان جميل الهيئة، فطلب منه أن يردّ عليه إبلاً له نهبت فاستقصر همّته. وقال: لقد

стр. 3089

ظننت أنّك لا تسألني إلَّا في الأمر الذي جئت فيه، فقال: إنّ لهذا البيت ربّاً سيحميه، فأعاد إليه إبله، وتقدّم أبرهة بجيوشه فقدّموا الفيل فبرك وعجزوا فيه، وأرسل الله عليهم طيراً مع كلّ واحد ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجراً في منقاره. فألقوها عليهم. فلم يبق منهم أحدٌ إلَّا أصيب. وأخرج ابن مردويه بسندٍ حسن عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: جاء أصحاب الفيل حتّى نزلوا الصّفاح - وهو بكسر المهملة ثمّ فاء ثمّ مهملة موضع خارج مكّة من جهة طريق اليمن - فأتاهم عبد المطّلب فقال: إنّ هذا بيت الله لَم يسلِّط عليه أحداً، قالوا: لا نرجع حتّى نهدمه، فكانوا لا يقدّمون فيلَهم إلَّا تأخّر، فدعا الله الطّير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداء فلمّا حاذتهم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلَّا أخذته الحكّة، فكان لا يحكّ أحدٌ منهم جلده إلَّا تساقط لحمه. قال ابن إسحاق: حدّثني يعقوب بن عتبة قال: حُدّثت أنّ أوّل ما وقعت الحصباء والجدريّ بأرض العرب من يومئذٍ. وعند الطّبريّ بسندٍ صحيح عن عكرمة , أنّها كانت طيراً خضراً خرجت من البحر لها رءوس كرءوس السّباع. ولابن أبي حاتم من طريق عبيد بن عمير بسندٍ قويّ: بعث الله عليهم طيراً أنشأها من البحر كأمثال الخطاطيف. فذكر نحو ما تقدّم. قوله: (وسلّط عليها رسوله والمؤمنين) وللبخاري " وسُلط

стр. 3090

عليهم رسوله والمؤمنون " هو بضمّ أوّله، ورسول مرفوع , والمؤمنون معطوف عليه. قوله: (ولا تحل لأحدٍ بعدي) وللبخاري من طريق الأوزاعيّ عن يحيى " ولن تحل " وهي أليق بالمستقبل. قوله: (وإنما أُحلَّت لي ساعةً من نهارٍ، وإنها ساعتي هذه، حرامٌ لا يعضد شجرها، ولا يُختلى شوكها، ولا تلتقط ساقطتها إلَّا لمنشدٍ) قد تقدّم الكلام عليه مستوفى في كتاب الحج (١) قوله: (ومن قُتل له قتيل) أي: من قُتل له قريب , كان حيّاً فصار قتيلاً بذلك القتل. قوله: (فهو بخير النّظرين) وللبخاري بلفظ " ومن قُتل فهو بخير النّظرين " وهو مختصر. ولا يمكن حمله على ظاهره , لأنّ المقتول لا اختيار له وإنّما الاختيار لوليّه , وقد أشار إلى نحو ذلك الخطّابيّ. ووقع في رواية التّرمذيّ من طريق الأوزاعيّ عن يحيى " فإمّا أن يعفو , وإمّا أن يقتل " والمراد العفو على الدّية جمعاً بين الرّوايتين. ويؤيّده أنّ عنده في حديث أبي شُرْيح " فمن قُتل له قتيل بعد اليوم , فأهله بين خيرتين: إمّا أن يقتلوا أو يأخذوا الدّية ". ولأبي داود وابن ماجه وعلّقه التّرمذيّ من وجه آخر عن أبي شُرْيح بلفظ " فإنّه يختار إحدى ثلاث , إمّا أن يقتصّ، وإمّا أن يعفو، وإمّا أن يأخذ الدّية , فإن أراد الرّابعة فخذوا على يديه " أي: إن أراد زيادة

стр. 3091

على القصاص أو الدّية قوله: (إما أن يقتل) وللبخاري " وإمّا أن يقاد " أي: يقتل به. ولمسلم " إمّا أن يعطي الدّية , وإمّا أن يقاد أهل القتيل " وهو بيان لقوله " إمّا أن يقاد " قوله: (وإما أن يفدى) وللبخاري " إمّا أن يودي " بسكون الواو. أي: يعطي القاتل أو أولياؤه لأولياء المقتول الدّية. وللبخاري أيضاً بلفظ " إمّا أن يعقل " بدل " إمّا أن يودي " وهو بمعناه، والعقل الدّية. وفي رواية الأوزاعيّ عند البخاري " إمّا أن يفدي " بالفاء بدل الواو، وفي نسخة " وإمّا أن يعطي " أي الدّية. ونقل ابن التّين عن الدّاوديّ , أنّ في رواية أخرى " إمّا أن يودي أو يفادي ". وتعقّبه: بأنّه غير صحيح , لأنّه لو كان بالفاء لَم يكن له فائدة لتقدّم ذِكر الدّية. ولو كان بالقاف واحتمل أن يكون للمقتول وليّان لذكرا بالتّثنية , أي: يقادا بقتيلهما. والأصل عدم التّعدّد. قال: وصحيح الرّواية " إمّا أن يودي أو يقاد " وإنّما يصحّ " يفادى ". إن تقدّمه " أن يقتصّ ". والحاصل تفسير " النّظرين " بالقصاص أو الدّية. وفي الحديث جواز إيقاع القصاص بالحرم , لأنّه ﷺ خطب بذلك بمكّة ولَم يقيّده بغير الحرم.

стр. 3092

وتمسّك بعمومه مَن قال: يقتل المسلم بالذّمّيّ. وقد سبق ما فيه (١). ذهب الجمهور: على أنّ المخيّر في القود أو أخذ الدّية هو الوليّ. وقرّره الخطّابيّ بأنّ العفو في الآية (فمن عُفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ) يحتاج إلى بيان، لأنّ ظاهر القصاص أنْ لا تبعة لأحدهما على الآخر، لكنّ المعنى أنّ من عفي عنه من القصاص إلى الدّية فعلى مستحقّ الدّية الاتّباع بالمعروف وهو المطالبة , وعلى القاتل الأداء وهو دفع الدّية بإحسانٍ. وذهب مالك والثّوريّ وأبو حنيفة: إلى أنّ الخيار في القصاص أو الدّية للقاتل. قال الطّحاويّ: والحجّة لهم حديث أنس في قصّة الرّبيّع عمّته , فقال النّبيّ ﷺ : كتاب الله القصاص. فإنّه حكم بالقصاص ولَم يخيّر، ولو كان الخيار للوليّ لأعلمهم النّبيّ ﷺ , إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكّم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأنّ الحقّ له في أحدهما، فلمّا حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله " فهو بخير النّظرين " أي: وليّ المقتول مخيّرٌ بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدّية. وتعقّب: بأنّ قوله ﷺ : كتاب الله القصاص. إنّما وقع عند طلب أولياء المجنيّ عليه في العمد القود , فأعلم أنّ كتاب الله نزل على أنّ

стр. 3093

المجنيّ عليه إذا طلب القود أجيب إليه , وليس فيه ما ادّعاه من تأخير البيان. واحتجّ الطّحاويّ أيضاً: بأنّهم أجمعوا على أنّ الوليّ لو قال للقاتل: رضيت أن تعطيني كذا على أن لا أقتلك , أنّ القاتل لا يُجبر على ذلك , ولا يؤخذ منه كرهاً. وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه. وقال المُهلَّب وغيره: يستفاد من قوله " فهو بخير النّظرين " أنّ الوليّ إذا سئل في العفو على مال. إن شاء قبل ذلك وإن شاء اقتصّ , وعلى الولي اتّباع الأولى في ذلك، وليس فيه ما يدلّ على إكراه القاتل على بذل الدّية. واستدل بالآية على أنّ الواجب في قتل العمد القود. والدّية بدلٌ منه. وقيل: الواجب الخيار، وهما قولان للعلماء، وكذا في مذهب الشّافعيّ أصحّهما الأوّل. واختلف في سبب نزول الآية. فقيل: نزلت في حيّين من العرب , كان لأحدهما طَولٌ على الآخر في الشّرف فكانوا يتزوّجون من نسائهم بغير مهر , وإذا قُتل منهم عبدٌ قتلوا به حرّاً أو امرأةٌ قتلوا بها رجلاً. أخرجه الطّبريّ عن الشّعبيّ. وأخرج أبو داود من طريق عليّ بن صالح بن حيّ عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: كان قريظة والنّضير , وكان النّضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجلٌ من قريظة رجلاً من

стр. 3094

النّضير قُتل به , وإذا قَتل رجلٌ من النّضير رجلاً من قريظة يودى بمائة وسق من التّمر، فلمّا بُعث النّبيّ ﷺ قتلَ رجلٌ من النّضير رجلاً من قريظة , فقالوا: ادفعوه لنا نقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النّبيّ ﷺ ، فأتوه فنزلت ﴿وإنْ حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط﴾ والقسط: النّفس بالنّفس، ثمّ نزلت (أفحكم الجاهليّة يبغون). واستدل به الجمهور على جواز أخذ الدّية في قتل العمد , ولو كان غيلة , وهو أن يخدع شخصاً حتّى يصير به إلى موضع خفيّ فيقتله، خلافاً للمالكيّة. والحقه مالك بالمحارب فإنّ الأمر فيه إلى السّلطان , وليس للأولياء العفو عنه. وهذا على أصله في أنّ حدّ المحارب القتل إذا رآه الإمام , وأنّ " أو " في الآية للتّخيير لا للتّنويع. وفيه أنّ من قَتل متأوّلاً كان حكمه حكم من قَتل خطأ في وجوب الدّية لقوله ﷺ : فإنّي عاقله. واستدلَّ به بعض المالكيّة على قتل من التجأ إلى الحرم بعد أن يقتل عمداً , خلافاً لِمَن قال: لا يقتل في الحرم بل يلجأ إلى الخروج منه. ووجه الدّلالة أنّه ﷺ قاله في قصّة قتيل خزاعة المقتول في الحرم، وأنّ القوَدَ مشروع فيمن قتل عمداً، ولا يعارضه ما ذكر من حرمة الحرم , فإنّ المراد به تعظيمه بتحريم ما حرّم الله، وإقامة الحدّ على الجاني به من جملة تعظيم حرمات الله.

стр. 3095

وقد تقدّم شيء من هذا في كتاب الحجّ (١). وفي الحديث، أنّ وليّ الدّم يخيّر بين القصاص والدّية. واختلف إذا اختار الدّية. هل يجب على القاتل إجابته؟. القول الأول: ذهب الأكثر إلى ذلك. القول الثاني: عن مالك لا يجب إلَّا برضا القاتل. واستدل بقوله " ومن قُتل له " بأنّ الحقّ يتعلق بورثة المقتول، فلو كان بعضهم غائباً أو طفلاً لَم يكن للباقين القصاص حتّى يبلغ الطّفل ويقدم الغائب. قوله: (فقام رجلٌ من أهل اليمن. يُقال له أبو شاه) أبو شاهٍ بهاءٍ منوّنةٍ , وحكى السّلفيّ , أنّ بعضهم نطق بها بتاءٍ في آخره , وغلَّطه. وقال: هو فارسيّ من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن. قوله: (اكتبوا لأبي شاهٍ) زاد الشيخان عن الوليد بن مسلم: قلت للأوزاعيّ: ما قوله: اكتبوا لي؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ . قلت: وبهذا تظهر مطابقة هذا الحديث للترجمة (٢). ويستفاد منه. أنّ النّبيّ ﷺ أذن في كتابة الحديث عنه، وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدريّ , أنّ رسول الله ﷺ قال: لا تكتبوا عنّي

стр. 3096

شيئاً غير القرآن " رواه مسلم. والجمع بينهما. قيل: إنّ النّهي خاصّ بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك. وقيل: إنّ النّهي خاصّ بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد , والإذن في تفريقهما. وقيل: النّهي متقدّم , والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنّه لا ينافيها. وقيل: النّهي خاصّ بمن خشي منه الاتّكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك. ومنهم من أَعلَّ حديث أبي سعيد , وقال: الصّواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاريّ وغيره. قال العلماء: كره جماعة من الصّحابة والتّابعين كتابة الحديث. واستحبّوا أن يؤخذ عنهم حفظاً كما أخذوا حفظاً، لكن لَمَّا قصُرت الهمم وخشي الأئمّة ضياع العلم دوّنوه. وأوّل من دوّن الحديث ابن شهاب الزّهريّ على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثمّ كثر التّدوين ثمّ التّصنيف، وحصل بذلك خير كثير. فلله الحمد قوله: (ثم قام العباس) في رواية للشيخين " ثمّ قام رجلٌ من قريش " هو العباس , ووقع في رواية لابن أبي شيبة " فقال رجلٌ من قريش يقال له شاه " وهو غلَطٌ

стр. 3097

قوله: (إلَّا الإذخر) كذا هو في روايتنا بالنّصب، ويجوز رفعه على البدل ممّا قبله. (١)

стр. 3098

الحديث السادس ٣٤٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁ , أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدتُ النبيّ ﷺ قضى فيه بغرةٍ عبدٍ أو أمةٍ. فقال: لتأتينّ بِمَن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة. (١) قال المصنِّف: إملاص المرأة: أنْ تُلقي جنينها ميتاً. قوله: (استشار الناس) قال ابن بطّال: لا يجوز للقاضي الحكم إلَّا بعد طلب حكم الحادثة من الكتاب أو السّنّة، فإن عدمه رجع إلى الإجماع. فإن لَم يجده. نَظَرَ هل يصحّ الحمل على بعض الأحكام المقرّرة لعلةٍ تجمع بينهما؟. فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها، إلَّا إن عارضتها عِلَّة أخرى

стр. 3099

فيلزمه التّرجيح، فإن لَم يجد عِلَّة استدل بشواهد الأصول وغلبة الاشتباه، فإن لَم يتوجّه له شيء من ذلك رجع إلى حكم العقل. قال: هذا قول ابن الطّيّب، يعني أبا بكر الباقلانيّ، ثمّ أشار إلى إنكار كلامه الأخير بقوله تعالى ﴿ما فرّطنا في الكتاب من شيء﴾. وقد علم الجميع بأنّ النّصوص لَم تحط بجميع الحوادث فعرفنا أنّ الله قد أبان حكمها بغير طريق النّصّ - وهو القياس - ويؤيّد ذلك قوله تعالى ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ لأنّ الاستنباط هو الاستخراج وهو بالقياس، لأنّ النّصّ ظاهر. ثمّ ذكر في الرّدّ على منكري القياس وألزمهم التّناقض، لأنّ من أصلهم إذا لَم يوجد النّصّ الرّجوع إلى الإجماع. قال: فيلزمهم أن يأتوا بالإجماع على ترك القول بالقياس ولا سبيل لهم إلى ذلك، فوضح أنّ القياس إنّما ينكر إذا استعمل مع وجود النّصّ أو الإجماع لا عند فقد النّصّ والإجماع. وبالله التّوفيق. قوله: (في إملاص المرأة) في رواية البخاري من طريق أبي معاوية عن هشام عن أبي عن المغيرة: سأل عمر بن الخطّاب في إملاص المرأة , وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينها , فقال: أيّكم سمع من النّبيّ ﷺ فيه شيئاً؟. وهذا التّفسير أخصّ من قول أهل اللغة: إنّ الإملاص أن تزلقه المرأة قبل الولادة. أي: قبل حين الولادة، هكذا نقله أبو داود في " السّنن " عن أبي عبيد، وهو كذلك في الغريب له.

стр. 3100

وقال الخليل: أملصت المرأة والنّاقة إذا رمت ولدها. وقال ابن القطّاع: أملصت الحامل ألقت ولدها. ووقع في بعض الرّوايات. ملاص بغير ألف كأنّه اسم فعل الولد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه , أو اسم لتلك الولادة كالخداج. ووقع عند الإسماعيليّ من رواية ابن جريجٍ عن هشام , قال هشام: الملاص للجنين، وهذا يتخرّج أيضاً على الحذف. وقال صاحب البارع: الإملاص الإسقاط، وإذا قبضت على شيء فسقط من يدك , تقول أملص من يدي إملاصاً وملص ملصاً. ووقع في رواية عبيد الله بن موسى عن هشام عند البخاري , أنّ عمر نشد النّاس , من سمع النّبيّ ﷺ قضى في السّقط. قوله: (فقال المغيرة) وكذا في رواية عبيد الله بن موسى، وفي رواية ابن عيينة عند الإسماعيلي " فقام المغيرة بن شعبة فقال: بلى أنا يا أمير المؤمنين " وفيه تجريد. وكان السّياق يقتضي أن يقول: فقلت , وقد وقع في رواية أبي معاوية المذكورة " فقلت: أنا ". قوله: (قضى فيه بغرةٍ عبدٍ أو أمةٍ) وللبخاري " قضى النّبيّ ﷺ بالغرّة , عبد أو أمة " كذا في رواية عفّان عن وهيب باللام. وهو يؤيّد رواية التّنوين وسائر الرّوايات بغرّةٍ , ومنها رواية أبي معاوية بلفظ " سمعت النّبيّ ﷺ يقول: فيها غرّة عبد أو أمة ". قوله: (لتأتينّ بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة)

стр. 3101

وللبخاري " فشهد محمّد بن مسلمة أنّه شهدَ النّبيَّ ﷺ قضى به " كذا في رواية وهيب عن هشام مختصراً , وفي رواية ابن عيينة " فقال عمر: مَن يشهد معك؟ فقام محمّد فشهد بذلك ". وفي رواية أبي معاوية " فقال: لا تبرح حتّى تجيء بالمخرج ممّا قلت , قال: فخرجت فوجدتُ محمّد بن مسلمة فجئت به , فشهد معي أنّه سمع النّبيّ ﷺ قضى به " وفي رواية عبيد الله عن هشام " ائت بمن يشهد " , كذا للأكثر بصيغة فعل الأمر من الإتيان، وحُذِفت عند بعضهم الباء من قوله " بمن " ووقع في رواية أبي ذرّ عن غير الكشميهنيّ - بألفٍ ممدودة ثمّ نون ثمّ مثنّاة - بصيغة استفهام المخاطب على إرادة الاستثبات. أي: أنت تشهد، ثمّ استفهمه ثانياً: من يشهد معك؟ قال ابن دقيق العيد: الحديث أصل في إثبات دية الجنين وأنّ الواجب فيه غرّة إمّا عبد وإمّا أمة، وذلك إذا ألقته ميّتاً بسبب الجناية، وتصرّف الفقهاء بالتّقييد في سنّ الغرّة , وليس ذلك من مقتضى الحديث، واستشارة عمر في ذلك أصلٌ في سؤال الإمام عن الحكم إذا كان لا يعلمه , أو كان عنده شكٌّ , أو أراد الاستثبات. وفيه أنّ الوقائع الخاصّة قد تخفى على الأكابر ويعلمها من دونهم، وفي ذلك ردٌّ على المقلِّد إذا استدل عليه بخبرٍ يخالفه , فيجيب لو كان صحيحاً لعلمه فلان مثلاً , فإنّ ذلك إذا جاز خفاؤه عن مثل عمر , فخفاؤه عمّن بعده أجوز.

стр. 3102

وقد تعلَّق بقول عمر " لتأتينّ بمن يشهد معك " مَن يرى اعتبار العدد في الرّواية , ويشترط أنّه لا يقبل أقل من اثنين كما في غالب الشّهادات. وهو ضعيف كما قال ابن دقيق العيد، فإنّه قد ثبت قبول الفرد في عدّة مواطن، وطلب العدد في صورة جزئيّة لا يدلّ على اعتباره في كلّ واقعة , لجواز المانع الخاصّ بتلك الصّورة أو وجود سبب يقتضي التّثبّت وزيادة الاستظهار , ولا سيّما إذا قامت قرينة. وقريبٌ من هذا قصّة عمر مع أبي موسى في الاستئذان. قلت: وقد صرّح عمر في قصّة أبي موسى بأنّه أراد الاستثبات (١). وقوله " في إملاص المرأة " أصرح في وجوب الانفصال ميّتاً , من قوله في حديث أبي هريرة " قضى في الجنين " (٢).

стр. 3103

وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرّة انفصال الجنين ميّتاً بسبب الجناية، فلو انفصل حيّاً ثمّ مات وجب فيه القود أو الدّية كاملة. ولو ماتت الأمّ ولَم ينفصل الجنين , لَم يجب شيء عند الشّافعيّة. لعدم تيقّن وجود الجنين. وعلى هذا. هل المعتبر نفس الانفصال أو تحقّق حصول الجنين؟. فيه وجهان: أصحّهما الثّاني. ويظهر أثره فيما لو قُدّت نصفين أو شُقّ بطنها فشوهد الجنين، وأمّا إذا خرج رأس الجنين مثلاً بعدما ضرب وماتت الأمّ. ولَم ينفصل. قال ابن دقيق العيد: ويحتاج مَن قال ذلك , إلى تأويل الرّواية وحملها على أنّه انفصل وإن لَم يكن في اللفظ ما يدلّ عليه. قلت: وقع في حديث ابن عبّاس عند أبي داود " فأسقطت غلاماً قد نبت شعره ميّتاً " فهذا صريح في الانفصال، ووقع مجموع ذلك في حديث الزّهريّ. ففي رواية عبد الرّحمن بن خالد بن مسافر في البخاري " فأصاب بطنَها وهي حامل , فقتل ولدها في بطنها ". وفي رواية مالك عند البخاري " فطرحت جنينها " (١) واستدل به على أنّ الحكم المذكور خاصّ بولد الحرّة , لأنّ القصّة وردت في ذلك، وقوله " في إملاص المرأة " وإن كان فيه عموم , لكنّ الرّاوي ذكر أنّه شهد واقعة مخصوصة.

стр. 3104

وقد تصرّف الفقهاء في ذلك. فقال الشّافعيّة: الواجب في جنين الأمة عشر قيمة أمّه كما أنّ الواجب في جنين الحرّة عشر ديتها، وعلى أنّ الحكم المذكور خاصّ بمن يحكم بإسلامه. ولَم يتعرّض لجنينٍ محكوم بتهوّده أو تنصّره. ومن الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعاً. وليس هذا من الحديث. وفيه أنّ القتل المذكور لا يجري مجرى العمد. والله أعلم.

стр. 3105

الحديث السابع ٣٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: اقتتلتِ امرأتان من هذيلٍ، فرمتْ إحداهما الأخرى بحجر، فقتَلَتْها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أنّ دية جنينها غرةٌ عبدٌ، أو وليدةٌ وقضى بدية المرأة على عاقلتِها، وورّثها ولدها ومن معهم. فقام حَمَل بن النابغة الهذلي، فقال: يا رسولَ الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكلْ، ولا نطق ولا استهلْ، فمثل ذلك يطلْ؟! فقال رسول الله ﷺ : إنما هو من إخوان الكُهّان، من أجل سجعه الذي سجع. (١) قوله: (اقتتلت امرأتان من هذيلٍ) في رواية مالك عن ابن شهابٍ عن أبي سلمة عن أبي هريرة في الصحيحين " أنّ امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى " , وفي رواية حَمَلٍ التي سأُنبّه عليها " إحداهما لحيانيّة ". قلت: ولحيان بطن من هذيل، وهاتان المرأتان كانتا ضرّتين , وكانتا تحت حَمَل بن النّابغة الهذليّ , فأخرج أبو داود من طريق ابن جريجٍ عن عمرو بن دينار عن طاوسٍ عن ابن عبّاس عن عمر , أنّه

стр. 3106

سأل عن قضيّة النّبيّ ﷺ , فقام حَمَلُ بن مالك بن النّابغة فقال: كنتُ بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى. هكذا رواه موصولاً. وأخرجه الشّافعيّ عن سفيان بن عيينة عن عمر , فلم يذكر ابن عبّاس في السّند. ولفظه " أنّ عمر قال: أذكر الله امرأً سمع من النّبيّ ﷺ في الجنين شيئاً " وكذا قال عبد الرّزّاق عن معمر عن ابن طاوسٍ عن أبيه , أنّ عمر استشار ". وأخرج الطّبرانيّ من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمير الهذليّ عن أبيه قال: كان فينا رجلٌ يقال له حمل بن مالك , له امرأتان إحداهما هذليّة والأخرى عامريّة , فضربت الهذليّة بطن العامريّة ". وأخرجه الحارث من طريق أبي المليح فأرسله , لَم يقل عن أبيه. ولفظه " أنّ حمل بن النّابغة كانت له امرأتان مُلَيْكة وأمّ عفيف ". وأخرج الطّبرانيّ من طريق عون بن عويم قال: كانت أختي مُلَيْكة وامرأة منّا يقال لها أمّ عفيف بنت مسروح , تحت حمل بن النّابغة. فضربت أمّ عفيف مُلَيْكة. وأمّ عفيف - بمهملةٍ وفاءين وزن عظيم - ووقع في " المبهمات " للخطيب، وأصله عند أبي داود والنّسائيّ من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عبّاس , أنّها أمّ غطيف - بغينٍ ثمّ طاء - مهملة مصغّر. وهذا الذي وقفت عليه منقولاً، وبالآخر جزم الخطيب في " المبهمات ". وزاد بعض شرّاح العمدة. وقيل: أمّ مكلف , وقيل: أمّ مُلَيْكة.

стр. 3107

قوله: (فرمتْ إحداهما الأخرى بحجر) زاد عبد الرّحمن بن خالد عن الزهري عند البخاري " فأصاب بطنها وهي حامل " وكذا في رواية أبي المليح عند الحارث , لكن قال " فخَذَفت. وقال: فأصاب قُبُلَها ". ووقع في رواية أبي داود المذكورة من طريق حمل بن مالك " فضربت إحداهما الأخرى بمسطحٍ ". وعند مسلم من طريق عبيد بن نضيلة - بنونٍ وضاد معجمة مصغّر - عن المغيرة بن شعبة قال: ضربتْ امرأة ضرّتها بعمود فسطاط , وهي حبلى فقتلتها. وكذا في حديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه: فضربت الهذليّة بطن العامريّة بعمود فسطاط أو خباء. وفي حديث عويم " ضربتها بمسطح بيتها وهي حامل " وكذا عند أبي داود من حديث حمل بن مالك " بمسطح " ومن حديث بريدة , أنّ امرأة خذفت امرأة أخرى. قوله: (فقتلتها وما في بطنها) في رواية مالك " فطرحت جنينها " وفي رواية عبد الرّحمن بن خالد " فقتلت ولدها في بطنها " وفي حديث حمل بن مالك مثله بلفظ " فقتلتها وجنينها " ونحوه في رواية عويم , وكذا في رواية أبي المليح عن أبيه. والجنين بجيمٍ ونونين , وزن عظيم , حمل المرأة ما دام في بطنها، سُمِّي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيّاً فهو ولد , أو ميّتاً فهو سقط، وقد يطلق عليه جنين.

стр. 3108

قال الباجيّ في " شرح رجال الموطّأ ": الجنين ما ألقته المرأة ممّا يعرف أنّه ولد , سواء كان ذكراً أو أنثى , ما لَم يستهل صارخاً. كذا قال. قوله: (فقضى رسول الله ﷺ أنّ دية جنينها غرةٌ عبدٌ، أو وليدةٌ) وفي رواية مالك " فقضى فيها رسول الله ﷺ بغرّةٍ عبد أو أمة " ووقع في حديث أبي هريرة من طريق محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عنه: قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرّةٍ عبد أو أمة أو فرس أو بغل. (١) وكذا وقع عند عبد الرّزّاق في رواية ابن طاوسٍ عن أبيه عن عمر مرسلاً: فقال حمل بن النّابغة: قضى رسول الله ﷺ بالدّية في المرأة , وفي الجنين غرّة عبد أو أمة أو فرس. وأشار البيهقيّ إلى أنّ ذكر الفرس في المرفوع وهْم , وأنّ ذلك أُدرج من بعض رواته على سبيل التّفسير للغرّة، وذكر أنّه في رواية حمّاد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوسٍ بلفظ " فقضى أنّ في الجنين غرّة , قال طاوسٌ: الفرس غرّة " قلت: وكذا أخرج الإسماعيليّ من طريق حمّاد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال " الفرس غرّة " وكأنّهما رأيا أنّ الفرس أحقّ بإطلاق لفظ الغرّة من الآدميّ.

стр. 3109

ونقل ابن المنذر والخطّابيّ عن طاوسٍ ومجاهد وعروة بن الزّبير " الغرّة عبد أو أمة أو فرس ". وتوسّع داود ومن تبعه من أهل الظّاهر , فقالوا: يجزئ كلّ ما وقع عليه اسم غرّة. والغرّة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدميّ في الحديث المتقدّم في الوضوء " إنّ أمّتي يدعون يوم القيامة غرّاً " (١). وتطلق الغرّة على الشّيء النّفيس آدميّاً كان أو غيره. ذكراً كان أو أنثى. وقيل: أطلق على الآدميّ غرّة. لأنّه أشرف الحيوان، فإنّ محلّ الغرّة الوجه. والوجه أشرف الأعضاء. وقوله في الحديث " غرّة عبد أو أمة " قال الإسماعيليّ: قَرَأَه العامّة بالإضافة وغيرهم بالتّنوين. وحكى القاضي عياض الخلاف، وقال: التّنوين أوجه لأنّه بيان للغرّة ما هي، وتوجيه الآخر. أنّ الشّيء قد يضاف إلى نفسه , لكنّه نادر. وقال الباجيّ: يحتمل: أن تكون " أو " شكّاً من الرّاوي في تلك الواقعة المخصوصة، ويحتمل: أن تكون للتّنويع , وهو الأظهر. وقيل المرفوع من الحديث قوله " بغرّة " وأمّا قوله " عبد أو أمة " فشكّ من

стр. 3110

الرّاوي في المراد بها. قال: وقال مالك: الحُمران أولى من السّودان في هذا. وعن أبي عمرو بن العلاء قال: الغرّة عبد أبيض أو أمة بيضاء، قال: فلا يجزئ في دية الجنين سوداء. إذ لو لَم يكن في الغرّة معنىً زائد لَمَا ذكرها , ولقال عبد أو أمة. ويقال: إنّه انفرد بذلك. وسائر الفقهاء على الإجزاء فيما لو أخرج سوداء. وأجابوا: بأنّ المعنى الزّائد كونه نفيساً , فلذلك فسّره بعبدٍ أو أمة , لأنّ الآدميّ أشرف الحيوان، وعلى هذا فالذي وقع في رواية محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. من زيادة ذكر الفرس في هذا الحديث وهْمٌ. ولفظه " غرّة عبد أو أمة أو فرس أو بغل ". ويمكن - إنْ كان محفوظاً - أنّ الفرس هي الأصل في الغرّة كما تقدّم. وعلى قول الجمهور. فأقل ما يجزئ من العبد والأمة ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرّدّ في البيع لأنّ المعيب ليس من الخيار. واستنبط الشّافعيّ من ذلك. أن يكون منتفعاً به , فشرَط أن لا ينقص عن سبع سنين , لأنّ من لَم يبلغها لا يستقلّ غالباً بنفسه فيحتاج إلى التّعهّد بالتّربية فلا يجبر المستحقّ على أخذه. وأخذ بعضهم من لفظ الغلام. أن لا يزيد على خمس عشرة , ولا تزيد الجارية على عشرين.

стр. 3111

ومنهم: من جعل الحدّ ما بين السّبع والعشرين. والرّاجح كما قال ابن دقيق العيد: أنّه يجزئ. ولو بلغ السّتّين وأكثر منها. ما لَم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم. والله أعلم. قوله: (وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورّثها ولدها ومن معهم , فقام حمل بن النابغة الهذلي) حمل بفتح المهملة والميم الخفيفة ابن مالك بن النابغة الهذلي , وكنية حمل المذكور أبو نضلة، وهو صحابي نزل البصرة. وفي رواية معمر من طريق أبي سلمة عند مسلم " فقال قائل: كيف نعقل "؟ وفي رواية عبد الرّحمن بن خالد في البخاري " فقال وليّ المرأة التي غرمت - ثمّ اتّفقا -: كيف أغرم يا رسولَ الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطلّ؟ فقال النّبيّ ﷺ : إنّما هذا من إخوان الكهّان ". وفي مرسل سعيد بن المسيّب عند مالك " قضى في الجنين يقتل في بطن أمّه بغرّةٍ عبد أو وليدة ". وفي رواية الليث في الصحيحين من طريق سعيد نحوه عند التّرمذيّ , ولكن قال " إنّ هذا ليقول بقول شاعر , بل فيه غرّة " وفيه " ثمّ إنّ المرأة التي قضي عليها بالغرّة توفّيت , فقضى رسول الله ﷺ بأنّ ميراثها لبنيها وزوجها , وأنّ العقل على عصبتها ". وفي رواية عكرمة عن ابن عبّاس: فقال عمّها: إنّها قد أسقطت غلاماً قد نبت شعره، فقال أبو القاتلة: إنّه كاذب، إنّه والله ما استهل

стр. 3112

ولا شرب ولا أكل، فمثله يطلّ. فقال النّبيّ ﷺ : أسجع كسجع الجاهليّة وكهانتها. وفي رواية عبيد بن نضيلة عن المغيرة: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرّة لِما في بطنها، فقال رجلٌ من عصبة القاتلة: أنغرم من لا أكل - وفي آخره - أسجعٌ كسجع الأعراب؟ وجعل عليهم الدّية. وفي حديث عويم عند الطّبرانيّ: فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسولَ الله أنغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل هذا يطلّ. فقال: أسجعٌ كسجع الجاهليّة. ونحوه عند أبي يعلى من حديث جابر , لكن قال: فقالت عاقلة القاتلة. وعند البيهقيّ من حديث أسامة بن عميرة: فقال أبوها: إنّما يعقلها بنوها , فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقال: الدّية على العصبة وفي الجنين غرّة، فقال: ما وضع فحل ولا صاح فاستهل، فأبطله فمثله يطلّ. وبهذا يجمع الاختلاف. فيكون كلّ من أبيها وأخيها وزوجها , قالوا ذلك , لأنّهم كلّهم من عصبتها بخلاف المقتولة , فإنّ في حديث أسامة بن عمير , أنّ المقتولة عامريّة والقاتلة هذليّة. ووقع في رواية أسامة " فقال: دعني من أراجيز الأعراب " وفي لفظ " أسجاعة بك " وفي آخر " أسجع كسجع الجاهليّة؟ قيل: يا رسولَ الله إنّه شاعر " وفي لفظ " لسنا من أساجيع الجاهليّة في شيء.

стр. 3113

وفيه. فقال: إنّ لها ولداً هم سادة الحيّ وهم أحقّ أن يعقلوا عن أمّهم، قال: بل أنت أحقّ أن تعقل عن أختك من ولدها، فقال: ما لي شيء، قال حَمَلٌ - وهو يومئذٍ على صدقات هذيل وهو زوج المرأة وأبو الجنين -: اقبض من صدقات هذيل " أخرجه البيهقيّ. وفي رواية ابن أبي عاصم " ما له عبد ولا أمة , قال: عشر من الإبل، قالوا: ما له من شيء إلَّا أن تعينه من صدقة بني لحيان فأعانه بها، فسعى حملٌ عليها حتّى استوفاها ". وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة " فقضى أنّ الدّية على عاقلة القاتلة , وفي الجنين غرّة عبد أو أمة وعشر من الإبل أو مائة شاة " قوله: (كيف أغرم يا رسولَ الله من لا شرب ولا أكل؟) في رواية مالك " من لا أكل ولا شرب ". والأوّل أولى لمناسبة السّجع. ووقع في رواية الكشميهنيّ في رواية مالك " ما لا " بدل " من لا " وهذا هو الذي في " الموطّأ ". وقال أبو عثمان بن جنّيّ: معنى قوله " لا أكل " أي: لَم يأكل، أقام الفعل الماضي مقام المضارع. قوله: (فمثل ذلك يطلّ) للأكثر - بضمّ المثنّاة التّحتانيّة وفتح الطّاء المهملة وتشديد اللام - أي: يهدر، يقال: دم فلان هدر إذا ترك الطّلب بثأره، وطل الدّم - بضمّ الطّاء وبفتحها أيضاً - وحكي " أطل " ولَم يعرفه الأصمعيّ.

стр. 3114

ووقع للكشميهنيّ في رواية ابن مسافر (١) " بطل " بفتح الموحّدة والتّخفيف من البطلان. كذا رأيته في نسخة معتمدة من رواية أبي ذرّ. وزعم عياض , أنّه وقع هنا للجميع بالموحّدة، قال: وبالوجهين في الموطّأ. وقد رجّح الخطّابيّ أنّه من البطلان، وأنكره ابن بطّال فقال: كذا يقوله أهل الحديث، وإنّما هو طلّ الدّم إذا هدر. قلت: وليس لإنكاره معنىً بعد ثبوت الرّواية، وهو موجّه، راجعٌ إلى معنى الرّواية الأخرى. قوله: (إنّما هذا من إخوان الكهّان) أي: لمشابهة كلامه كلامهم. (٢) قوله: (من أجل سجعه الذي سجع) قال القرطبيّ: هو من تفسير الرّاوي، وقد ورد مستند ذلك فيما أخرجه مسلم في حديث المغيرة بن شعبة: فقال رجلٌ من عصبة القاتلة يغرم. فذكر نحوه. وفيه: فقال رسول الله ﷺ : أسجع كسجع الأعراب؟. والسّجع هو تناسب آخر الكلمات لفظاً، وأصله الاستواء، وفي الاصطلاح الكلام المقفّى. والجمع أسجاع وأساجيع. قال ابن بطّال: فيه ذمّ الكفّار وذمّ من تشبّه بهم في ألفاظهم، وإنّما لَم يعاقبه , لأنّه ﷺ كان مأموراً بالصّفح عن الجاهلين.

стр. 3115

واستدل به على ذمّ السّجع في الكلام، ومحلّ الكراهة إذا كان ظاهر التّكلف، وكذا لو كان منسجماً , لكنّه في إبطال حقّ أو تحقيق باطل، فأمّا لو كان منسجماً - وهو في حقّ أو مباح - فلا كراهة. بل ربّما كان في بعضه ما يستحبّ مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطّاعة كما وقع لمثل القاضي الفاضل (١) في بعض رسائله , أو إقلاع عن معصية كما وقع لمثل أبي الفرج بن الجوزيّ في بعض مواعظه. وعلى هذا يُحمل ما جاء عن النّبيّ ﷺ . وكذا عن غيره من السّلف الصّالح. والذي يظهر لي أنّ الذي جاء من ذلك عن النّبيّ ﷺ لَم يكن عن قصد إلى التّسجيع , وإنّما جاء اتّفاقاً لعظم بلاغته، وأمّا مَن بَعْده فقد يكون كذلك , وقد يكون عن قصد وهو الغالب، ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدّاً. والحاصل أنّه إن جمعَ الأمرين من التّكلف وإبطال الحقّ كان

стр. 3116

مذموماً، وإن اقتصر على أحدهما كان أخفّ في الذّمّ. ويخرج من ذلك تقسيمه إلى أربعة أنواع: فالمحمود ما جاء عفواً في حقّ، ودونه ما يقع متكلفاً في حقّ أيضاً، والمذموم عكسهما. وفي الحديث من الفوائد أيضاً رفع الجناية للحاكم، ووجوب الدّية في الجنين ولو خرج ميّتاً كما تقدّم تقريره. واستدل به على عدم وجوب القصاص في القتل بالمثقّل , لأنّه ﷺ لَم يأمر فيه بالقود وإنّما أمر بالدّية. وأجاب مَن قال به: بأنّ عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصّغر بحيث يقتل بعضه غالباً ولا يقتل بعضه غالباً، وطرد المماثلة في القصاص إنّما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالباً. وفي هذا الجواب نظر: فإنّ الذي يظهر أنّه إنّما لَم يوجب فيه القود لأنّها لَم يقصد مثلها، وشرط القود العمد , وهذا إنّما هو شبه العمد , فلا حجّة فيه للقتل بالمثقّل ولا عكسه. وفيه ميراث المرأة والزّوج مع الوالد وغيره من الوارثين فلا يسقط إرث واحد منهما بحالٍ، بل يحطّ الولد الزّوج من النّصف إلى الرّبع، ويحطّ المرأة من الرّبع إلى الثّمن. ووجه الدّلالة منه، أنّ ميراث الضّاربة لبنيها وزوجها لا لعصبتها الذين عقلوا عنها فورث الزّوج مع ولده، وكذا لو كان الأب هو الميّت لورثت الأمّ مع الأولاد، أشار إلى ذلك ابن التّين. وكذا لو كان هناك عصبةٌ بغير ولدٍ.

стр. 3117

تكميل: قال البخاري " باب جنين المرأة , وأنّ العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد " قال الإسماعيليّ: هكذا ترجم أنّ العقل على الوالد وعصبة الوالد، وليس في الخبر إيجاب العقل على الوالد، فإن أراد الوالدة التي كانت هي الجانية فقد يكون الحكم عليها فإذا ماتت أو عاشت فالعقل على عصبتها. انتهى. والمعتمد ما قال ابن بطّال: مراده أنّ عقل المرأة المقتولة على والد القاتلة وعصبته. قلت: وأبوها وعصبة أبيها عصبتها , فطابق لفظ " وأنّ العقل على عصبتها " وبيّنه لفظ الخبر الثّاني " وقضى أنّ دية المرأة على عاقلتها " وإنّما ذكره بلفظ الوالد للإشارة إلى ما ورد في بعض طرق القصّة. وقوله " لا على الولد " قال ابن بطّال: يريد أنّ ولد المرأة إذا لَم يكن من عصبتها لا يعقل عنها , لأنّ العقل على العصبة دون ذوي الأرحام , ولذلك لا يعقل الإخوة من الأمّ. قال: ومقتضى الخبر أنّ من يرثها لا يعقل عنها إذا لَم يكن من عصبتها، وهو متّفق عليه بين العلماء كما قاله ابن المنذر. قلت: وقد ذكرتُ قبل هذا , أنّ في رواية أسامة بن عمير " فقال أبوها: إنّما يعقلها بنوها، فقال النّبيّ ﷺ : الدّية على العصبة ".

стр. 3118

الحديث الثامن ٣٤٨ - عن عمران بن حصينٍ ﵁ , أنّ رجلاً عضّ يدَ رجلٍ، فنزع يده من فيه، فوقعتْ ثنيّتاه، فاختصما إلى النبيّ ﷺ , فقال: يَعَضُّ أحدكم أخاه، كما يَعَضُّ الفحل، لا دية لك. (١) قوله: (أنّ رجلاً عضّ يد رجل) في رواية محمّد بن جعفر عن شعبة عند مسلم عن عمران قال: قاتل يعلى بن أُميَّة رجلاً فعضّ أحدهما صاحبه " الحديث , قال شعبة: وعن قتادة عن عطاء - هو ابن أبي رباح - عن ابن يعلى - يعني صفوان - عن يعلى بن أُميَّة , قال: مثله، وكذا أخرجه النّسائيّ من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة , بهذا السّند , فقال في روايته: بمثل الذي قبله. يعني حديث عمران بن حصين. قلت: ولشعبة فيه سند آخر إلى يعلى. أخرجه النّسائيّ من طريق ابن أبي عديّ وعبيد بن عقيل كلاهما عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن يعلى. ووقع في رواية عبيد بن عقيل , أنّ رجلاً من بني تميم قاتل رجلاً فعضّ يده. ويستفاد من هذه الرّواية تعيين أحد الرّجلين المبهمين وأنّه يعلى بن

стр. 3119

أُميَّة، وقد روى يعلى هذه القصّة في الصحيحين. فبيّن في بعض طرقه , أنّ أحدهما كان أجيراً له، ولفظه عند البخاري في الجهاد: غزوتُ مع رسول الله ﷺ . فذكر الحديث. وفيه. فاستأجرتُ أجيراً , فقاتل رجلاً فعضّ أحدهما الآخر. فعُرف أنّ الرّجلين المبهمين يعلى وأجيره , وأنّ يعلى أبْهمَ نفسه , لكن عيّنه عمران بن حصين. ولَم أقف على تسمية أجيره. وأمّا تمييز العاضّ من المعضوض. فوقع بيانه في عند البخاري في " المغازي " من طريق محمّد بن بكر عن ابن جريجٍ في حديث يعلى. قال عطاء: فلقد أخبرني صفوان بن يعلى أيّهما عضّ الآخر. فنسيتُه. فظنّ أنّه مستمرّ على الإبهام. ولكن وقع عند مسلم والنّسائيّ من طريق بديل بن ميسرة عن عطاء عن صفوان , أنّ أجيراً ليعلى عضّ رجلٌ ذراعَه. وأخرجه النّسائيّ أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان عن ابن جريج بلفظ: فقاتل أجيري رجلاً. فعضّه الآخر. ويؤيّده ما أخرجه النّسائيّ من طريق سفيان بن عبد الله عن عمّيه سلمة بن أُميَّة ويعلى بن أُميَّة قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك , ومعنا صاحب لنا فقاتلا رجلاً من المسلمين , فعضّ الرّجل ذراعه. ويؤيّده أيضاً رواية عبيد بن عقيل التي ذكرتها من عند النّسائيّ

стр. 3120

بلفظ " أنّ رجلاً من بني تميم عضّ " فإنّ يعلى تميميّ , وأمّا أجيره فإنّه لَم يقع التّصريح بأنّه تميميّ. وأخرج النّسائيّ أيضاً من رواية محمّد بن مسلم الزّهريّ عن صفوان بن يعلى عن أبيه نحو رواية سلمة. ولفظه: فقاتل رجلاً فعضّ الرّجل ذراعه فأوجعه. وعرف بهذا. أنّ العاضّ هو يعلى بن أُميَّة، ولعل هذا هو السّرّ في إبهامه نفسه. وقد أنكر القرطبيّ أن يكون يعلى هو العاضّ , فقال: يظهر من هذه الرّواية أنّ يعلى هو الذي قاتل الأجير، وفي الرّواية الأخرى " أنّ أجيراً ليعلى عضّ يد رجل " وهذا هو الأولى والأليق. إذ لا يليق ذلك الفعل بيعلى مع جلالته وفضله. قلت: لَم يقع في شيء من الطّرق أنّ الأجير هو العاضّ , وإنّما التبس عليه أنّ في بعض طرقه عند مسلم كما بيّنته " أنّ أجيراً ليعلى عضّ رجلٌ ذراعه " فجوّز أن يكون العاضّ غير يعلى. وأمّا استبعاده أن يقع ذلك من يعلى - مع جلالته - فلا معنى له مع ثبوت التّصريح به في الخبر الصّحيح، فيحتمل: أن يكون ذلك صدر منه في أوائل إسلامه فلا استبعاد. وقال النّوويّ: وأمّا قوله يعني في الرّواية الأولى " أنّ يعلى هو المعضوض " وفي. الرّواية الثّانية والثّالثة المعضوض هو أجير يعلى لا يعلى , فقال الحفّاظ: الصّحيح المعروف أنّ المعضوض أجير يعلى لا
следующие страницы →