الخمر ثمانين، وهذا معضلٌ.
وقد وصله النّسائيّ والطّحاويّ من طريق يحيى بن فليح عن ثور عن عكرمة عن ابن عبّاس مطوّلاً , ولفظه " أنّ الشّرّاب كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنّعال والعصا , حتّى توفّي فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم , فقال أبو بكرٍ: لو فرضنا لهم حدّاً , فتوخّى نحو ما كانوا يضربون في عهد النّبيّ ﷺ , فجلدهم أربعين حتّى توفّي، ثمّ كان عمر فجلدهم كذلك , حتّى أتي برجلٍ. فذكر قصّةً , وأنّه تأوّل قوله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناح فيما طعموا﴾ وأنّ ابن عبّاس ناظره في ذلك , واحتجّ ببقيّة الآية. وهو قوله تعالى ﴿إذا ما اتّقوا﴾ والذي يرتكب ما حرّمه الله ليس بمتّقٍ، فقال عمر: ما ترون؟ فقال عليّ: فذكره. وزاد بعد قوله. وإذا هذى افترى , وعلى المفتري ثمانون جلدةً فأمر به عمر فجلده ثمانين.
ولهذا الأثر عن عليّ طرقٌ أخرى.
منها: ما أخرجها الطّبرانيّ والطّحاويّ والبيهقيّ من طريق أسامة بن زيد عن الزّهريّ عن حميد بن عبد الرّحمن , أنّ رجلاً من بني كلب يقال له ابن دبرة , أخبره , أنّ أبا بكر كان يجلد في الخمر أربعين , وكان عمر يجلد فيها أربعين، قال: فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر , فقلت: إنّ النّاس قد انهمكوا في الخمر , واستخفّوا العقوبة، فقال عمر لمن حوله: ما ترون؟ قال: ووجدت عنده عليّاً وطلحة والزّبير وعبد
стр. 3327
الرّحمن بن عوفٍ في المسجد، فقال عليّ .. فذكر مثل رواية ثور الموصولة.
ومنها: ما أخرجه عبد الرّزّاق عن معمر عن أيّوب عن عكرمة , أنّ عمر شاور النّاس في الخمر , فقال له عليّ: إنّ السّكران إذا سكر هذى. الحديث.
ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي عبد الرّحمن السّلميّ عن عليّ قال: شرب نفرٌ من أهل الشّام الخمر , وتأوّلوا الآية المذكورة , فاستشار عمر فيهم فقلت: أرى أن تستتيبهم , فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين , وإلَّا ضربتُ أعناقهم , لأنّهم استحلّوا ما حرّم الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين.
وأخرج أبو داود والنّسائيّ من حديث عبد الرّحمن بن أزهر في قصّة الشّارب الذي ضربه النّبيّ ﷺ بحنينٍ. وفيه: فلمّا كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد: أنّ النّاس قد انهمكوا في الشّرب وتحاقروا العقوبة، قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين، وقال عليٌّ. فذكر مثله
وأخرج عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ ومعمر عن ابن شهاب قال: فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطاً , وفرض فيها عمر ثمانين.
قال الطّحاويّ: جاءت الأخبار متواترة عن عليّ , أنّ النّبيّ ﷺ لَم يسنّ في الخمر شيئاً، ويؤيّده ذكر الأحاديث التي ليس فيها تقييدٌ بعددٍ
стр. 3328
حديث أبي هريرة وحديث عقبة بن الحارث (١) وحديث عبد الرّحمن بن أزهر , أنّ النّبيّ ﷺ أتي برجلٍ قد شرب الخمر , فقال للنّاس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنّعال , ومنهم من ضربه بالعصا , ومنهم من ضربه بالجريد، ثمّ أخذ رسول الله ﷺ تراباً فرمى به في وجه.
وتعقّب: بأنّه قد ورد في بعض طرقه ما يخالف قوله , وهو ما عند أبي داود والنّسائيّ في هذا الحديث " ثمّ أتي أبو بكرٍ بسكران فتوخّى الذي كان من ضربهم عند رسول الله ﷺ فضربه أربعين، ثمّ أتي عمر بسكران فضربه أربعين ".
فإنّه يدلّ على أنّه - وإن لَم يكن في الخبر تنصيصٌ على عددٍ معيّنٍ - ففيما اعتمده أبو بكرٍ حجّةٌ على ذلك.
ويؤيّده ما أخرجه مسلم من طريق حضين - بمهملةٍ وضادٍ معجمةٍ مصغّر - ابن المنذر , أنّ عثمان أَمَرَ عليّاً بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده فجلده، فلمّا بلغ أربعين قال: أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين , وجلد أبو بكرٍ أربعين وجلد عمر ثمانين وكلٌّ سنّةٌ، وهذا أحبّ إليّ.
فإنّ فيه الجزم بأنّ النّبيّ ﷺ جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلَّا بعض الرّوايات الماضية عن أنسٍ ففيها " نحو الأربعين ".
стр. 3329
والجمع بينها: أنّ عليّاً أطلق الأربعين فهو حجّة على من ذكرها بلفظ التّقريب.
وادّعى الطّحاويّ. أنّ رواية أبي ساسان (١) هذه ضعيفة لمخالفتها الآثار المذكورة، ولأنّ راويها عبد الله بن فيروز المعروف بالدّاناج - بنونٍ وجيمٍ - ضعيفٌ.
وتعقّبه البيهقيّ: بأنّه حديث صحيح مخرّج في المسانيد والسّنن، وأنّ التّرمذيّ سأل البخاريّ عنه فقوّاه، وقد صحّحه مسلمٌ , وتلقّاه النّاس بالقبول.
وقال ابن عبد البرّ: إنّه أثبت شيءٍ في هذا الباب.
قال البيهقيّ: وصحّة الحديث إنّما تعرف بثقة رجاله، وقد عرفهم حفّاظ الحديث وقبلوهم، وتضعيفه الدّاناج لا يقبل , لأنّ الجرح بعد ثبوت التّعديل لا يقبل إلَّا مفسّراً، ومخالفة الرّاوي غيره في بعض ألفاظ الحديث لا تقتضي تضعيفه , ولا سيّما مع ظهور الجمع.
قلت: وثّق الدّاناجَ المذكور أبو زرعة والنّسائيّ، وقد ثبت عن عليٍّ في هذه القصّة من وجهٍ آخر , أنّه جلد الوليد أربعين.
ثمّ ساقه (٢) من طريق هشام بن يوسف عن معمرٍ , وقال: أخرجه البخاريّ.
стр. 3330
وهو كما قال، وقد أخرجه في مناقب عثمان , قال فيه " إنّه جلد ثمانين ". وفي رواية معمرٍ " فجلد الوليد أربعين جلدةً " وهذه الرّواية أصحّ من رواية يونس , والوهم فيه من الرّاوي عنه. شبيب بن سعيدٍ.
وطعن الطّحاويّ ومن تبعه في رواية أبي ساسان أيضاً , بأنّ عليّاً قال: وهذا أحبّ إليّ. أي: جلد أربعين , مع أنّ عليّاً جلد النّجاشيّ الشّاعر في خلافته ثمانين، وبأنّ ابن أبي شيبة أخرج من وجه آخر عن عليٍّ , أنّ حدّ النّبيذ ثمانون.
والجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنّه لا تصحّ أسانيد شيء من ذلك عن عليٍّ.
الثّاني: على تقدير ثبوته , فإنّه يجوز أنّ ذلك يختلف بحال الشّارب، وأنّ حدّ الخمر لا ينقص عن الأربعين , ولا يزاد على الثّمانين، والحجّة إنّما هي في جزمه بأنّه ﷺ جلد أربعين.
وقد جمع الطّحاويّ بينهما: بما أخرجه هو والطّبريّ من طريق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين , أنّ عليّاً جلد الوليد بسوطٍ له طرفان.
وأخرج الطّحاويّ أيضاً من طريق عروة مثله , لكن قال. له ذنبان , أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان.
قال الطّحاويّ: ففي هذا الحديث , أنّ عليّاً جلده ثمانين , لأنّ كلّ سوط سوطان.
وتعقّب: بأنّ السّند الأوّل منقطعٌ , فإنّ أبا جعفر ولد بعد موت
стр. 3331
عليّ بأكثر من عشرين سنةً، وبأنّ الثّاني في سنده ابن لهيعة , وهو ضعيفٌ , وعروة لَم يكن في الوقت المذكور مميّزاً , وعلى تقدير ثبوته فليس في الطّريقين , أنّ الطّرفين أصاباه في كل ضربةٍ.
وقال البيهقيّ: يحتمل أن يكون ضربه بالطّرفين عشرين , فأراد بالأربعين ما اجتمع من عشرين وعشرين، ويوضّح ذلك قوله في بقيّة الخبر " وكلٌّ سنّةٌ , وهذا أحبّ إليّ " لأنّه لا يقتضي التّغاير، والتّأويل المذكور يقتضي أن يكون كلٌّ من الفريقين جلد ثمانين فلا يبقى هناك عدد يقع التّفاضل فيه.
وأمّا دعوى من زعم أنّ المراد بقوله " هذا " الإشارة إلى الثّمانين , فيلزم من ذلك أن يكون عليٌّ رجّح ما فعل عمر , على ما فعل النّبيّ ﷺ وأبو بكر , وهذا لا يظنّ به قاله البيهقيّ.
واستدل الطّحاويّ لضعف حديث أبي ساسان. بما تقدّم ذكره من قول عليّ " إنّه إذا سكر هذى إلخ ".
قال: فلمّا اعتمد عليٌّ في ذلك على ضرب المثل , واستخرج الحدّ بطريق الاستنباط , دلَّ على أنّه لا توقيف عنده من الشّارع في ذلك، فيكون جزمه بأنّ النّبيّ ﷺ جلد أربعين غلطاً من الرّاوي، إذ لو كان عنده الحديث المرفوع لَم يعدل عنه إلى القياس، ولو كان عند من بحضرته من الصّحابة كعمر وسائر من ذكر في ذلك شيءٌ مرفوعٌ لأنكروا عليه.
وتُعقّب: بأنّه إنّما يتّجه الإنكار لو كان المنزع واحداً , فأمّا مع
стр. 3332
الاختلاف فلا يتّجه الإنكار، وبيان ذلك. أنّ في سياق القصّة ما يقتضي أنّهم كانوا يعرفون أنّ الحدّ أربعون , وإنّما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع يزيد على ما كان مقرّراً.
ويشير إلى ذلك ما وقع من التّصريح في بعض طرقه , أنّهم احتقروا العقوبة وانهمكوا , فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى الحدّ المذكور قدرَه , إمّا اجتهاداً , بناءً على جواز دخول القياس في الحدود فيكون الكلّ حدّاً، أو استنبطوا من النّصّ معنىً يقتضي الزّيادة في الحدّ لا النّقصان منه، أو القدر الذي زادوه كان على سبيل التّعزير تحذيراً وتخويفاً، لأنّ من احتقر العقوبة إذا عرف أنّها غلظت في حقّه كان أقرب إلى ارتداعه.
فيحتمل: أن يكونوا ارتدعوا بذلك , ورجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك , فرأى عليّ الرّجوع إلى الحدّ المنصوص , وأعرض عن الزّيادة لانتفاء سببها.
ويحتمل: أن يكون القدر الزّائد كان عندهم خاصّاً بمن تمرّد وظهرت منه أمارات الاشتهار بالفجور.
ويدلّ على ذلك أنّ في بعض طرق حديث الزّهريّ عن حميد بن عبد الرّحمن عند الدّارقطنيّ وغيره: فكان عمر إذا أتي بالرّجل الضّعيف تكون منه الزّلة جلده أربعين. قال: وكذلك عثمان جلد أربعين وثمانين.
وقال المازريّ: لو فهم الصّحابة أنّ النّبيّ ﷺ حدّ في الخمر حدّاً
стр. 3333
معيّناً , لَمَا قالوا فيه بالرّأي كما لَم يقولوا بالرّأي في غيره، فلعلهم فهموا أنّه ضرب فيه باجتهاده في حقّ من ضربه. انتهى.
وقد وقع التّصريح بالحدّ المعلوم فوجب المصير إليه , ورجح القول بأنّ الذي اجتهدوا فيه زيادةً على الحدّ إنّما هو التّعزير , على القول بأنّهم اجتهدوا في الحدّ المعيّن لِمَا يلزم منه من المخالفة التي ذكرها. كما سبق في تقريره.
وقد أخرج عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ أنبأنا عطاء , أنّه سمع عبيد بن عمير يقول: كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم، فلمّا كان عمر فعل ذلك حتّى خشي فجعله أربعين سوطاً، فلمّا رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطاً , وقال: هذا أخفّ الحدود.
والجمع بين حديث عليّ المصرّح بأنّ النّبيّ ﷺ جلد أربعين وأنّه سنّةٌ , وبين حديثه في البخاري , أنّ النّبيّ ﷺ لَم يسنّه. (١)
بأن يُحمل النّفي على أنّه لَم يحدّ الثّمانين , أي: لَم يسنّ شيئاً زائداً على الأربعين.
يؤيّده قوله " وإنّما هو شيءٌ صنعناه نحن " يشير إلى ما أشار به على عمر، وعلى هذا فقوله " لو مات لوديته ". أي: في الأربعين الزّائدة , وبذلك جزم البيهقيّ وابن حزم.
стр. 3334
ويحتمل: أن يكون قوله " لَم يسنّه " أي: الثّمانين , لقوله في الرّواية الأخرى " وإنّما هو شيء صنعناه " فكأنّه خافَ من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقاً، واختصّ هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك , واستدل له , ثمّ ظهر له أنّ الوقوف عندما كان الأمر عليه أوّلاً أولى , فرجع إلى ترجيحه , وأخبر بأنّه لو أقام الحدّ ثمانين فمات المضروب وداه للعلة المذكورة.
ويحتمل: أن يكون الضّمير في قوله " لَم يسنّه " لصفة الضّرب وكونها بسوط الجلد. أي: لَم يسنّ الجلد بالسّوط , وإنّما كان يضرب فيه بالنّعال وغيرها ممّا تقدّم ذكره. أشار إلى ذلك البيهقيّ.
وقال ابن حزم أيضاً: لو جاء عن غير عليٍّ من الصّحابة في حكم واحد أنّه مسنونٌ وأنّه غير مسنونٍ , لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر فضلاً عن عليٍّ مع سعة علمه وقوّة فهمه، وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد (١) وخبر أبي ساسان. فخبر أبي ساسان أولى بالقبول , لأنّه مصرّحٌ فيه برفع الحديث عن عليٍّ , وخبر عمير موقوف على عليّ، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدّم المرفوع.
وأمّا دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة , والجمع أولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصّحيحة.
وعلى تقدير أن تكون إحدى الرّوايتين وهماً , فرواية الإثبات مقدّمةٌ على رواية النّفي، وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ
стр. 3335
النّقلة عن قتادة , وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التّعارض فحديث أنس سالمٌ من ذلك.
واستدل بصنيع عمر في جلد شارب الخمر ثمانين.
وهو القول الأول. على أنّ حدّ الخمر ثمانون , وهو قول الأئمّة الثّلاثة وأحد القولين للشّافعيّ واختاره ابن المنذر.
القول الثاني: وهو القول الآخر للشّافعيّ. وهو الصّحيح أنّه أربعون.
قلت: جاء عن أحمد كالمذهبين.
قال القاضي عياض: أجمعوا على وجوب الحدّ في الخمر , واختلفوا في تقديره، فذهب الجمهور إلى الثّمانين. وقال الشّافعيّ في المشهور عنه , وأحمد في رواية وأبو ثور وداود: أربعين.
وتبعه على نقل الإجماع ابن دقيق العيد والنّوويّ ومن تبعهما.
وتُعقّب: بأنّ الطّبريّ وابن المنذر وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أنّ الخمر لا حدّ فيها , وإنّما فيها التّعزير.
واستدلّوا بأحاديث الباب (١) فإنّها ساكتة عن تعيين عدد الضّرب , وأصرحها حديث أنسٍ , ولَم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطّرق عنه.
وقد قال عبد الرّزّاق: أنبأنا ابن جريجٍ ومعمر. سئل ابن شهاب:
стр. 3336
كم جلد رسول الله ﷺ في الخمر؟ فقال: لَم يكن فرض فيها حدّاً، كان يأمر من حضره , أن يضربوه بأيديهم ونعالهم , حتّى يقول لهم: ارفعوا.
وورد أنّه لَم يضربه أصلاً , وذلك فيما أخرجه أبو داود والنّسائيّ بسندٍ قويٍّ عن ابن عبّاس , أنّ رسول الله ﷺ لَم يوقّت في الخمر حدّاً، قال ابن عبّاس: وشرب رجلٌ فسَكِر , فانطلق به إلى النّبيّ ﷺ , فلمّا حاذى دار العبّاس انفلت , فدخل على العبّاس فالتزمه , فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فضحك , ولَم يأمر فيه بشيءٍ.
وأخرج الطّبريّ من وجه آخر عن ابن عبّاس: ما ضرب رسول الله ﷺ في الخمر إلَّا أخيراً، ولقد غزا تبوك , فغشى حجرته من الليل سكرانٌ , فقال: ليقم إليه رجلٌ فيأخذ بيده حتّى يردّه إلى رحله.
والجواب: أنّ الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحدّ , لأنّ أبا بكر تحرّى ما كان النّبيّ ﷺ ضرب السّكران , فصيّره حدّاً واستمرّ عليه، وكذا استمرّ من بعده وإن اختلفوا في العدد.
وجمع القرطبيّ بين الأخبار: بأنّه لَم يكن أوّلاً في شرب الخمر حدٌّ , وعلى ذلك يحمل حديث ابن عبّاس في الذي استجار بالعبّاس، ثمّ شرع فيه التّعزيز على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثمّ شرع الحدّ , ولَم يطّلع أكثرهم على تعيينه صريحاً مع اعتقادهم أنّ فيه الحدّ المعيّن، ومن ثَمّ توخّى أبو بكرٍ ما فعل بحضرة النّبيّ ﷺ فاستقرّ عليه الأمر، ثمّ رأى عمر ومن وافقه الزّيادة على الأربعين إمّا حدّاً
стр. 3337
بطريق الاستنباط وإمّا تعزيراً.
قلت: وبقي ما ورد في الحديث , أنّه إن شرب فحدّ ثلاث مرّات , ثمّ شرب قتل في الرّابعة , وفي رواية في الخامسة. وهو حديثٌ مخرّجٌ في السّنن من عدّة طرق أسانيدها قويّةٌ.
ونقل التّرمذيّ الإجماع على ترك القتل. وهو محمولٌ على من بعد من نقل غيرُه عنه القول به , كعبد الله بن عمرو فيما أخرجه أحمد. والحسن البصريّ وبعض أهل الظّاهر.
وبالغ النّوويّ فقال: كلّ قولٍ باطل مخالفٌ لإجماع الصّحابة فمن بعدهم , والحديث الوارد فيه منسوخٌ , إمّا بحديث " لا يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاث " وإمّا لأنّ الإجماع دلَّ على نسخه.
قلت: بل دليل النّسخ منصوص , وهو ما أخرجه أبو داود من طريق الزّهريّ عن قبيصة في هذه القصّة قال: فأتي برجلٍ قد شرب فجلده، ثمّ أتي به قد شرب فجلده، ثمّ أتي به فجلده , ثمّ أتي به فجلده , فرفع القتل , وكانت رخصةً. (١)
واحتجّ مَن قال: إنّ حدّه ثمانون , بالإجماع في عهد عمر , حيث وافقه على ذلك كبار الصّحابة.
وتعقّب: بأنّ عليّاً أشار على عمر بذلك , ثمّ رجع عليّ عن ذلك
стр. 3338
واقتصر على الأربعين , لأنّها القدر الذي اتّفقوا عليه , وفي زمن أبي بكرٍ , مستندين إلى تقدير ما فعل بحضرة النّبيّ ﷺ , وأمّا الذي أشار به فقد تبيّن من سياق قصّته أنّه أشار بذلك ردعاً للذين انهمكوا , لأنّ في بعض طرق القصّة كما تقدّم أنّهم احتقروا العقوبة.
وبهذا تمسّك الشّافعيّة فقالوا: أقلّ ما في حدّ الخمر أربعون , وتجوز الزّيادة فيه إلى الثّمانين على سبيل التّعزير , ولا يجاوز الثّمانين.
واستندوا إلى أنّ التّعزير إلى رأي الإمام , فرأى عمر فعله بموافقة عليٍّ , ثمّ رجع عليّ ووقف عند ما فعله النّبيّ ﷺ وأبو بكر , ووافقه عثمان على ذلك.
وأمّا قول عليّ " وكلٌّ سنّةٌ " فمعناه أنّ الاقتصار على الأربعين سنّة النّبيّ ﷺ فصار إليه أبو بكر، والوصول إلى الثّمانين سنّة عمر ردعاً للشّاربين الذين احتقروا العقوبة الأولى , ووافقه من ذكر في زمانه للمعنى الذي تقدّم. وسوّغ لهم ذلك.
إمّا اعتقادهم جواز القياس في الحدود. على رأي من يجعل الجميع حدّاً.
وإمّا أنّهم جعلوا الزّيادة تعزيراً بناء على جواز أن يبلغ بالتّعزير قدر الحدّ , ولعلهم لَم يبلغهم الخبر الآتي في باب التّعزير (١).
وقد تمسّك بذلك مَن قال بجواز القياس في الحدود , وادّعى إجماع الصّحابة، وهي دعوى ضعيفةٌ لقيام الاحتمال.
стр. 3339
وقد شنّع ابن حزم على الحنفيّة في قولهم: إنّ القياس لا يدخل في الحدود والكفّارات مع جزم الطّحاويّ ومن وافقه منهم بأنّ حدّ الخمر وقع بالقياس على حدّ القذف، وبه تمسّك مَن قال بالجواز من المالكيّة والشّافعيّة.
واحتجّ من منع ذلك: بأنّ الحدود والكفّارات شرعت بحسب المصالح، وقد تشترك أشياء مختلفة , وتختلف أشياء متساوية. فلا سبيل إلى علم ذلك إلَّا بالنّصّ.
وأجابوا عمّا وقع في زمن عمر: بأنّه لا يلزم من كونه جلد قدر حدّ القذف أن يكون جعل الجميع حدّاً , بل الذي فعلوه محمولٌ على أنّهم لَم يبلغهم أنّ النّبيّ ﷺ حدّ فيه أربعين , إذ لو بلغهم لَمَا جاوزوه كما لَم يجاوزوا غيره من الحدود المنصوصة، وقد اتّفقوا على أنّه لا يجوز أن يستنبط من النّصّ معنىً يعود عليه بالإبطال , فرجح أنّ الزّيادة كانت تعزيراً.
ويؤيّده ما أخرجه أبو عبيد في " غريب الحديث " بسندٍ صحيحٍ عن أبي رافع بن عمر , أنّه أتي بشاربٍ , فقال لمطيع بن الأسود: إذا أصبحت غداً فاضربه، فجاء عمر فوجده يضربه ضرباً شديداً , فقال: كم ضربته؟ قال: ستّين. قال: اقتصّ عنه بعشرين.
قال أبو عبيد: يعني اجعل شدّة ضربك له قصاصاً بالعشرين التي بقيت من الثّمانين.
قال أبو عبيد: فيؤخذ من هذا الحديث. أنّ ضرب الشّارب لا
стр. 3340
يكون شديداً , وأن لا يضرب في حال السّكر. لقوله " إذا أصبحت فاضربه ".
قال البيهقيّ: ويؤخذ منه أنّ الزّيادة على الأربعين ليست بحدٍّ , إذ لو كانت حدّاً لَما جاز النّقص منه بشدّة الضّرب إذ لا قائل به.
وقال صاحب " المفهم " ما ملخّصه بعد أن ساق الأحاديث الماضية: هذا كلّه يدلّ على أنّ الذي وقع في عهد النّبيّ ﷺ كان أدباً وتعزيراً، ولذلك قال عليٌّ: فإنّ النّبيّ ﷺ لَم يسنّه، فلذلك ساغ للصّحابة الاجتهاد فيه , فألحقوه بأخفّ الحدود، وهذا قول طائفةٍ من علمائنا.
ويرد عليهم قول عليٍّ: جلد النّبيّ ﷺ أربعين. وكذا وقوع الأربعين في عهد أبي بكر وفي خلافة عمر أوّلاً أيضاً ثمّ في خلافة عثمان، فلولا أنّه حدٌّ لاختلف التّقدير، ويؤيّده قيام الإجماع على أنّ في الخمر الحدّ , وإن وقع الاختلاف في الأربعين والثّمانين.
قال: والجواب. أنّ النّقل عن الصّحابة اختلف في التّحديد والتّقدير، ولا بدّ من الجمع بين مختلف أقوالهم، وطريقه أنّهم فهموا أنّ الذي وقع في زمنه ﷺ كان أدباً من أصل ما شاهدوه من اختلاف الحال، فلمّا كثر الإقدام على الشّرب ألحقوه بأخفّ الحدود المذكورة في القرآن، وقوّى ذلك عندهم وجود الافتراء من السّكر فأثبتوها حدّاً، ولهذا أطلق عليٌّ , أنّ عمر جلد ثمانين , وهي سنّةٌ , ثمّ ظهر لعليٍّ أنّ الاقتصار على الأربعين أولى مخافة أن يموت فتجب فيه الدّية ,
стр. 3341
ومراده بذلك الثّمانون.
وبهذا يجمع بين قوله " لَم يسنّه " وبين تصريحه بأنّه ﷺ جلد أربعين.
قال: وغاية هذا البحث. أنّ الضّرب في الخمر تعزيرٌ يمنع من الزّيادة على غايته وهي مختلفٌ فيها.
قال: وحاصل ما وقع من استنباط الصّحابة , أنّهم أقاموا السّكر مقام القذف , لأنّه لا يخلو عنه غالباً فأعطوه حكمه، وهو من أقوى حجج القائلين بالقياس، فقد اشتهرت هذه القصّة , ولَم ينكرها في ذلك الزّمان منكرٌ.
قال: وقد اعترض بعض أهل النّظر. بأنّه إن ساغ إلحاق حدّ السّكر بحدّ القذف , فليحكم له بحكم الزّنا والقتل , لأنّهما مظنّته , وليقتصروا في الثّمانين على من سكر لا على من اقتصر على الشّرب , ولَم يسكر.
قال: وجوابه. أنّ المظنّة موجودةٌ غالباً في القذف نادرةٌ في الزّنا والقتل، والوجود يحقّق ذلك، وإنّما أقاموا الحدّ على الشّارب وإن لَم يسكر مبالغةً في الرّدع , لأنّ القليل يدعو إلى الكثير , والكثير يسكر غالباً وهو المظنّة.
ويؤيّده أنّهم اتّفقوا على إقامة الحدّ في الزّنا بمجرّد الإيلاج , وإن لَم يتلذّذ ولا أنزل ولا أكمل.
قلت: والذي تحصّل لنا من الآراء في حدّ الخمر ستّة أقوالٍ:
القول الأوّل: أنّ النّبيّ ﷺ لَم يجعل فيها حدّاً معلوماً , بل كان
стр. 3342
يقتصر في ضرب الشّارب على ما يليق به.
قال ابن المنذر: قال بعض أهل العلم: أتي النّبيّ ﷺ بسكران فأمرهم بضربه وتبكيته، فدلَّ على أن لا حدّ في السّكر, بل فيه التّنكيل والتّبكيت , ولو كان ذلك على سبيل الحدّ لبيّنه بياناً واضحاً.
قال: فلمّا كثر الشّرّاب في عهد عمر استشار الصّحابة، ولو كان عندهم عن النّبيّ ﷺ شيءٌ محدودٌ لَما تجاوزوه كما لَم يتجاوزوا حدّ القذف , ولو كثر القاذفون وبالغوا في الفحش، فلمّا اقتضى رأيهم أن يجعلوه كحدّ القذف، واستدل عليٌّ بما ذكر من أنّ في تعاطيه ما يؤدّي إلى وجود القذف غالباً أو إلى ما يشبه القذف، ثمّ رجع إلى الوقوف عند تقدير ما وقع في زمن النّبيّ ﷺ ، دلَّ على صحّة ما قلناه، لأنّ الرّوايات في التّحديد بأربعين اختلفت عن أنس , وكذا عن عليّ , فالأولى أن لا يتجاوزوا أقل ما ورد أنّ النّبيّ ﷺ ضربه , لأنّه المحقّقُ سواء كان ذلك حدّاً أو تعزيراً.
القول الثّاني: أنّ الحدّ فيه أربعون , ولا تجوز الزّيادة عليها.
القول الثّالث: مثله , لكن للإمام أن يبلغ به ثمانين، وهل تكون الزّيادة من تمام الحدّ أو تعزيراً؟. قولان.
القول الرّابع: أنّه ثمانون , ولا تجوز الزّيادة عليها.
القول الخامس: كذلك , وتجوز الزّيادة تعزيراً.
وعلى الأقوال كلّها , هل يتعيّن الجلد بالسّوط , أو يتعيّن بما عداه , أو يجوز بكلٍّ من ذلك؟. أقوالٌ.
стр. 3343
القول السّادس: إن شرب فجلد ثلاث مرّاتٍ فعاد الرّابعة وجب قتله، وقيل: إن شرب أربعاً فعاد الخامسة وجب قتله.
وهذا السّادس في الطّرف الأبعد من القول الأوّل. وكلاهما شاذٌّ.
وأظنّ الأوّل رأي البخاريّ , فإنّه لَم يترجم بالعدد أصلاً , ولا أخرج في العدد الصّريح شيئاً مرفوعاً.
وتمسّك مَن قال لا يزاد على الأربعين: بأنّ أبا بكرٍ تحرّى ما كان في زمن النّبيّ ﷺ فوجده أربعين فعمل به. ولا يعلم له في زمنه مخالفٌ، فإن كان السّكوت إجماعاً. فهذا الإجماع سابقٌ على ما وقع في عهد عمر , والتّمسّك به أولى , لأنّ مستنده فعل النّبيّ ﷺ , ومن ثَمَّ رجع إليه عليٌّ ففعله في زمن عثمان بحضرته وبحضرة من كان عنده من الصّحابة , منهم عبد الله بن جعفر الذي باشر ذلك والحسن بن عليّ، فإن كان السّكوت إجماعاً فهذا هو الأخير فينبغي ترجيحه.
وتمسّك مَن قال بجواز الزّيادة: بما صنع في عهد عمر من الزّيادة.
ومنهم من أجاب عن الأربعين: بأنّ المضروب كان عبداً , وهو بعيدٌ فاحتمل الأمرين: أن يكون حدّاً أو تعزيراً.
وتمسّك مَن قال بجواز الزّيادة على الثّمانين تعزيراً: بما أخرجه سعيد بن منصورٍ والبغويّ في الجعديّات , أنّ عمر حدّ الشّارب في رمضان , ثمّ نفاه إلى الشّام. وبما أخرجه ابن أبي شيبة , أنّ عليّاً جلد النّجاشيّ الشّاعر ثمانين , ثمّ أصبح فجلده عشرين بجراءته بالشّرب في رمضان.
стр. 3344
وتقدّم الكلام في جواز الجمع بين الحدّ والتّعزير. في الكلام على تغريب الزّاني. (١)
وتمسّك مَن قال يقتل في الرّابعة أو الخامسة: بما أخرجه الشّافعيّ في " رواية حرملة عنه " وأبو داود وأحمد والنّسائيّ والدّارميّ وابن المنذر وصحّحه ابن حبّان كلّهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن أبي هريرة رفعه: إذا سكر فاجلدوه، ثمّ إذا سكر فاجلدوه، ثمّ إذا سكر فاجلده، ثمّ إذا سكر فاقتلوه. ولبعضهم. فاضربوا عنقه.
وقد استقرّ الإجماع على ثبوت حدّ الخمر , وأن لَّا قتل فيه (٢) واستمرّ الاختلاف في الأربعين والثّمانين، وذلك خاصٌّ بالحرّ المسلم.
وأمّا الذّمّيّ. فلا يحدّ فيه، وعن أحمد رواية: أنّه يحدّ.
وعنه: إن سكر. والصّحيح عندهم كالجمهور.
وأمّا من هو في الرّقّ , فهو على النّصف من ذلك إلَّا عند أبي ثور وأكثر أهل الظّاهر , فقالوا: الحرّ والعبد في ذلك سواءٌ , لا ينقص عن الأربعين. نقله ابن عبد البرّ وغيره عنهم.
وخالفهم ابن حزم , فوافق الجمهور.
стр. 3345
الحديث الحادي عشر
٣٦٠ - عن أبي بُرْدة هانىء بن نيار البلويّ الأنصاريّ ﵁ , أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يُجلد فوق عشرة أسواطٍ، إلَّا في حدٍّ من حدود الله. (١)
قوله: (عن أبي بردة) في رواية علي بن إسماعيل بن حماد عن عمرو بن علي - شيخ البخاري فيه - بسنده إلى عبد الرحمن بن جابر قال: حدَّثني رجلٌ من الأنصار، قال أبو حفص - يعني عمرو بن علي المذكور -: هو أبو بردة بن نيار. أخرجه أبو نعيم.
وفي رواية عمرو بن الحارث حدثني عبد الرحمن بن جابر , أنَّ أباه حدَّثه , أنه سمع أبا بردة الأنصاري.
ووقع في الطريق الثانية (٢) من رواية فضيل بن سليمان عن مسلم بن أبي مريم. حدثني عبد الرحمن بن جابر عمن سمع النبي ﷺ .
وقد سَمَّاه حفص بن ميسرة - وهو أوثق من فضيل بن سليمان -
стр. 3346
فقال فيه: عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه. أخرجه الإسماعيلي.
قلت: قد رواه يحيى بن أيوب عن مسلم بن أبي مريم مثل رواية فضيل. أخرجه أبو نعيم في " المستخرج ".
قال الإسماعيلي: ورواه إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عن رجلٍ من الأنصار.
قلت: وهذا لا يعيِّن أحد التفسيرين، فإن كُلاًّ من جابر وأبي بردة أنصاريٌ.
قال الإسماعيلي: لم يُدخلِ الليثُ عن يزيد بين عبد الرحمن وأبي بردة أحداً , وقد وافقه سعيد بن أيوب عن يزيد. ثم ساقه من روايته كذلك.
وحاصل الاختلاف. هل هو عن صحابي مُبهم أو مُسمَّى؟ الراجح الثاني. ثم الراجح أنه أبو بردة بن نيار.
وهل بين عبد الرحمن وأبي بردة واسطة. وهو جابر أو لا؟ الراجح الثاني أيضاً.
وقد ذكر الدارقطني في " العلل " الاختلاف ثم قال: القول قول الليث ومن تابعه، وخالف ذلك في جميع التتبع. فقال: القول قول عمرو بن الحارث , وقد تابعه أسامة بن زيد.
قلت: ولم يقدح هذا الاختلاف عن الشيخين في صحة الحديث
стр. 3347
فإنه كيفما دار يدور على ثقة.
ويحتمل: أن يكون عبد الرحمن وقع له فيه ما وقع لبكير بن الأشج في تحديث عبد الرحمن بن جابر لسليمان بحضرة بكير , ثم تحديث سليمان بكيراً به عن عبد الرحمن.
أو أنَّ عبد الرحمن سمع أبا بردة لَمَّا حدَّث به أباه , وثبَّته فيه أبوه فحدَّث به تارة بواسطة أبيه , وتارة بغير واسطة.
وادعى الأصيلي (١) أنَّ الحديثَ مضطربٌ فلا يحتج به لاضطرابه.
وتعقب: بأنَّ عبد الرحمن ثقة فقد صرَّح بسماعه، وإبهام الصحابي لا يضر، وقد اتفق الشيخان على تصحيحه , وهما العمدة في التصحيح.
وقد وجدتُ له شاهداً بسند قوي , لكنه مرسل. أخرجه الحارث بن أبي أسامة من رواية عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام رفعه: لا يَحلُّ أن يُجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حدٍّ.
وله شاهد آخر عن أبي هريرة عند ابن ماجه. ستأتي الإشارة إليه.
قوله: (هانىء بن نيار) وهو بكسر النون وتخفيف الياء المثناة من تحت وآخره راء. (٢)
قوله: (لا يُجلد) بضمّ أوّله بصيغة النّفي، ولبعضهم بالجزم، ويؤيّده ما وقع في البخاري بصيغة النّهي " لا تجلدوا ".
стр. 3348
قوله: (فوق عشرة أسواط) وللبخاري " فوق عشر جلدات " وفي رواية له أيضاً " لا عقوبة فوق عشر ضربات ".
قوله: (إلَّا في حدّ من حدود الله) ظاهره أنّ المراد بالحدّ ما ورد فيه من الشّارع عددٌ من الجلد أو الضّرب مخصوص أو عقوبة مخصوصة.
والمتّفق عليه من ذلك الزّنا والسّرقة وشرب المسكر والحرابة والقذف بالزّنا والقتل والقصاص في النّفس والأطراف والقتل في الارتداد، واختلف في تسمية الأخيرين حدّاً.
واختلف في أشياء كثيرة يستحقّ مرتكبها العقوبة , هل تُسمّى عقوبته حدّاً أو لا؟.
وهي جحد العارية واللواط وإتيان البهيمة وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها والسّحاق وأكل الدّم والميتة - في حال الاختيار - ولحم الخنزير، وكذا السّحر والقذف بشرب الخمر وترك الصّلاة تكاسلاً والفطر في رمضان والتّعريض بالزّنا.
وذهب بعضهم. إلى أنّ المراد بالحدّ في حديث الباب حقّ الله.
قال ابن دقيق العيد: بلغني أنّ بعض العصريّين قرّر هذا المعنى بأنّ تخصيص الحدّ بالمقدّرات المقدّم ذكرها أمرٌ اصطلاحيّ من الفقهاء، وأنّ عرف الشّرع أوّل الأمر كان يطلق الحدّ على كلّ معصية كبرت أو صغرت.
وتعقّبه ابن دقيق العيد , أنّه خروج عن الظّاهر ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه.
стр. 3349
قال: ويردّ عليه. أنّا إذا أجزنا في كلّ حقّ من حقوق الله أن يزاد على العشر لَم يبق لنا شيء يختصّ المنع به، لأنّ ما عدا الحرمات التي لا يجوز فيها الزّيادة هو ما ليس بمحرّمٍ، وأصل التّعزير أنّه لا يشرع فيما ليس بمحرّمٍ فلا يبقى لخصوص الزّيادة معنىً.
قلت: والعصريّ المشار إليه أظنّه ابن تيميّة.
وقد تقلَّد صاحبه ابن القيّم المقالة المذكورة , فقال: الصّواب في الجواب. أنّ المراد بالحدود هنا الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقوله ﴿ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظّالمون﴾ وفي أخرى ﴿فقد ظلم نفسه﴾ وقال ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ وقال ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً﴾.
قال: فلا يزاد على العشر في التّأديبات التي لا تتعلق بمعصيةٍ كتأديب الأب ولده الصّغير.
قلت: ويحتمل أن يفرّق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه وهو المستثنى في الأصل، وما لَم يرد فيه تقدير.
فإن كان كبيرة جازت الزّيادة فيه , وأطلق عليه اسم الحدّ كما في الآيات المشار إليها والتحق بالمستثنى. وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزّيادة.
فهذا يدفع إيراد الشّيخ تقيّ الدّين على العصريّ المذكور - إن كان ذلك مراده - وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة بالتّعزير بلفظ: لا تعزّروا فوق عشرة أسواط.
стр. 3350
وقد اختلف السّلف في مدلول هذا الحديث.
القول الأول: أخذ بظاهره الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشّافعيّة.
القول الثاني: قال مالك والشّافعيّ وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزّيادة على العشر. ثمّ اختلفوا.
فقال الشّافعيّ: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحدّ الحرّ أو العبد؟. قولان، وفي قول أو وجه يستنبط: كلّ تعزير من جنس حدّه ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعيّ " لا يبلغ به الحدّ ". ولَم يفصّل.
وقال الباقون: هو إلى رأي الإمام بالغاً ما بلغ. وهو اختيار أبي ثور، وعن عمر , أنّه كتب إلى أبي موسى: لا تجلد في التّعزير أكثر من عشرين. وعن عثمان: ثلاثين , وعن عمر: أنّه بلغ بالسّوط مائة , وكذا عن ابن مسعود.
وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يعزّر إلَّا من تكرّر منه، ومن وقع منه مرّة واحدة معصيةٌ لا حدّ فيها فلا يعزّر.
وعن أبي حنيفة: لا يبلغ أربعين، وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف: لا يزاد على خمس وتسعين جلدة، وفي رواية عن مالك وأبي يوسف. لا يبلغ ثمانين.
وأجابوا عن الحديث بأجوبةٍ:
الأول: ما تقدّم.
стр. 3351
الثاني: قصره على الجلد , وأمّا الضّرب بالعصا مثلاً وباليد فتجوز الزّيادة , لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الإصطخريّ من الشّافعيّة , وكأنّه لَم يقف على الرّواية الواردة بلفظ الضّرب.
الثالث: أنّه منسوخ. دلَّ على نسخه إجماع الصّحابة.
وردّ: بأنّه قال به بعض التّابعين , وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار.
الرابع: معارضة الحديث بما هو أقوى منه , وهو الإجماع على أنّ التّعزير يخالف الحدود , وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها فيصير مثل الحدّ، وبالإجماع على أنّ التّعزير موكولٌ إلى رأي الإمام فيما يرجع إلى التّشديد والتّخفيف لا من حيث العدد , لأنّ التّعزير شرع للرّدع , ففي النّاس من يردعه الكلام , ومنهم من لا يردعه الضّرب الشّديد، فلذلك كان تعزيرُ كلِّ أحدٍ بحسبه.
وتعقّب: بأنّ الحدّ لا يزاد فيه، ولا ينقص فاختلفا، وبأنّ التّخفيف والتّشديد مسلمٌ , لكن مع مراعاة العدد المذكور , وبأنّ الرّدع لا يراعى في الأفراد , بدليل أنّ من النّاس من لا يردعه الحدّ، ومع ذلك لا يجمع عندهم بين الحدّ والتّعزير، فلو نظر إلى كل فردٍ لقيل بالزّيادة على الحدّ , أو الجمع بين الحدّ والتّعزير.
ونقل القرطبيّ: أنّ الجمهور قالوا بما دلَّ عليه حديث الباب.
وعكسه النّوويّ , وهو المعتمد , فإنّه لا يعرف القول به عن أحد من الصّحابة.
стр. 3352
واعتذر الدّاوديّ فقال: لَم يبلغ مالكاً هذا الحديث , فكان يرى العقوبة بقدر الذّنب، وهو يقتضي. أنّه لو بلغه ما عدل عنه , فيجب على من بلغه أن يأخذ به.
стр. 3353
فتح السلام شرح عمدة الأحكام
للحافظ ابن حجر العسقلاني
«مأخوذ من كتابه فتح الباري»
جمعه وهذبه وحققه
أبو محمد: عبد السلام بن محمد العامر
[المجلد السابع]
«كتاب الأيمان والنذور والأطعمة والأضاحي والأشربة واللباس والجهاد والعتق»
стр. 3354
كتاب الأيمان والنذور
الأيمان: بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللّغة اليد.
وأطلقت على الحلف , لأنّهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه.
وقيل: لأنّ اليد اليمنى من شأنها حفظ الشّيء , فسمّي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسُمّي المحلوف عليه يميناً لتلبّسه بها.
ويجمع اليمين أيضاً على أيمن كرغيفٍ وأرغف.
وعُرّفت شرعاً , بأنّها توكيد الشّيء بذكر اسم أو صفة لله , وهذا أخصر التّعاريف وأقربها.
والنّذور جمع نذر , وأصله الإنذار بمعنى التّخويف.
وعرّفه الرّاغب: بأنّه إيجاب ما ليس بواجبٍ لحدوث أمرٍ.
стр. 3355
الحديث الأول
٣٦١ - عن عبد الرحمن بن سَمُرة ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسألِ الإمارة، فإنك إنْ أُعطيتها عن مسألةٍ وُكلت إليها، وإنْ أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعنتَ عليها، وإذا حلفت على يمينٍ، فرأيتَ غيرها خيراً منها، فكفّر عن يَمينك، وائتِ الذي هو خيرٌ. (١)
قوله: (عن عبد الرحمن بنِ سمرةَ ﵁) في رواية إبراهيم بن صدقة عن يونس بن عبيد عن الحسن " وكان غزا معه كابُلَ شتوة أو شتوتين " (٢) أخرجه أبو عوانة في " صحيحه ".
وكذا للطبراني من طريق أبي حمزة إسحاق بن الربيع عن الحسن , لكن بلفظ: غزونا مع عبد الرحمن بن سمرة. وأخرجه أيضاً من طريق علي بن زيد عن الحسن حدثني عبد الرحمن بن سمرة. ومن طريق المبارك بن فضالة عن الحسن حدثنا عبد الرحمن.
وقد خرج طرقَه الحافظ عبد القادر الرهاوي في " الأربعين البلدانية " له عن سبعة وعشرين نفساً من الرواة عن الحسن.
ثم قال: رواه عن الحسن العدد الكثير من أهل مكة والمدينة
стр. 3356
والبصرة والكوفة والشام. ولعلهم يزيدون على الخمسين، ثم خرَّج طرقَه الحافظُ يوسف بن خليل عن أكثر من ستين نفساً عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة.
وسرد الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله بن منده في " تذكرته " أسماء مَن رواه عن الحسن فبلغوا مائة وثمانين نفساً وزيادة. ثم قال: رواه عن النبي ﷺ مع عبد الرحمن بن سمرة. عبد الله بن عمرو وأبو موسى وأبو الدرداء وأبو هريرة وأنس وعدي بن حاتم وعائشة وأم سلمة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري وعمران بن حصين. انتهى.
ولَمَّا أخرج الترمذي حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: وفي الباب. فذكر الثمانية المذكورين أولاً , وأهمل خمسة.
واستدركهم شيخنا في شرح الترمذي إلَّا ابن مسعود وابن عمر , وزاد: معاوية بن الحكم وعوف بن مالك الجشمي - والد أبي الأحوص - وأُذينة - والد عبد الرحمن - فكملوا ستةَ عشر نفساً.
قلت: أحاديث المذكورين كلها فيما يتعلق باليمين، وليس في حديث أحد منهم " لا تسأل الإمارة ".
ولم يذكر ابن منده , أنَّ أحداً رواه عن عبد الرحمن بن سمرة غير الحسن , لكن ذكر عبد القادر , أنَّ محمد بن سيرين رواه عن عبد الرحمن. ثم أسند من طريق أبي عامر الخراز عن الحسن وابن سيرين , أنَّ النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة. الحديث.
стр. 3357
وقال: غريبٌ ما كتبته إلا من هذا الوجه، والمحفوظ رواية الحسن عن عبد الرحمن. انتهى.
وهذا - مع ما في سنده من ضعف - ليس فيه التصريح برواية ابن سيرين عن عبد الرحمن، وأخرجه يوسف بن خليل الحافظ من رواية عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الرحمن بن سمرة. أورده من " المعجم الأوسط " للطبراني، وهو في ترجمة محمد بن علي المروزي بسنده إلى عكرمة قال: كان اسم عبد الرحمن بن سمرة عبد كلوب فسمَّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن فمرَّ به، وهو يتوضأ فقال: تعال يا عبد الرحمن لا تطلب الإمارة. الحديث.
وهذا لم يصرِّح فيه عكرمة بأنه حمله عن عبد الرحمن , لكنه محتمل.
قال الطبراني: لم يروه عن عكرمة إلا عبد الرحمن بن كيسان، ولا عنه إلا ابنه إسحاق تفرد به أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب.
قلت: عبد الله بن كيسان ضعفه أبو حاتم الرازي، وابنه إسحاق لينه أبو أحمد الحاكم.
قوله: (يا عبد الرحمن بن سمرة) يعني ابن حبيب بن عبد شمس بن عبد منافٍ، وقيل: بين حبيب وعبد شمس ربيعة.
وكنية عبد الرّحمن أبو سعيد، وهو من مسلمة الفتح.
وقيل: كان اسمه قبل الإسلام عبد كلالٍ بضمّ أوّله والتّخفيف (١).
وقد شهد فتوح العراق , وكان فتح سجستان على يديه، أرسله
стр. 3358
عبد الله بن عامر أمير البصرة لعثمان على السّريّة ففتحها وفتح غيرها.
وقال ابن سعد: مات سنة خمسين , وقيل بعدها بسنةٍ، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث.
قوله: (لا تسأل) هذا الذي في أكثر طرق الحديث. ووقع في رواية يونس بن عبيد (١) عن الحسن لفظ " لا تتمنّينّ " بصيغة النّهي عن التّمنّي مؤكّداً بالنّون الثّقيلة، والنّهي عن التّمنّي أبلغ من النّهي عن الطّلب.
قوله: (الإمارة) بكسر الهمزة. أي: الولاية
قوله: (عن مسألة) أي: سؤالٍ.
قوله: (وُكلت إليها) بضمّ الواو وكسر الكاف مخفّفاً ومشدّداً وسكون اللام، ومعنى المخفّف. أي: صرف إليها , ومن وُكل إلى نفسه هلك، ومنه في الدّعاء " ولا تكلني إلى نفسي " (٢). ووكل أمره
стр. 3359
إلى فلان صرفه إليه. ووكّله بالتّشديد: استحفظه.
ومعنى الحديث. أنّ من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه. ويستفاد منه أنّ طلب ما يتعلق بالحكم مكروه , فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك , وأنّ من حرص على ذلك لا يعان.
ويعارضه في الظّاهر ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه: من طلب قضاء المسلمين حتّى يناله , ثمّ غلب عدلُه جورَه فله الجنّة، ومن غلب جوره عدله فله النّار.
والجمع بينهما: أنّه لا يلزم من كونه لا يُعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولي , أو يحمل الطّلب هنا على القصد , وهناك على التّولية.
وقد روى البخاري من حديث أبي موسى: " إنّا لا نولِّي من حرص ". ولذلك عبّر في مقابله بالإعانة، فإنّ من لَم يكن له من الله عون على عمله لا يكون فيه كفاية لذلك العمل فلا ينبغي أن يجاب سؤاله.
ومن المعلوم أنّ ولايةً لا تخلو من المشقّة، فمن لَم يكن له من الله إعانة تورّط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه، فمن كان ذا عقل لَم
стр. 3360
يتعرّض للطّلب أصلاً، بل إذا كان كافياً وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصّادق بالإعانة، ولا يخفى ما في ذلك من الفضل.
قال المُهلَّب (١): جاء تفسير الإعانة عليها في حديث بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس رفعه: من طلب القضاء واستعان عليه بالشّفعاء وُكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدّده. أخرجه ابن المنذر.
قلت: وكذا أخرجه التّرمذيّ من طريق أبي عوانة عن عبد الأعلى الثّعلبيّ، وأخرجه هو وأبو داود وابن ماجه من طريق أبي عوانة , ومن طريق إسرائيل عن عبد الأعلى. فأسقط خيثمةَ من السّند.
قال التّرمذيّ: ورواية أبي عوانة أصحّ.
وقال في رواية أبي عوانة: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل. وصحَّحه.
وتُعقّب: بأنّ ابن معين ليّن خيثمةَ , وضعّف عبدَ الأعلى، وكذا قال الجمهور في عبد الأعلى: ليس بقويٍّ.
قال المُهلَّب: وفي معنى الإكراه عليه أن يُدعى إليه فلا يرى نفسه أهلاً لذلك هيبةً له وخوفاً من الوقوع في المحذور , فإنّه يعان عليه إذا دخل فيه، ويسدّد؛ والأصل فيه أنّ من تواضع لله رفعه الله.
وقال ابن التّين (٢): هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف
стр. 3361
﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ وقال سليمان ﴿وهبْ لي مُلكاً﴾.
قال: ويحتمل: أن يكون في غير الأنبياء.
قوله: (وإذا حلفت على يمينٍ) سيأتي توجيهه إن شاء الله في الكلام على حديث أبي موسى قريباً في قوله " لا أحلف على يمين ".
وقد اختلف فيما تضمّنه حديث عبد الرّحمن بن سمرة , هل لأحد الْحُكمين تعلّقٌ بالآخر أو لا؟.
فقيل: له به تعلّقٌ، وذلك أنّ أحد الشّقّين أن يعطى الإمارة من غير مسألة , فقد لا يكون له فيها أربٌ فيمتنع فيلزم فيحلف , فأمر أن ينظر ثمّ يفعل الذي هو أولى , فإن كان في الجانب الذي حلف على تركه فيحنث ويكفّر، ويأتي مثله في الشّقّ الآخر.
قوله: (فرأيتَ غيرَها) أي: غير المحلوف عليه، وظاهر الكلام عود الضّمير على اليمين، ولا يصحّ عوده على اليمين بمعناها الحقيقيّ , بل بمعناها المجازيّ، والمراد بالرّؤية هنا الاعتقاديّة لا البصريّة.
قال عياض (١): معناه إذا ظهر له أنّ الفعل أو التّرك خيرٌ له في دنياه أو آخرته , أو أوفق لمراده وشهوته ما لَم يكن إثماً.
قلت: وقد وقع عند مسلم في حديث عديّ بن حاتم " فرأى غيرها أتقى لله , فليأت التّقوى ". وهو يشعر بقصر ذلك على ما فيه طاعةٌ.
وينقسم المأمور به أربعة أقسامٍ , إن كان المحلوف عليه فعلاً فكان
стр. 3362
التّرك أولى، أو كان المحلوف عليه تركاً فكان الفعل أولى، أو كان كلّ منهما فعلاً وتركاً , لكن يدخل القسمان الأخيران في القسمين الأوّلين؛ لأنّ من لازم فعل أحد الشّيئين أو تركه ترك الآخر أو فعله.
قوله: (فكفّر عن يَمينك، وائت الذي هو خيرٌ) هكذا للكثير منهم , وللبخاري " فأت الذي هو خيرٌ وكفّر عن يمينك " هكذا وقع للأكثر. وسأذكر من رواه بلفظ " ثمّ ائت الذي هو خير ".
ووقع في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند أبي داود " فرأى غيرها خيراً منها فليدعها , وليأت الذي هو خير , فإنّ كفّارتها تركها ".
فأشار أبو داود إلى ضعفه , وقال: الأحاديث كلّها فليكفّر عن يمينه إلَّا شيئاً لا يعبأ به. انتهى
كأنّه يشير إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: من حلف فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير فهو كفّارته. ويحيى ضعيفٌ جدّاً. (١)
وقد وقع في حديث عديّ بن حاتم عند مسلم ما يُوهم ذلك، وأنّه أخرجه بلفظ " من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خيرٌ. وليترك يمينه ". هكذا أخرجه من وجهين. ولَم يذكر
стр. 3363
الكفّارة، ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ " فرأى خيراً منها فليكفّرها , وليأت الذي هو خير ".
ومداره في الطّرق كلّها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عديّ، والذي زاد ذلك حافظٌ فهو المعتمد.
قال الشّافعيّ: في الأمر بالكفّارة مع تعمّد الحنث دلالة على مشروعيّة الكفّارة في اليمين الغموس؛ لأنّها يمين حانثة.
واستدل به على أنّ الحالف يجب عليه فعل أيّ الأمرين كان أولى من المضيّ في حلفه أو الحنث والكفّارة.
وانفصل عنه مَن قال: إنّ الأمر فيه للنّدب بما في الصحيحين في قصّة الأعرابيّ الذي قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص , فقال: أفلح إنْ صدق. فلم يأمره بالحنث والكفّارة , مع أنّ حلفه على ترك الزّيادة مرجوح بالنّسبة إلى فعلها.
قال ابن المنذر: رأى ربيعة والأوزاعيّ ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرّأي أنّ الكفّارة تجزئ قبل الحنث. إلَّا أنّ الشّافعيّ استثنى الصّيام , فقال: لا يجزئ إلَّا بعد الحنث.
وقال أصحاب الرّأي: لا تجزئ الكفّارة قبل الحنث.
قلت: ونقل الباجيّ عن مالك وغيره روايتين، واستثنى بعضهم عن مالك الصّدقة والعتق، ووافق الحنفيّة أشهب من المالكيّة وداود الظّاهريّ , وخالفه ابن حزم.
واحتجّ لهم الطّحاويّ: بقوله تعالى ﴿ذلك كفّارة أيمانكم إذا
стр. 3364
حلفتم﴾ فإذاً المراد إذا حلفتم فحنثتم.
وردّه مخالفوه فقالوا: بل التّقدير فأردتم الحنث، وأولى من ذلك أن يقال: التّقدير أعمّ من ذلك، فليس أحد التّقديرين بأولى من الآخر.
واحتجّوا أيضاً: بأنّ ظاهر الآية أنّ الكفّارة وجبت بنفس اليمين.
وردّه من أجاز: بأنّها لو كانت بنفس اليمين لَم تسقط عمّن لَم يحنث اتّفاقاً.
واحتجّوا أيضاً: بأنّ الكفّارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوّعٌ، فلا يقوم التّطوّع مقام الفرض.
وانفصل عنه من أجاز: بأنّه يشترط إرادة الحنث، وإلاَّ فلا يجزئ كما في تقديم الزّكاة.
وقال عياض: اتّفقوا على أنّ الكفّارة لا تجب إلَّا بالحنث، وأنّه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبّ مالكٌ والشّافعيّ والأوزاعيّ والثّوريّ تأخيرها بعد الحنث.
قال عياض: ومنع بعض المالكيّة تقديم كفّارة حنث المعصية؛ لأنّ فيه إعانة على المعصية، وردّه الجمهور.
قال ابن المنذر: واحتجّ للجمهور بأنّ اختلاف ألفاظ حديثي أبي موسى وعبد الرّحمن لا يدلّ على تعيين أحد الأمرين، وإنّما أمرَ الحالفَ بأمرين فإذا أتى بهما جميعاً فقد فعل ما أمر به، وإذا لَم يدلّ الخبر على المنع فلم يبق إلَّا طريق النّظر، فاحتجّ للجمهور بأنّ عقد اليمين لَمَّا كان يحلّه الاستثناء، وهو كلام فلأن تحله الكفّارة، وهو
стр. 3365
فعلٌ ماليٌّ أو بدنيٌّ أولى، ويرجّح قولهم أيضاً بالكثرة.
وذكر أبو الحسن بن القصّار وتبعه عياض وجماعة: أنّ عدّة مَن قال بجواز تقديم الكفّارة , أربعة عشر صحابيّاً وتبعهم فقهاء الأمصار إلَّا أبا حنيفة، مع أنّه قال فيمن أخرج ظبيةً من الحرم إلى الحلّ فولدت أولاداً ثمّ ماتت في يده هي وأولادها: أنّ عليه جزاءها وجزاء أولادها، لكن إن كان حين إخراجها أدّى جزاءها لَم يكن عليه في أولادها شيءٌ , مع أنّ الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل أن تلد أولادها فيحتاج إلى الفرق، بل الجواز في كفّارة اليمين أولى.
وقال ابن حزم: أجاز الحنفيّة تعجيل الزّكاة قبل الحول وتقديم زكاة الزّرع، وأجازوا تقديم كفّارة القتل قبل موت المجنيّ عليه.
واحتجّ للشّافعيّ: بأنّ الصّيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصّلاة والصّيام، بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنّها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزّكاة.
ولفظ الشّافعيّ في " الأمّ ": إن كفّر بالإطعام قبل الحنث رجوت أن يجزئ عنه، وأمّا الصّوم فلا , لأنّ حقوق المال يجوز تقديمها بخلاف العبادات فإنّها لا تقدّم على وقتها كالصّلاة والصّوم، وكذا لو حجّ الصّغير والعبد لا يجزئ عنهما إذا بلغ أو عتق.
وقال في موضع آخر: من حلف فأراد أن يحنث فأحبُّ إليّ أن لا يكفّر حتّى يحنث فإن كفّر قبل الحنث أجزأ، وساق نحوه مبسوطاً.
وادّعى الطّحاويّ: أنّ إلحاق الكفّارة بالكفّارة أولى من إلحاق