قوله: (رجلٌ من الأنصار غلاماً له) وللبخاري " أعتق رجلٌ منّا عبداً له عن دبرٍ " لَم يقع واحدٌ منهما مسمّىً في شيءٍ من طرق البخاريّ.
وفي رواية مسلم من طريق أيّوب عن أبي الزّبير عن جابر , أنّ رجلاً من الأنصار يقال له أبو مذكور , أعتق غلاماً له عن دبر يقال له يعقوب " , ففيه التّعريف بكلٍّ منهما.
وله من رواية الليث عن أبي الزّبير " أنّ الرّجل كان من بني عذرة "، وكذا للبيهقيّ من طريق مجاهد عن جابر، فلعله كان من بني عذرة. وحالف الأنصار.
ولمسلم من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر بلفظ: دبّر رجلٌ من الأنصار غلاماً له. لَم يكن له مال غيره فباعه رسول الله ﷺ ، فاشتراه ابن النّحّام (١) عبداً قبطيّاً مات عام أوّل في إمارة ابن الزّبير.
стр. 3957
وهكذا أخرجه أحمد عن سفيان بتمامه نحوه.
وقد أخرجه اللبخاري من طريق حمّاد بن زيد عن عمرو نحوه , وفيه فقال رسول الله ﷺ : من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن النحام .. " ولَم يقل: في إمارة ابن الزّبير , ولا عيّن الثّمن.
قوله: (لَم يكن له مالٌ غيره، فباعه بثمانمائة درهمٍ، ثم أرسل بثمنه إليه) وللبخاري من وجه آخر عن عطاء عن جابر بلفظ: إنَّ رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر فاحتاج , فأخذه النّبيّ ﷺ فقال: من يشتريه منّي؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله. فأفاد في هذه الرّواية سبب بيعه وهو الاحتياج إلى ثمنه.
وفي رواية ابن خلادٍ زيادة في تفسير الحاجة. وهو الدّين، فقد ترجم له البخاري في الاستقراض " من باع مال المفلس فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتّى ينفق على نفسه ".
وكأنّه أشار بالأوّل: إلى رواية ابن خلاد عن وكيع عن إسماعيل عن سلمة بن كهيل عن عطاء عند الإسماعيليّ في قوله " وعليه دين " , وقد أخرجه البخاري عن ابن نمير شيخه فيه هنا (١). لكن قال: عن محمّد بن بشر بدل وكيع. عن إسماعيل بن أبي خالد , ولفظه " بلغ النّبيّ ﷺ أنّ رجلاً من أصحابه أعتق غلاماً له عن دُبُر لَم يكن له مال
стр. 3958
غيره , فباعه بثمانمائة درهم , ثمّ أرسل بثمنه إليه ".
وإلى ما أخرجه النّسائيّ من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل بلفظ " إنَّ رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دُبر - وكان محتاجاً وكان عليه دين - فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم فأعطاه , وقال: اقض دينك ".
وبالثّاني: إلى ما أخرجه مسلم والنّسائيّ من طريق الليث عن أبي الزّبير عن جابر قال: أعتق رجلٌ من بني عذرة عبداً له عن دُبر، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فقال: ألك مال غيره؟ فقال: لا. الحديث. وفيه " فدفعها إليه , ثمّ قال: ابدأ بنفسك فتصدّق عليها " الحديث.
وفي رواية أيّوب عن أبي الزبير نحوه ولفظه " وإذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله .. الحديث ".
فاتّفقت هذه الرّوايات على أنّ بيع المدبّر كان في حياة الذي دبّره، إلَّا ما رواه شريك عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر , إنَّ رجلاً مات وترك مدبّراً وديناً، فأمرهم النّبيّ ﷺ فباعه في دينه بثمانمائة درهم.
أخرجه الدّارقطنيّ، ونقل عن شيخه أبي بكر النّيسابوريّ: أنّ شريكاً أخطأ فيه، والصّحيح ما رواه الأعمش وغيره عن سلمة. وفيه " ودفع ثمنه إليه ".
وفي رواية النّسائيّ من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد " ودفع ثمنه إلى مولاه ".
стр. 3959
قلت: وقد رواه أحمد عن أسود بن عامر عن شريك بلفظ " إنّ رجلاً دبّر عبداً له وعليه دين، فباعه النّبيّ ﷺ في دين مولاه ".
وهذا شبيه برواية الأعمش , وليس فيه للموت ذكرٌ، وشريك كان تغيّر حفظه لَمَّا ولي القضاء، وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصحّ , ومنهم أسود المذكور.
وقد اتّفقت طرق رواية عمرو بن دينار عن جابر أيضاً على أنّ البيع وقع في حياة السّيّد، إلَّا ما أخرجه التّرمذيّ من طريق ابن عيينة عنه بلفظ " أنّ رجلاً من الأنصار دبّر غلاماً له فمات ولَم يترك مالاً غيره " الحديث.
وقد أعلَّه الشّافعيّ: بأنّه سمعه من ابن عيينة مراراً لَم يذكر قوله " فمات "، وكذلك رواه الأئمّة أحمد وإسحاق وابن المدينيّ والحميديّ وابن أبي شيبة عن ابن عيينة.
ووجّه البيهقيُّ الرّوايةَ المذكورة بأنّ أصلها , أنّ رجلاً من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حادثٌ فمات، فدعا به النّبيّ ﷺ فباعه من نعيم. كذلك رواه مطر الورّاق عن عمرو.
قال البيهقيّ: فقوله " فمات " من بقيّة الشّرط، أي: فمات من ذلك الحدث، وليس إخباراً عن أنّ المدبّر مات، فحذف من رواية ابن عيينة قوله " إن حدَثَ به حدَثٌ " فوقع الغلط بسبب ذلك , والله أعلم انتهى.
وقد تقدّم الجواب عمّا وقع من مثل ذلك في رواية عطاء عن جابر
стр. 3960
من طريق شريك عن سلمة بن كهيل , والله أعلم.
تنبيهات:
الأوّل: اتّفقت الطّرق على أنّ ثمنه ثمانمائة درهم، إلَّا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيمٍ عن إسماعيل عن سلمة بن كهيل قال " سبعمائةٍ أو تسعمائةٍ ".
الثّاني: وجدت لوكيعٍ في حديث الباب إسناداً آخر , أخرجه ابن ماجه من طريق أبي عبد الرّحمن الأدرميّ عنه عن أبي عمرو بن العلاء عن عطاء بلفظ " باع النبي ﷺ المدبر " مختصراً.
الثّالث: وقع في رواية الأوزاعيّ عن عطاء عند أبي داود , زيادة في آخر الحديث وهو " أنت أحقّ بثمنه , والله أغنى عنه "
قال القرطبيّ وغيره: اتّفقوا على مشروعيّة التّدبير، واتّفقوا على أنّه من الثّلث، غير الليث وزفر فإنّهما قالا: من رأس المال.
واختلفوا هل هو عقد جائز أو لازم؟ فمَن قال , لازم. مَنَعَ التّصرّف فيه إلَّا بالعتق، ومَن قال , جائز أجاز.
وبالأوّل. قال مالك والأوزاعيّ والكوفيّون.
وبالثّاني. قال الشّافعيّ وأهل الحديث.
وحجّتهم حديث الباب (١)، ولأنّه تعليق للعتق بصفة انفرد السّيّد
стр. 3961
بها فيتمكّن من بيعه كمن علق عتقه بدخول الدّار مثلاً، ولأنّ من أوصى بعتق شخص جاز له بيعه باتّفاق , فيلحق به جواز بيع المدبّر لأنّه في معنى الوصيّة.
وقيّد الليث الجواز بالحاجة وإلَّا فيكره، وعنه: يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه.
وعن أحمد: يمتنع بيع المدبّرة دون المدبّر،.
وعن ابن سيرين: لا يجوز بيعه إلَّا من نفسه.
ومال ابن دقيق العيد إلى تقييد الجواز بالحاجة , فقال: من منع بيعه مطلقاً كان الحديث حجّةً عليه , لأنّ المنع الكليّ يناقضه الجواز الجزئيّ. ومن أجازه في بعض الصّور فله أن يقول: قلتُ بالحديث في الصّورة التي ورد فيها، فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصّور.
وأجاب من أجازه مطلقاً: بأنّ قوله " وكان محتاجاً " لا مدخل له في الحكم، وإنّما ذكر لبيان السّبب في المبادرة لبيعه ليتبيّن للسّيّد جواز البيع، ولولا الحاجة لكان عدم البيع أولى. انتهى
وأجاب الأوّل: بأنّها قضيّة عين لا عموم لها فيحمل على بعض الصّور، وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين، وهو مشهور مذهب أحمد والخلاف في مذهب مالك أيضاً.
وأجاب بعض المالكيّة عن الحديث: بأنّه ﷺ ردّ تصرّف هذا الرّجل لكونه لَم يكن له مال غيره , فيستدلّ به على ردّ تصرّف من تصدّق بجميع ماله.
стр. 3962
وادّعى بعضهم: أنّه ﷺ إنّما باع خدمة المدبّر لا رقبته.
واحتجّ بما رواه ابن فضيلٍ عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر أنّه ﷺ قال: لا بأس ببيع خدمة المدبّر " أخرجه الدّارقطنيّ. ورجال إسناده ثقات، إلَّا أنّه اختلف في وصله وإرساله.
ولو صحّ لَم يكن فيه حجّة. إذ لا دليل فيه على أنّ البيع الذي وقع في قصّة المدبّر الذي اشتراه نعيم بن النّحّام كان في منفعته دون رقبته.
قال المُهلَّب: إنّما يبيع الإمام على النّاس أموالهم إذا رأى منهم سفهاً في أموالهم، وأمّا من ليس بسفيهٍ فلا يباع عليه شيء من ماله إلَّا في حقّ يكون عليه، يعني إذا امتنع من أداء الحقّ.
وهو كما قال , لكنّ قصّة بيع المدبّر تردّ على هذا الحصر , وقد أجاب عنها " بأنّ صاحب المدبّر لَم يكن له مال غيره، فلمّا رآه أنفق جميع ماله، وأنّه تعرّض بذلك للتّهلكة نقض عليه فعله ولو كان لَم ينفق جميع ماله لَم ينقض فعله " كما قال للذي كان يخدع في البيوع: قل: لا خلابة " , لأنّه لَم يفوّت على نفسه جميع ماله. انتهى.
فكأنّه كان في حكم السّفيه " فلذلك باع عليه ماله "
وذهب الجمهور. إلى أنّ من ظهر فلَسُه فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله , حتّى يبيعه عليه ويقسمه بين غرمائه على نسبة ديونهم.
وخالف الحنفيّة. واحتجّوا بقصّة جابر حيث قال في دين أبيه: فلم يعطهم الحائط , ولَم يكسره لهم (١).
стр. 3963
ولا حجّة فيه , لأنّه أخّر القسمة ليحضر فتحصل البركة في الثّمر بحضوره فيحصل الخير للفريقين , وكذلك كان.
تكميل: أخرج ابن أبي شيبة عن طاوس , قال: يجزئ عتق المدبّر في الكفّارة وأمّ الولد في الظّهار، وقد اختلف السّلف.
القول الأول: وافق طاوساً الحسنُ في المدبّر والنّخعيّ في أمّ الولد , وخالفه فيهما الزّهريّ والشّعبيّ.
القول الثاني: قال مالك والأوزاعيّ: لا يجزئ في الكفّارة , مدبّرٌ ولا أمّ ولد ولا معلقٌ عتقه , وهو قول الكوفيّين.
القول الثالث: قال الشّافعيّ: يجزئ عتق المدبّر.
القول الرابع: قال أبو ثور: يجزئ عتق المكاتب ما دام عليه شيء من كتابته.
واحتجّ لمالكٍ: بأنّ هؤلاء ثبت لهم عقد الحرّيّة لا سبيل إلى رفعها , والواجب في الكفّارة تحرير رقبة.
وأجاب الشّافعيّ: بأنّه لو كانت في المدبّر شعبة من حرّيّة ما جاز بيعه.