← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وكذلك رويناه في كتاب "فضائل الصحابة" لِطراد بن محمد بن علي الزَّينبي، حدَّثنا أحمد بن محمد بن عمر المعدل إملاءً، حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مسلم، حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن الحسن الحرَّاني، حدَّثنا داود بن عمر -وهو الضَّبِّي، حدَّثنا جريرُ بنُ عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: كان بينَ خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كلامٌ، فذكر القصَّة والحديث. وهكذا رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه"، عن أبيه عن جرير. وكذا رواه ابنُ عساكر في "تاريخه" في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، من طريق نصر بن زياد عن جرير. وأما رواية وكيع، فرويناها في كتاب "فضائل الصحابة" له مِنْ مسند أبي سعيد، وكذا رويناها في "نسخته" رواية إبراهيم بن عبد اللَّه العبسي القصَّار عنه، كذلك مِنْ حديث أبي سعيد. وكذلك رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن وكيع، ورواه البزَّار في "مسنده" عن عمرو بن عليِّ الفلَّاس عن وكيع كذلك. وكذا رواه خيثمةُ في "فضائل الصحابة"، والهيثم بن كليب الشاشي في "مسنده"، كلاهما عَنِ القصَّار، عن وكيع، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه المستخرج على مسلم" عن محمد بن إسماعيل الأحمسي، وإبراهيم بن عبد اللَّه القصَّار وابن أبي رجاء المصِّيصي، كلهم عن وكيع كذلك. وكذا رواه الجَوزقي في "المتَّفق" من طريق الأحْمسي وعبد اللَّه بن هاشم الطوسي، كلاهما عن وكيع. وكذا رواه ابن حبان في "صحيحه" عن الحسين (١) بن عبد اللَّه القطان، عن موسى بن مروان، عن وكيع كذلك. وكذا رواه تمام في "فوائده" والبيهقي في "السنن الكبير" مِنْ طريق

стр. 352

إبراهيم بن عبد اللَّه، عن وكيع كما ذكرنا. وقال البيهقي بعده: رواه مسلمٌ عن أبي سعيد الأشج وغيره، عن وكيع. وكذا أخرجه الحافظ أبو بكر بن مَنْجُويَة في آخر الجزء التاسع من "فوائد أبي زكريا المُزَكِّي" (١) من طريق إبراهيم بن عبد اللَّه، عن وكيع، وقال بعده: أخرجه مسلم عَنْ أبي كُريب وغيره عن وكيع، وكذا صنع الحافظ أبو محمد بن الأخضر في "تخريجه لفوائد شُهدة الكاتبة". فقد ظهر أن روايتي وكيعٍ وجريرٍ عن الأعمش إنما هي مِنْ مسند أبي سعيد. فإن كان ما وقع في "ابن ماجه" مِنْ جَمْعِه بين روايات الثلاثة، وجعلها مِنْ مسند أبي هريرة منه، فقد وهم في ذلك بلا شك، وإن كان لم يُخرِّجْهُ مِنْ رواية الثلاثة إلا مِنْ حديث أبي سعيد، ووقع الخللُ في ذلك مِنَ الرُّواة عنه -وهو المتبادر إلى الذهن- فيقوَى حينئذٍ أنَّ رواية أبي كُريب له عَنْ أبي معاوية إنَّما هي مِنْ مسند أبي سعيد. فتوافق رواية الأئمةِ له عَنْ أبي معاوية، ولا سيما وفيهم مثلُ أحمد بن حنبل، وأبي خَيْثَمة، وأحمد ابن مَنيع، ومَسدَّدٍ، والحسن بن عليِّ الحلواني، وغيرهم مِنَ الحفَّاظ الأَثبات. فيقوِّي ما جزم به الدارقطني وغيره. وقد وقع لي هذا الحديث [عاليًا جدًا من حديث] (٢) أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، أوردته في "تغليق التعليق" (٣) وهو ما قرأت على المحبِّ محمد بن محمد بن محمد بن منيع، أن عبد اللَّه ابن أبي التائب أخبره، أخبرنا إسماعيل بن أحمد العراقي، عن شُهدة، أن طِرَاد بن محمد أخبرهم، أخبرنا أبو نصر بن حسنُون، أخبرنا أبو جعفر بن البختري، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية،

стр. 353

عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، الحديث. هكذا أخرجه الحافظ أبو علي البَرداني في كتاب "فضائل الصحابة" لطراد، وقال بعده: رواه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، عن أبي معاوية. وهذا الإطلاق يشبه ما تقدَّم عن أبي نعيم الحافظ. وممَّن رواه عن أبي معاوية، فجعله من مسند أبي سعيد غيرُ من تقدَّم ذكرُه: الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، وعبد اللَّه بن هاشم، وسعيدُ بن يحيى الواسطي، وعليُّ بن حرب الطَّائي، ومحمدُ بن جامعٍ العطَّار، وعلي بن الجعد. ورويناه في "جُزء" علي بن عبد العزيز البَغَوي عن أبي عُبيد القاسم بن سلام عن أبي معاوية. وكذا أخرجه أبو عبيدٍ في "غريب الحديث" له. وقال الجوزقي في "المتَّفق"؛ أخبرنا مكِّيُّ بن عَبْدان، حدَّثنا عبد اللَّه بن هاشم، وهو الطُّوسي، حدَّثنا أبو معاوية، فذكره كذلك. وقال خيثمة بنُ سليمان في "فضائل الصحابة": حدثنا خلفُ ابن محمَّدٍ الواسطي، حدثنا سعيدُ بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، به. وكذلك رويناه في "فوائد" أبي محمد عبد اللَّه بن علي الأبنوسي انتقاء أبي علي البرداني له، من طريق الحافظ الفقيه أبي بكر بن زياد النيسابوري، حدثنا عليُّ بن حرب، حدثنا أبو معاوية، فذكره. وستأتي رواية محمد ابن جامع قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. وقال ابن حبان في "صحيحه" في النوع الثالث من القسم الثاني: أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفي، حدَّثنا عليُّ بن الجعد، حدثنا شُعبة وأبو معاوية، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخُدري، فذكره. فقرن عليُّ بنُ الجعد في روايته بين شعبة وأبي معاوية. وكذا رويناه في "أمالي محمد بن إسماعيل الورَّاق" عن عُمر بن إسماعيل بن أبي غيلان. وكذا رويناه في "البشرانيات" عن الورَّاق مثله.

стр. 354

وهكذا رواه الإسماعيلي في "صحيحه" عن محمد بن يحيى أبي بكر المروزي، وأبي القاسم البَغَوي، وغير واحد، كلهم عن علي بن الجعد مقرونًا. قلت: ولا يصحُّ عَنْ شعبةَ إلا مِنْ حديث أبي سعيد. وقد وَهِم فيها أبو مسعود الرَّازي على أبي داود الطيالسي، فحدَّث بها عنه، عن شعبة، فقال: عَنْ أبي هريرة، حكى ذلك الخطيبُ وسيأتي. وأمَّا رواية حجاج بن نُصير الفَسَاطيطي، فَوَهِم فيها على شعبة، وقد نصَّ على ذلك أبو عبد اللَّه بن مَنْده في بعض تخاريجه (١). وقد رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" أيضًا عن محمد بن جعفر غُنْدَر، وأبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة مِنْ مسند أبي سعيد. [وكذا رواه أبو داود الطَّيالسي في "مسنده" عن شعبة"]، (٢)، وكذا رواه أبو مسلم الكَجِّي في "السنن" له، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة. وكذا رواه الحسن بن سفيان في "مسنده" عن عبيد اللَّه بن معاذ بن مُعاذ عن أبيه، عن شُعبة، كما ذكره مسلم. وأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" عَنِ الحسن كذلك، وأبو نُعيم في "مستخرجه" عن أبي عمرو بن حمدان، عن الحسن بن سفيان. ورواه أبو عوانة في "صحيحه" مِنْ رواية شُعيب بن حرب، عن شعبة كذلك. ورواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى المروزي، عن عاصم بن علي، عن شعبة مثله. وكذلك رويناه في الجزء الثامن مِنْ "أمالي المَحَاملي" رواية ابن خُرَّشيد قُوله عنه، قال: حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد بن حيان، حدثنا شبابة بن سوَّار، عن شُعبة به. فهذا محمَّد بن جعفر غُنْدَر، وهو مِنْ أحفظ أصحاب شعبة وعلي بن الجَعْد، وهو أيضًا مِنَ الأثبات، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعمرو بنُ مرزوق، ومُعَاذ بن معاذ العنبري، وشبابةُ بن سَوَّار، وأبو داود الطيالسي،

стр. 355

وهو مِنَ المُقدَّمين في حفظ حديث شعبة، وخالد بن الحارث، وشعيبُ بن حرب، وعاصم بن علي بن عاصم الواسطي، وغيرهم مِنْ حُفَّاظ أصحاب شعبة، قد رووه عنه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فلا تُعادِلُ روايةُ حجاج بن نصير روايتهم، بل جزمَ الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار في "مسنده" بأنَّ الأعمش إنَّما رواه عَنْ أبي صالح، عن أبي سعيد، فإنَّه رواه عن عمرو بن علي، عن وكيع، كما تقدَّمتِ الإشارةُ إليه، وقال عَقِبَهُ: هذا الحديث رواه الأعمشُ عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ورواه عاصمُ بنُ بهدلة، وزيدُ بن أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ثم قال: والطَّريقان عندي جميعًا صحيحان. قلت: وروايةُ زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة لم أقف عليها بعدُ. بل وقفت على روايةِ زيدِ بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري في المعنى. رواه ابنُ مردويه في "التفسير" مِنْ وجهين صالِحَيْن إلى زيدِ بن أسلم، به. فإن كان إسنادُ الرِّواية التي أشار إليها البزَّارُ صحيحًا إلى زيد بن أسلم، فتقْوى رواية عاصم بها، ويصحُّ قولُ البزَّارِ: إن الطريقين صحيحان، واللَّه أعلم. وممَّن رواه عن الأعمش غيرُ مَنْ تقدَّم، فجعله مِنْ مسند أبي سعيد، سوى مَنْ تقدم: قال عبدُ بنُ حُميد في "مسنده": حدثنا أحمدُ بنُ يونس، حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي". الحديث. وكذا رواه خيثمةُ في "فضائل الصحابة" له عن الجِنِيني، عن أحمد بن يونس. وكذا رويناه في الجزء الثاني من "فوائد أبي الفتح الحدَّاد" رواية السِّلفي عنه، مِنْ طريق عاصم بن يوسف اليربوعي، عن إسرائيل. ورواه البرقاني في "المصافحة" عن عبد اللَّه بن عمر الجوهري،

стр. 356

حدَّثكم محمَّدُ بن أيوب، أنبأنا أحمد بن يونس، بسنده: "لا تسبُّوا أصحابي، دَعُوا لي أصحابي، فإنَّ أحدكم لو أنفق [كلَّ يومٍ] (١) مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، لم يبلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه". قال البرقاني؛ استحسنتُ قوله فيه: "كلَّ يوم"، مع حُسْنِ إسناده. وقال أبو عوانة في "صحيحه": حدثنا موسى بن إسحاق القوَّاس، حدَّثنا يحيى بنُ عيسى الرملي، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، مثله. [وقال مُسدَّدٌ في "مسنده": حدثنا عبد اللَّه بن داود الخُرَيْبي، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، مثله] (٢)، وهذه الطريق هي التي أشار إليها البخاري في مَنْ تابع شُعبة. ورويناه في "فوائد" أبي الحُسين عبد اللَّه بن إبراهيم الزَّبيبي (٣)، حدَّثنا أبو معشر الحسن بن سُليمان بن نافع الدَّارمي البصري، حدثنا محمَّد بن جامع العطَّار، حدثنا أبو معاوية، ووكيعٌ، وعبد اللَّه بن داود، ثلاثتهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، به. وقال ابن أبي خَيْثَمة في "تاريخه": حدثنا ابنُ الأصبهاني، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: فذكر نحو حديث شريك، إلا أنه قال: "ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفَه". وقال أيضًا: حدثنا ابنُ الأصبهاني، حدثنا شريك عن الأعمش، عن أبي صالح، عن رجل مِنْ أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي، فوالَّذي نفسي بيده، لو أنَّ أحدكم أنفقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما بلغ رُبْع أحدهم ولا نَصِيفَه".

стр. 357

ولا يضرُّ هذا الإبهام، لأنَّ شريكًا كان في حفظه شيءٌ بعد ولايته القضاء، فلعلَّه شكَّ فيه فأبهمه. وسأل ابنُ أبي حاتمٍ أباه عن رواية شريك هذه، فقال: قد رواه أبو الأحوص عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وهو الصَّحيح. وقد تقدَّمت روايةُ إسرائيل عن الأعمش مضافةً إلى تخريج تمَّام، فحصل لنا أنَّ جريرًا ووكيعًا وشُعبة وعبد اللَّه بن داود الخُرَيبي ومحاضِرَ بنَ المورِّع، وروايته علَّقها البخاريُّ، ورويناها موصولة في الجزء الثانى من "فوائد أبي الفتح الحداد" رواية السِّلفي من طريق أحمد بن يونس بن المسيَّب الضَّبيِّ، عن محاضر، وقد بينت ذلك في "تغليق التعليق" (١). وإسرائيل (٢) بن يونُسَ، وأبا الأحوص سلَّام بن سُليم، وأبا بكر بن عياش، ويحيى بنَ عيسى الرملي، رَوَوْهُ عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد مِنْ غير خلاف عنهم في ذلك، إلا ما رواه حجاجُ بنُ نصيرٍ عَنْ شعبة، وإلا ما حكاه الخطيبُ عَنْ أبي مسعود، عن أبي داود، عن شُعبة، وإلا ما حكاه الدارقطنيُّ والخطيبُ أنَّ نصرَ بنَ علي رواه عن عبد اللَّه بن داود. وهاتان الروايتان شاذَّتان، لأنَّ شعبة إنَّما رواه عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، كما قدمناه. وكذا أبو داود، إنَّما رواه في "مسنده" عن شُعبة من حديث أبي سعيد، لا مِنْ حديث أبي هريرة. وأمَّا حجاجٌ فلا يُحْتَجُّ به إذا تفرَّد، فكيف إذا خالف! وكذا رواية عبد اللَّه بن داود الخُرَيبي قد ذكرنا أنَّ مسدَّدًا رواها في "مسنده" على الصواب الذي أشار إليه البخاري، ومُسدَّدٌ مسدَّد. واللَّه أعلم. وأما رواية زيدِ بن أبي أنيسة، فقد رواها الطبراني في "الأوسط" عن أحمد بن علي الأبَّار، عن مخلد بن مالك، كما تقدم إسناده مِنْ عند

стр. 358

الإسماعيلي في مسند الأعمش، وقال بعده: لم يروه بهذا السند إلا زيدُ بنُ أبي أُنيسة، ورواه شعبةُ وغيرُه عَنِ الأعمش، عن أبي صالحٍ عن أبي سعيد. فهذا -الطبراني مع سَعَةِ حفظه- يجزِمُ بأنَّ شعبة إنَّما رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، لا عن أبي هريرة. وهكذا جزم عليُّ بن المديني في "العلل" بأنَّ الأعمش إنَّما رواه عَنْ أبي صالح، عن أبي سعيد، وأنَّ زائدة رواه عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: والأعمشُ أثبتُ في أبي صالح مِنْ غيره. فإمَّا أن يكون لم تقع له روايةُ حجَّاجِ بن نُصير، أو لم يعتدَّ بها لضعفه. وروى هذا الحديث الدارقطنيُّ في كتاب "الأفراد" له مِنْ طريق محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وذكر أنَّ بعض مشايخه تفرَّد بزيادة لفظةٍ فيه، ولم يذكر في "العلل" أنَّ ابن أبي الشوارب رواه لما ذكر اختلاف أصحاب أبي عوانة عليه فيه. وقد اختُلِفَ على أبي عَوَانة اختلافًا يدلُّ على أنَّه كان يشكُّ فيه. قال ابن شاهين: حدثنا الباغندي، حدَّثنا شيبانُ بنُ فرُّوخ، حدَّثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عَنْ أبي سعيد، فذكره. وسيأتي في كلام الخطيب أنَّ أبا كاملٍ الجَحْدَرِي ومُسدَّدًا وافقا شيبان بن فَرُّوخ على الشَّكِّ فيه، وأنَّ عفان بن مسلم ويحيى بن حماد روياه عنه، فقالا: عن أبي هريرة. وأبو عَوَانةَ كان يحدِّث مِنْ كتابه ومن حفظه، فحيث يحدِّثُ مِنْ كتابه، فهو ثبت، وحيث يحدِّث مِنْ حفظه، فيشُكُّ أو يَهِمُ. وعلي هذا يُحْمَلُ اختلافُ هؤلاء الحفَّاظ عنه. وروى الدارقطني في هذا الكتاب حديثَ محمد بن جُحادة عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وقال: تفرَّد به داودُ بن الزّبرقان عنه. قلت: وداود بن الزبرقان كذَّبه إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجاني، وضعَّفه

стр. 359

الجمهور، ونقل ابنُ حِبَّان في كتاب "الضعفاء" أنَّ أحمد بن حنبل حَسَّنَ القولَ فيه. قال الدارقطني: وخالفه الحسن بن أبي جعفر، فرواه عَنْ محمد بن جُحادة، عن عطية العَوْفي، عن أبي سعيد. انتهى كلامه. قلت: وحديثُ الحسن هذا أخرجه خيثمةُ بن سليمان في "فضائل الصحابة" له عن عبد اللَّه بن أحمد بن أبي مَسَرَّة، عن محمد بن عبد الملك الأزدي، حدَّثنا الحسن بن أبي جعفر، عن محمد بن جُحادة، عن عطية العَوْفي، عن أبي سعيد، عن النَّبي ﷺ ، قال: "لا تقولُوا في أصحابي إلا خيرًا، فوالَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده. . . " فذكر الحديث. والحسن المذكور ضعَّفه جماعةٌ ووُصِفَ بالصِّدق، وقال ابنُ عديِّ: إنَّ له عَنْ محمد بن جحادة نسخةً مستقيمةً، فعلى هذا، فروايتُه لهذا الحديث أقوى مِنْ رواية داود بن الزِّبرقان. وأمّا ما وقع في "الأطراف" مِنْ أنَّ محمد بنَ جُحادة رواه عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، فهو وَهْمٌ مِنَ المصنِّف، فإنَّ محمد بن جُحادة إنَّما رُوِيَ عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، بلا واسطة الأعمش. وقد قدَّمنا قولَ الدَّارقطني: إن داود بن الزبرقان تفرَّد به عنه، وكذلك رويناه في الجزء الثالث مِنْ "حديث أبي طاهر المُخَلِّص" انتقاء البَقَّال، قال: حدثنا محمَّدُ بن هارون -هو أبو حامد الحضرمي- حدَّثنا محمد بن معاوية -هو الأنماطي- حدَّثنا داودُ بن الزبرقان، به، وليس فيه "الأعمش". وكذلك هو في الجزء الخامس مِنْ "حديث المخلص" انتقاء أبي الفتح بن أبي الفوارس بهذا الإسناد. وكذا رويناه في الجزء السادس عشر من "البِشْرانيَّات"، قال: أنبأنا محمد بن زيد بن علي الأنصاري، حدثنا عبد اللَّه بن ناجية، حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي، به. وطالعت "مسند محمد بن جحادة"، جمع أبي القاسم الطَّبراني، فلم أجد هذا الحديث فيه، لا في ترجمة أبي صالح، ولا في ترجمة الأعمش. وكذا طالعتُ "مسند محمد بن جحادة"، جمع أبي بكر الخرائطي، فلم أجد

стр. 360

فيه هذا الحديث أيضًا. ومع تفرُّد داود بن الزبرقان به، فقد رُوِيَ عنه عن غير محمد بن جحادة، رويناه في الجزء التاسع من "البشرانيات"، قال: أخبرنا ابن نافع، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا مُحْرِز بنُ عون، حدَّثنا داود بن الزبرقان، عن أبي الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي". الحديث. قال أبو الفتح بن أبي الفوارس: غريبٌ من حديث أبي الأشهب، صحيح مِنْ حديث أبي سعيد. فصل وأما طريق زائدة التي ذكرها الدَّارقطنيُّ، فرواها أبو عبد الرحمن النَّسائي في "السنن الكبرى" له، عن حفص بن عُمر، عن حسين بن علي، ورواها أبو بكر الرُّوياني في "مسنده" عن أبي كريب، ورواها أبو بكر البزَّار في "مسنده": حدثنا أبو كُريب ويوسُف بن مُوسى، قالا: حدَّثنا حُسين بن علي -هو الجُعفي- عن زائدة -هو ابن قُدامة- عن عاصم -هو ابن أبي النَّجُود- عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف ﵄ بعضٌ ما يكونُ بين النَّاس، فقال رسول اللَّه ﷺ "دعوا لي أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، لم يبلُغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه". قال البزارُ: لم يروه عَنْ عاصم إلا زائدةُ، تفرَّد به حسين. قلت: وكذا رويناه عاليًا في "جزء محمد بن عاصم الثَّقفي"، حدثنا حُسين الجعفي مثلَه سواء. ومن طريقه رواه أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، وقال: المحفوظ حديثُ أبي صالح عن أبي سعيد. انتهى. ورواه ابن عساكر أيضًا من طريق محمد بن يحيى بن الضَّريس، عن حُسين بن علي، عن زائدة -أظنه عن الأعمش- عن عاصم، عن أبي صالح

стр. 361

عن أبي هريرة. وقوله: أظنُّه عن الأعمش، زيادة لا حاجة إليها، وهي وَهْمٌ (١) ممن رواها. وأما حُكم الدارقطنيِّ وغيره بصحَّة حديث أبي صالح عن أبي سعيد، لا عن أبي هريرة، فإنّه صَدَرَ بالنِّسبة إلى التَّرجيح بين عاصمٍ والأعمش، فإنَّ الأعمش أحفظُ مِنْ عاصم وأتقن، كما تقدم. وكأن الدارقطنيَّ لم يقف على رواية زيد بن أسلم التي ذكرها البزَّار، أو وقف عليها ولم يعتدَّ بها، لضعف إسنادها. وقد حصل هنا خلافان: أحدهما: اختلاف الأعمش وعاصم. والأعمش أحفظُ منْ عاصمٍ، فروايتُه مقدَّمةٌ. والثاني: خلافُ أصحاب الأعمش عليه. وقد قدَّمنا أنَّ الأكثر روَوْهُ عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فما عدا ذلك يكون شاذًا، واللَّه أعلم. وقد اتَّفق النُّقَّادُ على توهيم (٢) ما وقع في "صحيح مسلم" مِنْ أنَّه عن أبي هريرة، فتقدم حكاية ذلك عن الدارقطني وأبي مسعود الدمشقي، وكذا رأيته في "علل الأحاديث التي في صحيح مسلم" لأبي الفضل بن عمار الشهيد. واللَّه أعلم. وقد ذكر الخطيب هذا الحديث في بعض تخاريجه من طريق محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن أبي عوانة كما مرَّ، وقال في الكلام عليه: خالفه عفَّان بن مسلم ويحيى بن حماد، عن أبي عوانة، فقالا: عن أبي هريرة، وخالفهما مُسدَّد وأبو كامل الجحدريُّ وشيبانُ بن فرُّوخ عن أبي عوانة، فقالوا: عن أبي هريرة أو أبي سعيد على الشَّكِّ. وكذا قال نصر بن علي، عن عبد اللَّه بن داود الخُرَيْبي عن الأعمش، ورواه مسدَّد عن الخُرَيْبي، فقال: عن أبي سعيد وحده مِنْ غير شكٍّ، ورواه زيدُ بنُ أبي أُنيسة عَنِ الأعمش، فقال: عن أبي هريرة. وكذا قال

стр. 362

أبو مسعود أحمد بن الفرات الرَّازي: عن أبي داود الطَّيالسيُّ، عن شعبة، والصحيح عَنْ أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، ﵁. واللَّه أعلم (١). فصل [حديث رأيت عيسى وموسى وابراهيم] وقد مرَّ بي في المطالعة في "صحيح البخاري" شيءٌ مِنْ حقِّه أن يُذكر هُنا، وذلك أنَّه قال فيه في كتاب أحاديث الأنبياء في قصة مريم: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا إسرائيل، أنبأنا عثمان بنُ المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عُمر ﵄، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيم. فأما عيسى، فأحْمرُ جَعْدٌ، عريضُ الصَّدْرِ، وأما موسى، فآدَمُ جسيمٌ سَبْطٌ، كأنه مِنْ رجال الأزْدِ". انتهى. قال أبو مسعود في "الأطراف": إنَّما رواه محمد بنُ كثيرٍ عن إسرائيل، عن عثمان، عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، وكذلك رواه إسحاق بن منصور السَّلُولي، وابن أبي زائدة ويحيى بنُ آدم وغيرهم عن إسرائيل. انتهى. وقال أبو ذر الهروي في "حاشية الصحيح" ما نصُّه: هكذا وقع في سائر الروايات المسموعة عن الفِرْبَري: "مجاهد" "ابن عمر"، فلا أدري: أحدَّث به البخاريُّ هكذا، أو غلط فيه الفِرْبَري؟ لأنني رأيتُه في سائر الروايات عن ابن كثير وغيره: "مجاهد عن ابن عباس"، وهو الصواب. حدثنا موسى بن عيسى السَّرَّاج لفظًا، حدثنا عثمان بن أحمد بن سليمان، حدثنا حنبلُ بن إسحاق، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا إسرائيل، عن

стр. 363

عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ "رأيتُ عيسى وموسى ﵉، فأمَّا عيسى، فأحمر جَعْدٌ عريضُ الصَّدر، وأمَّا موسى، فآدم سَبْطٌ، كأنَّه مِنْ رجال الزُطِّ". قالوا له: وإبراهيم؟ قال: "انظروا إلى صاحبكم". قال: ورواه عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن كثير كذلك. وهكذا رواه نصرُ بن علي، عن أبي أحمد الزُّبيري، عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل. [انتهى. وكذلك رواه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن أسود بن عامر شاذان، عن إسرائيل] (١). وكذا رواه الطبراني في "المعجم الكبير" عن أحمد بن محمد الخُزاعي، عن محمد بن كثير، به. وأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه"، قال: حدثنا الوزَّان، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا أبو أحمد الزُّبيري، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكر مثل سياق حنبل بن إسحاق بتمامه، إلا أنَّه لم يقل: قالوا له، وأما إبراهيم (٢). ولم يتعرَّض الإسماعيلي لكون البخاري قال فيه: عن ابن عمر، أو أنَّه وَهِمَ في ذلك كعادته في التعقُّب على البخاري، فاقتضى ذلك أنَّ النُّسخة التي كان الإسماعيليُّ يخرِّجُ عليها كانت على الصَّواب، ويَقوَى الظنُّ حينئذٍ بأنَّ الوهم مِمَّن دُون البخاري. وأخرجه أبو عبد اللَّه بن منده في كتاب "الإيمان"، له عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن موسى بن سعيد الطرسوسي، وعن محمد المذكور، عن محمد بن أيوب، كلاهما عن محمد بن كثير، فقال: مجاهد عن ابن عباس، وقال في آخره: أخرجه البخاري عن محمَّد بن كثير، فقال: مجاهد

стр. 364

عن ابن عُمر. والصواب: ابن عباس. وذكر الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" أنَّ الشيخين أخرجاه جميعًا من طريق عبد اللَّه بن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس بلفظ: "أمَّا إبراهيم، فانظُروا إلى صاحبكم. وأما موسى فجَعْدٌ آدم على جملٍ أحمرَ". الحديث. قال: ورواه البخاري في أحاديث الأنبياء عن محمد بن كثير، عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره، قال: وزاد البرقاني في روايته: فقيل له: فإبراهيم؟ قال: "شيبه صاحبكم". قال: وليست هذه اللفظة عند البخاري فيه، ثم حكى كلامَ أبي مسعود المتقدِّم بمعناه. ورواية البرقاني التي أشار إليها أخرجها مِنْ طريق أبي أحمد الزُّبيري كما ساقها الإسماعيلي، وقال فيه: "مجاهد عن ابن عباس"، على الصواب. وإنَّما كتبتُ هذا الحديث هنا لمشابهته للوهم الواقع في الحديث الذي في أوَّل المسألة، لأن أبا صالح لما كان كثيرَ الرِّواية عَنْ أبي هريرة وأبي سعيد جميعًا، سبق القلم مِنْ أحدهما إلى الآخر. إما مِنَ المؤلف، أو ممن بعده. وكذلك القول في مجاهد، لما أن كان كثير الرِّواية عن ابن عباس وعن ابنِ عمر ﵄ جميعًا، سبق القلمُ مِنْ أحدهما إلى الآخر، إمَّا مِنَ المؤلف أو ممَّن بعده، واللَّه الموفق، لا إله إلا هو. قلت: وكفى بهذين الجوابين دلالة على وُفور باعه في سعة حفظه، ومزيد نقده واطلاعه. [القول في التفريق بين جنادة بن أبي خالد وجنادة بن أبي أميَّة] ومن ذلك أن شيخه الحافظ أبا الحسن الهيثمي أورد في كتابه "مجمع الزوائد" حديث أبي الدرداء: "مَنْ مشى في ظُلمة ليلٍ إلى مسجدٍ، آتاه اللَّه نُورًا يومَ القيامة" وعَزَاه للطبراني، وقال: إنَّ في إسناده جُنادة بن أبي خالد، ولم أجد مَنْ تَرْجَمه. فتعقَّبه الحافظ وليُّ الدين العراقي بأنَّ جُنادة إنَّما هو

стр. 365

ابن أبي أُمية. قال: وقد أخرج ابنُ حِبَّان حديثه هذا في "صحيحه" (١). فقال شيخُنا صاحبُ التَّرجمة ردًا على ابن العراقي: ليس هو جُنادة بن أبي أمية وإن أخرج حديثه ابن حبان، فإن الذي في هذا الحديث من طريق الطبراني يُروى عن مكحول، ويروي عنه زيدُ بن أبي أنيسة. وأما ابنُ أبي أميَّة، فتابعيٌّ كبير. وقد أثبت أكثرُهم صحبته، فيبعُد أن يروي عن مكحول. فالظَّاهرُ أنَّه غيره، ولأنَّ زيدَ بنَ أبي أنيسة لم يلحق ابن أبي أمية، انتهى. فتعقَّبه ابن العراقي بقوله: والذي أخرج حديثه ابنُ حبان هو عنده أيضًا عَنْ مكحول، والراوي عنه زيدُ بن أبي أنيسة، فهما واحد. ولم يقل أحد: إنَّ جنادة بن أبي أمية اثنان، لكن ابن حبان قال لما أخرجه: هكذا حدثنا أبو عروبة، فقال: جنادةُ بن أبي أمية، وإنما هو جنادةُ بن أبي خالد، وجنادةُ بن أبي أمية مِنَ التَّابعين، أقدم مِنْ مكحول، وجنادةُ بن أبي خالد مِنْ أتباع التابعين، وهما شاميَّان ثِقَتان. انتهى كلام ابن حبان. فتعقَّبه صاحبُ التَّرجمة أيضًا بقوله: قلت: فترجَّحت حينئذٍ راوية الطبراني، وصحَّ أنَّ الحديثَ عن جُنادة بن أبي خالد، لا عن جُنادة بن أبي أُمية، وظهر أنَّهما اثنان. وأما قوله (٢): لم يقل أحدٌ: إنَّ جنادة بن أبي أمية اثنان، فهو حَصْر مردُود. فقد جزم غير واحد أنَّ جنادة بن أبي أُمية اثنان، وقد أوضحت ذلك في "كتابي في الصحابة" (٣) وباللَّه التوفيق. قلت: ووقع له نظيرُ هذا مع القاضي عَلَم الدين البُلْقيني في مسألة فقهية في الطلاق، أفتى أحدهما فيها، وتعقَّبه الآخرُ بحيث ترددت (٤) إدارتها بينهما، لا نطيل بإيرادها.

стр. 366

[عنايته بالكتب] وبالجملة، فهذه أمورٌ لا تُحصر، وكَثْرَةُ حفظه ونقده أشهرُ مِنْ أن تُذكر. ولو لم يكن مِنْ ذلك إلا أنه كان قلَّ أن يقف على كتاب حديثيِّ أو علمي أو أدبي، إلا ويُقيّدُ فيه ما لا يُستغنى عنه، إما مِنَ اعتراضِ على مؤلِّفه في تصرُّفه، أو مثبتًا حجة فيما نقله، أو استدراك لما لم يذكُره أو سقط أو تحريف، إلى غير ذلك مما لا يُحتاج إلى دليل. حتى كتب على "الكشَّاف" و"حاشيته" للشيخ سعد الدين، حتى في عدد آي سُور القرآن، أصلح في أول سورة (ص) (١) منه عدد آياتها، كما أسلفناه، وربَّما كتب ما نصه: سقط شيءٌ، أو هنا سقط، أو يشيرُ إشارةً، وله في كل ذلك مقاصدُ جميلةٌ. ولما عرضتُ عليه "العمدة" وجَد بظاهرها حديثًا باطلًا، فكتب عليه بخطه: هذا كذبٌ على رسول اللَّه ﷺ . وكذا لما عَرَض عليه بعضُ أصحابنا "العُمدَة" أيضًا، وجد فيها كتابة سندٍ، فكتب: سقط منه اثنان. وأما فهرست أبواب الكتب ومسائلها وكذا المجاميع، فهو شيءٌ كثيرٌ في علومٍ جمَّةٍ، يعرف بركة ذلك مَنْ أكثر المطالعة والمراجعة، خصوصًا في التَّصانيف التي ليست على ترتيبٍ مألوفٍ، فجزاه اللَّه عن المسلمين خيرًا. ولخَّص مقاصد كثيرٍ مِنْ كُتب الأوقاف تلخيصًا يحصُل به تمامُ الغرض

стр. 367

في الزمن اليسير. وقفتُ مِنْ ذلك على وَقْف المارستان المنسوب للمنصور قلاوون، ووقْفِ المدرسة الشيخونية. وكان إذا رأى خطأً في شيء من الأصول القديمة، وأصلحه بالهامش (١)، يكتبُ تاريخ إصلاحه كما فعل في "البخاري"، في حديث: كان رسول اللَّه ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل، فضَبَّب في نسخة النَّاصرية على لفظ جبريل، وكتب بالهامش: صوابه رجل. كتبه ابن حجر سنة ست وعشرين وثمانمائة. قلت: وقد يسَّر اللَّه إصلاح عدة أماكن لا بدَّ مِنْها في هذه النسخة، حيث قرىء عليَّ فيها في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، لكن أصلحت مِنْ غير تعيين، فلله الحمد. وكتب بخطه على فتيا أجاب عنها قاضي القُضاة علم الدين، وعَزَا النَّقلَ فيها "للبحر" ما نصه: أمَّا "البحر" فكثير عجائبه. وكذا كتب له في موضع آخر، فقاقِع (٢) ما تحتها طائل، ودعوى لا تسوى سماعها. والعجب أنَّه كان يُطالعُ المصنَّف، ويقيدُ عليه بخطه الفوائد النَّفسية على عادته، ثمَّ يقفُ عليه بعد دهر، فيعيد نظره فيه، لظنِّه أنَّه ما رآه قبلُ، وربما توهَّم أنَّ خطَّه خطُّ بعضِ مَنْ يَشْتَبِه خطُّه به. فحكى لي العلامةُ الفريدُ قاضي المذهب الحنبلي العز العسقلاني، قال: جئتُه يومًا ومعي مجلد، فأخذه مني، وصار يُمعن النَّظر فيه، وسألني: أعلمتَ لِمَنْ هذا المجموع؟ فقلت: أظنُّه للأبناسي، فقال: ما دليلك على هذا؟ فقلت له: وجدتُ فيه وصولًا -أو نحوه- بخطه فقال: ليست في الأبناسي هذه اللَّباقةُ، يعني: أن المجموع ليس مِنَ الفنون التي يتصرف فيها. قال: وكلُّ هذا وهو يطالعه، إلى أن أتى على آخره وقد مر بموضعٍ عليه حاشية، فقال: وهذا خطُّك باعتراض عليه أو نحوه. ولما انتهى وفارقته، رجعتُ فتصفَّحت المجموع،

стр. 368

لأنظر اعتراضي فيما كتبتُه بخطي، كما أشار إليه، فإذا هو خطُّه نفسُه! قال: وكذا اتَّفق لي معه؛ رأيتُ مجلدًا من كتابٍ كبيرٍ في الأحكام، جمع فيه أصولًا عدَّةً، يشتمل المجلَّدُ على الحج، أو الصيام، وهو الغالب على ظنِّي. وعليه خطُّه. فوقع في خاطري أنَّه ربما يكون مِنْ كُتبه وباقيه عنده. فأمرت الدَّلال أن يأتي به إليه ففعل، فنظره، وقال: هذا ما رأيتُه قطُّ. إلى غير ذلك مما لا يضبط. ومِن ذلك أن النَّواجي -فيما بلغني عنه- حكى أنَّه وقف على كتابٍ غريبٍ، فأحضره لصاحب الترجمة، فأخذه منه، واستغربه. قال النَّواجي: فصرتُ في نفسي مسرورًا مِنْ أجل أنّني أوقفتُه على كتابٍ لم يقف عليه، وهو يبالغُ في تصفُّحه وتأمُله، فلم ألبث أن قال: وها خطّي عليه باعتراض أو نحوه. قلت: وهذا لكثرة ما طالع وبُعْدِ المدة بين المرتين. وماذا عسى أن يكون، فسبحان من لا يغفل. [تعقُّباته على الكتب] وقد رأيت تمام الفائدة بإيراد شيء مما كان يتعقَّبه بالهوامش ونحوها. [الأربعون التساعيات لأبي علي الصيرفي] فمنه: أنَّه نبَّه على أن الحديث الثامن والثلاثين (١) من "أربعي" المحدِّث الشهير أبي علي الحسن بن علي اللَّخمي الصَّيرفي والتساعيات (٢) صوابُه أن يكون عُشاريًا، سقط منه على المخرِّج رجلٌ ما تَنَبَّه له، وهو بين أبي الحسم بن عبد كُوْية وأحمد بن عبد الرحمن بن يونس الرَّقيِّ، واستدل لذلك، ثم قال: وأظنُّ أنَّ الساقط هو أبو القاسم الطبراني الحافظ، فإن ابن

стр. 369

عبدكُوية مِنَ المكثرين عنه، وهو -أعني الطبراني- فقد أخرج الحديث المنبَّه عليه في "معجمه الصغير" في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن المذكور. ثم وقف شيخُنا على الجزء الذي خرَّج ابن الصيرفي الحديث منه، فوجده كما ظنَّ. [الأربعون العشاريات لابن الجزري] ونحوه ما كتبه بخطه على "العُشاريات الأربعين" التي خرَّجها ابن الجَزَري لنفسه: هذه قد انتزعها كلَّها مِنَ "الأربعين العشاريات" لشيخنا أبي الفضل العزاقي إلا الحديث الحادي عشر، فأخرجه عن الحسن بن أحمد بن الهبل، أخبرنا الفخر، أخبرنا ضياءٌ وغيره إجازةً، أخبرنا أبو بكر بن النَّقُّور، أخبرنا علي بن عمر الحربي، حدَّثنا عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه الصَّيرفي، حدَّثنا داود بن صعير حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي (١)، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "كلامُ أهل السماوات لا حولَ ولا قوة إلا باللَّه". وهو مِنْ ثاني "الحربيات"، وإيرادُ هذا في "العُشاريات" غلطٌ منه. قال: ووقع له في خطبتها مِنَ الأوهام غيرُ ذلك، واللَّه المستعان (٢). [الكامل لابن عدي] ومنه ما كتبه على "الكامل" لابن عدي، حيث قال في ترجمة مالك بن إسماعيل النَّهدي: قال السعدي: كان حسنَيًّا، يعني: الحسن بن صالح، على عبادته وسوء مذهبه.

стр. 370

فتعقَّبه بأن أبا غسَّان مالكًا، وإن كان مِنْ أصحاب الحسن بن صالح، لكن لم يُردِ السَّعديُّ نسبته إلى الحسن، وإنما قال: إنه خشَبِيٌّ، بمعجمتين، يريد: أنه رافضي قال: وشرحُ ذلك يطول، وهو معروف في غير هذا الموضع. [الأنساب لابن السمعاني] ومنه ما كتبه على "الأنساب" لابن السمعاني، حيث قال في ترجمة الجريري: بفتح الجيم، وكسر الرَّاء، نسبة إلى مذهب محمد بن جرير الطبري. قال: وكان منهم إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني، ثم نقل عن ابن حبان أنَّه قال فيه: إنه جريريُّ المذهب، ولم يكن داعية. فتعقبه بقوله: لم ينسُبه ابن حبان لمذهب محمد بن جرير، وإنما نسبه لمذهب حَرِيز بن عثمان، وهو بالحاء المهملة، ثم راء، ثم زاي، ولو لم يكن في هذه إلا مخالفة التاريخ، فإنَّ إبراهيم المذكور في طبقة شيوخ محمد بن جرير، ومات بعد مولد محمد بن جرير بأربع وعشرين سنة، فكيف يكون على مذهبه وهو في عداد شيوخه. [تعقُّبه أبا عليٍّ الصدفي] ومنه وقد كتب الحافظ أبو علي الصَّدَفي شيخ القاضي عِياض بهامش نسخته التي بخطه من "صحيح البخاري"، قُبيل صدقة الفطر بأبواب عند قوله في (باب ما يستخرج من البحر): وقال اللَّيث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هُرمز، عن أبي هريرة، أن رجلًا مِنْ بني إسرائيل، فذكر حديث الخَشَبة والألف دينار: رواها عاصم بن علي عن اللَّيث. والبخاري قد حدَّث عن عاصم، فَلِمَ لَمْ يُسند هذا الحديث، فلعله لم يسمعه من عاصم، أو لعله لم يتواطأ في روايته عَنِ اللَّيث. وقد رواه أيضًا محمد بن رُمح بن المهاجر عن اللَّيث ما نصه: كأنَّ الصَّدفي ما وقفَ على توصيل البخاري لهذا الحديث عَنِ اللَّيث،

стр. 371

وهو في البيوع في بعض الرِّوايات عَنِ البخاري، قال في آخره: حدثني أبو صالح، حدثنا اللَّيث بهذا، ورواه عَن اللَّيث غيرُ مَنْ ذُكر. وقوله: ولعله لم يتواطأ عَنِ اللَّيث، فيه إشارة إلى أَن البخاريَّ لا يخرِّجُ حديثَ مَنْ انفرد برواية (١) شيءٍ لم يواطئه عليه غيره. وهو شيءٌ أشار إليه الحاكم، وجزم ابن العربي به وآخرون، وليس بصحيحٍ، مع أنه أثبت أنَّ عاصمًا تُوبع عن اللَّيث. [شرح البخاري لمُغلطاي] ومنه ما كتبه على قول الحافظ علاء الدين مُغَلْطاي في مقدمة "شرحه للبخاري": وأما القطعة التي شرحها شيخُنا أبو محمد المَنْبجِي -يعني القطب الحلبي- وإن كان معظم فوائدها عَن المتأخرين مُبتَّرة، وأكثرُ ألفاظهم فيها متكرِّرة، غيرُ محررة، فهي بكتاب الأَطراف أشبه منها بالشَّرح. فقال ما نصه: كذا قال، وقد قال الكِرماني عن "شرح مُغَلْطاي" ما نصُّه: وأمَّا الذي ألَّفه العالم المشهور بمغلطاي التُّركي المصري، فهو بكتُب تَتْمِيم الأطراف أشبه، وبصحف تصحيح التَّعليقات أمثل، وكأنه من إخلائه جلّ مقصودِ الكتاب على ضمان، ومِنْ شرح ألفاظه وتوضيحِ معانيه على أمان. قال شيخُنا: فعوقِبَ مُغلطاي على إساءته على شيخه. [تعقُّبه أبا زرعه العراقي] ومنه (٢) متعقِّبًا على أبي زُرعة ابن شيخه العراقي فيما كتبه على الحافظ علاء الدين مُغَلْطاي الحنفي إذ كتب على بعض الأجزاء الحديثيّة -كما قرأته بخط مغلطاي-: أنبأنا به ابن البخاري، عن أبي جعفر الصَّيْدَلَاني، إلى

стр. 372

آخره. وكانت كتابةُ مغلطاي لقوله: "به" على كشط يُمكن أن يكون كان فيه بدلها: "جماعة عن"، فقال الحافظ أبو زرعة ما نصه على ما قرأته بخطِّه أيضًا: أمَّا أنت، فلم تدركِ ابنَ البخاري، وأمَّا أنا، فقد سمعتُ على خَلْقٍ كثيرين، وأجازوا لي، وهم سمِعُوا على ابن البخاري، وأجاز لهم. فكتب صاحب الترجمةِ فيما نقلته مِنْ خطه؛ اللَّه المستعان، الخطابُ بقوله: "أنت"، لكاتب الخطِّ الأعلى، وهو الشيخ علاء الدين مُغَلْطاي، شيخ شيوخ كاتب الخط الثاني، وما أدري أي موضع لقوله: "أما أنت وأما أنا". ولم يتقدَّمه في كلام الشيخ ما يقتضي أنْ يَتَعقَّبَ بمثل ذلك. فانظرُوا وتعجَّبُوا. ثمّ إنَّ بين الكتابتين التي (١) بخط مغلطاي قشطًا، ويظهر لي أنه كان فيه واسطة بينه وبين ابن البخاري، لكن ذكر لنا شيخُنا والدُ كاتب الخط الثاني أنَّ مُغلطاي كان يدَّعي في آخر أمره أنَّ ابنَ البخاري أجازَ له، وأنَّ مولده قبل وفاته بسنتين، وكان شيخُنا يذكرُ ذلك عنه وينكره، واللَّه أعلم. [تعقُّبه الحافظ ابن رجب الحنبلي] ومنه وقد وقف على حواشي كتبها ابن رجب على نسخة من "القراءة خلف الإمام" للبخاري (٢) فيها وصفُه له بالميل ونوع هوى وغلبةِ التَّعصُّب، وأنذَ عليَّ بن المديني ليس بفقيه، ولو لزم البخاريُّ أحمدَ وتفقَّه به، كان خيرًا له مِنْ لزوم علي بن المديني وتخبيطه، إلى غير ذلك. فكتب شيخنا ما نصه: الحواشي التي فيه بخط الشَّيخ زين الدين بن رجب الحنبلي البغداد نزيل دمشق. ولقد أظهر فيها مِنَ التَعصُّب والتَّهوُّر ما كان ينبغي له أن يتنزَّه عنه. ولكن مَنْ يبلغ به الغضبُ إلى أن يقول في علي بن المديني: [إنه] ليس بفقيه، يسقطُ معه الكلامُ والسَّلام، كأنَّه ما

стр. 373

طرق سمعه قولُ البخاري: إنَّه ما رأى أعلم مِنْ علي بن المديني، وقد رأى أحمدَ وتلك الطَّبقة وطبقة قبلَهم بقليل. [الحكاية الرباعية المنسوبة للبخاري] ومنه مقابل الحكاية الرباعية (١) المنسوبة للبخاري التي في آخر "جزء اليُونارتي" ما نصه: يقولُ الفقير أحمد بن علي بن حجر: إنني منذ قرأتُ هذه الحكاية إلى أن كتبتُ هذه الأسطر وقلبي (٢) نافر [من صحتها. مستبعد لثبوتها، تلوحُ أماراتُ الوضع عليها، وتلمَعُ إشارات التلفيق فيها] (٣)، ولا يقع في قلبي أنَّ محمد بن إسماعيل يقول هذا ولا بعضَهُ، وأما قول القائل الذي في آخره: إن هذا خير مِنْ ألف حديث، فكذب لا مزيد (٤) عليه (٥). [تعقُّبه ابن جماعة في العَروض] ومنه ما كتبه عند سياق العز ابن جماعة لِمَا أنشده أبو منصور بن شَكْرَويه في "أماليه"، وهو قوله: لو أنني أعطيتُ سُؤلي لما ... سألتُ إلا العَفْوَ والعافيه فكم فتًى قد بات في نعمةٍ ... فسُلَّ منها اللَّيْلَةَ الثَّانيه وزيادته واوًا في أولهما وإبداله "إلا" بلفظ "سوى". فقال: كأنَّه توهم مِنْ إثبات الأول أنَّ الشِّعر مِنَ المُتقارب، ورأى أن لا يفسد

стр. 374

الوزن، فغيَّرها بلفظ "سوى" ليتَّزن، لكن يُعَكِّرُ عليه أنَّ البيت الثاني مِنْ بحر السريع. ومقتضى ذلك أن يكون الأول كذلك، وهو موزون بإثبات "إلا" لا بما غيَّره. وغايته أنه مجزوم بالزاي، إن كانت الواو ثابتة في الأصل، وإلا فهي زائدة. [التعقب على حلّ لغز] ومنه ما كتبه بخطه، حيث قال: قرأت في ترجمة الشريف محمد بن حسين التِّلمساني القاضي عنه، قال: كنتُ مع القاسم بن محمد الصَّنهاجي، فورَدَت عليه يومًا طومارة من عند القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها. خيراتُ ما تحويه مبذولةٌ ... ومَطْلَبي تصحيفُ مقلوبها فقال: ما مطلوبه؟ قلت: تاريخ. فقال شيخنا: هكذا في الأصل، بالمثنَّاة أوله والمعجمة آخره. فكتب الشيخ بدر الدين البشتكي في الهامش قوله: تصحيف لغوٌ مُخِلٌ بالمعنى. فاعترضه أبو الفضل بن الإمام -ومِنْ خطه نقلت- فقال: مجرَّدُ القلب لا يُؤَدِّي لفظَ تاريخ، لأنَّ "خيرات" تحتج إلى أمرين: أحدهما: القَلْب، وهو تأخير ما تقدَّم مِنَ الحروف، وتقديم ما أُخِّر. والثاني: التَّصحيف، وهو تغييرُ حركات الأصل إلى حركات [المواد، لأن الحركات] (١) كالأعراض لمادة الحروف، وكأن المعترض فَهِم أنَّ التصحيفَ يختصُّ بالحروف، وهو فهم لا يصحُّ؛ لأن التصحيف أعمُّ. قلت: والحق أنَّ البَشتكيَّ بنى الأمرَ على اصطلاح المتأخرين، وهو أن التصحيف للنَّقط، والتَّحريف للشكل، أو على أنَّ مجرَّد الحُروف إذا وَجَدَتْ بعدَ الخطِّ موافقًا خطها للمراد يكفي، وهو كذلك. وإذا ابتدأت بالحرف الأخير، وهو التاءُ، فتحت لضرورة الألف بعدها. ثم لا يبقى بعدَ

стр. 375

ذلك مِنَ الشَّكل إلا الراء، فإنَّها حينئذٍ تبقى مفتوحةً، وهي في "التاريخ" مكسورة. والخَطْبُ فيه سهلٌ. والذي يظهر لي أنَّ النَّاظمَ إنما طلب "نارِنج" بنونين وجيم. وحينئذٍ، فلا نِزَاعَ في اشتراط التَّصحيف والقلب معًا. انتهى. [تعقبه على ابن جماعة] ومنه أنَّ الصَّفدِيَّ قال في الجزء الثامن من "تذكرته": قال محمد بن زكريا الرازي: لعمري ما أدري وقد آذَن البِلَى ... بعاجلِ ترحالِي إلى أين ترحالي وأين محلُّ الرُّوح بعد خُروجِه ... مِنَ الجسد المنحلِّ والهيكل البالي قال: فأجبتُه: إلى جنة المأوى إذا كُنتَ خَيِّرًا ... تُخَلِّد فيها ناعمَ الجسم والبالِ وإن كُنتَ شرِّيرًا ولم تَلْقَ رَحْمَةً ... مِنَ اللَّه فالنِّيرانُ أنت بها صالِ فكتب البرهانُ ابن جماعة بالهامش ما نصه: هذا الجوابُ خطأٌ. ومقصودُ ابن زكريا مَعْرفةُ مقرِّها في البرزخ. فهو محلُ الخلافِ المشهور، وليس مقصوده السُّؤال عن مآلها، فإنَّ القرآن العظيم مشحونٌ بذلك، وما أقبحَ بالرَّجل أن يتعاطى ما لا علم له به، يريد أن يعلُوَ فيهبِطَ. فكتب شيخنا ما نصه: وعندي أنَّه ظلم الصَّفديَّ بهذا الاعتراض. فإنَّ كلًّا مِنَ الاحتمالين موجّهٌ، نعم تحسين الظَّنِ بالمسلم يقتضي الجوابَ الثاني، وأما عَنْ لا يؤمن بالقرآن، فلا يُنكر منه أن يأتي بالسُّؤال الذي يقتضيه الجواب الأول. انتهى. والظاهر أنَّ مقصودَ ابن زكريا أن يعرف: هل هو مِنْ أهل الجنة أو من أهل النار، وبيتاه يدلَّان على خوفه مِنْ سوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منها بفضله. [كمال الظَّرف] ومنه، وقد رأى قول أبي بكر بن مجاهد: مَنْ قرأ بقراءة أبي عمرو،

стр. 376

وتفقَّه للشافعي، واتَّجر بالبَرِّ، وروى شعر ابن المعتز، فقد استكمل الظَّرْفَ. فقال ما نصه: وروى الحُميديُّ عن أبي محمد بن حزم الحافظ أنه قال: مَنْ تَمَذْهَبَ للشافعي، وقرأ لأبي عمرو، وتخَتَّم بالعقيق، وروى قصيدة ابن زُريق، فقدِ استكملَ الظَّرْفَ. قال: فاشتركا في ذكر القراءة والمذهب. وَلَا افْتِرَاق بين التِّجارة بالبَزِّ والتَخَتُّم بالعقيق، بل يمكنُ الجمعُ بينهما. وأمَّا الشِّعر، فالأولى ما قاله ابنُ مجاهد، وقصيدةُ ابن زُريق عندي، وأين هي مِنْ نَفَسِ ابنِ المعتز. قلت: وكان بعض الفُضلاء يقول: لو رأى ابنُ حزم قصيدَةَ ابن زيدون النُّونية، يعني التي أودعتها في مصنفي "ارتياح الأكباد" وأولها: أضْحى التَّنائي بديلًا مِنْ تدانينا ... وناب عَنْ طيبِ لُقيانَا تَجافينا لعدل عَنْ قصيدة ابن زريق إليها، لكنه -يقال-: إنه ما حفظها أحدٌ إلا وفُجِعَ ببعضِ أحبابه. وابنُ زُريق: هو أبو الحسن علي البغدادي الكاتب، وروينا قصيدته المشار إليها عن أبي هريرة القِبَابي (١)، عن أبي عبد اللَّه بن الخباز، أخبرنا الفخر أبو الحسن بن البخاري، وأبو العباس أحمد بن شيبان، وأم أحمد زينب ابنة مكي، أظنُّه إذنًا، كلُّهم عن أبي حفص بن طَبرْزَد سماعًا، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن نبهان الغنوي، أنشدنا أبو عبد اللَّه محمد بن نصر الحُميدي، أنشدنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النَّحوي الواسطي -[عُرف بابن بِشران- بواسط، أنشدني] (٢) الأمير أبو الهيجاء محمد بن عمران بن شاهين، أنشدني الأديب أبو الحسن لنفسه فذكرها، وأولها:

стр. 377

لا تعذليه فإنَّ العَذْلَ يُولِعُه ... قد قُلْتِ حقًا ولكن ليسَ يسمعُهُ وهي أربعون بيتًا. [عدم جواز تصرُّف الناسخ فيما ينسخ] ومنه على نسخة المنكوتمريه من "الأغاني" في ترجمة أبي العتاهية، وقد بيض الناسخ شيئًا مِنْ كلامه، واعتذر بأنه مما لا يجوز كتابته. فقال شيخنا ما نصه: قوله: "مما لا يجوزُ كتابته"، جهلٌ مِنَ الكاتب، وحاكي الكفرِ ليس بكافرٍ. وليس للنَّاسخ أن يتصرف فيما ينسحه. والكلامُ الذي حذفه هو قول أبي العتاهية: قرأته (١) البارحة عمَّ يتساءلون؟ ثم قلت: هي قصيدة أحسن منها. قلت: وفي السند إليه نظر. فإن ثبت كان كافرًا، لكن يحتمل أن يكون هذا في شبيبته، ثم تنَسَّك بعد ذلك وتاب. انتهى. بل رأيت شيخنا في ترجمة أبي العتاهية أيضًا مِنَ الكتاب المذكور سدَّ بخطه ما بيَّضه النَّاسخ، لكونه -في زعمه- مِمَّا لا تجوزُ كتابته، وهو أنَّ رجلًا شاور أبا العتاهية فيما ينقُش على خاتمه، فقال له: انقش لعنة اللَّه على النَّاس. [تعقُّبه على ابن الملقِّن] ومنه حيث ذكر شيخُه ابن الملقن في "تخريج الرافعي" حديثَ: "مَنِ اعتكف فُواقَ ناقةٍ، فكأنما أعتق نسمَةً"، وقال: أخرجه العُقيلي في "الضُّعفاء" من حديث عائشة بلفظ: "من رابط" بدل "اعتكف". فقال صاحبُ الترجمة: هكذا ذكر، وليس هذا بموافقٍ للتَّخريج؛ لأنَّ الرّباط غيرُ الاعتكاف. وقد روى الطبراني في "الأوسط" مِنْ حديث ابن

стр. 378

عباس رضي أنه عنهما مثلَ حديث عائشة في الرباط أيضًا. وليس ما اعتمده شيخنا في ذلك بجيد، لأنه يُوهِمُ أنَّ أصلَ الحديث قد خُرِّج، وليس كذلك. [المفاضلة بين صحيحي البخاري ومسلم] ومنه عند حكاية الإمام أبي محمود المقدسي في ترجمة مسلم بن الحجاج من "جمعه" عن أبي علي الحسين بن علي النيسابوري الحافظ شيخ الحاكم أبي عبد اللَّه بن البيع، أنَّه قال: "كتابُ مسلم" أصحُّ مِنْ "كتاب البخاري"، ما نصه: هذا الكلامُ ما فاهت به شفتَا الحُسين بن علي قطُّ. ولقد قوَّلتَه يا هذا ما لم يُقل. بل لفظُه: ما تحت أديم السَّماء أصحُّ مِنْ "كتاب مسلم"، ولا يلزَمُ مِنْ هذه العبارة ما حكيت أنتَ، واللَّه الموفق. ومنه، وقد كتب الحافظُ صلاح الدين الأقفهسي على ظهر جزء مِنْ "حديث أبي الفتح بن بُريدة" ما مثاله: سمعتُه بدمشق بقراءتي (١) على فاطمة ابنة المُنَجَّا بإجازتها مِنْ ابن الزَّرَّاد. فقال شيخنا ما نصه: ليس هذا الجزء الذي يرويه ابن الزَّراد، بل هو غيره، ثم ساق سنده بذلك. قال: وأمَّا هذا، فلم أستحضر أنِّي سمعتُه. [سماع رقية بنت الشرف محمد من ابن المصري] ومنه على طبقة بإسماع الحاجة رقية ابنة الشرف محمد ابن الشيخ أبي الحسن ابن القارىء لبعض الأجزاء عن ابن المصري، فقال: أعلم أنَّ الحاجّة رُقية المذكورة لم تُدرك أبا زكريا يحيى بن يوسف بن أبي محمد بن أبي الفتوح ابن المصري، بل مات قبلَ مولدها بمدة. وقد

стр. 379

حقَّق ذلك الإمامُ زينُ الدِّين عبد الرحمن البِرِشْكي التُّونسي، وأخبرني أنَّه وقف على تاريخ مولدها، وهو بعد الأربعين وسبعمائة، وكانت وفاةُ يحيى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. [إجازة ابن قريش للسويداوي] ومنه على طبقة بإسماع السُّويداوي "لمسند الشهاب" للقُضاعي عن عائشة ابنة الصَّنهاجي سماعًا لمعظمه، وأبي الحسن بن قريش إجازة ما نصه. هذا الذي ذكره هذا الرجلُ من إجازة ابن قريش لشيخنا شهاب الدين السُّويداوي شيءٌ لا أصل له، وإنَّما هو مِنْ ظُنون صاحبنا شهاب الدين الكلُوتاتي الفاسدة، وتلقَّفها مَنْ لا خِبْرَة له مِنَ الطَّلبة منه. واللَّه المستعان. قلت: وقد أسلفتُ شيئًا مِنْ هذا في أثناء الباب الثاني قُبيل التَّعرُّض لسفره إلى آمد. * * * ومنه حين أنشده التاج محمد بن أحمد بن محمد النقيب بالخشَّابية لشيخه البهاء ابن عقيل مُلغِزًا في الصَّيد: عندي سؤالٌ حسنٌ مستطرفٌ ... مبْن (١) على أصلين قد تفرَّعا في متلفِ شيءٍ على مالكه ... يلزمُه القيمةُ والمِثلُ معا فقال: هكذا أنشدنا، والبيت الثاني مكسور، ولعله "في متلفٍ شيئًا على مالكه" أو: "متلف شيء ما". ثم وقفت على البيتين لغير البهاء،

стр. 380

فأنشدهما التاج السبكي في "التوشيح" للزين أبي المظفر ابن الوردي، وثانيهما بلفظ: "متلف شيء برضا مالكه"، فلعلَّ التاج سمعهما من البهاء، فظنهما له. ولعلَّ البهاء سمعهما مِنْ ناظمهما. وقد أنشدنا أبو اليُسر ابن الصَّائغ إجازةً، عن ابن الوردي إجازة، فذكرهما. ومنه عند قول أبي حيان في "نغْبة الظَّمآن": ومالك والإتعاب نفسًا شريفةً ... وتكليفها في الدَّهر ما هو يصعُبُ أرِحْها فعَنْ قُرْبٍ تلاقي حِمَامَها ... فتنعم في دار الجَزَا أو تعذَّبُ ما نصه: ما زلت أستشكلُ هذا الكلام الذي في هذه المنظومة التي أولها: ومالك والإتعاب إلى آخره، لأنه يدخُل في عموم ذلك إتعاب النَّفس بالعبادة. وظاهره يرمز إلى الرُّكون إلى الراحة، وتركِ العمل مطلقًا، اعتمادًا على ما قُدِّرَ، وهو يُفضي إلى القول بالجبر، إلى أن وقفتُ على بيتين للشيخ جلال الدين الدِّشناوي -يعني أحمد بن عبد الرحمن بن محمد، عالم الصَّعيد في عصره- قيّد فيهما ترك التَّعب في طلب الرزق، وهو أسهلُ مِنْ إطلاق الشَّيخ. ومنه عند قولِ الحَيْص بَيْص: تَشَرْبشْ أو تَقَمَّصْ أو تقبَّا ... فلن تزداد عندي قطُّ حبّا أخذتَ ببعضِ حُبِّك كلَّ قلبي ... فإن تَرُم الزِّيادَةَ هاتَ قَلْبا ما نصه: البيت الأول من الموجهة التي تحتمل المدحَ والذَّم، لكن الثاني يرشِّح بأن مُراده المدح. [قياس ارتفاع النيل] ومنه عند قول التقي المقريزي في "الخطط": مِنَ المعتبر الذي جرَّبتُه

стр. 381

وجرَّبه قبلي مَنْ أخذتُ علمَ ذلك عنه، وأخبرني به عن مجرِّبه (١) أن ينظُر أول يوم مِنْ "مسرى" كم بلغ النِّيلُ في زيادته مِنَ الأذرُعِ والأصابع، فَيُزَادُ على ذلك ثمانية أذرع سواء، فما بلغ، فإنه نهاية زيادة النِّيل في تلك السنة. ما نصه: هذا مِنْ أعجب ما وقع لصاحب هذا الكتاب، فإن هذه القاعدة مُنَخَرِمةٌ طردًا وعكسًا؛ لأنه في سنة الغلاء، سنة ست وثمانمائة، كان في أول "مسرى" قد زاد على اثني عشر ذراعًا، ولم يكمُل تلك السنة سبعة عشر. فلو زِيدَ على الاثني عشر ثمانية؛ لبلغ عشرين، ولم يقع ذلك. وكان في سنة خمسَ عشرة قد أكمل سِتَّةَ عشر ذراعًا في أول يوم مِنْ "مسرى"، فلو زاد بعد ذلك ثمانية أذرُعٍ لبلغ أربعًا وعشرين ذراعًا، ولم يقع ذلك (٢). قلت: ولو تتبعتُ ما كان يقيِّده (٣) بهوامش الكتب في غير فنِّ الحديث، لكانَ فوقَ الوصف، [فكيف بالحديث. هذا مما لا يمكن حصرُه. ووراء هذا أنَّه كان يعرفُ مِنْ أين أخذ ذلك المصنِّف] (٤) تصنيفه أو بعضه. فقرأت بخطه ما نصه: فصل فيمن أخذ تصنيف غيره فادعاه لنفسه وزاد فيه قليلًا ونقص منه ولكن أكثره مذكور بلفظ الأصل. "البحر" للروياني، أخذه مِنَ الحاوي للماوردي. "الأحكام السلطانية" لأبي يَعْلَى، أخذها من كتاب الماوردي، لكن بناها على مذهب أحمد.

стр. 382

"شرح البخاري" لمحمد بن إسماعيل التَّيمي، مِنْ شرح أبي الحسن ابن بطَّال. "شرح السُّنة" للبغوي، مستمدٌّ مِنْ شَرْحَي الخطَّابي على البخاري وأبي داود. الكلام على تراجم البخاري للبدر بن جماعة، أخذه مِنْ تراجم البخاري لابن المنَيِّر باختصار. "علوم الحديث" لابن أبي الدَّم، أخذه من "علوم الحديث" لابن الصلاح بحروفه، وزاد فيه كثيرًا. "محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح" لشيخنا البُلقيني، كلُّ ما زاده على ابن الصلاح مستمدٌّ مِنْ "إصلاح ابن الصلاح" لمُغلْطاي. "شرح البخاري" لشيخنا ابن الملقن، جَمَعَ النِّصفَ الأول مِنْ عدَّة شُروح. وأما النَّصف الثاني، فلم يتجاوز فيه النَّقلَ مِنْ شيخي ابن بطال وابن التِّين، يعني حتى في الفروع الفقهية، كما سمعت ذلك مِنْ صاحب الترجمة. [طبقات الشافعية لابن الملقِّن] وقرأت بخطه أيضًا على "ذيل لشيخه" ابن الملقن مرتَّب على الحروف، اشتمل على أزيدَ مِنْ أربعمائة نفسٍ، ذيَّل به على "طبقات الشافعية" المرتب على طباق ثلاثة، اشتملت على أزيدَ من ألفٍ ومائتي نفس له أيضًا، ما نصه: نظرتُ هذا الكتاب مِنْ أوَّله إلى آخره، وقابلتُ التراجم جميعها (١)، على كتاب "الطبقات الوسطى"، للقاضي تاج الدين السبكي، فوجدتُ الجميع، إلا اليسيرَ -منقولًا منها بحرُوفها، والقدرُ اليسير الزَّائد- لعلَّه عشرة تراجم - لا يزيدُ على ذلك.

стр. 383

ولقد طال تعجُّبي مِنْ شيخنا فيما اعتمده مِنْ ذلك. فما كان يضُرُّه لو قال في خطبته: إنه التقطه مِنْ تصنيف مَنْ سبقه إليه. أتُراه ظنَّ أنَّ "طبقات" تاج الدين تُدْفَنُ معه في القبر فلا تظهر؟ وما جوَّزَ قطُّ أن ينقُل منها نسخةً أخرى، إن هذا لشيءٌ عجيب! قال: ولم أقف على "طبقاته" التي هذه فإن عليها. وأظنُّها ملخَّصةٌ مِنْ "الطبقات الكبرى"، ومن "طبقات الإسنوي"، والعلم عند اللَّه تعالى. انتهى. وقد وقفت على "الطَّبقات" المشار إليها (١) بخطِّ فقيه صاحب الترجمة، الشيخ صدر الدين السَّفطي في مجلد لطيف، والمجلد الثاني -وهو بخطه أيضًا- اشتمل على "الذَّيل" الذي كتبَ عليه شيخُنا ما قدَّمتُه، وعلى "طبقات القراء" وغير ذلك مِنْ تصانيف ابن الملقن. [الإجابة للزركشي] وكذا قرأت بخطه -[أعني صاحب الترجمة] (٢) على "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" للزركشي ما نصه: أصلُ هذا التصنيف للأستاذ الجليل أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن طاهر البغدادي، الفقيه، المحدث، المشهور. رأيته في مجلَّدةٍ لطيفة، وجُملَةُ ما فيه منَ الأحاديث خمسةٌ وعشرون حديثًا. وكان الكتاب المذكور عند القاضي برهانِ الدين بن جماعة، فما أدري: هل خَفِيَ عليه وقتَ تقديم هذا له أو أعلمه به؟ نعم، لمصنف "الإجابة" حُسْنُ التَّرتيب والزِّياداتُ البيِّنَةْ والعَزْو إلى التَّصانيف الكبار، والأول -على عادة مَنْ تقدم- يقتصر على سَوْقٍ الأحاديث بأسانيده إلى شيوخه. وجُمْلَةُ مَنْ أخرج ذلك عنه مِنْ شيوخه نحوٌ مِنْ ثلاثين شيخًا مِنْ شيوخ بغداد، ومصر وغيرهما، ولا يعزو التَّخريج إلى أحد.

стр. 384

وقد نقل هذا المصنِّفُ عن أبي منصور في هذا الكتاب، فعُلِمَ أنَّه وقف عليه، وكان ينبغي له أن ينبِّهَ على ذلك. وهذا التَّصنيفَ القديمُ أخبرنا به غيرُ واحدٍ مِنْ شيوخنا إجازةً عن عبد القادر بن أبي البركات بن القريشة، أخبرنا المُسلَّم بن علَّان سماعًا، عن الخُشوعي، عن أبي عبد اللَّه الحسين بن محمد بن خسرو، أخبرنا المصنِّف سماعًا (١). [قلت: وأبو منصور هذا، ليس هو مصنِّفُ الأصل، بل هو شيخُه، والمصنِّفُ إنما هو الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، وقد وقفت (٢) على النُّسخة التي أشار إليها شيخُنا، فسبحان من لا يسهو] (٣). [شرح العمدة للبرماوي] وقرأت بخطه أيضًا على نسخة من "شرح العمدة" للبرماوي ما نصه: يقول الفقير أحمد بن علي الشافعي: إن هذا الكتاب مشى فيه الشيخُ شمس الدين، عفا اللَّه تعالى عنه، على شرح شيخنا الشيخ سراج الدين ابن الملقن كان أوله (٤) إلى آخره، ينتخب فوائده، ويحصل مقاصده. وربما لم يزد فيه إلا الشيء اليسير، بحيث لو تصدَّى حاذِقٌ إلى انتزاع ما زاده، لم يزد على كُرَّاسٍ أو كُرَّاسين. ولو تصدَّى لتتبع ما حذف مِنْ شرح شيخنا مِنَ الفوائد التي تُضاهي ما انتخبه، لكان قَدْرَ ما كتبه. ولو كان تجرَّد لعمل نُكَتٍ على كتاب شيخنا تحريرًا واستدراكًا ونحو ذلك، لكان أظهرَ لبيان فضيلته، وقوة نفسه (٥) مع السلامة مِنَ الإغارة على كلام شيخه، مِنْ غيرِ أن ينسبُه إليه،

стр. 385

فليس ذلك مِنْ شكر العلم، واللَّه المستعان. [شرح البخاري للعيني] وقرأتُ بخطه أيضًا: "شرح البخاري" لبدر الدين العيني. أخذه من "فتح الباري" لابن حجر، ونقص منه وزاد فيه قليلًا، ولكن أكثرَهُ يسوقُه بحروفه، الورقةَ والورقتين وأقلَّ وأكثر، أو يعترض عليه اعتراضاتٍ واهية (١). قلت: وقد بيَّنها صاحبُ الترجمة في مصنَّفه "انتقاض الاعتراض"، ﵏ أجمعين. [مصنفات المقريزي] وقرأت بخطه أيضًا في ترجمة الأديب المؤرخ الشهاب أحمد بن الحسن بن عبد اللَّه بن طوغان الأوحدي ما نصه: اعتنى بعمل خُطط القاهرة، ومات عنه مسوَّدة، فبيَّضه الشيخ تقي الدين المقريزي. قلت: وكذا عَمل في "تاريخ مصر" للقطب الحلبي، فإنَّه لم يبيض منه غيرَ المحمدين وبعض الهمزة، فأخذ المسوَّدة بتمامها، ولخَّص تراجمها، ولم ينسُب له -فيما رأيتُ- ولا الترجمة الواحدة. [قوة الاستحضار حال القراءة والدَّرس] وكان ﵀، لسعة حفظه ووفور استحضاره، لا يمتنع مِنْ كتابة الفتاوى، بل والتَّصنيف وغيره في حالة الإسماع، كما أشير لشيء مِنْ ذلك في الباب الثاني. ويَردُّ مع ذلك على القارىء السَّقطَ في السَّند، والتحريفَ فيه، وفي المتن، وأمرُهُ في ذلك أجلُّ من أن يذكر. ولقد حكى لي قاضي القضاة البدر ابن التَّنَسي المالكي رحمه اللَّه تعالى، قال: كنت آتيه للقراءة عليه، فلا أراه يترُكُ الكتابة حين قراءتي، فعل

стр. 386

ذلك معي مرارًا. فقلت في نفسي: أنا أجيءُ مِنَ المكان البعيد، وهو لا يعبأ بي، فعسى أن يحصُل خللٌ أو تحريفٌ، وصِرْتُ في ألَمٍ بذلك. فأضمرتُ في نفسي يومًا أنَّني أتعمَّدُ إسقاط شيءٍ أمتحنُه به، ففعلت ذلك. فبمجرَّدِ أن مررتُ فيه، رفع رأسه وقال: أعِدْ، فأعدت القراءة على الصَّواب، فأطرق (١)، وعلمت أنه غيرُ غافلٍ عني. قلت: ورأينا منه العجب في ذلك. وقد قال الخطيب في "تاريخ بغداد": حدثني الأزهري، قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصّفار، فجلس ينسخُ جزءًا، والصَّفار يُملي، فقال له رجل: لا يصِحُّ سماعُك وأنت تنسخُ. فقال الدارقطني: فهمي للإملاء خلافُ فَهْمِك. تحفظ كم أملى الشيخ؟ فقال: لا. قال: أملى ثمانية عشر حديثًا، الحديث الأول: عن فلان عن فلان، ومتنه كذا. والحديث الثاني: عن فلان عن فلان، ومتنه كذا. ثم مرَّ في ذلك حتى أتى (٢) على الأحاديث، فتعجب النَّاس منه، أو كما قال. وحكى العماد ابن كثير عن شيخه المِزِّيّ أنَّه كان يكتب في مجلس السماع ويَنْعَس في بعض الأحيان، ويرُدُّ على القارىء ردًا جيدًا بيِّنًا واضحًا، بحيث يتعجَّبُ القارىءُ ومَنْ حضر. وحكى ذلك الذهبيُّ أيضًا في ترجمته مِنَ "الحفَّاظ" فقال: وكان يطالع وينقُل الطِّباقَ إذا حدَّث، وهو في ذلك لا يكادُ يخفى عليه شيْءٌ ممَّا يقرأ، بل يَرُدُّ في المتن والإسناد ردًا مفيدًا، يتعجَّب منه فُضلاءُ الجماعة. قلت: وهكذا كان صاحبُ الترجمة كما تقدم، بل ربما قُرىء عليه بعد العشاء وهو ناعس، فيرُد أيضًا، وإن لم يكن أهل الحديث يتركونه يتمادى في النُّعاس. ومن أظرف ما رأيتُه في ذلك: أنَّ بعضَ طلبته مِنْ أصحابنا رآه مُطْرِقَ

стр. 387

الرَّأس، فتوهم أنَّه ناعسٌ، فأخذ يضربُ الأرض بمفتاحه مرَّةً بعد أخرى، وأكثرَ مِنْ ذلك، وصاحبُ الترجمة ينظرهُ، وهو يبالغ في ذلك، ولا يرفَعُ رأسه، إلى أن زاد، فعند ذلك قال له: يا أخي، ما مِنْ ضربةٍ إلا وأنا أراها بعيني، أو كما قال. وهذا لسَعَةِ حلمه وعلمه بأحوال الطَّلبة. وممن بلَّغني عنه مِنَ المتأخرين أنَّه كان يقرِّر "شرح الألفية" لابن المصنِّف وهو ناعسٌ، لشدة إتقانه للفن، الشَّيخُ العارف باللَّه تعالى شمس الدين البوصيري، كما أخبرني بذلك تلميذُه شيخُ المذهب الحنبلي العزُّ العسقلاني. وقد قال الرافعي ﵀ في "أماليه": كان أبو الحسن الطالقاني شيخُنا ربما قُرِىءَ عليه الحديثُ وهو يصلِّي، ويصغي إلى ما يقول القارىء، وينبِّهُه إذا زلَّ، يعني بالإشارة. انتهى. وكذا حُكي عن الدَّارقطني، قال الصُّوري: سمعت رجاء بن محمد يقول: كُنَّا عند الدارقطني وهو يصلي، فقرأ القارىء "نسير بن ذعلوق" فغيَّره "يسير" فسبَّح الدارقطني، فقال القارىء: "بشير" فتلا الدارقطني: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾. وحكى حمزةُ نحوها، لكن قال: إنَّ القارىء قرأ عمرو بن سعيد، فسبَّح الدارقطني، [فوقف القارىء] (١)، فقرأ الدارقطني: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ﴾. قلت: والنَّاس في ذلك متفاوتون؛ وأعلاهم رُتبة ما يُعزى لعلي بن أبي طالب ﵁، أنَّه أصيب بسهمٍ في بعض الحُروب، فجذب السَّهمَ، وبقي النَّصلُ في عُضوه، فقيل له: إن لم يخرج العضو لا يمكن إخراجُ النَّصلِ، ويُخاف مِنْ إيذائك، فقال لهم: إذا اشتغلتُ بالصلاة فاستخرجوه (٢)، ففعلوا ذلك، ولم يشعر به. فإنَّه لمَّا فرغ مِنْ صلاته، قال:

стр. 388

لِمَ لَمْ تستخرجوا (١) النَّصل؟ فقالوا: قد فعلنا. ونحوه ما حُكِيَ عن عُروة بن الزُّبير ﵄، أنَّه حصلت له أَكِلَةٌ، فأشير بقطع العُضو. وفُعِلَ ذلك وهو في الصَّلاة، فما تضوَّر وجهُه، وهذا لشدة الخشوع. إذا عُلِمَ هذا، فلم يكن صاحبُ الترجمة بالمتشدِّد في الإسماع، بل كان -كما حكاها ابن كثير عن المِزِّي- يحضرُ عنده مَنْ يفهم ومَنْ لا يفهم. والبعيدُ مِنَ القارىء، والنَّاعس والمتحدِّث، والصبيان الذين لا يضبط أحدهم، بل يلعبون (٢) غالبًا، ولا يشتغلون بمجرَّد السماع، ويكتب للكلِّ بحضور المِزِّي السماع. ثمَّ قال ابنُ كثير: وبلغني عَنِ القاضي التَّقيِّ سليمان بن حمزة، أنَّه زُجر في مجلسه الصِّبيان عَنِ اللَّعب، فقال: لا تزجرُوهم، فإنَّا إنَّما سمعنا مثلهم. وكفى بهذين الإمامين (٣) سلفًا، بل فعلُه هو حجة لغيره. ولو تتبعت مَنْ جرى مجراهم في ذلك، لخرجتُ عن المقصود، لا سيما وقد أوضحتُ المسألة في "حاشية الألفية وشرحها"، واللَّه الموفق. وقد سُئِلَ عمَّن يحضُر مجلسَ الحديث ممَّن لا يفهم العربي، أيكتُب له حضورٌ أو سماع؟ فقال: سماع. ومِنْ سَعَةِ حفظه: أنَّه حضر ليلةً مِنْ ليالي رمضان بجانب الحاكم للصَّلاة خلف ابن الكُويز، إذ صَلَّى للناس التراويح عقب ختمه القرآن على جاري عادة الأولاد. فجلس بجانب المحراب ينتظر مجيء المذكور، وكان الشيخُ شهابُ الدين بن أسد يقرأ في "الترغيب والترهيب" للمنذري للجماعة الحاضرين إلى أذان العشاء. فلمَّا انتهت القراءةُ ثمَّ الصلاة، ومشي القاريءُ

стр. 389

المذكور في خدمته مع الجماعة. قال له شيخنا: يا شيخ شهاب الدين، سقط مِنْ نسختك حديثُ كذا، حديث كذا. فقال: واللَّه يا مولانا شيخ الإسلام، بل حذفتُ ذلك عمدًا، لعدم إتقاني للفظهما (١) الساعة، وما تيسَّر لي قبلَ المجيء تحريرُهما فسكت. حكى لي ذلك الشيخ شهاب الدين الحجازي، واستغرب ذلك، والأمرُ وراء هذا: نزلوا بمكة في قبائل نَوْفَلٍ ... ونزلت بالبيداء أبعدَ منزلِ ﵀ وإيانا.

стр. 390

الأشعار المنظومة في مدح الحافظ ابن حجر
следующие страницы →