قبل الشّريعة لملاءمة بينهما , فلا تشترط النّيّة فيه , إلاَّ لمن قصد بفعله معنىً آخر يترتّب عليه الثّواب.
قال: وإنّما اختلف العلماء في بعض الصّور من جهة تحقيق مناط التّفرقة.
قال: وأمّا ما كان من المعاني المحضة , كالخوف والرّجاء , فهذا لا يقال باشتراط النّيّة فيه؛ لأنّه لا يمكن أن يقع إلاَّ منويّاً. ومتى فرضت النّيّة مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنّيّة فيه شرط عقليّ، ولذلك لا تشترط النّيّة للنّيّة فراراً من التّسلسل.
وأمّا الأقوال فتحتاج إلى النّيّة في ثلاثة مواطن:
أحدها: التّقرّب إلى الله فراراً من الرّياء.
والثّاني: التّمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود.
والثّالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان.
стр. 37
الحديث الثاني
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يَقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكم إذا أحدثَ حتّى يتوضّأ. (١)
قوله: (عن أبي هريرة) جزم ابن الكلبي بأنه عمير بن عامر.
وجزم ابن إسحاق بأنه عبد الرحمن بن صخر. ورواه بعض أصحابه عن أبي هريرة , قال: كان اسمي عبد شمس بن صخر فسمَّاني النبيُّ ﷺ عبد الرحمن. رواه الحاكم في " المستدرك ".
ويقويه ما رواه بن خزيمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان اسمي عبد شمس. وصحَّحه جمعٌ من المتأخرين. ومال الدمياطي إلى قول ابن الكلبي.
وقال ابن خزيمة: اسمه عبد الله أو عبد الرحمن.
قلت: وفيه اختلاف كثير جداً. وما ذكرناه أقربُ إلى الصحة مع ما فيها. والله أعلم.
أسلم عام خيبر , ودوسٌ قبيلة أبي هريرة ينتسبون إلى دوس بن عدثان - بضم المهملة وبعد الدال الساكنة مثلثة - ابن عبد الله بن زهران، ينتهي نسبهم إلى الأزد.
стр. 38
وروى البخاري عنه قال: ما من أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثاً عنه مني إلاَّ كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب.
قوله: (فإنه كان يكتب ولا أكتب).هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو. أي: ابن العاص على ما عنده.
ويستفاد من ذلك أنَّ أبا هريرة كان جازماً بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبي ﷺ منه إلا عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقلّ من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة.
فإن قلنا الاستثناء منقطع فلا إشكال، إذ التقدير: لكن الذي كان من عبد الله. وهو الكتابة لم يكن مني، سواء لزم منه كونه أكثر حديثاً لِمَا تقتضيه العادة أم لا.
وإن قلنا الاستثناء متصل. فالسبب فيه من جهات:
أحدها: أنَّ عبد الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلَّت الرواية عنه.
ثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف. ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري , أنه روى عنه ثمانمائة
стр. 39
نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره.
ثالثها: ما اختُصَّ به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ له بأن لا ينسى ما يحدثه به. متفق عليه. وفي المستدرك للحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي ﷺ فقال: ادعوا. فدعوت أنا وصاحبي. وأمَّن النبي ﷺ ، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهمَّ إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علما لا ينسى. فأمَّن النبي ﷺ فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله، فقال: سبقكما الغلام الدوسي.
رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بِحْمل جَمَل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها , ويحدث منها فتجنب الأخذَ عنه لذلك كثيرٌ من أئمة التابعين. والله أعلم.
قوله: (لا يقبل) المراد بالقبول هنا ما يرادف الصّحّة. وهو الإجزاء.
وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطّاعة مجزئة رافعة لِمَا في الذّمّة. ولَمَّا كان الإتيان بشروطها مظنّة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبّر عنه بالقبول مجازاً.
وأمّا القبول المنفيّ في مثل قوله ﷺ : من أتى عرّافاً لَم تقبل له صلاة. (١) فهو الحقيقيّ؛ لأنّه قد يصحّ العمل ويتخلف القبول لمانعٍ،
стр. 40
ولهذا كان بعض السّلف يقول: لأن تقبل لي صلاة واحدة أحبّ إليّ من جميع الدّنيا، قاله ابن عمر. قال: لأنّ الله تعالى قال: إنّما يتقبّل الله من المتّقين. (١)
قوله: (أحدث) زاد البخاري: قال رجلٌ من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساءٌ أو ضراطٌ " أي: وجد منه الحدث، والمراد به الخارج من أحد السّبيلين.
وإنّما فسّره أبو هريرة بأخصّ من ذلك تنبيهاً بالأخفّ على الأغلظ؛ ولأنّهما قد يقعان في أثناء الصّلاة أكثر من غيرهما.
وأمّا باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء - كمسّ الذّكر ولمس المرأة والقيء ملء الفم والحجامة - فلعل أبا هريرة كان لا يرى النّقض بشيءٍ منها. وعليه مشى البخاري كما قال " باب من لَم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين ".
وقيل: إنّ أبا هريرة اقتصر في الجواب على ما ذكر , لعلمه أنّ السّائل كان يعلم ما عدا ذلك، وفيه بُعد.
стр. 41
واستدل بالحديث على بطلان الصّلاة بالحدث. سواء كان خروجه اختياريّاً أم اضطراريّاً، وعلى أنّ الوضوء لا يجب لكل صلاة , لأنّ القبول انتفى إلى غاية الوضوء , وما بعدها مخالف لِمَا قبلها , فاقتضى ذلك قبول الصّلاة بعد الوضوء مطلقاً.
قوله: (يتوضّأ) أي: بالماء أو ما يقوم مقامه، وقد روى النّسائيّ بإسنادٍ قويّ عن أبي ذرّ مرفوعاً " الصّعيد الطّيّب وضوء المسلم " فأطلق الشّارع على التّيمّم أنّه وضوء لكونه قام مقامه، ولا يخفى أنّ المراد بقبول صلاة من كان محدثاً فتوضّأ. أي: مع باقي شروط الصّلاة. والله أعلم.
والوضوء بالضّمّ هو الفعل، وبالفتح الماء الذي يتوضّأ به على المشهور فيهما. وحكي: في كلّ منهما الأمران.
وهو مشتقّ من الوضاءة، وسمّي بذلك لأنّ المصلي يتنظّف به فيصير وضيئاً.
واختلف السّلف في معنى الآية (إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا ..)
قال الأكثرون: التّقدير إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين.
وقال آخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقدير حذف، إلاَّ أنّه في حقّ الْمُحدث على الإيجاب، وفي حقّ غيره على النّدب.
وذهب إلى استمرار الوجوب قومٌ كما جزم به الطحاوي , ونقله ابن عبد البر عن عكرمة وابن سيرين وغيرهما.
واستبعده النووي. وجنح إلى تأويل ذلك إنْ ثبت عنهم، وجزم
стр. 42
بأنَّ الإجماع استقرَّ على عدم الوجوب. ويمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ، ويكون الأمر في حق المحدثين على الوجوب، وفي حق غيرهم على الندب، وحصل بيان ذلك بالسنة.
وقال بعضهم: كان على الإيجاب ثمّ نسخ فصار مندوباً.
ويدلّ لهذا ما رواه أحمد وأبو داود من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب , أنّ أسماء بنت زيد بن الخطّاب حدّثتْ أباه عبد الله بن عمر عن عبد الله بن حنظلة الأنصاريّ , أنّ رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلمّا شقّ عليه وضع عنه الوضوء إلاَّ من حدث.
ولمسلمٍ من حديث بريدة: كان النّبيّ ﷺ يتوضّأ عند كلّ صلاة، فلمّا كان يوم الفتح صلَّى الصّلوات بوضوءٍ واحد، فقال له عمر: إنّك فعلتَ شيئاً لَم تكن تفعله؟ فقال: عمداً فعلته. أي: لبيان الجواز.
وللبخاري عن أنس قال: كان النّبيّ ﷺ يتوضّأ عند كل صلاةٍ , قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لَم يُحدث.
وموجب الوضوء القيام إلى الصّلاة حسب، ويدلّ له ما رواه أصحاب السّنن من حديث ابن عبّاس عن النّبيّ ﷺ قال: إنّما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصّلاة.
واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصّلاة) إيجاب النّيّة في الوضوء؛ لأنّ التّقدير إذا أردتم القيام إلى الصّلاة فتوضّئوا لأجلها، ومثله قولهم: إذا رأيت الأمير فقم، أي: لأجله.
стр. 43
وتمسّك بهذه الآية مَن قال: إنّ الوضوء أوّل ما فرض بالمدينة، فأمّا ما قبل ذلك. فنقل ابن عبد البرّ اتّفاق أهل السّير على أنّ غسل الجنابة إنّما فرض على النّبيّ ﷺ وهو بمكّة كما فرضت الصّلاة، وأنّه لَم يصل قطّ إلاَّ بوضوءٍ.
قال: وهذا ممّا لا يجهله عالم.
وقال الحاكم في " المستدرك ": وأهل السّنّة بهم حاجة إلى دليل الرّدّ على من زعم أنّ الوضوء لَم يكن قبل نزول آية المائدة. ثمّ ساق حديث ابن عبّاس: دخلتْ فاطمة على النّبيّ ﷺ وهي تبكي , قالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك. فقال: ائتوني بوضوءٍ. فتوضّأ .. الحديث (١).
قلت: وهذا يصلح ردّاً على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذٍ.
وقد جزم ابن الجهم المالكيّ بأنّه كان قبل الهجرة مندوباً.
وجزم ابن حزم بأنّه لَم يشرع إلاَّ بالمدينة.
ورُدّ عليهما: بما أخرجه ابن لهيعة في " المغازي " التي يرويها عن أبي الأسود - يتيم عروة - عنه , أنّ جبريل علَّم النّبيّ ﷺ الوضوء عند
стр. 44
نزوله عليه بالوحي. وهو مرسلٌ. ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضاً , لكن قال: عن الزّهريّ عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه.
وأخرجه ابن ماجه من رواية رشدين بن سعد عن عقيل عن الزّهريّ نحوه، لكن لَم يذكر زيد بن حارثة في السّند. وأخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق الليث عن عقيل موصولاً.
ولو ثبت لكان على شرط الصّحيح، لكنّ المعروف رواية ابن لهيعة.
стр. 45
الحديث الثالث
٣ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة ﵃ , قالوا: قال رسول الله ﷺ : ويلٌ للأعقابِ مِنَ النّار. (١)
قوله: (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وئل السهمي. (٢)
قوله: (وأبي هريرة) (٣)
قوله: (عائشة) هي الصديقة بنت الصديق , وأمها أم رومان.
وكان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها. ومات النبي ﷺ ولها نحو ثمانية عشر عاماً.
وقد حفظتْ عنه شيئاً كثيراً , وعاشت بعده قريباً من خمسين سنة، فأكثَرَ الناسُ الأخذَ عنها، ونقلوا عنها من الأحكام والآداب شيئاً
стр. 46
كثيراً حتى قيل إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها ﵂. وكان موتها في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين. وقيل: في التي بعدها.
ولَم تلد للنبي ﷺ شيئاً على الصواب، وسألتْه أن تكتني. فقال: اكتني بابن أختك , فاكتنت أم عبد الله. وأخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث عائشة , أنه كنَّاها بذلك لما أُحضر إليه ابن الزبير ليحنكه , فقال: هو عبد الله وأنتِ أم عبد الله. قالت: فلم أزل أكنى بها.
قوله: (ويلٌ) جاز الابتداء بالنّكرة لأنّه دعاء.
واختلف في معناه على أقوال:
أظهرها: ما رواه ابن حبّان في " صحيحه " من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ويل وادٍ في جهنّم. (١)
قال ابن خزيمة: لو كان الماسح مؤدّياً لِلفرض لَمَا توعّد بالنّار، وأشار بذلك إلى ما في كتب الخلاف عن الشّيعة أنّ الواجب المسح أخذاً بظاهر قراءة (وأرجلكم) بالخفض.
وقد تواترت الأخبار عن النّبيّ ﷺ في صفة وضوئه أنّه غسل
стр. 47
رجليه , وهو المبيّن لأمر الله، وقد قال في حديث عمرو بن عبسة. الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطوّلاً في فضل الوضوء: ثمّ يغسل قدميه كما أمره الله.
ولَم يثبت عن أحدٍ من الصّحابة خلاف ذلك , إلاَّ عن عليّ وابن عبّاس وأنس، وقد ثبت عنهم الرّجوع عن ذلك.
قال عبد الرّحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور. وادّعى الطّحاويّ وابن حزم أنّ المسح منسوخ. والله أعلم. وهو القول الأول.
القول الثاني: الاكتفاء بالمسح. لقوله تعالى (وأرجلِكم) عطفاً على (وامسحوا برءوسكم) فذهب إلى ظاهرها جماعةٌ من الصحابة والتابعين، فحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة , والثابت عنه خلافه، وعن عكرمة والشعبي وقتادة، وهو قول الشيعة.
القول الثالث: عن الحسن البصري: الواجب الغسل أو المسح.
القول الرابع: عن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما.
وحجة الجمهور. الأحاديث الصحيحة المذكورة وغيرها من فعل النبي ﷺ , فإنه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبة:
الجواب الأول: أنه قرئ (وأرجلَكم) بالنصب عطفاً على (أيديكم)، وقيل معطوف على محل برءوسكم كقوله: (يا جبال أوبي معه والطير) بالنصب.
الجواب الثاني: المسح في الآية محمولٌ لمشروعية المسح على الخُفّين ,
стр. 48
فحملوا قراءة الجر على مسح الخُفّين , وقراءة النصب على غسل الرجلين.
وقرَّر ذلك أبو بكر بن العربي تقريراً حسناً فقال ما ملخصه:
بين القراءتين تعارض ظاهر، والحكم فيما ظاهره التعارض أنه إن أمكن العمل بهما وجب، وإلاَّ عمل بالقدر الممكن، ولا يتأتى الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد في حالة واحدة , لأنه يؤدي إلى تكرار المسح , لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار. فبقي أن يعمل بهما في حالين توفيقاً بين القراءتين وعملاً بالقدر الممكن.
الجواب الثالث: إنما عطفت على الرءوس الممسوحة , لأنها مظنة لكثرة صب الماء عليها فلمنع الإسراف عطفت، وليس المراد أنها تمسح حقيقة.
ويدلُّ على هذا المراد قوله: (إلى الكعبين) , لأن المسح رخصة فلا يقيد بالغاية؛ ولأن المسح يطلق على الغسل الخفيف، يقال: مسح أطرافه. لمن توضأ، ذكره أبو زيد اللغوي وابن قتيبة وغيرهما.
قوله: (للأعقاب) (١) أي: المرئيّة إذ ذاك فاللام للعهد , ويلتحق
стр. 49
بها ما يشاركها في ذلك؛ والعقب مؤخّر القدم.
قال البغويّ: معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصّرين في غسلها. وقيل: أراد أنّ العقب مختصّ بالعقاب إذا قصّر في غسله.
وإنّما خُصّت بالذّكر لصورة السّبب كما في حديث عبد الله بن عمرو قال: تخلَّف عنا النبي ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا - وقد أرهقتنا الصلاة - ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل .. الحديث.
ولمسلم: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكّة إلى المدينة حتّى إذا كنّا بماءٍ بالطّريق تعجّل قومٌ عند العصر، فتوضّئوا وهم عجالٌ , فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لَم يمسّها الماء , فقال رسول الله ﷺ : ويلٌ للأعقاب من النّار , أسبغوا الوضوء. فيلتحق بها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التّساهل في إسباغها. وفي الحاكم وغيره من حديث عبد الله بن الحارث " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النّار ".
ومعنى قوله " أرهقتنا " الإرهاق الإدراك والغشيان.
قال ابن بطَّال: كأن الصحابة أخَّروا الصلاة في أول الوقت طمعاً أن يلحقهم النبي ﷺ فيصلّوا معه، فلما ضاق الوقت بادروا إلى الوضوء ولعجلتهم لَم يسبغوه، فأدركهم على ذلك فأنكر عليهم.
قلت: ما ذكره من تأخيرهم قاله احتمالاً. ويحتمل أيضاً: أن يكونوا أخَّروا لكونهم على طهرٍ. ويحتمل: لرجاء الوصول إلى الماء،
стр. 50
ويدلُّ عليه. رواية مسلم " حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر " أي: قرب دخول وقتها فتوضئوا وهم عجال.
قوله " ونمسح على أرجلنا " انتزع منه البخاري أنَّ الإنكار عليهم كان بسبب المسح , لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الرجل، فلهذا قال في الترجمة " غسل الرجلين , ولا يمسح على القدمين " وهذا ظاهر الرواية المتفق عليها.
وفي أفراد مسلم " فانتهينا إليهم وأعقابهم بيضٌ تلوح لَم يمسَّها الماء " (١)
فتمسك بهذا من يقول بإجزاء المسح، وبحمل الإنكار على ترك التعميم؛ لكن الرواية المتفق عليها أرجح , فتحمل هذه الرواية عليها بالتأويل.
فيحتمل أن يكون معنى قوله " لَم يمسها الماء " أي: ماء الغسل جمعاً بين الروايتين. وأصرح من ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة ﵁ , أنَّ النبي ﷺ رأى رجلاً لَم يغسل عقبه , فقال ذلك.
وأيضاً فمَن قال بالمسح لَم يوجب مسح العقب، والحديث حجة عليه.
стр. 51
وقال الطحاوي: لَمّا أمرهم بتعميم غسل الرجلين حتى لا يبقى منهما لمعةٌ , دلَّ على أنَّ فرضها الغسل.
وتعقبه ابن المنير: بأن التعميم لا يستلزم الغسل، فالرأس تعم بالمسح وليس فرضها الغسل.
وقوله " أرجلنا " قابَلَ الجمعَ بالجمع , فالأرجل موزَّعة على الرجال , فلا يلزم أن يكون لكل رجل أرجل.
стр. 52
الحديث الرابع
٤ - عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ , قال: إذا توضّأ أحدكم فليجعلْ في أنفه ماءً , ثمّ لينتثر , ومن استجْمرَ فليوتر , وإذا استيقظَ أحدُكم من نومِه فليغسل يديه قبل أنْ يُدخلَهما في الإناء ثلاثاً، فإنّ أحدَكم لا يدْري أين باتتْ يدُه. (١)
وفي لفظٍ لمسلمٍ: فليستنشِقْ بِمنْخرَيه منَ الماء. (٢)
وفي لفظٍ: من توضّأ فليستَنْثر. (٣)
قوله: (إذا توضّأ) أي: إذا شرع في الوضوء.
قوله: (ثمّ لينتثر) قال الفرّاء: يقال: نثر الرّجل وانتثر واستنثر إذا حرّك النّثرة وهي طرف الأنف في الطّهارة.
والاستنثار استفعال من النّثر بالنّون والمثلثة , وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضّئ. أي: يجذبه بريح أنفه , لتنظيف ما في داخله
стр. 53
فيخرج بريح أنفه سواء كان بإعانة يده أم لا.
وحكي عن مالك كراهية فعله بغير اليد لكونه يشبه فعل الدّابّة، والمشهور عدم الكراهة.
وإذا استنثر بيده , فالمستحبّ أن يكون اليسرى، بوّب عليه النّسائيّ , وأخرجه مقيّداً بها من حديث عليّ.
وروى أحمد وأبو داود والحاكم من حديثه مرفوعاً: استنثروا مرّتين بالغتين أو ثلاثاً، ولأبي داود الطّيالسيّ: إذا توضّأ أحدكم واستنثر فليفعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً. وإسناده حسن
وقوله " فليستنثر " ظاهر الأمر أنّه للوجوب، فيلزم مَن قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به كأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر أن يقول به في الاستنثار.
وظاهر كلام صاحب المغني يقتضي أنّهم يقولون بذلك، وأنّ مشروعيّة الاستنشاق لا تحصل إلاَّ بالاستنثار.
وصرّح ابن بطّال. بأنّ بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار , وفيه تعقّب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه.
واستدل الجمهور على أنّ الأمر فيه للنّدب , بما حسّنه التّرمذيّ وصحَّحه الحاكم من قوله ﷺ للأعرابيّ: توضّأ كما أمرك الله.
فأحاله على الآية. وليس فيها ذكر الاستنشاق.
وأجيب: بأنّه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعمّ من آية الوضوء، فقد أمر الله سبحانه باتّباع نبيّه ﷺ وهو المبيّن عن الله أمره.
стр. 54
ولَم يحك أحدٌ ممّن وصف وضوءه عليه ﷺ على الاستقصاء أنّه ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة، وهو يردّ على من لَم يوجب المضمضة أيضاً، وقد ثبت الأمر بها أيضاً في سنن أبي داود بإسنادٍ صحيح. (١)
وذكر ابن المنذر , أنّ الشّافعيّ لَم يحتجّ على عدم وجوب الاستنشاق مع صحّة الأمر به , إلاَّ لكونه لا يعلم خلافاً في أنّ تاركه لا يعيد.
وهذا دليل قويّ، فإنّه لا يُحفظ ذلك عن أحدٍ من الصّحابة ولا التّابعين إلاَّ عن عطاء، وثبت عنه أنّه رجع عن إيجاب الإعادة، ذكره كلّه ابن المنذر، ولَم يذكر في هذه الرّواية عدداً.
وقد ورد في رواية سفيان عن أبي الزّناد ولفظه " وإذا استنثر فليستنثر وتراً " أخرجه الحميديّ في " مسنده " عنه، وأصله لمسلمٍ. وفي رواية عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عند البخاري: إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضّأ فليستنثر ثلاثاً، فإنّ الشّيطان يبيت على خيشومه.
وعلى هذا فالمراد بالاستنثار في الوضوء التّنظيف لِمَا فيه من المعونة على القراءة؛ لأنّ بتنقية مجرى النّفس تصحّ مخارج الحروف، ويزاد للمستيقظ بأنّ ذلك لطرد الشّيطان.
قوله: (ومن استجمر) أي: استعمل الجمار - وهي الحجارة
стр. 55
الصّغار - في الاستنجاء. وحمله بعضهم على استعمال البخور. فإنّه يقال فيه: تجمّر واستجمر، حكاه ابنُ حبيب عن ابن عمر. ولا يصحّ عنه، وابنُ عبد البرّ عن مالك، وروى ابن خزيمة في " صحيحه " عنه خلافه، وقال عبد الرّزّاق: عن معمر أيضاً بموافقة الجمهور.
قوله: (فليوتر) في حديث ابن مسعود عند البخاري في " صحيحه " قال: أتى النّبيّ ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجارٍ.
ففيه العمل بما دلَّ عليه النّهي في حديث سلمان عن النّبيّ ﷺ قال: ولا يستنج أحدكم بأقلّ من ثلاثة أحجار. رواه مسلم.
وأخذ بهذا الشّافعيّ وأحمد وأصحاب الحديث , فاشترطوا أن لا ينقص من الثّلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لَم يحصل بها فيزاد حتّى ينقّى، ويستحبّ حينئذٍ الإيتار لقوله " ومن استجمر فليوتر " وليس بواجبٍ لزيادةٍ في أبي داود حسنة الإسناد. قال: ومن لا فلا حرج. (١).
وبهذا يحصل الجمع بين الرّوايات في هذا الباب.
стр. 56
قال الخطّابيّ (١): لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلمّا اشترط العدد لفظاً وعلم الإنقاء فيه معنىً دلَّ على إيجاب الأمرين، ونظيره العدّة بالأقراء فإنّ العدد مشترط ولو تحقّقت براءة الرّحم بقُرءٍ واحد.
واستدل بعض من نفى وجوب الاستنجاء بهذا الحديث للإتيان فيه بحرف الشّرط، ولا دلالة فيه، وإنّما مقتضاه التّخيير بين الاستنجاء بالماء أو بالأحجار. والله أعلم
قوله: (وإذا استيقظ أحدكم من نومه) أخذ بعمومه الشّافعيّ والجمهور فاستحبّوه عقب كلّ نوم.
وخصّه أحمد بنوم الليل لقوله في آخر الحديث " باتت يده " لأنّ حقيقة المبيت أن يكون في الليل.
وفي رواية لأبي داود ساق مسلمٌ إسنادَها " إذا قام أحدكم من الليل " وكذا للتّرمذيّ من وجه آخر صحيح.
ولأبي عوانة في روايةٍ ساق مسلم إسنادها أيضاً " إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح ". لكنّ التّعليل يقتضي إلحاق نوم النّهار بنوم الليل، وإنّما خصّ نوم الليل بالذّكر للغلبة.
стр. 57
قال الرّافعيّ في " شرح المسند ": يمكن أن يقال الكراهة في الغمس لمن نام ليلاً أشدّ منها لمن نام نهاراً؛ لأنّ الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة، ثمّ الأمر عند الجمهور على النّدب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النّهار، وعنه في رواية استحبابه في نوم النّهار.
واتّفقوا على أنّه لو غمس يده لَم يضرّ الماء.
وقال إسحاق وداود والطّبريّ: ينجس. واستدل لهم بما ورد من الأمر بإراقته؛ لكنّه حديث ضعيف. أخرجه ابن عديّ (١).
والقرينة الصّارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور التّعليل بأمرٍ يقتضي الشّكّ؛ لأنّ الشّكّ لا يقتضي وجوباً في هذا الحكم استصحاباً لأصل الطّهارة.
واستدل أبو عوانة على عدم الوجوب بوضوئه ﷺ من الشّنّ المعلق بعد قيامه من النّوم كما في حديث ابن عبّاس (٢).
стр. 58
وتعقّب: بأنّ قوله " أحدكم " يقتضي اختصاصه بغيره ﷺ .
وأجيب: بأنّه صحّ عنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء حال اليقظة، فاستحبابه بعد النّوم أولى، ويكون تركه لبيان الجواز.
وأيضاً فقد قال في هذا الحديث في روايات لمسلمٍ وأبي داود وغيرهما " فليغسلهما ثلاثاً " وفي رواية " ثلاث مرّات "، والتّقييد بالعدد في غير النّجاسة العينيّة يدلّ على النّدبيّة.
ووقع في رواية همّام عن أبي هريرة عند أحمد " فلا يضع يده في الوضوء حتّى يغسلها " والنّهي فيه للتّنزيه كما ذكرنا , إن فعل استحبّ , وإن ترك كره , ولا تزول الكراهة بدون الثّلاث، نصّ عليه الشّافعيّ.
والمراد باليد هنا الكفّ دون ما زاد عليها اتّفاقاً.
وهذا كلّه في حقّ من قام من النّوم لِمَا دلَّ عليه مفهوم الشّرط. وهو حجّة عند الأكثر.
أمّا المستيقظ فيستحبّ له الفعل لحديث عثمان وعبد الله بن زيد، ولا يكره التّرك لعدم ورود النّهي فيه، وقد روى سعيد بن منصور بسندٍ صحيح عن أبي هريرة أنّه كان يفعله , ولا يرى بتركه بأساً.
وجاء عن ابن عمر والبراء. نحو ذلك.
قوله: (قبل أن يُدخلها) ولمسلمٍ وابن خزيمة وغيرهما من طرق
стр. 59
" فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها " وهي أبين في المراد من رواية الإدخال؛ لأنّ مطلق الإدخال لا يترتّب عليه كراهة , كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناءٍ صغير من غير أن يلامس يده الماء.
قوله: (في الإناء) وللبخاري في " وضوءه " بفتح الواو. أي: الإناء الذي أعدّ للوضوء، ولابن خزيمة " في إنائه أو وضوئه " على الشّكّ.
والظّاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء، ويلحق به إناء الغسل لأنّه وضوء وزيادة، وكذا باقي الآنية قياساً، لكن في الاستحباب من غير كراهة لعدم ورود النّهي فيها عن ذلك.
وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها , على تقدير نجاستها فلا يتناولها النّهي. والله أعلم.
قوله: (فإنّ أحدكم) قال البيضاويّ: فيه إيماء إلى أنّ الباعث على الأمر بذلك احتمال النّجاسة؛ لأنّ الشّارع إذا ذكر حكماً وعقّبه بعلةٍ دلَّ على أنّ ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله ﷺ في حديث المحرم الذي سقط فمات " فإنّه يبعث ملبّياً " بعد نهيهم عن تطييبه، فنبّه على عِلَّة النّهي. وهي كونه محرماً.
قوله: (لا يدري) فيه أنّ عِلَّة النّهي احتمال هل لاقت يده ما يؤثّر في الماء أو لا، ومقتضاه إلحاق من شكّ في ذلك ولو كان مستيقظاً.
ومفهومه أنّ من درى أين باتت يده كمن لفّ عليها خرقة مثلاً فاستيقظ وهي على حالها أن لا كراهة، وإن كان غسلها مستحبّاً على
стр. 60
المختار كما في المستيقظ.
ومَن قال بأنّ الأمر في ذلك للتّعبّد - كمالك - لا يفرّق بين شاكّ ومتيقّن.
واستدل بهذا الحديث على التّفرقة بين ورود الماء على النّجاسة وبين ورود النّجاسة على الماء، وهو ظاهر.
وعلى أنّ النّجاسة تؤثّر في الماء، وهو صحيح؛ لكنّ كونها تؤثّر التّنجيس وإن لَم يتغيّر. فيه نظر؛ لأنّ مطلق التّأثير لا يدلّ على خصوص التّأثير بالتّنجيس، فيحتمل أن تكون الكراهة بالمتيقّن أشدّ من الكراهة بالمظنون. قاله ابن دقيق العيد.
ومراده أنّه ليست فيه دلالة قطعيّة على من يقول: إنّ الماء لا ينجس إلاَّ بالتّغيّر
قوله: (أين باتت يده) أي: من جسده.
قال الشّافعيّ ﵀: كانوا يستجمرون وبلادهم حارّة , فربّما عرق أحدهم إذا نام , فيحتمل أن تطوف يده على المحلّ , أو على بثرة , أو دم حيوان , أو قذر غير ذلك.
وتعقّبه أبو الوليد الباجيّ: بأنّ ذلك يستلزم الأمر بغسل ثوب النّائم لجواز ذلك عليه.
وأجيب: بأنّه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحلّ، أو أنّ المستيقظ لا يريد غمس ثوبه في الماء حتّى يؤمر بغسله، بخلاف اليد فإنّه محتاج إلى غمسها، وهذا أقوى الجوابين.
стр. 61
والدّليل على أنّه لا اختصاص لذلك بمحل الاستجمار , ما رواه ابن خزيمة وغيره من طريق محمّد بن الوليد عن محمّد بن جعفر عن شعبة عن خالد الحذّاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة في هذا الحديث. قال في آخره " أين باتت يده منه " وأصله في مسلم دون قوله " منه ".
قال الدّارقطنيّ: تفرّد بها شعبة.
وقال البيهقيّ: تفرّد بها محمّد بن الوليد.
قلت: إن أراد عن محمّد بن جعفر فمسلَّم، وإن أراد مطلقاً فلا، فقد قال الدّارقطنيّ: تابعه عبد الصّمد عن شعبة، وأخرجه ابن منده من طريقه.
وفي الحديث الأخذ بالوثيقة، والعمل بالاحتياط في العبادة، والكناية عمّا يستحيا منه إذا حصل الإفهام بها، واستحباب غسل النّجاسة ثلاثاً لأنّه أمرنا بالتّثليث عند توهّمها فعند تيقّنها أولى.
واستنبط منه قوم فوائد أخرى فيها بُعد، منها أنّ موضع الاستنجاء مخصوص بالرّخصة في جواز الصّلاة مع بقاء أثر النّجاسة عليه , قاله الخطّابيّ.
ومنها. إيجاب الوضوء من النّوم، قاله ابن عبد البرّ، ومنها تقوية من يقول بالوضوء من مسّ الذّكر. حكاه أبو عوانة في " صحيحه " عن ابن عُيينة.
ومنها أنّ القليل من الماء لا يصير مستعملاً بإدخال اليد فيه لمن أراد
стр. 62
الوضوء، قاله الخطّابيّ صاحب الخصال من الشّافعيّة.
قوله: (فليستنشِقْ بِمنْخرَيه (١) منَ الماء) الاستنشاق من سنن الوضوء اتفاقاً لكل من استيقظ أو كان مستيقظاً.
وقالت طائفة بوجوبه في الغسل. وطائفة بوجوبه في الوضوء أيضاً.
وهل تتأدى السنة بمجرده بغير استنثار أم لا؟. خلاف. وهو محلُّ بحثٍ وتأمُّل , والذي يظهر أنها لا تتم الاَّ به لِما تقدم. والله أعلم
تكميل: هذا الحديث بهذا اللفظ من الأصول التي لم يوصلها البخاري. وقد أخرجه مسلم من طريق همام عن أبي هريرة.
ورويناه في مصنف عبد الرزاق , وفي " نسخة همام " من طريق الطبراني عن إسحاق عنه عن معمر عن همام. ولفظه: إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره الماء ثم ليستنثر.
وورد تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك كما رواه أصحاب السنن وصحَّحه ابن خزيمة وغيره من طريق عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه , أنَّ النبي ﷺ قال له: بالغ في الاستنشاق إلاَّ أن تكون صائماً.
وروى ابن أبي شيبة عن الحسن قال: لا بأس بالسعوط (٢) للصائم
стр. 63
إن لم يصلِ الماء إلى حلقه.
وقال الكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يجب القضاء على من استعط.
وقال مالك والشافعي: لا يجب إلا إن وصل الماء إلى حلقه.
قوله: (من توضّأ فليستَنْثر) قوله فليستنثر أكثر فائدة من قوله فليستنشق , لأنَّ الاستنثار يقع على الاستنشاق بغير عكس فقد يستنشق ولا يستنثر.
والاستنثار من تمام فائدة الاستنشاق , لأنَّ حقيقة الاستنشاق جذب الماء بريح الأنف إلى أقصاه , والاستنثار إخراج ذلك الماء.
والمقصود من الاستنشاق تنظيف داخل الأنف والاستنثار يخرج ذلك الوسخ مع الماء فهو من تمام الاستنشاق.
وقيل: إن الاستنثار مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف.
وقيل: الأنف نفسه فعلى هذا فمن استنشق فقد استنثر , لأنه يصدق أنه تناول الماء بأنفه أو بطرف أنفه. وفيه نظر.
стр. 64
الحديث الخامس
٥ - عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: لا يبولنّ أحدُكم في الماء الدّائمِ الذي لا يجْري , ثمّ يغتسل منه. (١)
ولمسلمٍ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدّائمِ. وهو جنبٌ. (٢)
قوله: (الدائم) أي: السّاكن. يقال: دوّم الطّائر تدويماً إذا صفّ جناحيه في الهواء فلم يحرّكهما.
قوله: (الذي لا يجري) قيل: هو تفسيرٌ للدّائم وإيضاحٌ لمعناه.
وقيل: احترز به عن راكدٍ يجري بعضه كالبرك.
وقيل: احترز به عن الماء الدّائم؛ لأنّه جارٍ من حيث الصّورة ساكن من حيث المعنى , ولهذا لَم يذكر هذا القيد في رواية أبي عثمان عن أبي هريرة حيث جاء فيها بلفظ " الرّاكد " (٣) بدل الدّائم. وكذا
стр. 65
أخرجه مسلم من حديث جابر.
وقال ابن الأنباريّ: الدّائم من حروف الأضداد , يقال للسّاكن والدّائر , ومنه أصاب الرّأس دوامٌ. أي: دوارٌ , وعلى هذا فقوله " الذي لا يجري " صفة مخصّصة لأحد مَعْنَيي المشترك.
وقيل: الدّائم والرّاكد مقابلان للجاري , لكن الذي له نبعٌ , والرّاكد الذي لا نبع له.
قوله: (ثمّ يغتسل) بضمّ اللام على المشهور. وقال ابن مالك: يجوز الجزم عطفاً على يبولنّ؛ لأنّه مجزوم الموضع بلا النّاهية , ولكنّه بني على الفتح لتوكيده بالنّون.
ومنَعَ ذلك القرطبيّ , فقال: لو أراد النّهي لقال , ثمّ لا يغتسلنّ فحينئذٍ يتساوى الأمران في النّهي عنهما؛ لأنّ المحل الذي تواردا عليه شيء واحد وهو الماء.
قال: فعدوله عن ذلك يدلّ على أنّه لَم يرد العطف , بل نبّه على مآل الحال , والمعنى أنّه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله. ومثّله بقوله ﷺ : لا يضربنّ أحدكم امرأته ضرب الأمة ثمّ يضاجعُها " (١). فإنّه لَم يروه أحدٌ بالجزم؛ لأنّ المراد النّهي عن الضّرب
стр. 66
؛ لأنّه يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها فلا يحصل له مقصوده. وتقدير اللفظ ثمّ هو يضاجعها. وفي هذا حديث " ثمّ هو يغتسل منه ".
وتعقّب: بأنّه لا يلزم من تأكيد النّهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكّد؛ لاحتمال أن يكون للتّأكيد في أحدهما معنىً ليس للآخر.
قال القرطبيّ: ولا يجوز النّصب إذ لا تضمر أن بعد ثمّ , وأجازه ابن مالك بإعطاء ثمّ حكم الواو.
وتعقّبه النّوويّ: بأنّ ذلك يقتضي أن يكون المنهيّ عنه الجمع بين الأمرين دون إفراد أحدهما.
وضعّفه ابن دقيق العيد , بأنّه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعدّدة لفظٌ واحدٌ , فيؤخذ النّهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث - إن ثبتت رواية النّصب - ويؤخذ النّهي عن الإفراد من حديثٍ آخر.
قلت: وهو ما رواه مسلم من حديث جابر عن النّبيّ ﷺ , أنّه نهى عن البول في الماء الرّاكد. وعنده من طريق أبي السّائب عن أبي هريرة بلفظ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدّائم وهو جنبٌ.
وروى أبو داود النّهي عنهما في حديثٍ واحدٍ ولفظه. لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم , ولا يغتسل فيه من الجنابة.
стр. 67
واستدل به بعض الحنفيّة على تنجيس الماء المستعمل؛ لأنّ البول ينجّس الماء فكذلك الاغتسال , وقد نهى عنهما معاً وهو للتّحريم فيدلّ على النّجاسة فيهما.
ورُدّ: بأنّها دلالة اقتران وهي ضعيفة , وعلى تقدير تسليمها فلا يلزم التّسوية فيكون النّهي عن البول لئلا ينجّسه. وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبه الطّهوريّة.
ويزيد ذلك وضوحاً قوله في رواية مسلم " كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولاً ". فدلَّ على أنّ المنع من الانغماس فيه لئلا يصير مستعملاً فيمتنع على الغير الانتفاع به , والصّحابيّ أعلم بموارد الخطاب من غيره.
وهذا من أقوى الأدلة على أنّ المستعمل غير طهور.
ولا فرق في الماء الذي لا يجري في الحكم المذكور بين بول الآدميّ وغيره , خلافاً لبعض الحنابلة. ولا بين أن يبول في الماء أو يبول في إناءٍ ثمّ يصبّه فيه , خلافاً للظّاهريّة.
وهذا كلّه محمول على الماء القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدّ القليل , وقد قيل لا يعتبر إلاَّ التّغيّر وعدمه , وهو قويٌّ لكنّ الفصل بالقلتين أقوى لصحّة الحديث فيه (١).
стр. 68
وقد اعترف الطّحاويّ من الحنفيّة بذلك , لكنّه اعتذر عن القول به , بأنّ القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصّغيرة كالجرّة، ولَم يثبت من الحديث تقديرهما فيكون مجملاً فلا يعمل به.
وقوّاه ابن دقيق العيد. لكن استدل له غيرهما.
فقال أبو عبيدٍ القاسم بن سلام: المراد القُلَّة الكبيرة إذ لو أراد الصّغيرة لَم يحتج لذكر العدد. فإنّ الصّغيرتين قدر واحدة كبيرة , ويرجع في الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجاز.
والظّاهر أنّ الشّارع ﷺ ترك تحديدهما على سبيل التّوسعة والعلم محيط بأنّه ما خاطب الصّحابة إلاَّ بما يفهمون فانتفى الإجمال , لكن لعدم التّحديد وقع الخلف بين السّلف في مقدارهما على تسعة أقوالٍ حكاها ابن المنذر.
ثمّ حدث بعد ذلك تحديدهما بالأرطال. واختلف فيه أيضاً.
ونقل عن مالكٍ أنّه حمل النّهي على التّنزيه فيما لا يتغيّر , وهو قول الباقين في الكثير.
وقال القرطبيّ: يمكن حمله على التّحريم مطلقاً على قاعدة سدّ الذّريعة؛ لأنّه يفضي إلى تنجيس الماء.
قوله: (ثمّ يغتسل فيه) كذا في البخاري , وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزّناد عند النسائي ومسند الشافعي " ثمّ يغتسل منه " (١).
стр. 69
وكذا لمسلمٍ من طريق ابن سيرين.
وكلٌّ من اللفظين يفيد حكماً بالنّصّ , وحكماً بالاستنباط , قاله ابن دقيق العيد.
ووجهه أنّ الرّواية بلفظ " فيه " تدلّ على منع الانغماس بالنّصّ , وعلى منع التّناول بالاستنباط , والرّواية بلفظ " منه " بعكس ذلك , وكلّه مبنيّ على أنّ الماء ينجس بملاقاة النّجاسة. والله أعلم
стр. 70
الحديث السادس
٦ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: إذا شَرِب الكلب في إناء أحدِكم فليغسله سبعاً. (١) ولمسلمٍ: أُوْلاهنّ بالتّراب. (٢)
الحديث السابع
٧ - ولمسلم في حديث عبد الله بن مغفّلٍ , أنّ رسول الله ﷺ قال: إذا ولَغَ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعاً , وعفِّروه الثّامنة بالتّراب. (٣)
قوله: (إذا شرب) كذا هو في الموطّأ أيضاً عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه " إذا ولغ "، وهو المعروف في اللّغة، يقال ولغ يلغ - بالفتح فيهما - إذا شرب بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرّكه.
وقال ثعلب: هو أن يُدخل لسانه في الماء وغيره من كلّ مائع فيحرّكه، زاد ابن درستويه: شرب أو لَم يشرب.
وقال ابن مكّيٍّ: فإن كان غير مائع يقال لعقه.
وقال المطرّزيّ: فإن كان فارغاً يقال لحسه.
стр. 71
وادّعى ابن عبد البرّ أنّ لفظ " شرب " لَم يروه إلاَّ مالك، وأنّ غيره رواه بلفظ " ولغ ".
وليس كما ادّعى. فقد رواه ابن خزيمة وابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين عن أبي هريرة بلفظ " إذا شرب " , لكنّ المشهور عن هشام بن حسّان بلفظ " إذا ولغ " كذا أخرجه مسلم وغيره من طرق عنه، وقد رواه عن أبي الزّناد - شيخِ مالكٍ - بلفظ " إذا شرب " ورقاءُ بنُ عمر. أخرجه الجوزقيّ، وكذا المغيرة بن عبد الرّحمن. أخرجه أبو يعلى.
نعم. وروي عن مالك بلفظ " إذا ولغ ". أخرجه أبو عبيد في " كتاب الطّهور " له عن إسماعيل بن عمر عنه، ومن طريقه أورده الإسماعيليّ، وكذا أخرجه الدّارقطنيّ في " الموطّآت " له من طريق أبي عليّ الحنفيّ عن مالك، وهو في نسخة صحيحة من سنن ابن ماجه من رواية روح بن عُبادة عن مالك أيضاً.
وكأنّ أبا الزّناد حدّث به باللفظين لتقاربهما في المعنى؛ لكنّ الشّرب كما بيّنّا أخصّ من الولوغ فلا يقوم مقامه.
ومفهوم الشّرط في قوله " إذا ولغ " يقتضي قصر الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا إنّ الأمر بالغسل للتّنجيس يتعدّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلاً، ويكون ذكر الولوغ للغالب.
وأمّا إلحاق باقي أعضائه كيده ورجله , فالمذهب المنصوص أنّه كذلك , لأنّ فَمَه أشرفها فيكون الباقي من باب الأولى، وخصّه في
стр. 72
القديم الأوّل.
وقال النّوويّ في " الرّوضة ": إنّه وجه شاذّ. وفي " شرح المهذّب ": إنّه القويّ من حيث الدّليل، والأولويّة المذكورة قد تمنع لكون فمِه محلّ استعمال النّجاسات.
قوله: (الكلب) الكلب معروف , والأنثى كلبة , والجمع أكلب وكلاب وكَليب بالفتح، كأعبدٍ وعباد وعبيد. وفي الكلب بَهيميّة وسَبعيّة كأنّه مركّب. وفيه منافع للحراسة والصّيد. وفيه من اقتفاء الأثر وشمّ الرّائحة والحراسة وخفّة النّوم والتّودّد وقبول التّعليم ما ليس لغيره.
وقيل: إنّ أوّل من اتّخذه للحراسة نوح ﵇.
قوله: (في إناء أحدكم) ظاهره العموم في الآنية، ومفهومه يخرج الماء المستنقع مثلاً، وبه قال الأوزاعيّ مطلقاً.
لكن إذا قلنا بأنّ الغسل للتّنجيس يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير، والإضافة التي في إناء أحدكم يُلغى اعتبارها هنا , لأنّ الطّهارة لا تتوقّف على ملكه، وكذا قوله " فليغسله " لا يتوقّف على أن يكون هو الغاسل.
وزاد مسلم والنّسائيّ من طريق عليّ بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة في هذا الحديث " فليرقه " وهو يقوّي القول بأنّ الغسل للتّنجيس، إذ الْمُراق أعمّ من أن يكون ماء أو طعاماً، فلو كان طاهراً لَم يؤمر بإراقته للنّهي عن إضاعة المال.
стр. 73
لكن قال النّسائيّ: لا أعلم أحداً تابع عليَّ بنَ مسهر على زيادة فليرقه.
وقال حمزة الكنانيّ: إنّها غير محفوظة.
وقال ابن عبد البرّ: لَم يذكرها الحفّاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة.
وقال ابن منده: لا تعرف عن النّبيّ ﷺ بوجهٍ من الوجوه إلاَّ عن عليّ بن مسهر بهذا الإسناد.
قلت: قد ورد الأمر بالإراقة أيضاً من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً. أخرجه ابن عديّ، لكن في رفعه نظر، والصّحيح أنّه موقوف.
وكذا ذكَرَ الإراقةَ حمّادُ بن زيد عن أيّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفاً , وإسناده صحيح أخرجه الدّارقطنيّ وغيره.
قوله: (فليغسله) يقتضي الفور، لكن حمله الجمهور على الاستحباب , إلاَّ لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء.
قوله: (سبعاً) أي: سبع مرار.
قوله: (أُولاهنّ بالتراب) لَم يقع في رواية مالك (١) التّتريب , ولَم يثبت في شيء من الرّوايات عن أبي هريرة إلاَّ عن ابن سيرين، على أنّ بعض أصحابه لَم يذكره. وروي أيضاً عن الحسن وأبي رافع عند
стр. 74
الدّارقطنيّ , وعبد الرّحمن والد السّدّيّ عند البزّار.
واختلف الرّواة عن ابن سيرين في محلّ غسلة التّتريب.
فلمسلمٍ وغيره من طريق هشام بن حسّان عنه " أولاهنّ " وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين , وكذا في رواية أبي رافع المذكورة.
واختلف عن قتادة عن ابن سيرين , فقال سعيد بن بشير عنه " أولاهنّ " أيضاً أخرجه الدّارقطنيّ، وقال أبان عن قتادة " السّابعة " أخرجه أبو داود.
وللشّافعيّ عن سفيان عن أيّوب عن ابن سيرين " أولاهنّ أو إحداهنّ ".
وفي رواية السّدّيّ عن البزّار " إحداهنّ " وكذا في رواية هشام بن عروة عن أبي الزّناد عنه.
فطريق الجمع بين هذه الرّوايات أن يقال: إحداهنّ مبهمة وأولاهنّ والسّابعة معيّنة.
و" أو " إن كانت في نفس الخبر فهي للتّخيير , فمقتضى حمل المطلق على المقيّد أن يحمل على أحدهما , لأنّ فيه زيادة على الرّواية المعيّنة، وهو الذي نصّ عليه الشّافعيّ في الأمّ والبويطيّ , وصرّح به المرعشيّ وغيره من الأصحاب. وذكره ابن دقيق العيد والسّبكيّ بحثاً، وهو منصوص كما ذكرنا.
وإن كانت " أو " شكّاً من الرّاوي , فرواية من عيّن ولَم يشكّ أولى من رواية من أبهم أو شكّ.
стр. 75
فيبقى النّظر في التّرجيح بين رواية " أولاهنّ " ورواية " السّابعة ".
ورواية " أولاهنّ " أرجح من حيث الأكثريّة والأحفظيّة ومن حيث المعنى أيضاً؛ لأنّ تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نصّ الشّافعيّ في حرملة على أنّ الأولى أولى. والله أعلم.
وفي الحديث دليل على أنّ حكم النّجاسة يتعدّى عن محلّها إلى ما يجاورها بشرط كونه مائعاً، وعلى تنجيس المائعات إذا وقع في جزء منها نجاسة، وعلى تنجيس الإناء الذي يتّصل بالمائع، وعلى أنّ الماء القليل ينجس بوقوع النّجاسة فيه وإن لَم يتغيّر؛ لأنّ ولوغ الكلب لا يغيّر الماء الذي في الإناء غالباً.
وعلى أنّ ورود الماء على النّجاسة يخالف ورودها عليه , لأنّه أمر بإراقة الماء لَمّا وردت عليه النّجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه وأمر بغسله، وحقيقته تتأدّى بما يسمّى غسلاً ولو كان ما يغسل به أقلّ ممّا أريق.
فائدة: خالف ظاهرَ هذا الحديث المالكيّة والحنفيّة.
فأمّا المالكيّة. فلم يقولوا بالتّتريب أصلاً مع إيجابهم التّسبيع على المشهور عندهم؛ لأنّ التّتريب لَم يقع في رواية مالك.
قال القرافيّ منهم: قد صحّت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لَم يقولوا بها؟!.
وعن مالك رواية أنّ الأمر بالتّسبيع للنّدب، والمعروف عند