← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

العربيّة. واختارها الجوزجانيّ وغيره. وعن الليث: يسهم للبرذون والهجين دون سهم الفرس. المسألة الثانية: قال مالك: لا يُسهم لأكثر من فرس , وهو قول الجمهور. وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين لا لأكثر، وفي ذلك حديث أخرجه الدّارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ عن أبي عمرة قال: أسهم لي رسول الله ﷺ لفرسي أربعة أسهمٍ ولي سهماً. فأخذت خمسة أسهم. قال القرطبيّ: ولَم يقل أحدٌ إنّه يسهم لأكثر من فرسين , إلَّا ما روي عن سليمان بن موسى , أنّه يسهم لكل فرس سهمان بالغاً ما بلغت , ولصاحبه سهماً. أي: غير سهمي الفرس.

стр. 3922

الحديث الثامن عشر ٤٢١ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ كان ينفّل بعض من يبعث من السّرايا لأنفسهم خاصّةً، سوى قسم عامّة الجيش. (١) قوله: (كان ينفّل بعض ..) زاد مسلمٌ في آخره: " والخمس واجبٌ في ذلك كله " , وليس فيه حجّةٌ أنّ النّفل من الخمس لا من غيره، بل هو محتملٌ لكلٍّ من الأقوال (٢). نعم. فيه دليلٌ على أنّه يجوز تخصيص بعض السّريّة بالتّنفيل دون بعضٍ. قال ابن دقيق العيد: للحديث تعلّقٌ بمسائل الإخلاص في الأعمال، وهو موضعٌ دقيق المأخذ، ووجه تعلّقه به أنّ التّنفيل يقع للتّرغيب في زيادة العمل والمخاطرة في الجهاد، ولكن لَم يضرّهم ذلك قطعاً , لكونه صدر لهم من النّبيّ ﷺ فيدلّ على أنّ بعض المقاصد الخارجة عن محض التّعبّد لا تقدح في الإخلاص، لكنّ ضبط قانونها وتمييزها ممّا تضرّ مداخلته مشكلٌ جدّاً. قوله: (السّرايا) قال ابن السكيت: السرية ما بين الخمسة إلى الثلاثمائة , وقال الخليل: هي نحو أربعمائة. (٣) ويدلُّ له قوله ﷺ : خيرُ السرايا أربعمائة. أخرجه أبو داود.

стр. 3923

الحديث التاسع عشر ٤٢٢ - عن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريّ ﵁ عن النبيّ ﷺ , قال: من حَمَلَ علينا السلاحَ، فليس منّا. (١) قوله: (من حَمَلَ علينا السّلاحَ) في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم " من سَلَّ علينا السّيف " , ومعنى الحديث. حمل السّلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حقّ , لِما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرّعب عليهم، وكأنّه كنّى بالحمل عن المقاتلة , أو القتل للملازمة الغالبة. قال ابن دقيق العيد: يحتمل: أن يراد بالحمل ما يضادّ الوضع , ويكون كناية عن القتال به. ويحتمل: أن يراد بالحمل حمله لإرادة القتال به لقرينة قوله " علينا ". ويحتمل: أن يكون المراد حمله للضّرب به، وعلى كلّ حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتّشديد فيه. انتهى قلت: جاء الحديث بلفظ " من شهر علينا السّلاح " أخرجه البزّار من حديث أبي بكرة، ومن حديث سمرة، ومن حديث عمرو بن

стр. 3924

عوف. وفي سند كلٍّ منها لِيْن , لكنّها يعضّد بعضها بعضاً. وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ " من رمانا بالنّبل فليس منّا " وهو عند الطّبرانيّ في " الأوسط " بلفظ " الليل " بدل النّبل , وعند البزّار من حديث بريدة مثله. قوله: (فليس منّا) أي: ليس على طريقتنا، أو ليس متّبعاً لطريقتنا، لأنّ من حقّ المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السّلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله. ونظيره " من غشّنا فليس منّا " (١) و " ليس منّا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب " (٢) وهذا في حقّ من لا يستحلّ ذلك، فأمّا من يستحلّه فإنّه يكفر باستحلال المحرّم بشرطه لا مجرّد حمل السّلاح. والأولى عند كثير من السّلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرّض لتأويله. ليكون أبلغ في الزّجر. وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره , فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويرى أنّ الإمساك عن تأويله أولى لِما ذكرناه، والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحقّ , فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالماً.

стр. 3925

الحديث العشرون ٤٢٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ ، عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميّةً، ويقاتل رياءً، أيّ ذلك في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله. (١) قوله: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل) وللبخاري من رواية سليمان بن حرب عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل " جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: الرجل ". ولهما من رواية غندر عن شعبة " قال أعرابي ". وهذا يدلّ على وهْم ما وقع عند الطّبرانيّ من وجه آخر عن أبي موسى , أنّه قال: يا رسولَ الله. فذكره، فإنّ أبا موسى - وإن جاز أن يُبهم نفسه - لكن لا يصفها بكونه أعرابيّاً. وهذا الأعرابيّ يصلح أن يُفسَّر بلاحق بن ضميرة، وحديثه عند أبي موسى المدينيّ في " الصّحابة " من طريق عفير بن معدان. سمعت لاحق بن ضميرة الباهليّ , قال: وفدت على النّبيّ ﷺ فسألته عن الرّجل يلتمس الأجر والذّكر؟. فقال: لا شيء له. الحديث، وفي إسناده ضعف.

стр. 3926

وروّينا في " فوائد أبي بكر بن أبي الحديد " بإسنادٍ ضعيف عن معاذ بن جبل أنّه قال: يا رسولَ الله كلّ بني سلمة يقاتل فمنهم من يقاتل رياء .. الحديث. فلو صحّ لاحتمل أن يكون معاذ أيضاً سأل عمّا سأل عنه الأعرابيّ، لأنّ سؤال معاذ خاصّ وسؤال الأعرابيّ عامّ، ومعاذ أيضاً لا يقال له أعرابيّ. فيحمل على التّعدّد (١) قوله: (عن الرجل يقاتل شجاعةً) في رواية منصور عن أبي وائل في الصحيحين " فقال: ما القتال في سبيل الله؟ فإنّ أحدنا يقاتل ". وفي رواية شعبة عن عمرو " الرّجل يقاتل للمغنم , والرجل يقاتل للذكر ". أي: ليذكر بين النّاس , ويشتهر بالشّجاعة , وهي رواية الباب حيث قال " ويقاتل شجاعة ". قوله: (ويقاتل حَميَّةً) أي: لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب، وزاد في رواية منصور " ويقاتل غضباً " أي: لأجل حظّ نفسه. ويحتمل: أن يفسّر القتال للحميّة بدفع المضرّة، والقتال غضباً بجلب المنفعة. قوله: (ويقاتل رياءً) في رواية لهما " والرّجل يقاتل ليُرى مكانه "

стр. 3927

فمرجعه إلى السّمعة , ومرجع رواية الباب إلى الرّياء , وكلاهما مذموم. فالحاصل من رواياتهم. أنّ القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشّجاعة، والرّياء، والحميّة، والغضب، وكلّ منها يتناوله المدح والذّمّ، فلهذا لَم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنّفي. قوله: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا , فهو في سبيل الله) أي: كلمة توحيد الله , وهي المراد بقوله تعالى ﴿قل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية. ويحتمل: أن يكون المراد بالكلمة القضيّة , قال الرّاغب: كلّ قضيّة تسمّى كلمة , سواء كانت قولاً أو فعلاً , والمراد هنا حكمه وشرعه , والمراد دعوة الله إلى الإسلام. ويحتمل: أن يكون المراد , أنّه لا يكون في سبيل الله إلَّا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط , بمعنى أنّه لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخلَّ بذلك. ويحتمل: أن لا يخلّ إذا حصل ضمناً لا أصلاً ومقصوداً. وبذلك صرّح الطّبريّ فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأوّل لا يضرّه ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور. لكن روى أبو داود والنّسائيّ من حديث أبي أُمامة بإسنادٍ جيّد قال: جاء رجل فقال: يا رسولَ الله: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر

стр. 3928

والذّكر مالَه؟ قال: لا شيء له، فأعادها ثلاثاً كلّ ذلك يقول: لا شيء له، ثمّ قال رسول الله ﷺ : إنّ الله لا يقبل من العمل إلَّا ما كان له خالصاً. وابتغي به وجهه. ويمكن أن يُحمل هذا على من قصدَ الأمرين معاً على حدّ واحد فلا يخالف المرجّح أوّلاً، فتصير المراتب خمساً: أن يقصد الشّيئين معاً، أو يقصد أحدهما صرفاً أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمناً، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمناً، وقد لا يحصل ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دلَّ عليه حديث أبي موسى. ودونه أن يقصدهما معاً فهو محذور أيضاً على ما دلَّ عليه حديث أبي أُمامة، والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً، وقد يحصل غير الإعلاء وقد لا يحصل ففيه مرتبتان أيضاً. قال ابن أبي جمرة: ذهب المحقّقون إلى أنّه إذا كان الباعث الأوّل قصد إعلاء كلمة الله لَم يضرّه ما انضاف إليه. انتهى ويدلّ على أنّ دخول غير الإعلاء ضمناً لا يقدح في الإعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصليّ , ما رواه أبو داود بإسنادٍ حسن عن عبد الله بن حوالة قال: بعثنا رسول الله ﷺ على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولَم نغنم شيئاً، فقال: اللهمّ لا تكِلْهم إلى .. الحديث. وفي إجابة النّبيّ ﷺ بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، لأنّه لو أجابه بأنّ جميع ما ذكره ليس في سبيل الله احتمل

стр. 3929

أن يكون ما عدا ذلك كلّه في سبيل الله وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهيّة القتال إلى حال المقاتل فتضمّن الجواب وزيادة. ويحتمل: أن يكون الضّمير في قوله " فهو " راجعاً إلى القتال الذي في ضمن قاتل , أي: فقتاله قتال في سبيل الله، واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه. وكلّها متلازمة. والحاصل ممّا ذكر. أنّ القتال منشؤه القوّة العقليّة والقوّة الغضبيّة والقوّة الشّهوانيّة، ولا يكون في سبيل الله إلَّا الأوّل. وقال ابن بطّال: إنّما عدل النّبيّ ﷺ عن لفظ جواب السّائل , لأنّ الغضب والحميّة قد يكونان لله. فعدلَ النّبيّ ﷺ عن ذلك إلى لفظ جامع فأفاد دفع الإلباس وزيادة الإفهام. وفيه بيان أنّ الأعمال إنّما تحتسب بالنّيّة الصّالحة، وأنّ الفضل الذي ورد في المجاهد يختصّ بمن ذكر. وفيه جواز السّؤال عن العلة، وفيه ذمّ الحرص على الدّنيا وعلى القتال لحظّ النّفس في غير الطّاعة. تكميل: زاد الشيخان " فرفع رأسه إليه، وما رفع رأسه إليه إلَّا أنه كان قائماً، فقال: من قاتل .. " فيه أنّ العالم الجالس إذا سأله شخصٌ قائمٌ لا يعدّ من باب من أحبّ أن يتمثّل له الرّجال قياماً. بل هذا جائز، بشرط الأمن من

стр. 3930

الإعجاب. قاله ابن المنير. وظاهره أنّ القائل هو أبو موسى، ويحتمل: أن يكون من دونه فيكون مدرجاً في أثناء الخبر.

стр. 3931

كتاب العتق العتق بكسر المهملة إزالة الملك، يقال عتق يعتق عتقاً - بكسر أوّله ويفتح - وعتاقاً وعتاقة. قال الأزهريّ: وهو مشتقٌّ من قولهم: عتق الفرس إذا سبق , وعتق الفرخ إذا طار، لأنّ الرّقيق يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء. قال الله تعالى: ﴿فكّ رقبةٍ﴾ والمراد بفكّ الرّقبة. تخليص الشّخص من الرّقّ من تسمية الشّيء باسم بعضه. وإنّما خُصّت بالذّكر إشارة إلى أنّ حكم السّيّد عليه كالغلِّ في رقبته. فإذا أعتق فكّ الغلّ من عنقه. وجاء في حديثٍ صحيحٍ. أنّ فكّ الرّقبة مختصٌّ بمن أعان في عتقها حتّى تعتق , رواه أحمد وابن حبّان والحاكم من حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : أعتق النّسمة وفكّ الرّقبة. قيل: يا رسولَ الله. أليستا واحدة؟ قال: لا، إنّ عتق النّسمة أن تفرد بعتقها، وفكّ الرّقبة أن تعين في عتقها. وهو في أثناء حديث طويل أخرج التّرمذيّ بعضه وصحَّحه. وإذا ثبت الفضل في الإعانة على العتق ثبت الفضل في التّفرّد بالعتق من باب الأولى (١).

стр. 3932

الحديث الأول ٤٢٤ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: من أعتق شِركاً له في عبدٍ، فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد، قوّم عليه قيمة عدْلٍ، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق. (١) قوله: (من أعتق) ظاهره العموم، لكنّه مخصوص بالاتّفاق فلا يصحّ من المجنون ولا من المحجور عليه لسفهٍ، وفي المحجور عليه بفلسٍ والعبد والمريض مرض الموت والكافر تفاصيل للعلماء بحسب ما يظهر عندهم من أدلة التّخصيص. ولا يقوَّم في مرض الموت عند الشّافعيّة إلَّا إذا وسعه الثّلث، وقال أحمد: لا يقوَّم في المرض مطلقاً. وخرج بقوله: " أعتق " ما إذا أعتق عليه. بأن ورث بعض من يعتق عليه بقرابةٍ فلا سراية عند الجمهور، وعن أحمد رواية. وكذلك لو عجَزَ المكاتب بعد أن اشترى شقصاً يعتق على سيّده فإنّ الملك والعتق يحصلان بغير فعل السّيّد فهو كالإرث. ويدخل في الاختيار ما إذا أكره بحقٍّ، لو أوصى بعتق نصيبه من المشترك أو بعتق جزءٍ ممّن له كلّه لَم يسر عند الجمهور أيضاً , لأنّ المال

стр. 3933

ينتقل للوارث ويصير الميّت معسراً، وعن المالكيّة رواية. وحجّة الجمهور مع مفهوم الخبر , أنّ السّراية على خلاف القياس فيختصّ بمورد النّصّ، ولأنّ التّقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات فيقتضي التّخصيص بصدور أمر يجعل إتلافاً. ثمّ ظاهر قوله: " من أعتق " وقوع العتق منجّزاً , وأجرى الجمهور المعلَّق بصفةٍ إذا وجدت مجرى المنجّز. تكميل: ادّعى ابن حزم. أنّ لفظ العبد في اللّغة يتناول الأمة. وفيه نظرٌ، ولعله أراد المملوك. وقال القرطبيّ: العبد اسم للمملوك الذّكر بأصل وضعه، والأمة اسم لمؤنّثه بغير لفظه، ومن ثَمّ قال إسحاق: إنّ هذا الحكم لا يتناول الأنثى، وخالفه الجمهور. فلم يفرّقوا في الحكم بين الذّكر والأنثى , إمّا لأنّ لفظ العبد يراد به الجنس كقوله تعالى: ﴿إلَّا آتي الرّحمن عبداً﴾ فإنّه يتناول الذّكر والأنثى قطعاً، وإمّا على طريق الإلحاق لعدم الفارق. قال: وحديث ابن عمر من طريق موسى بن عقبة عن نافع عنه , أنّه كان يفتي في العبد والأمة يكون بين الشّركاء " الحديث، وقد قال في آخره: يخبر ذلك عن النّبيّ ﷺ . (١) فظاهره أنّ الجميع مرفوع. وقد رواه الدّارقطنيّ من طريق الزّهريّ عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له شرك في عبد أو أمة " الحديث.

стр. 3934

وهذا أصرح ما وجدته في ذلك، ومثله ما أخرجه الطّحاويّ من طريق ابن إسحاق عن نافع مثله , وقال فيه: " حمل عليه ما بقي في ماله حتّى يعتق كلّه ". وقد قال إمام الحرمين: إدراك كون الأَمَةِ في هذا الحكم كالعبد حاصل للسّامع قبل التّفطّن لوجه الجمع والفرق، والله أعلم. قلت: وقد فرّق بينهما عثمان الليثيّ بمأخذٍ آخر فقال: ينفذ عتق الشّريك في جميعه ولا شيء عليه لشريكه إلَّا أن تكون الأمة جميلة تراد للوطء فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضّرر. قال النّوويّ: قول إسحاق شاذّ، وقول عثمان فاسد. انتهى قوله: (شركاً) وهو بكسر المعجمة وسكون الرّاء , وفي رواية للبخاري " عبداً بين اثنين " هو كالمثال وإلا فلا فرق بين أن يكون بين اثنين أو أكثر. وفي رواية أيّوب عن نافع عن ابن عمر عند الشيخين " شقصاً " بمعجمةٍ وقاف مهملة وزن الأوّل، وفي رواية للشيخين " نصيباً " والكلّ بمعنىً، إلَّا أنّ ابن دريد قال: هو القليل والكثير. وقال القزّاز: لا يكون الشّقص إلَّا كذلك، والشّرك في الأصل مصدر أطلق على متعلقه وهو العبد المشترك، ولا بدّ في السّياق من إضمار جزءٍ أو ما أشبهه لأنّ المشترك هو الجملة أو الجزء المعيّن منها. وظاهره العموم في كل رقيق , لكن يستثنى الجاني والمرهون ففيه خلاف، والأصحّ في الرّهن والجناية منع السّراية , لأنّ فيها إبطال

стр. 3935

حقّ المرتهن والمجنيّ عليه، فلو أعتق مشتركاً بعد أن كاتباه , فإن كان لفظ العبد يتناول المكاتب وقعت السّراية وإلا فلا، ولا يكفي ثبوت أحكام الرّقّ عليه، فقد ثبتت ولا يستلزم استعمال لفظ العبد عليه، ومثله ما لو دبّراه، لكن تناول لفظ العبد للمدبّر أقوى من المكاتب فيسري هنا على الأصحّ، فلو أعتق من أمة ثبت كونها أمّ ولد لشريكه فلا سراية لأنّها تستلزم النّقل من مالكٍ إلى مالكٍ، وأمّ الولد لا تقبل ذلك عند من لا يرى بيعها , وهو أصحّ قولي العلماء. قوله: (فكان له مالٌ يبلغ) أي: شيء يبلغ، والتّقييد بقوله: " يبلغ " يخرج ما إذا كان له مال لكنّه لا يبلغ قيمة النّصيب. وظاهره أنّه في هذه الصّورة لا يقوّم عليه مطلقاً، لكنّ الأصحّ عند الشّافعيّة وهو مذهب مالك , أنّه يسري إلى القدر الذي هو موسرٌ به تنفيذاً للعتق بحسب الإمكان. وللبخاري من رواية سالم عن أبيه " فإن كان موسراً قوّم " ظاهره اعتبار ذلك حال العتق، حتّى لو كان معسراً ثمّ أيسر بعد ذلك لَم يتغيّر الحكم، ومفهومه أنّه إن كان معسراً لَم يقوّم. وقد أفصح بذلك في رواية الباب حيث قال فيها: " وإلا فقد عتق منه ما عتق " , ويبقى ما لَم يعتق على حكمه الأوّل، هذا الذي يفهم من هذا السّياق وهو السّكوت عن الحكم بعد هذا الإبقاء. وسيأتي البحث في ذلك في الكلام على الحديث الذي يليه. قوله: (ثمن العبد) أي: ثمن بقيّة العبد، لأنّه موسر بحصّته،

стр. 3936

وقد أوضح ذلك النّسائيّ في روايته من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عبيد الله بن عمر وعمر بن نافع ومحمّد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر بلفظ " وله مال يبلغ قيمة أنصباء شركائه , فإنّه يضمن لشركائه أنصباءهم ويعتق العبد ". والمراد بالثّمن هنا القيمة، لأنّ الثّمن ما اشتريت به العين، واللازم هنا القيمة لا الثّمن، وقد تبيّن المراد في رواية زيد بن أبي أنيسة المذكورة، وفي رواية أيّوب عن نافع بلفظ " ما يبلغ قيمته بقيمة عدل ". قوله: (قُوّم عليه قيمة عدل) (١) بضمّ أوّله، زاد مسلم والنّسائيّ في روايتهما من هذا الوجه " في ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ". والوكس: بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مهملة النّقص، والشّطط بمعجمة ثمّ مهملة مكرّرة والفتح. الجور. واتّفق مَن قال من العلماء على أنّه يباع في حصّة شريكه جميع ما يباع عليه في الدّين على اختلاف عندهم في ذلك، ولو كان عليه دين بقدر ما يملكه كان في حكم الموسر على أصحّ قولي العلماء، وهو كالخلاف في أنّ الدّين. هل يمنع الزّكاة أم لا.؟ ووقع في رواية الشّافعيّ والحميديّ عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه " فإنّه يقوّم عليه بأعلى القيمة أو قيمة عدل ". وهو شكّ من سفيان، وقد رواه أكثر أصحابه عنه بلفظ " قوّم عليه قيمة

стр. 3937

عدل " (١) وهو الصّواب. قوله: (فأَعْطَى شركاءه) كذا للأكثر على البناء للفاعل وشركاءه بالنّصب، ولبعضهم " فأعطي " على البناء للمفعول. وشركاؤه بالضّمّ. قوله: (حصصهم) أي: قيمة حصصهم , أي: إن كان له شركاء. فإن كان له شريك أعطاه جميع الباقي، وهذا لا خلاف فيه , فلو كان مشتركاً بين الثّلاثة , فأعتق أحدهم حصّته وهي الثّلث , والثّاني حصّته وهي السّدس , فهل يقوّم عليهما نصيب صاحب النّصف بالسّويّة أو على قدر الحصص؟. الجمهور على الثّاني، وعند المالكيّة والحنابلة خلاف كالخلاف في الشّفعة إذا كانت لاثنين هل يأخذان بالسّويّة أو على قدر الملك؟. قوله: (وإلاّ فقد عتق منه ما عتق). قال الدّاوديّ: هو بفتح العين من الأوّل ويجوز الفتح والضّمّ في الثّاني. وتعقّبه ابن التّين: بأنّه لَم يقله غيره، وإنّما يقال عتق بالفتح وأعتق بضمّ الهمزة، ولا يعرف عتق بضمّ أوّله , لأنّ الفعل لازم غير متعدٍّ. قال البخاري: رواه الليث وابن أبي ذئب وابن إسحاق وجويرية ويحيى بن سعيد وإسماعيل بن أُميَّة عن نافع عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ مختصراً. انتهى

стр. 3938

يعني. ولَم يذكروا الجملة الأخيرة في حقّ المعسر , وهي قوله: " فقد عتق منه ما عتق ". فأمّا رواية الليث. فقد وصلها مسلم , ولَم يسق لفظه، والنّسائيّ ولفظه سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيّما مملوكٍ كان بين شركاء , فأعتق أحدهم نصيبه فإنّه يقام في مال الذي أعتق قيمة عدل فيعتق إن بلغ ذلك ماله ". وأمّا رواية ابن أبي ذئب. فوصلها مسلم , ولَم يسق لفظها، ووصلها أبو نعيم في " مستخرجه عليه " ولفظه " من أعتق شركاً في مملوك , وكان للذي عتق مبلغ ثمنه , فقد عتق كلّه ". وأمّا رواية ابن إسحاق. فوصلها أبو عوانة , ولفظه " من أعتق شركاً له في عبد مملوك فعليه نفاذه منه ". وأمّا رواية جويرية - وهو ابن أسماء - فوصلها البخاري. وأمّا رواية يحيى بن سعيد. فوصلها مسلم وغيره. وأمّا رواية إسماعيل بن أُميَّة. فوصلها مسلم. ولَم يسق لفظها، وهي عند عبد الرّزّاق نحو رواية ابن أبي ذئب. وشكَّ أيّوب في هذه الزّيادة المتعلقة بحكم المعسر , هل هي موصولةٌ مرفوعةٌ , أو منقطعةٌ مقطوعةٌ؟. فرواه البخاري من رواية حماد عنه. قال: لا أدري. أشيء قاله نافع أو شيء في الحديث , وقد رواه عبد الوهّاب عن أيّوب , فقال في آخره: وربّما قال: وإن لَم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق , وربّما لَم يقله،

стр. 3939

وأكثر ظنّي أنّه شيء يقوله نافع من قِبَله. أخرجه النّسائيّ. وقد وافق أيّوبَ على الشّكّ في رفع هذه الزّيادة يحيى بنُ سعيد عن نافع , أخرجه مسلم والنّسائيّ , ولفظ النّسائيّ " وكان نافع يقول: قال يحيى: لا أدري أشيء كان من قِبَله يقوله أم شيء في الحديث، فإن لَم يكن عنده فقد جاز ما صنع " , ورواها من وجه آخر عن يحيى. فجزم بأنّها عن نافع، وأدرجها في المرفوع من وجهٍ آخر. وجزم مسلم. بأنّ أيّوب ويحيى , قالا: لا ندري أهو في الحديث , أو شيء قاله نافع من قِبَله. ولَم يختلف عن مالك في وصلها ولا عن عبيد الله بن عمر، لكن اختلف عليه في إثباتها وحذفها، والذين أثبتوها حفّاظ فإثباتها عن عبيد الله مقدّم، وأثبتها أيضاً جرير بن حازم كما عند البخاري , وإسماعيل بن أُميَّة عند الدّارقطنيّ. وقد رجّح الأئمّة رواية من أثبت هذه الزّيادة مرفوعة. قال الشّافعيّ: لا أحسب عالماً بالحديث يشكّ في أنّ مالكاً أحفظ لحديث نافع من أيّوب، لأنّه كان ألزم له منه، حتّى ولو استويا فشكّ أحدهما في شيءٍ لَم يشكّ فيه صاحبه كانت الحجّة مع من لَم يشكّ. ويؤيّد ذلك قول عثمان الدّارميّ: قلت لابن معين: مالك في نافعٍ أحبّ إليك أو أيّوب؟ قال: مالك. وسأذكر ثمرة الخلاف في رفع هذه الزّيادة , أو وقفها في الكلام على حديث أبي هريرة الذي يليه إن شاء الله تعالى.

стр. 3940

وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ الموسر إذا أعتق نصيبه من مملوك عتق كلّه. قال ابن عبد البرّ: لا خلاف في أنّ التّقويم لا يكون إلَّا على الموسر، ثمّ اختلفوا في وقت العتق: القول الأول: قال الجمهور والشّافعيّ في الأصحّ وبعض المالكيّة: إنّه يعتق في الحال. القول الثاني: قال بعض الشّافعيّة: لو أعتق الشّريك نصيبه بالتّقويم كان لغواً , ويغرم المعتق حصّة نصيبه بالتّقويم. وحجّتهم رواية أيّوب في البخاري حيث قال: من أعتق نصيباً , وكان له من المال ما يبلغ قيمته , فهو عتيق. وأوضح من ذلك رواية النّسائيّ وابن حبّان وغيرهما من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر بلفظ " من أعتق عبداً وله فيه شركاء , وله وفاء فهو حرّ , ويضمن نصيب شركائه بقيمته ". وللطّحاويّ من طريق ابن أبي ذئب عن نافع " فكان للذي يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه فهو عتيق كلّه "، حتّى لو أعسر الموسر المعتق بعد ذلك استمرّ العتق وبقي ذلك ديناً في ذمّته، ولو مات أخذ من تركته، فإن لَم يخلف شيئاً لَم يكن للشّريك شيء واستمرّ العتق. القول الثالث: المشهور عند المالكيّة أنّه لا يعتق إلَّا بدفع القيمة، فلو أعتق الشّريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشّافعيّ.

стр. 3941

وحجّتهم رواية سالم في البخاري حيث قال: فإن كان موسراً قوّم عليه ثمّ يعتق. والجواب: أنّه لا يلزم من ترتيب العتق على التّقويم ترتيبه على أداء القيمة، فإنّ التّقويم يفيد معرفة القيمة، وأمّا الدّفع فقدرٌ زائد على ذلك. وأمّا رواية مالك التي فيها " فأعطى شركاءه حصصهم , وعتق عليه العبد " فلا تقتضي ترتيباً لسياقها بالواو. وفي الحديث حجّة على ابن سيرين حيث قال: يعتق كلّه , ويكون نصيب من لَم يعتق في بيت المال، لتصريح الحديث بالتّقويم على المعتق. وعلى ربيعة حيث قال: لا ينفذ عتق الجزء من موسر ولا معسر، وكأنّه لَم يثبت عنده الحديث. وعلى بكير بن الأشجّ حيث قال: إنّ التّقويم يكون عند إرادة العتق لا بعد صدوره. وعلى أبي حنيفة حيث قال: يتخيّر الشّريك بين أن يقوّم نصيبه على المعتق , أو يعتق نصيبه , أو يستسعي العبد في نصيب الشّريك. ويقال إنّه لَم يُسبق إلى ذلك , ولَم يتابعه عليه أحدٌ حتّى ولا صاحباه. وطرد قوله في ذلك. فيما لو أعتق بعض عبده. فالجمهور قالوا: يعتق كلّه. وقال هو: يستسعي العبد في قيمة نفسه لمولاه.

стр. 3942

واستثنى الحنفيّة ما إذا أذن الشّريك , فقال لشريكه: أعتق نصيبك، قالوا: فلا ضمان فيه. واستدل به على أنّ من أتلف شيئاً من الحيوان فعليه قيمته لا مثله، ويلتحق بذلك ما لا يكال ولا يوزن. عند الجمهور. وقال ابن بطّال: قيل الحكمة في التّقويم على الموسر أن تكمل حرّيّة العبد لتتمّ شهادته وحدوده. قال: والصّواب أنّها لاستِكْمال إنقاذ المعتق من النّار. قلت: وليس القول المذكور مردوداً , بل هو محتملٌ أيضاً، ولعل ذلك أيضاً هو الحكمة في مشروعيّة الاستسعاء.

стр. 3943

الحديث الثاني ٤٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: من أعتق شِقصاً له من مملوكٍ، فعليه خلاصه كلّه في ماله، فإن لَم يكن له مالٌ قوّم المملوك، قيمةَ عدلٍ، ثم استُسعي العبد، غير مشقوقٍ عليه. (١) قوله: (من أعتق شقصاً له من مملوكٍ ...) وللبخاري من وجهٍ آخر عن جرير بن حازم عن قتادة بلفظ " من أعتق شقصاً له في عبدٍ أعتق كلّه إن كان له مال , وإلاَّ يستسعَ غير مشقوق عليه " , وأخرجه الإسماعيليّ من طريق بشر بن السّريّ ويحيى بن بكير جميعاً عن جرير بن حازم بلفظ " من أعتق شقصاً من غلام , وكان للذي أعتقه من المال ما يبلغ قيمة العبد أعتق في ماله، وإن لَم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه ". قوله: (قوّم المملوك، قيمة عدلٍ، ثم استسعي العبد) في رواية عيسى بن يونس عن سعيد عن قتادة عند مسلم " ثمّ يستسعى في نصيب الذي لَم يُعتِق " الحديث. وفي رواية عبدة عند النّسائيّ ومحمّد بن بشر عند أبي داود كلاهما عن سعيد " فإن لَم يكن له مال قوّم ذلك العبد قيمة عدل , واستسعي في قيمته لصاحبه " الحديث.

стр. 3944

وأشار البخاري في الترجمة (١) إلى أنّ المراد بقوله في حديث ابن عمر " وإلاَّ فقد عتق منه ما عتق " أي: وإلاَّ فإن كان المعتق لا مال له يبلغ قيمة بقيّة العبد فقد تنجّز عتق الجزء الذي كان يملكه , وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه أوّلاً إلى أن يستسعي العبد في تحصيل القدر الذي يخلص به باقيه من الرّقّ إن قوي على ذلك، فإن عجَزَ نفسه استمرّت حصّة الشّريك موقوفة. وهو مصيرٌ منه إلى القول بصحّة الحديثين جميعاً , والحكم برفع الزّيادتين معاً وهو قوله في حديث ابن عمر " وإلاَّ فقد عتق منه ما عتق ". وقد تقدّم بيان من جزم بأنّها من جملة الحديث، وبيان من توقّف فيها , أو جزم بأنّها من قول نافع (٢). وقوله في حديث أبي هريرة " فاستسعى به غير مشقوق عليه " وسأبيّن من جزمَ بأنّها من جملة الحديث ومن توقّف فيها أو جزم بأنّها من قول قتادة. وقد بيّنت ذلك في كتابي " المدرج " بأبسط ممّا هنا. وقد استبعد الإسماعيليّ إمكان الجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة , ومنع الحكم بصحّتهما معاً , وجزم بأنّهما متدافعان.

стр. 3945

وقد جمع غيره بينهما بأوجهٍ أخر. يأتي بيانها إن شاء الله تعالى قوله: (غير مشقوقٍ عليه) تقدّم توجيهه. وقال ابن التّين: معناه لا يستغلي عليه في الثّمن، وقيل: معناه غير مكاتب وهو بعيد جدّاً. وفي ثبوت الاستسعاء حجّة على ابن سيرين حيث قال: يعتق نصيب الشّريك الذي لَم يعتق من بيت المال. قال البخاري: تابعه حجّاج بن حجّاج وأبان وموسى بن خلف عن قتادة , واختصره شعبة. انتهى أراد البخاريّ بهذا. الرّدّ على من زعم أنّ الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظٍ. وأنّ سعيد بن أبي عروبة (١) تفرّد به، فاستظهر له برواية جرير بن حازم بموافقته. ثمّ ذكر ثلاثة تابعوهما على ذِكْرها. فأمّا رواية حجّاج , فهو في نسخة حجّاج بن حجّاج عن قتادة. من رواية أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاريّ عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن حجّاج. وفيها ذكر السّعاية، ورواه عن قتادة أيضاً حجّاج بن أرطاة , أخرجه الطّحاويّ. وأمّا رواية أبان. فأخرجها أبو داود والنّسائيّ من طريقه , قال: حدّثنا قتادة أخبرنا النّضر بن أنسٍ ولفظه " فإنّ عليه أن يعتق بقيّته إن كان له مال , وإلا استسعي العبد " الحديث، ولأبي داود " فعليه أن يعتقه كلّه والباقي سواء ".

стр. 3946

وأمّا رواية موسى بن خلف. فوصلها الخطيب في " كتاب الفصل والوصل " من طريق أبي ظفر عبد السّلام بن مظهر عنه عن قتادة عن النّضر. ولفظه " من أعتق شقصاً له في مملوك فعليه خلاصه إن كان له مال، فإن لَم يكن له مال استسعي غير مشقوق عليه ". وأمّا رواية شعبة. فأخرجها مسلم والنّسائيّ من طريق غندر عنه عن قتادة بإسناده. ولفظه " عن النّبيّ ﷺ في المملوك بين الرّجلين فيعتق أحدهما نصيبه , قال: يضمن "، ومن طريق معاذ عن شعبة بلفظ " من أعتق شقصاً من مملوك فهو حرّ من ماله ". وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق الطّيالسيّ عن شعبة , وأبو داود من طريق روح عن شعبة بلفظ " من أعتق مملوكاً بينه وبين آخر فعليه خلاصه ". وقد اختصر ذكرَ السّعاية أيضاً هشام الدّستوائيّ عن قتادة , إلَّا أنّه اختلف عليه في إسناده: فمنهم من ذكر فيه النّضر بن أنس , ومنهم من لَم يذكره، وأخرجه أبو داود والنّسائيّ بالوجهين , ولفظ أبي داود والنّسائيّ جميعاً من طريق معاذ بن هشام عن أبيه " من أعتق نصيباً له في مملوك عتق من ماله إن كان له مال " , ولَم يختلف على هشام في هذا القدر من المتن. وغفل عبد الحقّ , فزعم أنّ هشاماً وشعبة ذكرا الاستسعاء فوصلاه. وتعقّبَ ذلك عليه ابنُ الموَّاق فأجاد. وبالغ ابن العربيّ , فقال: اتّفقوا على أنّ ذكر الاستسعاء ليس من

стр. 3947

قول النّبيّ ﷺ ، وإنّما هو من قول قتادة. ونقل الخلال في " العلل " عن أحمد أنّه ضعّف رواية سعيد في الاستسعاء، وضعّفها أيضاً الأثرم عن سليمان بن حرب، واستند إلى أنّ فائدة الاستسعاء أن لا يدخل الضّرر على الشّريك. قال: فلو كان الاستسعاء مشروعاً للزم أنّه لو أعطاه مثلاً كل شهر درهمين أنّه يجوز ذلك، وفي ذلك غاية الضّرر على الشّريك. انتهى. وبمثل هذا لا تُرد الأحاديث الصّحيحة. قال النّسائيّ: بلغني أنّ همّاماً رواه فجعل هذا الكلام , أي: الاستسعاء من قول قتادة. وقال الإسماعيليّ: قوله " ثمّ استسعي العبد " ليس في الخبر مسنداً، وإنّما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همّام. وقال ابن المنذر والخطّابيّ: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن. قلت: ورواية همّام. قد أخرجها أبو داود عن محمّد بن كثير عنه عن قتادة , لكنّه لَم يذكر الاستسعاء أصلاً , ولفظه " أنّ رجلاً أعتق شقصاً من غلام، فأجاز النّبيّ ﷺ عتقه وغرّمه بقيّة ثمنه ". نعم. رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن همّام فذكر فيه السّعاية وفصَلَها من الحديث المرفوع. أخرجه الإسماعيليّ وابن المنذر والدّارقطنيّ والخطّابيّ والحاكم في " علوم الحديث " والبيهقيّ والخطيب في " الفصل والوصل " كلّهم من طريقه , ولفظه مثل

стр. 3948

رواية محمّد بن كثير سواء. وزاد , قال: فكان قتادة يقول: إن لَم يكن له مال استسعي العبد. قال الدّارقطنيّ: سمعت أبا بكر النّيسابوريّ يقول: ما أحسن ما رواه همّام , ضبطه وفصل بين قول النّبيّ ﷺ وبين قول قتادة. هكذا جزم هؤلاء بأنّه مدرج. وأبى ذلك آخرون. منهم صاحبا الصّحيح. فصحّحا كون الجميع مرفوعاً، وهو الذي رجّحه ابن دقيق العيد وجماعة، لأنّ سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له , وكثرة أخذه عنه من همّام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد , لكنّهما لَم ينافيا ما رواه، وإنّما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متّحداً حتّى يتوقّف في زيادة سعيد، فإنّ ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما. فسمع منه ما لَم يسمعه غيره. وهذا كلّه لو انفرد، وسعيد لَم ينفرد. وقد قال النّسائيّ في حديث قتادة (١) عن أبي المليح في هذا الباب. بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة: هشام وسعيد أثبت في قتادة من همّام. وما أُعِلّ به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرّد به مردودٌ , لأنّه

стр. 3949

في الصّحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زُريع , ووافقه عليه أربعة تقدّم ذكرهم , وآخرون معهم لا نطيل بذكرهم. وهمّام هو الذي انفرد بالتّفصيل، وهو الذي خالف الجميع في القدر المتّفق على رفعه , فإنّه جعله واقعةَ عين. وهُم جعلوه حكماً عامّاً، فدلَّ على أنّه لَم يضبطه كما ينبغي. والعجب ممّن طعن في رفع الاستسعاء بكون همّام جعله من قول قتادة , ولَم يطعن فيما يدلّ على ترك الاستسعاء , وهو قوله في حديث ابن عمر في الحديث الماضي " وإلَّا فقد عتق منه ما عتق " بكون أيّوب جعله من قول نافع كما تقدّم شرحه، ففَصَلَ قولَ نافع من الحديث وميّزه كما صنع همّام سواء فلم يجعلوه مدرجاً كما جعلوا حديث همّام مدرجاً مع كون يحيى بن سعيد وافق أيّوب في ذلك. وهمّام لَم يوافقه أحدٌ. وقد جزم بكون حديث نافع مدرجاً محمّد بن وضّاح وآخرون. والذي يظهر أنّ الحديثين صحيحان مرفوعان , وفاقاً لعمل صاحبي الصّحيح. وقال ابن الموَّاق: والإنصاف أن لا نوهم الجماعة بقولٍ واحد مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به، فليس بين تحديثه به مرّة وفتياه به أخرى منافاة. قلت: ويؤيّد ذلك , أنّ البيهقيّ أخرج من طريق الأوزاعيّ عن

стр. 3950

قتادة , أنّه أفتى بذلك، والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ممكن بخلاف ما جزم به الإسماعيليّ. قال ابن دقيق العيد: حسبك بما اتّفق عليه الشّيخان فإنّه أعلى درجات الصّحيح، والذين لَم يقولوا بالاستسعاء. تعلَّلوا في تضعيفه بتعليلاتٍ لا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرِدُ عليها مثل تلك التّعليلات. وكأنّ البخاريّ خشي من الطّعن في رواية سعيد بن أبي عروبة فأشار إلى ثبوتها بإشاراتٍ خفيّةٍ كعادته، فإنّه أخرجه من رواية يزيد بن زريع عنه , وهو من أثبت النّاس فيه وسمع منه قبل الاختلاط، ثمّ استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته لينفي عنه التّفرّد، ثمّ أشار إلى أنّ غيرهما تابعهما. ثمّ قال: اختصره شعبة. وكأنّه جواب عن سؤال مقدّر، وهو أنّ شعبة أحفظ النّاس لحديث قتادة فكيف لَم يذكر الاستسعاء؟. فأجاب بأنّ هذا لا يؤثّر فيه ضعفاً , لأنّه أورده مختصراً وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. والله أعلم. وقد وقع ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة: أخرجه الطّبرانيّ من حديث جابر، وأخرجه البيهقيّ من طريق خالد بن أبي قلابة عن رجلٍ من بني عذرة. وعمدة من ضعّف حديث الاستسعاء في حديث ابن عمر قوله " وإلاَّ فقد عتق منه ما عتق ". وقد تقدّم أنّه في حقّ المعسر , وأنّ

стр. 3951

المفهوم من ذلك الجزء الذي لشريك المعتق باقٍ على حكمه الأوّل، وليس فيه التّصريح بأن يستمرّ رقيقاً، ولا فيه التّصريح بأنّه يعتق كلّه. وقد احتجّ بعض من ضعّف رفع الاستسعاء , بزيادةٍ وقعت في الدّارقطنيّ وغيره من طريق إسماعيل بن أُميَّة وغيره عن نافع عن ابن عمر , قال في آخره: ورقّ منه ما بقي " وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبيّ. وليس بالمشهور , عن يحيى بن أيّوب. وفي حفظه شيء عندهم. (١) وعلى تقدير صحّتها. فليس فيها أنّه يستمرّ رقيقاً، بل هي مقتضى المفهوم من رواية غيره. وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك. فللذي صحّح رفعه أن يقول: معنى الحديثين أنّ المعسر إذا أعتق حصّته لَم يسر العتق في حصّة شريكه , بل تبقى حصّة شريكه على حالها وهي الرّقّ، ثمّ يستسعي في عتق بقيّته فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيّده ويدفعه إليه ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاريّ. والذي يظهر أنّه في ذلك باختياره لقوله: " غير مشقوق عليه " فلو كان ذلك على سبيل اللّزوم بأن يكلَّف العبد الاكتساب والطّلب حتّى يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقّة، وهو لا يلزم في الكتابة

стр. 3952

بذلك عند الجمهور , لأنّها غير واجبة فهذه مثلها. وإلى هذا الجمع مال البيهقيّ , وقال: لا يبقى بين الحديثين معارضة أصلاً. وهو كما قال. إلَّا أنّه يلزم منه أن يبقى الرّقّ في حصّة الشّريك إذا لَم يختر العبد الاستسعاء، فيعارضه حديث أبي المليح عن أبيه , أنّ رجلاً أعتق شقصاً له من غلام , فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: ليس لله شريك. وفي رواية " فأجاز عتقه " أخرجه أبو داود والنّسائيّ بإسنادٍ قويٍّ. وأخرجه أحمد بإسنادٍ حسن من حديث سمرة , أنّ رجلاً أعتق شقصاً له في مملوكٍ، فقال النّبيّ ﷺ : هو كلّه، فليس لله شريك. ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنيّاً. أو على ما إذا كان جميعه له فأعتق بعضه، فقد روى أبو داود من طريق ملقام بن التّلبّ عن أبيه , أنّ رجلاً أعتق نصيبه من مملوك فلم يضمّنه النّبيّ ﷺ . وإسناده حسنٌ، وهو محمول على المعسر وإلا لتعارضا. وجمع بعضهم بطريقٍ أخرى. فقال أبو عبد الملك: المراد بالاستسعاء أنّ العبد يستمرّ في حصّة الذي لَم يعتق رقيقاً فيسعى في خدمته بقدر ما له فيه من الرّقّ، قالوا: ومعنى قوله " غير مشقوق عليه " أي: من وجه سيّده المذكور فلا يكلفه من الخدمة فوق حصّة الرّقّ. لكن يردّ على هذا الجمع , قوله في الرّواية المتقدّمة " واستسعى في قيمته لصاحبه "

стр. 3953

واحتجّ من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن حصينٍ عند مسلم , أنّ رجلاً أعتق ستّة مملوكين له عند موته لَم يكن له مال غيرهم، فدعاه رسول الله ﷺ , فجزّأهم أثلاثاً , ثمّ أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة. ووجه الدّلالة منه: أنّ الاستسعاء لو كان مشروعاً لنجّز من كلّ واحد منهم عتق ثلثه , وأَمَرَه بالاستسعاء في بقيّة قيمته لورثة الميّت. وأجاب من أثبت الاستسعاء: بأنّها واقعة عينٍ. فيحتمل: أن يكون قبل مشروعيّة الاستسعاء. ويحتمل: أن يكون الاستسعاء مشروعاً إلَّا في هذه الصّورة , وهي ما إذا أعتق جميع ما ليس له أن يعتقه. وقد أخرج عبد الرّزّاق بإسنادٍ رجاله ثقات عن أبي قلابة عن رجل من بني عذرة , أنّ رجلاً منهم أعتق مملوكاً له عند موته وليس له مال غيره , فأعتق رسول الله ﷺ ثلثه , وأمره أن يسعى في الثّلثين. وهذا يعارض حديث عمران، وطريق الجمع بينهما ممكن. واحتجّوا أيضاً: بما رواه النّسائيّ من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر بلفظ " من أعتق عبداً وله فيه شركاء وله وفاء فهو حرّ , ويضمن نصيب شركائه بقيمته لِمَا أساء من مشاركتهم , وليس على العبد شيء ". والجواب مع تسليم صحّته: أنّه مختصّ بصورة اليسار لقوله فيه " وله وفاء "، والاستسعاء إنّما هو في صورة الإعسار كما تقدّم فلا

стр. 3954

حجّة فيه. وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء إذا كان المعتق معسراً أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعيّ والثّوريّ وإسحاق وأحمد في رواية. وآخرون. ثمّ اختلفوا: فقال الأكثر: يعتق جميعه في الحال , ويستسعي العبد في تحصيل قيمة نصيب الشّريك. وزاد ابن أبي ليلى فقال: ثمّ يرجع العبد على المعتق الأوّل بما أدّاه للشّريك. وقال أبو حنيفة وحده: يتخيّر الشّريك بين الاستسعاء وبين عتق نصيبه، وهذا يدلّ على أنّه لا يعتق عنده ابتداء إلَّا النّصيب الأوّل فقط. وهو موافقٌ لِما جنح إليه البخاريّ من أنّه يصير كالمكاتب، وقد تقدّم توجيهه. وعن عطاء. يتخيّر الشّريك بين ذلك وبين إبقاء حصّته في الرّقّ. وخالف الجميعَ زفرُ فقال: يعتق كلّه وتقوّم حصّة الشّريك فتؤخذ إن كان المعتق موسراً، وترتّب في ذمّته إن كان معسراً.

стр. 3955

باب بيع المدبّر الحديث الثالث ٤٢٦ - وعن جابر بن عبد الله ﵁، قال: دبَّر رجلٌ من الأنصار غلاماً له. (١) وفي لفظ: بلغ النبيَّ ﷺ أن رجلاً من أصحابه أعتق غلاماً له عن دُبُرٍ، لَم يكن له مالٌ غيره، فباعه بثمانمائة درهمٍ، ثم أرسل بثمنه إليه. (٢) قوله: (دبّر) المدبّر الذي عَلَّق مالكُه عتقَه بموت مالكه، سُمِّي بذلك , لأنّ الموت دبر الحياة , أو لأنّ فاعله دبّر أمر دنياه وآخرته: أمّا دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبد. وأمّا آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو راجعٌ إلى الأوّل، لأنّ تدبير الأمر مأخوذٌ من النّظر في العاقبة. فيرجع إلى دبر الأمر وهو آخره.

стр. 3956

قوله: (رجلٌ من الأنصار غلاماً له) وللبخاري " أعتق رجلٌ منّا عبداً له عن دبرٍ " لَم يقع واحدٌ منهما مسمّىً في شيءٍ من طرق البخاريّ. وفي رواية مسلم من طريق أيّوب عن أبي الزّبير عن جابر , أنّ رجلاً من الأنصار يقال له أبو مذكور , أعتق غلاماً له عن دبر يقال له يعقوب " , ففيه التّعريف بكلٍّ منهما. وله من رواية الليث عن أبي الزّبير " أنّ الرّجل كان من بني عذرة "، وكذا للبيهقيّ من طريق مجاهد عن جابر، فلعله كان من بني عذرة. وحالف الأنصار. ولمسلم من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر بلفظ: دبّر رجلٌ من الأنصار غلاماً له. لَم يكن له مال غيره فباعه رسول الله ﷺ ، فاشتراه ابن النّحّام (١) عبداً قبطيّاً مات عام أوّل في إمارة ابن الزّبير.

стр. 3957

وهكذا أخرجه أحمد عن سفيان بتمامه نحوه. وقد أخرجه اللبخاري من طريق حمّاد بن زيد عن عمرو نحوه , وفيه فقال رسول الله ﷺ : من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن النحام .. " ولَم يقل: في إمارة ابن الزّبير , ولا عيّن الثّمن. قوله: (لَم يكن له مالٌ غيره، فباعه بثمانمائة درهمٍ، ثم أرسل بثمنه إليه) وللبخاري من وجه آخر عن عطاء عن جابر بلفظ: إنَّ رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر فاحتاج , فأخذه النّبيّ ﷺ فقال: من يشتريه منّي؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله. فأفاد في هذه الرّواية سبب بيعه وهو الاحتياج إلى ثمنه. وفي رواية ابن خلادٍ زيادة في تفسير الحاجة. وهو الدّين، فقد ترجم له البخاري في الاستقراض " من باع مال المفلس فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتّى ينفق على نفسه ". وكأنّه أشار بالأوّل: إلى رواية ابن خلاد عن وكيع عن إسماعيل عن سلمة بن كهيل عن عطاء عند الإسماعيليّ في قوله " وعليه دين " , وقد أخرجه البخاري عن ابن نمير شيخه فيه هنا (١). لكن قال: عن محمّد بن بشر بدل وكيع. عن إسماعيل بن أبي خالد , ولفظه " بلغ النّبيّ ﷺ أنّ رجلاً من أصحابه أعتق غلاماً له عن دُبُر لَم يكن له مال

стр. 3958

غيره , فباعه بثمانمائة درهم , ثمّ أرسل بثمنه إليه ". وإلى ما أخرجه النّسائيّ من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل بلفظ " إنَّ رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دُبر - وكان محتاجاً وكان عليه دين - فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم فأعطاه , وقال: اقض دينك ". وبالثّاني: إلى ما أخرجه مسلم والنّسائيّ من طريق الليث عن أبي الزّبير عن جابر قال: أعتق رجلٌ من بني عذرة عبداً له عن دُبر، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فقال: ألك مال غيره؟ فقال: لا. الحديث. وفيه " فدفعها إليه , ثمّ قال: ابدأ بنفسك فتصدّق عليها " الحديث. وفي رواية أيّوب عن أبي الزبير نحوه ولفظه " وإذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله .. الحديث ". فاتّفقت هذه الرّوايات على أنّ بيع المدبّر كان في حياة الذي دبّره، إلَّا ما رواه شريك عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر , إنَّ رجلاً مات وترك مدبّراً وديناً، فأمرهم النّبيّ ﷺ فباعه في دينه بثمانمائة درهم. أخرجه الدّارقطنيّ، ونقل عن شيخه أبي بكر النّيسابوريّ: أنّ شريكاً أخطأ فيه، والصّحيح ما رواه الأعمش وغيره عن سلمة. وفيه " ودفع ثمنه إليه ". وفي رواية النّسائيّ من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد " ودفع ثمنه إلى مولاه ".

стр. 3959

قلت: وقد رواه أحمد عن أسود بن عامر عن شريك بلفظ " إنّ رجلاً دبّر عبداً له وعليه دين، فباعه النّبيّ ﷺ في دين مولاه ". وهذا شبيه برواية الأعمش , وليس فيه للموت ذكرٌ، وشريك كان تغيّر حفظه لَمَّا ولي القضاء، وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصحّ , ومنهم أسود المذكور. وقد اتّفقت طرق رواية عمرو بن دينار عن جابر أيضاً على أنّ البيع وقع في حياة السّيّد، إلَّا ما أخرجه التّرمذيّ من طريق ابن عيينة عنه بلفظ " أنّ رجلاً من الأنصار دبّر غلاماً له فمات ولَم يترك مالاً غيره " الحديث. وقد أعلَّه الشّافعيّ: بأنّه سمعه من ابن عيينة مراراً لَم يذكر قوله " فمات "، وكذلك رواه الأئمّة أحمد وإسحاق وابن المدينيّ والحميديّ وابن أبي شيبة عن ابن عيينة. ووجّه البيهقيُّ الرّوايةَ المذكورة بأنّ أصلها , أنّ رجلاً من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حادثٌ فمات، فدعا به النّبيّ ﷺ فباعه من نعيم. كذلك رواه مطر الورّاق عن عمرو. قال البيهقيّ: فقوله " فمات " من بقيّة الشّرط، أي: فمات من ذلك الحدث، وليس إخباراً عن أنّ المدبّر مات، فحذف من رواية ابن عيينة قوله " إن حدَثَ به حدَثٌ " فوقع الغلط بسبب ذلك , والله أعلم انتهى. وقد تقدّم الجواب عمّا وقع من مثل ذلك في رواية عطاء عن جابر

стр. 3960

من طريق شريك عن سلمة بن كهيل , والله أعلم. تنبيهات: الأوّل: اتّفقت الطّرق على أنّ ثمنه ثمانمائة درهم، إلَّا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيمٍ عن إسماعيل عن سلمة بن كهيل قال " سبعمائةٍ أو تسعمائةٍ ". الثّاني: وجدت لوكيعٍ في حديث الباب إسناداً آخر , أخرجه ابن ماجه من طريق أبي عبد الرّحمن الأدرميّ عنه عن أبي عمرو بن العلاء عن عطاء بلفظ " باع النبي ﷺ المدبر " مختصراً. الثّالث: وقع في رواية الأوزاعيّ عن عطاء عند أبي داود , زيادة في آخر الحديث وهو " أنت أحقّ بثمنه , والله أغنى عنه " قال القرطبيّ وغيره: اتّفقوا على مشروعيّة التّدبير، واتّفقوا على أنّه من الثّلث، غير الليث وزفر فإنّهما قالا: من رأس المال. واختلفوا هل هو عقد جائز أو لازم؟ فمَن قال , لازم. مَنَعَ التّصرّف فيه إلَّا بالعتق، ومَن قال , جائز أجاز. وبالأوّل. قال مالك والأوزاعيّ والكوفيّون. وبالثّاني. قال الشّافعيّ وأهل الحديث. وحجّتهم حديث الباب (١)، ولأنّه تعليق للعتق بصفة انفرد السّيّد
следующие страницы →