مقدّمٌ على النّافي، وقد جمع بينهما بما دلَّ على وجودِ حفْرٍ في الجملة.
وفي المرأة أوجه , ثالثها. الأصحّ - إن ثبت زناها بالبيّنة - استحبّ , لا بالإقرار.
وعن الأئمّة الثّلاثة في المشهور عنهم. لا يحفر.
وقال أبو يوسف وأبو ثور: يحفر للرّجل وللمرأة.
وفيه. جواز تلقين المقرّ بما يوجب الحدّ , ما يدفع به عنه الحدّ , وأنّ الحدّ لا يجب إلَّا بالإقرار الصّريح، ومن ثَمّ شرط على من شهد بالزّنا أن يقول رأيته: ولَج ذكره في فرجها أو ما أشبه ذلك، ولا يكفي أن يقول أشهد أنّه زنى.
وثبت عن جماعة من الصّحابة تلقين المقرّ بالحدّ. كما أخرجه مالك عن عمر , وابن أبي شيبة (١) عن أبي الدّرداء , وعن عليّ في قصّة شراحة. (٢)
ومنهم من خصّ التّلقين بمن يظنّ به أنّه يجهل حكم الزّنا , وهو
стр. 3222
قول أبي ثور.
وعند المالكيّة: يستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه وليس ذلك بشرطٍ.
وفيه. ترك سجن من اعترف بالزّنا في مدّة الاستثبات وفي الحامل حتّى تضع، وقيل: إنّ المدينة لَم يكن بها حينئذٍ سجنٌ، وإنّما كان يسلم كل جانٍ لوليّه.
وقال ابن العربيّ: إنّما لَم يأمر بسجنه ولا التّوكيل به , لأنّ رجوعه مقبول , فلا فائدة في ذلك مع جواز الإعراض عنه إذا رجع، ويؤخذ من قوله " هل أحصنت؟ " وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام باختلافها.
وفيه. أنّ إقرار السّكران لا أثر له يؤخذ من قوله " استنكهوه " والذين اعتبروه وقالوا إنّ عقله زال بمعصيته، ولا دلالة في قصّة ماعز , لاحتمال تقدّمها على تحريم الخمر , أو أنّ سكره وقع عن غير معصية.
وفيه. أنّ المقرّ بالزّنا إذا أقرّ يترك، فإن صرّح بالرّجوع فذاك , وإلَّا اتّبع ورجم , وهو قول الشّافعيّ وأحمد , ودلالته من قصّة ماعز ظاهرة.
وقد وقع في حديث نعيم بن هزّال: هلاَّ تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه. أخرجه أبو داود وصحّحه الحاكم وحسّنه، وللتّرمذيّ نحوه من حديث أبي هريرة. وصحّحه الحاكم أيضاً.
стр. 3223
وعند أبي داود من حديث بريدة قال: كنّا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدّث , أنّ ماعزاً والغامديّة لو رجعا لَم يطلبهما.
وعند المالكيّة في المشهور , لا يترك إذا هرب.
وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور. فإن لَم يؤخذ ترك.
وعن ابن عيينة. إن أخذ في الحال كمل عليه الحدّ , وإن أخذ بعد أيّام ترك.
وعن أشهب. إن ذكر عذراً يقبل ترك وإلَّا فلا، ونقله القعنبيّ عن مالك، وحكى الكجّيّ عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة.
ومنهم من قيّده بما بعد إقراره عند الحاكم.
واحتجّوا: بأنّ الذين رجموه حتّى مات بعد أن هرب , لَم يلزموا بديته فلو شرع تركه لوجبت عليهم الدّية.
والجواب: أنّه لَم يصرّح بالرّجوع، ولَم يقل أحدٌ إنّ حدّ الرّجم يسقط بمجرّد الهرب، وقد عبّر في حديث بريدة بقوله " لعله يتوب "
وفيه. أنّ المرجوم في الحدّ لا تشرع الصّلاة عليه إذا مات بالحدّ , ويأتي البحث فيه قريباً.
وفيه. أنّ من وجد منه ريح الخمر وجب عليه الحدّ , من جهة استنكاه ماعز بعد أن قال له: أشربت خمراً؟.
قال القرطبيّ: وهو قول مالك والشّافعيّ , كذا قال.
وقال المازريّ: استدل به بعضهم , على أنّ طلاق السّكران لا يقع.
وتعقّبه عياض: بأنّه لا يلزم من درء الحدّ به أنّه لا يقع طلاقه ,
стр. 3224
لوجود تهمته على ما يظهره من عدم العقل، قال: ولَم يختلف في غير
الطّافح أنّ طلاقه لازم.
قال: ومذهبنا التزامه بجميع أحكام الصّحيح , لأنّه أدخل ذلك على نفسه , وهو حقيقة مذهب الشّافعيّ، واستثنى من أُكْرِه , ومن شرب ما ظنّ أنّه غير مسكر , ووافقه بعض متأخّري المالكيّة.
وقال النّوويّ: الصّحيح عندنا صحّة إقرار السّكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه.
قال: والسّؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنّه لو كان سكراناً لَم يقم عليه الحدّ.
كذا أطلق , فألزم التّناقض، وليس كذلك. فإنّ مراده لَم يقم عليه الحدّ لوجود الشّبهة , كما تقدّم من كلام عياض.
قلت: روى ابن أبي شيبة عن الزّهريّ قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقتُ امرأتي وأنا سكران، فكان رأي عمر بن عبد العزيز مع رأينا , أن يجلده ويفرّق بينه وبين امرأته، حتّى حدّثه أبان بن عثمان بن عفّان عن أبيه , أنّه قال: ليس على المجنون ولا على السّكران طلاق، قال عمر: تأمرونني وهذا يحدّثني عن عثمان؟ فجلده، وردّ إليه امرأته.
وروى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعاً عن هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعيّ عن أبي يزيد المزنيّ عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ليس لسكران , ولا لمضطَهد طلاق.
стр. 3225
المضطهد: بضاد معجمة ساكنة ثمّ طاء مهملة مفتوحة ثمّ هاء ثمّ مهملة , هو المغلوب المقهور.
وقد ذهب إلى عدم وقوع طلاق السّكران أيضاً.
أبو الشّعثاء وعطاء وطاوسٌ وعكرمة والقاسم وعمر بن عبد العزيز، ذكره ابن أبي شيبة عنهم بأسانيد صحيحة. وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزنيّ.
واختاره الطّحاويّ , واحتجّ بأنّهم أجمعوا على أنّ طلاق المعتوه لا يقع قال: والسّكران معتوه بسكره.
وقال بوقوعه طائفة من التّابعين.
كسعيد بن المسيّب والحسن وإبراهيم والزّهريّ والشّعبيّ، وبه قال الأوزاعيّ والثّوريّ ومالك وأبو حنيفة.
وعن الشّافعيّ قولان: المصحّح منهما وقوعه، والخلاف عند الحنابلة , لكنّ التّرجيح بالعكس.
وقال ابن المرابط: إذا تيقّنّا ذهاب عقل السّكران. لَم يلزمه طلاق، وإلا لزمه. وقد جعل الله حدّ السّكر الذي تبطل به الصّلاة أن لا يعلم ما يقول.
وهذا التّفصيل لا يأباه من يقول بعدم طلاقه، وإنّما استدل مَن قال بوقوعه مطلقاً بأنّه عاصٍ بفعله لَم يزل عنه الخطاب بذلك، ولا الإثم لأنّه يؤمر بقضاء الصّلوات وغيرها ممّا وجب عليه قبل وقوعه في السّكر أو فيه.
стр. 3226
وأجاب الطّحاويّ: بأنّه لا تختلف أحكام فاقد العقل بين أن يكون ذهاب عقله بسببٍ من جهته أو من جهة غيره، إذ لا فرق بين من عجَزَ عن القيام في الصّلاة بسببٍ من قبل الله أو من قبل نفسه , كمن كسر رِجْلَ نفسه فإنّه يسقط عنه فرض القيام.
وتعقّب: بأنّ القيام انتقل إلى بدل وهو القعود فافترقا.
وأجاب ابن المنذر عن الاحتجاج بقضاء الصّلوات: بأنّ النّائم يجب عليه قضاء الصّلاة , ولا يقع طلاقه فافترقا.
وقال ابن بطّالٍ: الأصل في السّكران العقل، والسّكر شيء طرأ على عقله، فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على الأصل حتّى يثبت ذهاب عقله.
ومن المذاهب الظّريفة فيه قول الليث: يعمل بأفعاله ولا يعمل بأقواله , لأنّه يلتذّ بفعله , ويشفي غيظه , ولا يفقه أكثر ما يقول , وقد قال تعالى ﴿لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون﴾.
تكميل: بوّب عليه البخاري " من حَكَم في المسجد , حتّى إذا أتى على حدٍّ , أمر أن يخرج من المسجد فيقام ".
كأنّه يشير بهذه التّرجمة إلى من خصّ جوازَ الحُكم في المسجد بما إذا لَم يكن هناك شيء يتأذّى به من في المسجد , أو يقع به للمسجد نقص كالتّلويث.
وروى ابن أبي شيبة وعبد الرّزّاق كلاهما من طريق طارق بن شهاب قال: أتي عمر بن الخطّاب برجلٍ في حدّ فقال: أخْرِجَاه من
стр. 3227
المسجد , ثمّ اضرباه. وسنده على شرط الشّيخين.
وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن معقل - وهو بمهملةٍ ساكنة وقاف مكسورة - أنّ رجلاً جاء إلى عليٍّ فسارّه , فقال: يا قنبر. أخْرِجه من المسجد فأقم عليه الحدّ. وفي سنده من فيه مقال.
ثمّ ذكر البخاري حديث أبي هريرة في قصّة الذي أقرّ , أنّه زنى فأعرض عنه , وفيه أبك جنون؟ قال: لا. قال: اذهبوا به فارجموه.
وهذا القدر , هو المراد في التّرجمة , ولكنّه لا يَسْلَم من خدش , لأنّ الرّجم يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره ممّا لا يلائم المسجد , فلا يلزم من تركه فيه , ترك إقامة غيره من الحدود.
قال ابن بطّال: ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد , الكوفيّون والشّافعيّ وأحمد وإسحاق، وأجازه الشّعبيّ وابن أبي ليلى، وقال مالك: لا بأس بالضّرب بالسّياط اليسيرة، فإذا كثرت الحدود فليكن ذلك خارج المسجد.
قال ابن بطّال: وقول من نزّه المسجد عن ذلك أولى، وفي الباب حديثان ضعيفان في النّهي عن إقامة الحدود في المساجد. انتهى.
والمشهور فيه حديث مكحول عن أبي الدّرداء وواثلة وأبي أُمامة مرفوعاً " جنّبوا مساجدكم صبيانكم " الحديث، وفيه " وإقامة حدودكم ".
أخرجه البيهقيّ في الخلافيّات، وأصله في ابن ماجه من حديث واثلة فقط , وليس فيه ذكر الحدود. وسنده ضعيف.
стр. 3228
ولابن ماجه من حديث ابن عمر رفعه: خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتّخذ طريقاً. الحديث. وفيه: ولا يُضرب فيه حدّ. وسنده ضعيف أيضاً.
وقال ابن المنير: من كَرِه إدخال الميّت المسجد للصّلاة عليه خشية أن يخرج منه شيء , أولى بأن يقول لا يقام الحدّ في المسجد، إذ لا يؤمن خروج الدّم من المجلود، وينبغي أن يكون في القتل أولى بالمنع.
تكميل آخر: زاد البخاري في آخره: فقال له النّبيّ ﷺ خيراً، وصلَّى عليه. رواه عن محمود حدّثنا عبد الرّزّاق أخبرنا معمرٌ عن الزّهريّ، به.
قال البخاري: لَم يقل يونس وابن جريجٍ عن الزّهريّ: فصلَّى عليه. سئل أبو عبد الله: فصلَّى عليه يصحّ؟ قال: رواه معمرٌ , قيل له: رواه غير معمرٍ؟ قال: لا.
قوله " فقال له النّبيّ ﷺ خيراً " أي: ذكره بجميلٍ، ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم " فما استغفر له ولا سبّه " وفي حديث بريدة عنده " فكان النّاس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، فلبثوا ثلاثاً , ثمّ جاء رسول الله ﷺ فقال: استغفروا لماعز بن مالك.
وفي حديث بريدة أيضاً " لقد تاب توبة لو قسمت على أمّة لوسعتهم " وفي حديث أبي هريرة عند النّسائيّ " لقد رأيته بين أنهار الجنّة ينغمس " قال: يعني يتنعّم كذا في الأصل.
стр. 3229
وفي حديث جابر عند أبي عوانة " فقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنّة " وفي حديث اللجلاج عند أبي داود والنّسائيّ " ولا تقل له خبيث لهو عند الله أطيب من ريح المسك " وفي حديث أبي الفيض عند التّرمذيّ " لا تشتمه " وفي حديث أبي ذرّ عند أحمد " قد غفر له وأدخل الجنّة ".
قوله " وصلَّى عليه " هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرّزّاق، وخالفه محمّد بن يحيى الذّهليّ وجماعة عن عبد الرّزّاق , فقالوا في آخره " ولَم يصلِّ عليه ".
قال المنذريّ في " حاشية السّنن ": رواه ثمانية أنفس عن عبد الرّزّاق فلم يذكروا قوله " وصلَّى عليه ".
قلت: قد أخرجه أحمد في " مسنده " عن عبد الرّزّاق , ومسلم عن إسحاق بن راهويه , وأبو داود عن محمّد بن المتوكّل العسقلانيّ , وابن حبّان من طريقه , زاد أبو داود والحسن بن عليّ الخلال , والتّرمذيّ عن الحسن بن عليّ المذكور، والنّسائيّ وابن الجارود عن محمّد بن يحيى الذّهليّ.
زاد النّسائيّ ومحمّد بن رافع ونوح بن حبيب , والإسماعيليّ والدّارقطنيّ من طريق أحمد بن منصور الرّماديّ. زاد الإسماعيليّ، ومحمّد بن عبد الملك بن زنجويه، وأخرجه أبو عوانة عن الدَّبريّ ومحمّد بن سهل الصّغانيّ.
فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس خالفوا محموداً , منهم: من سكت
стр. 3230
عن الزّيادة , ومنهم: من صرّح بنفيها.
وقول البخاري (ولَم يقل يونس وابن جريجٍ عن الزّهريّ: وصلَّى عليه) أمّا رواية يونس فوصلها البخاري ﵀. ولفظه " فأمر به فرجم , وكان قد أحصن ".
وأمّا رواية ابن جريجٍ , فوصلها مسلم مقرونةً برواية معمر , ولَم يسق المتن , وساقه إسحاق شيخ مسلم في " مسنده " , وأبو نعيم من طريقه , فلم يذكر فيه " وصلَّى عليه "
قوله: " سئل أبو عبد الله. هل قوله (فصلَّى عليه) يصحّ أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا " وقع هذا الكلام في رواية المستملي وحده عن الفربريّ، وأبو عبد الله هو البخاريّ.
وقد اعترض عليه في جزمه , بأنّ معمراً روى هذه الزّيادة , مع أنّ المنفرد بها إنّما هو محمود بن غيلان عن عبد الرّزّاق، وقد خالفه العدد الكثير من الحفّاظ , فصرّحوا بأنّه لَم يصل عليه.
لكن ظهر لي , أنّ البخاريّ قويت عنده رواية محمود بالشّواهد، فقد أخرج عبد الرّزّاق أيضاً - وهو في " السّنن " لأبي قرّة من وجه آخر - عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف في قصّة ماعز قال: فقيل: يا رسولَ الله أتصلي عليه؟ قال: لا. قال: فلمّا كان من الغد قال: صلَّوا على صاحبكم، فصلَّى عليه رسول الله ﷺ والنّاس.
فهذا الخبر يجمع الاختلاف , فتحمل رواية النّفي على أنّه لَم يصلِّ
стр. 3231
عليه حين رجم، ورواية الإثبات على أنّه ﷺ عليه في اليوم الثّاني.
وكذا طريق الجمع لِما أخرجه أبو داود عن بريدة , أنّ النّبيّ ﷺ لَم يأمر بالصّلاة على ماعز , ولَم ينه عن الصّلاة عليه.
ويتأيّد بما أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصينٍ , في قصّة الجهنيّة التي زنت ورجمت , أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى عليها، فقال له عمر: أتصلّي عليها وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم.
وحكى المنذريّ قولَ من حمل الصّلاة في الخبر على الدّعاء.
ثمّ قال: في قصّة الجهنيّة دلالةٌ على توهين هذا الاحتمال.
قال: وكذا أجاب النّوويّ فقال: إنّه فاسد , لأنّ التّأويل لا يصار إليه إلَّا عند الاضطرار إليه , ولا اضطرار هنا.
وقال ابن العربيّ: لَم يثبت أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى على ماعز، قال: وأجاب من منع عن صلاته على الغامديّة لكونها عرفت حكم الحدّ وماعز إنّما جاء مستفهماً.
قال: وهو جوابٌ واهٍ، وقيل: لأنّه قتله غضباً لله وصلاته رحمة فتنافيا، قال: وهذا فاسد , لأنّ الغضب. انتهى.
قال: ومحلّ الرّحمة باقٍ، والجواب المرضيّ , أنّ الإمام حيث ترك الصّلاة على المحدود كان ردعاً لغيره.
قلت: وتمامه أن يقال: وحيث صلَّى عليه يكون هناك قرينة لا يحتاج معها إلى الرّدع , فيختلف حينئذٍ باختلاف الأشخاص.
стр. 3232
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة.
فقال مالك: يأمر الإمام بالرّجم , ولا يتولاه بنفسه , ولا يرفع عنه حتّى يموت، ويخلى بينه وبين أهله يغسّلونه ويصلون عليه , ولا يُصلِّي عليه الإمام ردعاً لأهل المعاصي إذا علموا أنّه ممّن لا يُصلَّى عليه، ولئلا يجترئ النّاس على مثل فعله.
وعن بعض المالكيّة: يجوز للإمام أن يُصلِّي عليه , وبه قال الجمهور.
والمعروف عن مالك , أنّه يكره للإمام وأهل الفضل الصّلاة على المرجوم، وهو قول أحمد.
وعن الشّافعيّ. لا يكره , وهو قول الجمهور، وعن الزّهريّ. لا يُصلَّى على المرجوم ولا على قاتل نفسه.
وعن قتادة. لا يُصلَّى على المولود من الزّنا.
وأطلق عياض , فقال: لَم يختلف العلماء في الصّلاة على أهل الفسق والمعاصي والمقتولين في الحدود , وإن كره بعضهم ذلك لأهل الفضل , إلَّا ما ذهب إليه أبو حنيفة في المحاربين , وما ذهب إليه الحسن في الميّتة من نفاس الزّنا , وما ذهب إليه الزّهريّ وقتادة.
قال: وحديث الباب في قصّة الغامديّة حجّة للجمهور. والله أعلم
стр. 3233
الحديث الخامس
٣٥٤ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ , أنه قال: إنّ اليهود جاءوا إلى رسول ﷺ فذكروا له: أنّ امرأةً منهم ورجلاً زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويُجلدون، قال عبد الله بن سلامٍ: كذبتم، إنَّ فيها آية الرجم، فأتَوا بالتوراة فنَشَرُوها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقال: صدق يا محمّد، فأمر بهما النبيّ ﷺ فرُجِما، قال: فرأيت الرجل، يجنأ على المرأة يقيها الحجارة. (١)
قال المصنِّف: يجنأ: ينحني. الرَّجل الذي وضع يده على آية الرجم. هو عبد الله بن صوريا.
قوله: (إنّ اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ , فذكروا له أنّ رجلاً منهم وامرأة زنيا) ذكر السّهيليّ عن ابن العربيّ , أنّ اسم المرأة بُسرة - بضمّ الموحّدة وسكون المهملة - ولَم يسمّ الرّجل.
وذكر أبو داود السّبب في ذلك من طريق الزّهريّ سمعت رجلاً من مزينة , ممّن تبع العلم , وكان عند سعيد بن المسيّب يحدّث عن أبي هريرة قال: زنى رجلٌ من اليهود بامرأةٍ، فقال بعضهم لبعضٍ:
стр. 3234
اذهبوا بنا إلى هذا النّبيّ , فإنّه بعث بالتّخفيف , فإن أفتانا بفتيا دون الرّجم قبلناها واحتججنا بها عند الله , وقلنا فتيا نبيٍّ من أنبيائك. قال: فأتوا النّبيّ ﷺ , وهو جالس في المسجد في أصحابه , فقالوا: يا أبا القاسم. ما ترى في رجل وامرأة زنيا منهم.
ونقل ابن العربيّ عن الطّبريّ والثّعلبيّ عن المفسّرين قالوا: انطلق قومٌ من قريظة والنّضير منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصّيف وكنانة بن أبي الحقيق وشاس بن قيس ويوسف بن عازوراء , فسألوا النّبيّ ﷺ , وكان رجل وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا واسم المرأة بسرة، وكانت خيبر حينئذٍ حرباً , فقال لهم: اسألوه، فنزل جبريل على النّبيّ ﷺ فقال: اجعل بينك وبينهم ابن صوريّا " فذكر القصّة مطوّلة.
ولفظ الطّبريّ من طريق الزّهريّ المذكورة " إنّ أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس، وقد زنى رجلٌ منهم بعد إحصانه بامرأةٍ منهم قد أحصنت. فذكر القصّة. وفيها. فقال: اخرجوا إلى عبد الله بن صوريّا الأعور ".
قال ابن إسحاق: ويقال: إنّهم أخرجوا معه أبا ياسر بن أحطب ووهب بن يهودا، فخلا النّبيّ ﷺ ، بابن صوريّا " فذكر الحديث.
ووقع عند مسلم من حديث البراء: مرّ على النّبيّ ﷺ بيهوديٍّ محمّماً مجلوداً. فدعاهم فقال: هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ قالوا: نعم.
стр. 3235
وهذا يخالف الأوّل , من حيث إنّ فيه أنّهم ابتدءوا السّؤال قبل إقامة الحدّ، وفي هذا أنّهم أقاموا الحدّ قبل السّؤال.
ويمكن الجمع بالتّعدّد: بأن يكون الذين سألوا عنهما غير الذي جلدوه.
ويحتمل أن يكون: بادروا فجلدوه , ثمّ بدا لهم فسألوا فاتّفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك , فأمرهم بإحضارهما فوقع ما وقع والعلم عند الله.
ويؤيّد الجمع. ما وقع عند الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس , أنّ رهطاً من اليهود أتوا النّبيّ ﷺ , ومعهم امرأة , فقالوا: يا محمّد ما أنزل عليك في الزّنا.
فيتّجه أنّهم جلدوا الرّجل , ثمّ بدا لهم أن يسألوا عن الحكم , فأحضروا المرأة وذكروا القصّة والسّؤال.
ووقع في رواية عبيد الله العمريّ عن نافع عن ابن عمر عند مسلم " أنّ النّبيّ ﷺ أتي بيهوديٍّ ويهوديّة زنيا ". ونحوه في رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر في البخاري. ولفظه " أَحْدَثَا ".
وفي حديث عبد الله بن الحارث عند البزّار " أنّ اليهود أتوا بيهوديّين زنيا , وقد أحصنا ".
قوله: (ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟) قال الباجيّ:
يحتمل: أن يكون علم بالوحي , أنّ حكم الرّجم فيها ثابت على ما شرع , لَم يلحقه تبدّل.
стр. 3236
ويحتمل: أن يكون علم ذلك بإخبار عبد الله بن سلام وغيره , ممّن أسلم منهم على وجه حصل له به العلم بصحّة نقلهم.
ويحتمل: أن يكون إنّما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه , ثمّ يتعلم صحّة ذلك من قِبَل الله تعالى.
قوله: (فقالوا: نفضحهم) بفتح أوّله وثالثه من الفضيحة.
قوله: (ويجلدون) وقع بيان الفضيحة في رواية أيّوب عن نافع في البخاري بلفظ " قالوا: نسخّم وجوههما، ونخزيهما " وفي رواية عبيد الله (١) بن عمر " قالوا: نسوّد وجوههما ونحمّمهما ونخالف بين وجوههما. ويطاف بهما ".
وفي رواية عبد الله بن دينار " أنّ أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه , والتّجبيه " وفي حديث أبي هريرة " يحمّم ويجبّه ويجلد ".
وقوله " نحمّمهما " بمهملةٍ ثمّ ميم مثقلة , أي: نسكب عليهما الماء الحميم.
وقيل: نجعل في وجوههما الحمة بمهملة وميم خفيفة. أي: السّواد.
والتّجبيه , أن يحمل الزّانيان على حمار , وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما.
وجزم إبراهيم الحربيّ , بأنّ تفسير التّجبيه من قول الزّهريّ , فكأنّه
стр. 3237
أدرج في الخبر , لأنّ أصل الحديث من روايته.
وقال المنذريّ: يشبه أن يكون أصله الهمزة , وأنّه التّجبئة , وهي الرّدع والزّجر , يقال: جبّأته تجبيئاً. أي: ردعته.
والتّجبية أن ينكّس رأسه , فيحتمل: أن يكون من فعل به ذلك , ينكّس رأسه استحياء , فسمّي ذلك الفعل تجبية.
ويحتمل: أن يكون من الجبه وهو الاستقبال بالمكروه , وأصله من إصابة الجبهة , تقول جَبَهْته إذا أصبت جبهته كرأسته إذا أصبت رأسه.
وقال الفارابيّ: جبّ بفتح الجيم وتشديد الموحّدة , قام قيام الرّاكع , وهو عريان.
وقال الباجيّ: ظاهر الأمر , أنّهم قصدوا في جوابهم تحريف حكم التّوراة والكذب على النّبيّ , إمّا رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله , وإمّا لأنّهم قصدوا بتحكيمه التّخفيف عن الزّانيين , واعتقدوا أنّ ذلك يخرجهم عمّا وجب عليهم، أو قصدوا اختبار أمره، لأنّه من المقرّر أنّ من كان نبيّاً لا يقرّ على باطل، فظهر بتوفيق الله نبيّه كذبهم وصدقه , ولله الحمد.
قوله: (قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إنّ فيها الرّجم) رواية أيّوب وعبيد الله بن عمر " قال: فأتوا بالتّوراة، قال: فاتلوها إن كنتم صادقين ".
قوله: (فأتوا) بصيغة الفعل الماضي، وفي رواية أيّوب " فجاءوا "
стр. 3238
وزاد عبيد الله بن عمر " بها فقرءوها " وفي رواية زيد بن أسلم " فأتى بها فنزع الوسادة من تحته , فوضع التّوراة عليها , ثمّ قال: آمنت بك وبمن أنزلك ". (١)
وفي حديث البراء عند مسلم " فدعا رجلاً من علمائهم , فقال: أنشدك بالله وبمن أنزله " وفي حديث جابر عند أبي داود " فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم، فأتي بابن صوريّا ".
زاد الطّبريّ في حديث ابن عبّاس " ائتوني برجلين من علماء بني إسرائيل، فأتوه برجلين , أحدهما شابّ والآخر شيخ , قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ".
ولابن أبي حاتم من طريق مجاهد , أنّ اليهود استفتوا رسول الله ﷺ , في الزّانيين فأفتاهم بالرّجم فأنكروه، فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم , فناشدهم فكتموه , إلَّا رجلاً من أصاغرهم أعور فقال: كذبوك يا رسولَ الله في التّوراة ".
قوله: (فأَتَوا بالتّوراة فنشروها , فوضع أحدهم يده على آية الرّجم , فقرأ ما قبلها وما بعدها) ونحوه في رواية عبد الله بن دينار , وفي رواية عبيد الله بن عمر " فوضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرّجم , فقرأ ما بين يديها وما وراءها ".
وفي رواية أيّوب " فقالوا لرجلٍ ممّن يرضون: يا أعور اقرأ. فقرأ،
стр. 3239
حتّى انتهى إلى موضع منها , فوضع يده عليه ".
واسم هذا الرّجل عبد الله بن صوريّا كما تقدّم.
وقد وقع عند النّقّاش في " تفسيره " , أنّه أسلم، لكن ذكر مكّيّ في " تفسيره " , أنّه ارتدّ بعد أن أسلم، كذا ذكر القرطبيّ.
ثمّ وجدته عند الطّبريّ بالسّند المتقدّم في الحديث الماضي (١) أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا ناشده قال: يا رسولَ الله , إنّهم ليعلمون أنّك نبيّ مرسل , ولكنّهم يحسدونك " وقال في آخر الحديث " ثمّ كفر بعد ذلك ابن صوريّا , ونزلت فيه ﴿يا أيّها الرّسول لا يحزُنْك الذين يسارعون في الكفر﴾ الآية.
قوله: (فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا فيها آية الرّجم) في رواية عبد الله بن دينار " فإذا آية الرّجم تحت يده ".
ووقع في حديث البراء " فحدُّه الرّجم، ولكنّه كثر في أشرافنا , فكنّا إذا أخذنا الشّريف تركناه , وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشّريف والوضيع , فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم ".
ووقع بيان ما في التّوراة من آية الرّجم في رواية أبي هريرة " المحصن والمحصنة إذا زنيا , فقامت عليهما البيّنة رُجما، وإن كانت المرأة حُبلى , تربّص بها حتّى تضع ما في بطنها ".
وفي حديث جابر عند أبي داود " قالا: نجد في التّوراة إذا شهد
стр. 3240
أربعة أنّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما ".
زاد البزّار من هذا الوجه " فإن وجدوا الرّجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها أو على بطنها فهي ريبة وفيها عقوبة، قال: فما منعكما أن ترجموهما , قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل "
وفي حديث أبي هريرة " فما أوّل ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى ذو قرابة من الملك فأخّر عنه الرّجم، ثمّ زنى رجل شريف , فأرادوا رجمه , فحال قومه دونه , وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة ".
وفي حديث ابن عبّاس عند الطّبرانيّ " إنّا كنّا شببة , وكان في نسائنا حسن وجه , فكثر فينا , فلم يقم له , فصرنا نجلد " والله أعلم.
قوله: (فأمر بهما رسول الله ﷺ فرُجِما) زاد في حديث أبي هريرة " فقال النّبيّ ﷺ : فإنّي أحكم بما في التّوراة " وفي حديث البراء " اللهمّ إنّي أوّل من أحيي أمرك إذ أماتوه ".
ووقع في حديث جابر من الزّيادة أيضاً " فدعا رسول الله ﷺ بالشّهود، فجاء أربعة فشهدوا أنّهم رأوا ذكره في فرجها , مثل الميل في المكحلة، فأمر بهما فرجما ".
قوله: (فرأيت الرّجلَ يجنأ) وللبخاري " يحني " كذا في رواية أبي ذرّ عن السّرخسيّ. بالحاء المهملة بعدها نون مكسورة ثمّ تحتانيّة ساكنة.
وعن المستملي والكشميهنيّ بجيمٍ ونون مفتوحة ثمّ همزة، وهو
стр. 3241
الذي قال ابن دقيق العيد: إنّه الرّاجح في الرّواية.
وفي رواية أيّوب " يجانئ " بضمّ أوّله وجيم مهموز.
قال ابن القطّاع: جنأ على الشّيء حنا ظهره عليه.
وقال الأصمعيّ: أجنأ التّرس جعله مجنأً. أي: محدوباً.
وقال عياض: الصّحيح في هذا , ما قاله أبو عبيدة. يعني: بالجيم والهمز.
وقال ابن عبد البرّ: وقع في رواية يحيى بن يحيى كالسّرخسيّ. والصّواب " يحني " أي: يميل.
وجملة ما حصل لنا من الاختلاف في ضبط هذه اللفظة عشرة أوجه:
الأوّلان والثّالث: بضمّ أوّله والجيم وكسر النّون وبالهمزة.
الرّابع: كالأوّل. إلَّا أنّه بالموحّدة بدل النّون.
الخامس: كالثّاني. إلَّا أنّه بواوٍ بدل التّحتانيّة.
السّادس: كالأوّل. إلَّا أنّه بالجيم.
السّابع: بضمّ أوّله وفتح المهملة وتشديد النّون.
الثّامن: " يجاني " بالنّون.
التّاسع مثله , لكن بالحاء.
العاشر: مثله , لكنّه بالفاء بدل النّون وبالجيم أيضاً.
ورأيت في " الزّهريّات " للذّهليّ بخطّ الضّياء في هذا الحديث من طريق معمر عن الزّهريّ " يجافي " بجيمٍ وفاء بغير همز , وعلى الفاء
стр. 3242
صح صح.
قوله: (يقيها) بفتح أوّله ثمّ قاف تفسير لقوله " يحني " وفي رواية عبيد الله بن عمر " فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه " ولابن ماجه من هذا الوجه " يسترها ".
وفي حديث ابن عبّاس عند الطّبرانيّ " فلمّا وجد مسّ الحجارة , قام على صاحبته يحني عليها , يقيها الحجارة حتّى قتلا جميعاً , فكان ذلك ممّا صنع الله لرسوله في تحقيق الزّنا منهما ".
وفي هذا الحديث من الفوائد.
وجوب الحدّ على الكافر الذّمّيّ إذا زنى , وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشّافعيّة.
وقد ذهل ابن عبد البرّ , فنقل الاتّفاق على أنّ شرط الإحصان الموجب للرّجم الإسلام.
وردّ عليه بأنّ الشّافعيّة وأحمد لا يشترطان ذلك.
ويؤيّد مذهبهما , وقوع التّصريح بأنّ اليهوديّين اللذين رجما , كانا قد أحصنا كما تقدّم نقله.
وقال المالكيّة ومعظم الحنفيّة وربيعة شيخ مالك: شرط الإحصان الإسلام.
وأجابوا عن حديث الباب: بأنّه ﷺ إنّما رجمهما بحكم التّوراة , وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنّما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإنّ في التّوراة الرّجم على المحصن وغير
стр. 3243
المحصن.
قالوا: وكان ذلك أوّل دخول النّبيّ ﷺ المدينة، وكان مأموراً باتّباع حكم التّوراة والعمل بها حتّى ينسخ ذلك في شرعه، فرجَمَ اليهوديّين على ذلك الحكم، ثمّ نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم﴾ إلى قوله ﴿أو يجعل الله لهنّ سبيلاً﴾ ثمّ نسخ ذلك بالتّفرقة بين من أحصن ومن لَم يحصن كما تقدّم. انتهى
وفي دعوى الرّجم على من لَم يحصن نظرٌ، لِمَا تقدّم من رواية الطّبريّ وغيره.
وقال مالك: إنّما رجم اليهوديّين , لأنّ اليهود يومئذٍ لَم يكن لهم ذمّة فتحاكموا إليه.
وتعقّبه الطّحاويّ: بأنّه لو لَم يكن واجباً ما فعله، قال: وإذا أقام الحدّ على من لا ذمّة له , فلأن يقيمه على من له ذمّة أولى.
وقال المازريّ: يُعترض على جواب مالك بكونه رجم المرأة , وهو يقول: لا تقتل المرأة إلَّا إن أجاب ذلك كان قبل النّهي عن قتل النّساء.
وأيّد القرطبيّ أنّهما كانا حربيّين بما أخرجه الطّبريّ كما تقدّم، ولا حجّة فيه لأنّه منقطع.
قال القرطبيّ: ويُعكّر عليه أنَّ مجيئهم سائلين يوجب لهم عهداً , كما لو دخلوا لغرضٍ كتجارةٍ أو رسالة أو نحو ذلك , فإنّهم في أمان
стр. 3244
إلى أن يردّوا إلى مأمنهم.
قلت: ولَم ينفصل عن هذا إلَّا أن يقول: إنّ السّائل عن ذلك ليس هو صاحب الواقعة.
وقال النّوويّ: دعوى أنّهما كان حربيّين باطلةٌ بل كانا من أهل العهد.
كذا قال. وسلَّم بعض المالكيّة: أنّهما كانا من أهل العهد , واحتجّ بأنّ الحاكم مخيّر إذا تحاكم إليه أهل الذّمّة , بين أن يحكم فيهم بحكم الله , وبين أن يعرض عنهم على ظاهر الآية، فاختار ﷺ في هذه الواقعة أن يحكم بينهم.
وتعقّب: بأنّ ذلك لا يستقيم على مذهب مالك , لأنّ شرط الإحصان عنده الإسلام وهما كانا كافرين.
وانفصل ابن العربيّ عن ذلك , بأنّهما كانا محكّمين له في الظّاهر ومختبرين ما عنده في الباطن , هل هو نبيّ حقّ أو مسامح في الحقّ، وهذا لا يرفع الإشكال ولا يخلص عن الإيراد.
ثمّ قال ابن العربيّ: في الحديث أنّ الإسلام ليس شرطاً في الإحصان، والجواب بأنّه إنّما رجمهما لإقامة الحجّة على اليهود فيما حكّموه فيه من حكم التّوراة. فيه نظر، لأنّه كيف يقيم الحجّة عليهم بما لا يراه في شرعه. مع قوله ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾؟.
قال: وأجيب بأنّ سياق القصّة يقتضي ما قلناه، ومن ثَمّ استدعى شهودهم ليقيم الحجّة عليهم منهم.
стр. 3245
إلى أن قال: والحقّ أحقّ أن يتّبع , ولو جاءوني لحكمت عليهم بالرّجم , ولَم أعتبر الإسلام في الإحصان.
وقال ابن عبد البرّ: حدّ الزّاني حقّ من حقوق الله. وعلى الحاكم إقامته، وقد كان لليهود حاكم , وهو الذي حكم رسول الله ﷺ فيهما. وقول بعضهم: إنّ الزّانيين حكّماه دعوى مردودةٌ، واعترض بأنّ التّحكيم لا يكون إلَّا لغير الحاكم، وأمّا النّبيّ ﷺ فحكمه بطريق الولاية لا بطريق التّحكيم.
وأجاب الحنفيّة عن رجم اليهوديّين: بأنّه وقع بحكم التّوراة.
وردّه الخطّابيّ , لأنّ الله قال ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ وإنّما جاءه القوم سائلين عن الحكم عنده , كما دلَّت عليه الرّواية المذكورة , فأشار عليهم بما كتموه من حكم التّوراة، ولا جائز أن يكون حكم الإسلام عنده مخالفاً لذلك , لأنّه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدلَّ على أنّه إنّما حكم بالنّاسخ.
وأمّا قوله في حديث أبي هريرة: فإنّي أحكم بما في التّوراة. ففي سنده رجل مبهم، ومع ذلك , فلو ثبت لكان معناه لإقامة الحجّة عليهم، وهو موافق لشريعته.
قلت: ويؤيّده أنّ الرّجم جاء ناسخاً للجلد كما تقدّم تقريره، ولَم يقل أحدٌ: إنّ الرّجم شرع ثمّ نسخ بالجلد ثمّ نسخ الجلد بالرّجم، وإذا كان حكم الرّجم باقياً منذ شرع , فما حكم عليهما بالرّجم بمجرّد حكم التّوراة , بل بشرعه الذي استمرّ حكم التّوراة عليه , ولَم يقدّر
стр. 3246
أنّهم بدّلوه فيما بدّلوا.
وأمّا ما جاء من أنّ النّبيّ ﷺ رجمهما أوّل ما قدم المدينة. لقوله في بعض طرق القصّة " لَمَّا قدم النّبيّ ﷺ المدينة أتاه اليهود " (١).
فالجواب: أنّه لا يلزم من ذلك الفور، ففي بعض طرقه الصّحيحة كما تقدّم أنّهم تحاكموا إليه وهو في المسجد بين أصحابه، والمسجد لَم يكمل بناؤه إلَّا بعد مدّة من دخوله ﷺ المدينة فبطل الفور.
وأيضاً ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جزء أنّه حضر ذلك , وعبد الله إنّما قدم مع أبيه مسلماً بعد فتح مكّة، وقد تقدّم حديث ابن عبّاس , وفيه ما يشعر بأنّه شاهد ذلك.
وفيه. أنّ المرأة إذا أقيم عليها الحدّ تكون قاعدةً , هكذا استدل به الطّحاويّ، وقد تقدّم أنّهم اختلفوا في الحفر للمرجومة (٢)، فمن يرى أنّه يحفر لها , تكون في الغالب قاعدةً في الحفرة.
واختلافهم في إقامة الحدّ عليها قاعدةً أو قائمةً إنّما هو في الجلد، ففي الاستدلال بصورة الجلد على صورة الرّجم. نظر لا يخفى.
وفيه قبول شهادة أهل الذّمّة بعضهم على بعض، وزعم ابن العربيّ أنّ معنى قوله في حديث جابر " فدعا بالشّهود " أي: شهود الإسلام
стр. 3247
على اعترافهما، وقوله " فرجمهما بشهادة الشّهود " أي: البيّنة على اعترافهما.
وردّ هذا التّأويل: بقوله في نفس الحديث " إنّهم رأوا ذكَرَه في فرجها كالميل في المكحلة " وهو صريح في أنّ الشّهادة بالمشاهدة لا بالاعتراف.
وقال القرطبيّ: الجمهور على أنّ الكافر لا تقبل شهادته على مسلم , ولا على كافر لا في حدّ ولا في غيره , ولا فرق بين السّفر والحضر في ذلك، وقَبِلَ شهادتهم جماعةٌ من التّابعين وبعض الفقهاء , إذا لَم يوجد مسلم، واستثنى أحمد: حالة السّفر إذا لَم يوجد مسلم.
وأجاب القرطبيّ عن الجمهور عن واقعة اليهود: بأنّه ﷺ نفّذ عليهم ما علم أنّه حكم التّوراة , وألزمهم العمل به , إظهاراً لتحريفهم كتابهم وتغييرهم حكمه، أو كان ذلك خاصّاً بهذه الواقعة.
كذا قال، والثّاني مردود.
وقال النّوويّ: الظّاهر أنّه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر فلعل الشّهود كانوا مسلمين , وإلَّا فلا عبرة بشهادتهم، ويتعيّن أنّهما أقرّا بالزّنا.
قلت: لَم يثبت أنّهم كانوا مسلمين، ويحتمل: أن يكون الشّهود أخبروا بذلك , لسؤال بقيّة اليهود لهم , فسمع النّبيّ ﷺ كلامهم , ولَم يحكم فيهم إلَّا مستنداً لِمَا أطلعه الله تعالى , فحكم في ذلك بالوحي , وألزمهم الحجّة بينهم كما قال تعالى ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ وأنّ
стр. 3248
شهودهم شهدوا عليهم عند أحبارهم بما ذكر , فلمّا رفعوا الأمر إلى النّبيّ ﷺ استعلم القصّة على وجهها , فذكر كل من حضره من الرّواة ما حفظه في ذلك، ولَم يكن مستند حكم النّبيّ ﷺ إلَّا ما أطلعه الله عليه.
واستدل به بعض المالكيّة. على أنّ المجلود يجلد قائماً , إن كان رجلاً والمرأة قاعدةً , لقول ابن عمر: رأيت الرّجل يقيها الحجارة. فدلَّ على أنّه كان قائماً وهي قاعدة.
وتعقّب: بأنّه واقعة عين فلا دلالة فيه , على أنّ قيام الرّجل كان بطريق الحكم عليه بذلك.
واستُدل به على رجم المحصن. وقد تقدّم البحث فيه مستوفىً. (١)
وعلى الاقتصار على الرّجم , ولا يضمّ إليه الجلد.
وقد تقدّم الخلاف فيه.
كذا احتجّ به بعضهم، ولو احتجّ به لعكسه لكان أقرب , لأنّه في حديث البراء عند مسلم " أنّ الزّاني جلد أوّلاً ثمّ رُجم " كما تقدّم (٢). لكن يمكن الانفصال , بأنّ الجلد الذي وقع له , لَم يكن بحكم حاكم.
وفيه أنّ أنكحة الكفّار صحيحة , لأنّ ثبوت الإحصان فرع ثبوت
стр. 3249
صحّة النّكاح.
وفيه أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة، وفي أخذه من هذه القصّة بعدٌ.
وفيه أنّ اليهود كانوا يَنسُبون إلى التّوراة ما ليس فيها , ولو لَم يكن ممّا أقدموا على تبديله , وإلا لكان في الجواب حيدة عن السّؤال , لأنّه سأل عمّا يجدون في التّوراة , فعدلوا عن ذلك لِمَا يفعلونه , وأوهموا أنّ فعلهم موافق لِمَا في التّوراة , فأكذبهم عبد الله بن سلام.
وقد استدل به بعضهم على أنّهم لَم يسقطوا شيئاً من ألفاظها.
والاستدلال به لذلك غير واضحٍ , لاحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة فلا يدلّ على التّعميم.
وكذا من استدل به , على أنّ التّوراة التي أحضرت حينئذٍ كانت كلّها صحيحة سالمة من التّبديل , لأنّه يطرقه هذا الاحتمال بعينه , ولا يردّه قوله " آمنت بك وبمن أنزلك " , لأنّ المراد أصل التّوراة.
وفيه اكتفاء الحاكم بترجمانٍ واحد موثوق به.
واستُدل به على أنّ شرع من قبلنا شرع لنا , إذا ثبت ذلك لنا بدليل قرآن أو حديث صحيح , ما لَم يثبت نسخه بشريعة نبيّنا أو نبيّهم أو شريعتهم، وعلى هذا فيُحمل ما وقع في هذه القصّة , على أنّ النّبيّ ﷺ علم أنّ هذا الحكم لَم ينسخ من التّوراة أصلاً.
وفيه من علامات النّبوّة , من جهة أنّه أشار في الحديث إلى حكم التّوراة , وهو أمّيّ لَم يقرأ التّوراة قبل ذلك , فكان الأمر كما أشار إليه.
стр. 3250
تكميل: زاد البخاري في آخره , قال ابن عمر: فرُجما قريباً من حيث موضع الجنائز عند المسجد " وله أيضاً " فرُجِما عند البلاط " , والبلاط: وهو بفتح الموحّدة وفتح اللام. ما تفرش به الدّور من حجارة وآجرّ وغير ذلك.
والمراد بالبلاط هنا , موضع معروف عند باب المسجد النّبويّ كان مفروشاً بالبلاط.
ويؤيّد ذلك قوله في هذا المتن " فرُجِما عند البلاط ".
وقيل: المراد بالبلاط الأرض الصّلبة. سواء كانت مفروشة أم لا. ورجّحه بعضهم. والرّاجح خلافه.
قال أبو عبيد البكريّ: البلاط بالمدينة ما بين المسجد والسّوق.
وحكى ابن بطّال عن ابن حبيب. أنّ مصلَّى الجنائز بالمدينة , كان لاصقاً بمسجد النّبيّ ﷺ من ناحية جهة المشرق. انتهى.
فإن ثبت ما قال , وإلاّ فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المُصلَّى المتّخذ للعيدين والاستسقاء , لأنّه لَم يكن عند المسجد النّبويّ مكان يتهيّأ فيه الرّجم، وتقدّم في قصّة ماعز " فرجمناه بالمُصلَّى ". (١)
ودلَّ حديث ابن عمر المذكور , على أنّه كان للجنائز مكان معدّ للصّلاة عليها , فقد يستفاد منه أنّ ما وقع من الصّلاة على بعض الجنائز في المسجد , كان لأمرٍ عارض أو لبيان الجواز.
وفي " الموطّأ " عن عمّه أبي سهيل بن مالك بن أبي عامر عن أبيه:
стр. 3251
كنّا نسمع قراءة عمر بن الخطّاب , ونحن عند دار أبي جهم بالبلاط.
وقد استشكل ابن بطّال ترجمة البخاري " الرجم في البلاط " فقال: البلاط وغيره في ذلك سواء.
وأجاب ابن المنير: بأنّه أراد أن ينبّه على أنّ الرّجم لا يختصّ بمكانٍ معيّن للأمر بالرّجم بالمُصلَّى تارة وبالبلاط أخرى.
قال: ويحتمل أنّه أراد أن ينبّه على أنّه لا يشترط الحفر للمرجوم , لأنّ البلاط لا يتأتّى الحفر فيه.
وبهذا جزم ابن القيّم , وقال: أراد ردّ رواية بشير بن المهاجر عن ابن بريدة عن أبيه , أنّ النّبيّ ﷺ أمر , فحُفرتْ لماعز بن مالك حفرة فرجم فيها. أخرجه مسلم.
قال: هو وهمٌ سرى من قصّة الغامديّة إلى قصّة ماعز.
قلت: ويحتمل. أن يكون أراد أن ينبّه على أنّ المكان الذي يجاور المسجد لا يعطى حكم المسجد في الاحترام , لأنّ البلاط المشار إليه موضع كان مجاوراً للمسجد النّبويّ كما تقدّم.
ومع ذلك أمر بالرّجم عنده، وقد وقع في حديث ابن عبّاس عند أحمد والحاكم: أمر رسول الله ﷺ برجم اليهوديّين عند باب المسجد.
стр. 3252
الحديث السادس
٣٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: لو أنّ رجلاً , أو قال امرءاً اطّلع عليك بغير إذنك فخذَفْتَه بحصاةٍ، ففقأت عينه، ما كان عليك جناحٌ. (١)
قوله: (لو أنّ رجلاً , أو قال: امرءاً اطّلع) في رواية شعيب عن أبي الزناد عند البخاري " لو اطّلع في بيتك أحدٌ " الفاعل مؤخّر. وهو أحدٌ.
قوله: (بغير إذنك) احتراز ممّن اطّلع بإذنٍ. وفي رواية شعيب " ولَم تأذن له ".
قوله: (فخذفته) بالحاء المهملة , وكذا في رواية شعيب عند أبي ذرّ والقابسيّ وعند غيرهما , بالخاء المعجمة , وهو أوجه , لأنّ الرّمي بحصاةٍ أو نواة ونحوهما , إمّا بين الإبهام والسّبّابة , وإمّا بين السّبّابتين.
وجزم النّوويّ , بأنّه في مُسلم بالمعجمة.
وقال القرطبيّ: الرّواية بالمهملة خطأ , لأنّ في نفس الخبر أنّه الرّمي بالحصى وهو بالمعجمة جزماً.
стр. 3253
قلت: ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازاً.
قوله: (ففقأتَ عينه) بقافٍ ثمّ همزة ساكنة. أي: شققت عينه، قال ابن القطّاع: فقأ عينه أطفأ ضوأها.
قوله: (جناح) أي: إثم أو مؤاخذة. والمراد بالجناح هنا الحرج.
وقد أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن ابن عيينة عن أبي الزناد بلفظ " ما كان عليك من حرج " , ومن طريق ابن عجلان عن أبيه عن الزّهريّ عن أبي هريرة " ما كان عليك من ذلك من شيء ".
ووقع عند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ " من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم , فقد حلَّ لهم أن يفقئوا عينه " أخرجه من رواية أبي صالح عنه.
وفيه ردٌّ على من حمل الجناح هنا على الإثم، ورتّب على ذلك وجوب الدّية , إذ لا يلزم من رفع الإثم رفعها , لأنّ وجوب الدّية من خطاب الوضع.
ووجه الدّلالة. أنّ إثبات الحلّ يمنع ثبوت القصاص والدّية.
وورد من وجه آخر عن أبي هريرة أصرح من هذا , عند أحمد وابن أبي عاصم والنّسائيّ وصحّحه ابن حبّان والبيهقيّ كلّهم من رواية بشير بن نهيك عنه بلفظ " من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم , ففقئوا عينه , فلا دية ولا قصاص " وفي رواية من هذا الوجه " فهو هدر ".
واستُدل به.
وهو القول الأول. على جواز رمي من يتجسّس , ولو لَم يندفع
стр. 3254
بالشّيء الخفيف جاز بالثّقيل، وأنّه إن أصيبت نفسه أو بعضه فهو هدر.
القول الثاني: ذهب المالكيّة إلى القصاص , وأنّه لا يجوز قصد العين ولا غيرها، واعتلُّوا: بأنّ المعصية لا تدفع بالمعصية.
وأجاب الجمهور: بأنّ المأذون فيه إذا ثبت الإذن لا يسمّى معصية , وإن كان الفعل لو تجرّد عن هذا السّبب يعدّ معصيةً.
وقد اتّفقوا على جواز دفع الصّائل ولو أتى على نفس المدفوع، وهو بغير السّبب المذكور معصية فهذا ملحق به مع ثبوت النّصّ فيه.
وأجابوا عن الحديث: بأنّه ورد على سبيل التّغليظ والإرهاب، ووافق الجمهورَ منهم ابنُ نافع.
وقال يحيى بن عمر منهم: لعل مالكاً لَم يبلغه الخبر.
وقال القرطبيّ في " المفهم ": ما كان ﷺ بالذي يهمّ أن يفعل ما لا يجوز أو يؤدّي إلى ما لا يجوز (١)، والحمل على رفع الإثم لا يتمّ مع وجود النّصّ برفع الحرج , وليس مع النّصّ قياس.
واعتلَّ بعض المالكيّة أيضاً بالإجماع على أنّ من قصد النّظر إلى عورة الآخر ظاهر أنّ ذلك لا يبيح فقء عينه , ولا سقوط ضمانها عمّن فقأها , فكذا إذا كان المنظور في بيته وتجسّس النّاظر إلى ذلك.
стр. 3255
ونازع القرطبيّ في ثبوت هذا الإجماع , وقال: إنّ الخبر يتناول كلّ مطّلع.
قال: وإذا تناول المطّلع في البيت مع المظنّة فتناوله المحقّق أولى.
قلت: وفيه نظرٌ. لأنّ التّطلع إلى ما في داخل البيت لَم ينحصر في النّظر إلى شيء معيّن , كعورة الرّجل مثلاً , بل يشمل استكشاف الحريم , وما يقصد صاحب البيت ستره من الأمور التي لا يجب اطّلاع كلّ أحد عليها، ومن ثَمّ ثبت النّهي عن التّجسس والوعيد عليه حسماً لموادّ ذلك.
فلو ثبت الإجماع المدّعى لَم يستلزم ردّ هذا الحكم الخاصّ، ومن المعلوم أنّ العاقل يشتدّ عليه أنّ الأجنبيّ يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك , وكذا في حال ملاعبته أهله أشدّ ممّا رأى الأجنبيّ ذكره منكشفاً.
والذي ألزمه القرطبيّ صحيحٌ في حقّ من يروم النّظر فيدفعه المنظور إليه.
وفي وجه للشّافعيّة. لا يشرع في هذه الصّورة.
وهل يشترط الإنذار قبل الرّمي؟ وجهان، قيل: يشترط كدفع الصّائل، وأصحّهما: لا , لقوله في الحديث " يختله بذلك " (١).
стр. 3256
وفي حكم المتطلع من خلل الباب , النّاظر من كوّة من الدّار , وكذا من وقف في الشّارع فنظر إلى حريم غيره , أو إلى شيء في دار غيره.
وقيل: المنع مختصّ بمن كان في ملك المنظور إليه.
وهل يلحق الاستماع بالنّظر؟.
وجهان، الأصحّ. لا، لأنّ النّظر إلى العورة أشدّ من استماع ذكرها، وشرط القياس المساواة أو أولويّة المقيس. وهنا بالعكس.
واستدل به على اعتبار قدر ما يُرمى به , بحصى الخذف , لقوله في حديث الباب " فخذفته " فلو رماه بحجرٍ يقتل أو سهم تعلق به القصاص.
وفي وجه. لا ضمان مطلقاً , ولو لَم يندفع إلَّا بذلك جاز.
ويُستثنى من ذلك , من له في تلك الدّار زوج أو محرم أو متاع , فأراد الاطّلاع عليه فيمتنع رميه للشّبهة.
وقيل: لا فرق، وقيل: يجوز إن لَم يكن في الدّار غير حريمه , فإن كان فيها غيرهم أُنذر فإن انتهى وإلَّا جاز.
ولو لَم يكن في الدّار إلَّا رجل واحد , هو مالكها أو ساكنها , لَم يجز الرّمي قبل الإنذار إلَّا إن كان مكشوف العورة.
وقيل: يجوز مطلقاً , لأنّ من الأحوال ما يكره الاطّلاع عليه كما تقدّم.
ولو قصّر صاحب الدّار , بأن ترك الباب مفتوحاً , وكان النّاظر مجتازاً , فنظر غير قاصد لَم يجز، فإن تعمّد النّظر , فوجهان. أصحّهما.
стр. 3257
لا.
ويلتحق بهذا من نظَرَ من سطح بيته ففيه الخلاف.
وقد توسّع أصحاب الفروع في نظائر ذلك.
قال ابن دقيق العيد: وبعض تصرّفاتهم مأخوذة من إطلاق الخبر الوارد في ذلك، وبعضها من مقتضى فهم المقصود، وبعضها بالقياس على ذلك، والله أعلم.
تكميل: بوّب عليه البخاري " من أخذ حقّه أو اقتصّ دون السلطان " أي: من أخذ حقّه من غريمه , بغير حكم حاكم , أو اقتصّ إذا وجب له على أحد قصاص , في نفس أو طرف , هل يشترط أن يرفع أمره إلى الحاكم , أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم , وهو المراد بالسّلطان في التّرجمة؟.
قال ابن بطّال: اتّفق أئمّة الفتوى. على أنّه لا يجوز لأحدٍ أن يقتصّ من حقّه دون السّلطان.
قال: وإنّما اختلفوا , فيمن أقام الحدّ على عبده كما تقدّم تفصيله
قال: وأمّا أخذ الحقّ , فإنّه يجوز عندهم أن يأخذ حقّه من المال خاصّة , إذا جحده إيّاه ولا بيّنة عليه كما تقدّم (١).
ثمّ أجاب عن حديث الباب: بأنّه خرج على التّغليظ والزّجر عن الاطّلاع على عورات النّاس. انتهى.
стр. 3258
قلت: فأمّا من نقل الاتّفاق , فكأنّه استند فيه. إلى ما أخرجه إسماعيل القاضي في " نسخة أبي الزّناد " عن الفقهاء الذين ينتهي إلى قولهم , ومنه: لا ينبغي لأحدٍ أن يقيم شيئاً من الحدود دون السّلطان، إلَّا أنّ للرّجل أن يقيم حدّ الزّنا على عبده.
وهذا إنّما هو اتّفاق أهل المدينة في زمن أبي الزّناد.
وأمّا الجواب: فإن أراد أنّه لا يعمل بظاهر الخبر , فهو محلّ النّزاع.
стр. 3259
باب حد السرقة
قال الله تعالى: (والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما) كذا أطلق في الآية اليد , وأجمعوا على أنّ المراد اليمنى إن كانت موجودةً.
واختلفوا. فيما لو قطعت الشّمال عمداً أو خطأً , هل يجزئ؟.
وقدّم السّارق على السّارقة، وقدّمت الزّانية على الزّاني , لوجود السّرقة غالباً في الذّكوريّة , ولأنّ داعية الزّنا في الإناث أكثر، ولأنّ الأنثى سببٌ في وقوع الزّنا , إذ لا يتأتّى غالباً إلَّا بطواعيتها.
وقوله: بصيغة الجمع ثمّ التّثنية، إشارة إلى أنّ المراد جنس السّارق , فلُوحظ فيه المعنى فجمع، والتّثنية بالنّظر , إلى الجنسين المتلفّظ بهما.
والسّرقة. بفتح السّين وكسر الرّاء , ويجوز إسكانها , ويجوز كسر أوّله وسكون ثانيه: الأخذ خفيةً.
وعرّفت في الشّرع بأخذ شيءٍ خفيةً ليس للآخذ أخذه، ومن اشترط الحِرز , وهم الجمهور , زاد فيه من حرز مثله.
قال ابن بطّال: الحِرز مستفادٌ من معنى السّرقة يعني في اللغة، ويقال لسارق الإبل: الخارب بخاءٍ معجمةٍ، وللسّارق في المكيال , مطفّفٌ , وللسّارق في الميزان: مخسرٌ، في أشياء أخرى. ذكرها ابن خالويه في " كتاب ليس ".
قال المازريّ ومن تبعه: صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها , وخصّ السّرقة لقلة ما عداها بالنّسبة إليها من الانتهاب والغصب , ولسهولة إقامة البيّنة على ما عدا السّرقة بخلافها , وشدّد العقوبة فيها
стр. 3260
, ليكون أبلغ في الزّجر , ولَم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حمايةً لليد، ثمّ لَمَّا خانت هانت.
وفي ذلك إشارة إلى الشّبهة التي نسبت إلى أبي العلاء المعرّيّ. في قوله:
يدٌ بِخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قُطعت في ربع دينار؟
فأجابه القاسم عبد الوهّاب المالكيّ بقوله:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فافهم حكمة الباري
وشرْح ذلك. أنّ الدّية لو كانت ربع دينارٍ لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينارٍ لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطّرفين.
وقد عسر فهم المعنى المقدّم ذكره في الفرق بين السّرقة وبين النّهب ونحوه. على بعض منكري القياس.
فقال: القطع في السّرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى، فإنّ الغصب أكثر هتكاً للحرمة من السّرقة، فدلَّ على عدم اعتبار القياس , لأنّه إذا لَم يعمل به في الأعلى فلا يعمل به في المساوي.
وجوابه: أنّ الأدلة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لإيرادها.