وفي حكم المتطلع من خلل الباب , النّاظر من كوّة من الدّار , وكذا من وقف في الشّارع فنظر إلى حريم غيره , أو إلى شيء في دار غيره.
وقيل: المنع مختصّ بمن كان في ملك المنظور إليه.
وهل يلحق الاستماع بالنّظر؟.
وجهان، الأصحّ. لا، لأنّ النّظر إلى العورة أشدّ من استماع ذكرها، وشرط القياس المساواة أو أولويّة المقيس. وهنا بالعكس.
واستدل به على اعتبار قدر ما يُرمى به , بحصى الخذف , لقوله في حديث الباب " فخذفته " فلو رماه بحجرٍ يقتل أو سهم تعلق به القصاص.
وفي وجه. لا ضمان مطلقاً , ولو لَم يندفع إلَّا بذلك جاز.
ويُستثنى من ذلك , من له في تلك الدّار زوج أو محرم أو متاع , فأراد الاطّلاع عليه فيمتنع رميه للشّبهة.
وقيل: لا فرق، وقيل: يجوز إن لَم يكن في الدّار غير حريمه , فإن كان فيها غيرهم أُنذر فإن انتهى وإلَّا جاز.
ولو لَم يكن في الدّار إلَّا رجل واحد , هو مالكها أو ساكنها , لَم يجز الرّمي قبل الإنذار إلَّا إن كان مكشوف العورة.
وقيل: يجوز مطلقاً , لأنّ من الأحوال ما يكره الاطّلاع عليه كما تقدّم.
ولو قصّر صاحب الدّار , بأن ترك الباب مفتوحاً , وكان النّاظر مجتازاً , فنظر غير قاصد لَم يجز، فإن تعمّد النّظر , فوجهان. أصحّهما.
стр. 3257
لا.
ويلتحق بهذا من نظَرَ من سطح بيته ففيه الخلاف.
وقد توسّع أصحاب الفروع في نظائر ذلك.
قال ابن دقيق العيد: وبعض تصرّفاتهم مأخوذة من إطلاق الخبر الوارد في ذلك، وبعضها من مقتضى فهم المقصود، وبعضها بالقياس على ذلك، والله أعلم.
تكميل: بوّب عليه البخاري " من أخذ حقّه أو اقتصّ دون السلطان " أي: من أخذ حقّه من غريمه , بغير حكم حاكم , أو اقتصّ إذا وجب له على أحد قصاص , في نفس أو طرف , هل يشترط أن يرفع أمره إلى الحاكم , أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم , وهو المراد بالسّلطان في التّرجمة؟.
قال ابن بطّال: اتّفق أئمّة الفتوى. على أنّه لا يجوز لأحدٍ أن يقتصّ من حقّه دون السّلطان.
قال: وإنّما اختلفوا , فيمن أقام الحدّ على عبده كما تقدّم تفصيله
قال: وأمّا أخذ الحقّ , فإنّه يجوز عندهم أن يأخذ حقّه من المال خاصّة , إذا جحده إيّاه ولا بيّنة عليه كما تقدّم (١).
ثمّ أجاب عن حديث الباب: بأنّه خرج على التّغليظ والزّجر عن الاطّلاع على عورات النّاس. انتهى.
стр. 3258
قلت: فأمّا من نقل الاتّفاق , فكأنّه استند فيه. إلى ما أخرجه إسماعيل القاضي في " نسخة أبي الزّناد " عن الفقهاء الذين ينتهي إلى قولهم , ومنه: لا ينبغي لأحدٍ أن يقيم شيئاً من الحدود دون السّلطان، إلَّا أنّ للرّجل أن يقيم حدّ الزّنا على عبده.
وهذا إنّما هو اتّفاق أهل المدينة في زمن أبي الزّناد.
وأمّا الجواب: فإن أراد أنّه لا يعمل بظاهر الخبر , فهو محلّ النّزاع.
стр. 3259
باب حد السرقة
قال الله تعالى: (والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما) كذا أطلق في الآية اليد , وأجمعوا على أنّ المراد اليمنى إن كانت موجودةً.
واختلفوا. فيما لو قطعت الشّمال عمداً أو خطأً , هل يجزئ؟.
وقدّم السّارق على السّارقة، وقدّمت الزّانية على الزّاني , لوجود السّرقة غالباً في الذّكوريّة , ولأنّ داعية الزّنا في الإناث أكثر، ولأنّ الأنثى سببٌ في وقوع الزّنا , إذ لا يتأتّى غالباً إلَّا بطواعيتها.
وقوله: بصيغة الجمع ثمّ التّثنية، إشارة إلى أنّ المراد جنس السّارق , فلُوحظ فيه المعنى فجمع، والتّثنية بالنّظر , إلى الجنسين المتلفّظ بهما.
والسّرقة. بفتح السّين وكسر الرّاء , ويجوز إسكانها , ويجوز كسر أوّله وسكون ثانيه: الأخذ خفيةً.
وعرّفت في الشّرع بأخذ شيءٍ خفيةً ليس للآخذ أخذه، ومن اشترط الحِرز , وهم الجمهور , زاد فيه من حرز مثله.
قال ابن بطّال: الحِرز مستفادٌ من معنى السّرقة يعني في اللغة، ويقال لسارق الإبل: الخارب بخاءٍ معجمةٍ، وللسّارق في المكيال , مطفّفٌ , وللسّارق في الميزان: مخسرٌ، في أشياء أخرى. ذكرها ابن خالويه في " كتاب ليس ".
قال المازريّ ومن تبعه: صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها , وخصّ السّرقة لقلة ما عداها بالنّسبة إليها من الانتهاب والغصب , ولسهولة إقامة البيّنة على ما عدا السّرقة بخلافها , وشدّد العقوبة فيها
стр. 3260
, ليكون أبلغ في الزّجر , ولَم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حمايةً لليد، ثمّ لَمَّا خانت هانت.
وفي ذلك إشارة إلى الشّبهة التي نسبت إلى أبي العلاء المعرّيّ. في قوله:
يدٌ بِخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قُطعت في ربع دينار؟
فأجابه القاسم عبد الوهّاب المالكيّ بقوله:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فافهم حكمة الباري
وشرْح ذلك. أنّ الدّية لو كانت ربع دينارٍ لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينارٍ لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطّرفين.
وقد عسر فهم المعنى المقدّم ذكره في الفرق بين السّرقة وبين النّهب ونحوه. على بعض منكري القياس.
فقال: القطع في السّرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى، فإنّ الغصب أكثر هتكاً للحرمة من السّرقة، فدلَّ على عدم اعتبار القياس , لأنّه إذا لَم يعمل به في الأعلى فلا يعمل به في المساوي.
وجوابه: أنّ الأدلة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لإيرادها.
стр. 3261
الحديث السابع
٣٥٦ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ النبيّ ﷺ قطع في مِجنٍّ قيمته. وفي لفظ: ثمنه ثلاثة دراهم. (١)
قوله: (أنّ النبيّ ﷺ قطع) معناه أمر , لأنّه ﷺ لَم يكن يباشر القطع بنفسه.
وسيأتي أنّ بلالاً هو الذي باشر قطع يد المخزوميّة (٢).
فيحتمل: أن يكون هو الذي كان موكلاً بذلك , ويحتمل: غيره.
وقد اختلف في حقيقة اليد.
فقيل: أوّلها من المنكب؛ وقيل: من المرفق.
وقيل: من الكوع، وقيل: من أصول الأصابع.
فحجّة الأوّل: أنّ العرب تطلق الأيدي على ذلك، ومن الثّاني آية الوضوء ففيها ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ ومن الثّالث آية التّيمّم، ففي القرآن ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ وبيّنت السّنّة كما تقدّم في بابه (٣) أنّه ﷺ مسح على كفّيه فقط.
стр. 3262
وأخذ بظاهر الأوّل , بعض الخوارج , ونقل عن سعيد بن المسيّب , واستنكره جماعةٌ.
والثّاني: لا نعلم مَن قال به في السّرقة.
والثّالث: قول الجمهور , ونقل بعضهم فيه الإجماع.
والرّابع: نقل عن عليٍّ , واستحسنه أبو ثور.
ورُدّ بأنّه لا يسمّى مقطوع اليد , لغةً ولا عرفًا , بل مقطوع الأصابع.
وبحسب هذا الاختلاف , وقع الخلف في محل القطع.
فقال بالأوّل الخوارج. وهم محجوجون بإجماع السّلف على خلاف قولهم.
وألزم ابنُ حزمٍ الحنفيّةَ , بأن يقولوا بالقطع من المرفق , قياسًا على الوضوء , وكذا التّيمّم عندهم.
قال: وهو أولى من قياسهم قدر المهر على نصاب السّرقة.
ونقله عياض قولاً شاذًّاً.
وحجّة الجمهور: الأخذ بأقل ما ينطلق عليه الاسم , لأنّ اليد قبل السّرقة كانت محترمة , فلمّا جاء النّصّ بقطع اليد , وكانت تطلق على هذه المعاني , وجب أن لا يترك المتيقّن - وهو تحريمها - إلَّا بمتيقّنٍ وهو القطع من الكفّ.
وأمّا الأثر عن عليّ , فأخرجه الدّارقطنيّ من طريق حجيّة بن عديّ , أنّ عليًّا قطع من المفصل.
стр. 3263
وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة , أنّ النّبيّ ﷺ قطع من المفصل. وأورده أبو الشّيخ في كتاب " حدّ السّرقة " من وجه آخر عن رجاء عن عديّ رفعه مثله، ومن طريق وكيع عن سفيان عن أبي الزّبير عن جابر رفعه مثله.
وأخرج سعيد بن منصور عن حمّاد بن زيد عن عمرو بن دينار قال: كان عمر يقطع من المفصل , وعليّ يقطع من مشط القدم " وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي حيوة , أنّ عليًّا قطعه من المفصل.
وجاء عن عليّ , أنّه قطع اليد من الأصابع , والرّجل من مشط القدم. أخرجه عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة عنه , وهو منقطع , وإن كان رجال السّند من رجال الصّحيح، وقد أخرج عبد الرّزّاق من وجه آخر , أنّ عليًّا كان يقطع الرّجل من الكعب.
وذكر الشّافعيّ في كتاب " اختلاف عليّ وابن مسعود " , أنّ عليًّا كان يقطع من يد السّارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصّة , ويقول: أستحيي من الله أن أتركه بلا عملٍ.
وهذا يحتمل: أن يكون بقي الإبهام والسّبّابة , وقطع الكفّ والأصابع الثّلاثة.
ويحتمل: أن يكون بقي الكفّ أيضًا.
والأوّل أليق , لأنّه موافق لِما نقل البخاريّ , أنّه قطع من الكفّ، وقد وقع في بعض النّسخ بحذف " من " بلفظ " وقطع عليٌّ الكفّ ".
والأصل أنّ أوّل شيء يقطع من السّارق اليد اليمنى , وهو قول
стр. 3264
الجمهور، وقد قرأ ابن مسعود ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾. وأخرج سعيد بن منصور بسندٍ صحيحٍ عن إبراهيم , قال: هي قراءتنا. يعني أصحاب ابن مسعود.
ونقل فيه عياض. الإجماع , وتُعقّب.
نعم. قد شذّ مَن قال: إذا قطع الشّمال , أجزأت مطلقًا , كما هو ظاهر النّقل عن قتادة , فقد أخرج عبد الرّزّاق عن معمر عنه , أنّه سُئل عن سارق قُدّم ليقطع فقدّم شماله , فقطعت؟ فقال: لا يزاد على ذلك , قد أقيم عليه الحدّ.
وقال مالكٌ: إن كان عمدًا وجب القصاص على القاطع ووجب قطع اليمين، وإن كان خطأً وجبت الدّية , ويجزئ عن السّارق، وكذا قال أبو حنيفة.
وعن الشّافعيّ وأحمد قولان في السّارق.
قوله: (في مِجنٍّ) المجنّ بكسر الميم وفتح الجيم , مفعل من الاجتنان , وهو الاستتار ممّا يحاذره المستتر , وكسرت ميمه , لأنّه آلة في ذلك.
ولأبي داود من رواية ابن جريجٍ أخبرني إسماعيل بن أُميَّة عن نافع. ولفظه " أنّ النّبيّ ﷺ قطع يد رجل , سرق ترسًا من صفّة (١) النّساء , ثمنه ثلاثة دراهم ".
стр. 3265
وللبخاري من طريق عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرتني عائشة , أنّ يد السّارق , لَم تقطع على عهد النّبيّ ﷺ , إلَّا في ثمن مجنٍّ حجفةٍ أو ترسٍ.
ووقع عند الإسماعيليّ من طريق هارون بن إسحاق عن عبدة بن سليمان , فيه زيادة قصّة في السّند. ولفظه عن هشام بن عروة , أنّ رجلاً سرق قدحًا , فأتي به عمر بن عبد العزيز , فقال هشام بن عروة قال أَبِي: إنّ اليد لا تقطع في الشّيء التّافه. ثمّ قال: حدّثتني عائشة.
وهكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في " مسنده " عن عبدة بن سليمان، وهكذا رواه وكيع وغيره عن هشام , لكن أرسله كلّه.
فأخرجه ابن أبي شيبة في " مصنّفه " عن وكيع. ولفظه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان السّارق في عهد النّبيّ ﷺ , يقطع في ثمن المجنّ , وكان المجنّ يومئذٍ له ثمن , ولَم يكن يقطع في الشّيء التّافه.
والحَجَفة بفتح المهملة والجيم ثمّ فاء , هي الدّرقة , وقد تكون من خشب أو عظم , وتغلف بالجلد أو غيره، والتّرس مثله , لكن يطارق فيه بين جلدين , وقيل: هما بمعنىً واحد.
وعلى الأوّل " أو " في الخبر للشّكّ , وهو المعتمد.
ويؤيّده رواية عبد الله بن المبارك عن هشام في البخاري بلفظ " في أدنى ثمن حجفة , أو ترس , كلّ واحد منهما ذو ثمن ". والتّنوين في قوله " ثمن " للتّكثير , والمراد أنّه ثمن يرغب فيه، فأخرج الشّيء التّافه كما فهمه عروة راوي الخبر.
стр. 3266
وليس المراد ترسًا بعينه , ولا حجفة بعينها , وإنّما المراد الجنس , وأنّ القطع كان يقع في كلّ شيء يبلغ قدر ثمن المجنّ , سواء كان ثمن المجنّ كثيرًا أو قليلاً، والاعتماد إنّما هو على الأقلّ , فيكون نصابًا , ولا يقطع فيما دونه.
قوله: (قيمته. وفي لفظ: ثمنه) قيمة الشّيء ما تنتهي إليه الرّغبة فيه، وأصله قومةٌ فأبدلت الواو ياءً لوقوعها بعد كسرةٍ، والثّمن ما يقابل به المبيع عند البيع.
والذي يظهر أنّ المراد هنا القيمة , وأنّ من رواه بلفظ " الثّمن " إمّا تجوّزاً , وإمّا أنّ القيمة والثّمن كانا حينئذٍ مستويين.
قال ابن دقيق العيد: القيمة والثّمن قد يختلفان. والمعتبر إنّما هو القيمة، ولعل التّعبير بالثّمن لكونه صادف القيمة في ذلك الوقت في ظنّ الرّاوي أو باعتبار الغلبة. وقد تمسّك مالك. بحديث ابن عمر , في اعتبار النّصاب بالفضّة.
وأجاب الشّافعيّة وسائر من خالفه: بأنّه ليس في طرقه أنّه لا يقطع في أقل من ذلك.
وأورد الطّحاويّ حديث سعدٍ الذي أخرجه مالك (١) أيضاً , وسنده ضعيف , ولفظه " لا يقطع السّارق إلَّا في المجنّ ".
стр. 3267
قال: فعلِمْنا أنّه لا يقطع في أقل من ثمن المجنّ، ولكن اختلف في ثمن المجنّ، ثمّ ساق حديث ابن عبّاس. قال: كان قيمة المجنّ الذي قطع فيه رسول الله ﷺ , عشرة دراهم.
قال: فالاحتياط أن لا يقطع إلَّا فيما اجتمعت فيه هذه الآثار وهو عشرة، ولا يقطع فيما دونها , لوجود الاختلاف فيه.
وتُعقّب: بأنّه لو سلم في الدّراهم , لَم يسلم في النّصّ الصّريح في ربع دينار. كما سيأتي إيضاحه، ودفع ما أعلَّه به.
والجمع بين ما اختلفت الرّوايات في ثمن المجنّ ممكن , بالحمل على اختلاف الثّمن والقيمة , أو على تعدّد المجانّ التي قطع فيها , وهو أولى.
وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بقوله " قطع في مجنّ " على اعتبار النّصاب ضعيف , لأنّه حكاية فعل , ولا يلزم من القطع في هذا المقدار عدم القطع فيما دونه , بخلاف قوله " يقطع في ربع دينار فصاعداً " (١) , فإنّه بمنطوقه يدلّ على أنّه يقطع فيما إذا بلغه , وكذا فيما زاد عليه، وبمفهومه على أنّه لا قطع فيما دون ذلك.
قال: واعتماد الشّافعيّ على حديث عائشة , وهو قول أقوى في الاستدلال من الفعل المجرّد، وهو قويّ في الدّلالة على الحنفيّة , لأنّه صريح في القطع في دون القدر الذي يقولون بجواز القطع فيه، ويدلّ على القطع فيما يقولون به بطريق الفحوى، وأمّا دلالته على عدم
стр. 3268
القطع في دون ربع دينار , فليس هو من حيث منطوقه , بل من حيث مفهومه , فلا يكون حجّة على من لا يقول بالمفهوم.
قلت: وقرّر الباجيّ طريق الأخذ بالمفهوم هنا فقال: دلَّ التّقويم على أنّ القطع يتعلق بقدرٍ معلوم , وإلَّا فلا يكون لذكره فائدة، وحينئذٍ فالمعتمد ما ورد به النّصّ صريحاً مرفوعاً في اعتبار ربع دينار.
وقد خالف من المالكيّة في ذلك من القدماء , ابن عبد الحكم , وممّن بعدهم ابن العربيّ , فقال: ذهب سفيان الثّوريّ مع جلالته في الحديث , إلى أنّ القطع لا يكون إلَّا في عشرة دراهم.
وحجّته أنّ اليد محترمة بالإجماع , فلا تستباح إلَّا بما أجمع عليه , والعشرة متّفق على القطع فيها عند الجميع , فيتمسّك به ما لَم يقع الاتّفاق على ما دون ذلك.
وتعقّب: بأنّ الآية دلَّت على القطع في كلّ قليل وكثير، وإذا اختلفت الرّوايات في النّصاب , أخذ بأصحّ ما ورد في الأقلّ، ولَم يصحّ أقلّ من ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فكان اعتبار ربع دينار أقوى من وجهين:
أحدهما: أنّه صريح في الحصر , حيث ورد بلفظ " لا تقطع اليد إلَّا في ربع دينار فصاعداً " وسائر الأخبار الصّحيحة الواردة حكاية فعل , لا عموم فيها.
الثّاني: أنّ المعوّل عليه في القيمة الذّهب , لأنّه الأصل في جواهر الأرض كلّها.
стр. 3269
ويؤيّده ما نقل الخطّابيّ , استدلالاً على أنّ أصل النّقد في ذلك الزّمان الدّنانير , بأنّ الصّكاك القديمة كان يكتب فيها عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل , فعرفت الدّراهم بالدّنانير وحصرت بها. والله أعلم.
وحاصل المذاهب في القدر الذي يقطع السّارق فيه يقرب من عشرين مذهباً:
الأوّل: يقطع في كلّ قليل وكثير , تافهاً كان أو غير تافه , نقل عن أهل الظّاهر والخوارج , ونقل عن الحسن البصريّ , وبه قال أبو عبد الرّحمن بن بنت الشّافعيّ.
الثاني: مقابل هذا القول في الشّذوذ , ما نقله عياض ومن تبعه عن إبراهيم النّخعيّ , أنّ القطع لا يجب إلَّا في أربعين درهماً , أو أربعة دنانير.
الثّالث: مثل الأوّل. إلَّا إن كان المسروق شيئاً تافهاً , لحديث عروة الآتي " لَم يكن القطع في شيء من التّافه , ولأنّ عثمان قطع في فخّارة خسيسة , وقال لمن يسرق السّياط: لئن عدتم لأقطعنّ فيه. وقطع ابن الزّبير في نعلين. أخرجهما ابن أبي شيبة , وعن عمر بن عبد العزيز , أنّه قطع في مدٍّ أو مُدّين.
الرّابع: تقطع في درهم فصاعداً , وهو قول عثمان البتّيّ , بفتح الموحّدة وتشديد المثنّاة من فقهاء البصرة وربيعة من فقهاء المدينة.
ونسبه القرطبيّ إلى عثمان فأطلق , ظنّاً منه أنّه الخليفة , وليس
стр. 3270
كذلك.
الخامس: في درهمين , وهو قول الحسن البصريّ , جزم به ابن المنذر عنه.
السّادس: فيما زاد على درهمين , ولو لَم يبلغ الثّلاثة , أخرجه ابن أبي شيبة بسندٍ قويّ عن أنس , أنّ أبا بكر قطع في شيء , ما يساوي درهمين. وفي لفظ: لا يساوي ثلاثة دراهم.
السّابع: في ثلاثة دراهم , ويقوّم ما عداها بها , ولو كان ذهباً.
وهي رواية عن أحمد، وحكاه الخطّابيّ. عن مالك.
الثّامن: مثله. لكن إن كان المسروق ذهباً فنصابه ربع دينار , وإن كان غيرهما فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم , قطع به , وإن لَم تبلغ , لَم يقطع , ولو كان نصف دينار.
وهذا قول مالك المعروف عند أتباعه، وهي رواية عن أحمد.
واحتجّ له بما أخرجه أحمد من طريق محمّد بن راشد عن يحيى بن يحيى الغسّانيّ عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعاً: اقطعوا في ربع دينار , ولا تقطعوا في أدنى من ذلك. قالت: وكان ربع الدّينار قيمته يومئذٍ ثلاثة دراهم.
والمرفوع من هذه الرّواية نصٌّ في أنّ المعتمد والمعتبر في ذلك الذّهب، والموقوف منه , يقتضي أنّ الذّهب يقوّم بالفضّة، وهذا يمكن تأويله فلا يرتفع به النّصّ الصّريح.
التّاسع: مثله. إلَّا إن كان المسروق غيرهما , قطع به إذا بلغت قيمته
стр. 3271
أحدهما، وهو المشهور عن أحمد , ورواية عن إسحاق.
العاشر: مثله. لكن لا يكتفى بأحدهما إلَّا إذا كانا غالبين. فإن كان أحدهما غالباً فهو المعوّل عليه، وهو قول جماعة من المالكيّة. وهو الحادي عشر.
الثّاني عشر: ربع دينار أو ما يبلغ قيمته من فضّة أو عرض، وهو مذهب الشّافعيّ , وقد تقدّم تقريره.
وهو قول عائشة وعمرة وأبي بكر بن حزم وعمر بن عبد العزيز والأوزاعيّ والليث ورواية عن إسحاق وعن داود.
ونقله الخطّابيّ وغيره عن عمر وعثمان وعليّ، وقد أخرجه ابن المنذر عن عمر بسندٍ منقطع , أنّه قال: إذا أخذ السّارق ربع دينار قطع. ومن طريق عمرة: أتي عثمان بسارقٍ سرق أترجّة , قوّمت بثلاثة دراهم من حساب الدّينار باثني عشر , فقطع.
ومن طريق جعفر بن محمّد عن أبيه , أنّ عليّاً قطع في ربع دينار , كانت قيمته درهمين ونصفاً.
الثّالث عشر: أربعة دراهم , نقله عياض عن بعض الصّحابة , ونقله ابن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد.
الرّابع عشر: ثلث دينار , حكاه ابن المنذر عن أبي جعفر الباقر.
الخامس عشر: خمسة دراهم , وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى من فقهاء الكوفة , ونقل عن الحسن البصريّ وعن سليمان بن يسار. أخرجه النّسائيّ.
стр. 3272
وجاء عن عمر بن الخطّاب: لا تقطع الخَمْس, إلَّا في خمس. أخرجه ابن المنذر من طريق منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيّب عنه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة وأبي سعيد مثله , ونقله أبو زيد الدّبوسيّ عن مالك. وشذَّ بذلك.
السّادس عشر: عشرة دراهم , أو ما بلغ قيمتها من ذهبٍ أو عرض، وهو قول أبي حنيفة والثّوريّ وأصحابهما.
السّابع عشر: دينار , أو ما بلغ قيمته من فضّة أو عرض. حكاه ابن حزم عن طائفة، وجزم ابن المنذر , بأنّه قول النّخعيّ.
الثّامن عشر: دينار , أو عشرة دراهم , أو ما يساوي أحدهما.
حكاه ابن حزم أيضاً، وأخرجه ابن المنذر عن عليّ. بسندٍ ضعيف , وعن ابن مسعود. بسندٍ منقطع , قال: وبه قال عطاء.
التّاسع عشر: ربع دينار فصاعداً من الذّهب , على ما دلَّ عليه حديث عائشة , ويقطع في القليل والكثير من الفضّة والعروض، وهو قول ابن حزم.
ونقل ابن عبد البرّ نحوَه عن داود.
واحتجّ: بأنّ التّحديد في الذّهب ثبت صريحاً في حديث عائشة , ولَم يثبت التّحديد صريحاً في غيره , فبقي عموم الآية على حاله , فيقطع فيما قل أو كثر , إلَّا إذا كان الشّيء تافهاً، وهو موافقٌ للشّافعيّ إلَّا في قياس أحد النّقدين على الآخر.
стр. 3273
وقد أيّده الشّافعيّ. بأنّ الصّرف يومئذٍ كان موافقاً لذلك، واستدل: بأنّ الدّية على أهل الذّهب ألف دينار , وعلى أهل الفضّة اثنا عشر ألف درهم، وتقدّم في قصّة الأترجّة قريباً ما يؤيّده.
ويُخرّج من تفصيل جماعة من المالكيّة , أنّ التّقويم يكون بغالب نقد البلد , إن ذهباً فبالذّهب , وإن فضّة فبالفضّة. تمامُ العشرين مذهباً.
وقد ثبت في حديث ابن عمر , أنّه ﷺ قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم. وثبت , لا قطع في أقل من ثمن المجنّ , وأقلّ ما ورد في ثمن المجنّ ثلاثة دراهم , وهي موافقة للنّصّ الصّريح في القطع في ربع دينار , وإنّما ترك القول , بأنّ الثّلاثة دراهم نصاب يقطع فيه مطلقاً , لأنّ قيمة الفضّة بالذّهب تختلف , فبقي الاعتبار بالذّهب كما تقدّم. والله أعلم.
واستُدل به على وجوب قطع السّارق. ولو لَم يسرق من حرز، وهو قول الظّاهريّة، وأبي عبيد الله البصريّ من المعتزلة.
وخالفهم الجمهور فقالوا: العامّ إذا خصّ منه شيء بدليلٍ , بقي ما عداه على عمومه وحجّته , سواء كان لفظه ينبئ عمّا ثبت في ذلك الحكم بعد التّخصيص , أم لا , لأنّ آية السّرقة عامّةٌ في كلّ من سرق , فخصّ الجمهور منها , مَن سرق مِن غير حرز فقالوا: لا يقطع، وليس في الآية ما ينبئ عن اشتراط الحرز.
وطرد البصريُّ أصلَه في الاشتراط المذكور , فلم يشترط الحرز ليستمرّ الاحتجاج بالآية.
стр. 3274
نعم. وزعم ابن بطّال , أنّ شرط الحرز مأخوذ من معنى السّرقة , فإن صحّ ما قال سقطت حجّة البصريّ أصلاً.
واستُدل به على أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب , لأنّ آية السّرقة نزلت في سارق رداء صفوان أو سارق المجنّ , وعمل بها الصّحابة في غيرهما من السّارقين.
واستدل بإطلاق ربع دينار على أنّ القطع يجب بما صدق عليه ذلك من الذّهب , سواء كان مضروباً أو غير مضروب جيّداً كان أو رديئاً.
وقد اختلف فيه التّرجيح عند الشّافعيّة , ونصّ الشّافعيّ في الزّكاة على ذلك. وأطلق في السّرقة , فجزم الشّيخ أبو حامد وأتباعه بالتّعميم هنا.
وقال الإصطخريّ: لا يقع إلَّا في المضروب , ورجّحه الرّافعيّ. وقيّد الشّيخ أبو حامد النّقل عن الإصطخريّ , بالقدر الذي ينقص بالطّبع.
واستدل بالقطع في المجنّ. على مشروعيّة القطع في كلّ ما يتموّل قياساً.
واستثنى الحنفيّة. ما يسرع إليه الفساد , وما أصله الإباحة , كالحجارة واللبن والخشب والملح والتّراب والكلأ والطّير، وفيه رواية عن الحنابلة، والرّاجح عندهم في مثل السّرجين القطع , تفريعاً على جواز بيعه.
وفي هذا تفاريع أخرى , محلّ بسطها كتب الفقه. وبالله التّوفيق.
стр. 3275
قوله: (ثلاثة دراهم) وللنّسائي من طريق مخلد بن يزيد عن حنظلة عن نافع " قطع رسول الله ﷺ في مجنٍّ قيمته خمسة دراهم ".
وخالف الجميعَ , فقال " خمسة دراهم " وقول الجماعة " ثلاثة دراهم " , هو المحفوظ.
стр. 3276
الحديث الثامن
٣٥٧ - عن عائشة ﵂، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقطع اليد، في ربع دينارٍ فصاعداً. (١)
قوله: (تقطع اليد) في رواية يونس عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عند الشيخين " تقطع يد السّارق ". وفي رواية حرملة عن ابن وهب عن يونس عند مسلم " لا تقطع يد السّارق إلَّا في ربع دينار " وكذا عنده من طريق سليمان بن يسار عن عمرة.
وأخرجه النّسائيّ (٢) من رواية عبد الرّحمن بن أبي الرّجال بن محمّد بن عبد الرّحمن عن أبيه عن عمرة عن عائشة مرفوعًا , ولفظه " تقطع يد السّارق في ثمن المجنّ , وثمن المجنّ ربع دينار ".
وأخرجه من طريق سليمان بن يسار عن عمرة بلفظ: لا تقطع يد
стр. 3277
السّارق فيما دون ثمن المجنّ، قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار.
قوله: (فصاعدًا) قال صاحب المحكم: يختصّ هذا بالفاء , ويجوز ثمّ بدلها ولا تجوز الواو.
وقال ابن جنّيٍّ: هو منصوبٌ على الحال المؤكّدة , أي: ولو زاد , ومن المعلوم أنّه إذا زاد لَم يكن إلَّا صاعدًا.
قلت: ووقع في رواية سليمان بن يسار عن عمرة عند مسلم " فما فوقه " بدل " فصاعدًا " وهو بمعناه.
ورواه مالك في " الموطّأ " عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة: ما طال عليّ ولا نسيت، القطع في ربع دينارٍ فصاعدًا " - وهو إن لَم يكن رفعه صريحًا - لكنّه في معنى المرفوع، وأخرجه الطّحاويّ من رواية ابن عيينة عن يحيى كذلك، ومن رواية جماعة عن عمرة موقوفًا على عائشة.
قال ابن عيينة: ورواية يحيى مشعرةٌ بالرّفع , ورواية الزّهريّ صريحةٌ فيه , وهو أحفظهم.
وقد أخرجه مسلم من طريق أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم عن عمرة , مثل رواية سليمان بن يسار عنها , التي أشرت إليها آنفًا. وكذا أخرجه النّسائيّ من طريق ابن الهاد بلفظ " لا تقطع يد السّارق إلَّا في ربع دينار فصاعدًا " وأخرجه من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة موقوفًا.
стр. 3278
وحاول الطّحاويّ تعليل رواية أبي بكر المرفوعة , برواية ولده الموقوفة , وأبو بكر أتقن وأعلم من ولده، على أنّ الموقوف في مثل هذا لا يخالف المرفوع , لأنّ الموقوف محمول على طريق الفتوى.
والعجب. أنّ الطّحاويّ ضعّف عبد الله بن أبي بكر في موضع آخر , ورام هنا تضعيف الطّريق القويمة بروايته.
وكأنّ البخاريّ أراد الاستظهار لرواية الزّهريّ عن عمرة , بموافقة محمّد بن عبد الرّحمن الأنصاريّ عنها (١) , لِما وقع في رواية ابن عيينة عن الزّهريّ من الاختلاف في لفظ المتن , هل هو من قول النّبيّ ﷺ , أو من فعله.
وكذا رواه ابن عيينة عن غير الزّهريّ , فيما أخرجه النّسائيّ عن قتيبة عنه عن يحيى بن سعيد وعبد ربّه بن سعيد وزريق صاحب أيلة , أنّهم سمعوا عمرة عن عائشة , قالت: القطع في ربع دينار فصاعدًا.
ثمّ أخرجه النّسائيّ من طرقٍ عن يحيى بن سعيد به مرفوعًا وموقوفًا.
وقال: الصّواب ما وقع في رواية مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة: ما طال عليّ العهد ولا نسيت , القطع في ربع دينار فصاعدًا: وفي هذا إشارة إلى الرّفع. والله أعلم.
وقد تعلَّق بذلك بعض من لَم يأخذ بهذا الحديث , فذكره يحيى بن
стр. 3279
يحيى وجماعة عن ابن عيينة بلفظ " كان رسول الله ﷺ يقطع السّارق في ربع دينار فصاعدًا. (١) أورده الشّافعيّ والحميديّ وجماعة عن ابن عيينة بلفظ " قال رسول الله ﷺ : تقطع اليد " الحديث.
وعلى هذا التّعليل عوّل الطّحاويّ , فأخرج الحديث عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن عيينة بلفظ " كان يقطع ".
وقال: هذا الحديث لا حجّة فيه , لأنّ عائشة إنّما أخبرت عمّا قطع فيه , فيحتمل أن يكون ذلك لكونها قوّمت ما وقع القطع فيه إذ ذاك , فكان عندها ربع دينار , فقالت: كان النّبيّ ﷺ يقطع في ربع دينار. مع احتمال أن تكون القيمة يومئذٍ أكثر.
وتعقّب: باستبعاد أن تجزم عائشة بذلك مستندة إلى ظنّها المجرّد، وأيضًا فاختلاف التّقويم , وإن كان ممكنًا , لكن محال في العادة أن يتفاوت هذا التّفاوت الفاحش , بحيث يكون عند قوم أربعة أضعاف قيمته عند آخرين، وإنّما يتفاوت بزيادةٍ قليلة أو نقصٍ قليلٍ , ولا يبلغ المثل غالبًا.
وادّعى الطّحاويّ. اضطراب الزّهريّ في هذا الحديث , لاختلاف الرّواة عنه في لفظه.
وردّ: بأنّ من شرط الاضطراب أن تتساوى وجوهه , فأمّا إذا رجّح بعضها فلا، ويتعيّن الأخذ بالرّاجح، وهو هنا كذلك , لأنّ
стр. 3280
جُلَّ الرّواة عن الزّهريّ ذكروه عن لفظ النّبيّ ﷺ , على تقرير قاعدة شرعيّة في النّصاب , وخالفهم ابن عيينة تارة , ووافقهم تارة , فالأخذ بروايته الموافقة للجماعة أولى.
وعلى تقدير أن يكون ابن عيينة اضطرب فيه , فلا يقدح ذلك في رواية من ضبَطَه.
وأمّا نقل الطّحاويّ عن المحدّثين , أنّهم يقدّمون ابن عيينة في الزّهريّ على يونس , فليس متّفقًا عليه عندهم , بل أكثرهم على العكس.
وممّن جزم بتقديم يونس على سفيان في الزّهريّ , يحيى بن معين وأحمد بن صالح المصريّ. وذكر: أنّ يونس صحِب الزّهريّ أربع عشرة سنة , وكان يزامله في السّفر , وينزل عليه الزّهريّ إذا قدم أيلة , وكان يذكر , أنّه كان يسمع الحديث الواحد من الزّهريّ مرارًا، وأمّا ابن عيينة , فإنّما سمع منه سنة ثلاثٍ وعشرين ومائة , ورجع الزّهريّ فمات في التي بعدها.
ولو سُلّم أنّ ابن عيينة أرجح في الزّهريّ من يونس , فلا معارضة بين روايتيهما , فتكون عائشة أخبرت بالفعل والقول معًا , وقد وافق الزّهريَّ في الرّواية عن عمرة جماعةٌ كما سبق.
وقد وقع الطّحاويّ فيما عابه على من احتجّ بحديث الزّهريّ , مع اضطرابه على رأيه , فاحتجّ بحديث محمّد بن إسحاق عن أيّوب بن موسى عن عطاء عن ابن عبّاس قال: قطع رسول الله ﷺ رجلاً في
стр. 3281
مجنّ , قيمته دينار أو عشرة دراهم. أخرجه أبو داود واللفظ له , وأحمد والنّسائيّ والحاكم، ولفظ الطّحاويّ: كان قيمة المجنّ الذي قطع فيه رسول الله ﷺ عشرة دراهم.
وهو أشدّ في الاضطراب من حديث الزّهريّ. فقيل: عنه هكذا.
وقيل: عنه عن عمرو بن شعيب عن عطاء عن ابن عبّاس.
وقيل: عنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه , ولفظه " كانت قيمة المجنّ على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم ".
وقيل: عنه عن عمرو عن عطاء مرسلاً.
وقيل: عن عطاء عن أيمن , أنّ النّبيّ ﷺ قطع في مجنٍّ , قيمته دينار. كذا قال منصور والحكم بن عتيبة عن عطاء.
وقيل: عن منصور عن مجاهد وعطاء جميعًا عن أيمن.
وقيل: عن مجاهد عن أيمن بن أمّ أيمن عن أمّ أيمَن قالت: لَم يُقطع في عهد رسول الله ﷺ إلَّا في ثمن المجنّ , وثمنه يومئذٍ دينار " أخرجه النّسائيّ، ولفظ الطّحاويّ: لا تقطع يد السّارق إلَّا في حجفة , وقوّمت يومئذٍ على عهد رسول الله ﷺ دينارًا أو عشرة دراهم.
وفي لفظ له " أدنى ما يقطع فيه السّارق ثمن المجنّ، وكان يقوّم يومئذٍ بدينارٍ ".
واختلف في لفظه أيضًا على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه.
فقال حجّاج بن أرطاة عنه بلفظ " لا قطع فيما دون عشرة دراهم " , وهذه الرّواية لو ثبتت لكانت نصًّا في تحديد النّصاب , إلَّا أنّ حجّاج
стр. 3282
بن أرطاة ضعيف ومدلّس , حتّى ولو ثبتت روايته لَم تكن مخالفة لرواية الزّهريّ , بل يجمع بينهما , بأنّه كان أوّلاً لا قطع فيما دون العشرة , ثمّ شرع القطع في الثّلاثة فما فوقها , فزيد في تغليظ الحدّ كما زيد في تغليظ حدّ الخمر كما سيأتي.
وأمّا سائر الرّوايات. فليس فيها إلَّا إخبار عن فعلٍ وقع في عهده ﷺ , وليس فيه تحديد النّصاب , فلا ينافي رواية ابن عمر الماضية " أنّه قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم " وهو مع كونه حكاية فعلٍ , فلا يخالف حديث عائشة من رواية الزّهريّ , فإنّ ربع دينار صرفه ثلاثة دراهم.
وقد أخرج البيهقيّ من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان بن يسار عن عمرة قالت: قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار.
وأخرج أيضًا من طريق ابن إسحاق عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم قال: أتيت بنبطيٍّ قد سرق , فبعثتُ إلى عمرة فقالت: أي بُنيّ. إن لَم يكن بلغ ما سرق ربع دينار فلا تقطعه , فإنّ رسول الله ﷺ حدّثتني عائشة أنّه قال: لا قطع إلَّا في ربع دينار فصاعدًا.
فهذا يعارض حديث ابن إسحاق الذي اعتمده الطّحاويّ , وهو من رواية ابن إسحاق أيضًا.
وجمع البيهقيّ بين ما اختلف في ذلك عن عائشة , بأنّها كانت تحدّث به تارة وتارة تُستفتى فتُفتي، واستند إلى ما أخرجه من طريق عبد الله
стр. 3283
بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم عن عمرة , أنّ جارية سرقت، فسئلت عائشة , فقالت: القطع في ربع دينار فصاعدًا.
تنبيه: روى النسائي من رواية القاسم بن مبرور عن يونس عن الزهري عن عروة بلفظ " أو نصف دينار فصاعدًا ". وهي رواية شاذّة.
تكميل:
اختلف السّلف فيمن سرق فقطع , ثمّ سرق ثانيًا.
القول الأول: قال الجمهور: تقطع رجله اليسرى، ثمّ إن سرق فاليد اليسرى، ثمّ إن سرق فالرّجل اليمنى.
واحتجّ لهم: بآية المحاربة , وبفعل الصّحابة , وبأنّهم فهموا من الآية أنّها في المرّة الواحدة , فإذا عاد السّارق وجب عليه القطع ثانيًا , إلى أن لا يبقى له ما يقطع، ثمّ إن سرق عزّر وسجن.
القول الثاني: يقتل في الخامسة , قاله أبو مصعب الزّهريّ المدنيّ صاحب مالك.
وحجّته ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ من حديث جابر قال: جيء بسارقٍ إلى النّبيّ ﷺ فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسولَ الله إنّما سرق، قال: اقطعوه، ثمّ جيء به الثّانية فقال اقتلوه - فذكر مثله إلى أن قال - فأتي به الخامسة فقال: اقتلوه. قال جابرٌ: فانطلقنا به , فقتلناه ورميناه في بئرٍ.
قال النّسائيّ: هذا حديث منكر , ومصعب بن ثابت راويه , ليس
стр. 3284
بالقويّ.
وقد قال بعض أهل العلم , كابن المنكدر والشّافعيّ: إنّ هذا منسوخٌ.
وقال بعضهم: هو خاصٌّ بالرّجل المذكور , فكأنّ النّبيّ ﷺ اطّلع على أنّه واجب القتل , ولذلك أمر بقتله من أوّل مرّةٍ.
ويحتمل: أنّه كان من المفسدين في الأرض.
قلت: وللحديث شاهدٌ من حديث الحارث بن حاطب أخرجه النّسائيّ ولفظه , أنّ النّبيّ ﷺ أتي بلصٍّ فقال: اقتلوه، فقالوا: إنّما سرق. فذكر نحو حديث جابر في قطع أطرافه الأربع , إلَّا أنّه قال في آخره: ثمّ سرق الخامسة في عهد أبي بكرٍ , فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال اقتلوه، ثمّ دفعه إلى فتيةٍ من قريشٍ , فقتلوه.
قال النّسائيّ: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا.
قلت: نقل المنذريّ تبعًا لغيره فيه الإجماع، ولعلهم أرادوا أنّه استقرّ على ذلك، وإلا فقد جزم الباجيّ في " اختلاف العلماء " أنّه قول مالك ثمّ قال: وله قول آخر لا يقتل.
وقال عياض: لا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به , إلَّا ما ذكره أبو مصعب صاحب مالك في مختصره , عن مالك وغيره من أهل المدينة , فقال: ومن سرق ممّن بلغ الحلم قطع يمينه , ثمّ إن عاد فرجله اليسرى , ثمّ إن عاد فيده اليسرى , ثمّ إن عاد فرجله اليمنى , فإن
стр. 3285
سرق في الخامسة قُتل كما قال رسول الله ﷺ ’ وعمر بن عبد العزيز. انتهى.
القول الثالث: تقطع اليد بعد اليد , ثمّ الرّجل بعد الرّجل , نقل عن أبي بكر وعمر. ولا يصحّ، وأخرج عبد الرّزّاق بسندٍ صحيح عن القاسم بن محمّد , أنّ أبا بكر قطع يد سارق في الثّالثة.
ومن طريق سالم بن عبد الله , أنّ أبا بكر إنّما قطع رجله , وكان مقطوع اليد. ورجال السّندين ثقات مع انقطاعهما.
القول الرابع: تقطع الرّجل اليسرى بعد اليمنى , ثمّ لا قطع , أخرجه عبد الرّزّاق من طريق الشّعبيّ عن عليّ. وسنده ضعيفٌ، ومن طريق أبي الضّحى , أنّ عليًّا نحوه. ورجاله ثقات مع انقطاعه.
وبسندٍ صحيح عن إبراهيم النّخعيّ: كانوا يقولون: لا يترك ابن آدم مثل البهيمة , ليس له يدٌ يأكل بها ويستنجي بها.
وبسندٍ حسن عن عبد الرّحمن بن عائذ , أنّ عمر. أراد أن يقطع في الثّالثة , فقال له عليٌّ: اضربه واحبسه ففعل.
وهذا قول النّخعيّ والشّعبيّ والأوزاعيّ والثّوريّ وأبي حنيفة.
القول الخامس: قاله عطاء: لا يقطع شيءٌ من الرّجلين أصلاً على ظاهر الآية , وهو قول الظّاهريّة.
قال ابن عبد البرّ: حديث القتل في الخامسة منكر , وقد ثبت " لا يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاث " وثبت " السّرقة فاحشة وفيها عقوبة " وثبت عن الصّحابة , قطع الرّجل بعد اليد وهم يقرءون
стр. 3286
﴿والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما﴾.
كما اتّفقوا على الجزاء في الصّيد , وإن قتل خطأً , وهم يقرءون ﴿ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاء مثل ما قتل من النّعم﴾ , ويمسحون على الخُفّين , وهم يقرءون غسل الرّجلين، وإنّما قالوا جميع ذلك بالسّنّة.
стр. 3287
الحديث التاسع
٣٥٨ - عن عائشة ﵂، أنّ قريشاً أهمّهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يُكلِّم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلَّا أسامة بن زيدٍ، حِبّ رسولِ الله ﷺ ؟ فكلَّمه أسامة، فقال: أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ ثم قام فاختطب، فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحدّ، وايم الله، لو أنّ فاطمة بنت محمدٍ سرقت، لقطعت يدها. (١)
وفي لفظ: كانت امرأةٌ تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبيّ ﷺ بقطع يدها. (٢)
قوله: (عن عائشة) كذا قال الحفّاظ من أصحاب ابن شهاب عن عروة.
وشذّ عمر بن قيس الماصر - بكسر المهملة - فقال: ابن شهاب عن عروة عن أمّ سلمة. فذكر حديث الباب سواء. أخرجه أبو الشّيخ في " كتاب السّرقة " والطّبرانيّ , وقال: تفرّد به عمر بن قيس، يعني من حديث أمّ سلمة.
стр. 3288
قال الدّارقطنيّ في " العلل ": الصّواب رواية الجماعة.
قوله: (أنّ قريشًا) أي: القبيلة المشهورة، والمراد بهم هنا من أدرك القصّة التي تذكر بمكّة. وهم ولد النّضر بن كناية، وبذلك جزم أبو عبيدة , أخرجه ابن سعد عن أبي بكر بن الجهم.
وروى عن هشام بن الكبليّ عن أبيه: كان سكّان مكّة يزعمون أنّهم قريش دون سائر بني النّضر , حتّى رحلوا إلى النّبيّ ﷺ فسألوه: من قريش؟ قال: من ولد النّضر بن كنانة.
وقيل: إنّ قريشًا هم ولد فهر بن مالك بن النّضر، وهذا قول الأكثر. وبه جزم مصعب , قال: ومن لَم يلده فهر فليس قرشيًّا.
وقيل: أوّل من نسب إلى قريش قصيّ بن كلاب، فروى ابن سعد , أنّ عبد الملك بن مروان سأل محمّد بن جبير: متى سُمِّيت قريشٌ قريشاً؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرّقها. فقال: ما سمعتُ بهذا، ولكن سمعتُ , أنّ قصيًّا كان يقال له القرشيّ، ولَم يُسمّ أحدٌ قريشًا قبله.
وروى ابن سعد من طريق المقداد: لَمَّا فرغ قصيّ من نفي خزاعة من الحرم , تجمّعت إليه قريش , فسمّيت يومئذٍ قريشًا لحال تجمّعها، والتّقرّش التّجمّع.
وقيل: لتلبّسهم بالتّجارة , وقيل: غير ذلك.
قوله: (أهمّهم شأن) أي: أجلبت إليهم همًّا , أو صيّرتهم ذوي همٍّ بسبب ما وقع منها، يقال: أهمّني الأمر. أي: أقلقني.
стр. 3289
وفي الصحيحين من رواية قتيبة عن الليث عن ابن شهاب " أهمّهم شأن المرأة ". أي: أمرها المتعلق بالسّرقة.
وقد وقع في رواية مسعود بن الأسود الآتي التّنبيه عليها " لَمَّا سرقت تلك المرأة , أعظمنا ذلك , فأتينا رسول الله ﷺ ". ومسعود المذكور من بطن آخر من قريش، وهو من بني عديّ بن كعب رهط عمر.
وسبب إعظامهم ذلك خشية أن تقطع يدها , لعلمهم أنّ النّبيّ ﷺ لا يرخّص في الحدود، وكان قطع السّارق معلومًا عندهم قبل الإسلام، ونزل القرآن بقطع السّارق فاستمرّ الحال فيه.
وقد عقد ابن الكلبيّ بابًا لمن قطع في الجاهليّة بسبب السّرقة , فذكر قصّة الذين سرقوا غزال الكعبة , فقُطعوا في عهد عبد المطّلب جدّ النّبيّ ﷺ ، وذكر من قطع في السّرقة , عوف بن عبد بن عمرو بن مخزوم. ومقيس بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم وغيرهما , وأنّ عوفًا السّابق لذلك.
قوله: (المخزوميّة) نسبة إلى مخزوم بن يقظة. بفتح التّحتانيّة والقاف بعدها ظاءٌ معجمةٌ. مشالةٌ ابن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، ومخزوم أخو كلاب بن مرّة الذي نسب إليه بنو عبد مناف.
ووقع في رواية إسماعيل بن أُميَّة عن محمّد بن مسلم , وهو الذي عند النّسائيّ " سرقت امرأة من قريش من بني مخزوم ".
واسم المرأة على الصّحيح , فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم , وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد
стр. 3290
الصّحابيّ الجليل الذي كان زوج أمّ سلمة قبل النّبيّ ﷺ ، قُتل أبوها كافرًا يوم بدر قتله حمزة بن عبد المطّلب، ووهِم من زعم أنّ له صحبةً.
وقيل: هي أمّ عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد , وهي بنت عم المذكورة , أخرجه عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ قال: أخبرني بشر بن تيم , أنّها أمّ عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وهذا معضلٌ، ووقع مع ذلك في سياقه أنّه قاله عن ظنٍّ وحسبانٍ. وهو غلطٌ ممَن قاله , لأنّ قصّتها مغايرةٌ للقصّة المذكورة في هذا الحديث , كما سأوضّحه.
قال ابن عبد البرّ في " الاستيعاب ": فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد , هي التي قطع رسول الله ﷺ يدها , لأنّها سرقت حليًّا , فكلمت قريشٌ أسامة , فشفع فيها , وهو غلامٌ. الحديث.
قلت: وقد ساق ذلك ابن سعد في ترجمتها في " الطّبقات " من طريق الأجلح بن عبد الله الكنديّ عن حبيب بن أبي ثابت رفعه , أنّ فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد سرقت حليًّا على عهد رسول الله ﷺ , فاستشفعوا. الحديث.
وأورد عبد الغنيّ بن سعيد المصريّ في " المبهمات " من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن عمّار الدّهنيّ عن شقيق قال: سرقت فاطمة بنت أبي أسد بنت أخي أبي سلمة، فأشفقت قريش أن يقطعها النّبيّ ﷺ . الحديث.
والطّريق الأولى أقوى.
стр. 3291
ويمكن أن يقال: لا منافاة بين قوله بنت الأسود , وبنت أبي الأسود , لاحتمال أن تكون كنية الأسود أبا الأسود.
وأمّا قصّة أمّ عمرٍو. فذكرها ابن سعد أيضًا وابن الكلبيّ " في المثالب " وتبعه الهيثم بن عديّ , فذكروا أنّها خرجت ليلاً , فوقعت بركبٍ نزولٍ , فأخذت عيبةً لهم , فأخذها القوم فأوثقوها، فلمّا أصبحوا , أتوا بها النّبيّ ﷺ , فعاذت بحقوي أمّ سلمة، فأمر بها النّبيّ ﷺ فقطعت، وأنشدوا في ذلك شعرًا , قاله خنيس بن يعلى بن أُميَّة. وفي رواية ابن سعد , أنّ ذلك كان في حجّة الوداع.
وفي صحيح البخاري , أنّ قصّة فاطمة بنت الأسود كانت عام الفتح (١).
فظهر تغاير القصّتين , وأنّ بينهما أكثر من سنتين، ويظهر في ذلك خطأ من اقتصر على أنّها أمّ عمرٍو كابن الجوزيّ، ومن ردّدها بين فاطمة وأمّ عمرو كابن طاهر وابن بشكوال ومن تبعهما. فلله الحمد.
وقد تقلد ابن حزمٍ ما قاله بشر بن تيم , لكنّه جعل قصّة أمّ عمرو بنت سفيان في جحد العارية. وقصّة فاطمة في السّرقة، وهو غلطٌ أيضًا لوقوع التّصريح في قصّة أمّ عمرو بأنّها سرقت.
قوله: (التي سرقت) زاد يونس في روايته " في عهد رسول الله ﷺ
стр. 3292
, في غزوة الفتح "
ووقع بيان المسروق في حديث مسعود بن أبي الأسود - المعروف بابن العجماء - فأخرج ابن ماجه , وصحّحه الحاكم من طريق محمّد بن إسحاق عن محمّد بن طلحة بن ركانة عن أمّه عائشة بنت مسعود بن الأسود عن أبيها قال: لَمَّا سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله ﷺ أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول الله ﷺ نكلمه.
وسنده حسنٌ، وقد صرّح فيه ابن إسحاق بالتّحديث في رواية الحاكم، وكذا علَّقه أبو داود. فقال: روى مسعود بن الأسود.
وقال التّرمذيّ بعد حديث عائشة المذكور هنا: وفي الباب عن مسعود بن العجماء. انتهى
وقد أخرجه أبو الشّيخ في " كتاب السّرقة " من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمّد بن طلحة فقال: عن خالته بنت مسعود بن العجماء عن أبيها. فيحتمل أن يكون محمّد بن طلحة. سمعه من أمّه ومن خالته.
ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت , الذي أشرتُ إليه " أنّها سرقت حليًّا ".
ويمكن الجمع: بأنّ الحليّ كان في القطيفة , فالذي ذكر القطيفة أراد بما فيها، والذي ذكر الحليّ ذكر المظروف دون الظّرف.
ثمّ رجَح عندي , أنّ ذكر الحليّ في قصّة هذه المرأة , وهْمٌ كما سأبيّنه.
ووقع في مرسل الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب , فيما أخرجه
стр. 3293
عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ أخبرني عمرو بن دينار , أنّ الحسن أخبره , قال: سرقت امرأة، قال عمرو: وحسبت أنّه قال: من ثياب الكعبة. الحديث، وسنده إلى الحسن صحيحٌ.
فإن أمكن الجمع , وإلَّا فالأوّل أقوى.
وقد وقع في رواية معمر عن الزّهريّ في هذا الحديث " أنّ المرأة المذكورة كانت تستعير المتاع وتجحده " أخرجه مسلمٌ وأبو داود، وأخرجه النّسائيّ من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزّهريّ بلفظ " استعارت امرأةٌ على ألسنة ناسٍ يعرفون , وهي لا تعرف , حليًّا فباعته وأخذت ثمنه " الحديث.
وقد بيّنه أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام , فيما أخرجه عبد الرّزّاق بسندٍ صحيحٍ إليه , أنّ امرأةً جاءت امرأةً , فقالت: إنّ فلانة تستعيرك حليًّا فأعارتها إيّاه، فمكثت لا تراه، فجاءت إلى التي استعارت لها فسألتها , فقالت: ما استعرتك شيئًا، فرجعت إلى الأخرى فأنكرت , فجاءت إلى النّبيّ ﷺ فدعاها فسألها , فقالت: والذي بعثك بالحقّ ما استعرت منها شيئًا , فقال: اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها. فأتوه فأخذوه، وأمر بها فقطعت. الحديث
فيحتمل: أن تكون سرقت القطيفة وجحدت الحليّ، وأطلق عليها في جحد الحليّ , في رواية حبيب بن أبي ثابت سرقت مجازًا.
قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": اختلف على الزّهريّ , فقال الليث ويونس وإسماعيل بن أُميَّة وإسحاق بن راشد " سرقت "
стр. 3294
وقال: معمر وشعيب " إنّها استعارت وجحدت ".
قال: ورواه سفيان بن عيينة عن أيّوب بن موسى عن الزّهريّ , فاختلف عليه سندًا ومتنًا: فرواه البخاريّ في " الشّهادات " عن عليّ بن المدينيّ عن ابن عيينة قال: ذهبت أسأل الزّهريّ عن حديث المخزوميّة فصاح عليّ، فقلت لسفيان: فلم يحفظه عن أحدٍ قال: وجدت في كتابٍ كتبه أيّوب بن موسى عن الزّهريّ , وقال فيه " إنّها سرقت "، وهكذا قال محمّد بن منصورٍ عن ابن عيينة " إنّها سرقت " أخرجه النّسائيّ عنه، وعن رزق الله بن موسى عن سفيان كذلك , لكن قال: أتي النّبيّ ﷺ بسارقٍ فقطعه " فذكره مختصرًا، ومثله لأبي يعلى عن محمّد بن عبّاد عن سفيان، وأخرجه أحمد عن سفيان كذلك , لكن في آخره " قال سفيان: لا أدري ما هو ".
وأخرجه النّسائيّ أيضًا عن إسحاق بن راهويه عن سفيان عن الزّهريّ بلفظ " كانت مخزوميّة تستعير المتاع وتجحده " الحديث , وقال في آخره: قيل لسفيان: مَن ذكره؟ قال: أيّوب بن موسى. فذكره بسنده المذكور، وأخرجه من طريق ابن أبي زائدة عن ابن عيينة عن الزّهريّ بغير واسطةٍ. وقال فيه: سرقت.
قال شيخنا: وابن عيينة لَم يسمعه من الزّهريّ , ولا ممّن سمعه من الزّهريّ , إنّما وجده في كتاب أيّوب بن موسى , ولَم يصرّح بسماعه من أيّوب بن موسى , ولهذا قال في رواية أحمد: لا أدري كيف هو. كما تقدّم.
стр. 3295
وجزم جماعة بأنّ معتمرًا تفرّد عن الزّهريّ بقوله " استعارت وجحدت ".
وليس كذلك , بل تابعه شعيب كما ذكره شيخنا عند النّسائيّ، ويونس كما أخرجه أبو داود من رواية أبي صالح كاتب الليث عن الليث عنه، وعلَّقه البخاريّ لليث عن يونس , لكن لَم يسق لفظه , وكذا ذكر البيهقيّ. أنّ شبيب بن سعيد رواه عن يونس، وكذلك رواه ابن أخي الزّهريّ عن الزّهريّ , أخرجه ابن أيمن في " مصنّفه " عن إسماعيل القاضي بسنده إليه، وأخرج أصله أبو عوانة في " صحيحه ".
والذي اتّضح لي. أنّ الحديثين محفوظان عن الزّهريّ , وأنّه كان يحدّث تارةً بهذا وتارةً بهذا، فحدّث يونس عنه بالحديثين، واقتصرتْ كلّ طائفةٍ من أصحاب الزّهريّ غير يونس على أحد الحديثين.
فقد أخرج أبو داود والنّسائيّ وأبو عوانة في " صحيحه " من طريق أيّوب عن نافعٍ عن ابن عمر , أنّ امرأةً مخزوميّةً كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النّبيّ ﷺ بقطع يدها.
وأخرجه النّسائيّ وأبو عوانة أيضًا من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ بلفظ " استعارت حليًّا "
وقد اختلف نَظَر العلماء في ذلك.
القول الأول: أخذ بظاهره أحمد في أشهر الرّوايتين عنه وإسحاق , وانتصر له ابن حزم من الظّاهريّة.