﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ وقال سليمان ﴿وهبْ لي مُلكاً﴾.
قال: ويحتمل: أن يكون في غير الأنبياء.
قوله: (وإذا حلفت على يمينٍ) سيأتي توجيهه إن شاء الله في الكلام على حديث أبي موسى قريباً في قوله " لا أحلف على يمين ".
وقد اختلف فيما تضمّنه حديث عبد الرّحمن بن سمرة , هل لأحد الْحُكمين تعلّقٌ بالآخر أو لا؟.
فقيل: له به تعلّقٌ، وذلك أنّ أحد الشّقّين أن يعطى الإمارة من غير مسألة , فقد لا يكون له فيها أربٌ فيمتنع فيلزم فيحلف , فأمر أن ينظر ثمّ يفعل الذي هو أولى , فإن كان في الجانب الذي حلف على تركه فيحنث ويكفّر، ويأتي مثله في الشّقّ الآخر.
قوله: (فرأيتَ غيرَها) أي: غير المحلوف عليه، وظاهر الكلام عود الضّمير على اليمين، ولا يصحّ عوده على اليمين بمعناها الحقيقيّ , بل بمعناها المجازيّ، والمراد بالرّؤية هنا الاعتقاديّة لا البصريّة.
قال عياض (١): معناه إذا ظهر له أنّ الفعل أو التّرك خيرٌ له في دنياه أو آخرته , أو أوفق لمراده وشهوته ما لَم يكن إثماً.
قلت: وقد وقع عند مسلم في حديث عديّ بن حاتم " فرأى غيرها أتقى لله , فليأت التّقوى ". وهو يشعر بقصر ذلك على ما فيه طاعةٌ.
وينقسم المأمور به أربعة أقسامٍ , إن كان المحلوف عليه فعلاً فكان
стр. 3362
التّرك أولى، أو كان المحلوف عليه تركاً فكان الفعل أولى، أو كان كلّ منهما فعلاً وتركاً , لكن يدخل القسمان الأخيران في القسمين الأوّلين؛ لأنّ من لازم فعل أحد الشّيئين أو تركه ترك الآخر أو فعله.
قوله: (فكفّر عن يَمينك، وائت الذي هو خيرٌ) هكذا للكثير منهم , وللبخاري " فأت الذي هو خيرٌ وكفّر عن يمينك " هكذا وقع للأكثر. وسأذكر من رواه بلفظ " ثمّ ائت الذي هو خير ".
ووقع في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند أبي داود " فرأى غيرها خيراً منها فليدعها , وليأت الذي هو خير , فإنّ كفّارتها تركها ".
فأشار أبو داود إلى ضعفه , وقال: الأحاديث كلّها فليكفّر عن يمينه إلَّا شيئاً لا يعبأ به. انتهى
كأنّه يشير إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: من حلف فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير فهو كفّارته. ويحيى ضعيفٌ جدّاً. (١)
وقد وقع في حديث عديّ بن حاتم عند مسلم ما يُوهم ذلك، وأنّه أخرجه بلفظ " من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خيرٌ. وليترك يمينه ". هكذا أخرجه من وجهين. ولَم يذكر
стр. 3363
الكفّارة، ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ " فرأى خيراً منها فليكفّرها , وليأت الذي هو خير ".
ومداره في الطّرق كلّها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عديّ، والذي زاد ذلك حافظٌ فهو المعتمد.
قال الشّافعيّ: في الأمر بالكفّارة مع تعمّد الحنث دلالة على مشروعيّة الكفّارة في اليمين الغموس؛ لأنّها يمين حانثة.
واستدل به على أنّ الحالف يجب عليه فعل أيّ الأمرين كان أولى من المضيّ في حلفه أو الحنث والكفّارة.
وانفصل عنه مَن قال: إنّ الأمر فيه للنّدب بما في الصحيحين في قصّة الأعرابيّ الذي قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص , فقال: أفلح إنْ صدق. فلم يأمره بالحنث والكفّارة , مع أنّ حلفه على ترك الزّيادة مرجوح بالنّسبة إلى فعلها.
قال ابن المنذر: رأى ربيعة والأوزاعيّ ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرّأي أنّ الكفّارة تجزئ قبل الحنث. إلَّا أنّ الشّافعيّ استثنى الصّيام , فقال: لا يجزئ إلَّا بعد الحنث.
وقال أصحاب الرّأي: لا تجزئ الكفّارة قبل الحنث.
قلت: ونقل الباجيّ عن مالك وغيره روايتين، واستثنى بعضهم عن مالك الصّدقة والعتق، ووافق الحنفيّة أشهب من المالكيّة وداود الظّاهريّ , وخالفه ابن حزم.
واحتجّ لهم الطّحاويّ: بقوله تعالى ﴿ذلك كفّارة أيمانكم إذا
стр. 3364
حلفتم﴾ فإذاً المراد إذا حلفتم فحنثتم.
وردّه مخالفوه فقالوا: بل التّقدير فأردتم الحنث، وأولى من ذلك أن يقال: التّقدير أعمّ من ذلك، فليس أحد التّقديرين بأولى من الآخر.
واحتجّوا أيضاً: بأنّ ظاهر الآية أنّ الكفّارة وجبت بنفس اليمين.
وردّه من أجاز: بأنّها لو كانت بنفس اليمين لَم تسقط عمّن لَم يحنث اتّفاقاً.
واحتجّوا أيضاً: بأنّ الكفّارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوّعٌ، فلا يقوم التّطوّع مقام الفرض.
وانفصل عنه من أجاز: بأنّه يشترط إرادة الحنث، وإلاَّ فلا يجزئ كما في تقديم الزّكاة.
وقال عياض: اتّفقوا على أنّ الكفّارة لا تجب إلَّا بالحنث، وأنّه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبّ مالكٌ والشّافعيّ والأوزاعيّ والثّوريّ تأخيرها بعد الحنث.
قال عياض: ومنع بعض المالكيّة تقديم كفّارة حنث المعصية؛ لأنّ فيه إعانة على المعصية، وردّه الجمهور.
قال ابن المنذر: واحتجّ للجمهور بأنّ اختلاف ألفاظ حديثي أبي موسى وعبد الرّحمن لا يدلّ على تعيين أحد الأمرين، وإنّما أمرَ الحالفَ بأمرين فإذا أتى بهما جميعاً فقد فعل ما أمر به، وإذا لَم يدلّ الخبر على المنع فلم يبق إلَّا طريق النّظر، فاحتجّ للجمهور بأنّ عقد اليمين لَمَّا كان يحلّه الاستثناء، وهو كلام فلأن تحله الكفّارة، وهو
стр. 3365
فعلٌ ماليٌّ أو بدنيٌّ أولى، ويرجّح قولهم أيضاً بالكثرة.
وذكر أبو الحسن بن القصّار وتبعه عياض وجماعة: أنّ عدّة مَن قال بجواز تقديم الكفّارة , أربعة عشر صحابيّاً وتبعهم فقهاء الأمصار إلَّا أبا حنيفة، مع أنّه قال فيمن أخرج ظبيةً من الحرم إلى الحلّ فولدت أولاداً ثمّ ماتت في يده هي وأولادها: أنّ عليه جزاءها وجزاء أولادها، لكن إن كان حين إخراجها أدّى جزاءها لَم يكن عليه في أولادها شيءٌ , مع أنّ الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل أن تلد أولادها فيحتاج إلى الفرق، بل الجواز في كفّارة اليمين أولى.
وقال ابن حزم: أجاز الحنفيّة تعجيل الزّكاة قبل الحول وتقديم زكاة الزّرع، وأجازوا تقديم كفّارة القتل قبل موت المجنيّ عليه.
واحتجّ للشّافعيّ: بأنّ الصّيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصّلاة والصّيام، بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنّها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزّكاة.
ولفظ الشّافعيّ في " الأمّ ": إن كفّر بالإطعام قبل الحنث رجوت أن يجزئ عنه، وأمّا الصّوم فلا , لأنّ حقوق المال يجوز تقديمها بخلاف العبادات فإنّها لا تقدّم على وقتها كالصّلاة والصّوم، وكذا لو حجّ الصّغير والعبد لا يجزئ عنهما إذا بلغ أو عتق.
وقال في موضع آخر: من حلف فأراد أن يحنث فأحبُّ إليّ أن لا يكفّر حتّى يحنث فإن كفّر قبل الحنث أجزأ، وساق نحوه مبسوطاً.
وادّعى الطّحاويّ: أنّ إلحاق الكفّارة بالكفّارة أولى من إلحاق
стр. 3366
الإطعام بالزّكاة.
وأجيب: بالمنع. وأيضاً: فالفرق الذي أشار إليه الشّافعيّ بين حقّ المال وحقّ البدن ظاهر جدّاً، وإنّما خصّ منه الشّافعيّ الصّيام بالدّليل المذكور.
ويؤخذ من نصّ الشّافعيّ أنّ الأولى تقديم الحنث على الكفّارة، وفي مذهبه وجهٌ اختلف فيه التّرجيح أنّ كفّارة المعصية يستحبّ تقديمها.
قال القاضي عياض: الخلاف في جواز تقديم الكفّارة مبنيّ على أنّ الكفّارة رخصة لحل اليمين أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنّها رخصة شرعها الله لحل ما عقد من اليمين , فلذلك تجزئ قبل وبعد.
قال المازريّ: للكفّارة ثلاث حالات.
أحدها: قبل الحلف. فلا تجزئ اتّفاقاً.
ثانيها: بعد الحلف والحنث. فتجزئ اتّفاقاً.
ثالثها: بعد الحلف وقبل الحنث. ففيها الخلاف.
وقد اختلف لفظ الحديث , فقدّم الكفّارة مرّةً وأخّرها أخرى , لكن بحرف الواو الذي لا يوجب رتبةً، ومن منع رأى أنّها لَم تجز فصارت كالتّطوّع , والتّطوّع لا يجزئ عن الواجب.
وقال الباجيّ وابن التّين وجماعة: الرّوايتان دالتان على الجواز , لأنّ الواو لا ترتّب.
стр. 3367
قال ابن التّين: فلو كان تقديم الكفّارة لا يجزئ لأَبَانه. ولقال: فليأت ثمّ ليكفّر؛ لأنّ تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلمّا تركهم على مقتضى اللسان دلَّ على الجواز.
قال: وأمّا الفاء في قوله " فأت الذي هو خير وكفّر عن يمينك " فهي كالفاء الذي في قوله " فكفّر عن يمينك وأت الذي هو خير ". ولو لَم تأت الثّانية لَما دلّت الفاء على التّرتيب , لأنّها أبانت ما يفعله بعد الحلف وهما شيئان كفّارةٌ وحنثٌ، ولا ترتيب فيهما، وهو كمَن قال: إذا دخلت الدّار فكلْ واشرب.
قلت: قد ورد في بعض الطّرق بلفظ " ثمّ " التي تقتضي التّرتيب عند أبي داود والنّسائيّ في حديث الباب، ولفظ أبي داود من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة به " كفّر عن يمينك , ثمّ ائت الذي هو خيرٌ ". وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه , لكن أحال بلفظ المتن على ما قبله.
وأخرجه أبو عوانة في " صحيحه " من طريق سعيد كأبي داود، وأخرجه النّسائيّ من رواية جرير بن حازم عن الحسن مثله.
لكن أخرجه البخاريّ ومسلم من رواية جرير. بالواو، وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضاً بلفظ " ثمّ ".
وفي حديث أمّ سلمة عند الطّبرانيّ نحوه. ولفظه " فليكفّر عن يمينه , ثمّ ليفعل الذي هو خيرٌ ".
стр. 3368
الحديث الثاني
٣٦٢ - عن أبي موسى ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : إني والله - إن شاء الله - لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرها خيراً منها، إلَّا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وتحلَّلتها. (١)
قوله: (إني والله إن شاء الله) قال أبو موسى المدينيّ في كتابه " الثّمين في استثناء اليمين ": لَم يقع قوله " إن شاء الله " في أكثر الطّرق لحديث أبي موسى. انتهى.
وسقط لفظ " والله " من نسخة ابن المنير (٢) , فاعترض بأنّه ليس في حديث أبي موسى يمينٌ.
وليس كما ظنّ , بل هي ثابتة في الأصول، وإنّما أراد البخاريّ
стр. 3369
بإيراده (١) بيان صيغة الاستثناء بالمشيئة.
وأشار أبو موسى المدينيّ في الكتاب المذكور إلى أنّه ﷺ قالها للتّبرّك لا للاستثناء , وهو خلاف الظّاهر.
والاستثناء استفعال من الثنيا - بضم المثلثة وسكون النون بعدها تحتانية - ويقال لها الثنوى أيضاً - بواو بدل الياء مع فتح أوله - وهي من ثنيت الشيء إذا عطفته كأن المستثني عطف بعض ما ذكره، لأنها في الاصطلاح إخراج بعض ما يتناوله اللفظ. وأداتها إلَّا وأخواتها.
وتُطلق أيضاً على التعاليق، ومنها التعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه ترجمة البخاري " باب الاستثناء في الأيمان "، فإذا قال: لأفعلن كذا إن شاء الله تعالى استثنى، وكذا إذا قال لا أفعل كذا إن شاء الله.
ومثله في الْحُكم أن يقول إلَّا أن يشاء الله، أو إلَّا إن شاء الله، ولو أتى بالإرادة والاختيار بدل المشيئة جاز، فلو لم يفعل إذا أثبت أو فعل إذا نفى لم يحنث، فلو قال إلَّا أنْ غيَّر الله نيتي أو بدل، أو إلَّا أن يبدو لي أو يظهر، أو إلا أنْ أشاء أو أريد أو أختار فهو استثناء أيضاً، لكن يشترط وجود المشروط.
واتفق العلماء كما حكاه ابن المنذر. على أنَّ شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفظ المستثني به , وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ.
وذكر عياض أنَّ بعض المتأخرين منهم خرَّج - من قول مالك: إنَّ
стр. 3370
اليمين تنعقد بالنية - أنَّ الاستثناء يجزئ بالنية، لكن نقل في التهذيب أنَّ مالكاً نصَّ على اشتراط التلفظ باليمين.
وأجاب الباجي: بالفرق أنَّ اليمين عقدٌ والاستثناء حَلٌّ، والعقد أبلغ من الحل فلا يلتحق باليمين.
قال ابن المنذر: واختلفوا في وقته.
فالأكثر: على أنه يشترط أن يتصل بالحلف.
قال مالك: إذا سكت أو قطع كلامه فلا ثنيا.
وقال الشافعي: يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول، ووصلُه أن يكون نسقاً. فإن كان بينهما سكوت انقطع إلَّا إن كانت سكتةَ تذكّرٍ أو تنفّسٍ أو عِي أو انقطاعِ صوت، وكذا يقطعه الأخذ في كلام آخر.
ولَخَّصه ابن الحاجب فقال: شرطه الاتصال لفظاً , أو ما في حكمه. كقطعه لتنفس أو سعال ونحوه مما لا يمنع الاتصال عُرفاً.
واختلف هل يقطعه ما يقطعه القبول عن الإيجاب؟. على وجهين للشافعية.
أصحهما: أنه ينقطع بالكلام اليسير الأجنبي، وإن لم ينقطع به الإيجاب والقبول.
وفي وجه: لو تخلل أستغفر الله لم ينقطع، وتوقف فيه النووي (١). ونصُّ الشافعي يؤيده حيث قال: تذكر فإنه من صور التذكر عرفاً،
стр. 3371
ويلتحق به لا إله إلا الله ونحوها.
وعن طاوس والحسن: له أن يستثنى ما دام في المجلس.
وعن أحمد نحوه , وقال: ما دام في ذلك الأمر.
وعن إسحاق مثله. وقال: إلا أن يقع السكوت.
وعن قتادة: إذا استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم.
وعن عطاء: قدر حلب ناقة، وعن سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر، وعن مجاهد: بعد سنتين.
وعن ابن عباس أقوال منها: له، ولو بعد حين، وعنه كقول سعيد، وعنه شهر، وعنه سنة، وعنه أبداً.
قال أبو عبيد: وهذا لا يؤخذ على ظاهره؛ لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحدٌ في يمينه، وأن لا تتصور الكفارة التي أوجبها الله - تعالى - على الحالف.
قال: ولكن وجه الخبر سقوط الإثم عن الحالف لتركه الاستثناء؛ لأنه مأمور به في قوله تعالى ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ فقال ابن عباس: إذا نسي أن يقول إن شاء الله يستدركه، ولم يرد أنَّ الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه أنَّ ما عقده باليمين ينحل.
وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء الله فقط، وحمل إن شاء الله على التبرك. وعلى ذلك حمل الحديث المرفوع الذي أخرجه أبو داود وغيره موصولاً ومرسلاً , أنَّ النبي ﷺ قال: والله
стр. 3372
لأَغزونَّ قريشاً ثلاثاً. ثم سكت. ثم قال: إن شاء الله. أو على السكوت لتنفس أو نحوه.
وكذا ما أخرجه ابن إسحاق - في سؤالِ مَن سأَلَ النبيَّ ﷺ عن قصة أصحاب الكهف -: غداً أُجيبكم، فتأخر الوحي فنزلت ﴿ولا تقولنَّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أنْ يشاءَ الله﴾ فقال: إن شاء الله. مع أنَّ هذا لم يرد هكذا من وجه ثابت.
ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام , قوله في حديث الباب " فليكفر عن يمينه " فإنه لو كان الاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال فليستثن؛ لأنه أسهل من التكفير.
وكذا قوله تعالى لأيوب ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ فإن قوله استثن أسهل من التحيّل لِحل اليمين بالضرب، وللزم منه بطلان الإقرارات والطلاق والعتق فيستثنى من أقرَّ أو طلق أو أعتق بعد زمان , ويرتفع حكم ذلك.
فالأولى تأويل ما نُقل عن ابن عباس وغيره من السلف في ذلك.
وإذا تقرر ذلك. فقد اختلف. هل يشترط قصد الاستثناء من أول الكلام أو لا؟. حكى الرافعي فيه وجهين.
ونقل عن أبي بكر الفارسي أنه نقل الإجماع على اشتراط وقوعه قبل فراغ الكلام، وعلَّله بأن الاستثناء بعد الانفصال ينشأ بعد وقوع الطلاق مثلاً. وهو واضح.
ونقْلُه مُعارَض بما نقله ابن حزم , أنه لو وقع متصلاً به كفى.
стр. 3373
واستدل بحديث ابن عمر رفعه: من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث. (١)
واحتجَّ بأنه عقب الحلف بالاستثناء باللفظ، وحينئذ يتحصل ثلاث صور:
أن يقصد من أوله أو من أثنائه - ولو قبل فراغه أو بعد تمامه - فيختص. نقل الإجماع بأنه لا يفيد في الثالث، وأبعد من فهم أنه لا يفيد في الثاني أيضاً.
والمراد بالإجماع المذكور إجماع من قال يشترط الاتصال، وإلَّا فالخلاف ثابت كما تقدم. والله أعلم.
وقال ابن العربي: قال بعض علمائنا: يشترط الاستثناء قبل تمام اليمين.
قال: والذي أقول: إنه لو نوى الاستثناء مع اليمين لم يكن يميناً ولا استثناءً، وإنما حقيقة الاستثناء: أن يقع بعد عقد اليمين فيحلّها الاستثناء المتصل باليمين، واتفقوا على أنَّ من قال: لا أفعل كذا إنْ شاء الله إذا قصد به التبرك فقط ففعل يحنث، وإن قصد الاستثناء فلا حنث عليه.
واختلفوا إذا أطلق , أو قدَّم الاستثناء على الحلف , أو أخره. هل يفترق الحكم.؟
стр. 3374
واتفقوا على دخول الاستثناء في كل ما يحلف به إلَّا الأوزاعي فقال: لا يدخل في الطلاق والعتق والمشي إلى بيت الله، وكذا جاء عن طاوس , وعن مالك مثله، وعنه إلا المشي.
وقال الحسن وقتادة وابن أبي ليلى والليث: يدخل في الجميع إلا الطلاق.
وعن أحمد: يدخل الجميع إلا العتق.
واحتج بتشوف الشارع له، وورد فيه حديث عن معاذ رفعه: إذا قال لامرأته: أنتِ طالق إن شاء الله لم تطلق، وإن قال لعبده: أنتَ حرٌ إن شاء الله فإنه حر.
قال البيهقي: تفرَّد به حميد بن مالك وهو مجهول، واختلف عليه في إسناده.
واحتج من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تَحلُّه الكفارة، وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء. فلمَّا لم يَحلّه الأقوى لم يَحلّه الأضعف.
وقال ابن العربي: الاستثناء أخو الكفارة. وقد قال الله تعالى ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ فلا يدخل في ذلك إلَّا اليمين الشرعية. وهي الله.
قوله: (لا أحلف على يمين) أي: محلوف يمين، فأطلق عليه لفظ يمينٍ للملابسة , والمراد ما شأنه أن يكون محلوفاً عليه؛ فهو من مجاز الاستعارة، ويجوز أن يكون فيه تضمين. فقد وقع في روايةٍ لمسلمٍ
стр. 3375
" على أمر ".
ويحتمل: أن يكون " على " بمعنى الباء، فقد وقع في رواية النّسائيّ " إذا حلفت بيمينٍ " ورجح الأوّل بقوله " فرأيت غيرها خيراً منها "؛ لأنّ الضّمير في غيرها لا يصحّ عوده على اليمين.
وأجيب: بأنّه يعود على معناها المجازيّ للملابسة أيضاً.
وقال ابن الأثير في النّهاية: الحلف هو اليمين فقوله: أحلف. أي: أعقد شيئاً بالعزم والنّيّة، وقوله " على يمين " تأكيدٌ لعقده وإعلام بأنّه ليست لغواً.
قال الطّيبيّ (١): ويؤيّده رواية النّسائيّ بلفظ " ما على الأرض يمين أحلف عليها " الحديث، قال: فقوله: أحلف عليها صفة مؤكّدة لليمين.
قال: والمعنى لا أحلف يميناً جزماً لا لغو فيها , ثمّ يظهر لي أمرٌ آخر يكون فعله أفضل من المضيّ في اليمين المذكورة إلَّا فعلته وكفّرت عن يميني.
قال: فعلى هذا يكون قوله " على يمين " مصدراً مؤكّداً لقوله " أحلف ".
تكملةٌ: اختلف هل كفّر النّبيّ ﷺ عن يمينه المذكور؟ كما اختلف هل كفّر في قصّة حلفه على شرب العسل , أو على غشيان مارية.؟
فروي عن الحسن البصريّ , أنّه قال: لَم يكفّر أصلاً؛ لأنّه مغفورٌ له
стр. 3376
، وإنّما نزلت كفّارة اليمين تعليماً للأمّة.
وتعقّب: بما أخرجه التّرمذيّ من حديث عمر - في قصّة حلفه على العسل أو مارية - " فعاتبه الله , وجعل له كفّارة يمين " , وهذا ظاهر في أنّه كفّر , وإن كان ليس نصّاً في ردّ ما ادّعاه الحسن.
وظاهرٌ أيضاً في حديث الباب " وكفّرت عن يميني " أنّه لا يترك ذلك، ودعوى أنّ ذلك كلّه للتّشريع بعيدٌ.
قوله: (إلَّا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وتحلَّلتها) في رواية لهما من وجه آخر عن حمّاد بن زيدٍ عن غيلان بن جريرٍ عن أبي بُرْدة عن أبي موسى " إلَّا كفّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خيرٌ ".
وللبخاري حدّثنا أبو النّعمان حدّثنا حمّادٌ , وقال " إلَّا كفّرت عن يميني وأتيت الذي هو خيرٌ , أو أتيت الذي هو خيرٌ وكفّرت " (١) فزاد فيه التّردّد في تقديم الكفّارة وتأخيرها، وكذا أخرجه أبو داود عن سليمان بن حرب عن حمّاد بن زيد. بالتّرديد فيه أيضاً.
قوله: (وتحلَّلتها) (٢) كذا في رواية حمّاد وعبد الوارث وعبد الوهّاب كلّهم عن أيّوب. (٣) ولَم يذكر في رواية عبد السّلام (٤) عن
стр. 3377
أيوب عند البخاري " وتحلَّلتها " , وكذا لَم يذكرها أبو السّليل عن زهدم عند مسلم.
ووقع في رواية حماد عن غيلان عن أبي بُرْدة في الصحيحين " إلَّا كفّرت عن يميني " بدل " وتحللتها ".
ومعنى تحللتها: فعلت ما ينقل المنع الذي يقتضيه إلى الإذن فيصير حلالاً، وإنّما يحصل ذلك بالكفّارة.
ويؤيّد أنّ المراد بقوله " تحلَّلتها " كفّرت عن يميني , وقوع التّصريح به في رواية حمّاد بن زيد وعبد السّلام وغيرهما.
وهو يرجّح أحد احتمالين , أبداهما ابن دقيق العيد (١).
ثانيهما: إتيان ما يقتضي الحنث , فإنّ التّحلّل يقتضي سبق العقد، والعقد هو ما دلت عليه اليمين من موافقة مقتضاها، فيكون التّحلّل الإتيان بخلاف مقتضاها.
لكن يلزم على هذا أن يكون فيه تكرارٌ لوجود قوله " أتيت الذي هو خيرٌ " فإنّ إتيان الذي هو خيرٌ تحصل به مخالفة اليمين والتّحلّل منها.
لكن يمكن أن تكون فائدته التّصريح بالتّحلّل، وذكره بلفظٍ يناسب الجواز صريحاً ليكون أبلغ ممّا لو ذكره بالاستلزام.
وقد يقال: إنّ الثّاني أقوى , لأنّ التّأسيس أولى من التّأكيد.
стр. 3378
وقيل: معنى " تحلّلتها " خرجت من حرمتها إلى ما يحلّ منها , وذلك يكون بالاستثناء بشرطه السّابق.
لكن لا يتّجه في هذه القصّة (١) إلَّا إن كان وقع منه استثناء لَم يشعروا به , كأن يكون قال: إن شاء الله مثلاً , أو قال: والله لا أحملكم إلَّا إن حصل شيء , ولذلك قال: وما عندي ما أحملكم.
стр. 3379
الحديث الثالث
٣٦٣ - عن عمر بن الخطاب ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. (١)
ولمسلمٍ: فمن كان حالفاً، فليحلف بالله، أو ليصمت. (٢)
стр. 3380
وفي رواية: قال عمر: فوالله ما حلفت بها، منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهي عنها، ذاكراً ولا آثراً. (١)
قال المصنِّف: يعني: حاكياً عن غيري. أنه حلف بها.
قوله: (إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) وللبخاري من طريق يونس عن ابن شهاب: قال لي رسول الله ﷺ . وفي رواية معمر عن ابن شهاب بهذا السّند. عن عمر سمعني رسول الله ﷺ وأنا أحلف بأبي فقال: إنّ الله. فذكر الحديث. أخرجه أحمد عنه هكذا.
وفي رواية سفيان بن عيينة عن ابن شهاب " أنّ رسول الله ﷺ سمع عمر - وهو يحلف بأبيه - وهو يقول: وأَبي وأَبي ". (٢)
وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عند مسلم من الزّيادة " وكانت قريشٌ تحلف بآبائها ".
وللشيخين من رواية الليث عن نافعٍ عن عبد الله عن رسول الله ﷺ , أنّه أدرك عمر بن الخطّاب في ركبٍ، وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ : ألا إنّ .. "
ووقع في " مصنّف ابن أبي شيبة " من طريق عكرمة قال: قال عمر
стр. 3381
: حدّثت قوماً حديثاً , فقلت: لا وأبي، فقال رجلٌ من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفتّ فإذا رسول الله ﷺ يقول: لو أنّ أحدكم حلف بالمسيح هلك , والمسيح خير من آبائكم.
وهذا مرسلٌ يتقوّى بشواهده.
وقد أخرج التّرمذيّ من وجه آخر عن ابن عمر , أنّه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ , يقول: من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك.
قال التّرمذيّ: حسنٌ. وصحَّحه الحاكم.
والتّعبير بقوله " فقد كفر أو أشرك " للمبالغة في الزّجر والتّغليظ في ذلك.
وقد تمسّك به مَن قال بتحريم ذلك , لكن لَمَّا كان حلف عمر بذلك قبل أن يقتضي النّهي كان معذوراً فيما صنع، فلذلك اقتصر على نهيه ولَم يؤاخذه بذلك , لأنّه تأوّل أنّ حقّ أبيه عليه يقتضي أنّه يستحقّ أن يحلف به، فبيّن النّبيّ ﷺ أنّ الله لا يحبّ لعبده أن يحلف بغيره.
وقد أخرج النّسائيّ وأبو داود في " رواية ابن داسة " عنه من حديث أبي هريرة بزيادة. ولفظه " لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمّهاتكم ولا بالأنداد , ولا تحلفوا إلَّا بالله " الحديث.
قوله: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) قال العلماء: السّرّ في النّهي عن الحلف بغير الله أنّ الحلف بالشّيء يقتضي تعظيمه , والعظمة في الحقيقة إنّما هي لله وحده.
стр. 3382
وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصّة، لكن قد اتّفق الفقهاء على أنّ اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العليّة. واختلفوا في انعقادها ببعض الصّفات (١).
وكأنّ المراد بقوله " بالله " الذّات لا خصوص لفظ الله، وأمّا اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع للتّحريم؟.
قولان عند المالكيّة، كذا قال ابن دقيق العيد.
والمشهور عندهم الكراهة، والخلاف أيضاً عند الحنابلة , لكن المشهور عندهم التّحريم، وبه جزم الظّاهريّة.
وقال ابن عبد البرّ: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.
ومراده بنفي الجواز الكراهة أعمّ من التّحريم والتّنزيه.
فإنّه قال في موضعٍ آخر: أجمع العلماء على أنّ اليمين بغير الله مكروهةٌ منهيٌّ عنها لا يجوز لأحدٍ الحلف بها، والخلاف موجود عند
стр. 3383
الشّافعيّة من أجل قول الشّافعيّ: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية، فأشعر بالتّردّد، وجمهور أصحابه على أنّه للتّنزيه.
وقال إمام الحرمين (١): المذهب القطع بالكراهة، وجزم غيره بالتّفصيل، فإن اعتقد في المحلوف فيه من التّعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به , وكان بذلك الاعتقاد كافراً، وعليه يتنزّل الحديث المذكور، وأمّا إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التّعظيم فلا يكفر بذلك , ولا تنعقد يمينه.
قال الماورديّ: لا يجوز لأحدٍ أن يحلف أحداً بغير الله , لا بطلاقٍ ولا عتاقٍ ولا نذرٍ , وإذا حلَّف الحاكمُ أحداً بشيءٍ من ذلك وجب عزله لجهله
قوله: (ذاكراً) أي: عامداً.
قوله: (ولا آثراً) بالمدّ وكسر المثلثة , أي: حاكياً عن الغير، أي: ما حلفت بها , ولا حكيت ذلك عن غيري.
ويدلّ عليه ما وقع في رواية عقيل عن ابن شهاب عند مسلم: ما حلفت بها منذ سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عنها، ولا تكلمت بها.
وقد استشكل هذا التّفسير لتصدير الكلام بحلفت , والحاكي عن غيره لا يسمّى حالفاً.
وأجيب: باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفاً. أي: ولا ذكرتها آثراً عن غيري. أو يكون ضمّن حلفت معنى تكلمت , ويقوّيه رواية
стр. 3384
عقيل.
وجوّز شيخنا في شرح التّرمذيّ: لقوله " آثراً " معنىً آخر. أي: مختاراً، يقال آثر الشّيء إذا اختاره، فكأنّه قال: ولا حلفت بها مؤثراً لها على غيرها.
قال شيخنا: ويحتمل أن يرجع قوله " آثراً " إلى معنى التّفاخر بالآباء في الإكرام لهم، ومنه قولهم: مأثرة ومآثر وهو ما يروى من المفاخر. فكأنّه قال: ما حلفت بآبائي ذاكراً لمآثرهم.
وجوّز في قوله " ذاكراً " أن يكون من الذُّكر - بضمّ المعجمة - كأنّه احترز عن أن يكون ينطق بها ناسياً، وهو يناسب تفسير آثراً بالاختيار , كأنّه قال: لا عامداً ولا مختاراً.
وجزم ابن التّين في شرحه , بأنّه من الذّكر - بالكسر لا بالضّمّ - قال: وإنّما هو لَم أقله من قِبَل نفسي , ولا حدّثت به عن غيري أنّه حلف به.
قال: وقال الدّاوديّ (١): يريد ما حلفت بها , ولا ذكرت حلف غيري بها كقوله: إنّ فلاناً قال: وحقّ أبي مثلاً.
واستُشكل أيضاً أنّ كلام عمر المذكور , يقتضي أنّه تورّع عن النّطق بذلك مطلقاً , فكيف نطق به في هذه القصّة؟.
وأجيب: بأنّه اغتفر ذلك لضرورة التّبليغ.
وفي هذا الحديث من الفوائد.
стр. 3385
الزّجر عن الحلف بغير الله، وإنّما خصّ في حديث عمر بالآباء لوروده على سببه المذكور، أو خصّ لكونه كان غالباً عليه لقوله في الرّواية الأخرى " وكانت قريشٌ تحلف بآبائها ". ويدلّ على التّعميم قوله " من كان حالفاً فلا يحلف إلَّا بالله ".
وأمّا ما ورد في القرآن من القسم بغير الله. ففيه جوابان:
أحدهما: أنّ فيه حذفاً , والتّقدير. وربّ الشّمس ونحوه.
الثّاني: أنّ ذلك يختصّ بالله , فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به , وليس لغيره ذلك.
وأمّا ما وقع ممّا يخالف ذلك كقوله ﷺ للأعرابيّ: أفلح وأبيه إن صدق. ففيهم من طعن في صحّة هذه اللفظة.
قال ابن عبد البرّ: هذه اللفظة غير محفوظة , وقد جاءت عن راويها وهو إسماعيل بن جعفر بلفظ " أفلح والله إن صدق "
قال: وهذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ " أفلح وأبيه " لأنّها لفظةٌ منكرةٌ تردّها الآثار الصّحاح. ولَم تقع في رواية مالك أصلاً (١).
стр. 3386
وزعم بعضهم: أنّ بعض الرّواة عنه صحّف قوله " وأبيه " من قوله " والله ".
وهو محتمل , ولكنّ مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال، وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصّدّيق - في قصّة السّارق الذي سرق حليّ ابنته - , فقال في حقّه: وأبيك ما ليلك بليل سارقٍ. أخرجه في الموطّأ وغيره.
قال السّهيليّ: وقد ورد نحوه في حديث آخر مرفوع , قال للذي سأل: أيّ الصّدقة أفضل؟ فقال: وأبيك لتنبّأنّ. أخرجه مسلم.
فإذا ثبت ذلك فيجاب بأجوبةٍ:
الجواب الأوّل: أنّ هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم، والنّهي إنّما ورد في حقّ من قصد حقيقة الحلف.
وإلى هذا جنح البيهقيّ، وقال النّوويّ: إنّه الجواب المرضيّ.
الجواب الثّاني: أنّه كان يقع في كلامهم على وجهين:
الأول: للتّعظيم
الثاني: للتّأكيد، والنّهي إنّما وقع عن الأوّل , فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتّأكيد لا للتّعظيم.
قول الشّاعر: لعمر أبي الواشين إنّي أحبّها
وقول الآخر:
فإن تك ليلى استودعتني أمانةً ... فلا وأبي أعدائها لا أذيعها.
فلا يظنّ أنّ قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها , كما لَم يقصد
стр. 3387
الآخر تعظيم والد من وشى به، فدلَّ على أنّ القصد بذلك تأكيد الكلام لا التّعظيم.
وقال البيضاويّ (١): هذا اللفظ من جملة ما يزاد في الكلام لمجرّد التّقرير والتّأكيد ولا يراد به القسم، كما تزاد صيغة النّداء لمجرّد الاختصاص دون القصد إلى النّداء.
وقد تعقّب الجواب: بأنّ ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنّه كان يحلفه , لأنّ في بعض طرقه , أنّه كان يقول " لا وأبي , لا وأبي (٢) , فقيل له: لا تحلفوا ". فلولا أنّه أتى بصيغة الحلف ما صادف النّهي محلاًّ.
ومن ثَمّ قال بعضهم - وهو الجواب الثّالث -: إنّ هذا كان جائزاً ثمّ نسخ , قاله الماورديّ , وحكاه البيهقيّ.
وقال السّبكيّ: أكثر الشّرّاح عليه، حتّى قال ابن العربيّ: وروي أنّه ﷺ كان يحلف بأبيه حتّى نهي عن ذلك.
قال: وترجمة أبي داود تدلّ على ذلك، يعني قوله (باب الحلف بالآباء) ثمّ أورد الحديث المرفوع الذي فيه " أفلح وأبيه إن صدق ".
قال السّهيليّ: ولا يصحّ , لأنّه لا يظنّ بالنّبيّ ﷺ أنّه كان يحلف
стр. 3388
بغير الله ولا يقسم بكافرٍ، تالله إنّ ذلك لبعيدٌ من شيمته.
وقال المنذريّ: دعوى النّسخ ضعيفة لإمكان الجمع , ولعدم تحقّق التّاريخ.
الجواب الرّابع: أنّ في الجواب حذفاً تقديره , أفلح وربّ أبيه. قاله البيهقيّ.
الجواب الخامس: أنّه للتّعجّب. قاله السّهيليّ.
قال: ويدلّ عليه أنّه لَم يرد بلفظ " أبي " وإنّما ورد بلفظ " وأبيه " أو " وأبيك " بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضراً أو غائباً.
الجواب السّادس: أنّ ذلك خاصّ بالشّارع دون غيره من أمّته.
وتعقّب: بأنّ الخصائص لا تثبت بالاحتمال.
وفي الحديث أنّ من حلف بغير الله مطلقاً لَم تنعقد يمينه. سواء كان المحلوف به يستحقّ التّعظيم لمعنىً غير العبادة كالأنبياء والملائكة والعلماء والصّلحاء والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يستحقّ التّعظيم كالآحاد، أو يستحقّ التّحقير والإذلال كالشّياطين والأصنام وسائر من عبد من دون الله.
واستثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبيّنا محمّد ﷺ , فقال: تنعقد به اليمين وتجب الكفّارة بالحنث، فاعتلَّ بكونه أحد ركني الشّهادة التي لا تتمّ إلَّا به.
стр. 3389
وأطلق ابن العربيّ نسبته لمذهب أحمد (١) , وتعقّبه: بأنّ الأيمان عند أحمد لا تتمّ إلَّا بفعل الصّلاة , فيلزمه أنّ من حلف بالصّلاة أن تنعقد يمينه , ويلزمه الكفّارة إذا حنث.
ويمكن الجواب عن إيراده , والانفصال عمّا ألزمهم به.
وفيه الرّدّ على مَن قال: إن فعلت كذا فهو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو كافرٌ أنّه ينعقد يميناً , ومتى فعل تجب عليه الكفّارة، وقد نقل ذلك عن الحنفيّة والحنابلة.
ووجه الدّلالة من الخبر: أنّه لَم يحلف بالله , ولا بما يقوم مقام ذلك.
وسيأتي مزيد لذلك بعد (٢).
وفيه أنّ مَن قال: أقسمت لأفعلن كذا لا يكون يميناً؛ وعند الحنفيّة يكون يميناً، وكذا قال مالك وأحمد , لكن بشرط أن ينوي بذلك الحلف بالله وهو متّجهٌ، وقد قال بعض الشّافعيّة: إن قال عليّ أمانة الله لأفعلن كذا , وأراد اليمين أنّه يمين وإلا فلا.
وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في معنى النّهي عن الحلف بغير
стр. 3390
الله.
فقالت طائفة: هو خاصّ بالأيمان التي كان أهل الجاهليّة يحلفون به تعظيماً لغير الله تعالى كاللات والعزّى والآباء , فهذه يأثم الحالف بها ولا كفّارة فيها.
وأمّا ما كان يؤول إلى تعظيم الله كقوله: وحقّ النّبيّ والإسلام والحجّ والعمرة والهدي والصّدقة والعتق ونحوها ممّا يراد به تعظيم الله والقربة إليه فليس داخلاً في النّهي. وممَن قال بذلك أبو عبيد وطائفة ممّن لقيناه.
واحتجّوا بما جاء عن الصّحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق والهدي والصّدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النّهي المذكور، فدلَّ على أنّ ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عامّاً لنهوا عن ذلك , ولَم يوجبوا فيه شيئاً. انتهى.
وتعقّبه ابن عبد البرّ: بأنّ ذكر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحلف فليست يميناً في الحقيقة وإنّما خرج عن الاتّساع، ولا يمين في الحقيقة إلَّا بالله.
وقال المُهلَّب: كانت العرب تحلف بأبائها وآلهتها فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم لينسيهم ذكر كلّ شيء سواه ويبقى ذكره؛ لأنّه الحقّ المعبود فلا يكون اليمين إلَّا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء.
وقال الطّبريّ: في حديث عمر - يعني حديث الباب - أنّ اليمين
стр. 3391
لا تنعقد إلَّا بالله وأنّ من حلف بالكعبة أو آدم أو جبريل ونحو ذلك لَم تنعقد يمينه , ولزمه الاستغفار لإقدامه على ما نهي عنه , ولا كفّارة في ذلك.
وأمّا ما وقع في القرآن من القسم بشيءٍ من المخلوقات , فقال الشّعبيّ: فالخالق يقسم بما شاء من خلقه , والمخلوق لا يقسم إلَّا بالخالق، قال: ولأن أقسم بالله فأحنث أحبّ إليّ من أن أقسم بغيره فأبرّ.
وجاء مثله عن ابن عبّاس وابن مسعود وابن عمر. ثمّ أسند عن مطرّف عن عبد الله , أنّه قال: إنّما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب بها المخلوقين ويعرّفهم قدرته لعظم شأنها عندهم , ولدلالتها على خالقها.
وقد أجمع العلماء على من وجبت له يمين على آخر في حقٍّ عليه أنّه لا يحلف له إلَّا بالله، فلو حلف له بغيره , وقال: نويت ربّ المحلوف به لَم يكن ذلك يميناً.
وقال ابن هبيرة في كتاب " الإجماع ": أجمعوا على أنّ اليمين منعقدة بالله وبجميع أسمائه الحسنى وبجميع صفات ذاته كعزّته وجلاله وعلمه وقوّته وقدرته، واستثنى أبو حنيفة علم الله فلم يره يميناً، وكذا حقّ الله.
واتّفقوا على أنّه لا يحلف بمعظّمٍ غير الله كالنّبيّ، وانفرد أحمد في رواية , فقال: تنعقد.
стр. 3392
وقال عياض: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أنّ الحلف بأسماء الله وصفاته لازم إلَّا ما جاء عن الشّافعيّ من اشتراط نيّة اليمين في الحلف بالصّفات، وإلا فلا كفّارة.
وتُعقّب إطلاقه ذلك عن الشّافعيّ، وإنّما يحتاج إلى النّيّة عنده ما يصحّ إطلاقه عليه وعلى غيره.
وأمّا ما لا يطلق في معرض التّعظيم شرعاً إلَّا عليه تنعقد اليمين به , وتجب الكفّارة إذا حنث كمقلب القلوب وخالق الخلق ورازق كلِّ حيّ، وربّ العالمين وفالق الحبّ وبارئ النّسمة، وهذا في حكم الصّريح كقوله: والله، وفي وجه لبعض الشّافعيّة , أنّ الصّريح الله فقط.
ويظهر أثر الخلاف فيما لو قال: قصدت غير الله. هل ينفعه في عدم الحنث؟
والمشهور عن المالكيّة التّعميم، وعن أشهب: التّفصيل في مثل , وعزّة الله. إن أراد التي جعلها بين عبادة فليست بيمينٍ، وقياسه أن يطّرد في كلّ ما يصحّ إطلاقه عليه وعلى غيره، وقال به ابن سحنونٍ منهم في عزّة الله.
وفي العتبيّة: أنّ من حلف بالمصحف لا تنعقد، واستنكره بعضهم , ثمّ أوّلها على أنّ المراد. إذا أراد جسم المصحف، والتّعميم عند الحنابلة حتّى لو أراد بالعلم والقدرة المعلوم والمقدور انعقدت.
والرّاجح: أنّ صفات الذّات منها يلتحق بالصّريح فلا تنفع معها
стр. 3393
التّورية إذا تعلق به حقّ آدميٍّ، وصفات الفعل تلتحق بالكناية، فعزّة الله من صفات الذّات وكذا جلاله وعظمته.
قال الشّافعيّ فيما أخرجه البيهقيّ في المعرفة: مَن قال وحقّ الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله يريد اليمين أو لا يريده. فهي يمين. انتهى.
وقال غيره: والقدرة. تحتمل: صفة الذّات فتكون اليمين صريحة.
وتحتمل: إرادة المقدور فتكون كناية كقول من يتعجّب من الشّيء: انظر إلى قدرة الله، وكذا العلم كقوله: اللهمّ اغفر لنا علمك فينا , أي: معلومك.
تنْبيهٌ: وقع في رواية محمّد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر في آخر هذا الحديث زيادةٌ. أخرجها ابن ماجه من طريقه بلفظ. سمع النّبيُّ ﷺ رجلاً يحلف بأبيه فقال: لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق , ومن حُلف له بالله فليرض , ومن لَم يرض بالله فليس من الله. وسنده حسنٌ.
стр. 3394
الحديث الرابع
٣٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ , قال: قال: سليمان بن داود ﵉، لأَطُوفنَّ الليلة على تسعين امرأةً، تلد كلّ امرأةٍ منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقُل، فطاف بِهنّ، فلم تلد منهنّ إلَّا امرأةٌ واحدةٌ: نصف إنسانٍ، قال: فقال رسول الله ﷺ : لو قال: إن شاء الله لَم يحنث، وكان ذلك درَكَاً لحاجته. (١)
قال المصنِّف: قوله: (قيل له: قل إن شاء الله) يعني. قال له الملَك.
قوله: (سليمان بن داود) ابن إيشا - بكسر الهمز وسكون التّحتانيّة بعدها معجمة - ابن عوبد بوزن جعفر - بمهملة وموحّدة - ابن باعر - بموحّدة ومهملة مفتوحة - ابن سلمون بن يارب - بتحتانيّة وآخره موحّدة - ابن رام بن حضرون - بمهملة ثمّ معجمة - ابن فارص - بفاء وآخره مهملة - ابن يهوذا بن يعقوب.
قوله: (لأطوفن الليلة) في رواية الحمويّ والمستملي " لأطيفن " (٢)
стр. 3395
وهما لغتان. طاف بالشّيء وأطاف به إذا دار حوله وتكرّر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع.
واللام جواب القسم وهو محذوف، أي: والله لأطوفنَّ، ويؤيّده قوله في آخره " لَم يحنث " , لأنّ الحنث لا يكون إلَّا عن قسم، والقسم لا بدّ له من مقسم به.
وقال بعضهم: اللام ابتدائيّة. والمراد بعدم الحنث وقوع ما أراد.
وقد مشى ابن المنذر على هذا في كتابه الكبير فقال " باب استحباب الاستثناء في غير اليمين لِمَن قال سأفعل كذا " وساق هذا الحديث.
وجزم النّوويّ: بأنّ الذي جرى منه ليس بيمينٍ؛ لأنّه ليس في الحديث تصريحٌ بيمينٍ.
كذا قال!. وقد ثبت ذلك في بعض طرق الحديث.
واختلف في الذي حلف عليه. هل هو جميع ما ذُكر؟ أو دورانه على النّساء فقط دون ما بعده من الحمل والوضع وغيرهما؟.
والثّاني أوجه؛ لأنّه الذي يقدر عليه، بخلاف ما بعده فإنّه ليس إليه، وإنّما هو مجرّد تمنّي حصول ما يستلزم جلب الخير له، وإلَّا فلو كان حلف على جميع ذلك لَم يكن إلَّا بوحيٍ، ولو كان بوحيٍ لَم يتخلف، ولو كان بغير وحيٍ لزم أنّه حلف على غير مقدور له , وذلك لا يليق بجنابه.
قلت: وما المانع من جواز ذلك , ويكون لشدّة وثوقه بحصول مقصوده جزم بذلك وأكّد بالحلف، فقد ثبت في الحديث الصّحيح
стр. 3396
" إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه " (١)
قوله: (على سبعين امرأة) وللبخاري من رواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فقال " تسعين " بتقديم المثنّاة , ورجّح البخاري رواية تسعين على سبعين. وذكر: أنّ ابن أبي الزّناد رواه كذلك.
قلت: وقد رواه سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس فقال: " تسعين " كما في البخاري من طريقه. ولكن رواه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان فقال: " سبعين " بتقديم السّين، وكذا هو في " مسند الحميديّ " عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم من رواية ورقاء عن، والبخاري من رواية المغيرة عن أبي الزناد.
وأخرجه الإسماعيليّ والنّسائيّ وابن حبّان من طريق هشام بن عروة عن أبي الزّناد قال: " مائة امرأة ". وكذا قال طاوسٌ عن أبي هريرة كما في البخاري من رواية معمر، وكذا قال أحمد عن عبد الرّزّاق (٢).
وللبخاري من رواية هشام بن حجير عن طاوس " تسعين " ورواه
стр. 3397
مسلم عن عبد بن حميدٍ عن عبد الرّزّاق فقال " سبعين ".
وللبخاري من رواية أيّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة " كان لسليمان ستّون امرأة " , ورواه أحمد وأبو عوانة من طريق هشام عن ابن سيرين فقال: " مائة امرأة ". وكذا قال عمران بن خالد عن ابن سيرين عند ابن مردويه.
وللبخاري من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج فقال: " مائة امرأة أو تسع وتسعون " على الشّكّ. (١)
فمحصّل الرّوايات ستّون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة.
والجمع بينها: أنّ السّتّين كنّ حرائر. وما زاد عليهنّ كنّ سراري أو بالعكس. وأمّا السّبعون فللمبالغة، وأمّا التّسعون والمائة فكنّ دون المائة وفوق التّسعين , فمَن قال: تسعون ألغى الكسر , ومَن قال: مائة جبَرَه , ومن ثَمّ وقع التّردّد في رواية جعفر.
وأمّا قول بعض الشّرّاح: ليس في ذكر القليل نفي الكثير , وهو من مفهوم العدد. وليس بحجّة عند الجمهور. فليس بكافٍ في هذا المقام، وذلك أنّ مفهوم العدد معتبر عند كثيرين.
ونصَّ الشّافعيّ على أنّه حجّة، وجزم بنقله عنه الشّيخ أبو حامد
стр. 3398
والماورديّ وغيرهما، ولكن شرطه أن لا يخالفه المنطوق.
قلت: والذي يظهر مع كون مخرج الحديث عن أبي هريرة واختلاف الرّواة عنه أنّ الحكم للزّائد , لأنّ الجميع ثقاتٌ.
وذكر أبو موسى المدينيّ في كتابه المذكور: أنّ في بعض نسخ مسلم عقب قصّة سليمان هذا الاختلاف في هذا العدد , وليس هو من قول النّبيّ ﷺ . وإنّما هو من النّاقلين.
ونقل الكرمانيّ (١): أنّه ليس في الصّحيح أكثر اختلافاً في العدد من هذه القصّة.
قلت: وغاب عن هذا القائل حديث جابر في قدر ثمن الجمل (٢).
وقد حكى وهب بن منبّه في " المبتدأ ": أنّه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرّيّة.
ونحوه ممّا أخرج الحاكم في " المستدرك " من طريق أبي معشر عن محمّد بن كعب قال: بلغَنَا أنّه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب. فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرّيّة.
قوله: (تلد كلُّ امرأةٍ منهن غلاماً، يقاتل في سبيل الله) في رواية لهما عن أبي الزناد " تحملُ كلّ امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله ".
وقوله " تلد " فيه حذفٌ تقديره فتعلق فتحمل فتلد، وكذا في قوله " يقاتل " تقديره فينشأ فيتعلم الفروسيّة فيقاتل، وساغ الحذف , لأنّ
стр. 3399
كلّ فعل منها مسبّب عن الذي قبله، وسبب السّبب سببٌ. هذا قاله على سبيل التّمنّي للخير، وإنّما جزم به لأنّه غلب عليه الرّجاء، لكونه قصد به الخير وأمر الآخرة لا لغرض الدّنيا.
قال بعض السّلف: نبّه ﷺ في هذا الحديث على آفة التّمنّي والإعراض عن التّفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء ليمضي فيه القدر.
قوله: (فقيل له: قل: إن شاء الله) في رواية أبي الزناد " فقال له صاحبه: إن شاء الله " , وفي رواية معمر عن ابن طاوسٍ عند البخاري " فقال له الملك ".
وفي رواية هشام بن حجير عن طاوس عند البخاري " فقال له صاحبه، قال سفيان: يعني الملك ".
وفي هذا إشعار بأنّ تفسير صاحبه بالملك ليس بمرفوع، لكن في " مسند الحميديّ " عن سفيان " فقال له صاحبه أو الملك " بالشّكّ، ومثلها لمسلم.
وفي الجملة ففيه ردٌّ على من فسّر صاحبه بأنّه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصف - بالمدّ وكسر المهملة بعدها فاء - ابن برخيا - بفتح الموحّدة وسكون الرّاء وكسر المعجمة بعدها تحتانيّة -.
وقال القرطبيّ (١): في قوله " فقال له صاحبه أو الملك " إنْ كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس والجنّ، وإن كان الملك فهو الذي
стр. 3400
كان يأتيه بالوحي.
وقال: وقد أبعد مَن قال المراد به خاطره.
وقال النّوويّ: قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظّاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدميّ.
قلت: ليس بين قوله صاحبه والملك منافاةٌ، إلَّا أنّ لفظة " صاحبه " أعمّ، فمن ثَمّ نشأ لهم الاحتمال، ولكنّ الشّكّ لا يؤثّر في الجزم، فمن جزم بأنّه الملك حجّة على من لَم يجزم.
قوله: (فلم يقل) قال عياض: بيّن في الطّريق الأخرى بقوله " فنسي ".
قلت: هي رواية ابن عيينة عن شيخه هشام بن حجير، وفي رواية معمر قال: " ونسي أن يقول إن شاء الله " ومعنى قوله: " فلم يقل " أي: بلسانه لا أنّه أبى أن يفوّض إلى الله بل كان ذلك ثابتاً في قلبه، لكنّه اكتفى بذلك أوّلاً ونسي أن يجريه على لسانه لَمَّا قيل له لشيء عرض له.
قيل: الحكمة في ذلك أنّه صرف عن الاستثناء السّابق القدر، وأبعد مَن قال في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ , والتّقدير فلم يقل: إن شاء الله , فقيل له: قل إن شاء الله، وهذا إن كان سببه أنّ قوله " فنسي " يغني عن قوله " فلم يقل " , فكذا يقال إنّ قوله " فقال له صاحبه: قل إن شاء الله " فيستلزم أنّه كان لَم يقلها، فالأولى عدم ادّعاء التّقديم والتّأخير.