← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

مذموماً، وإن اقتصر على أحدهما كان أخفّ في الذّمّ. ويخرج من ذلك تقسيمه إلى أربعة أنواع: فالمحمود ما جاء عفواً في حقّ، ودونه ما يقع متكلفاً في حقّ أيضاً، والمذموم عكسهما. وفي الحديث من الفوائد أيضاً رفع الجناية للحاكم، ووجوب الدّية في الجنين ولو خرج ميّتاً كما تقدّم تقريره. واستدل به على عدم وجوب القصاص في القتل بالمثقّل , لأنّه ﷺ لَم يأمر فيه بالقود وإنّما أمر بالدّية. وأجاب مَن قال به: بأنّ عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصّغر بحيث يقتل بعضه غالباً ولا يقتل بعضه غالباً، وطرد المماثلة في القصاص إنّما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالباً. وفي هذا الجواب نظر: فإنّ الذي يظهر أنّه إنّما لَم يوجب فيه القود لأنّها لَم يقصد مثلها، وشرط القود العمد , وهذا إنّما هو شبه العمد , فلا حجّة فيه للقتل بالمثقّل ولا عكسه. وفيه ميراث المرأة والزّوج مع الوالد وغيره من الوارثين فلا يسقط إرث واحد منهما بحالٍ، بل يحطّ الولد الزّوج من النّصف إلى الرّبع، ويحطّ المرأة من الرّبع إلى الثّمن. ووجه الدّلالة منه، أنّ ميراث الضّاربة لبنيها وزوجها لا لعصبتها الذين عقلوا عنها فورث الزّوج مع ولده، وكذا لو كان الأب هو الميّت لورثت الأمّ مع الأولاد، أشار إلى ذلك ابن التّين. وكذا لو كان هناك عصبةٌ بغير ولدٍ.

стр. 3117

تكميل: قال البخاري " باب جنين المرأة , وأنّ العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد " قال الإسماعيليّ: هكذا ترجم أنّ العقل على الوالد وعصبة الوالد، وليس في الخبر إيجاب العقل على الوالد، فإن أراد الوالدة التي كانت هي الجانية فقد يكون الحكم عليها فإذا ماتت أو عاشت فالعقل على عصبتها. انتهى. والمعتمد ما قال ابن بطّال: مراده أنّ عقل المرأة المقتولة على والد القاتلة وعصبته. قلت: وأبوها وعصبة أبيها عصبتها , فطابق لفظ " وأنّ العقل على عصبتها " وبيّنه لفظ الخبر الثّاني " وقضى أنّ دية المرأة على عاقلتها " وإنّما ذكره بلفظ الوالد للإشارة إلى ما ورد في بعض طرق القصّة. وقوله " لا على الولد " قال ابن بطّال: يريد أنّ ولد المرأة إذا لَم يكن من عصبتها لا يعقل عنها , لأنّ العقل على العصبة دون ذوي الأرحام , ولذلك لا يعقل الإخوة من الأمّ. قال: ومقتضى الخبر أنّ من يرثها لا يعقل عنها إذا لَم يكن من عصبتها، وهو متّفق عليه بين العلماء كما قاله ابن المنذر. قلت: وقد ذكرتُ قبل هذا , أنّ في رواية أسامة بن عمير " فقال أبوها: إنّما يعقلها بنوها، فقال النّبيّ ﷺ : الدّية على العصبة ".

стр. 3118

الحديث الثامن ٣٤٨ - عن عمران بن حصينٍ ﵁ , أنّ رجلاً عضّ يدَ رجلٍ، فنزع يده من فيه، فوقعتْ ثنيّتاه، فاختصما إلى النبيّ ﷺ , فقال: يَعَضُّ أحدكم أخاه، كما يَعَضُّ الفحل، لا دية لك. (١) قوله: (أنّ رجلاً عضّ يد رجل) في رواية محمّد بن جعفر عن شعبة عند مسلم عن عمران قال: قاتل يعلى بن أُميَّة رجلاً فعضّ أحدهما صاحبه " الحديث , قال شعبة: وعن قتادة عن عطاء - هو ابن أبي رباح - عن ابن يعلى - يعني صفوان - عن يعلى بن أُميَّة , قال: مثله، وكذا أخرجه النّسائيّ من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة , بهذا السّند , فقال في روايته: بمثل الذي قبله. يعني حديث عمران بن حصين. قلت: ولشعبة فيه سند آخر إلى يعلى. أخرجه النّسائيّ من طريق ابن أبي عديّ وعبيد بن عقيل كلاهما عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن يعلى. ووقع في رواية عبيد بن عقيل , أنّ رجلاً من بني تميم قاتل رجلاً فعضّ يده. ويستفاد من هذه الرّواية تعيين أحد الرّجلين المبهمين وأنّه يعلى بن

стр. 3119

أُميَّة، وقد روى يعلى هذه القصّة في الصحيحين. فبيّن في بعض طرقه , أنّ أحدهما كان أجيراً له، ولفظه عند البخاري في الجهاد: غزوتُ مع رسول الله ﷺ . فذكر الحديث. وفيه. فاستأجرتُ أجيراً , فقاتل رجلاً فعضّ أحدهما الآخر. فعُرف أنّ الرّجلين المبهمين يعلى وأجيره , وأنّ يعلى أبْهمَ نفسه , لكن عيّنه عمران بن حصين. ولَم أقف على تسمية أجيره. وأمّا تمييز العاضّ من المعضوض. فوقع بيانه في عند البخاري في " المغازي " من طريق محمّد بن بكر عن ابن جريجٍ في حديث يعلى. قال عطاء: فلقد أخبرني صفوان بن يعلى أيّهما عضّ الآخر. فنسيتُه. فظنّ أنّه مستمرّ على الإبهام. ولكن وقع عند مسلم والنّسائيّ من طريق بديل بن ميسرة عن عطاء عن صفوان , أنّ أجيراً ليعلى عضّ رجلٌ ذراعَه. وأخرجه النّسائيّ أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان عن ابن جريج بلفظ: فقاتل أجيري رجلاً. فعضّه الآخر. ويؤيّده ما أخرجه النّسائيّ من طريق سفيان بن عبد الله عن عمّيه سلمة بن أُميَّة ويعلى بن أُميَّة قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك , ومعنا صاحب لنا فقاتلا رجلاً من المسلمين , فعضّ الرّجل ذراعه. ويؤيّده أيضاً رواية عبيد بن عقيل التي ذكرتها من عند النّسائيّ

стр. 3120

بلفظ " أنّ رجلاً من بني تميم عضّ " فإنّ يعلى تميميّ , وأمّا أجيره فإنّه لَم يقع التّصريح بأنّه تميميّ. وأخرج النّسائيّ أيضاً من رواية محمّد بن مسلم الزّهريّ عن صفوان بن يعلى عن أبيه نحو رواية سلمة. ولفظه: فقاتل رجلاً فعضّ الرّجل ذراعه فأوجعه. وعرف بهذا. أنّ العاضّ هو يعلى بن أُميَّة، ولعل هذا هو السّرّ في إبهامه نفسه. وقد أنكر القرطبيّ أن يكون يعلى هو العاضّ , فقال: يظهر من هذه الرّواية أنّ يعلى هو الذي قاتل الأجير، وفي الرّواية الأخرى " أنّ أجيراً ليعلى عضّ يد رجل " وهذا هو الأولى والأليق. إذ لا يليق ذلك الفعل بيعلى مع جلالته وفضله. قلت: لَم يقع في شيء من الطّرق أنّ الأجير هو العاضّ , وإنّما التبس عليه أنّ في بعض طرقه عند مسلم كما بيّنته " أنّ أجيراً ليعلى عضّ رجلٌ ذراعه " فجوّز أن يكون العاضّ غير يعلى. وأمّا استبعاده أن يقع ذلك من يعلى - مع جلالته - فلا معنى له مع ثبوت التّصريح به في الخبر الصّحيح، فيحتمل: أن يكون ذلك صدر منه في أوائل إسلامه فلا استبعاد. وقال النّوويّ: وأمّا قوله يعني في الرّواية الأولى " أنّ يعلى هو المعضوض " وفي. الرّواية الثّانية والثّالثة المعضوض هو أجير يعلى لا يعلى , فقال الحفّاظ: الصّحيح المعروف أنّ المعضوض أجير يعلى لا

стр. 3121

يعلى. قال: ويحتمل أنّهما قضيّتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين. وتعقّبه شيخنا في شرح التّرمذيّ: بأنّه ليس في رواية مسلم ولا رواية غيره في الكتب السّتّة ولا غيرها , أنّ يعلى هو المعضوض لا صريحاً ولا إشارة. وقال شيخنا: فيتعيّن على هذا أنّ يعلى هو العاضّ. والله أعلم. قلت: وإنّما تردّد عياض وغيره في العاضّ. هل هو يعلى أو آخر أجنبيّ؟ كما قدّمته من كلام القرطبيّ. والله أعلم. قوله: (فنزع يده من فيه) وكذا في حديث يعلى الماضي في البخاري في رواية الكشميهنيّ " من فمه ". وفي رواية معاذ بن هشام عن أبيه (١) عن قتادة عند مسلم " عضّ ذراع رجلٍ فجذبه ". وفي حديث يعلى في البخاري " فعضّ إصبع صاحبه فانتزع إصبعه ". وفي الجمع بين الذّراع والإصبع عُسر، ويبعد الحمل على تعدّد القصّة لاتّحاد المخرج , لأنّ مدارها على عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه، فوقع في رواية إسماعيل بن عُليّة عن ابن جريجٍ عنه " إصبعه " وهذه في البخاريّ , ولَم يسق مسلم لفظها. وفي رواية بن ميسرة عن عطاء عند مسلم , وكذا في رواية الزّهريّ

стр. 3122

عن صفوان عند النّسائيّ " ذراعه " ووافقه سفيان بن عيينة عن ابن جريجٍ في رواية إسحاق بن راهويه عنه. فالذي يترجّح الذّراع، وقد وقع أيضاً في حديث سلمة بن أُميَّة عند النّسائيّ مثل ذلك. وانفراد ابن عُليّة عن ابن جريجٍ بلفظ " الإصبع " لا يقاوم هذه الرّوايات المتعاضدة على الذّراع. والله أعلم. قوله: (فوقعت ثنيّتاه) كذا للأكثر بالتّثنية. وللكشميهنيّ " ثناياه " بصيغة الجمع، وفي رواية هشام المذكورة " فسقطت ثنيّته " بالإفراد , وكذا له في رواية ابن سيرين عن عمران. (١) وكذا في رواية سلمة بن أُميَّة بلفظ " فجذب صاحبه يده فطرح ثنيّته ". وقد تترجّح رواية التّثنية , لأنّه يمكن حمل الرّواية التي بصيغة الجمع عليها على رأي من يجيز في الاثنين صيغة الجمع، وردّ الرّواية التي بالإفراد إليها على إرادة الجنس، لكن وقع في رواية محمّد بن بكر " فانتزع إحدى ثنيّتيه " فهذه أصرح في الوحدة. وقول من يقول في هذا بالحمل على التّعدّد بعيدٌ أيضاً لاتّحاد المخرج، ووقع في رواية الإسماعيليّ " فندرت ثنيّته ". قوله: (فاختصما إلى النّبيّ ﷺ ) في رواية آدم عن شعبة عند

стр. 3123

البخاري " فاختصموا " كذا في هذا الموضع , والمراد يعلى وأجيره ومن انضمّ إليهما ممّن يلوذ بهما أو بأحدهما، وفي رواية هشام " فرفع إلى النّبيّ ﷺ " وفي رواية ابن سيرين " فاستعدى عليه ". وفي حديث يعلى " فانطلق " هذه رواية ابن عليّة , وفي رواية سفيان " فأتى " , وفي رواية محمّد بن بكر عن ابن جريجٍ في البخاري " فأتيا ". قوله: (فقال: يعضّ) بفتح أوّله والعين المهملة بعدها ضاد معجمة ثقيلة , وفي رواية مسلم " يعمد أحدكم إلى أخيه فيعضّه ". وأصل عضّ عضض بكسر الأولى يعضض بفتحها فأدغمت. قوله: (كما يعضّ الفحل) وفي حديث سلمة " كعضاض الفحل " أي: الذّكر من الإبل , ويطلق على غيره من ذكور الدّوابّ. ووقع في الرّواية التي في الجهاد (١). وكذا في حديث هشام " ويقضمها " - بسكون القاف وفتح الضّاد المعجمة على الأفصح - " كما يقضم الفحل " من القضم , وهو الأكل بأطراف الأسنان. والخضم - بالخاء المعجمة بدل القاف - الأكل بأقصاها وبأدنى الأضراس , ويطلق على الدّقّ والكسر , ولا يكون إلَّا في الشّيء الصّلب. حكاه صاحب الرّاعي في اللغة. قوله: (لا دية له) في رواية الكشميهنيّ " لا دية لك " ووقع في رواية هشام " فأبطله , وقال: أردت أن تأكل لحمه ".

стр. 3124

وفي حديث سلمة " ثمّ تأتي تلتمس العقل , لا عقل لها فأبطلها " , وفي رواية ابن سيرين " فقال: ما تأمرني؟ أتأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل , ادفع يدك حتّى يقضمها , ثمّ انزعها " كذا لمسلمٍ. وعند أبي نعيم في " المستخرج " من الوجه الذي أخرجه مسلم " إن شئت أمرناه فعضّ يدك , ثمّ انتزعها أنت " وفي حديث يعلى بن أُميَّة " فأهدرها " , وفي رواية للشيخين " فأبطلها " وهي رواية الإسماعيليّ. وقد أخذ بظاهر هذه القصّة الجمهور , فقالوا: لا يلزم المعضوضَ قصاصٌ ولا ديةٌ , لأنّه في حكم الصّائل. واحتجّوا أيضاً بالإجماع. بأنّ من شهر على آخر سلاحاً ليقتله فدفع عن نفسه , فقُتل الشّاهر أنّه لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنّه بدفعه إيّاه عنها، قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر لَم يلزمه شيء. وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض , وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه أو فكّ لحيته ليرسلها، ومهما أمكن التّخليص بدون ذلك فعدل عنه إلى الأثقل لَم يهدر. وعند الشّافعيّة وجه , أنّه يهدر على الإطلاق، ووجّه أنّه لو دفعه في ذلك ضمن. وعن مالك روايتان. أشهرهما يجب الضّمان.

стр. 3125

وأجابوا عن هذا الحديث: الأول: احتمال أن يكون سبب الإنذار شدّة العضّ لا النّزع , فيكون سقوط ثنيّة العاضّ بفعله لا بفعل المعضوض، إذ لو كان من فعل صاحب اليد لأمكنه أن يخلص يده من غير قلع، ولا يجوز الدّفع بالأثقل مع إمكان الأخفّ. الثاني: قال بعض المالكيّة: العاضّ قصد العضو نفسه , والذي استحقّ في إتلاف ذلك العضو غير ما فعل به , فوجب أن يكون كلّ منهما ضامناً ما جناه على الآخر، كمن قلع عين رجل فقطع الآخر يده. وتعقّب: بأنّه قياس في مقابل النّصّ فهو فاسد. الثالث: قال بعضهم: لعلَّ أسنانه كانت تتحرّك فسقطت عقب النّزع. وسياق هذا الحديث يدفع هذا الاحتمال. الرابع: تمسّك بعضهم بأنّها واقعة عين ولا عموم لها. وتعقّب: بأنّ البخاريّ أخرج في الإجارة عقب حديث يعلى هذا من طريق أبي بكر الصّدّيق ﵁ , أنّه وقع عنده مثل ما وقع عند النّبيّ ﷺ , وقضى فيه بمثله. (١)

стр. 3126

وما تقدّم من التّقييد ليس في الحديث , وإنّما أخذ من القواعد الكليّة، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به , فإنّ النّصّ إنّما ورد في صورة مخصوصة، نبّه على ذلك ابن دقيق العيد. وقد قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكاً هذا الحديث لَمَا خالفه. وكذا قال ابن بطّال: لَم يقع هذا الحديث لمالكٍ وإلَّا لَمَا خالفه. وقال الدّاوديّ: لَم يروه مالك , لأنّه من رواية أهل العراق. وقال أبو عبد الملك: كأنّه لَم يصحّ الحديث عنده , لأنّه أتى من قِبل المشرق. قلت: وهو مُسلَّمٌ في حديث عمران، وأمّا طريق يعلى بن أُميَّة فرواها أهل الحجاز , وحملها عنهم أهل العراق. الخامس: اعتذر بعض المالكيّة بفساد الزّمان. ونقل القرطبيّ عن بعض أصحابهم إسقاط الضّمان , قال: وضمّنه الشّافعيّ وهو مشهور مذهب مالك. وتعقّب: بأنّ المعروف عن الشّافعيّ أنّه لا ضمان، وكأنّه انعكس على القرطبيّ تنْبيهٌ: لَم يتكلم النّوويّ على ما وقع في رواية ابن سيرين عن عمران، فإنّ مقتضاها إجراء القصاص في العضّة، وقد يقال: إنّ العضّ هنا إنّما أذن فيه للتّوصّل إلى القصاص في قلع السّنّ. لكنّ الجواب السّديد في هذا أنّه استفهمه استفهام إنكار لا تقرير

стр. 3127

شرع، هذا الذي يظهر لي. والله أعلم. وفي هذه القصّة من الفوائد. التّحذير من الغضب، وأنّ من وقع له ينبغي له أن يكظمه ما استطاع لأنّه أدّى إلى سقوط ثنيّة الغضبان، لأنّ يعلى غضب من أجيره فضربه فدفع الأجير عن نفسه فعضّه يعلى فنزع يده فسقطت ثنيّة العاضّ، ولولا الاسترسال مع الغضب لسلم من ذلك. وفيه رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل، وأنّ المرء لا يقتصّ لنفسه. وأنّ المتعدّي بالجناية يسقط ما ثبت له قبلها من جناية إذا ترتّبت الثّانية على الأولى. وفيه جواز تشبيه فعل الآدميّ بفعل البهيمة إذا وقع في مقام التّنفير عن مثل ذلك الفعل. وقد حكى الكرمانيّ أنّه رأى من صحّف قوله " كما يقضم الفجل " بالجيم بدل الحاء المهملة وحمله على البقل المعروف، وهو تصحيف قبيح. وفيه دفع الصّائل , وأنّه إذا لَم يمكن الخلاص منه إلَّا بجنايةٍ على نفسه أو على بعض أعضائه ففعل به ذلك كان هدراً، وللعلماء في ذلك اختلاف وتفصيل معروف. وفيه أنّ من وقع له أمرٌ يأنفه أو يحتشم من نسبته إليه إذا حكاه كنَّى عن نفسه بأن يقول: فعل رجلٌ أو إنسان أو نحو ذلك كذا وكذا كما

стр. 3128

وقع ليعلى في هذه القصّة. وكما وقع لعائشة حيث قالت: قبّل رسول الله ﷺ امرأةً من نسائه، فقال لها عروة: هل هي إلَّا أنتِ؟ فتبسّمت. (١)

стр. 3129

الحديث التاسع ٣٤٩ - عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ , قال: حدثنا جندب ﵁ في هذا المسجد، وما نسينا منه حديثاً، وما نخشى أن يكون جندبٌ كذب على رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جُرحٌ فجزع، فأخذ سكيناً فحزَّ بِها يده، فما رقأ الدّم حتى مات، قال الله : عبدي بادرني بنفسه، حرّمتُ عليه الجنة. (١) قوله: (عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ) الإمام المشهور، وكان ولي قضاء البصرة مدة لطيفة , ولَّاه أميرها عديُّ بن أرطاة، ومات الحسن سنة عشر ومائة. قوله: (جندب ﵁) ابن عبد الله البجلي. (٢) قوله: (في هذا المسجد) هو مسجد البصرة. قوله: (وما نسينا منه حديثاً) وللبخاري " وما نسينا منذ حدّثنا " أشار بذلك إلى تحقّقه لِمَا حدّث به وقرب عهده به واستمرار ذكره له. قوله: (وما نخشى أن يكون جندبٌ كذب) فيه إشارة إلى أنّ الصّحابة عدول، وأنّ الكذب مأمون من قبلهم , ولا سيّما على النّبيّ

стр. 3130

- ﷺ . قوله: (كان فيمن كان قبلكم رجلٌ) لَم أقف على اسمه. قوله: (به جرح) بضمّ الجيم وسكون الرّاء بعدها مهملة، وفي رواية للبخاري بلفظ " به جراح " وهو بكسر الجيم. وذكره بعضهم: بضمّ المعجمة وآخره جيم. وهو تصحيف. ووقع في رواية مسلم " أنّ رجلاً خرجت به قرحة " (١) وهي بفتح القاف وسكون الرّاء: حبّة تخرج في البدن، وكأنّه كان به جرح ثمّ صار قرحة. قوله: (فجزع) أي: فلم يصبر على أَلَم تلك القرحة. قوله: (فأخذ سكّيناً فحزّ بها يده) السّكّين تذكّر وتؤنّث، وقوله " حزّ " بالحاء المهملة والزّاي هو القطع بغير إبانة. ووقع في رواية مسلم " فلمّا آذته انتزع سهماً من كنانته فنكأها " وهو بالنّون والهمز. أي: نخس موضع الجرح. ويمكن الجمع: بأن يكون فجر الجرح بذبابة السّهم فلم ينفعه فحزّ موضعه بالسّكّين. ودلَّت رواية البخاريّ , على أنّ الجرح كان في يده. قوله: (فما رقأ الدّم) بالقاف والهمز , أي: لَم ينقطع. قوله: (قال الله : عبدي بادرني بنفسه) وللبخاري "

стр. 3131

بادرني عبدي بنفسه " هو كناية عن استعجال المذكور الموت، وسيأتي البحث فيه. قوله: (حرّمت عليه الجنّة) جارٍ مجرى التّعليل للعقوبة , لأنّه لَمَّا استعجل الموت بتعاطي سببه من إنفاذ مقاتله فجعل له فيه اختياراً عصى الله به , فناسب أن يعاقبه. ودلَّ ذلك على أنّه حزّها لإرادة الموت لا لقصد المداواة التي يغلب على الظّنّ الانتفاع بها. وقد استشكل قوله " بادرني بنفسه " وقوله " حرّمت عليه الجنّة ". لأنّ الأوّل يقتضي أن يكون من قتل فقد مات قبل أجله , لِمَا يوهمه سياق الحديث من أنّه لو لَم يقتل نفسه كان قد تأخّر عن ذلك الوقت وعاش، لكنّه بادر فتقدّم. والثّاني يقتضي تخليد الموحّد في النّار. والجواب عن الأوّل: أنّ المبادرة من حيث التّسبّب في ذلك والقصد له والاختيار، وأطلق عليه المبادرة لوجود صورتها، وإنّما استحقّ المعاقبة , لأنّ الله لَم يطلعه على انقضاء أجله فاختار هو قتل نفسه فاستحقّ المعاقبة لعصيانه. وقال القاضي أبو بكر: قضاء الله مطلق ومقيّد بصفة، فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف، والمقيّد على الوجهين، مثاله. أن يقدّر لواحد أنّ يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه , وثلاثين سنة إن لَم يقتل , وهذا بالنّسبة إلى ما يعلم به المخلوق كملك الموت مثلاً. وأمّا بالنّسبة إلى علم الله فإنّه لا يقع إلَّا ما علمه , ونظير ذلك الواجب المخيّر

стр. 3132

فالواقع منه معلوم عند الله والعبد مخيّر في أيّ الخصال يفعل. والجواب عن الثّاني من أوجه: أحدها: أنّه كان استحلَّ ذلك الفعل فصار كافراً. ثانيها: كان كافراً في الأصل وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره. ثالثها: أنّ المراد أنّ الجنّة حرّمت عليه في وقت ما كالوقت الذي يدخل فيه السّابقون , أو الوقت الذي يعذّب فيه الموحّدون في النّار ثمّ يخرجون. رابعها: أنّ المراد جنّة معيّنة كالفردوس مثلاً. خامسها: أنّ ذلك ورد على سبيل التّغليظ والتّخويف , وظاهره غير مراد. سادسها: أنّ التّقدير حرّمت عليه الجنّة إن شئت استمرار ذلك. سابعها: قال النّوويّ: يحتمل أن يكون ذلك شرعُ مَن مضى أنّ أصحاب الكبائر يكفرون بفعلها. وفي الحديث تحريم قتل النّفس. سواء كانت نفس القاتل أم غيره، وقتل الغير يؤخذ تحريمه من هذا الحديث بطريق الأولى. وفيه الوقوف عند حقوق الله ورحمته بخلقه حيث حرّم عليهم قتل نفوسهم , وأنّ الأنفس ملك الله. وفيه التّحديث عن الأمم الماضية , وفضيلة الصّبر على البلاء , وترك التّضجّر من الآلام لئلا يفضي إلى أشدّ منها. وفيه تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى قتل النّفس.

стр. 3133

وفيه التّنبيه على أنّ حكم السّراية على ما يترتّب عليه ابتداء القتل. وفيه الاحتياط في التّحديث , وكيفيّة الضّبط له والتّحفّظ فيه بذكر المكان , والإشارة إلى ضبط المحدّث لمن حدّثه , ليركن السّامع لذلك، والله أعلم.

стр. 3134

كتاب الحدود جمع حدٍّ، وقد حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحدّ به في سبعة عشر شيئاً. فمن المتّفق عليه. الرّدّة والحرابة , ما لَم يتب قبل القدرة , والزّنا والقذف به وشرب الخمر. سواء أسكر أم لا والسّرقة. ومن المختلف فيه. جحد العارية , وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر , والقذف بغير الزّنا , والتّعريض بالقذف , واللواط - ولو بمن يحلّ له نكاحها - (١) وإتيان البهيمة , والسّحاق , وتمكين المرأة القرد وغيره من الدّوابّ من وطئها , والسّحر , وترك الصّلاة تكاسلاً , والفطر في رمضان. هذا كله خارجٌ عمّا تشرع فيه المقاتلة كما لو ترك قومٌ الزّكاة , ونصبوا لذلك الحرب. وأصل الحدّ ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وحدّ الدّار ما يميّزها، وحدّ الشّيء وصفه المحيط به المميّز له عن غيره. وسُمّيت عقوبة الزّاني ونحوه حدّاً لكونها تمنعه المعاودة , أو لكونها مقدّرةً من الشّارع، وللإشارة إلى المنع سُمِّي البوّاب حدّاداً. قال الرّاغب: وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى

стр. 3135

﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ وعلى فعل فيه شيءٌ مقدّرٌ، ومنه ﴿ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ وكأنّها لَمَّا فصلت بين الحلال والحرام سُمِّيت حدوداً. فمنها ما زجر عن فعله , ومنها ما زجر من الزّيادة عليه والنّقصان منه. وأمّا قوله تعالى ﴿إنّ الذين يحادّون الله ورسوله﴾ فهو من الممانعة. ويحتمل: أن يراد استعمال الحديد , إشارة إلى المقاتلة.

стр. 3136

الحديث الأول ٣٥٠ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: قَدِم ناسٌ من عُكلٍ أو عُرينة فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبيّ ﷺ بلقاحٍ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحُّوا. قتلوا راعي النبيّ ﷺ واستاقوا النَّعَم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلمَّا ارتفع النهار جِيء بهم، فأمر بهم، فقُطّعت أيديهم وأرجلهم، وسُمرت أعينهم، وتُركوا في الحرّة يستسقون. فلا يسقون. قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله، أخرجه الجماعة. (١) قوله: (قدم ناسٌ) أي: على رسول الله ﷺ ، وصرّح به البخاري من طريق أبي رجاء عن أبي قلابة عن أنس. قوله: (من عكلٍ أو عرينة) الشّكّ فيه من حمّاد , وللبخاري في المحاربين عن قتيبة عن حمّاد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة " أنّ رهطاً من عكلٍ , أو قال من عرينة. ولا أعلمه إلَّا قال: من عكلٍ ".

стр. 3137

وله في " الجهاد " عن وهيبٍ عن أيّوب " أنّ رهطاً من عكلٍ " ولَم يشكّ , وكذا في " المحاربين " عن يحيى بن أبي كثير , وفي " الدّيات " عن أبي رجاء كلاهما عن أبي قلابة. وله في " الزّكاة " عن شعبة عن قتادة عن أنس " أنّ ناساً من عرينة " ولَم يشكّ أيضاً , وكذا لمسلمٍ من رواية معاوية بن قرّة عن أنس. وفي البخاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة " أنّ ناساً من عكلٍ وعرينة " بالواو العاطفة , وهو الصّواب. ويؤيّده ما رواه أبو عوانة والطّبريّ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال: كانوا أربعةً من عرينة وثلاثة من عكلٍ. ولا يخالف هذا ما عند البخاري في " الجهاد " من طريق وهيب عن أيّوب , وفي " الدّيات " من طريق حجّاج الصّوّاف عن أبي رجاء كلاهما عن أبي قلابة عن أنس , أنّ رهطاً من عكلٍ ثمانية. لاحتمال أن يكون الثّامن من غير القبيلتين , وكان من أتباعهم فلم ينسب. وغفل من نسب عدّتهم ثمانية لرواية أبي يعلى , وهي عند البخاريّ , وكذا عند مسلم. وزعم ابن التّين تبعاً للدّاوديّ , أنّ عرينة هم عكل وهو غلطٌ، بل هما قبيلتان متغايرتان: عكلٌ من عدنان. وعرينة من قحطان. وعُكْل: بضمّ المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم الرّباب. وعُرَيْنة: بالعين والرّاء المهملتين والنّون مصغّراً حيٌّ من قضاعة وحيٌّ من بجيلة.

стр. 3138

والمراد هنا الثّاني. كذا ذكره موسى بن عقبة في " المغازي " , وكذا رواه الطّبريّ من وجهٍ آخر عن أنس. ووقع عند عبد الرّزّاق من حديث أبي هريرة بإسنادٍ ساقطٍ " أنّهم من بني فزارة ". وهو غلطٌ؛ لأنّ بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكلٍ ولا مع عرينة أصلاً. وذكر ابن إسحاق في " المغازي ": أنّ قدومهم كان بعد غزوة ذي قردٍ , وكانت في جمادى الآخرة سنة ستّ. وذكرها البخاري بعد الحديبية , وكانت في ذي القعدة منها. وذكر الواقديّ: أنّها كانت في شوّالٍ منها , وتبعه ابن سعد وابن حبّان وغيرهما. والله أعلم. وللبخاري في " المحاربين " من طريق وهيب عن أيّوب " أنّهم كانوا في الصّفّة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل ". قوله: (فاجتووا المدينة) زاد في رواية يحيى بن أبي كثير قبل هذا " فأسلموا " , وفي رواية أبي رجاء قبل هذا " فبايعوه على الإسلام ". قال ابن فارس: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه , وإن كنت في نعمة. وقيّده الخطّابيّ بما إذا تضرّر بالإقامة , وهو المناسب لهذه القصّة. وقال القزّاز: اجتووا. أي: لَم يوافقهم طعامها. وقال ابن العربيّ: الجوى داء يأخذ من الوباء. وفي روايةٍ أخرى يعني رواية أبي رجاء المذكورة " استوخموا " قال: وهو بمعناه. وقال غيره: الجوى داء يصيب الجوف.

стр. 3139

وللبخاري من رواية سعيدٍ عن قتادة في هذه القصّة " فقالوا: يا نبيّ الله. إنّا كنّا أهل ضرع , ولَم نكن أهل ريف ". وله في " الطّبّ " من رواية ثابتٍ عن أنس , أنّ ناساً كان بهم سقمٌ قالوا: يا رسولَ الله آونا وأطعمنا. فلمّا صحوا , قالوا: إنّ المدينة وخمة. والظّاهر أنّهم قدموا سقاماً , فلمّا صحّوا من السّقم كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأمّا السّقم الذي كان بهم , فهو الهزال الشّديد والجهد من الجوع. فعند أبي عوانة من رواية غيلان عن أنس: كان بهم هزال شديد. وعنده من رواية أبي سعد عنه " مصفرّة ألوانهم ". وأمّا الوخم الذي شكوا منه بعد أن صحّت أجسامهم , فهو من حُمّى المدينة كما عند أحمد من رواية حميدٍ عن أنس. وللبخاري من حديث عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ دعا الله أن ينقلها إلى الجحفة. ووقع عند مسلم من رواية معاوية بن قرّة عن أنس " وقع بالمدينة المُوم " أي: بضمّ الميم وسكون الواو , قال: وهو البرسام. أي: بكسر الموحّدة , سريانيّ معرّب , أطلق على اختلال العقل , وعلى ورم الرّأس , وعلى ورم الصّدر. والمراد هنا الأخير. فعند أبي عوانة من رواية همّام عن قتادة عن أنس في هذه القصّة " فعظُمت بطونهم " قوله: (فأمر لهم النبي ﷺ بلقاحٍ) أي: فأمرهم أن يلحقوا بها , وللبخاري في رواية همّام عن قتادة " فأمرهم أن يلحقوا براعيه ".

стр. 3140

وله عن قتيبة عن حمّاد " فأمر لهم بلقاح "؛ بزيادة اللام , فيحتمل أن تكون زائدة , أو للتّعليل , أو لشبه الملك أو للاختصاص , وليست للتّمليك. وعند أبي عوانة من رواية معاوية بن قرّة , التي أخرج مسلمٌ إسنادَها " أنّهم بدءوا بطلب الخروج إلى اللقاح فقالوا: يا رسولَ الله قد وقع هذا الوجع , فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل ". وللبخاري من رواية وهيب عن أيّوب أنّهم قالوا: يا رسولَ الله أبغنا رسلاً. أي: اطلب لنا لبناً. قال: ما أجد لكم إلَّا أن تلحقوا بالذّود. والرِّسل: بكسر الرّاء وسكون المهملة اللبن وبفتحتين , المال من الإبل والغنم. وقيل: بل الإبل خاصّةً إذا أرسلت إلى الماء , تسمّى رسلاً , وفي رواية أبي رجاء " هذه نعمٌ لنا تخرج فاخرجوا فيها ". واللقاح: باللام المكسورة والقاف وآخره مهملة: النّوق ذوات الألبان , واحدها لقحة بكسر اللام وإسكان القاف. وقال أبو عمرو: يقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهرٍ , ثمّ هي لبونٌ. وظاهر ما مضى , أنّ اللقاح كانت للنّبيّ ﷺ , وصرّح بذلك في البخاري عن موسى عن وهيب بسنده فقال " إلَّا أن تلحقوا بإبل رسول الله ﷺ ". وله من رواية الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير بسنده " فأمرهم أن

стр. 3141

يأتوا إبل الصّدقة " وكذا له من طريق شعبة عن قتادة. والجمع بينهما. أنّ إبل الصّدقة كانت ترعى خارج المدينة , وصادف بعث النّبيّ ﷺ بلقاحه إلى المرعى ما طلب هؤلاء النّفر الخروج إلى الصّحراء لشرب ألبان الإبل , فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه , فخرجوا معه إلى الإبل , ففعلوا ما فعلوا , وظهر بذلك مصداق قوله ﷺ " إنّ المدينة تنفي خبثها " متفق عليه. وذكر ابن سعد , أنّ عدد لقاحه ﷺ كانت خمس عشرة , وأنّهم نحروا منها واحدة , يقال: لها الحنّاء , وهو في ذلك متابعٌ للواقديّ , وقد ذكره الواقديّ في " المغازي " بإسنادٍ ضعيفٍ مرسل. قوله: (وأمرهم: أن يشربوا) وللبخاري في رواية أبي رجاء " فاخرجوا فاشربوا من ألبانها وأبوالها " بصيغة الأمر، وفي رواية شعبة عن قتادة " فرخّص لهم أن يأتوا الصّدقة فيشربوا ". فأمّا شربهم ألبان الصّدقة فلأنّهم من أبناء السّبيل. وأمّا شربهم لبن لقاح النّبيّ ﷺ فبإذنه المذكور. وأمّا شربهم البول. القول الأول: احتجّ به مَن قال بطهارته. أمّا من الإبل فبهذا الحديث , وأمّا من مأكول اللحم فبالقياس عليه، وهذا قول مالك وأحمد وطائفةٍ من السّلف ووافقهم من الشّافعيّة ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان والإصطخريّ والرّويانيّ القول الثاني: ذهب الشّافعيّ والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال

стр. 3142

والأرواث كلّها من مأكول اللحم وغيره. واحتجّ ابن المنذر لقوله , بأنّ الأشياء على الطّهارة حتّى تثبت النّجاسة. قال: ومن زعم أنّ هذا خاصٌّ بأولئك الأقوام لَم يصب , الخصائص لا تثبت إلَّا بدليلٍ. قال: وفي ترك أهل العلم بيع النّاس أبعار الغنم في أسواقهم , واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديماً وحديثاً من غير نكير , دليل على طهارتها. قلت: وهو استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنّ المختلف فيه لا يجب إنكاره. فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلاً عن طهارته. وقد دلَّ على نجاسة الأبوال كلّها حديث أبي هريرة الذي صحّحه ابن خزيمة وغيره مرفوعاً بلفظ: استنزهوا من البول , فإنّ عامّة عذاب القبر منه. لأنّه ظاهرٌ في تناول جميع الأبوال (١) فيجب اجتنابها لهذا الوعيد.

стр. 3143

والله أعلم. وقال ابن العربيّ: تعلَّق بهذا الحديث , مَن قال بطهارة أبوال الإبل , وعورضوا بأنّه أذن لهم في شربها للتّداوي. وتعقّب: بأنّ التّداوي ليس حال ضرورة , بدليل أنّه لا يجب فكيف يباح الحرام لِمَا لا يجب؟.

стр. 3144

وأجيب: بمنع أنّه ليس حال ضرورة , بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره , وما أبيح للضّرورة لا يسمّى حراماً وقت تناوله لقوله تعالى ﴿وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلَّا ما اضطررتم إليه﴾ فما اضطرّ إليه المرء فهو غير محرّمٍ عليه كالميتة للمضطرّ. والله أعلم. وما تضمّنه كلامه , من أنّ الحرام لا يباح إلَّا لأمرٍ واجبٍ. غير مسلّمٍ، فإنّ الفطر في رمضان حرام , ومع ذلك فيباح لأمرٍ جائز كالسّفر مثلاً. وأمّا قول غيره , لو كان نجساً ما جاز التّداوي به لقوله ﷺ : إنّ الله لَم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها. رواه أبو داود من حديث أمّ سلمة , والنّجس حرام فلا يتداوى به؛ لأنّه غير شفاء. فجوابه: أنّ الحديث محمولٌ على حالة الاختيار، وأمّا في حال الضّرورة فلا يكون حراماً كالميتة للمضطرّ. ولا يرد قوله ﷺ في الخمر: إنّها ليست بدواء , إنّها داء. في جواب مَن سأله عن التّداوي بها , فيما رواه مسلم , فإنّ ذلك خاصّ بالخمر ويلتحق به غيرها من المسكر. والفرق بين المسكر وبين غيره من النّجاسات , أنّ الحدّ يثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غيره؛ ولأنّ شربه يجرّ إلى مفاسد كثيرةٍ , ولأنّهم كانوا في الجاهليّة يعتقدون أنّ في الخمر شفاءً , فجاء الشّرع بخلاف معتقدهم، قاله الطّحاويّ بمعناه.

стр. 3145

وأمّا أبوال الإبل , فقد روى ابن المنذر عن ابن عبّاس مرفوعاً: أنّ في أبوال الإبل شفاءً للذّربة بطونهم. والذّربة: بفتح المعجمة وكسر الرّاء جمع ذربٍ , والذّرب بفتحتين فساد المعدة، فلا يقاس ما ثبت أنّ فيه دواءً على ما ثبت نفي الدّواء عنه. والله أعلم. وبهذه الطّريقة يحصل الجمع بين الأدلة (١)، والعمل بمقتضاها كلّها. قوله: (فلمّا صحُّوا , قتلوا راعي النبي ﷺ ) في السّياق حذف تقديره " فشربوا من أبوالها وألبانها فلمّا صحّوا ". وقد ثبت ذلك في رواية أبي رجاء. وزاد في رواية وهيب " وسمنوا " وللإسماعيليّ من رواية ثابت " ورجعت إليهم ألوانهم ". قوله: (واستاقوا النّعم) من السّوق , وهو السّير العنيف. قوله: (فجاء الخبر) في رواية وهيب عن أيّوب " الصّريخ " بالخاء المعجمة وهو فعيلٌ بمعنى فاعل , أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم. وهذا الصّارخ أحد الرّاعيين , كما ثبت في صحيح أبي عوانة من رواية معاوية بن قرّة عن أنس، وقد أخرج مسلم إسناده ولفظه

стр. 3146

" فقتلوا أحد الرّاعيين , وجاء الآخر قد جزع فقال: قد قتلوا صاحبي , وذهبوا بالإبل ". واسم راعي النّبيّ ﷺ المقتول يسار - بياءٍ تحتانيّةٍ ثمّ مهملة خفيفة - كذا ذكره ابن إسحاق في " المغازي " , ورواه الطّبرانيّ موصولاً من حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالحٍ , قال: كان للنّبيّ ﷺ غلام يقال له يسار. زاد ابن إسحاق " أصابه في غزوة بني ثعلبة " قال سلمة: فرآه يحسن الصّلاة فأعتقه وبعثه في لقاحٍ له بالحرّة , فكان بها " فذكر قصّة العرنيّن , وأنّهم قتلوه. ولَم أقف على تسمية الرّاعي الآتي بالخبر، والظّاهر أنّه راعي إبل الصّدقة. ولَم تختلف روايات البخاريّ , في أنّ المقتول راعي النّبيّ ﷺ , وفي ذِكْره بالإفراد، وكذا لمسلمٍ , لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس " ثمّ مالوا على الرّعاة فقتلوهم " بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبّان من رواية يحيى بن سعيد عن أنس. فيحتمل: أنَّ إبل الصّدقة كان لها رعاة , فقتل بعضهم مع راعي اللقاح , فاقتصر بعض الرّواة على راعي النّبيّ ﷺ , وذكر بعضهم معه غيره. ويحتمل: أن يكون بعض الرّواة ذكره بالمعنى , فتجوَّز في الإتيان بصيغة الجمع.

стр. 3147

وهذا أرجح؛ لأنّ أصحاب المغازي. لَم يذكر أحدٌ منهم أنّهم قتلوا غير يسار. والله أعلم قوله: (فبعث في آثارهم) زاد في رواية الأوزاعيّ " الطّلب " وفي حديث سلمة بن الأكوع " خيلاً من المسلمين أميرهم كُرْز بن جابر الفهريّ " وكذا ذكره ابن إسحاق والأكثرون , وهو بضمّ الكاف وسكون الرّاء بعدها زاي. وللنّسائيّ من رواية الأوزاعيّ " فبعث في طلبهم قافةً " أي: جمع قائفٍ , ولمسلمٍ من رواية معاوية بن قرّة عن أنس , أنّهم شبابٌ من الأنصار قريب من عشرين رجلاً , وبعث معهم قائفاً يقتصّ آثارهم. ولَم أقف على اسم هذا القائف , ولا على اسم واحدٍ من العشرين , لكن في مغازي الواقديّ , أنّ السّريّة كانت عشرين رجلاً , ولَم يقل من الأنصار , بل سمّى منهم جماعةً من المهاجرين. منهم بريدة بن الحصيب وسلمة بن الأكوع الأسلميّان , وجندب ورافع ابنا مكيث الجهنيّان , وأبو ذرٍّ وأبو رهمٍ الغفاريّان , وبلال بن الحارث , وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيّان وغيرهم. والواقديّ لا يحتجّ به إذا انفرد. فكيف إذا خالف؟. لكن يحتمل أن يكون من لَم يسمّه الواقديّ من الأنصار. فأطلق الأنصار تغليباً , أو قيل للجميع أنصار بالمعنى الأعمّ. وفي مغازي موسى بن عقبة , أنّ أمير هذه السّريّة سعيد بن زيد ,

стр. 3148

كذا عنده بزيادة ياء , والذي ذكره غيره , أنّه سعد بسكون العين بن زيد الأشهليّ , وهذا أيضاً أنصاريّ , فيحتمل أنّه كان رأس الأنصار , وكان كُرْزٌ أميرَ الجماعة. وروى الطّبريّ وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجليّ , أنّ النّبيّ ﷺ بعثه في آثارهم. لكنّ إسناده ضعيف , والمعروف أنّ جريراً تأخّر إسلامه عن هذا الوقت بمدّة. والله أعلم. قوله: (فلمّا ارتفع) فيه حذف تقديره , فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا , فلمّا ارتفع النّهار جيء بهم. أي: إلى النّبيّ ﷺ أسارى. وللبخاري " فما ترجّل النهار " بالجيم. أي: ارتفع. قوله: (فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم) قال الدّاوديّ: يعني قطع يَدَيْ كلّ واحد ورجليه. قلت: تردّه رواية التّرمذيّ " من خلاف " وكذا ذكره الإسماعيليّ عن الفريابيّ عن الأوزاعيّ بسنده. وللبخاري من رواية الأوزاعيّ أيضاً " ولَم يحسمهم ". والحسم: بفتح الحاء وسكون السّين المهملتين , الكيّ بالنّار لقطع الدّم , حسمته فانحسم كقطعته فانقطع , وحسمت العرق. معناه حبست دم العرق فمنعته أن يسيل، بل تركه ينزف. وقال الدّاوديّ: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حارٍّ. قلت: وهذا من صور الحسم , وليس محصوراً فيه. قال ابن بطّال: إنّما ترك حسمهم , لأنّه أراد إهلاكهم , فأمّا من

стр. 3149

قطع في سرقة مثلاً , فإنّه يجب حسمه , لأنّه لا يؤمن معه التّلف غالباً بنزف الدّم. قوله: (وسُمّرت أعينهم) تشديد الميم , وفي رواية أبي رجاء " وسَمَر " بتخفيف الميم. ولَم تختلف روايات البخاريّ في أنّه بالرّاء (١). ووقع لمسلمٍ من رواية عبد العزيز " وسمل " بالتّخفيف واللام. قال الخطّابيّ: السّمل. فقء العين بأيّ شيءٍ كان. قال أبو ذؤيب الهذليّ: والعين بعدهم كأنّ حداقها سملت بشوكٍ , فهي عورٌ تدمع قال: والسّمر لغة في السّمل ومخرجهما متقارب. قال: وقد يكون من المسمار يريد أنّهم كحّلوا بأميالٍ قد أحميت. قلت: قد وقع التّصريح بالمراد عند البخاري من رواية وهيب عن أيّوب , ومن رواية الأوزاعيّ عن يحيى كلاهما عن أبي قلابة ولفظه " ثمّ أمر بمسامير فأُحميت , فكحلهم بها " فهذا يوضّح ما تقدّم , ولا يخالف ذلك رواية السّمل؛ لأنّه فقء العين بأيّ شيءٍ كان كما مضى.

стр. 3150

قوله: (وألقوا في الحرّة) هي أرضٌ ذات حجارةٍ سودٍ معروفة بالمدينة , وإنّما ألقوا فيها؛ لأنّها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا. قوله: (يستسقون فلا يسقون) زاد وهيب والأوزاعيّ " حتّى ماتوا " وفي رواية أبي رجاء " ثمّ نبذهم في الشّمس حتّى ماتوا " وفي رواية شعبة عن قتادة " يعضّون الحجارة ". وفي البخاري من رواية ثابت قال أنس: فرأيت الرّجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتّى يموت. ولأبي عوانة من هذا الوجه " يعضّ الأرض ليجد بردها ممّا يجد من الحرّ والشّدّة ". وزعم الواقديّ , أنّهم صلبوا , والرّوايات الصّحيحة تردّه. لكن عند أبي عوانة من رواية أبي عقيل عن أنس " فصلب اثنين وقطع اثنين وسمل اثنين " كذا ذكرَ ستّة فقط , فإن كان محفوظاً فعقوبتهم كانت موزّعة. ومال جماعة منهم ابن الجوزيّ. إلى أنّ ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص؛ لِما عند مسلم من حديث سليمان التّيميّ عن أنس: إنّما سمل النّبيّ ﷺ أعينهم؛ لأنّهم سملوا أعين الرّعاة. وقصّر من اقتصر في عزوه للتّرمذيّ والنّسائيّ. وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ المثلة في حقّهم وقعت من جهاتٍ , وليس في الحديث إلَّا السّمل , فيحتاج إلى ثبوت البقيّة. قلت: كأنّهم تمسّكوا بما نقله أهل المغازي , أنّهم مثّلوا بالرّاعي وذهب آخرون: إلى أنّ ذلك منسوخٌ.

стр. 3151

قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصينٍ في النّهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كلّ مثلة. وتعقّبه ابن الجوزيّ: بأنّ ادّعاء النّسخ يحتاج إلى تاريخ. قلت: يدل عليه ما رواه البخاريّ من حديث أبي هريرة في النّهي عن التّعذيب بالنّار بعد الإذن فيه (١) , وقصّة العرنيّن قبل إسلام أبي هريرة. وقد حضر الإذن ثمّ النّهي. وروى قتادة عن ابن سيرين , أنّ قصّتهم كانت قبل أن تنزل الحدود. ولموسى بن عقبة في " المغازي ": وذكروا أنّ النّبيّ ﷺ نهى بعد ذلك عن المُثلة (٢) بالآية التي في سورة المائدة. وإلى هذا مال البخاريّ , وحكاه إمام الحرمين في النّهاية عن الشّافعيّ. واستشكل القاضي عياض. عدم سقيهم الماء للإجماع على أنّ من وجب عليه القتل فاستسقى , لا يمنع. وأجاب: بأنّ ذلك لَم يقع عن أمر النّبيّ ﷺ ولا وقع منه نهي عن سقيهم. انتهى

стр. 3152

وهو ضعيفٌ جدّاً؛ لأنّ النّبيّ ﷺ اطّلع على ذلك , وسكوته كافٍ في ثبوت الحكم. وأجاب النّوويّ: بأنّ المحارب المرتدّ لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره , ويدل عليه أنّ من ليس معه ماءٌ إلَّا لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتدّ ويتيمّم , بل يستعمله ولو مات المرتدّ عطشاً. وقال الخطّابيّ: إنّما فعل النّبيّ ﷺ بهم ذلك؛ لأنّه أراد بهم الموت بذلك , وقيل: إنّ الحكمة في تعطيشهم؛ لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشّفاء من الجوع والوخم. ولأنّ النّبيّ ﷺ دعا بالعطش على من عطّش آل بيته , في قصّةٍ رواها النّسائيّ وابن وهب من مرسل سعيد بن المسيب. فيحتمل أن يكونوا في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النّبيّ ﷺ من لقاحه في كل ليلةٍ , كما ذكر ذلك ابن سعد. والله أعلم قوله: (قال أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو. وقيل: عامر بن ناتل - بنون ومثناة - بن مالك بن عبيد الجرمي. بفتح الجيم وسكون الراء. قوله: (فهؤلاء سرقوا) أي: لأنّهم أخذوا اللقاح من حرزٍ مثلها. وهذا قاله أبو قلابة استنباطاً. قوله: (وقتلوا) أي: الرّاعي. كما تقدّم. قوله: (وكفروا) هو في رواية سعيدٍ عن قتادة عن أنس عند

стр. 3153

البخاري في " المغازي ". وكذا في رواية وهيب عن أيّوب في " الجهاد " في أصل الحديث , وليس موقوفاً على أبي قلابة كما توهّمه بعضهم. وكذا قوله " وحاربوا " ثبت عند أحمد من رواية حميدٍ عن أنس في أصل الحديث " وهربوا محاربين " وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم: قدوم الوفود على الإمام ونظره في مصالحهم. وفيه مشروعيّة الطّبّ والتّداوي بألبان الإبل وأبوالها. وفيه أنّ كل جسدٍ يطبّب بما اعتاده. وفيه قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة إن قلنا إنّ قتلهم كان قصاصاً وفيه المماثلة في القصاص , وليس ذلك من المُثلة المنهيّ عنها , وثبوت حكم المحاربة في الصّحراء وأمّا في القرى ففيه خلاف. وفيه جواز استعمال أبناء السّبيل إبل الصّدقة في الشّرب وفي غيره قياساً عليه بإذن الإمام , وفيه العمل بقول القائف وللعرب في ذلك المعرفة التّامّة. تكميل: قال ابن بطّال: ذهب البخاريّ إلى أنّ آية المحاربة ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسله ...﴾ الآية. نزلت في أهل الكفر والرّدّة، وساق حديث العرنيّين وليس فيه تصريح بذلك، ولكن أخرج عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة حديث العرنيّين. وفي آخره , قال: بلغنا أنّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إنّما جزاء الذين يحاربون الله

стр. 3154

ورسوله .. الآية﴾، ووقع مثله في حديث أبي هريرة، وممَن قال ذلك الحسن وعطاء والضّحّاك والزّهريّ. قال: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها نزلت فيمن خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد ويقطع الطّريق، وهو قول مالك والشّافعيّ والكوفيّين. ثمّ قال: ليس هذا منافياً للقول الأوّل , لأنّها وإن نزلت في العرنيّين بأعيانهم , لكنّ لفظها عامٌّ يدخل في معناه كلّ من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد. قلت: بل هما متغايران، والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة: فمن حملها على الكفر خصّ الآية بأهل الكفر , ومن حملها على المعصية عمّم. ثمّ نقل ابن بطّال عن إسماعيل القاضي , أنّ ظاهر القرآن وما مضى عليه عمل المسلمين , يدلّ على أنّ الحدود المذكورة في هذه الآية نزلت في المسلمين، وأمّا الكفّار فقد نزل فيهم ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرّقاب﴾ إلى آخر الآية فكان حكمهم خارجاً عن ذلك، وقال تعالى في آية المحاربة ﴿إلَّا الذين تابوا من قبل أن تقْدِروا عليهم﴾ وهي دالةٌ على أنّ من تاب من المحاربين يسقط عنه الطّلب بما ذكر بما جناه فيها، ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة، ولكان إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية وسلم من القتل فتكون الحرابة خفّفت عنه القتل.

стр. 3155

وأجيب عن هذا الإشكال: بأنّه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتدّ مثلاً أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الإسلام أو القتل. وقد نقل البخاري في " تفسير المائدة " عن سعيد بن جبير , أنّ معنى المحاربة لله الكفر به. وأخرج الطّبريّ من طريق روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس في آخر قصّة العرنيّين قال: فذُكر لنا أنّ هذه الآية نزلت فيهم ﴿إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس. وأخرج الإسماعيليّ هناك من طريق مروان بن معاوية عن معاوية بن أبي العبّاس عن أيّوب عن أبي قلابة عن أنس عن النّبيّ ﷺ في قوله تعالى ﴿إنّما جزاء الذّين يحاربون الله ورسوله﴾ قال: هم من عكل. قلت: قد ثبت في الصّحيحين أنّهم كانوا من عكل وعرينة، فقد وجد التّصريح الذي نفاه ابن بطّال. والمعتمد: أنّ الآية نزلت أوّلاً فيهم , وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطّريق، لكنّ عقوبة الفريقين مختلفة: فإن كانوا كفّاراً يخيّر الإمام فيهم إذا ظفر بهم. وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: القول الأول: وهو قول الشّافعيّ والكوفيّين , ينظر في الجناية فمن قَتَل قُتل ومن أخذ المال قُطع , ومن لَم يَقْتل , ولَم يأخذ مالاً نفي، وجعلوا " أو " للتّنويع.
следующие страницы →