← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وادّعى ابن عبد البرّ أنّ لفظ " شرب " لَم يروه إلاَّ مالك، وأنّ غيره رواه بلفظ " ولغ ". وليس كما ادّعى. فقد رواه ابن خزيمة وابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين عن أبي هريرة بلفظ " إذا شرب " , لكنّ المشهور عن هشام بن حسّان بلفظ " إذا ولغ " كذا أخرجه مسلم وغيره من طرق عنه، وقد رواه عن أبي الزّناد - شيخِ مالكٍ - بلفظ " إذا شرب " ورقاءُ بنُ عمر. أخرجه الجوزقيّ، وكذا المغيرة بن عبد الرّحمن. أخرجه أبو يعلى. نعم. وروي عن مالك بلفظ " إذا ولغ ". أخرجه أبو عبيد في " كتاب الطّهور " له عن إسماعيل بن عمر عنه، ومن طريقه أورده الإسماعيليّ، وكذا أخرجه الدّارقطنيّ في " الموطّآت " له من طريق أبي عليّ الحنفيّ عن مالك، وهو في نسخة صحيحة من سنن ابن ماجه من رواية روح بن عُبادة عن مالك أيضاً. وكأنّ أبا الزّناد حدّث به باللفظين لتقاربهما في المعنى؛ لكنّ الشّرب كما بيّنّا أخصّ من الولوغ فلا يقوم مقامه. ومفهوم الشّرط في قوله " إذا ولغ " يقتضي قصر الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا إنّ الأمر بالغسل للتّنجيس يتعدّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلاً، ويكون ذكر الولوغ للغالب. وأمّا إلحاق باقي أعضائه كيده ورجله , فالمذهب المنصوص أنّه كذلك , لأنّ فَمَه أشرفها فيكون الباقي من باب الأولى، وخصّه في

стр. 72

القديم الأوّل. وقال النّوويّ في " الرّوضة ": إنّه وجه شاذّ. وفي " شرح المهذّب ": إنّه القويّ من حيث الدّليل، والأولويّة المذكورة قد تمنع لكون فمِه محلّ استعمال النّجاسات. قوله: (الكلب) الكلب معروف , والأنثى كلبة , والجمع أكلب وكلاب وكَليب بالفتح، كأعبدٍ وعباد وعبيد. وفي الكلب بَهيميّة وسَبعيّة كأنّه مركّب. وفيه منافع للحراسة والصّيد. وفيه من اقتفاء الأثر وشمّ الرّائحة والحراسة وخفّة النّوم والتّودّد وقبول التّعليم ما ليس لغيره. وقيل: إنّ أوّل من اتّخذه للحراسة نوح ﵇. قوله: (في إناء أحدكم) ظاهره العموم في الآنية، ومفهومه يخرج الماء المستنقع مثلاً، وبه قال الأوزاعيّ مطلقاً. لكن إذا قلنا بأنّ الغسل للتّنجيس يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير، والإضافة التي في إناء أحدكم يُلغى اعتبارها هنا , لأنّ الطّهارة لا تتوقّف على ملكه، وكذا قوله " فليغسله " لا يتوقّف على أن يكون هو الغاسل. وزاد مسلم والنّسائيّ من طريق عليّ بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة في هذا الحديث " فليرقه " وهو يقوّي القول بأنّ الغسل للتّنجيس، إذ الْمُراق أعمّ من أن يكون ماء أو طعاماً، فلو كان طاهراً لَم يؤمر بإراقته للنّهي عن إضاعة المال.

стр. 73

لكن قال النّسائيّ: لا أعلم أحداً تابع عليَّ بنَ مسهر على زيادة فليرقه. وقال حمزة الكنانيّ: إنّها غير محفوظة. وقال ابن عبد البرّ: لَم يذكرها الحفّاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة. وقال ابن منده: لا تعرف عن النّبيّ ﷺ بوجهٍ من الوجوه إلاَّ عن عليّ بن مسهر بهذا الإسناد. قلت: قد ورد الأمر بالإراقة أيضاً من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً. أخرجه ابن عديّ، لكن في رفعه نظر، والصّحيح أنّه موقوف. وكذا ذكَرَ الإراقةَ حمّادُ بن زيد عن أيّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفاً , وإسناده صحيح أخرجه الدّارقطنيّ وغيره. قوله: (فليغسله) يقتضي الفور، لكن حمله الجمهور على الاستحباب , إلاَّ لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء. قوله: (سبعاً) أي: سبع مرار. قوله: (أُولاهنّ بالتراب) لَم يقع في رواية مالك (١) التّتريب , ولَم يثبت في شيء من الرّوايات عن أبي هريرة إلاَّ عن ابن سيرين، على أنّ بعض أصحابه لَم يذكره. وروي أيضاً عن الحسن وأبي رافع عند

стр. 74

الدّارقطنيّ , وعبد الرّحمن والد السّدّيّ عند البزّار. واختلف الرّواة عن ابن سيرين في محلّ غسلة التّتريب. فلمسلمٍ وغيره من طريق هشام بن حسّان عنه " أولاهنّ " وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين , وكذا في رواية أبي رافع المذكورة. واختلف عن قتادة عن ابن سيرين , فقال سعيد بن بشير عنه " أولاهنّ " أيضاً أخرجه الدّارقطنيّ، وقال أبان عن قتادة " السّابعة " أخرجه أبو داود. وللشّافعيّ عن سفيان عن أيّوب عن ابن سيرين " أولاهنّ أو إحداهنّ ". وفي رواية السّدّيّ عن البزّار " إحداهنّ " وكذا في رواية هشام بن عروة عن أبي الزّناد عنه. فطريق الجمع بين هذه الرّوايات أن يقال: إحداهنّ مبهمة وأولاهنّ والسّابعة معيّنة. و" أو " إن كانت في نفس الخبر فهي للتّخيير , فمقتضى حمل المطلق على المقيّد أن يحمل على أحدهما , لأنّ فيه زيادة على الرّواية المعيّنة، وهو الذي نصّ عليه الشّافعيّ في الأمّ والبويطيّ , وصرّح به المرعشيّ وغيره من الأصحاب. وذكره ابن دقيق العيد والسّبكيّ بحثاً، وهو منصوص كما ذكرنا. وإن كانت " أو " شكّاً من الرّاوي , فرواية من عيّن ولَم يشكّ أولى من رواية من أبهم أو شكّ.

стр. 75

فيبقى النّظر في التّرجيح بين رواية " أولاهنّ " ورواية " السّابعة ". ورواية " أولاهنّ " أرجح من حيث الأكثريّة والأحفظيّة ومن حيث المعنى أيضاً؛ لأنّ تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نصّ الشّافعيّ في حرملة على أنّ الأولى أولى. والله أعلم. وفي الحديث دليل على أنّ حكم النّجاسة يتعدّى عن محلّها إلى ما يجاورها بشرط كونه مائعاً، وعلى تنجيس المائعات إذا وقع في جزء منها نجاسة، وعلى تنجيس الإناء الذي يتّصل بالمائع، وعلى أنّ الماء القليل ينجس بوقوع النّجاسة فيه وإن لَم يتغيّر؛ لأنّ ولوغ الكلب لا يغيّر الماء الذي في الإناء غالباً. وعلى أنّ ورود الماء على النّجاسة يخالف ورودها عليه , لأنّه أمر بإراقة الماء لَمّا وردت عليه النّجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه وأمر بغسله، وحقيقته تتأدّى بما يسمّى غسلاً ولو كان ما يغسل به أقلّ ممّا أريق. فائدة: خالف ظاهرَ هذا الحديث المالكيّة والحنفيّة. فأمّا المالكيّة. فلم يقولوا بالتّتريب أصلاً مع إيجابهم التّسبيع على المشهور عندهم؛ لأنّ التّتريب لَم يقع في رواية مالك. قال القرافيّ منهم: قد صحّت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لَم يقولوا بها؟!. وعن مالك رواية أنّ الأمر بالتّسبيع للنّدب، والمعروف عند

стр. 76

أصحابه أنّه للوجوب لكنّه للتّعبّد لكون الكلب طاهراً عندهم، وأبدى بعض متأخّريهم له حكمة غير التّنجيس كما سيأتي. وعن مالك رواية بأنّه نجس؛ لكنّ قاعدته أنّ الماء لا ينجس إلاَّ بالتّغيّر، فلا يجب التّسبيع للنّجاسة بل للتّعبّد. لكن يرِدُ عليه قوله ﷺ في أوّل هذا الحديث , فيما رواه مسلم وغيره من طريق محمّد بن سيرين وهمّام بن منبّه عن أبي هريرة " طهور إناء أحدكم " , لأنّ الطّهارة تستعمل إمّا عن حدث أو خبث، ولا حدث على الإناء فتعيّن الخبث. وأجيب: بمنع الحصر , لأنّ التّيمّم لا يرفع الحدث , وقد قيل له طهور المسلم؛ ولأنّ الطّهارة تطلق على غير ذلك كقوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم) وقوله ﷺ : السّواك مطهرة للفم. (١) والجواب عن الأوّل: بأنّ التّيمّم ناشئ عن حدث , فلمّا قام مقام ما يطهّر الحدث سُمِّي طهوراً. ومن يقول بأنّه يرفع الحدث يمنع هذا الإيراد من أصله (٢).

стр. 77

والجواب عن الثّاني: أنّ ألفاظ الشّرع إذا دارت بين الحقيقة اللّغويّة والشّرعيّة حملت على الشّرعيّة إلاَّ إذا قام دليل. ودعوى بعض المالكيّة: أنّ المأمور بالغسل من ولوغه الكلب المنهيّ عن اتّخاذه دون المأذون فيه , يحتاج إلى ثبوت تقدّم النّهي عن الاتّخاذ عن الأمر بالغسل، وإلى قرينة تدلّ على أنّ المراد ما لَم يؤذن في اتّخاذه؛ لأنّ الظّاهر من اللام في قوله " الكلب " أنّها للجنس أو لتعريف الماهيّة فيحتاج المدّعي أنّها للعهد إلى دليل. ومِثلُه تفرقةُ بعضِهم بين البدويّ والحضريّ، ودعوى بعضهم أنّ ذلك مخصوص بالكلب الكَلِب، وأنّ الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطّبّ , لأنّ الشّارع اعتبر السّبع في مواضع منه كقوله " صبّوا عليّ من سبع قرب "، قوله " من تصبّح بسبع تمرات عجوة ". وتعقّب: بأنّ الكلب الكَلِب لا يقرب الماء فكيف يؤمر بالغسل من ولوغه؟ وأجاب حفيدُ ابنِ رشد: بأنّه لا يقرب الماء بعد استحكام الكلب منه، أمّا في ابتدائه فلا يمتنع. وهذا التّعليل - وإن كان فيه مناسبة - لكنّه يستلزم التّخصيص بلا دليل , والتّعليل بالتّنجيس أقوى , لأنّه في معنى المنصوص، وقد ثبت عن ابن عبّاس التّصريح بأنّ الغسل من ولوغ الكلب بأنّه رجس. رواه محمّد بن نصر المروزيّ بإسنادٍ صحيح. ولَم يصحّ عن أحد من الصّحابة خلافه.

стр. 78

والمشهور عن المالكيّة أيضاً التّفرقة بين إناء الماء فيراق ويغسل , وبين إناء الطّعام فيؤكل ثمّ يغسل الإناء تعبّداً , لأنّ الأمر بالإراقة عامّ فيخصّ الطّعام منه بالنّهي عن إضاعة المال. وعورض: بأنّ النّهي عن الإضاعة مخصوص بالأمر بالإراقة. ويترجّح هذا الثّاني بالإجماع على إراقة ما تقع فيه النّجاسة من قليل المائعات ولو عظم ثمنه، فثبت أنّ عموم النّهي عن الإضاعة مخصوص بخلاف الأمر بالإراقة، وإذا ثبتت نجاسة سؤره كان أعمّ من أن يكون لنجاسة عينه أو لنجاسةٍ طارئة كأكل الميتة مثلاً. لكنّ الأوّل أرجح إذ هو الأصل. ولأنّه يلزم على الثّاني مشاركة غيره له في الحكم كالهرّة مثلاً، وإذا ثبتت نجاسة سؤره لعينه لَم يدلّ على نجاسة باقيه إلاَّ بطريق القياس كأن يقال: لعابه نجس ففمه نجس , لأنّه متحلب منه واللّعاب عرَق فمه , وفمه أطيب بدنه فيكون عرقه نجساً , وإذا كان عرقه نجساً كان بدنه نجساً , لأنّ العرق مُتحلِّب من البدن. ولكن هل يلتحق باقي أعضائه بلسانه في وجوب السّبع والتّتريب أم لا؟. تقدّمت الإشارة إلى ذلك من كلام النّوويّ. وأمّا الحنفيّة: فلم يقولوا بوجوب السّبع ولا التّتريب. واعتذر الطّحاويّ وغيره عنهم بأمورٍ. الأول: كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات , فثبت بذلك نسخ السّبع.

стр. 79

وتعقّب: بأنّه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبيّة السّبع لا وجوبها , أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النّسخ. وأيضاً فقد ثبت أنّه أفتى بالغسل سبعاً , ورواية من روى عنه موافقةَ فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النّظر. أمّا النّظر فظاهر. وأمّا الإسناد. فالموافقة وردتْ من رواية حمّاد بن زيد عن أيّوب عن ابن سيرين عنه , وهذا من أصحّ الأسانيد. وأمّا المخالفة. فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه. وهو دون الأوّل في القوّة بكثيرٍ. الثاني: دعوى أنّ الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلمّا نهي عن قتلها نسخ الأمر بالغسل. وتعقّب: بأنّ الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة , والأمر بالغسل متأخّر جدّاً , لأنّه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفّل، وقد ذكر ابن مغفّل , أنّه سمع ﷺ يأمر بالغسل , وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أنّ الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب. الثالث: إلزام الشّافعيّة بإيجاب ثمان غسلات عملاً بظاهر حديث عبد الله بن مغفّل الذي أخرجه مسلم. ولفظه: فاغسلوه سبع مرّات وعفّروه الثّامنة في التّراب. وفي رواية أحمد: بالتّراب.

стр. 80

وأجيب: بأنّه لا يلزم من كون الشّافعيّة لا يقولون بظاهر حديث عبد الله بن مغفّل أنْ يتركوا هم العمل بالحديث أصلاً ورأساً؛ لأنّ اعتذار الشّافعيّة عن ذلك - إن كان متّجهاً فذاك - وإلَّا فكلّ من الفريقين ملومٌ في ترك العمل به، قاله ابن دقيق العيد. واعتذر بعضهم عن العمل به بالإجماع على خلافه. وفيه نظر , لأنّه ثبت القول بذلك عن الحسن البصريّ، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرمانيّ عنه. ونُقل عن الشّافعيّ أنّه قال: هو حديث لَم أقف على صحّته؛ ولكنّ هذا لا يثبت العذر لمن وقف على صحّته. وجنح بعضهم إلى التّرجيح. لحديث أبي هريرة على حديث ابن مغفّل. والتّرجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مغفّل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس، والزّيادة من الثّقة مقبولة. ولو سلكنا التّرجيح في هذا الباب لَم نقل بالتّتريب أصلاً , لأنّ رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته، ومع ذلك فقلنا به أخذاً بزيادة الثّقة. وجمع بعضهم بين الحديثين بضربٍ من المجاز , فقال: لَمّا كان التّراب جنساً غير الماء جعل اجتماعهما في المرّة الواحدة معدوداً باثنتين. وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ قوله " وعفّروه الثّامنة بالتّراب " ظاهر

стр. 81

في كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التّعفير في أوّله قبل ورود الغسلات السّبع كانت الغسلات ثمانية , ويكون إطلاق الغسلة على التّتريب مجازاً. وهذا الجمع من مرجّحات تعيّن التّراب في الأولى. قوله: (وله في حديث عبد الله بن مغفّلٍ) الغين المعجمة والفاء الثقيلة المزني. وزن مُحمَّد. (١). وتقدم الكلام عليه ضمن حديث أبي هريرة ﵁. الماضي. فائدة: روى الوليد بن مسلم في " مصنفه " عن الأوزاعي وغيره عنه: سمعت الزهري في إناء ولغ فيه كلبٌ فلم يجدوا ماء غيره، قال: يتوضأ به " وأخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " من طريقه بسند صحيح. قال الوليد بن مسلم: فذكرتُ ذلك لسفيان الثوري فقال: والله

стр. 82

هذا الفقه بعينه. يقول الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا ماء، وفي النفس منه شيء فأرى أن يتوضأ به ويتيمم. (١) فسمَّى الثوريُّ الأخذَ بدلالة العموم فقهاً، وهي التي تضمنها قوله تعالى (فلم تجدوا ماءً) لكونها نكرة في سياق النفي فتعمّ ولا تخص إلا بدليل، وتنجيس الماء بولوغ الكلب فيه غير متفق عليه بين أهل العلم. وزاد من رأيه التيمم احتياطاً. وتعقبه الإسماعيلي: بأن اشتراطه جواز التوضؤ به إذا لم يجد غيره يدلُّ على تنجيسه عنده؛ لأن الظاهر يجوز التوضؤ به مع وجود غيره. وأجيب: بأن المراد أن استعمال غيره مما لم يختلف فيه أولى، فأما إذا لم يجد غيره فلا يعدل عنه - وهو يعتقد طهارته - إلى التيمم. وأمَّا فتيا سفيان بالتيمم بعد الوضوء به فلأنه رأى أنه ماء مشكوك فيه من أجل الاختلاف فاحتاط للعبادة. وقد تعقِّب: بأنه يلزم من استعماله أن يكون جسده طاهراً بلا شك فيصير باستعماله مشكوكاً في طهارته، ولهذا قال بعض الأئمة: الأولى أن يريق ذلك الماء ثم يتيمم، والله أعلم.

стр. 83

الحديث الثامن ٨ - عن حمران مولى عثمان بن عفّان ﵁ , أنّه رأى عثمان دعا بوضوءٍ , فأفْرغَ على يديه من إنائه , فغسلهما ثلاث مرّاتٍ، ثمّ أدخل يمينه في الوَضوء , ثمّ تمضمض واستنشق واستنثر، ثمّ غسل وجهه ثلاثاً , ويديه إلى المرفقين ثلاثاً , ثمّ مسح برأسه , ثمّ غسل كلتا رجليه ثلاثاً. ثمّ قال: رأيت النّبيّ ﷺ يتوضّأ نحو وضوئي هذا، وقال: من توضّأ نحو وضوئي هذا , ثمّ صلَّى ركعتين , لا يُحدِّث فيهما نفسه. غُفر له ما تقدّم من ذنبه. (١) قوله: (حُمران) بضم المهمله بن أبان. قوله: (عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف. وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبي ﷺ من حيث العدد في درجة عفان كما وقع لعمر سواء. وأما كنيته فهو الذي استقر عليه الأمر، وقد نقل يعقوب بن سفيان عن الزهري , أنه كان يكنى أبا عبد الله بابنه عبد الله الذي رُزقه من رقية بنت رسول الله ﷺ . ومات عبد الله المذكور صغيراً. وله ست سنين.

стр. 84

وحكى ابن سعد , أنَّ موته كان سنة أربع من الهجرة، وماتت أمه رقية قبل ذلك سنة اثنتين. والنبي ﷺ في غزوة بدر، وكان بعض من ينتقصه يكنيه أبا ليلى يشير إلى لين جانبه، حكاه ابن قتيبة. وقد اشتهر أنَّ لقبه ذو النورين. وروى خيثمة في " الفضائل " والدارقطني في " الأفراد " من حديث علي , أنه ذكر عثمانَ , فقال: ذاك امرؤ يُدعى في السماء ذا النورين. قُتل عثمان ﵁ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. قوله: (دعا بوَضوءٍ) وهو بفتح الواو اسم للماء المعدّ للوضوء. وبالضّمّ الذي هو الفعل، وفي رواية لهما " دعا بإناء " وفيه الاستعانة على إحضار ما يتوضّأ به. قوله: (فأفرغ) أي: صبّ. قوله: (على كفّيه ثلاث مرات) فيه غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء , ولو لَم يكن عقب نوم احتياطاً. قوله: (ثمّ أدخل يمينه) فيه الاغتراف باليمين. واستدل به بعضهم على عدم اشتراط نيّة الاغتراف، ولا دلالة فيه نفياً ولا إثباتاً. قوله: (فمضمض) أصل المضمضة في اللّغة التّحريك , ومنه مضمض النّعاس في عينيه إذا تحرّكتا بالنّعاس , ثمّ اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه. وأمّا معناه في الوضوء الشّرعيّ , فأكمله أن يضع الماء في الفم ثمّ يديره ثمّ يمجّه , والمشهور عن الشّافعيّة , أنّه لا يُشترط تحريكه ولا

стр. 85

مجّه , وهو عجيبٌ , ولعلّ المراد أنّه لا يتعيّن المجّ , بل لو ابتلعه أو تركه حتّى يسيل اجزأ قوله: (واستنثر) ولمسلم " واستنشق " بدل " واستنثر "، والأوّل أعمّ، وثبتت الثّلاثة في رواية البخاري. ولَم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييد ذلك بعددٍ. نعم: ذكره ابن المنذر من طريق يونس عن الزّهريّ عن عطاء بن يزيد عن حمران , وكذا ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان , واتّفقت الرّوايات على تقديم المضمضة. قوله: (ثمّ غسل وجهه) فيه تأخيره عن المضمضة والاستنشاق، وقد ذكروا أنّ حكمة ذلك اعتبار أوصاف الماء؛ لأنّ اللون يدرك بالبصر , والطّعم يدرك بالفم , والرّيح يدرك بالأنف. فقدّمت المضمضة والاستنشاق - وهما مسنونان - قبل الوجه وهو مفروض، احتياطاً للعبادة. وتقدم ذكر حكمة الاستنثار. (١) قوله: (ويديه إلى المرفقين) أي: كلّ واحدة كما بيّنه البخاري في رواية معمر عن الزّهريّ، وكذا لمسلمٍ من طريق يونس , وفيها تقديم اليمنى على اليسرى , والتّعبير في كلٍّ منهما بثمّ , وكذا القول في الرّجلين أيضاً. قوله: (ثمّ غسل كلتا رجليه ثلاثاً) وللبخاري " كلّ رجل "

стр. 86

وللمستملي والحموي كل رجله , وهي تفيد تعميم كل رجل بالغسل. وفي نسخة " رجليه " بالتثنية وهي بمعنى الأولى قوله: (ثمّ مسح برأسه) هو بحذف الباء في الرّوايتين المذكورتين، وليس في شيء من طرقه في الصّحيحين ذكر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء. وقال الشّافعيّ: يستحبّ التّثليث في المسح كما في الغسل. واستدل له بظاهر رواية لمسلمٍ , أنّ النّبيّ ﷺ توضّأ ثلاثاً ثلاثاً. وأجيب: بأنّه مجمل تبيّن في الرّوايات الصّحيحة أنّ المسح لَم يتكرّر , فيحمل على الغالب , أو يختصّ بالمغسول. قال أبو داود في " السّنن ": أحاديث عثمان الصّحاح كلّها تدلّ على أنّ مسح الرّأس مرّة واحدة. وكذا قال ابن المنذر: إنّ الثّابت عن النّبيّ ﷺ في المسح مرّة واحدة، وبأنّ المسح مبنيّ على التّخفيف فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأنّ العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والدّلك ليس بمشترطٍ على الصّحيح عند أكثر العلماء. وبالغ أبو عبيد فقال: لا نعلم أحداً من السّلف استحبّ تثليث مسح الرّأس إلاَّ إبراهيم التّيميّ. وفيما قال نظرٌ، فقد نقله ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أنس وعطاء وغيرهما، وقد روى أبو داود من وجهين صحّح أحدَهما ابنُ خزيمة

стр. 87

وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرّأس، والزّيادة من الثّقة مقبولة. فيُحمل قول أبي داود على إرادة استثناء الطّريقين اللذين ذكرهما، فكأنّه قال: إلاَّ هذين الطّريقين. قال ابن السّمعانيّ في " الاصطلام ": اختلاف الرّواية يحمل على التّعدّد، فيكون مسح تارة مرّة وتارة ثلاثاً، فليس في رواية " مسح مرّة " حجّة على منع التّعدّد. ويحتجّ للتّعدّد بالقياس على المغسول لأنّ الوضوء طهارة حكميّة، ولا فرق في الطّهارة الحكميّة بين الغسل والمسح. وأجيب: بما تقدّم من أنّ المسح مبنيّ على التّخفيف بخلاف الغسل، ولو شرع التّكرار لصارت صورته صورة المغسول. وقد اتّفق على كراهة غسل الرّأس بدل المسح وإن كان مجزئاً. وأجاب: بأنّ الخفّة تقتضي عدم الاستيعاب , وهو مشروع بالاتّفاق فليكن العدد كذلك، وجوابه واضح. ومن أقوى الأدلة على عدم العدد. الحديث المشهور الذي صحَّحه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص. في صفة الوضوء حيث قال النّبيّ ﷺ بعد أن فرغ: من زاد على هذا فقد أساء وظلم. فإنّ في رواية سعيد بن منصور فيه التّصريح بأنّه " مسح رأسه مرّة واحدة " فدلَّ على أنّ الزّيادة في مسح الرّأس على المرّة غير مستحبّة. ويُحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح - إن صحّت - على

стр. 88

إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنّها مسحات مستقلة لجميع الرّأس. جمعاً بين هذه الأدلة. فائدة: قال البخاري: وبيَّن النبيُّ ﷺ أنَّ فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضاً مرتين وثلاثاً، ولَم يزد على ثلاث، وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ " انتهى. أي: لَم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه ﷺ أنه زاد على ثلاث , بل ورد عنه ﷺ ذم من زاد عليها , وذلك فيما رواه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده , أنَّ النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً , ثم قال: من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم. إسناده جيد. لكن عدَّه مسلمٌ في جملة ما أُنكر على عمرو بن شعيب , لأنَّ ظاهره ذم النقص من الثلاث. وأجيب: بأنه أمر سيئ , والإساءة تتعلق بالنقص والظلم بالزيادة. وقيل: فيه حذف تقديره من نَقَصَ من واحدة. ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعاً: الوضوء مرة ومرتين وثلاثاً فإن نقص من واحدة , أو زاد على ثلاث فقد أخطأ. وهو مرسلٌ رجاله ثقات. وأجيب عن الحديث أيضاً: بأن الرُّواة لَم يتفقوا على ذكر النقص فيه , بل أكثرهم مُقتصِرٌ على قوله " فمن زاد " فقط. كذا رواه ابن خزيمة في " صحيحه " وغيره.

стр. 89

ومن الغرائب ما حكاه الشيخ أبو حامد الإسفرائيني عن بعض العلماء: أنه لا يجوز النقص من الثلاث , وكأنه تمسَّك بظاهر الحديث المذكور , وهو محجوج بالإجماع. وأما قول مالك في المدونة: لا أحب الواحدة إلاَّ من العالِم. فليس فيه إيجاب زيادة عليها. والله أعلم. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: ليس بعد الثلاث شيء. وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث. وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم. وقال الشافعي: لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث. فإن زاد لَم أكرهه , أي: لَم أحرِّمه , لأن قوله " لا أحب " يقتضي الكراهة , وهذا الأصح عند الشافعية أنه مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ. وحكى الدارمي منهم عن قومٍ: أنَّ الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة , وهو قياس فاسد , ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق. قوله: (نحو وضوئي هذا) قال النّوويّ: إنّما لَم يقل " مثل " لأنّ حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره. قلت: لكن ثبت التّعبير بها في رواية البخاري من طريق معاذ بن عبد الرّحمن عن حمران عن عثمان ولفظه " من توضّأ مثل هذا الوضوء " وله من رواية معمر " من توضّأ وضوئي هذا ".

стр. 90

ولمسلمٍ من طريق زيد بن أسلم عن حمران " توضّأ مثل وضوئي هذا ". وعلى هذا فالتّعبير بنحوٍ من تصرّف الرّواة , لأنّها تطلق على المثليّة مجازاً، لأنّ " مثل " وإن كانت تقتضي المساواة ظاهراً , لكنّها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الرّوايتان , ويكون المتروك بحيث لا يخلّ بالمقصود. والله تعالى أعلم. قوله: (ثمّ صلَّى ركعتين) فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء , وللبخاري " ثمّ أتى المسجد فركع ركعتين ثمّ جلس ". هكذا أطلق صلاة ركعتين , وقيّده مسلمٌ في روايته من طريق نافع بن جبيرٍ عن حمران بلفظ " ثمّ مشى إلى الصّلاة المكتوبة , فصلاَّها مع النّاس أو في المسجد ". وكذا وقع في رواية هشام بن عروة عن أبيه عن حمران عنده " فيُصلِّي صلاةً ". وفي أخرى له عنه " فيُصلِّي الصّلاة المكتوبة " وزاد " إلاَّ غفر الله له ما بينها وبين الصّلاة التي تليها " أي: التي سبقتها. وفيه تقييدٌ لِمَا أطلق في قوله في الرّواية الأخرى " غفر الله له ما تقدّم من ذنبه " وأنّ التّقدّم خاصٌّ بالزّمان الذي بين الصّلاتين. وأصرح منه في رواية أبي صخرة عن حمران عند مسلمٍ أيضاً: ما من مسلمٍ يتطهّر فيتمّ الطّهور الذي كُتب عليه فيُصلِّي هذه الصّلوات الخمس إلاَّ كانت كفّارةً لِمَا بينهنّ. وللبخاري من طريق عروة عن حمران " إلاَّ غفر له ما بينه وبين الصّلاة حتّى يُصلِّيها ". ولمسلم من طريق عمرو بن سعيد بن العاص عن عثمان بنحوه ,

стр. 91

وفيه تقييده بمن لَم يغشَ الكبيرة. والحاصل أنّ لِحمران عن عثمان حديثين في هذا. أحدهما: مقيّدٌ بترك حديث النّفس , وذلك في صلاة ركعتين مطلقاً غير مقيّدٍ بالمكتوبة. والآخر: في الصّلاة المكتوبة في الجماعة , أو في المسجد , من غير تقييدٍ بترك حديث النّفس. قوله: (لا يُحدِّث فيهما نفسه) المراد به ما تسترسل النّفس معه ويمكن المرء قطعه؛ لأنّ قوله " يحدّث " يقتضي تكسّباً منه، فأمّا ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذّر دفعه فذلك معفوّ عنه. ونقل القاضي عياض (١) عن بعضهم , أنّ المراد من لَم يحصل له حديث النّفس أصلاً ورأساً. ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في " الزّهد " بلفظ " لَم يسه فيهما ". وردّه النّوويّ , فقال: الصّواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرّة. نعم. من اتّفق أن يحصل له عدم حديث النّفس أصلاً أعلى درجة بلا ريب. ثمّ إنّ تلك الخواطر. منها: ما يتعلق بالدّنيا. والمراد دفعه مطلقاً.

стр. 92

ووقع في رواية للحكيم التّرمذيّ في هذا الحديث " لا يحدّث نفسه بشيءٍ من الدّنيا ". وهي في " الزّهد " لابن المبارك أيضاً. و " المصنّف " لابن أبي شيبة. ومنها: ما يتعلق بالآخرة. فإن كان أجنبيّاً أشبه أحوال الدّنيا، وإن كان من متعلقات تلك الصّلاة فلا. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بذلك الإخلاص , أو ترك العجب بأن لا يرى لنفسه مزية خشية أن يتغير فيتكبر فيهلك. قوله: (غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه) ظاهره يعمّ الكبائر والصّغائر. وبه جزم ابن المنذر؛ لكنّ العلماء خصّوه بالصّغائر. لوروده مقيّداً باستثناء الكبائر في غير هذه الرّواية. (١)

стр. 93

قال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين. وعزاه عياض لأهل السنة. وهو في حقّ من له كبائر وصغائر، فمن ليس له إلاَّ صغائر كفّرت عنه، ومن ليس له إلاَّ كبائر خفّف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصّغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزداد في حسناته بنظير ذلك. وفي الحديث التّعليم بالفعل لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم، والتّرتيب في أعضاء الوضوء للإتيان في جميعها بثمّ، والتّرغيب في الإخلاص، وتحذير من لها في صلاته بالتّفكير في أمور الدّنيا من عدم

стр. 94

القبول، ولا سيّما إن كان في العزم على عمل معصية فإنّه يحضر المرء في حال صلاته ما هو مشغوف به أكثر من خارجها. ووقع في رواية البخاري في آخر هذا الحديث: قال النّبيّ ﷺ : لا تغترّوا. أي: فتستكثروا من الأعمال السّيّئة بناء على أنّ الصّلاة تكفّرها، فإنّ الصّلاة التي تكفّر بها الخطايا هي التي يقبلها الله، وأنّى للعبد بالاطّلاع على ذلك. وظهر لي جوابٌ آخر , وهو أنّ المكفّر بالصّلاة هي الصّغائر , فلا تغترّوا فتعملوا الكبيرة بناءً على تكفير الذّنوب بالصّلاة فإنّه خاصٌّ بالصّغائر , أو لا تستكثروا من الصّغائر فإنّها بالإصرار تعطى حكم الكبيرة فلا يكفّرها ما يكفّر الصّغيرة , أو أنّ ذلك خاصٌّ بأهل الطّاعة فلا يناله من هو مرتبكٌ في المعصية. والله أعلم

стр. 95

الحديث التاسع ٩ - عن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه , قال: شهدتُ عمرو بنَ أبي حسنٍ سأَل عبدَ الله بن زيدٍ عن وضوءِ النّبيّ ﷺ ؟ فدعا بتورٍ من ماءٍ , فتوضّأ لهم وضوءَ رسول الله ﷺ , فأكفأ على يديه من التّور , فغسل يديه ثلاثاً , ثمّ أدخل يده في التّور , فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفاتٍ , ثمّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً , ثمّ أدخل يده في التّور , فغسلهما مرّتين إلى المرفقين , ثمّ أدخل يده في التّور , فمسح رأسه , فأقبل بهما وأدبر مرّةً واحدةً، ثمّ غسل رجليه. (١) وفي روايةٍ: بدأ بمقدّم رأسِه , حتّى ذهب بهما إلى قفاه , ثمّ ردَّهما حتّى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. وفي روايةٍ: أتانا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماءً في تورٍ من صفرٍ. قال الْمُصنِّف: التور: شبه الطست. قوله: (عن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه) أي: أبي عثمان يحيى بن عمارة أي: ابن أبي حسن. واسمه تميم بن عبد عمرو، ولجده أبي حسن صحبة، وكذا لعمارة فيما جزم به ابن عبد البر.

стр. 96

وقال أبو نعيم: فيه نظر. قوله: (شهدتُ عمرو بنَ أبي حسن سأل) اختلف رواة الموطّأ في تعيين هذا السّائل، وأمّا أكثرهم فأبهمه. وللبخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه: أنَّ رجلا قال لعبد الله بن زيد - وهو جد عمرو بن يحيى - (١): أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال معن بن عيسى في روايته عن عمرو عن أبيه يحيى: إنّه سمع أبا حسن - وهو جدّ عمرو بن يحيى - قال لعبد الله بن زيد - وكان من الصّحابة -. فذكر الحديث. وقال محمّد بن الحسن الشّيبانيّ عن مالك: حدّثنا عمرو عن أبيه يحيى , أنّه سمع جدّه أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد. وكذا ساقه سحنون في المدوّنة. وقال الشّافعيّ في " الأمّ ": عن مالك عن عمرو عن أبيه , إنّه قال لعبد الله بن زيد. ومثله رواية الإسماعيليّ عن أبي خليفة عن القعنبيّ

стр. 97

عن مالك عن عمرو عن أبيه , قال. قلت: والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاريّ وابنه عمرو وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن , فسألوه عن صفة وضوء النّبيّ ﷺ , وتولى السّؤال منهم له عمرو بن أبي حسن، فحيث نسب إليه السّؤال كان على الحقيقة. ويؤيّده رواية سليمان بن بلال عند البخاري قال: حدّثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمّي - يعني عمرو بن أبي حسن - يكثر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد أخبرني. فذكره. وحيث نسب السّؤال إلى أبي حسن , فعلى المجاز لكونه كان الأكبر وكان حاضراً. وحيث نسب السّؤال ليحيى بن عمارة , فعلى المجاز أيضاً لكونه ناقل الحديث وقد حضر السّؤال. ووقع في رواية مسلم عن محمّد بن الصّبّاح عن خالد الواسطيّ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: قيل له توضّأ لنا. فذكره مبهماً. وفي رواية الإسماعيليّ من طريق وهب بن بقيّة عن خالد المذكور بلفظ " قلنا له ". وهذا يؤيّد الجمع المتقدّم من كونهم اتّفقوا على سؤاله؛ لكنّ متولي السّؤال منهم عمرو بن أبي حسن. ويزيد ذلك وضوحاً رواية الدّراورديّ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عمّه عمرو بن أبي حسن قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد. فذكر الحديث. أخرجه أبو نعيمٍ في " المستخرج "، والله أعلم.

стр. 98

قوله: (سأل عبد الله بن زيد) بن عاصم المازني الأنصاري. (١) وللبخاري " أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ " فيه ملاطفة الطالب للشيخ، وكأنَّه أراد أنُ يُريه بالفعل ليكون أبلغ في التعليم. وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون الشيخ نسي ذلك لبعد العهد. قوله: (فدعا بتور من ماء) التّور بمثنّاةٍ مفتوحة , قال الدّاوديّ: قدح. وقال الجوهريّ: إناء يشرب منه. وقيل: هو الطّست، وقيل: يشبه الطّست، وقيل: هو مثل القدر يكون من صفر أو حجارة. وفي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة عند البخاري في أوّل هذا الحديث " أتانا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صفر ".

стр. 99

والصّفر: بضمّ المهملة وإسكان الفاء وقد تكسر. صنف من حديد النّحاس. قيل: إنّه سُمِّي بذلك لكونه يشبه الذّهب، ويسمّى أيضاً الشَّبَه بفتح المعجمة والموحّدة. والتّور المذكور. يحتمل أن يكون هو الذي توضّأ منه عبد الله بن زيد إذ سئل عن صفة الوضوء , فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها. قوله: (فأكفأ) بهمزتين، وللبخاري من رواية سليمان بن حرب عن وهيب " فكفأ " بفتح الكاف، وهما لغتان بمعنىً , يقال: كفأ الإناء , وأكفأ إذا أماله. وقال الكسائيّ: كفأت الإناء كببته , وأكفأته أملته، والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد كما صرّح به في رواية مالك بقوله " فأفرغ ". قوله: (فغسل يديه ثلاثاً) كذا في رواية وهيب وسليمان بن بلال عند البخاري. وكذا للدّراورديّ عند أبي نعيمٍ " فغسل يديه " بالتّثنية، وفي رواية مالك " فغسل يده مرتين " بإفراد يده , فيحمل الإفراد في رواية مالك على الجنس، وعند مالك " مرّتين "، وعند هؤلاء " ثلاثاً "، وكذا لخالد بن عبد الله عند مسلم. وهؤلاء حفّاظ وقد اجتمعوا , فزيادتهم مقدّمة على الحافظ الواحد، وقد ذكر مسلم من طريق بهز عن وهيب , أنّه سمع هذا الحديث

стр. 100

مرّتين من عمرو بن يحيى إملاء، فتأكّد ترجيح روايته، ولا يقال يُحمل على واقعتين لأنّا نقول: المخرج متّحد والأصل عدم التّعدّد. وفيه من الأحكام غسل اليد قبل إدخالها الإناء , ولو كان من غير نوم كما تقدّم مثله في حديث عثمان (١)، والمراد باليدين هنا الكفّان لا غير. قوله: (ثمّ مضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات) استدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كلّ غرفة، وفي رواية خالد بن عبد الله " مضمض واستنشق من كفّ واحد فعل ذلك ثلاثاً ". وهو صريح في الجمع كلّ مرّة، بخلاف رواية وهيب فإنّه تطرّقها احتمال التّوزيع بلا تسوية. كما نبّه عليه ابن دقيق العيد. ووقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاري " فمضمض واستنثر ثلاث مرّات من غرفة واحدة ". واستدل بها على الجمع بغرفةٍ واحدة. وفيه نظرٌ. لِمَا أشرنا إليه من اتّحاد المخرج فتقدّم الزّيادة. ولمسلمٍ من رواية خالد المذكورة " ثمّ أدخل يده فاستخرجها فمضمض " فاستدل بها على تقديم المضمضة على الاستنشاق , لكونه عطف بالفاء التّعقيبيّة. وفيه بحث.

стр. 101

قوله: (ثمّ أدخل يده) بيّن في هذه الرّواية تجديد الاغتراف لكل عضو، وأنّه اغترف بإحدى يديه، وكذا هو في باقي الرّوايات، وفي مسلم وغيره. لكن وقع في رواية ابن عساكر (١) وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال " ثمّ أدخل يديه " بالتّثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذرّ (٢) ولا الأصيليّ (٣) ولا في شيء من الرّوايات خارج الصّحيح , قاله النّوويّ. وأظنّ أنّ الإناء كان صغيراً , فاغترف بإحدى يديه ثمّ أضافها إلى الأخرى كما تقدّم نظيره في حديث ابن عبّاس (٤)، وإلا فالاغتراف

стр. 102

باليدين جميعاً أسهل وأقرب تناولاً كما قال الشّافعيّ. قوله: (فغسل وجهَه ثلاثاً) لَم تختلف الرّوايات في ذلك، ويلزم من استدل بهذا الحديث على وجوب تعميم الرّأس بالمسح أن يستدلّ به على وجوب التّرتيب للإتيان بقوله " ثمّ " في الجميع؛ لأنّ كلاً من الحكمين مجمل في الآية بيّنته السّنّة بالفعل. قوله: (ثمَّ أدخل يدَه , فغسَلهما مرّتين) المراد غسل كلّ يد مرّتين كما في طريق مالك " ثمّ غسل يديه مرّتين مرّتين " وليس المراد توزيع المرّتين على اليدين فكان يكون لكل يد مرّة واحدة. ولَم تختلف الرّوايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرّتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبّان بن واسع عن عبد الله بن زيد , أنّه رأى النّبيّ ﷺ توضّأ. وفيه .. ويده اليمنى ثلاثاً ثمّ الأخرى ثلاثاً. فيُحمل على أنّه وضوء آخر , لكون مخرج الحديثين غير متّحد. قوله: (إلى المرفقين) كذا للأكثر , وللمستمليّ والحمويّ " إلى

стр. 103

المرفق " بالإفراد على إرادة الجنس. وقد اختلف العلماء: هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟. القول الأول: قال الْمُعظم: نعم. القول الثاني: خالف زفر، وحكاه بعضهم عن مالك. واحتجّ بعضهم للجمهور: بأنّ " إلى " في الآية بمعنى مع كقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم). وتعقّب: بأنّه خلاف الظّاهر، وأجيب بأنّ القرينة دلت عليه وهي كون ما بعد " إلى " من جنس ما قبلها. وقال ابن القصّار: اليد يتناولها الاسم إلى الإبط لحديث عمّار " أنّه تيمّم إلى الإبط " وهو من أهل اللّغة، فلمّا جاء قوله تعالى (إلى المرافق) بقي المرفق مغسولاً مع الذّراعين بحقّ الاسم، انتهى. فعلى هذا , فإلى هنا حدّ للمتروك من غسل اليدين لا للمغسول، وفي كون ذلك ظاهراً من السّياق نظرٌ، والله أعلم. وقال الزّمخشريّ: لفظ إلى يفيد معنى الغاية مطلقاً، فأمّا دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدّليل، فقوله تعالى (ثمّ أتمّوا الصّيام إلى الليل) دليل عدم الدّخول النّهي عن الوصال، وقول القائل حفظت القرآن من أوّله إلى آخره دليل الدّخول كون الكلام مسوقاً لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى (إلى المرافق) لا دليل فيه على أحد الأمرين. قال: فأخذ العلماء بالاحتياط ووقف زفر مع المتيقّن. انتهى ويمكن أن يستدلّ لدخولهما بفعله ﷺ . ففي الدّارقطنيّ بإسنادٍ

стр. 104

حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: فغسل يديه إلى المرفقين حتّى مسّ أطراف العضدين. وفيه عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضّأ أدار الماء على مرفقيه. لكنّ إسناده ضعيف، وفي البزّار والطّبرانيّ من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء " وغسل ذراعيه حتّى جاوز المرفق ". وفي الطّحاويّ والطّبرانيّ من حديث ثعلبة بن عبّاد عن أبيه مرفوعاً " ثمّ غسل ذراعيه حتّى يسيل الماء على مرفقيه ". فهذه الأحاديث يقوّي بعضها بعضاً. قال إسحاق بن راهويه: " إلى " في الآية , يحتمل: أن تكون بمعنى الغاية , وأن تكون بمعنى مع، فبيّنت السّنّة أنّها بمعنى مع. انتهى. وقد قال الشّافعيّ في الأمّ: لا أعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. فعلى هذا , فزُفر محجوجٌ بالإجماع قبله , وكذا مَن قال بذلك من أهل الظّاهر بعده، ولَم يثبت ذلك عن مالك صريحاً , وإنّما حكى عنه أشهب كلاماً محتملاً. والْمِرفق. بكسر الميم وفتح الفاء , هو العظم النّاتئ في آخر الذّراع , سُمِّي بذلك لأنّه يرتفق به في الاتّكاء ونحوه. قوله: (ثمّ مسح رأسه) في رواية خالد بن عبد الله في الصحيحين " برأسه " بزيادة الباء. زاد إسحاق بن عيسى بن الطّبّاع " كلّه "، بيّنه ابن خزيمة في " صحيحه " من طريقه. ولفظه: سألت مالكاً عن

стр. 105

الرّجل يمسح مقدّم رأسه في وضوئه أيجزئه ذلك؟ فقال: حدّثني عمرو بن يحيى عن أبيه عبد الله بن زيد فقال: مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثمّ ردّ يديه إلى ناصيته فمسح رأسه كلّه. وموضع الدّلالة من الحديث والآية - وهي قوله (وامسحوا برءوسكم) - أنّ لفظ الآية مجمل؛ لأنّه يحتمل أن يراد منها مسح الكلّ على أنّ الباء زائدة. أو مسح البعض على أنّها تبعيضيّة، فتبيّن بفعل النّبيّ ﷺ أنّ المراد الأوّل. ولَم يُنقل عنه أنّه مسح بعض رأسه إلاَّ في حديث المغيرة , أنّه ﷺ مسح على ناصيته وعمامته. (١) فإنّ ذلك دلَّ على أنّ التّعميم ليس

стр. 106

بفرضٍ، فعلى هذا فالإجمال في المسند إليه لا في الأصل. قال القرطبيّ: الباء للتّعدية يجوز حذفها وإثباتها كقولك مسحت رأس اليتيم ومسحت برأسه. وقيل: دخلت الباء لتفيد معنىً آخر وهو أنّ الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحاً به، فلو قال وامسحوا رءوسكم , لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنّه قال: وامسحوا برءوسكم الماء فهو على القلب، والتّقدير امسحوا رءوسكم بالماء. وقال الشّافعيّ: احتمل قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) جميع الرّأس أو بعضه، فدلَّتِ السّنّة على أنّ بعضه يجزئ. والفرق بينه وبين قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم) في التّيمّم أنّ المسح فيه بدَلٌ عن الغسل , ومسح الرّأس أصل فافترقا، ولا يرد كون مسح الخفّ بدلاً عن غسل الرّجل , لأنّ الرّخصة فيه ثبتت بالإجماع. فإن قيل: فلعلَّه اقتصر على مسح النّاصية لعذرٍ , لأنّه كان في سفر وهو مظنّة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح النّاصية. كما هو ظاهر من سياق مسلم في حديث المغيرة بن شعبة.

стр. 107

قلنا: قد روي عنه مسح مقدّم الرّأس من غير مسح على العمامة ولا تعرّض لسفرٍ، وهو ما رواه الشّافعيّ من حديث عطاء , أنّ رسول الله ﷺ توضّأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدّم رأسه. وهو مرسل , لكنّه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولاً. أخرجه أبو داود من حديث أنس. (١) وفي إسناده أبو معقل لا يُعرف حاله، فقد اعتضد كلّ من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوّة من الصّورة المجموعة، وهذا مثال لِمَا ذكره الشّافعيّ من أنّ المرسل يعتضد بمرسلٍ آخر أو مسند. وظهر بهذا جواب مَن أورد أنّ الحجّة حينئذٍ بالمسند فيقع المرسل لغواً، وقد قرّرت جواب ذلك فيما كتبته على علوم الحديث لابن الصّلاح. وفي الباب أيضاً عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدّم رأسه. أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه. وصحّ عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرّأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولَم يصحّ عن أحد من الصّحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم.

стр. 108

وهذا كلّه ممّا يقْوَى به المرسل المتقدّم ذكره. تكميل: قال سعيد بن المسيّب: الرّجل والمرأة في المسح سواء. أخرجه ابن أبي شيبة. ونقل عن أحمد , أنّه قال: يكفي المرأة مسح مقدّم رأسها. والله أعلم قوله: (بدأ بمقدّم رأسه) الظّاهر أنّه من الحديث وليس مدرجاً من كلام مالك، ففيه حجّة على مَن قال: السّنّة أن يبدأ بمؤخّر الرّأس إلى أن ينتهي إلى مقدّمه لظاهر قوله " أقبل وأدبر ". ويرِدُ عليه أنّ الواو لا تقتضي التّرتيب، وللبخاري ومسلم من رواية سليمان بن بلال " فأدبر بيديه وأقبل " فلم يكن في ظاهره حجّة , لأنّ الإقبال والإدبار من الأمور الإضافيّة، ولَم يعيّن ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه. ومخرج الطّريقين متّحد، فهما بمعنىً واحد , وعيّنتْ روايةُ مالك البداءةَ بالمقدّم فيحمل قوله " أقبل " على أنّه من تسمية الفعل بابتدائه، أي: بدأ بقبل الرّأس، وقيل في توجيهه غير ذلك. والحكمة في هذا الإقبال والإدبار. استيعاب جهتي الرّأس بالمسح، فعلى هذا يختصّ ذلك بمن له شعر، والمشهور عمّن أوجب التّعميم أنّ الأولى واجبة والثّانية سنّة، ومن هنا يتبيّن ضعف الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التّعميم، والله أعلم قوله: (ثمّ غسل رجليه) زاد في رواية وهيب " إلى الكعبين " والبحث فيه كالبحث في قوله إلى المرفقين.

стр. 109

والمشهور. أنّ الكعب هو العظم النّاشز عند ملتقى السّاق والقدم. وحكى محمّد بن الحسن عن أبي حنيفة , أنّه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشّراك، وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله. والأوّل هو الصّحيح الذي يعرفه أهل اللّغة، وقد أكثر المتقدّمون من الرّدّ على من زعم ذلك، ومن أوضح الأدلة فيه حديث النّعمان بن بشير الصّحيح في صفة الصّفّ في الصّلاة " فرأيت الرّجل منّا يلزق كعبه بكعب صاحبه " (١) وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه. وقيل: إنّ محمّداً إنّما رأى ذلك في حديث قطع المحرم الخُفّين إلى الكعبين إذا لَم يجد النّعلين. (٢) وفي هذا الحديث من الفوائد. الإفراغ على اليدين معاً في ابتداء الوضوء، وأنّ الوضوء الواحد يكون بعضه بمرّةٍ وبعضه بمرّتين وبعضه بثلاثٍ. وفيه مجيء الإمام إلى بيت بعض رعيّته وابتداؤهم إيّاه بما يظنّون أنّ له به حاجة، وجواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، والتّعليم بالفعل، وأنّ الاغتراف من الماء القليل للتّطهّر لا يصيّر الماء

стр. 110

مستعملاً لقوله في رواية وهيب وغيره " ثمّ أدخل يده فغسل وجهه ... إلخ ". وأمّا اشتراط نيّة الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها. واستدل به أبو عوانة في " صحيحه ". على جواز التّطهّر بالماء المستعمل، وتوجيهه أنّ النّيّة لَم تذكر فيه، وقد أدخل يده للاغتراف بعد غسل الوجه وهو وقت غسلها. وقال الغزاليّ: مجرّد الاغتراف لا يصيّر الماء مستعملاً , لأنّ الاستعمال إنّما يقع من المغترف منه، وبهذا قطع البغويّ. واستدل به البخاري على استيعاب مسح الرّأس، وقد قدّمنا أنّه يدلّ لذلك ندباً لا فرضاً، وعلى أنّه لا يندب تكريره كما تقدم. وعلى الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة كما تقدّم أيضاً، وعلى جواز التّطهّر من آنية النّحاس وغيره. تكميل: روى البخاري من حديث ابن عباس , أنَّ النبي ﷺ توضأ مرة مرة. وهو بيان بالفعل لمجمل الآية. إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا يتعين بعدد. فبين الشارع أنَّ المرة الواحدة للإيجاب وما زاد عليها للاستحباب. وأمَّا حديث أُبي بن كعب , أنَّ النبي ﷺ دعا بماء فتوضأ مرة مرة , وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاَّ به. ففيه بيان الفعل والقول معاً. لكنه حديث ضعيف. أخرجه ابن ماجه. وله طرق أخرى كلها ضعيفة.
следующие страницы →